Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧ - ٣٥٩٣
كتاب المناقب
وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق مَروان بن معاوية وغيره عن إسماعيل، وقال فيه
أيضاً: وهم هذا البارز.
وأخرجه أبو نُعَيم من طريق إبراهيم بن بشّار عن سفيان، وقال في آخره: قال أبو هريرة:
وهم هذا البارز، يعني: الأكراد. وقال غيره: البارز الدَّيلَم، لأنَّ كلّ منهما يَسكُنونَ في بَرَاز
من الأرض أو الجبال، وهي بارزة عن وجه الأرض، وقيل: هي أرض فارس، لأنَّ منهم
مَن يجعل الفاء موحّدة والزّاي سِيناً، وقيل غير ذلك.
وقال ابن الأثير: ذكره أبو موسى في الباء والزّاي، وقيل: البارز: ناحية قريبة من کِرمان،
بها جبال فيها أكراد، فكأنَّهم سُمُّوا باسم بلادهم، أو هو على حذف ((أهل))، والذي في
البخاري بتقديم الرّاء على الزّاي، وهم أهل فارس، فكأنَّه أبدَلَ السّين زاياً، أي: والفاء باءً.
وقد ظَهَرَ مِصداقُ هذا الخبر، وقد كان مشهوراً في زمن الصَّحابة حديث: ((اتركوا
التُّرك ما تَرَكُوكم))، فروى الطبراني (٨٨٢/١٩ ٨٨٣) من حديث معاوية قال: سمعت
رسول الله ێ یقوله(١).
وروى أبو يَعْلى (٧٣٧٦) من وجه آخر عن معاوية بن خديج قال: كنت عند معاوية،
فأتاه كتاب عامله أنَّه وقعَ بالتُركِ وهَزَمَهم، فغَضِب معاوية من ذلك، ثمَّ كَتَبَ إليه: لا
ثُقاتلْهم حتَّى يأتيك أمري، فإنّي سمعت رسول الله وَيهِ يقول: ((إنَّ التُرك تُجلي العربَ
حتَّى تُلحِقها بمَنابت الشّيح)) قال: فأنا أكره قتالهم لذلك.
وقاتَلَ المسلمونَ التُّرك في خِلافة بني أُميَّة، وكان ما بينهم وبين المسلمينَ مسدوداً إلى
أن فُتِحَ ذلك شيئاً بعد شيء، وكَثُرَ السَّبي منهم، وتَنافَسَ الملوك فيهم لِمَا فيهم من الشِّدَّة
والبَأس حتَّى كان أكثرَ عَسكَر المعتَصِم منهم، ثمَّ غَلَبَ الأتراكُ على الملك فقَتَلوا ابنَهُ
المتوكّل، ثمَّ أولاده واحداً بعد واحد إلى أن خالَطَ المملكةَ الدَّيلَمُ، ثمَّ كان الملوك السامانيّة
(١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرج الحديث من ((سنن أبي داود)) (٤٣٠٢)، و((سنن النسائي)) (٣١٧٦) حيث
خرَّجا الحديث عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ.

٥٠٢
باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧ - ٣٥٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
من التُّرك أيضاً، فمَلَكوا بلاد العَجَم، ثمَّ غَلَبَ على تلكَ المالك آلُ سُبُكْتِكِيْنَ، ثمَّ أَلُ
سَلْجوق، وامتَدَّت مملَكَتهم إلى العراق والشّام والرّوم، ثمَّ كان بقايا أتباعِهم بالشّام وهم
آلُ زِنكي، وأتباع هؤلاءِ وهم بيت أيوب، واستَكثَرَ هؤلاءِ أيضاً من التُّرك فغَلَبوهم على
المملكة بالدّيار المصرية والشّاميّة والحِجازية.
وخَرَجَ على آلٍ سَلْجوق في المئة الخامسة الغُزُّ فخَرَّبوا البلاد وفَتَكوا في العِباد، ثمَّ
جاءت الطامَّة الكبرى بالطَّطَر، فكان خروج جِنكِزِ خان بعد السِّتِّ مئة فاستَعَرت بهم
الدُّنيا ناراً، خصوصاً المشرقَ بأسره، حتَّى لم يَبْقَ بَد منه إلّا دَخَلَه شَرّهم، ثمَّ كان خَرابُ
بغداد وقتلُ الخليفة المستعصِم آخِر خُلَفائهم على أيديهم في سنة ستّ وخمسين وسِتُّ مئة،
ثمَّ لم تَزَل بقاياهم يَخْرُ جونَ، إلى أن كان آخرُهم اللَّنك، ومعناه: الأعرج، واسمُه تَمُر بفتح
المثنّاة وضمّ الميم، ورُبَّما أُشبِعَت، فطَرَقَ الدّيار الشّامية وعاثَ فيها، وحَرَقَ دِمَشق حتَّى
صارت خاوية على عُروشها، ودَخَلَ الرّومَ والهندَ وما بين ذلك، وطالَت مُدَّتُه إلى أن أخَذَه
الله وتَفرَّقَ بَنُوه البلادَ.
وظَهَرَ بجميع ما أوردته مِصداق قوله ◌َله: ((إنَّ بني قَنْطُوراء أوَّل مَن يَسْلُب أمَّتي
مُلكَهم))، وهو حديث أخرجه الطبراني (١٠٣٨٩) من حديث معاوية(١)، والمراد بيني
قَنطوراء التُّرك، وقَنطوراء قَيَّدَه ابن الجَوَاليقي في ((المعَرَّب)) بالمدِّ، وفي كتاب ((البارع))
بالقصرِ، قيل: كانت جاريةً لإبراهيم الخليل عليه السلام فوَلَدَت له أولاداً فانتَشَرَ منهم
التُّرك، حكاه ابن الأثير واستَبعَدَه، وأمَّا شيخنا في ((القاموس)) فجَزَمَ به، وحَكَى قولاً آخر:
٦١٠/٦ أنَّ المراد بهم السّودان، وقد تقدَّم في ((باب قتال التُّرك)) من الجهاد (٢٩٢٧)/ بقيّةُ ذلك.
وكأنَّه يريد بقوله: ((أُمَّتي)) أمَّ النَّسَب، لا أمَّة الدَّعوَة، يعني: العرب، والله أعلم.
الحديث السادس عشر: حديث عَمْرو بن تَغلِب في معنى حديث أبي هريرة، وهو شاهد
قوي، وقد تقدَّم شرحه بما فيه غُنية، وتقدَّم ضبطه في أثناء كتاب الجهاد (٢٩٢٧).
(١) ليس من حديث معاوية، وإنما من حديث ابن مسعود، وفي إسناده رجلٌ متروك الحديث.

٥٠٣
باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧ -٣٥٩٣
كتاب المناقب
الحديث السابع عشر: حديث ابن عمر: ((تقاتلُكم اليهود)) الحدیث تقدَّم من وجه آخر
في الجهاد (٢٩٢٥) في «باب قتال اليهود)).
قوله: ((تقاتلكم اليهود فتُسَلَّطُونَ عليهم)) في رواية أحمد (٥٣٥٣) من طريق أُخرى عن
سالم عن أبيه: ((يَنزِل الدَّجّال هذه السَّبَخَة - أي: خارج المدينة - ثمَّ يُسَلِّط اللهُ عليه
المسلمينَ فيَقتُلُونَ شِيعَتَه، حتَّى إنَّ اليهوديَّ لَيَختَبِئ تحت الشَّجَرة والحجر، فيقول الحجر
والشَّجَرة للمسلم: هذا يهودي فاقتُله)).
وعلى هذا فالمراد بقتال اليهود وقوعُ ذلك إذا خَرَجَ الدَّجّال ونزلَ عيسى، وكما وقعَ
صريحاً في حديث أبي أمامةَ في قصَّة خروج الدَّجّال ونزول عيسى وفيه: ((وراء الدَّجّال
سبعون ألف يهودي کلّهم ذو سیف ◌ُلِّ، فيُدرِكه عیسی عند باب لُّدِّ فيَقتُله وينهَزِم اليهود،
فلا يبقى شيء مَّا يَتَوارى به يهوديٌّ إلَّا أَنطَقَ الله ذلك الشيء، فقال: يا عبد الله - للمسلمِ -
هذا يهودي فتعالَ فاقتُله، إلّا الغَرقَد فإنَّها من شَجَرهم))، أخرجه ابن ماجَهْ مُطوَّلاً (٤٠٧٧)،
وأصله عند أبي داود (٤٣٢٢)، ونحوه في حديث سَمُرة عند أحمد (٢٠١٩٨) بإسنادٍ حسن(١)،
وأخرجه ابن مَندَهْ في كتاب الإيمان (١٠٣٣) من حديث حُذيفة بإسنادٍ صحيح (٢).
وفي الحديث ظُهور الآيات قُرب قيام الساعة من كلام الجماد من شجر وحجر،
وظاهره أنَّ ذلك يَنطِق حقيقةً. ويحتَمل المجاز بأن يكون المراد أنَّهم لا يفيدهم الاختباء
والأوَّل أولى.
وفيه أنَّ الإسلام يبقى إلى يوم القيامة. وفي قوله ربَّ: ((تقاتلِكم اليهود)) جواز مُخاطَبة
الشَّخص، والمراد مَن هو منه بسبيلٍ، لأنَّ الخِطاب كان للصَّحابة، والمراد من يأتي بعدهم بدهٍ
طويل، لكن لمَّا كانوا مُشتَرِكينَ معهم في أصل الإيمان ناسَبَ أن يُخاطَبوا بذلك.
(١) بل إسناده ضعيف، لجهالة ثعلبة بن عباد، لكن يشهد له ما ذكره الحافظ من شواهد.
(٢) وهو أيضاً عند الحاكم ٤/ ٤٩٠-٤٩١، ويشهد له أيضاً أثر عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفاً عند ابن
أبي شيبة ١٤٤/١٥، وغيره، وإسناده صحيح، ومثله لا يقال بالرأي، وأثر حذيفة بن أسيد موقوفاً، عند
الحاكم ٥٢٩/٤ -٥٣٠، وإسناده صحيح، ولا يقال مثله من قِبَلَ الرأي.

٥٠٤
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٤ -٣٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
٣٥٩٤- حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن جابرٍ، عن أبي سعيد
عن النبيِّ وَّةَ، قال: «يأتي على الناسِ زمانٌ يَغْزُونَ، فيقال: فيكم مَن صَحِبَ الرَّسُولَ وَّ؟
فيقولون: نعم، فيُفْتَحُ عليهم، ثمَّ يَغْزُونَ، فيقال: هل فيكم مَن صَحِبَ مَن صَحِبَ الرَّسُولَ وَلّ؟
فيقولون: نعم، فيُفْتَحُ لهم)).
٣٥٩٥- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ الحَكَم، أخبرنا النَّضْرُ، أخبرنا إسرائيلُ، أخبرنا سَعْدٌ الطائيُّ،
أخبرنا مُحِلُّ بنُ خَلِيفةَ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتمٍ، قال: بينا أنا عندَ النبيِّ وََّ إذ أتاه رجلٌ، فشكا إليه
الفاقةَ، ثمَّ أتاه آخَرُ فشَكا إليه قَطْعَ السَّبِيلِ، فقال: ((يا عَدِيُّ، هل رأيتَ الحِيرةَ؟)» قلتُ: لم أرَها،
وقد أُنْبِثْتُ عنها، قال: «فإن طالَتْ بكَ حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّحِينَةَ تَرْتَحِلُ مِن الحِيرةِ حتَّى تَطوفَ
بالكَعْبةِ، لا تَخافُ أحداً إلّا الله - قلتُ: فيما بيني وبينَ نفْسي: فأينَ دُعَارُ طِّئِ الذينَ قد سَعَّروا
البلادَ؟ ! - ولَئِن طالَتْ بكَ حياةٌ لَتُفْتَتَحَنَّ كُنوزُ كِسْرَى)) قلتُ: كِسْرَى بِنِ هُرْمُزَ، قال:
((كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ، ولَئِن طالَت بكَ حياةٌ لَتَرَيَنَّ الرجلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّه مِن ذهبٍ أو فِضّةٍ،
يَطْلُبُ مَن يقبَلُه منه، فلا يَجِدُ أحداً يَقبَلُه منه، ولَيَلْقَنَّ اللهَ أحدُكم يومَ يَلْقَاه وليس بينَه وبينَه
تَرْجُمانٌ يُتَرْجِمُ له، فلَيقُولَنَّ له: ألم أبعَث إليكَ رسولاً فيُبلِّغَكَ؟ فيقول: بَلَى، فيقول: ألم أُعْطِكَ
مالاً وأُفضِلْ عليكَ؟ فيقول: بَلَى، فيَنظُرُ عن يَمِينِهِ فلا بَرَى إلّا جَهَنَّمَ، ويَنظُرُ عن يَسارِه فلا
يَرَى إلّا جَهَنَّمَ))، قال عَدِيٌّ: سمعتُ النبيَّ ◌َ يقول: ((اتَّقُوا النارَ ولو بِشقّ تَمْرةٍ، فمَن لم يَجِد
شِقَّ تَمْرةٍ فِكلمةٍ طيٍِّ)).
قال عَدِيٌّ: فرأيتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِن الحِيرةِ حَتَّى تَطوفَ بالكَعْبةِ، لا تَخَافُ إِلَّ اللهَ، وكنتُ
فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنوزَ كِسْرَى بِنِ هُرْمُزَ، ولَئِن طالَت بكم حياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قال النبيُّ أبو القاسمِ ◌ِّ.
((يُرِجُ مِلْءَ كَفِّ)).
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، حدَّثنا أبو عاصمٍ، أخبرنا سَعْدانُ بنُ بِشْرٍ، حدَّثنا أبو مجاهدٍ،
حدَّثنا مُحِلُّ بنُ خَلِيفةَ، سمعتُ عَدِيّاً: كنتُ عندَ النبيِّ ◌ََّ.
٣٥٩٦- حدَّثنا سعيدُ بنُ شُرَحْبِيلٍ، حدَّثنا ليثٌ، عن يزيدَ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبةَ، عن

٥٠٥
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٦ - ٣٦٠٠
كتاب المناقب
النبيِّ ◌َّ: خَرَجَ يوماً فصَلَّى على أهلِ أَحُدٍ صَلاَتَه على المَيِّتِ، ثمَّ انصَرَفَ إلى الِثْبِ، فقال: ((إنّ
فَرَطُكم، وأنا شَهِيدٌ عليكم، إنّ والله لأنظُرُ إلى حَوْضي الآنَ، وإنّي قد أُعْطِيتُ مفاتیحَ خزائنِ
الأرضِ، وإنّ والله ما أخافُ بعدي أن تُشرِكوا، ولكنِّي أخافُ أن تَنَافَسوا فيها».
٣٥٩٧- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن أسامةَ ﴾، قال:
أَشَرَفَ النبيُّ ◌َِّ على أُطُمٍ مِن الآطامِ، فقال: ((هل تَرَوْنَ ما أَرَى؟ إنّي أَرَى الفِتَنَ تَقَعُ خِلالَ
بُيُوتِكم مَواقعَ القَطْر».
٣٥٩٨- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أَنَّ
زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ حدَّثتْه، أنَّ أَمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ حدَّثَتْها، عن زينبَ بنت جَحْشٍ: أنَّ
النبيَّ ◌َّهَ دَخَلَ عليها فِزِعاً يقول: ((لا إلهَ إلّا اللهُ، ويلٌ للعَرَبِ من شَرّ قد اقتَرَبَ: فُتِحَ اليومَ
من رَدْمٍ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هذا» وحَلَّقَ بإصْبَعِه وبالتي تَلِيها، فقالت زينبُ: فقلتُ: یا
رسولَ الله، أنَهلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: ((نعم، إذا كَثُرَ الخَبَث)).
٣٥٩٩- وعن الزُّهْريِّ، حدَّثْني مِنْدُ بنتُ الحارثِ، أنَّ أَمَّ سَلَمَةَ قالت: استَيقَظَ النبيُّ وَال
فقال: ((سُبْحانَ الله! ماذا أُنزِلَ مِن الخزائنِ، وماذا أُنزِلَ مِن الفِتَنِ؟».
٣٦٠٠- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ بنِ الماحِشُون، عن عبد الرحمن
ابنِ أبي صَعْصَعةَ، عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ ﴾، قال: قال لي: إنّ أراكَ تُحِبُّ الغنمَ
وتَتَّخِذُها، فأصلِحْها وأصلِحْ رُعَامَها(١)، فإنّي سمعتُ النبيَّ وَّ يقول: ((يأتي على الناسِ زمانٌ
تكونُ الغنمُ فيه خيرَ مالِ المسلمِ، يَتَبَعُ بها شَعَفَ الجبال - أو سَعَفَ الجبال - في مَواقعِ القَطْر،
یَفِرُ بدِینِهِ مِن الفِتَن».
٣٦٠١- حذَّثنا عبدُ العزيزِ الأوَيسِيُّ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن صالحٍ بنِ كَيْسانَ، عن ابنِ
شِهابٍ، عن ابنِ المسيّبٍ وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾.
((سَتكونُ فِتَزٌّ، القاعدُ فيها خيرٌ مِن القائمِ، والقائمُ فيها خيرٌ مِن الماشي، والماشي فيها خيرٌ مِن
(١) ضبطها الحافظ في المقدمة، وفسّرها بأنه ما يَسِيل من أُنُوفها.

٥٠٦
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٤ -٣٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
الساعي، مَن تَشَّفَ لهَا تَسْتَشْرِفْه، ومَن وجَدَ مَلْجَأْ أو مَعاذاً فلْيَعُذْ به)).
[طرفاه في: ٧٠٨١، ٧٠٨٢]
٣٦٠٢- وعن ابنِ شِهابٍ: حدَّثني أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ، عن عبد الرحمن
ابنِ مُطِيعٍ بنِ الأسوَدِ، عن نَوْفَلِ بنِ مُعاوِيةَ، مِثلَ حديث أبي هريرةَ هذا، إلّا أنَّ أبا بكرٍ يزيدُ:
((مِنَ الصَّلاةِ صلاةٌ، مَن فاتَتْه فكأَنَّا وُتِرَ أهلَه وماَه)).
٣٦٠٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن زيد بنِ وَهْبٍ، عن ابنِ
مسعودٍ، عن النبيِّ وَّه قال: ((سَتكونُ أَثْرَةٌ وأُمورٌ تُنْكِرِوتَها)» قالوا: يا رسولَ الله، فما تَأْمُرُنا؟
قال: (تُؤَدّونَ الحقَّ الذي عليكم، وتسألونَ اللهَ الذي لكم)).
[طرفه في: ٧٠٥٢]
٣٦٠٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، حدَّثنا أبو مَعمَر إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبو
أسامةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي الشَّيَاحِ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ ، قال: قال رسولُ الله ◌َّه.
(يُهْلِكُ الناسَ هذا الحيُّ من قريشٍ)) قالوا: فما تَأْمُرُنا؟ قال: ((لو أنَّ الناسَ اعْتَزَلوهم)).
قال محمودٌ: حدَّثنا أبو داود، أخبرنا شُعْبةُ، عن أبي التَّاح، سمعتُ أبا زُرْعةَ.
[طرفاه في: ٣٦٠٥، ٧٠٥٨]
٣٦٠٥- حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ المكِّيُّ، حدَّثْنَا عَمْرو بنُ يحيى بنِ سعيدِ الأُمَوِيُّ، عن جَدِّه،
قال: كنتُ معَ مَرْوانَ وأبي هريرةَ، فسمعتُ أبا هريرةَ، يقول: سمعتُ الصّادِقَ المصدوقَ
يقول: ((هلاكُ أمَّتي على يَدَي غِلْمةٍ من قريشٍ)) فقال مَرْوانُ: غِلْمةٌ! قال أبو هريرةَ: إن شئتَ
أن أُسَمِّيهم، بني فلانٍ وبني فلانٍ.
الحديث الثامن عشر: حديث أبي سعيد: ((يأتي على الناس زمان يَغْزُونَ فيه)) الحديث،
يأتي في أوَّل مناقب الصَّحابة (٣٦٤٩) بأتمّ من هذا السّياق، وقد تقدَّم في ((باب مَن استَعانَ
بالضُّعَفاء)) من كتاب الجهاد (٢٨٩٧).
الحديث التاسع عشر: حديث عدي بن حاتم، أورَدَه من وجهين:

٥٠٧
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٤ -٣٦٠٥
كتاب المناقب
٦١٣/٦
قوله: ((أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثمَّ أتاه آخَر)) لم أقِفْ على اسم واحدٍ/ منهما.
قوله: ((الظَّعينة)) بالمعجَمة: المرأة في الهُودَج، وهو في الأصل اسم للهَودَج.
قوله: ((الحيرة)) بكسر المهملة وسكون التَّحتانية وفتح الرّاء، كانت بَلَد ملوك العرب
الذينَ تحت حُكم آلِ فارس، وكان مَلِكهم يومئذٍ إياس بن قَبِيصَة الطائي وَلِيها من تحت يد
كسرى بعد قتل النُّعمان بن المنذر، ولهذا قال عَدي بن حاتم: فأين دُعّار طَيِّئ؟
ووقعَ في رواية لأحمد (١٨٢٥٨) من طريق الشَّعبي عن عدي بن حاتم: قلت: یا
رسول الله، فأين مقانبُ طَيِّئٍ ورجالها؟! ومقانب بالقاف جمع مِقنَب: وهو العَسكر،
ويُطلَق على الفُرسان.
قوله: (حتّی تَطوف بالگعْبة)) زاد أحمد (١٨٢٦٠) من طريق أُخرى عن عَدي: ((في غیر
چوار أحد».
قوله: ((فأينَ دُعّار طَيِّى)) الدُّعّار، جمع داعر: وهو بمُهمَلتَين، وهو الشّاطر الخبيث
المفسِد، وأصله: عُودٌ داعِر: إذا كان كثير الدُّخان. قال الجَوَاليقي: والعامَّة تقوله: بالذّال
المعجَمة، فكأنَّهم ذهبوا به إلى معنى الفَزَع، والمعروف الأوَّل، والمراد قُطّاع الطَّريق. وطَيِّئ
قبيلة مشهورة، منها عَدي بن حاتم المذكور، وبلادهم ما بين العراق والحِجاز، وكانوا يَقطَعونَ
الطَّريق على مَن مرَّ عليهم بغير جِوار، ولذلك تَعَجَّبَ عَديّ كيف تَمُرّ المرأة عليهم وهي
غیر خائفة.
قوله: ((قد سَعَّروا البلاد)) أي: أوقَدوا نار الفتنة، أي: مَلَؤوا الأرض شَرّاً وفساداً، وهو
مُستَعارٌ من استِعار النار، وهو تَوَقُّدها.
قوله: (كُنوز كِسْرى)) وهو عَلم على مَن مَلَكَ الفُرس، لکن کانت المقالة في زمن کِسری
ابن هُرمُز ولذلك استَفْهَمَ عَدي بن حاتم عنه، وإنَّما قال ذلك لعَظَمة كِسرى في نفسه إذا
ذاكَ.
قوله: ((فلا يَجِد أحداً يقبله منه)) أي: لعَدَمِ الفقراء في ذلك الزّمان، تقدَّم في الزكاة

٥٠٨
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٤ -٣٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
(١٤١٣) قول من قال: إنَّ ذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، ويحتمل أن يكون
ذلك إشارة إلى ما وقعَ في زمن عمر بن عبد العزيز، وبذلك جَزَمَ البيهقي، وأخرج في
((الدَّلائل)) (٦/ ٤٩٣) من طريق يعقوب بن سفيان(١) بسندِه إلى عمر بن أَسيد بن عبد
الرحمن بن زيد بن الخَطّب قال: إنَّما ولي عمر بن عبد العزيز ثلاثين شهراً، لا والله ما ماتَ
حتَّى جَعَلَ الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيثُ تَرَونَ في الفقراء، فما
يَبْرَح حتَّى يَرجِع بماله يَتَذَكَّر مَن يَضَعُهُ فيه فلا يَجِدُه، قد أَغنى عمرُ الناسَ. قال البيهقي:
فیه تصديق ما رُوِّینا في حديث عدي بن حاتم. انتهى.
ولا شك في رُجْحان هذا الاحتمال على الأول لقوله في الحديث: ((ولَئِن طالَت بك حياة)).
قوله: ((بشِقُّ تَمْرة)) بكسر المعجَمة، أي: نصفها، وفي رواية المُستَمْلي: ((بشِقَّة تمرة)»
وكذا اختَلَفوا في قوله بعده: ((فمَن لم يَجِد شِقّ تمرة)) قال المُستَمْلي: ((شِقَّة تمرة))، وقد تقدَّم
الكلام على ذلك في كتاب الزكاة.
قوله: ((ولَئِن طالَت بكم حياة لَتَرَوُنَّ ما قال النبي ◌َّ﴾ هو مَقُول عدي بن حاتم.
وقوله ((يُخْرِج مِلء كَفّه)) أي: من المال، فلا يَجِد مَن يقبلُه. وفي رواية أحمد المذكورة (٢).
والذي نفسي بيده لَتكونَن الثّالثة، لأنَّ النبي ◌ََّ قد قالها، وقد وقعَ ذلك كما قال النبي :
وآمَنَ به عَديّ، وقد تقدَّم في أواخر كتاب الحجّ (١٨٦٢) مَن استَدَلَّ به على جواز سَفَر
المرأة وحدَها في الحجّ الواجب، والبحث في ذلك وتوجيه الاستدلال به بما أغنى عن
إعادته هنا، وبالله التوفيق.
قوله: ((حدَّثنا سَعْدان بن بِشْر)) بكسر الموحّدة وسكون المعجَمة، يقال: اسمه سعيد
وسَعدانُ لَقَبُه، وليس له في البخاري ولا لشيخِه ولا لشيخ شيخه غير هذا الحديث الواحد.
قوله: ((حدَّثنا أبو مجاهد)) هو سعد الطائي المذكور في الإسناد الذي قبله، ومُحِلّ بن خليفة
(١) وهو في ((المعرفة والتاريخ)) له ٥٩٩/١.
(٢) في ((المسند)) برقم (١٨٢٦٠).

٥٠٩
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٤ - ٣٦٠٥
كتاب المناقب
في الإسنادين: هو بضمِّ الميم وكسر المهملة(١) بعدها لام، وقد قيل فيه: بفتح المهمَلة، وتقدَّم
سياق مَتن هذا الحديث في كتاب الزكاة (١٤١٣)، وهو أخصَر من سياق الذي قبله،
وإطلاق المصنِّف قد يُوهم أنَّهما سواء، والله أعلم.
الحديث العشرون: حديث عُقْبة: وهو ابن عامر الجُهَني:
قوله: ((عن يزيد)) هو ابن أبي حبيب، وأبو الخير: هو مَرَد بن عبد الله، والإسناد كلّه
مِصريّون(٢).
قوله: ((عن النبي ◌َّهُ خَرَجَ يوماً)) هذا ممَّ/ حُذِفَ فيه لفظ: ((أنَّه))، وهي تُحذَف كثيراً من ٦١٤/٦
الخَطّ، ولا بُدّ من النُّطْق بها، وقَلَّ مَن نَّه على ذلك، فقد نَبَّهوا على حذف ((قال)) خَطّاً،
وقال ابن الصلاح: لا بدَّ من التُّطق بها، وفيه بحث ذكرته في ((النُّكَت))، ووقعَ هنا لغير أبي
ذرّ بلفظ: ((أنَّ» بدل: ((عن)).
قوله: ((فصَلّى على أهل أُحُد)) تقدَّم الكلام عليه مُستَوقَى في الجنائز (١٣٤٤).
وقوله: ((ألا(٣) وإنّ قد أُعْطيتُ مفاتيح خزائن الأرض» إلى آخره، هو موافق حديث أبي
هريرة(٤) والكلام عليه مُستَغنٍ عن إعادته، ووقعَ هنا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي والسَّرَخْسي:
((خزائن مفاتيح)) على القلب، وقد تقدَّم في الجنائز (١٣٤٤) والمغازي(٥) (٤٠٨٥) بلفظ:
((مفاتيح خزائن))، وكذا عند مسلم (٣٠/٢٢٩٦) والنَّسائي(٦).
قوله: ((ولكنّي أخاف أن تَنَافَسُوا فيها)) فيه إنذار بما سيقعُ، فوقعَ كما قال ◌َّه وقد
(١) تحرف في (س) إلى: المعجمة.
(٢) تحرف في (س) إلى: بصریون.
(٣) لفظة ((ألا)) لم ترد في شيء من روايات البخاري، ولكنها في رواية أحمد (١٧٣٤٤)، من طريق حجاج بن
محمد عن الليث بن سعد.
(٤) سلف برقم (٢٩٧٧)، وسيأتي أيضاً برقم (٧٠٣٧)، وتكلم الحافظ في الموضعين في بيان معنى خزائن الأرض.
(٥) سيأتي برقم (٤٠٨٥).
(٦) رواية النسائي لحديث عقبة (١٩٥٤) مختصرة ليس فيها ذكر الخزائن، لكن وقع ذلك عنده من حديث
أبي هريرة برقم (٣٠٨٧)، وقد سلف عند البخاري برقم (٢٩٧٧).

٥١٠
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٤ -٣٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
فُتِحَت عليهم الفُتوح بعده، وآَلَ الأمرُ إلى أن تَحَاسَدوا وتَقاتَلُوا، ووقعَ ما هو المُشاهَد
المحسُوس لكلِّ أحد، ممّا يَشْهَد بمِصداق خبره ◌َّهِ، ووقعَ من ذلك في هذا الحديث إخباره بأنَّه
فَرَطُهم، أي: سابقهم، وكان كذلك، وأنَّ أصحابه لا يُشرِكونَ بعده، فكان كذلك.
ووقعَ ما أنذَرَ به من التَّنَافُس في الدُّنيا، وتقدَّم في معنى ذلك حديثُ عَمْرو بن عَوف مرفوعاً
(٣١٥٨): ((ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبْسَط الدُّنيا عليكم كما بُسِطَت على
مَن كان قبلَكم))، وحديثُ أبي سعيد في معناه (٢٨٤٢)، فوَقَعَ كما أخبر وفُتِحَت عليهم الفُتوح
الكثيرة، وصُبَّت عليهم الدُّنيا صَبّاً، وسيأتي مَزيدٌ لذلك في كتاب الرِّقاق (٦٤٢٦).
الحديث الحادي والعشرون: حديث أسامة بن زيد، وقد تقدَّم شرح بعضه في أواخر
الحجّ (١٨٧٨)، ويأتي الكلام عليه في الفتن (٧٠٦٠) إن شاء الله تعالى.
الحديث الثاني والعشرون: حديث زينب بنت جَحْش: ((ويل للعَرَبِ من شَرِّ قد اقتَرَبَ))،
وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في أواخر كتاب الفتن (٧٠٥٩) إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث والعشرون: حديث أمّ سَلَمةَ قالت: استَيقَظَ رسولُ اللهِوَهِ، فقال:
((سبحان الله، ماذا أُنزِلَ من الخزائن)) الحديث، أورَدَه مختصراً، وسيأتي بتمامه في كتاب الفتن
(٧٠٦٩) مع شرحه إن شاء الله تعالى.
وقوله فيه: ((وعن الزُّهْري)) هو معطوف على إسناد حديث زينب بنت جَحْش، وهو:
أبو اليَمَان، عن شعيب، عن الزّهْرِي، ووهمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّق، فإنَّه أورَدَه بتمامه في الفتن
عن أبي الیَمَان، بهذا الإسناد.
الحديث الرابع والعشرون: حديث أبي سعيد: ((يأتي على الناس زمان تكون الغنمُ فيه
خيرَ مال المسلم)) الحديث. وسيأتي الكلام عليه في الفتن (٧٠٨٨) إن شاء الله تعالى.
وقوله في الإسناد: ((عن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة)) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صَعصَعة، نُسِبَ إلى جَدّه الأعلى، وروايته لهذا الحديث عن أبيه
عبد الله لا عن أبي صَعصَعة ولا غيره من آبائه، وقد تقدَّم إيضاح ذلك في كتاب الإيمان (١٩).

٥١١
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٤ -٣٦٠٥
كتاب المناقب
وقوله في هذه الرِّواية: (شَعَف الجبال - أو سَعَف الجبال -)) بالعين المهمَلة فيهما وبالشّين
المعجَمة في الأولى والمهمَلة في الثّانية، والتي بالشّين المعجمة معناها: رؤوس الجبال، والتي
بالمهمَلة معناها: جَريد النَّخل، وقد أشارَ صاحب ((المطالع)) إلى تَوْهِيمها. لكن يُمكِن
تخريجها على إرادة تشبيه أعلى الجبل بأعلى النَّخلة، وجَريد النَّخل يكون غالباً أعلى ما في
النَّخلة لكَونِها قائمة، والله أعلم.
الحديث الخامس والعشرون: حديث أبي هريرة: ((ستكونُ فِتَن، القاعد فيها خير من
القائم)) الحديث، وسيأتي الكلام عليه أيضاً في كتاب الفتن (٧٠٨١).
الحديث السادس والعشرون: حديث نَوفَل بن معاوية، قال: مثل حديث أبي هريرة،
وسیأتي شرح المتن في الفتن.
وقوله: ((وعن الزُّهْري(١)) هو بإسنادِ حديث أبي هريرة إلى الزُّهْري، ووهمَ مَن زَعَمَ أنَّه
مُعلَّق، وقد أخرجه مسلم (٢٨٨٦/ ١٠ و١١) بالإسنادين معاً من طريق صالح بن كَيْسانَ
عن الزُّهْري.
وقوله: ((إلّا أنَّ أبا بَكْر)) يعني: ابن عبد الرحمن، شيخ الزُّهْري.
وقوله: ((يزيد: من الصلاةِ صلاةٌ مَن فاتَتْه فكأنَّمَا وُتِرَ أهلَه ومالَه)) يحتمل أن يكون أبو بكر
زاد هذا مُرسلاً، ويحتمل أن يكون زادَه بالإسناد المذكور عن عبد الرحمن بن مُطيع بن
الأسوَد/ عن نَوفَل بن معاوية(٢)، وعبد الرحمن هذا: هو أخو عبد الله بن مُطيع الذي وَلِيَ ٦١٥/٦
(١) الذي في روايات البخاري دون اختلاف وَفْق ما في اليونينية و ((إرشاد الساري)): وعن ابن شهاب.
(٢) لو أنَّ الحافظ رحمه الله اطلع على رواية ابن أبي ذئب لهذا الحديث عن الزهري عند أحمد (٢٣٦٤٢)، وابن
حبان (١٤٦٨) وغيرهما، لما قال هذا الكلام، ولجزم بأنه موصول، لأنَّ الزهري يرويه عن أبي بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث، عن نوفل بن معاوية، وكذلك رواه مالك عن الزهري عند ابن عبد البر في
((التمهيد)» ١٤ /١١٨، كذا روياه بإسقاط ابن مطيع من إسناده، لكن رواه السرّاج في («مسنده)) (٥٣٨) -
رواية الشحامي -، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٩٥٥)، وابن المظفر في ((غرائب مالك)) (٧)،
وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٦٧٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٨٤٣) من طريق عبد الرحمن
ابن إسحاق، عن الزهري، به. بذکر ابن مطيع في إسناده، وإسناده حسن.

٥١٢
باب ٢٤ / ح ٣٥٩٤ -٣٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
الكوفة، وهو مذكور في الصَّحابة، وأمَّا عبد الرحمن فتابعي على الصّحيح، وقد ذكره ابن
حِبّان وابن مَندَهْ في ((الصَّحابة))، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، وشيخه نَوفَل بن
معاوية: صَحابي قليل الحديث، من مسلمة الفتح، عاشَ إلى خِلافة يزيد بن معاوية،
ويقال: إنَّه جاوَزَ المئة، وليس له في البخاري أيضاً غير هذا الحديث، وهو خال عبد الرحمن
ابن مُطيع الراوي عنه. قال الزُّبَير بن بكّار: اسم أمّه أم كلثوم.
والمراد بالصلاة المذكورة صلاة العصر، كذا أخرجه النَّسائي (٤٧٩) مُفَسَّراً من طريق
يزيد بن أبي حبيب عن عِراك بن مالك عن نَوفَل بن معاوية، سمعت رسول الله پڼ يقول:
((من الصلاةِ صلاةٌ))، فذكر مِثل لفظ أبي بكر بن عبد الرحمن، وزادَ: قال: فقال ابن عمر:
سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((هي صلاة العصر))، وقد تقدَّم في الصلاة في المواقيت حديث
بُرَيدة في ذلك مشروحاً (٥٥٣)، وهو شاهد لصِحَّة قول ابن عمر هذا، والله أعلم.
تنبيه: ذكر البخاري هذه الزّيادة هنا استطراداً لوقوعِها في الحديث الذي أراد إيرادَه في
هذا الباب، وإن لم يكن لها تعلّق بهذا الباب، والله أعلم.
الحديث السابع والعشرون: حديث ابن مسعود: ((سَتكونُ أُثْرة))، يأتي الكلام عليه أيضاً
في الفتن (٧٠٥٢) إن شاء الله تعالی.
الحديث الثامن والعشرون: حديث أبي هريرة في قريش، وسيأتي أيضاً في الفتن
(٧٠٥٨).
وقوله هنا في الطَّريق الأولى: ((قال محمود: حدّثنا أبو داود)) أراد بذلك تصريح أبي التَّاح
بسماعه له من أبي زُرْعة بن عَمْرو، وأبو داود هذا: هو الطَّيالسي، ولم يُرِّج له المصنّف إلّا
استشهاداً (١)، ومحمود هذا: هو ابن غَيْلان أحد مشايخه المشهورينَ.
وقد نزلَ المصنّف في الإسناد الأوَّل دَرَجةً بالنّسبة إلى أبي أُسامة، لأنَّه سمعَ مِن الجمع
(١) قال الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٤/ ٥٥: حكى أبو نعيم أنَّ البخاري قال: قال لنا محمود، قال: فهو على
هذا متصل.

٥١٣
باب ٢٤ / ح ٣٦٠٦ - ٣٦٠٩
كتاب المناقب
الكثير من أصحابه، حتَّى من شيخ شيخه في هذا الحديث، وهو أبو مَعمَر إسماعيل بن
إبراهيم الهُذَلي.
وقد أخرجه مسلم (٢٩١٧) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، والإسماعيليُّ من رواية أبي بكر
وعثمان ابني(١) أبي شَيْبة عن أبي أُسامة. وهما يَمَّن أكثرَ عنه(٢) البخاري، وكأنَّه فاتَه عنهما.
ونزلَ فيه أيضاً بالنّسبة لرواية شُعْبة دَرَجَتَين، لأنَّه سمعَ من جماعة من أصحابه. وهو
من غرائب حديث شُعْبة.
وقوله في الطَّريق الثّانية: ((فقال مَرْوان: غِلْمة!)) قال الكِرْماني: تَعَجَّبَ مَروان من وقوع
ذلك من غِلمة، فأجابَه أبو هريرة: إن شئتَ صَرَّحتُ بأسمائهم. انتهى.
وكأنَّه غَفَلَ عن الطَّريق المذكورة في الفتن، فإنّها ظاهرة في أنَّ مَروان لم يورِدْها مَورِد
التَّعَجُّب، فإنَّ لفظه هناك (٧٠٥٨): فقال مَروان: لعنةُ الله عليهم غِلمة. فظَهَرَ أنَّ في هذا
الطَّريق اختصاراً، ويحتمل أن يَتَعَجَّب من فعلهم ويَلعنَهم مع ذلك، والله أعلم.
٣٦٠٦- حدّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثني ابنُ جابرٍ، قال: حدَّثني ◌ُسْرُ
ابنُ عُبيدِ الله الحَضْرَمِيُّ، قال: حدَّثني أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، أنَّه سمعَ حُذَيفةَ بنَ اليَمَان يقول:
كان الناسُ يَسْألُونَ رسولَ اللهِ وَلِّ عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشرّ ◌َخَافةَ أن يُدْرِكَني، فقلتُ:
يا رسولَ الله، إنّ كنّا في جاهليَّةٍ وشَرّ، فجاءنا اللهُ بهذا الخيرِ، فَهَل بعدَ هذا الخيرِ من شَرِّ؟ قال:
((نعمْ)). قلتُ: وهَل بعدَ ذلكَ الشرِّ من خيرٍ؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَرٌ)) قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال:
(قومٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَذْيي، تَعْرِفُ منهم وتُنكِرِ)) قلتُ: فَهَل بعدَ ذلك الخيرِ من شَرِّ؟ قال: ((نعم،
دُعاةٌ على أبواب جَهَنَّمَ، مَن أجابهم إليها فَذَفُوه فيها)) قلتُ: يا رسولَ الله، صِفْهم ◌َنا، فقال: (هم
من جِلْدَتِنا، ويتكلَّمُونَ بألِنَتِنا)) قلتُ: فما تَأْمُرُني إن أدرَكَني ذلك؟ قال: «تَلْزَمُ جماعةَ المسلمينَ
وإمامَهم)) قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: ((فاعْتَزِلْ تلكَ الفِرَقَ كلَّها، ولو أنْ تَعَضَّ
(١) تحرف في (س) إلى: بن.
(٢) تحرف في (س) إلى: عنهما.

٥١٤
باب ٢٤ / ح ٣٦٠٦ - ٣٦٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
بأصلٍ شجرةٍ، حتَّى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك)).
[طرفاه في: ٣٦٠٧، ٧٠٨٤]
٣٦٠٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، قال: حدّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن إسماعيلَ، حدَّثني قيسٌ،
عن حُذَيفةَ﴾: قال: تَعلَّمَ أصحابي الخيرَ، وتَعلَّمْتُ الشرّ.
٣٦٠٨- حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافع، حدَّثنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ، أنَّ
أبا هريرةَ﴾ قال: قال رسولُ الله وَالَ: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْواهما واحدةٌ».
٣٦٠٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّامِ، عن أبي
هريرةَ﴾، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى يَقْتَِلَ فِئَتَان، فيكونَ بينَهما مَقْتَلَةٌ عظيمةٌ،
دَعْواهما واحدةٌ، ولا تقومُ الساعةُ حتَّى يُبعَثَ دَجّالونَ كَذّابونَ قريباً من ثلاثِينَ، كلُّهم يَزْعُمُ
أنَّه رسولُ الله».
٦١٦/٦ الحديث التاسع والعشرون: حديث حُذيفة: ((كان الناسُ يسألونَ عن الخير)) يأتي في
الفتن (٧٠٨٤) مع شرحه مُستَوفَى إن شاء الله تعالى.
وقوله في الطَّريق الأُخرى: ((تَعلَّمَ أصحابي الخيرَ وتَعلَّمْتُ الشّ) هو طَرَف من الطَّريق
الآخر، وهو بمعناه، وقد أخرجه الإسماعيلي من هذا الوجه باللَّفظِ الأوَّل، إلّا أنَّه قال:
کان أصحاب رسول الله پټ، بدل قوله: کان الناس.
الحديث الثلاثون: حديث أبي هريرة: ((لا تقوم الساعة حتَّى يَقتَِّلَ فِئَتان)) الحديث، أورَدَه
من طريقَينِ، وفي الثّانية ذِكْر الدَّجّالِينَ، وهو حديث آخرُ مُستَقِلّ مِن صَحيفة همَّام، وقد أفرَدَه
أحمد (٧٢٢٨ ٨١٣٦) ومسلم (٨٤/٢٩٢٣) والتِّرمِذي (٢٢١٨) وغيرهم (١).
وقوله: ((فِئَتان)) بكسر الفاء بعدها همزة مفتوحة، تَثنية فِئة، أي: جماعة، ووَصَفَهما في
الرِّواية الأُخرى بالعِظَم، أي: بالكَثْرة، والمراد بهما مَن كان مع عليّ ومعاوية لمَّا تَحَارَبا
بِصِفّينَ.
(١) هو عند أحمد من الطريق الأول، وعند مسلم من طريق الأعرج عن أبي هريرة.

٥١٥
باب ٢٤ / ح ٣٦٠٦ - ٣٦٠٩
كتاب المناقب
وقوله: ((دَعْواهما واحدة)) أي: دينهما واحد، لأنَّ كلَّ منهما كان يَتَسَمّى بالإسلام، أو
المراد أنَّ كلَّ منهما كان يَدَّعي أنَّه المُحِقّ، وذلك أنَّ عليّاً كان إذ ذاكَ إمامَ المسلمينَ
وأَفْضَلَهم يومَئذٍ باتِّفاق أهل السُّنَّة، ولأنَّ أهل الحَلّ والعَقد بايعوه بعد قتل عثمان، وتَخَلَّفَ
عن بيعَته معاوية في أهل الشّام، ثمَّ خَرَجَ طلحة والزُّبَير ومعهما عائشة إلى العراق فدَعَوا
الناسَ إلى طلب قَتَلة عثمان، لأنَّ الكثير منهم انضَمُّوا إلى عَسكَر علي، فخَرَجَ عليّ إليهم
فراسَلُوه في ذلك فأبى أن يَدِفَعهم إليهم إلّا بعد قِيام دَعوى من وَلِيِّ الدَّم، وثُبوت ذلك على
مَن باشَرَه بنفسِه، وكان بينهم ما سيأتي بَسطُه في كتاب الفتن(١) إن شاء الله تعالى.
ورَحَلَ عليّ بالعَساكر طالباً الشّام، داعياً لهم إلى الدُّخول في طاعته، مُجيباً لهم عن
شُبَههم في قَتَلِةِ عثمان بما تقدَّم، فرَحَلَ معاوية بأهلِ الشّام فالنَّقَوا بصِفّينَ بين الشّام والعراق،
فكانت بينهم مَقتَلَةٌ عظيمةٌ، كما أخبر به وَّةِ، وآلَ الأمرُ بمعاويةَ ومَن معه عند ظُهور عليّ
عليهم إلى طلب التَّحكيم، ثمَّ/ رَجَعَ عليّ إلى العراق، فخَرَجَت عليه الحَروريّة، فقَتَلهم ٦١٧/٦
بالنَّهروان، وماتَ بعد ذلك.
وخَرَجَ ابنه الحسن بن عليّ بعده بالعساكرِ لقتال أهل الشّام، وخَرَجَ إليه معاوية فوَقَعَ
بينهم الصُّلح كما أخبر به وَلّه في حديث أبي بكرة الآتي في الفتن (٧١٠٩): ((إنَّ الله يُصلِح به
بين فِئَتَين من المسلمينَ))، وسيأتي بسط جميع ذلك هناك إن شاء الله تعالى.
الحديث الحادي والثلاثون: حديث أبي هريرة المذكور:
قوله: ((حتَّى يُبعَث)) بضمٌّ أوَّله، أي: يَخْرُج، وليس المراد بالبَعْث معنى الإرسال المقارِن
للنبوَّة، بل هو كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣].
قوله: ((دَجّالونَ كذّابونَ)) الدَّجل: التخليط والتَّمويه، ويُطلَق على الكذِب أيضاً، فعلى
هذا فقوله: ((كذّابونَ» تأکید.
(١) انظر كلام الحافظ على الباب رقم (٦) منه قبل الحديث (٦٩٣٠)، وانظر شرح الأحاديث (٧٠٩٩-
٧١٠٨) و(٧١٢١).

٥١٦
باب ٢٤ / ح ٣٦٠٦ -٣٦٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((قريباً من ثلاثينَ)) كذا وقعَ بالنَّصبِ، وهو على الحال من النَّكِرة الموصوفة،
ووقعَ في رواية أحمد (٧٢٢٨) (١): ((قريب)) بالرفع على الصِّفة.
وقد أخرج مسلم(٢) من حديث جابر بن سَمُرة الجزم بالعَدَدِ المذكور بلفظ: ((إنَّ بين
يَدَي الساعة ثلاثينَ كذّاباً دجّالاً كلّهم يَزعُم أنَّه نبي))، وروى أبو يَعْلى (٦٨٢٠) بإسنادٍ
حسن(٣) عن عبد الله بن الزُّبَير تسميةَ بعض الكذّابين المذكورينَ بلفظ: ((لا تقوم الساعة
حتَّى يَخْرُج ثلاثونَ كذّاباً، منهم مُسَيلمة والعَنْسي والمُختار)).
قلت: وقد ظَهَرَ مِصداق ذلك في آخر زمن النبي ◌َّهِ فِخَرَجَ مُسَيلمة باليمامة، والأسوَد
العَنْسي باليمن، ثمَّ خَرَجَ في خلافة أبي بكر طُلَيحة بن خويلد في بني أسَد بن خُزيمةَ،
وسَجَاحِ التَّميمية في بني تميم، وفيها يقول شَبَتُ(٤) بن رِبْعي وكان مُؤذِّتَها(٥).
أضحَت نبيَّتُنَا أُنثى نَطِيفُ بها وأَصْبَحَت أنبياءُ الناسِ ذُكرانا
وقُتِلَ الأسوَد قبل أن يموت النبي ◌َّهِ، وقُتِلَ مُسَيلِمة في خلافة أبي بكر، وتابَ طُلَيحة
وماتَ على الإسلام على الصَّحيح في خلافة عمر، ونُقِلَ أنَّ سَجاح أيضاً تابَت، وأخبار
هؤلاء مشهورة عند الإخباريِّين.
ثمَّ كان أوَّلَ مَن خَرَجَ منهم المختارُ بن أبي عُبيد الثَّقَفيِ غَلَبَ على الكوفة في أوَّل
خِلافة ابن الزُّبَير، فأظهَرَ مَحبَّ أهل البيت، ودَعا الناس إلى طلب قَتَلة الحسين فتَتَبَّعهم(٦)
فَقَتَلَ كثيراً مَمَّن باشَرَ ذلك، أو أعانَ عليه، فأحَبَّه الناس، ثمَّ إنَّ زَيَّنَ له الشيطان أنِ اذَّعى
(١) وكذا في رواية مسلم (٢٩٢٣) (٨٣).
(٢) كذا ذكر الحافظ أنَّ مسلماً رواه بهذا اللفظ، وليس هو عنده كذلك، إلّا أنَّ تكون هي رواية شعبة عن
سماك التي لم يذكر مسلم لفظها، فقد رواه البيهقي في ((الدلائل)) ٦/ ٤٨٠ من طريق شعبة، باللفظ
المذكور بنصّه، فحمل الحافظُ روايةَ مسلم عليها، والله أعلم.
(٣) بل إسناده ضعيف لضعف شريك النخعي في إسناده، وقد انفرد به بهذا اللفظ.
(٤) تحرف في الأصلين و(س) إلى: شبيب، والتصويب من ((تقريب التهذيب)) للحافظ، فقد ضبطه هناك.
(٥) تصحفت في (س) إلى: موذبها، وقال الحافظ في ((التقريب)): كان مؤذِّن سَجاحٍ.
(٦) في (س): فتبعهم.

٥١٧
باب ٢٤ / ح ٣٦١٠ -٣٦١١
كتاب المناقب
النبوَّة، وزَعَمَ أنَّ حِبْريل يأتيه، فروى أبو داود الطَّيالسي (١٢٨٦) بإسنادٍ صحيح عن
رِفاعة بن شَدّاد، قال: كنت أَبْطَنَ شَيءٍ(١) بالمختار، فدَخَلتُ عليه يوماً، فقال: دَخَلتَ وقد
قام چېْیل قبلُ مِن هذا الكرسي.
وروى يعقوب بن سفيان(٢) بإسنادٍ حسن عن الشَّعبي أنَّ الأحنَف بن قيس أراه كتاب
المختار إلیه یذكُر أَنَّه نبي.
وروى أبو داود في ((السُّنَن)) (٤٣٣٥) من طريق إبراهيم النَّخَعي، قال: قلت لعَبيدة بن
عَمْرو: أترى المختار منهم؟ قال: أما إنَّه من الرُّؤوس.
وقُتِلَ المختار سنة بضع وستّينَ.
ومنهم الحارث الكذّاب خَرَجَ في خِلافة عبد الملك بن مروان فَقُتِلَ.
وخَرَجَ في خِلافة بني العبّاس جماعةٌ.
وليس المراد بالحديث مَن ادَّعى النبوَّة مُطلَقاً، فإنَهم لا يُحْصَونَ كَثْرة لكَونِ غالبهم يَنشَأ
لهم ذلك عن جنون أو سوداء، وإنَّما المراد مَن قامَت له شَوكة وبَدَت له شُبهَة كمَن وصَفْنا،
وقد أهلَكَ الله تعالى مَن وقعَ له ذلك منهم، وبقي مِنهم مَن يُلحِقه بأصحابه، وآخرهم
الدَّجّال الأكبر، وسيأتي بسط كثير من ذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى.
٣٦١٠- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ
عبدِ الرحمن، أنَّ أبا سعيدِ الخُذْريَّ ﴾ قال: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله وَّةِ، وهو يَقْسِمُ قَسْماً،
أتاه ذو الخُوَيصِرَةِ، وهو رجلٌ من بني تَمِيمٍ، فقال: يا رسولَ الله، اعْدِل، فقال: ((ويلَكَ ومَن
يَعْدِلُ إذا لم أعدِلْ؟ قد خِبْتَ وخَسِرْتَ(٣) إن لم أكُن أعدِلُ!)) فقال عمرُ: يا رسولَ الله، اثْذَن لي
أَضْرِبْ عُنُقَه، فقال: ((دَعْه، فإنَّ له أصحاباً نَحْقِرُ أحدُكم صَلاتَه معَ صَلاتهم، وصيامَه معَ
(١) يعني أخْبَرَ به من غيري.
(٢) في ((المعرفة والتاريخ)) ٣٢/٢.
(٣) قال العيني ١٤٣/١٦: قوله: ((قد خِبتُ)) بلفظ المتكلم، وبالخطاب، أي: خِبتَ أنت لكونك تابعاً
ومقتدیاً لمن لا يعدل، والفتح أشهر وأوجه.

٥١٨
باب ٢٤ / ح ٣٦١٠ -٣٦١١
فتح الباري بشرح البخاري
صيامِهِم، يَقْرَؤُونَ القرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم، يَمْرُقونَ مِن الدِّين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ،
يُنْظَرُ إلى نَصْلِه فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنْظَرُّ إلى رِصَافِهِ فما يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنْظَرِّ إلى نَضِيِّه -
وهو قِدْحُهُ - فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، ثمَّ يُنْظَرُّ إلى قُذَذِهِ فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ، قد سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ،
آيتُهم رجلٌ أسوَدُ إحدَى عَضُدَيهِ مِثلُ ثَدْيِ المرأةِ، أو مِثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجونَ على حِين
فُرْقةٍ مِن الناس)).
قال أبو سعيدٍ: فأَشهَدُ أنّ سمعتُ هذا الحديثَ من رسولِ الله ◌َِّ، وأشهَدُ أنَّ عليَّ بنَ أبي
طالبٍ قاتَلهم وأنا معه، فأمَرَ بذلك الرجلِ فالتُمِسَ، فأَتِيَ به حتَّى نظرتُ إليه على نَعْتِ النبيِّ ◌َّلـ
الذي نَعَتَه.
٣٦١١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن خَيْئمةَ، عن سوَید بنِ
غَفَلَةَ، قال: قال عليٌّ ﴾: إذا حَدَّثْتُكُم عن رسولِ الله ◌ِِّ فَلَأَنْ أخِرَّ مِن السماءِ أحَبُّ إليَّ من أن
أُكذِبَ عليه، وإذا حَدَّثْتُكم فيما بيني وبينكم فإنَّ الحربَ خَذْعةٌ، سمعتُ النبيَّ ◌َلام يقول: ((يأتي
في آخرِ الزّمان قومٌ حُدَثاءُ الأسنان، سُفَهاءُ الأحلامِ، يقولون مِن خيرٍ قولِ التِرِبَّةِ، يَمْرُقُونَ مِن
الإسلامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إيمانُهُم حَناجِرَهم، فأينَمَا لَقِيتُموهم فاقتلوهم،
فإنَّ في قَتْلهم أجراً لمن قَتَلهم يومَ القيامة)).
[طرفاه في: ٥٠٥٧، ٦٩٣٠]
٦١٨/٦
الحديث الثاني والثلاثون: حديث أبي سعيد في ذِكْر ذي الخُوَيصِرة، وقد تقدَّم طَرَف منه
في قصَّة عاد من أحاديث الأنبياء (٣٣٤٤)، وأحَلتُ على شرحه في المغازي (٤٣٥١)، وهو
في أواخرها من وجه آخر مُطوَّلاً.
وقوله في هذه الرِّواية: ((فقال عمر: اثْذَن لي أضْرِبْ عُنُقُه)) لا يُنافي قوله في تلكَ الرِّواية
(٤٣٥١): فقال خالد، لاحتمال أن یکون كلٌّ منهما سأل في ذلك.
وقوله هنا: ((دَعْه، فإنَّ له أصحاباً)) ليست الفاء للتَّعليلِ، وإنَّما هي لتَعقيبِ الأخبار،
والحُجَّة لذلك ظاهرة في الرِّواية الآتية.

٥١٩
باب ٢٤ / ح ٣٦١٠ -٣٦١١
كتاب المناقب
وقوله: ((لا يُجاوِزُ)) يحتمل أنَّه لكَونِه لا تَفقَهُه قلوبُهم ويَحمِلونَه على غير المراد به،
ويحتمل أن يكون المراد أنَّ تِلاوَتهم لا تَرتَفِع إلى الله.
وقوله: ((يَمْرُقونَ من الدّين)) إن كان المراد به الإسلام فهو حُجَّة لمن يُكَفِّر الخوارج،
ويَحَتَمِل أن يكون المراد بالدّين الطاعة، فلا يكون فيه حُجَّة، وإليه جَنَحَ الخَطّابي.
وقوله: ((الَّمِيَّة)) بوَزنٍ فعيلة بمعنى مفعولة، وهو الصَّيد المرميّ، شَبَّهَ مُروقَهم من
الدّين بالسَّهمِ الذي يُصيب الصَّيدَ فيَدخُل فيه ويَخْرُج منه، ومن شِدَّة سُرعةٍ خُروجه -
القوَّة الرّامي - لا يَعلَّقُ من جسد الصَّيد شيءٌ.
وقوله: ((يُنظَر في نَصْله)) أي: حديدة السَّهم.
و ((رِصَافه)) بكسر الرّاء ثمَّ مُهمَلة ثمَّ فاء، أي: عُصَيبُهُ الذي يُلْوى فوق مَدخَل النَّصل،
والرِّصاف: جمعٌ واحدُهُ رَصَفة بحَرَكاتٍ.
و («نَضِيّه)) بفتح النُّون، وحُكي ضَمّها، وبكسر المعجَمة بعدها تحتانية ثقيلة، قد فَسَّرَه في
الحديث بالقِدْحِ بكسر القاف وسكون الدّال، أي: عُود السَّهم قبل أن يُراشَ ويُنْصَل،
وقيل: هو ما بين الرّيش والنَّصل. قاله الخَطّابي. قال ابن فارس: سُمّي بذلك لأنَّه/ بري ٦١٩/٦
حتَّى عادَنِضْواً، أي: هزيلاً.
وحَكَى الجَوْهري عن بعض أهل اللُّغة: أنَّ النَّضي: النَّصل، والأوَّل أولى(١).
و((القُذَذ)) بضمِّ القاف ومُعجَمَتَين الأولى مفتوحة جمع قُذَّة، وهي ريش السَّهم، يقال
لكلِّ واحدة: قُذَّة، ويقال: هو أشبه به من القُذَّة بالقُذَّة، لأنَّها تُجُعَل على مِثال واحد.
وقوله: ((آیتهم)) أي: عَلَامتهم.
وقوله: ((بَضْعة)) بفتح الموحّدة، أي: قِطعة لحم.
وقوله: (تَدَرْدَرُ)) بِدالَين وراءَين مُهمَلات، أي: تَضطَرِب، والدَّرْدَرة: صوت إذا اندَفَعَ
سُمِعَ له اختلاط.
(١) وذلك لأنه جاء في الحديث ذكر النَّصْل بعد النّضِيّ. قاله ابن الجوزي في ((غريب الحديث)).

٥٢٠
باب ٢٤ / ح ٣٦١٠-٣٦١١
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله ((على حين فُرْقة)) أي: زمان فُرقة، وهو بضمِّ الفاء، أي: افتراق، وفي رواية
الكُشْمِيهني: على خير، بخاءٍ مُعجَمة وراء، أي: أفضل، وفِرقة بكسر الفاء، أي: طائفة،
وهي رواية الإسماعيلي. ويُؤيِّد الأوَّل حديث مسلم (١٠٦٥/ ١٥٠ و ١٥٢) من وجه آخر
عن أبي سعيد: ((تَّرُق مارقة عند فُرقة من المسلمينَ تَقتُلها أَولى الطائفتَين بالحقّ))، أخرجه
هكذا مختصراً من وجهَينِ.
وفي هذا وفي قوله وَلّ: ((تَقتُّل عمَّاراً الفِئة الباغية))(١) دلالة واضحة على أنَّ عليّاً ومَن
معه كانوا على الحقّ، وأنَّ مَن قاتَلهم كانوا مُخُطِئِينَ في تأويلهم، والله أعلم.
وقوله في آخر الحديث: ((فأُتي به)) أي: بذي الخوَيصِرة حتَّى نظرتُ إليه على نَعتِ النبي ◌ِ
الذي نَعَتَه، يريد ما تقدَّم من كونه أسوَد إحدى عَضُدَيهِ مِثلُ ثَذْي المرأة ... إلى آخره.
قال بعض أهل اللُّغة: النَّعت يَخْتَصّ بالمعاني، كالطّولِ والقِصَرِ والعَمى والخَرَس، والصِّفة
بالفعلِ كالضَّربِ والجُروح. وقال غيره: النَّعت للشيءٍ الخاصّ، والصِّفة أعمّ.
الحديث الثالث والثلاثون: حديث عليّ في الخوارج، وسيأتي شرحه في استتابة المرتدِّينَ
(٦٩٣٠).
وقوله: ((سُوَيد بن غَفَلة)) بفتح المعجَمة والفاء، قال حمزة الكِناني صاحب النَّسائي: ليس
يَصِحّ لسُوَيد عن عليٍّ غيره.
وقوله: ((الحرب خَدْعة))، تقدَّم ضبطه وشرحه في الجهاد (٣٠٣٠).
وقوله: «حدثاءُ الأسنان)) أي: صِغارها.
و ((سُفَهاء الأحلام)) أي: ضُعَفاء العقول.
وقوله: ((يقولون مِن خير قولِ (٢) البَريّة)) أي: من القرآن، كما في حديث أبي سعيد الذي
قبله: (يَقرَؤونَ القرآن))، وكان أوَّلَ كلمة خَرَجُوا بها قولُهم: لا حُكَم إلّا لله، وانتَزَعوها
(١) سلف عند البخاري برقم (٤٤٧) و(٢٨١٢) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) قال الحافظ عند شرح الحديث (٥٠٥٧): هو من المقلوب، والمراد: من قول خير البرية.