Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ كتاب المناقب أبي داود (٣٢٧٠) حيثُ جاء فيها: فأُخبِرتُ - بضمِّ الهمزة - أنَّه أصبَحَ فغَدا إلى النبي ◌ِّـ إلى آخره. وقوله: ((أبَرّهم)(١) أي: أكثرهم برّاً، أي: طاعة، وقوله: ((وخيرهم)) أي: لأنَّكَ حَتَثْتَ في یمینك چنثاً مندوباً إلیه مطلوباً، فأنت أفضل منهم بهذا الاعتبار. وقوله: ((ولم يَبلُغني كفَّارَةٌ)(٢) استُدِلَّ به على أنَّه لا تجب الكفَّارة في يمين اللَّجاج والغضب، ولا حُجَّة فيه، لأنَّه لا يَلزَم من / عَدَم الذِّكر عَدَمُ الوجود، فِلِمَن أثبَتَ الكفَّارة ٦٠٠/٦ أن يَتَمَسَّك بعموم قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَلِكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ويحتمل أن يكون ذلك وقعَ قبل مشروعية الكفَّارة في الأيمان، لكن يُعكِّر عليه ما سيأتي (٤٦١٤) من حديث عائشة: أنَّ أبا بكر لم يكن يحنَث في یمین حتَّی نزلت الكفَّارة. وقال النَّوَوي: قوله: ولم يَبلُغني كفَّارة، يعني: أنَّه لم يُكَفِّر قبل الحِنث(٣)، فأمَّا وجوب الكفّارة فلا خلاف فیه، کذا قال. وقال غيره: يحتمل أن يكون أبو بكر لمَّا حَلَفَ أن لا يَطعَمَه أضمَرَ وقتاً مُعيَّناً، أو صفةً مخصوصةً، أي: لا أَطعَمه الآن، أو لا أَطعَمه معكم، أو عند الغضب، وهو مَبنيٌّ على أنَّ اليمين هل تَقبَل التَّقييد في النَّفْس أم لا؟ ولا يخفى ما فيه من التَّكَلُّف. وقول أبي بكر: ((والله لا أطعَمُه أبداً)(٤) يمين مُؤكِّدة، ولا يُتَمل أن تكون من لَغو الكلام ولا من سَبْق اللِّسان. قوله: ((ثُمَّ كَلَها إلى النبيِِّ فأصبَحَت عنده)) أي: الجَفْنة على حالها، وإنَّما لم يأكلوا منها (١) هذا شرحٌ منه رحمه الله للفظ الواقع في ((صحيح مسلم)) من طريق الجريري برقم (٢٠٥٧) (١٧٧). (٢) هذا أيضاً شرح منه رحمه الله للفظ رواية الجريري عند مسلم. (٣) نص كلام النووي في ((شرح مسلم)) ١٤ / ٢٢: يعني لم يبلغني أنه كفَّر قبل الحنث. (٤) لفظ القسم لم يرد في رواية حديث الباب، ولكنه في الرواية السالفة في الصلاة برقم (٦٠٢)، وفي الرواية الآتية في الأدب برقم (٦١٤٠). ٤٨٢ باب ٢٤ / ح ٣٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري في اللَّل لكَونِ ذلك وقعَ بعد أن مضى من اللَّيل مُدَّة طويلة. قوله: ((ففَرَّقَنا اثنا عَشَر رجلاً، مَع كلّ رجل منهم أُناس)) كذا هو هنا من التَّفريق، أي: جَعَلهم اثني عشر فِرقة، وحَكَى الكِرْماني أنَّ في بعض الرِّوايات: فقَرَينا، بقافٍ وتحتانية، من القِرى، وهو الضّيافة، ولم أقِفْ على ذلك. قوله: ((وغيره يقول: فعَرَّفَنا)) وهو من العِرافة، وكذا اختَلَفَت الرُّواة عند مسلم: هل قال: فَرَّقَنا أو عَرَّفَنا، وفي رواية الإسماعيلي: فعَرَّفَنا، من العِرافة وجهاً واحداً، وسُمّي العَريف عَريفاً، لأنَّه يُعرِّف الإمامَ أحوالَ العَسكر. وزَعَمَ الكِرْماني أنَّ فيه حذفاً تقديره: فَرَجَعنا إلى المدينة فعَرَّفَنا. قلت: ولا يَتَعيَّن ذلك لجواز أن يكون تعريفهم وإرسالهم قبل الرُّجوع إلى المدينة. قوله: (اثنا عَشَر رجلاً)) كذا للمصنِّف، وعند مسلم (١٧٦/٢٠٥٧): اثني عشر بالنَّصبِ، وهو ظاهر(١)، والأوَّل على طريق مَن يجعل المثنَّى بالرفع في الأحوال الثلاثة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَنَحِزَنٍ﴾ [طه:٦٣]، ويحتمل أن يكون ((ففُرِّقنا)) بضمٌّ أوَّله على البناء للمجهولِ، فارتَفَعَ (اثنا عشر)) على أنَّه مُبتَدأ، وخبره ((مع كلّ رجلٍ منهم)). قوله: ((الله أعْلم كَم مع كلّ رجل غيرَ أنَّه بَعَثَ معهم)) يعني: أنَّه تَحَقَّقَ أنَّه جَعَلَ عليهم اثني عشر عَريفاً، لكنَّه لا يَدري كَم كان تحت يد كلّ عَريف منهم، لأنَّ ذلك يَحْتَمِل الكَثْرة والقِلَّة، غير أنَّه يَتَحقَّق أنَّ بَعَثَ معهم - أي: مع كلّ ناس - عَريفاً. قوله: ((قال: أُكَلوا منها أجْمَعونَ، أو كما قال)) هو شَكّ من أبي عثمان في لفظ عبد الرحمن، وأمَّا المعنى: فالحاصل أنَّ جميع الجيش أكَلوا من تلكَ الجَفْنة التي أرسَلَ بها أبو بكر إلى النبي ◌َّهِ وظَهَرَ بذلك أنَّ تمام البَرَكة في الطَّعام المذكور كانت عند النبي ◌َِّ، لأنَّ الذي وقعَ فيها في بيت أبي بكر ظُهور أوائل البَرَكة فيها، وأمَّا انتِهاؤُها إلى أن تَكفي الجيش (١) كذا وقع للحافظ في نسخته من ((صحيح مسلم))، وقال النووي: في معظم النسخ: اثنا عشر، وفي نادرٍ منها: اثني عشر، وكلاهما صحيح. ٤٨٣ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٢ كتاب المناقب كلَّهم فما كان إلّا بعد أن صارت عند النبي وَّ على ظاهر الخبر، والله أعلم. وقد روى أحمد (٢٠١٣٥) والتِّرمِذي (٣٦٢٥) والنَّسائي (ك٦٨٧٦) من حديث سَمُرة قال: أُتي النبي ◌َّل﴾ بقَصعةٍ فيها ثَرید فأكَلَ وأكَلَ القوم، فما زالوا يَتَداوَلونها إلى قریب من الظُّهر، يأكل قوم ثمَّ يقومونَ، ويَجيء قوم فيَتَعاقَبونَه، فقال رجل: هل كانت تُمَدُّ بطعام؟ قال: أمَّا من الأرض فلا، إلّا أن تكون كانت تُمَدُّ من السماء. قال بعض شيوخنا: يُحتَمل أن تكون هذه القَصعة هي التي وقعَ فيها في بيت أبي بكر ما وقعَ، والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم التِجاء الفقراء إلى المساجِد عند الاحتياج إلى المواساة إذا لم يكن في ذلك إلحاح، ولا إلحاف، ولا تَشويش على المصَلّينَ. وفيه استحباب مواساتهم عند اجتماع هذه الشُّروط. وفيه التَّوظيف في المخمَصَة. وفيه جواز الغيبة عن الأهل والولد والضَّيف إذا أُعِدَّت لهم الكفاية، وفيه تصرُّف المرأة فيما تُقَدِّم للضَّيفِ والإطعام بغير إذنٍ خاصّ من الرجل. وفيه جواز سَبّ الوالد للولدِ على وجه التَّأديب والتَّمرين على أعمال الخير وتَعاطيه. وفيه جواز الحَلِفِ على تَرك المباح، وفيه تَوكيد الرجل الصّادِق لخبره بالقَسَمِ، وجواز الحِنث بعد عَقد اليمين. وفيه التَّبُّك بطعام الأولياء والصُّلَحاء. وفيه عَرْض الطَّعام الذي تَظْهَر فيه البَرَكة على الكِبار وقَبُولهم ذلك. وفيه العمل بالظَّنِّ الغالب، لأنَّ أبا بكر ظنَّ أنَّ عبد الرحمن فرَّطَ في أمر الأضياف فبادَرَ إلى سَبّه، وقَوّى القَرِینة عنده اختباؤُه منه. وفيه ما يقع من لُطف الله تعالى بأوليائه، وذلك أنَّ خاطرَ / أبي بكر تَشَوَّشَ، وكذلك ولده ٦٠١/٦ وأهله وأضيافه بسَبَبِ امتناعهم من الأكل، وتَكَدَّرَ خاطرُ أبي بكر من ذلك حتَّى احتاج إلى ما تقدَّم ذِكْره من الخَرَج بالحَلِفِ وبالحِنثِ وبغير ذلك، فَتَدارَكَ الله ذلك ورَفَعَه عنه بالكرامة التي أبداها له، فانقَلَبَ ذلك الكَدَر صَفاء والنَّكَد سُروراً، ولله الحمد والِنَّة. ٣٥٨٢- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا خَّادٌ، عن عبدِ العزيزِ، عن أنسٍ. وعن يونُسَ، عن ثابتٍ، ٤٨٤ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٢ فتح الباري بشرح البخاري عن أنسٍ ﴾، قال: أصابَ أهلَ المدينةِ قَحْطٌ على عَهْدِ رسولِ الله وَّةِ، فبينا هو يَخْطُبُ يومَ مُمعةٍ إذ قامَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ الكُراعُ، هَلَكَتِ الشّاءُ، فادعُ الله يَسْقِينا، فمَدَّ يَدَيهِ ودَعَا، قال أنس: وإنَّ السماءَ لَمِثْلُ الزُّجاجةِ، فهاجَتْ رِيحٌ أَنشَأْتْ سَحَاباً، ثمَّ اجْتَمَعَ، ثمَّ أرسَلَتِ السماءُ عَزَالِيَها، فخَرَجْنا نَخوضُ الماءَ حتَّى أَتَيْنا مَنازِلَنا، فلم نَزَل نُمْطَرُّ إلى الجمُعةِ الأُخرَى، فقامَ إليه ذلك الرجلُ - أو غيرُه - فقال: يا رسولَ الله، تَهَذَّمَتِ البُوتُ، فَادْعُ الله يَخْبِسْه، فَبَسَّمَ، ثمَّ قال: ((حَوالَينا ولا عَلَينا)». فَنَظَرتُ إلى السَّحاب تَصَدَّعَ حَوْلَ المدينةِ كانَّ إْلِيلٌ. الحديث العاشر: حديث أنس في الاستسقاء. والمراد منه وقوع إجابة الدُّعاء في الحال، وقد تقدَّم شرحُه في الاستسقاء (١٠١٣). وأورَدَه هنا من طريقَين لحَّادِ بن زيد. فقوله: ((وعن يونس)) هو ابن عُبيد، وهو معطوف على قوله: ((عن عبد العزيز بن صُهَيب))، وحاصله أنَّ حَمَّاداً سمعَه عن أنس عالياً ونازلاً، وذلك لأنَّه سمعَ من ثابت وحدَّث عنه هنا بواسطةٍ، وذكر البزَّار (٦٩٥٥) أنَّ حَمَّاداً تفرَّد بطريق يونس بن عُبيد هذه. قوله: ((هَلَكَت الكُرَاعِ)) بضمِّ الكاف، وحُكي عن رواية الأَصِيلي كسرها، وخُطِّئَ، والمراد به الخيل، وقد يُطلَق على غيرها من الحيوان، لكنَّ المراد به هنا الحقيقة، لأنَّه عَطَفَ علیه بعد ذلك غيره. قوله: ((لَمِثْلُ الزُّجاجة)) أي: من شِدَّة الصَّفاء، ليس فيها شيء من السَّحاب. قوله: ((فهاجَت ريحٌ أَنشَأْت سَحاباً)) قال بعض شُرّاح البخاري(١): هذا فيه نظر، لأنَّه إِنَّما يقال: نَشَأ السَّحابُ: إذا ارتَفَعَ، وأنشَأ الله السَّحابَ، لقوله: ﴿وَيُنِشِئُ السَّحَابَ اُلْتِقَالَ﴾ [الرعد: ١٢]. قلت: المراد في حديث الباب الثّاني، ونسبة الإنشاء إلى الرّيح مجازية، وذلك بإذنِ الله، والأصل أنَّ الكلّ بإنشاءِ الله، وهو كقوله: ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٢) أنَّ الرّيح تُلْقِحُ السَّحاب. (١) هو شيخه ابن الملقن، وقد قال ذلك في ((التوضيح)) ١٧٦/٢٠. (٢) في الباب رقم (٥): ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا﴾ ٤٨٥ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٣ -٣٥٨٥ كتاب المناقب قوله: ((عَزالَيْها)) بالزّاي الخفيفة واللّام المفتوحة بعدها تحتانية ساكنة، تَثنية عَزْلِى(١)، وقد تقدَّم ضبطُها وتفسيرها قريباً. قوله: ((فقامَ إليه ذلك الرجل أو غيره)) تقدَّم في الاستسقاء(٢) ما يُقرِّبُ أنَّه خارجة بن حِصِنْ الفَزَاري، وما يوَضِّح أنَّ الذي قامَ أوَّلاً هو الذي قامَ ثانياً، وأنَّ أنساً جَزَمَ به تارة وشكّ فيه أُخرى. 13 5 قوله: ((تَصَدَّعَ)) في رواية الكُشْمِيهني: يَتَصَدَّعُ، وهو الأصل(٣). قوله: ((إكليل)) بكسر الهمزة وسكون الكاف، هي العِصابة التي تُحيط بالرَّأْسِ، وأكثر ما تُستَعمَل فيما إذا كانت العِصابة مُكلَّلةً بالجَوهَرِ، وهي من سِمات ملوك الفُرس، وقد قيل: إِنَّ أصله ما أحاطَ بالظُّفْرِ من اللَّحم، ثمَّ أُطلِقَ على كلّ ما أحاطَ بشيءٍ ما والله أعلم. ٣٥٨٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى بنُ كَثير أبو غَسّانَ، حدَّثنا أبو حفصٍ، واسمُه عمرُ بنُ العلاءِ، أخو أبي عَمْرِو بنِ العلاءِ، قال: سمعتُ نافعاً، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: كان النبيُّ ◌َّه ◌َخْطُبُ إلى جِذْعٍ، فلمَّا اتَّخِذَ الِنْبَ تَحوَّلَ إليه، فحَنَّ الْجِذْعُ، فأتاه فمَسَحَ يدَه عليه. وقال عبدُ الحميد: أخبرنا عُثْمَانُ بنُ عمرَ، أخبرنا معاذُ بنُ العلاءِ، عن نافعٍ ... بهذا. ورواه أبو عاصمٍ، عن ابنٍ أبي رَوّادٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌َلّ .. (١) كذا ضبط الحافظ هنا هذه اللفظة على أنها تثنية عزلى، وهو وهم منه رحمه الله تعالى، والذي في كتب اللغة دون خلاف: أرسلت السماءُ عزاليها، بكسر اللام، على أنها جمع عزلاء، بالمد. وقد ضبطها الحافظ على الصواب فيما تقدم عند شرح الحديث (٣٥٧١)، فليُرجع إليه. (٢) في شرح الحديث (١٠١٣). (٣) لا ندري ما معنى قول الحافظ: وهو الأصل، إلَّا أن يكون قد وقعت له روايةُ الكشميهني: تتصدع، بتاءين، لصيغة المضارع المؤنث، ورواية غير الكشميهني على ذلك تكون بحذف إحدى التاءين وعليه يكون ترك التاءين هو الأصل، ولكن هذا يخالف ما جاء في اليونينية و((إرشاد الساري)) حيث جاءت فيهما الرواية بصيغة الماضي المذكر، ورواية الكشميهني بصيغة المضارع المذكر. على أنَّ السحاب يذكر ويؤنث كما جاء في ((شرح القاموس)»، والله أعلم. ٤٨٦ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٣-٣٥٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ٣٥٨٤- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بنُ أيمَنَ، قال: سمعتُ أبي، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ وَِّ كان يقومُ يومَ الجُمُعةِ إلى شجرةٍ أو نَخْلةٍ، فقالت امرأةٌ مِن الأنصار - أو رجلٌ -: يا رسولَ الله، ألا نَجْعَلُ لكَ مِنْبَراً؟ قال: ((إن شئتُمْ)) فجَعَلوا له مِنْبَراً، فلمَّا كان يومُ الجُمُعةِ دُفِعَ إلى المِيرِ، فصاحَتِ النَّخْلةُ صِياحَ الصَّبِيِّ، ثمَّ نزلَ النبيُّ ◌ِ لَ فِضَمَّه إليه، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذي يُسكّنُ، قال: كانت تَبْكي على ما كانت تَسْمَعُ مِن الذِّكْرِ عندَها. ٣٥٨٥- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: أخبرني حفصُ بنُ عُبيدِ الله بنِ أنسٍ بنِ مالكِ، أنَّه سمعَ جابَرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: كان المسجدُ مَسْقوفاً على جُذوعٍ من نَخْلٍ، فكان النبيُّ ◌َ ﴿ إذا خَطَبَ يقومُ إلى خِذْعِ منها، فلمَّا صُنِعَ له المِنْبرُ فكان عليه، فسمعْنا لذلك الجِذْعِ صوتاً حَصوتِ العِشار، حتَّى جاء النبيُّ ◌َّهِ فَوَضَعَ يدَه عليها، فسَگَنَتْ. ٦٠٢/٦ الحديث الحادي عشر والثاني عشر: حديث ابن عمر وجابر في حنين الجذع، أورده عنهما من طرق: أما حديث ابن عمر: فقوله في الطَّريق الأولى: «حدَّثنا أبو حفص، واسمه عمر بن العلاء أخو أبي(١) عَمْرو بن العلاء)) تسمية أبي حفص لم أرَها إلّا في رواية البخاري، والظّاهر أنَّه هو الذي سَمّه، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق بُندار عن يحيى بن كثير، فقال: حدَّثنا أبو حفص بن العلاء، فذكر الحديث، ولم يُسمِّه، وقد تَرَدّدَ الحاكم أبو أحمد في ذلك، فذكر في ترجمة أبي حفص في ((الكُنى)) هذا الحديث (٣/ ٢٣٢)، فساقَه من طريق عبد الله بن رَجاء الغُدَاني: حدّثنا أبو حفص بن العلاء، فذكر حديث الباب، ولم يَقُل: اسمه عمر، ثمَّ ساقَه (٢٣٣/٣) من طريق عثمان بن عمر عن معاذ بن العلاء به، ثمَّ أخرج (٣/ ٢٣٣) من طريق مُعتَمِر بن سليمان(٢): عن معاذ بن العلاء أبي غَسّان. قال: وكذا ذكر البخاري في ((التاريخ)) (٧/ ٣٦٥): أنَّ معاذ بن العلاء يُكْنى أبا غَسّان. (١) لفظة ((أبي)) سقطت من (س). (٢) وقرن به يحيى القطان. ٤٨٧ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٣ -٣٥٨٥ كتاب المناقب قال الحاكم: فالله أعلم أهما(١) أخَوان، أحدهما يُسَمّى عمر والآخر يُسَمّى معاذاً، وحَدَّثا معاً عن نافع بحديث الجذع، أو أحد الطَّريقَين غير محفوظ؟ لأنَّ المشهور من أولاد العلاء أبو عَمْرو صاحب القراءات وأبو سفيان ومعاذ، فأمَّا أبو حفص عمر فلا أعرفه إلّا في الحديث المذكور، والله أعلم. قلت: وليس لمعاذ ولا لعمر في البخاري ذِكْرٌ إلّا في هذا الموضع، وأمَّا أبو عَمْرو بن العلاء فهو أشهَر الإخوة وأجلّهم، وهو إمام القراءات بالبصرة، وشيخ العربية بها، ولیس له أيضاً في البخاري روايةٌ ولا ذِكْرٌ إلّا في هذا الموضع، واختُلِفَ في اسمه اختلافاً كثيراً، والأظهَر أنَّ اسمه كُنْيته، وأمَّا أخوه أبو سفيان بن العلاء فأخرج حديثه التِّرمِذي(٢). قوله: ((وقال عبد الحميد: أخبَرَنا عُثْمان بن عمر)) عبد الحميد هذا لم أرَ مَن تَرجَمَ له في رجال البخاري، إلّا أنَّ الِّي(٣) ومَن تَبِعَه جَزَموا بأنَّه عبد بن حُميدٍ الحافظ المشهور، وقالوا: كان اسمه عبد الحميد، وإنَّما قيل له: عبد، بغير إضافة تخفيفاً، وقد راجَعتُ الموجود من «مُسنَده)) ((وتفسیرہ))، فلم أرَ هذا الحدیث فیه، نعم وجدته من حدیث رفيقه عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارِمي أخرجه في «مُسنَده)) المشهور (٣١) عن عثمان بن عمر، بهذا الإسناد. قوله: ((أخبَرَنا معاذ بن العلاء)) في رواية الإسماعيلي من طريق أبي عبيدة الحَدّاد: عن معاذ بن العلاء، وهو أخو أبي عَمْرو بن العلاء القارئ. قوله: ((عن نافع)) في رواية الإسماعيلي وابن حِبّان (٦٥٠٦): سمعت نافعاً. قوله: ((ورواه أبو عاصم)) هو النبيل من كِبار شيوخ البخاري. قوله: ((عن ابن أبي رَوّادٍ)) يعني: عبد العزيز، ورَوّاد، بفتح الرّاء المهمَلة وتشديد الواو، اسمه (١) تحرف في (س) إلى: أنهما. (٢) لم يخرج له الترمذي شيئاً، وإنما له في ((مسند أحمد)) حديثان، أحدهما في الصلاة في مرابض الغنم وأعطان الإبل، برقم (٢٠٥٤١)، وثانيهما في ترك قتل الكلاب إلّا الأسود البهيم، برقم (٢٠٥٤٨). (٣) إنما قال المزي في ((تحفة الأشراف)) (٨٤٤٩): يقال: إنه عبد بن حميد. لكن جزم به قبل المزي الحميديُّ في ((الجمع بين الصحيحين)) (١٤٦٢). ٤٨٨ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٣ -٣٥٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ميمون، وطريق أبي عاصم هذه وصَلها البيهقي (١٩٥/٣) من طريق شعيب بن عمرو(١) عن أبي عاصم مُطوَّلاً، وأخرجه أبو داود (١٠٨١) عن الحسن بن عليّ عن أبي عاصم، مختصراً(٢). قوله: ((فأتاه فمَسَحَ يده عليه)) في رواية الإسماعيلي من طريق يحيى بن السَّكَن عن معاذ: فأتاه فاحتَضَنَه فسَكَنَ، فقال: ((لو لم أفعل لمَا سَكَنَ))، ونحوه في حديث ابن عبّاس عند الدَّارِمي(٣) (٣٩) بلفظ: «لو لم أحتَضِنه ◌َنَّ إلى يوم القيامة)). ولأبي عَوَانة وابن خُزَيمةَ (١٧٧٧) وأبي نُعَيم في حديث أنس: ((والذي نفسي بيده لو لم ألتَزِمه لمَا زالَ هكذا إلى يوم القيامة حُزناً على رسول الله وَلَه))، ثمَّ أمَرَ به فدُفِنَ، وأصله في التِّرمِذي (٣٦٢٧) دون الزّيادة. ووقعَ في حديث الحسن عن أنس(٤): كان الحسن إذا حدَّث بهذا الحديث يقول: يا مَعشَر المسلمينَ، الخشبة ◌َّحِنّ إلى رسول الله ◌ِ لَ شَوقاً إلى لقائه، فأنتم أحقّ أن تَشتاقوا إليه. وفي حديث أبي سعيد عند الدَّارِمي (٣٧): فأمَرَ به أن يُفَر له ويُدفَن. وفي حديث سهل بن سعد عند أبي نُعَيم: فقال: ((ألا تَعجَبونَ من حَنين هذه الخشبة؟)) فأقبَلَ الناس عليها، فسمعوا من حَنينها حتَّى كَثُرَ بُکاؤُهم. وأما حديث جابر، فقوله في الطَّريق الأولى: ((كان يقوم إلى شجرة، أو نخلة)) هو شكّ من الراوي، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق وكيع عن عبد الواحد فقال: إلى نخلة، ولم يَشُكّ. وقوله: ((فقالت امرأة من الأنصار أو رجل)) شَكّ من الراوي، والمعتمَد الأوَّل، وقد (١) تحرف في الأصلين إلى: سعيد بن عمرو، وفي (س) إلى: سعيد بن عمر. (٢) من قوله: قوله: وقال عبد الحميد، إلى هنا، جاء في (س) متأخراً إلى ما بعد شرح قوله: فقالت امرأة من الأنصار أو رجل. وليس ذلك موضعه، وإنما موضعه هنا، كما جاء في الأصلين. (٣) فات الحافظ رحمه الله أن يخرج الحديث من ((مسند أحمد)) (٢٢٣٦)، ومن ((سنن ابن ماجه)) (١٤١٥). (٤) أخرجه ابن المبارك في ((مسنده)) (٤٨)، وأبو يعلى (٢٧٥٦)، والبغوي في ((الجعديات)) (٣٣٤١)، وابن حبان (٦٥٠٧)، والطبراني في «الأوسط)) (١٤٠٨)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٥٥٩/٢. ٤٨٩ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٣-٣٥٨٥ كتاب المناقب ٦٠٣/٦ تقدَّم بيانه في كتاب الجمعة (٩٠٨)، والخِلاف في اسمها والكلام/ على المتن مُستَوفَى. قوله: ((دُفِعَ)) بضمٌّ أوَّله بالدّال، وللكُشْمِيهني بالرّاء. قوله: ((فضَمَّه إليه)) أي: الجِذع، في رواية الكُشْمِيهني: فضَمَّها، أي: الخشبة. قوله في الطَّريق الأُخرى: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أوَيس، وأخوه: هو أبو بكر، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري، وروايته عن حفص من رواية الأقران، لأنَّه في طَبَقَته. قوله: «كان المسجد مَسْقوفاً على جُذوع من نَخْل)) أي: أنَّ الْجُدوع كانت له كالأعمِدة. قوله: «فكان النبي ◌َّه يقوم إلى جِذْع مِنْها (١)) أي: حين يَخْطُب، وبه صَرَّحَ الإسماعيلي بلفظ: كان إذا خَطَبَ یقوم إلى جذع. قوله: ((كصوتِ العِشَار)) بكسر المهمَلة بعدها مُعجَمة خفيفة: جمع عُشَراء، تقدَّم شرحه في الجمعة (٩١٨)، والعُشَراء: الناقة التي انتَهَت في حَملها إلى عَشرة أشهُر. ووقعَ في رواية عبد الواحد بن أيمَن(٢): فصاحَت النَّخلةُ صياح الصَّبي. وفي حديث أبي الزُّبَير عن جابر عند النَّسائي في ((الكبير)) (١٧١٠)(٣): اضطَرَبَت تلكَ السارية كَحَنين الناقة الخَلوج. انتهى، والخَلوج، بفتح الخاء المعجَمة وضمّ اللّام الخفيفة وآخره جيم: الناقة التي انتُرِعَ منها ولدُها. وفي حديث أنس عند ابن خُزَيمةَ(٤) (١٧٧٦): فحَنَّت الخشبة حَنين الوالِهِ. وفي روايته الأُخرى عند الدَّارِمي (٤١): خارَ ذلك الجذع كخُوَار الثَّور. (١) لم تختلف روايات البخاري في تقييد القيام في هذا الحديث بقوله: ((إذا خطب))، كما في اليونينية و((إرشاد الساري)»، فلعله سقط للحافظ رحمه الله فاحتاج إلى هذا التقييد الذي ذكره، مستدلاً له برواية الإسماعيلي، والله أعلم. (٢) ستأتي برقم (٣٥٨٤). (٣) وهو أيضاً في ((المجتبى)) (١٣٩٦)، وليس فيهما لفظة ((الخلوج))، لكنها جاءت عند الدارمي (٣٥) وغيره من طریق سعید بن أبي کریب عن جابر. (٤) فات الحافظ أن يخرج الحديث من ((مسند أحمد))، فهو فيه برقم (١٣٣٦٣). ٤٩٠ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٦ فتح الباري بشرح البخاري وفي حديث أُبيّ بن كعب عند أحمد (٢١٢٤٨)، والدَّارِمي (٣٦)، وابن ماجَهْ (١٤١٤): فلمَّا جاوزه خارَ الجِذعُ حتَّى تَصَدَّعَ وانشَقَّ، وفي حديثه: فأخَذَ أُبيُّ بن كعب ذلك الجِدعَ لمَّا هُدِمَ المسجد، فلم يزل عنده حتَّى بَليَ وعادَ رُفاتاً. وهذا لا يُنافي ما تقدَّم من أنَّه دُفِنَ، لاحتمال أن يكون ظَهَرَ بعد الهدم عند التَّنظيف فأخَذَه أُبيّ بن كعب. وفي حديث بُرَيدة عند الدَّارِمي (٣٢) أنَّ النبي ◌ََّ قال له: «اختَر أن أغرِسَكَ في المكان الذي كنت فيه، فتكونَ كما كنت - يعني: قبل أن تَصير جِذعاً - وإن شئتَ أن أغرِسَكَ في الجنَّة، فتشربَ من أنهارها، فيَحسُن نَبْتُك وتُثْمِر، فيأكلُ مِنك أولياء الله)) فقال النبي ◌َّ: ((اختارَ أن أغرِسه في الجنَّةُ))(١). قال البيهقي: قصَّة حَنين الجذع من الأُمور الظّاهرة التي حَمَلها الخَلَف عن السَّلَف، ورواية الأخبار الخاصَّة فيها كالتَّكَلُّف. وفي الحديث دلالة على أنَّ الجمادات قد يَخلُق الله لها إدراكاً كالحيوان، بل كأشرَف الحيوان. وفيه: تأييد لقولٍ مَن يَحِمِل ﴿وَإِن مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ مِّدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] على ظاهره. وقد نَقَلَ ابن أبي حاتم في ((مناقب الشّافعي)) عن أبيه عن عَمْرو بن سَوَّاد عن الشّافعي، قال: ما أعطى اللهُ نبيّاً ما أعطى محمَّداً، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أَعطَى محمَّداً حنين الجذع حتّی سُمِعَ صوته، فهذا أكبر من ذلك. ٣٥٨٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّار، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ. وحدَّثنا بِشرُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا محمَّدٌ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، سمعتُ أبا وائلِ يُحدِّثُ، عن حُذَيفةَ أنَّ عمرَ بنَ الخَطّابِ ﴾ قال: أيُّكُم تَحِفَظُ قولَ رسولِ اللهِوَله في الفِتْنِةِ؟ فقال حُذَيفةُ: أنا أحفظُ كما قال، قال: هاتٍ، إِنَّكَ لَجَرِيءٌّ، قال رسولُ الله ◌َله: ((فِتْهُ الرجلِ في أهلِهِ ومالِه وجارِهِ تُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصَّدَقَةُ والأمرُ بالمعْروفِ والنَّهيُ عن المنكر)) قال: ليست هذه، ولکنِ التي تَموجُ گَمَوْج البحر، قال: یا أمِيرَ المؤمنينَ، لا بَأْسَ عليكَ منها، إنَّ بينَكَ وبينَها باباً مُغْلَقاً، قال: يُفْتَحُ البابُ أو يُكْسَر؟ قال: (١) وإسناده ضعيف. ٤٩١ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٦ كتاب المناقب لا، بل يُكْسَرُ، قال: ذلكَ أحَرَى أن لا يُغلَقَ، قُلْنا: عَلِمَ عُمَرُ البابَ؟ قال: نعم، كما أنَّ دونَ غَدٍ اللَّيلةَ، إنّي حَدَّثْتُهُ حديثاً ليس بالأغاليطِ، فهِبْنا أن نَسألَه وأمَرْنا مَسْرُوقاً فسأله، فقال: مَنِ الباب؟ قال: عمر. الحديث الثالث عشر: حديث حُذَيفة في ذِكْر الفتنة. ٦٠٥/٦ قوله: ((حدَّثنا محمَّد)) هو ابن جعفر، الذي يقال له: غُندَر. قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش، وقد وافَقَه على رواية أصل الحديث عن أبي وائل - وهو شَقِيق بن سَلَمَةَ - جامعُ بن شَدّاد، أخرجه المصنّف في الصوم (١٨٩٥)، ووافَقَ شَقِيقاً على روايته عن حُذَيفة رِبعيُّ بن حِراش، أخرجه أحمد (٢٣٢٨٠) ومسلم (١٤٤). قوله: ((أنَّ عمر بن الخطّاب ﴾، قال: أيُّكم يَحْفَظ؟)) في رواية يحيى القَطّان عن الأعمَش في الصلاة (٥٢٥): كنَّ جلوساً عند عمر فقال: أيكم. والمخاطَب بذلك الصَّحابة، ففي رواية رِبعي عن خُذَيفة: أنَّه قَدِمَ من عند عمر، فقال: سأل عمرُ أمسِ أصحابَ محمَّد: أيُّكم سمعَ قول رسول الله وير في الفتنة؟ قوله: ((قال: أنا أحفظ كما قال)) في رواية المصنّف في الزكاة (١٤٣٥): أنا أحفظه كما قالَه. قوله: ((قال: هات، إنَّك لَجريٌ)) في الزكاة: إنَّك عليه لَريءٌ، فكيف. قوله: ((فِتْنة الرجل في أهله وماله وجاره)) زاد في الصلاة: ووَلَده. قوله: ((تُكَفِّرها الصلاة والصَّدَقة)) زاد في الصلاة: والصوم. قال بعض الشُّراح: يُحْتَمل أن يكون كلّ واحدة من الصلاة وما معها مُكَفِّرة للمذكورات كلّها لا لكلِّ واحدة منها، وأن يكون من باب اللَّفّ والنَّشر، بأنَّ الصلاةَ مثلاً مُكَفِّرة للفتنة في الأهل، والصومَ في الولد ... إلى آخره. والمراد بالفتنة ما يَعرِض للإنسان مع مَن ذُكِرَ من الشَر، أو الالتِهاء بهم، أو أن يأتي لأجْلھم بما لا يحلّ له، أو ◌ُخِلّ بما يجب عليه. واستَشكَلَ ابن أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في المحرَّم أو الإخلال ٤٩٢ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٦ فتح الباري بشرح البخاري بالواجبٍ، لأنَّ الطاعات لا تُسقِط ذلك، فإن ◌ُلَ على الوقوع في المكروه والإخلال بالمستَحَبِّ لم يناسب إطلاقُ التَّكفير. والجواب: التِزام الأوَّل، وأنَّ المُمتَنِعِ من تكفير الحرام والواجب ما كان كبيرةً، فهي التي فيها النِّزاع، وأمَّا الصَّغائر فلا نِزاع أنَّها تُكَفَّر لقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الآية، وقد مضى شيء من البحث في هذا في كتاب الصلاة(١). وقال الزَّين بن المنيِّر: الفتنة بالأهلِ تقع بالميلِ إليهِنَّ أو عليهِنَّ في القسمة والإيثار حتَّى في أولادهنَّ، ومن جِهَة التَّفريط في الحقوق الواجبة لهنَّ، وبالمال: يقع بالاشتغال به عن العبادة، أو بحَبِه عن إخراج حَقّ الله، والفتنة بالأولادِ تقع بالميلِ الطّبيعي إلى الولد وإيثاره على كلّ أحد، والفتنة بالجار تقع بالحَسَدِ والمفاخَرة والمزاحَمة في الحقوق وإهمال التَّعاهُد. ثمَّ قال: وأسباب الفتنة بمَن ذُكِرَ غير مُنحَصِرة فيما ذكرتُ من الأمثلة، وأمَّا تخصيص الصلاة وما ذُكِرَ معها بالتَّكفير دون سائر العبادات ففيه إشارة إلى تعظيم قَدرها، لا نفي أنَّ غيرها من الحسنات ليس فيها صلاحية التَّكفير، ثمَّ إنَّ التَّكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفسٍ فعل الحسنات المذكورة، ويحتمل أن يقع بالموازَنة، والأوَّل أظهَر، والله أعلم. وقال ابن أبي جَرة: خَصَّ الرجلَ بالذِّكرِ، لأنَّه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله، وإلّا فالنِّساء شَقائق الرِّجال في الحُكم. ثمَّ أشارَ إلى أنَّ التَّكفير لا يَخْتَصّ بالأربع المذكورات، بل نَّه بها على ما عَداها، والضّابط أنَّ كلّ ما يَشْغَلُ صاحبه عن الله فهو فتنة له، وكذلك المكَفِّرات لا تَخْتَصّ بما ذُكِرَ، بل نبّه به على ما عداها، فذكر مِن عبادة الأفعال ٦٠٦/٦ الصلاةَ والصّيامَ، ومن عبادة المال الصَّدَقَةَ،/ ومن عبادة الأقوال الأمرَ بالمعروف. قوله: ((ولكن التي تَموج)) أي: الفتنة، وصَرَّحَ بذلك في الرّواية التي في الصلاة (٥٢٥)، والفتنة: بالنَّصبِ بتقدير فعل (٣)، أي: أُريدُ الفتنةَ، ويُحْتَمل الرفع، أي: مُرادي الفتنةُ. (١) سبق الكلام على شيء من ذلك عن شرح الحديث (٥٢٦)، وسيأتي أيضاً مزيد كلام في هذا البحث عند شرح الحديث (٤٦٨٧). (٢) هذا التقدير للرواية التي سبقت في الصلاة بلفظ: ولكن الفتنة التي تموج. ٠ ٤٩٣ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٦ كتاب المناقب قوله: (تَموجُ كَمَوْجِ البحر)) أي: تَضطَرِب اضطِراب البحر عند هَيَجانه، وكَنَى بذلك عن شِدَّة المخاصمة وكَثْرة المنازَعة، وما يَنشَأ عن ذلك من المُشائَمَة والمُقاتلة. قوله: ((يا أمير المؤْمِنِينَ، لا بأس عليك مِنْها)) زاد في رواية رِبعي: «تُعرَض الفتن على القلوب، فأيّ قلب أنكَرَها نُكِتَت فيه نُكْتَةٌ بيضاءُ حتَّى يصير أبيض مِثل الصَّفا لا تَضُرّه فتنة، وأيّ قلب أُشرِبَهَا نُكِتَت فيه نُكْتَةٌ سوداءُ حتَّى يصير أسوَد كالكوزِ مَنكُوساً، لا يَعرف معروفاً ولا يُنكِرِ مُنكَراً) وحدَّثْتُه أنَّ بينه وبينها باباً مُغلَقاً. قوله: ((إنَّ بينك وبينها باباً مُغْلَقً) أي: لا يَخرُج منها شيء في حياتك، قال ابن المنيِّر: آثَرَ حُذَيفة الحِرصَ على حِفظ السِّ، ولم يُصرِّح لعمر بها سأل عنه، وإنَّما كَنَى عنه كِناية، وكأنَّه کان مأذوناً له في مثل ذلك. وقال النَّوَوي: يُحْتَمل أن يكون حُذَيفة عَلِمَ أنَّ عمر يُقتَلُ، ولكنَّه كَرهَ أن يخاطبه بالقتل، لأنَّ عمر كان يعلم أنَّه الباب، فأتى بعِبارةٍ تَحَصُل بها المقصود بغير تصريح بالقتل. انتهى. وفي لفظ طريق رِبعي ما يُعكِّر على ذلك على ما سأذكُرُه، وكأنَّه مَثَّلَ الفتن بدارٍ، ومَثَّل حياة عمر ببابٍ لها مُغلَق، ومَثَّلَ موته بفتح ذلك الباب، فما دامَت حياة عمر موجودةً فهي الباب المُغلَق، لا يَخْرُج ممّا هو داخلُ تلكَ الدّار شيءٌ، فإذا ماتَ فقد انفَتَحَ ذلك الباب فخَرَجَ ما في تلكَ الدّار. قوله: ((قال: يُفْتَح البابُ أو يُكْسَرُ؟ قال: لا بل يُكْسَر، قال: ذلك أحْرى أن لا يُغْلَقَ)) زاد في الصّيام (١٨٩٥): ذاكَ أجدَر أن لا يُغلَق إلى يوم القيامة. قال ابن بطّال: إنَّما قال ذلك لأنَّ العادة أنَّ الغَلْق إنَّما يقع في الصَّحيح، فأمَّا إذا انكَسَرَ فلا يُتصوَّر غَلْقُه حتَّى يُجبر. انتھی. ويحتمل أن يكون كَنَى عن الموت بالفتح، وعن القتل بالكسر، ولهذا قال في رواية رِبعي: فقال عمر: كسْراً لا أبا لك؟! لكن بقيَّة رواية رِبْعِي تَدُلّ على ما قَدَّمتُه، فإنَّ فيه: وحَدَّثته أنَّ ذلك الباب رجل يُقتل، أو يموت. ٤٩٤ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٦ فتح الباري بشرح البخاري وإنَّما قال عمر ذلك اعتماداً على ما عنده من النُّصوص الصَّريحة في وقوع الفتن في هذه الأُمَّة، ووقوع البأس بينهم إلى يوم القيامة، وسيأتي في الاعتصام (٧٣١٣) حديث جابر في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْيِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُرْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ الآية [الأنعام: ٦٥]، وقد وافَقَ حُذَيفةَ على معنى روايته هذه أبو ذَرّ، فَرَوَى الطبراني(١) بإسنادٍ رجاله ثقات: أنَّه لقي عمرَ فأخَذَ بيدِه فَغَمَزَها، فقال له أبو ذَرّ: أرسِلْ يدي يا قُفْل الفتنة، الحديث، وفيه أنَّ أبا ذرِّ قال: لا يُصيبكم فتنة ما دامَ فيكم، وأشارَ إلى عمر. وروى البزَّار(٢) من حديث قُدَامةَ بن مَظعُون عن أخيه عثمان أنَّه قال لعمر: يا غَلَقَ الفتنة، فسأله عن ذلك، فقال: مَرَرتَ ونحنُ جلوس معَ رسول الله وَ ل﴿ فقال: ((هذا غَلَق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغَلْق ما عاشَ)). قوله: ((قُلْنا: عَلِمَ عمرُ البابَ)) في رواية جامع بن شَدّاد(٣): فقلنا لمسروقٍ: سَلْه أكان عمر يعلم مَن الباب؟ فسأله، فقال: نعم، وفي رواية أحمد (٢٣٤١٢) عن وكيع عن الأعمَش: فقال مسروق لحُذَيفة: يا أبا عبد الله، كان عمر يَعلَم؟ قوله: ((كما أنَّ دون ◌َدِ اللَّيلة)» أي: أنَّ ليلة غَد أقرب إلى اليوم من غَد. قوله: ((إنَّ حَدَّثْتُه)) هو بقيَّة كلام حُذَيفة، والأغاليط: جمع أُغلوطة، وهو ما يُغالَط به، أي: حَدَّثته حديثاً صِدْقاً مُحْقَّقاً من حديث النبي ◌َّ، لا عن اجتهاد ولا رأي. وقال ابن بَطّال: إنَّما عَلِمَ عمر أنَّه الباب، لأنَّه كان مع النبي بَّهِ على حِراء وأبو بكر وعثمان، فرَجَفَ، فقال: ((اثبُت، فإنَّما عليك نبي وصِدّيق وشهيدان)) (٤)، أو فَهِمَ ذلك من قول حُذيفة: بَل ◌ُكسر، انتھی. والذي يَظهَر أنَّ عمر عَلَمَ الباب بالنَّصِّ كما قَدَّمتُ عن عثمان بن مَظعون وأبي ذرِّ، فلعلَّ حُذَيفة حَضَرَ ذلك، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق (٣١٩٢) حديث عمر أنَّه سمعَ خُطبة (١) في ((الأوسط)) (١٩٤٥). (٢) كما في ((كشف الأستار)) (٢٥٠٦). (٣) سلفت في الصوم (١٨٩٥). (٤) سيأتي برقم (٣٦٧٥). ٤٩٥ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧ - ٣٥٩٣ كتاب المناقب النبي ◌َّه يُحدِّث عن بَدْء الخلق حتَّى دَخَلَ أهلُ الجنَّة منازِلهَم، وسيأتي في هذا الباب(١) حديث حُذَيفة أنَّه قال: / أنا أعلم الناس بكلِّ فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وفيه أنَّه ٦٠٧/٦ سمعَ ذلك معه مِن النبيِ وَِّ جماعة ماتوا قبله، فإن قيل: إذا كان عمر عارفاً بذلك فلمَ شَكَّ فيه حتَّى سأل عنه؟ فالجواب: أنَّ ذلك يقع مِثله عند شِدَّة الخوف، أو لعلَّه خَشي أن يكون نَسي فسأل مَن يُذكِّرُه، وهذا هو المعتمد. قوله: ((فِهِبْنا)) بكسر الهاء، أي: خِفنا. ودَلَّ ذلك على حُسن تأُّبهم مع كِبارهم. قوله: ((وأمَرْنا مَسْروقاً) هو ابن الأجدَع من كِبار التابعينَ، وكان من أخِصّاء أصحاب ابن مسعود وحُذَیفة وغيرهما من كبار الصَّحابة. قوله: ((فسأله، فقال: مَن الباب؟ قال: عمر)) قال الكِرْماني: تقدَّم قوله: أنَّ بين الفتنة وبين عمر باباً، فكيف يُفسِّر البابَ بعد ذلك أنَّه عمر؟ والجواب: أنَّ في الأوَّل تَجوُّزاً، والمراد بين الفتنة وبين حياة عمر، أو بين نفس عمر وبين الفتنة بَدَنُه، لأنَّ البَدَن غيرُ النَّفْس. تنبيه: غالب الأحاديث المذكورة في هذا الباب من حديث حُذَيفة وهَلُمَّ جَرّاً تَتعلَّق بإخباره وَ ﴿ عن الأُمور الآتية بعده فوَقَعَت على وَفْق ما أخبر به، واليسير منها وقعَ في زمانه، وليس في جميعها ما يخرُج عن ذلك إلّا حديث البراء في نزول السّکینة، وحديثه عن أبي بكر في قصَّة سُرَاقة، وحديث أنس في الذي ارتَدَّ فلم تَقبَلْه الأرضُ. ٣٥٨٧- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ نَّهِ، قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تُقاتلوا قوماً نِعالهُم الشَّعَرُ، وحتَّى تقاتلوا التُّرْكَ، صِغارَ الأعيُنِ، مُمْرَ الوجوه، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كأنَّ وجوهَهم الَجانُّ المُطْرَقة)). ٣٥٨٨- ((وتَجِدونَ من خيرِ الناسِ أشَدَّهم كراهيةً لهذا الأمرِ حتَّى يَقَعَ فيه، والناسُ مَعادِنُ: خِيارُهم في الجاهليَّةِ خِيارُهم في الإسلام)». (١) يعني في باب الكلام على معرفة حذيفة بأحاديث الفتن، وهذا الأثر أخرجه مسلم (٢٨٩١). ٤٩٦ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧ - ٣٥٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ٣٥٨٩ - ((وَلَيَأْتِيَنَّ على أحدِكم زمانٌ، لَأنْ يَراني أحَبُّ إليه من أن يكونَ له مِثلُ أهلِهِ ومالِهِ)). ٣٥٩٠- حدَّثنا يحيى، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن همَّام، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّمِ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتَّى تُقاتلوا خُوزاً وكِرْمانَ مِن الأعاجِمِ، مُرَ الوجوهِ، فُطْسَ الأُنوفِ، صِغارَ الأعيُنِ، وجوهُهم المَجانُّ المُطْرَقَةُ، نِعالهُمُ الشَّعَرُ. تابَعَه غیرُه، عن عبدِ الرَّزاق. ٣٥٩١- حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: قال إسماعيلُ: أخبرني قيسٌ، قال: أَتَّينا أبا هريرةَ ﴾، فقال: صَحِبتُ رسولَ اللهِ ◌ّه ثلاثَ سِنِينَ، لم أُكُن في ◌ِنِيَّ أحرَصَ على أن أعِيَ الحديثَ منّي فيهِنَّ، سمعتُه يقول - وقال هكذا بيدِه -: ((بينَ يَدَي الساعةِ تُقاتِلونَ قوماً نِعاهُمُ الشَّعَرُ)). وهو هذا البارَزُ. وقال سفيانُ مَرّةً: وهم أهلُ البازَرِ. ٣٥٩٢- حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازم، سمعتُ الحسنَ يقول: حدَّثنا عَمْرو بنُ تَغْلِبَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِّهِ يقول: ((بينَ يَدَيِ الساعةِ تُقاتِلونَ قوماً يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، وتُقاتِلونَ قوماً كأنَّ وجوهَهُم المجانُّ المُطْرَقة)). ٣٥٩٣- حذَّثنا الحَكَمُ بنُ نافع، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالم بنُ عبدِ الله، أنَّ عبد الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله وَ﴿ يقول: «تقاتلُكُمُ اليهودُ، فتُسَلَّطونَ عليهم، حتّى يقول الحجرُ: يا مسلمٌ، هذا يهوديٌّ ورائي فاقتُلْه)). الحديث الرابع عشر: حديث أبي هريرة، وهو يَشتَمِل على أربعة أحاديث: أحدها: قتال التُّرك، وقد أورَدَه من وجهَين آخرَين عن أبي هريرة كما سأتكلُّمُ عليه. ثانيها: حديث: ((تَجِدونَ من خير الناس أشدّهم كراهية لهذا الشَّأن»، وقد تقدَّم شرحه في أوَّل المناقب (٣٤٩٣). وقوله في هذا الموضع: ((وَجِدونَ أشدّ الناس كراهية لهذا الأمر حتَّى يقع فيه)) كذا وقعَ عند أبي ذرِّ مختصراً، إلّا في روايته عن المُستَمْلِي فأورَدَه بتمامه، وبه يَتِمّ المعنى. ٤٩٧ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧- ٣٥٩٣ كتاب المناقب ثالثها: حديث: ((الناس مَعادِن))، وقد تقدَّم شرحه في المناقب أيضاً (٣٤٩٦). رابعها: حديث («ليأتين على أحدكم زمان لَأن يَراني أحَبُّ إليه من أن یکون له مِثل أهله وماله)) قال عياض: وقد وقعَ للجميع: ((لَيأتينَّ على أحدكم))، لکن وقعَ لأبي زيد المروَزي في عَرْضَةِ بغداد : ((أحدِهم)) بالهاءِ، والصَّواب بالكاف، كذا أخرجه مسلم (٤ ٢٣٦). انتھی. والأحاديث الأربعة تَدخُل في علامات النبوَّة لإخباره فيها عمَّا لم يقع، فوقعَ كما قال، ولا سيما الحديث الأخير، فإنَّ كلّ أحد من الصَّحابة بعد موته ◌َّ كان يَوَدّ لو كان رآه وفَقَدَ مِثل أهله وماله، وإنَّما قلت ذلك، لأنَّ كلّ أحد مَّن بعدهم إلى زماننا هذا يَتَمنّى مِثل ذلك، فكيف بهم مع عظيم مَنزِلَته عندهم وَبَّتهم فیهِ. الحديث الخامس عشر: حديث أبي هريرة أورَدَه من طرق: قوله: ((لا تقوم الساعة حتَّى تُقاتِلوا خُوزاً)) هو بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الواو بعدها زاي: قوم من العَجَم. وقال أحمد: وَهِمَ عبد الرَّزّاق فقال بالجيم والراء (١) بدل الخاء المعجمة. وقوله: ((وكِرْمان)) هو بكسر الكاف على المشهور، ويقال: بفتحِها، وهو ما صَحَّحَه ابن السَّمعاني، ثمَّ قال: لكن اشتَهَرَ بالكسر. وقال الكِرْماني: نحنُ أعلم ببَلَدِنا. قلت: جَزَمَ بالفتح ابن الجَوَاليقي وقبلَه أبو عُبيد البكري، وجَزَمَ بالكسر الأَصِيلِي وعبدوس، وتَبِعَ ابنَ السَّمعاني ياقوتٌ والصَّغانيُّ، لكن نَسَبَ الكسر للعامَّة، وحَكَى النَّوَوي الوجهين، والرّاء ساكنة على كلّ حال. وتقدَّم في الرِّواية التي قبلها: ((تقاتلونَ الثُّرك)) واستُشكِلَ، لأنَّ خوزاً وكِرمان لَيسا من بلاد التُّرك، أمَّا خوز: فمِن بلاد الأهواز، وهي من عِراق العَجَم. وقيل: الخوز صِنف من الأعاجِم، وأمَّا كِرْمان: فبلدة مشهورة من بلاد العَجَم أيضاً بين خُراسان وبحر الهند، (١) لفظ: ((والراء)) أثبتناه من (أ)، وسقط من (ع) و(س). ٤٩٨ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧ -٣٥٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ورواه بعضهم: «خور کَرمان)» براءٍ مُهمَلة وبالإضافة، والإشکال باقٍ. ويُمكِن أن يُجاب بأنَّ هذا الحديث غير حديث قتال التُّرك، ويَجتَمِع منهما الإنذار بخروجِ الطائفتَينِ، وقد تقدَّم من الإشارة إلى شيء من ذلك في الجهاد (٢٩٢٧)، ووقعَ في رواية مسلم (٢٩١٢/ ٦٥) من طريق سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة: ((لا تقوم الساعة حتَّى ٦٠٨/٦ يقاتل المسلمونَ التُّرك، قوماً كأنَّ وجوههم المجانُّ المُطرَقةُ، يَلْبَسونَ الشَّعر، ويمشونَ/ في الشَّعَر)». قوله: ((ُمْر الوجوه، فُطْس الأُنوف)» الفَطَس: الانفِراش، وفي الرّواية التي قبلها(١): (ذُلف الأُنوف)) جمع أَذْلَف بالمهمَلة والمعجَمة، وهو الأشهَر، قيل: معناه الصِّغَر، وقيل: الذَّلَف: الاستواء في طَرَف الأنف، ليس بحَدٍّ غليظ، وقيل: تَشمير الأنف عن الشَّفَة العُليا. وذُلْف بسكونِ اللّام جمع أذْلف مِثل حُر وأَخْرَ، وقيل: الذَّلَف: غِلَظ في الأرنَبَة، وقيل: تَطامُنٌ فيها، وقيل: ارتفاع طَرَفه مع صِغَر أَرْنَبَتِهِ، وقيل: قِصَره مع انبطاحه، وقد تقدَّم بقيَّة القول فيه في أثناء الجهاد (٢٩٢٧). قوله: ((وجوههم المَجَانّ المُطْرَقة)) في الرّواية الماضية: ((كأنَّ وجوههم المَجَانّ المطرَقَةُ))، وقد تقدَّم ضبطه في أثناء الجهاد في ((باب قتال التُّرك))، قيل: إنَّ بلادهم ما بين مَشارق خُراسان إلى مَغارب الصّين وشمالي الهند إلى أقصى المعمور، قال البَيْضاوي: شَبَّهَ وجوههم بالتُّرس لبَسطِها وتَدويرها، وبالمُطرَقة لِغِلَظِها وكَثْرة لحمها. قوله: ((فِعالهم الشَّعَر)) تقدَّم القول فيه في أثناء الجهاد في ((باب قتال التُّرك)) (٢٩٢٧)، وقيل: المراد به طول شُعورهم حتَّى تَصير أطرافها في أرجُلهم موضع النِّعال، وقيل: المراد أنَّ نِعالهم من الشَّعر، بأن يجعلوا نِعالهم من شَعر مَضفُور، وقد تقدَّم التَّصريح بشيءٍ من ذلك في «باب قتال التُّرك)» من کتاب الجهاد. ووقعَ في رواية لمسلمٍ (٦٥/٢٩١٢) كما تقدَّم من طريق سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة: (١) سلفت في الجهاد برقم (٢٩٢٨). ٤٩٩ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧ - ٣٥٩٣ كتاب المناقب (يَلْبَسونَ الشَّعر))، وزَعَمَ ابن دِحية أنَّ المراد به القُندُس الذي يَلبَسونَه في الشَّرابيش(١)، قال: وهو چِلد گلب الماء. قوله: ((تابَعَه غيره عن عبد الرَّزّاق)) كذا في الأُصول التي وقَفتُ عليها، وكذا ذكره المِّي في «الأطراف)) ووقعَ في بعض النُّسَخ: تابَعَه عبدةُ، وهو تصحيف، وقد أخرجه الإمامان أحمد (٨٢٤٠) وإسحاق في ((مُسنَدَيهما)) عن عبد الرَّزّاق، وجعله أحمد حديثَين فصَلَ آخرَه فقال (٨٢٤١): وقال رسول الله وَّ ه: ((لا تقوم الساعة حتَّى تقاتلوا أقواماً نِعالهم الشَّعر)). قوله في الرِّواية الأُخرى: ((حدَّثنا سُفْيانُ)) هو ابن عُيَينَةَ، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم. قوله: ((أتَينا أبا هريرة)) في رواية أحمد (٧٩٨٦) عن سفيان عن إسماعيل عن قيس قال: نزلَ علينا أبو هريرة بالكوفة، وكان بينه وبين مولانا قَرابة، قال سفيان: وهم - أي: أَلُ قيس بن أبي حازم - مَوالي لأحْمَسَ، فاجتَمَعَت أَحْمَسُ، قال قيس: فأتيناه نُسلِّم عليه، فقال له أبي: يا أبا هريرة، هؤلاءِ أَنسِباؤك(٢) أتوك ليسلِّموا عليك وتُحدِّثهم، قال: مَرحَباً بهم وأهلاً، صَحِبْت، فذكره. قوله: ((ثلاث ◌ِنينَ)) كذا وقعَ، وفيه شيء، لأنَّه قَدِمَ في خيبر سنة سبع، وكانت خيبر في صَفَرَ، وماتَ النبيِ نَّه في ربيع الأوَّل سنة إحدى عشرة، فتكون المدَّة أربع سنين وزيادة، وبذلك جَزَمَ حُميدُ بن عبد الرحمن الحِميَري، قال: صَحِبت رجلاً صَحِبَ النبي وَّ أربع سنين كما صَحِبَه أبو هريرة، أخرجه أحمد (١٧٠١٢) وغيره(٣)، فكأنَّ أبا هريرة اعتبَرَ المدَّة (١) هي جمع شربوش، وهو شيء يشبه التاج، كأنه شكل مثلّث، ويُجعل على الرأس بغير عمامة، قاله المقريزي في ((المواعظ والاعتبار)) ٩٩/٢. قلنا: هو ما سمي بعد ذلك بالطربوش، وأصله فارسي، مكوَّن من (سر)) يعني الرأس، و((بوش)) يعني غطاء. وصار ذا شكل مختلف عما حكاه المقريزي، فأمكن تدويره بشكل إسطواني، وأمكن لفّ عمامة عليه. (٢) في (أ) و(س): أنسابك، والمثبت من (ع)، موافقاً طبعتنا من ((مسند أحمد)). (٣) أخرجه أبو داود (٨١)، والنسائي في ((المجتبى)) (٢٣٨). ٥٠٠ باب ٢٤ / ح ٣٥٨٧ - ٣٥٩٣ فتح الباري بشرح البخاري التي لازَمَ فيها النبيَّ وَِّ الملازمة الشَّديدة، وذلك بعد قُدومهم من خيبر، أو لم يَعتَبِرِ الأوقات التي وقعَ فيها سَفَر النبيِ نَّهِ من غَزوه وحَجّه وعُمَره، لأنَّ مُلازَمَته له فيها لم تكن كَمُلازَمَتِه له في المدينة، أو المدَّة المذكورة بقَيد الصِّفة التي ذكرها من الحِرص، وما عَداها لم يكن وقعَ له فيها الحِرص المذكور، أو وقعَ له لكن كان حِرصه فيها أقوى، والله أعلم. قوله: ((لم أكُن في سِنِيَّ)) بكسر المهمَلة والنُّون وتشديد التَّحتانية على الإضافة، أي: في سِنِيٍّ عُمُري، ووقعَ في رواية الكُشْمِيهني: في شيء، بفتح المعجَمة وسكون التَّحتانية بعدها همزة، واحد الأشياء. وقوله: ((أحْرَصَ منِّي) وهو أفعل تفضيل، والمفَضَّل والمُفَضل عليه هو أبو هريرة، لكن باعتبارَينٍ، فالأفضل المدَّة التي هي ثلاث سنين، والمفضول بقيَّة عمره، ووقعَ في رواية أحمد (١٠١٥٠) عن يحيى القَطّان عن إسماعيل بلفظ: ما كنت أعقَلَ منِّي فيهِنَّ، ولا أَحَبَّ إليّ أن أعِيَ ما يقول منها. قوله: «وهو هذا البارَزُ. وقال سُفْيان مرَّة: وهم أهل البازَر)) وقعَ ضبط الأولى بفتح الرّاء ٦٠٩/٦ بعدها زاي، وفي الثّانية: بتقديم الزّاي على / الرّاء، والمعروف الأوَّل، ووقعَ عند ابن السَّكَن وعبدوس: بكسر الزّاي وتقديمها على الرّاء، وبه جَزَمَ الأَصِيلي وابن السَّكَن، ومنهم مَن ضَبَطَه بكسر الرّاء. قال القابسي: معناه: البارزينَ لقتال أهل الإسلام، أي: الظّاهرينَ في بَرازٍ مِن الأرض، كما جاء في وصف عليّ أنَّه بارَزَ وظاهَرَ(١)، ويقال: معناه: القوم الذينَ يقاتِلونَ، تقول العرب: هذا البارزُ، إذا أشارت إلى شيء ضارٍ. وقال ابن كثير: قول سفيان المشهور في الرِّواية تقديم الرّاء على الزّاي، وعَكسه تصحيف، كأنَّه اشتبَهَ على الراوي من البازَر، وهو السّوق بلُغَتِهم. (١) سيأتي من حديث البراء بن عازب برقم (٣٩٧٠).