Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
باب ٢١ / ح ٣٥٤١
كتاب المناقب
على الرّاء على المشهور، ورواية ابن حمزة بالعكس، بتقديم الرّاء على الزّاي، وهو مأخوذ من:
ارتَزَّ الشيءُ: إذا دَخَلَ في الأرض، ومنه: الرَّزَّةُ، والمراد بها هنا: البيضة، يقال: ارتَزَّتِ الجَرَادة:
إذا أدخَلَت ذَنَبَها في الأرض لتبِيضَ، وعلى هذا فالمراد بالحَجَلة: الطَّر المعروف.
وجَزَمَ السُّهَيلي بأنَّ المراد بالحَجلة هنا: الكِلَّة التي تُعلَّق على السَّرير، ويُزِيَّن بها
للعَرُوسِ كالبُشْخاناه(١)، والزّ على هذا حقيقة، لأنَّها تكون ذات أزرارٍ وعُرِّى، واسْتَبْعدَ
قولَ ابن عُبيد الله: بأنَّها من حَجَلِ الفَرَس الذي بين عينَيَه، بأنَّ التَّحجيل إنَّما يكون في
القوائم، وأمَّ الذي في الوجه فهو الغُرَّة.
وهو كما قال، إلّا أنَّ منهم مَن يُطلِقِه على ذلك مجازاً، وكأنَّه أراد أنَّهَا قَدْرُ الزّ، وإلّا
فالغُرَّة لا زِرّ ها.
وجَزَمَ التِّرمِذي(٢) بأنَّ المراد بالحَجلة الطَّير المعروف، وأنَّ المراد بزِرِّها بيضتُها، ويَعضُدُه ما
سيأتي: أنَّه مِثل بيضة الحمامة.
وقد وَرَدَت في صفة خاتَم النبوّة أحاديث مقاربة لمَا ذُكِرَ هنا، منها: / عند مسلم ٥٦٣/٦
(١٠٩/٢٣٤٤ و١١٠) عن جابر بن سَمُرة: كأنَّه بيضة حَمامة، ووقَعَ في رواية ابن حِبّان
(٦٢٩٧) من طريق سِماك بن حَرْب: ((كبيضة نَعامة))، ونَّه على أنَّهَا غَلَطَ(٣)، وعن عبد الله
ابن سَرجِس(٤): نَظَرتُ خاتَم النبوّة جُمْعاً عليه خيلان، وعند ابن حِبّان (٦٣٠٢) من حديث
(١) ويقال لها أيضاً: البُشْخانة، وهي فارسية معناها في الأصل ظهر البيت، فيما ذكره ابن القيم في القصيدة
النونية، ثم استعملت بعد تعريبها بمعنى الكِلَّة أو الناموسية، وهي ستار رقيق ذو خروق صغيرة يُنصَب
للوقاية من الناموس، أي: البعوض.
(٢) بإثر الحديث (٣٦٤٣) حيث قال: الزرُّ بَيضٌ لها.
(٣) وقد جعل الغلط من إسرائيل السبيعي راويه عن سماك. لكن جاءت رواية إسرائيل عند مُسلم على
الصواب، فالظاهر أن الغلط من الراوي عن إسرائيل عبد الرحيم بن سليمان أو من دونه.
(٤) أخرجه أحمد (٢٠٧٧٠)، ومسلم (٢٣٤٦) (١١٢). وقوله: جُمْعاً، بضم الجيم وسكون الميم، يعني: مثل
جُمْع الكف، وهو أن تجمع الأصابع وتضمها وتعطفها إلى باطن الكف، والخِيلان جمع خال وهو الشامة
في الوجه.

٤٠٢
باب ٢١ / ح ٣٥٤١
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عمر: مِثل البُندُقة من اللَّحم. وعند التِّرمِذي(١): كبَضْعةٍ ناشزَة من اللَّحم. وعند قاسم
ابن ثابت(٣) من حديث قُرَّة بن إياس: مِثل السِّلْعَة.
وأمَّا ما وَرَدَ من أنَّها كانت كأثرٍ مِحجَم، أو كالشّامة السَّوداء أو الخضراء، أو مكتوبٌ
عليها: محمَّد رسول الله، أو: سِرْ فأنتَ المنصور، أو نحو ذلك، فلم يَثبُت منها شيءٌ.
وقد أطنَبَ الحافظ قُطب الدّين في استيعابها في ((شرح السِّيرة))، وتَبِعَه مُغَلْطاي في
((الزَّهر الباسم)»، ولم يُبيِّن شيئاً من حالها، والحقّ ما ذكرته، ولا تَغتَرّ بما وقَعَ منها في ((صحيح
ابن حِبّان)»، فإنَّه غَفَلَ حيثُ صَحَّحَ ذلك، والله أعلم.
قال القُرطُبي: أنَّفَقَت الأحاديث الثابتة على أنَّ خاتم النبوَّة كان شيئاً بارزاً أحمر عند
كَتِه الأيسَرِ، قَدْرُه إذا قُلِّلَ قَدرُ بيضة الحَمَامة، وإذا كُثِّرِ جُمْعُ اليَد، والله أعلم.
ووَقَعَ في حديث عبد الله بن سَرجِس عند مسلم (٢٣٤٦): أنَّ خاتم النبوَّة كان بين
كَتِفَيه عند ناغِض كَتِفِه اليُسرى. وفي حديث عَيَّاذ بن عَمْرو عند الطبراني(٣): كأنَّه رُكبة عَنْزِ
على طَرَف كتفه الأيسر. ولكن سنده ضعيف.
قال العلماء: السِّ في ذلك أنَّ القلب في تلكَ الجِهَة. وقد وردَ في خبر مقطوع: أنَّ رجلاً
سأل ربَّ أنَّ يُرِيَه موضع الشيطان، فرأى الشَّيطانَ في صورة ضِفدِع عند نُغضِ كَتِفه الأيسر
حِذاءً قلبه، له خُرطوم كالبَعوضة، أخرجه ابن عبد البَرّ بسندٍ قوي إلى ميمون بن مهرانَ
عن عمر بن عبد العزيز، فذكرهُ. وذكره أيضاً صاحب ((الفائق)) في مُصنَّفَه في (م ص ر)،
وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يَعْلى (٤٣٠١)، وابن عَدي (١٨٦/٣)، ولفظه: ((إنَّ
الشيطان واضع خَطْمَه على قلب ابن آدم)) الحديث، وأورَدَ ابن أبي داود في كتاب ((الشَّريعة)»
من طريق عُرْوة بن رُوَيمٍ: أنَّ عيسى عليه السلام سأل ربّه أن يُريَه موضع الشيطان من ابن
(١) في ((الشمائل)) (٢١) من حديث أبي سعيد الخدري. وانظره في ((مسند أحمد)) (١١٦٥٦)، وهو حديث
حسن لغيره.
(٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من النسائي في ((سننه الكبرى))، وهو فيه برقم (٨٢٤٩).
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((معاجم الطبراني))، وقد رواه عنه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٨٧١).

٤٠٣
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٢
كتاب المناقب
آدم، قال: فإذا برأسِه مِثل الحيَّة، واضعٌ رأسه على تَرْة القلب، فإذا ذكر العبد ربَّه خَنَسَ،
وإذا غَفَلَ وَسَوَسَ.
قلت: وسيأتي لهذا مَزيدٌ في آخر التَّفسير(١).
قال السُّهَيلي: وُضِعَ خاتم النبوَّة عند نُغْضِ كَتِفِه وٍَّ، لأنَّه معصوم من وَسوَسة
الشيطان، وذلك الموضع يَدخُل منه الشيطان.
٢٢ - باب صِفَةِ النبيّ وَّ
٣٥٤٢- حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عمرَ بنِ سعيد بنِ أبي حسينٍ، عن ابنِ أبِي مُلَيكةً، عن
عُقْبَةَ بنِ الحارثِ، قال: صَلَّى أبو بكرٍ ﴾ العَصْرَ، ثمَّ خَرَجَ يَمْشِي، فَرَأى الحسنَ يَلْعَبُ معَ
الصِّبْيان، فحَمَلَه على عاتقِه، وقال: بأبي شَبِيةٌ بالنبيِّ، لا شَبِيةٌ بعليّ، وعليّ يَضْحَك.
[طرفه في: ٣٧٥٠]
٥٦٧/٦
قوله: ((باب صِفَة النبي ◌َّ) أي: خَلْقِه وخُلُقه.
وأورد فيه أربعةً وعشرين حديثاً:
الأول: حديث أبي بكر المشتَمِل على أنَّ الحسن بن عليّ كان يُشبِهِ جَدّه النبيَّ ◌َّ.
قوله: ((عن ابن أبي مُلَیگة» في رواية الإسماعيلي: أخبرني، وفي أُخرى: حدثني ابن أبي
مُلَيكة.
قوله: ((عن عُقْبة بن الحارث)) في رواية الإسماعيلي: أخبرني عُقْبة بن الحارث.
قوله: ((صَلّى أبو بَكْر ﴾ العَصْرِ، ثمَّ خَرَجَ يَمْشي)) زاد الإسماعيلي في رواية: بعد وفاة
النبي ◌َّ بِلَیالٍ، وعليُّ يمشي إلى جنبه.
قوله: ((بأبي)» فيه حذف تقديره: أفديه بأبي، ووَقَعَ في رواية الإسماعيلي: وارتَجَزَ، فقال:
وابأبي شَبيهٌ بالنبي. وفي تسمية هذا رَجَزاً نظرٌ، لأنَّه ليس بموزونٍ، وكأنَّه أطلقَ على
(١) تحت شرح حديث رقم (٤٩٧٧).

٤٠٤
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٣ -٣٥٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
السَّجع رَجَزاً، أو (١) وَقَعَ من بعض الرُّواة تغييرُ وتصحيحُ(٢) رواية الأصل، ولعلَّها كانت:
٥٦٨/٦ وابأبي وابأبي، كما دَلَّت عليه رواية الإسماعيلي المذكورة،/ فهذا يكون من مجزوء الرَّجَز،
لكن قوله: شَبيةٌ بالنبي، يَحتاج إلى شيء قبله، فلعلَّه كان: شَخصٌ، أو أنتَ شَبيهٌ بالنبي ◌َِّ،
أو نحو ذلك، وأمَّا الثّالث: فمَوزون(٣).
قوله: ((وعليٌّ يَضْحَك)) في رواية الإسماعيلي: وعليّ يَتَبَسَّم، أي: رِضاً بقولِ أبي بكر
وتصديقاً له، وقد وافَقَ أبا بكر على أنَّ الحسن كان يُشبِه النبي وَلِّ أبو جُحَيفةَ، كما سيأتي في
الحديث الذي بعده، ووقَعَ في حديث أنس (٣٧٤٨) كما سيأتي في المناقب: أنَّ الحسين بن
عليّ كان أشْبَهَهُم بالنبي وَّهِ، وسيأتي وجه التَّوفيق بينهما في المناقب إن شاء الله تعالى،
وأذكُر فیه من شارً گهما في ذلك إن شاء الله تعالى.
وفي الحديث فضلُ أبي بكر، ومَحَبَّتُهُ لِقَرابة النبي ◌َّ، وسيأتي في المناقب (٣٧١١
و٣٧١٢) قوله: لَقَرابةُ رسول الله وَ ﴿ أَحَبّ إليَّ أن أصِل مِن قَرابَتي.
وفيه تَرك الصَّبي المميِّزْ يَلعَب، لأنَّ الحسن إذ ذاكَ كان ابنَ سبع سنين، وقد سمعَ من
النبي وَلهُ وحَفِظَ عنه، ولَعِبُه محمول على ما يَليق بمِثلِه في ذلك الزّمان من الأشياء المباحة،
بل على ما فيه تَمرين وتَنشيط ونحو ذلك، والله أعلم.
٣٥٤٣- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، عن أبي جُحَيفةَ ﴾، قال:
رأيتُ النبيَّ وَِّ، وكان الحسنُ يُشبِهُه.
[طرفه في: ٣٥٤٤]
٣٥٤٤- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٍّ، حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، قال:
سمعتُ أبا جُحَيفةَ﴾، قال: رأيتُ النبيَّ وَّهِ وكان الحسنُ بنُ عليٍّ عليهما السَّلامِ يُشبِهُه، قلتُ
(١) في (س) بواو العطف بدل ((أو))، وهو خطأ.
(٢) في (س): وتصحيف.
(٣) لعله جاء في رواية الإسماعيلي هنا: ليس شبيهاً بعلي، فكان موزوناً كما قال الحافظ، وإلّا فهو ليس
بموزون.

٤٠٥
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٣ -٣٥٤٥
كتاب المناقب
لأبي جُحَيفةَ: صِفْه لي، قال: كان أبيضَ قد شَمِطَ، وأمَرَ لنا النبيُّ نَّهِ بثلاثَ عَشْرَةَ قَلُوصاً،
قال: فقُبِضَ النبيُّ وَّه قبلَ أن نَقْبِضَها.
٣٥٤٥- حدّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن وَهْبٍ أبي
جُحَيفةَ السُّوائيِّ، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َّه ورأيتُ بياضاً من تحتِ شَفَتِهِ السُّفْلَى، العَنْفَقَةَ.
الحديث الثاني: حديث أبي جُحَیفةً، أورَدَه من طریقین، ((وإسماعيل)) فيهما هو ابن أبي
خالد، و((ابن فُضَيلٍ)) بالتَّصغير: هو محمَّد.
قوله: «كان أبيضَ قد شَمِطَ)) بفتح المعجَمة وكسر الميم، أي: صارَ سوادُ شَعره مُخالِطاً
لبياضه، وقد بيَّن في الرِّواية التي تَلي هذه أنَّ موضع الشَّمَط كان في العَنْفَقة، ويُؤيِّد ذلك
حديث عبد الله بن بُسْرِ المذكورِ بعده، والعَنْفَقة: ما بين الذَّقَن والشَّفة السُّفلى، سواء كان
عليها شَعر أم لا، وتُطلَق على الشَّعر أيضاً.
وعند مسلم (١٠٦/٢٣٤٢) من رواية زُهَير عن أبي إسحاق عن أبي جُحَيفةً: رأيت
رسول الله وَّ﴾ وهذه منه بيضاء - وأشارَ إلى عَنْفَقَته - قيل: مِثْلُ مَن أنتَ يومَئذٍ؟ قال:
أبْرِي النَّبل وأَرِيشُها.
قوله: ((وأمَرَ لنا)) أي: له ولقومِه من بني سُواءَة - بضمٌّ المهمَلة وتخفيف الواو والمدّ
والهمز وآخره هاء تأنيث ــ ابن عامر بن صَعْصَعةً، وكان أمَرَ لهم بذلك على سبيل جائِزَة
الوفد.
قوله: ((قُلُوصا) بفتح القاف: هي الأُنثى من الإبل، وقيل: الشّابَة، وقيل: الطَّويلة القوائم.
وقوله: ((فقُبِضَ النبيِِّ قبل أن نَقْبِضها)) فيه إشعار بأنَّ ذلك كان قُرب وفاته ◌ِ، وقد
شَهِدَ أبو جُحَيفةَ ومَن معه من قومه حَجَّة الوَداعِ، كما في الرِّواية التي بعد هذه، فالذي
يَظهَر أنَّ أبا بكر وفَ لهم بالوَعِدِ المذكور، كما صَنَعَ بغيرهم(١).
ثمَّ وجَدتُ ذلك منقولاً صريحاً، ففي رواية الإسماعيلي من طريق محمَّد بن فُضَيلٍ
(١) كما أعطى جابراً ما وعده به رسولُ الله وَ ليل من مال البحرين، وقد سلف عند البخاري برقم (٢٢٩٦).

٤٠٦
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
بالإسناد المذكور: فذهبنا نَقِضُها، فأتانا موتُه فلم يُعطونا شيئاً، فلمَّا قامَ أبو بكر، قال: مَن
كانت له عند رسول الله وَ﴿ عِدَةٌ فليَجِئ، فقُمت إليه، فأخبَرَتُه فأمَرَ لنا بها. وقد تقدَّم
البحث في هذه المسألة في الهِبة (٢٥٩٨).
الحديث الثالث: حديث أبي جُحَيفةَ أيضاً:
قوله: ((عن وهب أبي جُحیفة) هو اسم أبي جُحَیفةً، وهو مشهور بگنیتِه أكثر من اسمه،
وكان يقال له أيضاً: وَهْبُ الله، ووَهْبُ الخير.
قوله: ((ورأيت بياضاً من تحت شَفَته السُّفْلى، العَنْفَقة)) بالكسر على أنَّه بدل من الشَّفة،
وبالنَّصبِ على أنَّه بدل من قوله: ((بياضاً))، ووقَعَ عند الإسماعيلي من طريق عُبيد الله بن
موسى عن إسرائيل، بهذا الإسناد: من تحت شَفَتِهِ السُّفلى مِثل موضع إصبَعِ، العَنفَقة،
و((إصبَع) في هذه الرّواية بالتّنوين، وإعراب العَنفَقة كالذي قبله. وفي رواية شَبابة بن سوّار
عن إسرائيل عنده: رأيتُ النبيِِّ شَابَتْ عَنفَقَتُه.
٣٥٤٦- حدَّثنا عِصامُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا حَرِيزُ بنُ عُثْمَانَ، أَّه سأل عبدَ الله بنَ بُشْرٍ صاحبَ
النبيِّ وَّةِ، قال: أرأيتَ النبيَّ ◌َّهِ كان شَيْخاً؟ قال: كان في عَنْفَقَتِهِ شَعَراتٌ بِيضُ.
الحديث الرابع: وهو من ثُلاثيّاته:
قوله: ((حدَّثنا عِصام بن خالد)» هو أبو إسحاق الحمصي الحضرمي، من کِیار شيوخ
البخاري، وليس له عنه في ((الصَّحیح)) غيره.
وأمَّا ((حَريز)) فهو بفتح المهمَلة، وتقدَّم قريباً أنَّه من صِغار التابعينَ.
قوله: ((أرأيت النبيَّ وَلَ)) يحتمل أن يكون ((أرأيت)) بمعنى: أخبِرْني، و((النبي)) بالرفع
على أنَّه اسم كان، والتَّقدير: أخبرني أكان النبيُّ وَّ شيخاً؟ ويحتمل أن يكون: ((أرأيتَ))
استفهاماً منه: هل رأى النبيَّ ◌ََّ؟ ويكون ((النبيَّ)) بالنَّصبِ على المفعولية.
وقوله: ((كان شَيْخاً) استفهام/ ثانٍ حُذِفَت منه أداة الاستفهام، ويُؤْيِّد هذا الثّاني روايةٌ
٥٦٩/٦
الإسماعيلي من وجه آخر عن حَريز بن عثمان، قال: رأيتُ عبدَ الله بن بُسْر صاحبَ النبي ◌ِّلـ

٤٠٧
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٧ - ٣٥٤٨
كتاب المناقب
بحِمصَ، والناس يسألونَه، فدَنَوت منه وأنا غلام، فقلت: أنتَ رأيتَ رسول الله وَهِ؟
قال: نعم، قلت: شیخے کان رسولُ الله ێ أم شاب؟ قال: فتبَسَّمَ، وفي رواية له: فقلت له:
أكان النبيُّ وَّهِ صَبَغَ؟ قال: يا ابن أخي، لم يَبلِّغ ذلك.
قوله: ((قال: كان في عَنْفَقَتْه شَعَراتٌ بِيض)) في رواية الإسماعيلي: إنَّما كانت شَعَراتٌ
بِيضٌ، وأشارَ إلى عَنْفَقَته، وسيأتي بعد حديثَين (٣٥٥٠) قول أنس: إنَّما كان شيءٌ في
صُدْغَیهِ، وسيأتي وجه الجمع بينهما إن شاء الله تعالى.
٣٥٤٧- حدَّثنا ابنُ بُكَيرِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن خالدٍ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن رَبِيعةً
ابنِ أبي عبدِ الرحمن، قال: سمعتُ أنْسَ بنَ مالكٍ يَصِفُ النبيَّ ◌َّهِ، قال: كان رَبْعَةً مِن القومِ،
ليس بالطَّوِيلِ ولا بالقَصِيرِ، أزهَرَ اللَّوْنِ، ليس بأبيضَ أمهَقَ، ولا آدَمَ، ليس بجَعْدٍ قَطَطٍ ولا
سَبِطٍ، رَجِلٌ، أُنزِلَ عليهِ وهو ابنُ أربعينَ، فلَبِثَ بمَكَّ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عليه، وبالمدينةِ عَشْرَ
سِنِينَ، وقُبِضَ وليس في رأسِه ولحيتِهِ عِشْرونَ شَعَرَةً بيضاءَ.
قال رَبِيعَةُ: فرأيتُ شَعَراً من شَعَرِهِ، فإذا هو أحمرُ، فسألتُ: فقيل: احمرَّ من الطِّيب.
[طرفاه في: ٣٥٤٨، ٥٩٠٠]
٣٥٤٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن رَبِيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن، عن
أنسٍ ، أَنَّه سمعَه يقول: كان رسولُ الله ◌َّ﴿ ليس بالطَّوِيلِ البائنِ، ولا بالقَصِيرِ، ولا بالأبيضِ
الأمَهَقِ، وليس بالآدَم، وليس بالجَعْدِ القَطَطِ ولا بالسَّبِطِ، بَعَثَه الله على رأسِ أربعينَ سنةً، فأقامَ
بِمَكّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وبالمدينةِ عَشْرَ سِنِينَ، فَتَوَفّه الله وليس في رأسِه ولحيتِهِ عِشْرونَ شَعْرةً بيضاءً.
الحديث الخامس: حديث أنس من رواية ربيعة عنه، وهو ابن أبي عبد الرحمن فُرُّوخَ
الفقيه المدني، المعروف بربيعةَ الرَّأي. وقد أورَدَه من طريقَين: أحدهما: من رواية خالد،
وهو ابن يزيد الجُمَحي المِصري، وكان من أقران اللَّيث بن سعد، لكنَّه ماتَ قبله، وقد
أکثر عنه الليث.
قوله: ((كان رَبْعة)) بفتح الرّاء وسكون الموحّدة، أي: مَربُوعاً، والتَّأنيث باعتبار النَّس،

٤٠٨
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٧ - ٣٥٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
يقال: رجلٌ رَبعة، وامرأةٌ رَبعة، وقد فَسَّرَه في الحديث المذكور (٣٥٤٨) بقوله: ليس
بالطَّويلِ البائن، ولا بالقصير، والمراد بالطَّويلِ البائن: المُفرِط في الطّول(١) مع اضطراب
القامة، وسيأتي في حديث البراء (٣٥٥١) بعد قليل، أنَّه قال: كان النبي ◌ِِّ مَرَبُوعاً.
ووقَعَ في حديث أبي هريرة عند الذُّهْلي في ((الزُّهْريات))(٢) بإسنادٍ حسن: كان رَبعة،
وهو إلى الطّول أقرَبُ.
قوله: ((أزهَر اللَّوْن)) أي: أبيض مُشْرَبٌ بحمرة، وقد وقَعَ ذلك صريحاً في حديث أنس
من وجه آخر عند مسلم(٣)، وعند سعيد بن منصور والطَّيالسي (١٦٦) والتِّرمِذي
(٣٦٣٨)، والحاكم (٦٠٥/٢-٦٠٦) من حديث عليّ، قال: كان النبي ◌َّ أبيض مُشْرِباً
بياضُه بحُمرةٍ، وهو عند ابن سعد أيضاً عن علي (٤١٠/١-٤١١)، وعن جابر (٤١٨/١-
٤١٩)، وعند البيهقي(٤) من طرق عن علي، وفي ((الشَّمائل)) (٧) من حديث هِند بن أبي
هالة: أنَّه أزهَر اللَّون.
قوله: ((ليس بأبيض أمهَقَ)) كذا في الأُصول، ووقَعَ عند الدَّاوودي تَبَعاً لرواية المروزي:
أمهَق ليس بأبيض، واعتَرَضَه الدَّاوودي، وقال عياض: إنَّه وهمٌ، قال: وكذلك رواية مَن
روى أنَّه ليس بالأبيضِ ولا الآدم، لیس بصوابٍ.
كذا قال، وليس بجيِّدٍ في هذا الثّاني، لأنَّ المرادَ أنَّه ليس بالأبيضِ الشَّديد البياض، ولا
بالآدم الشَّديد الأُدْمة، وإنَّما يخالِط بياضَه الحُمرةُ، والعرب قد تُطلِقٍ على مَن كان كذلك
أسمَرَ، ولهذا جاء في حديث أنس عند أحمد (١٣٧١٥)، والبزَّار (٦٦٢٤)، وابن مَندَهْ
بإسنادٍ صحيح، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٢٨٦)(٥): أنَّ النبيِ نَِّ كان أسمَرَ.
(١) في (ع): المفرد في الطوال.
(٢) وهو في ((الأدب المفرد)) للبخاري برقم (١١٥٥).
(٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم نجده في مسلم مصر حاً به كما قال!
(٤) في ((الدلائل)) ٢٠٦/١ و٢١٢ و٢١٣ و٢١٩.
(٥) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من الترمذي، وهو فيه برقم (١٧٥٤).

٤٠٩
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٧ - ٣٥٤٨
كتاب المناقب
وقد رَدَّ المحِبُّ الطَّبَري هذه الرِّواية بقوله في حديث الباب من طريق مالك عن ربيعة:
ولا بالأبيضِ الأمهَقِ، وليس بالآدمِ. والجمع بينهما مُمكِن.
وأخرجه البيهقي في ((الدَّلائل)) (١/ ٢٠٤) من وجه آخر عن أنس، فذكر الصِّفة النَّبوية
قال: كان رسول ◌َّه أبيض، بياضه إلى السُّمْرة، وفي حديث يزيدَ الفارسيّ(١) عن ابن
عبَّاس في صفة النبي ◌َّ: رجل بين رجلَينٍ، جسمه ولحمه أحمر - وفي لفظ: أسمَر - إلى
البياض، أخرجه أحمد (٣٤١٠) وسنده حسن(٢).
وتَبِيَّن من مجموع الرِّوايات أنَّ المراد بالسُّمرة: الحُمرة التي تُخالط البياض، وأنَّ المراد
بالبياض المثبت: ما يخالطه الحُمرة، والمنْفيِّ: ما لا يُخالِطه، وهو الذي تَكرَه العرب لَونه
وتُسَمّيه أمهَقَ، وبهذا تَبَيَّن أنَّ رواية المروَزي: أمهَق ليس بأبيض، مقلوبة، والله أعلم، على
أنَّه يُمكِن توجيهُها: بأنَّ المراد بالأمهَقِ: الأخضَرِ اللَّون الذي ليس بياضُه في الغاية، ولا
سُمرَته ولا مُرَته، فقد نُقِلَ عن رُؤبة: أنَّ المهَق خُضرةُ الماء، فهذا التَّوجيه يَتِمّ على تقدير
ثُبُوت الرِّوایة.
وقد تقدّم في حديث أبي جُحَیفةً (٣٥٤٤) إطلاقُ گونه کان أبيض، وكذا في حديث أبي
الطُّفَيل عند مسلم (٢٣٤٠)، وفي روايةٍ عند الطبراني: ما أنسى شِدَّة بياض وجهه مع شِدَّة
سواد شَعره، وكذا في شعر أبي طالب المتقدِّم في الاستسقاء (١٠٠٨ و١٠٠٩):
وأبيضَ يُستَسقى الغَمامُ بوجهه
وفي حديث سُرَاقة عند ابن إسحاق(٣): فجَعَلتُ أنظُر / إلى ساقه كأنَّها جُمّارة، ولأحمد ٥٧٠/٦
(١٥٥١٢) من حديث مُرِّش الكعبي في عمرة الجِعْرَانةِ أنَّه قال: فنَظَرت إلى ظهره كأنَّه
سَبيكة فِضَّة، وعن سعيد بن المسيّب: أنَّه سمع أبا هريرة يَصِف النبيَّ ◌َ ﴿ فقال: كان شديد
(١) تحرف في (س) إلى: الرقاشي.
(٢) بل إسناده ضعيف، يزيد الفارسي في عداد المجهولين. ورواية ((أحمر)) عند ابن أبي خيثمة وأبي نعيم فيما
نقله الصالحي في «سبل الهدى والرشاد)) ١٢/٢.
(٣) انظر ((السيرة)) لابن هشام ١/ ٤٩٠.

٤١٠
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٧ - ٣٥٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
البياض. أخرجه يعقوب بن سفيان(١)، والبزَّار (٧٧٨٩) بإسنادٍ قوي، والجمع بينهما بما
تقدَّم.
وقال البيهقي(٢): يقال: إنَّ الُشرَب منه حُمرة وإلى السُّمرة: ما ضَحَى منه للشمس
والرّيح، وأمَّا ما تحت الثياب، فهو الأبيض الأزهر.
قلت: وهذا ذكره ابن أبي خَيْئمةَ عَقِب حديث عائشة في صِفَتِه وَلايَ(٣) بأبسط من هذا،
وزادَ: ولَونه الذي لا يُشَكّ فيه الأبيض الأزهر، وأمَّا ما وقَعَ في زيادات عبد الله بن أحمد
في ((المسنَد)) (١٣٠٠) من طريق عليّ: أبيض(٤) شديد الوَضَح(٥)، فهو مخالف لحديث أنس:
ليس بالأمهَق، وهو أصحّ، ويُمكِن الجمع بحَملِ ما في رواية عليّ على ما تحت الثّاب ممّا لا
يُلاقي الشمس، والله أعلم.
قوله: ((ليس بجَعْدٍ قَطَطٍ ولا سَبِط)) بفتح أوَّله وكسر الموحّدة، والجُعودة في الشَّعر: أن
لا يَتَكَسَّر ولا يَستَرسِل، والسُّبوطة ضِدّه، فكأنَّه أراد أنَّه وسَطُ بينهما.
ووقَعَ في حديث عليّ عند الِّرمِذي (٣٦٣٨)، وابن أبي خَيْئمةَ: ولم يكن بالجَعْدِ القَطَط،
ولا بالسَّبِطِ، كان جَعداً رَجِلاً.
وقوله: ((رَجِلٌ)) بكسر الجيم، ومنهم مَن يُسكِّنها، أي: مُسَرَّح(٦)، وهو مرفوع على
الاستئناف، أي: هو رَجِلٌ، ووَقَعَ عند الأَصِيلي: بالخفضِ، وهو وهمٌ لأنَّه يصير معطوفاً
على المنفيّ، وقد وُجِّهَ على أنَّه خَفَضَه على المجاورة، وفي بعض الرِّوايات: بفتح اللام،
(١) لم نقف عليه فيما طبع من ((المعرفة والتاريخ))، وأضافه محقق الكتاب من ((تاريخ الإسلام)) للذهبي، حيث
ساقه بسند يعقوب. وهو أيضاً في ((الأدب المفرد)) للبخاري (١١٥٥).
(٢) بل هذا قول أبي نعيم في ((الدلائل)) بإثر حديث عائشة في صفة رسول الله ﴿﴿ برقم (٥٦٦).
(٣) أخرجه أيضاً أبو نعيم في ((الدلائل)) (٥٦٦)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٩٨/١.
(٤) أقحم بعد هذا في (س) لفظة: مُشرب. وليست في الرواية، على معارضتها لسياق الرواية أيضاً، لأنَّ
المشرب ما خالطته الحمرة كما سبق.
(٥) إسناده ضعيف لانقطاعه بين علي والراوي عنه، وجهالة رجل فيه.
(٦) في (س): متسرح.

٤١١
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٧ - ٣٥٤٨
كتاب المناقب
وتشديد الجيم، على أنَّه فعلٌ ماضٍ.
قوله: ((أُنزِلَ عليه)) في رواية مالك (٣٥٤٨): بَعَثَه الله.
قوله: ((وهو ابن أربعينَ)) في رواية مالك: على رأس أربعينَ، وهذا إنَّما يَتِمّ على
القول بأنَّه بُعِثَ في الشَّهر الذي وُلِدَ فيه، والمشهور عند الجمهور: أنَّه وُلِدَ في شهر
ربيعِ الأَوَّلِ، وأنَّه بُعِثَ في شهر رمضان، فعلى هذا يكون له حين بُعِثَ أربعونَ سنة
ونصف، أو تسع وثلاثونَ ونصف، فمَن قال: أربعين، ألغى الكسر أو جَبَرَ، لكن
قال المسعودي وابن عبد البَرّ: إنَّ بُعِثَ في شهر ربيع الأوَّل، فعلى هذا يكون له
أربعونَ سنة سواء.
وقال بعضهم: بُعِثَ وله أربعونَ سنة وعشرة أيام، وعند الجِعابي: أربعونَ سنة
وعشرونَ يوماً، وعن الزُّبَير بن بكّار: أنَّه وُلِدَ في شهر رمضان وهو شاذّ، فإن كان محفوظاً،
وضُمَّ إلى المشهور أنَّ المبعَث في رمضان، فيَصِحّ أنَّه بُعِثَ عند إكمال الأربعينَ أيضاً. وأبعَدُ
منه قول مَن قال: بُعِثَ في رمضان وهو ابن أربعينَ سنة وشهرَينٍ، فإنَّه يقتضي أنَّه وُلِدَ في
شهر رَجَب، ولم أَرَ مَن صَرَّحَ به.
ثَّ رأيته كذلك مُصرَّحاً به في ((تاريخ أبي عبد الرحمن العُتَقيّ))، وعزاه للحسين بن عليّ،
وزادَ: لِسبعٍ وعشرينَ من رَجَب. وهو شاذٌ.
ومن الشّاذّ أيضاً ما رواه الحاكم (٢/ ٦١٠) من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيّب قال: أُنزِلَ على النبيِ نَّهِ وهو ابن ثلاث وأربعينَ، وهو قول الواقدي، وتَبِعَه
البلاذري وابن أبي عاصم(١).
(١) وقد روي ذلك عن ابن عباس أيضاً بسند صحيح عند أحمد (٢٠١٧)، وروي ذلك أيضاً عن الشعبي
بإسناد صحيح إليه، وأنَّ السنوات الثلاث الزيادة إنما هي السنوات التي قُرِن فيها النبي وَّر بإسرافيل
قبل قَرْنه بجبريل، أسنده عنه البيهقي في ((الدلائل)) ٢/ ١٣٢، وحمل البيهقي الرواية بأنه بعث على رأس
الثلاث والأربعين على تفسير الشعبي هذا، وأورد الذهبي روايتي ابن المسيب والشعبي في قسم السيرة
من ((تاريخ الإسلام)»، ولم يتعقبه بشيء، فالله تعالى أعلم.

٤١٢
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٧ - ٣٥٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
وفي ((تاريخ يعقوب بن سفيان)) وغيره عن مكحول: أنَّه بُعِثَ بعد ثِنْتَين وأربعينَ.
قوله: ((فَبِثَ بمَّة عَشْرِ سِنِينَ يُنزَل عليه)) مُقْتَضى هذا: أنَّه عاشَ ستّينَ سنة، وأخرج
مسلم (٢٣٤٨) من وجه آخر عن أنس: أنَّه وَِّ عاشَ ثلاثاً وستّينَ، وهو موافق لحديث
عائشة الماضي قريباً (٣٥٣٦)، وبه قال الجمهور، وقال الإسماعيلي: لا بدَّ أن يكون
الصَّحيح أحدهما. وجَمَعَ غيرُه بإلغاءِ الكسر، وسيأتي بقيّة الكلام على هذا الموضع في الوفاة
(٤٤٦٤) آخرَ المغازي إن شاء الله تعالى.
قوله: «وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء» أي: بل دون ذلك، ولابن أبي
خَيْئمةَ من طريق أبي بكر بن عيّاش: قلت لربيعة: جالستَ أنساً؟ قال: نعم، وسمعته
يقول: شابَ رسول اللهَ ﴿ عشرينَ شَيْبة هاهنا، يعني: العَنفَقة.
ولإسحاق بن راهويه وابن حِبّان (٦٢٩٤) والبيهقي(١)، من حديث ابن عمر: كان
شَيب رسول الله وَل﴿ نحواً من عشرينَ شَعرة بيضاء في مُقدَّمِه.
٥٧١/٦ وقد اقتَضى حديثُ عبد الله بن بُسر أنَّ شَيبه كان لا يزيد على عشر شَعَراتٍ / لإيرادِهِ
بصيغة جمع القِلَّة، لكن خُصَّ ذلك بعَنفَقَتِهِ، فيُحمَل الزائد على ذلك في صُدغَیه، کما في
حديث البراء (٣٥٥٠)، لكن وقَعَ عند ابن سعد (٤٣١/١) بإسنادٍ صحيح عن حُميدٍ عن
أنس في أثناء حديث، قال: ولم يَبلُغ ما في لحيته من الشَّيب عشرينَ شَعرة. قال حُميدٌ(٢):
وأومأ إلى عَنفَقَته سبعَ عشرة.
وقد روى ابن سعد أيضاً (١/ ٤٣١-٤٣٢) بإسناد صحيح عن ثابت عن أنس، قال: ما
كان في رأس النبي وَّ ولحيته إلّا سبعَ عشرة، أو ثماني عشرة.
ولابن أبي خَيْئمةَ من حديث حُميدٍ عن أنس: لم يكن في لحية رسول الله ﴿ ﴿ عشرونَ.
شعرة بيضاء. قال حُميدٌ: كُنَّ سبع عشرة.
(١) في ((الدلائل)) ٢٣٩/١.
(٢) هذا أخذه حميد عن يحيى بن سعيد الأنصاري، كما رواه عمر بن شبة في ((تاريخ المدينة)) ٦٢٣/٢.

٤١٣
باب ٢٢ / ح ٣٥٤٧ - ٣٥٤٨
كتاب المناقب
وفي «مُسنَد عبد بن حُميدٍ)) (١٢٤٣) من طريق حمّاد(١) عن ثابت عن أنس: ما عَدَدت في
رأسه ولحيته إلّا أربع عشرة شَعرة.
وعند ابن ماجَهْ (٣٦٢٩) من وجه آخر عن أنس: إلّا سبع عشرة، أو عشرينَ شَعرة.
وروى الحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ٦٠٧) من طريق عبد الله بن محمّد بن عقيل عن أنس
قال: لو عَدَدتُ ما أقبَلَ عليَّ من شَيبه في رأسه ولحيته، ما كنت أَزيدُهُنَّ على إحدى عشرة
شَيْبة. وفي حديث الهَثَم بن دَهْرٍ(٢): ثلاثونَ عَدَداً.
قوله: «قال ربيعة» هو موصول بالإسناد المذكور.
قوله: ((فرأيت شَعراً من شَعره، فإذا هو أحمر، فسألتُ، فقيل: احمَّ من الطّيب)) لم أعرف
المسؤولَ المجيبَ بذلك، إلّا أنَّ في رواية ابن عقيل المذكورة من قبلُ: أنَّ عمر بن عبد
العزيز قال لأنسٍ: هل خَضَبَ النبي ◌ََّ؟ فإنّ رأيت شَعراً من شَعره قد لُوِّنَ، فقال: إنَّما
هذا الذي لوِّنَ من الطّيب الذي كان يُطَيَّب به شَعرُ رسول الله وََّ، فهو الذي غَيَّرَ لَونَه،
فيَحتَمِل أن يكون ربيعة سأل أنساً عن ذلك، فأجابه.
ووقَعَ في ((رجال مالك)) للدّارَ قُطني، وهو في ((غرائب مالك)) له عن أبي هريرة قال:
لمَّا ماتَ النبي ◌َّ خَضَبَ مَن كان عنده شيءٌ من شَعره، ليكونَ أبقى لها.
قلت: فإن ثَبَتَ هذا استَقَامَ إنكار أنس، ويَقبلُ ما أثبتَه سواهُ التَّأويلَ، وستأتي الإشارة
إلى شيء من ذلك في كتاب اللباس (٥٩٠٠) إن شاء الله تعالى.
(١) کذا ذکر الحافظُ حماداً في هذه الرواية، وهو خطأ منه رحمه الله، وصوابه (معمر)) كما جاء في «مسند عبد بن
حميد)) موافقاً لما جاء في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٠١٨٥)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد
(١٢٦٩٠)، والترمذي في ((الشمائل)) (٣٧) وغيرهما، كلهم رووه عن عبد الرزاق عن معمر. ومنشأ هذا
الخطأ أن عبد بن حميد روى أيضاً (١٣٦٢) من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس، قال: لم ير النبي ◌َّ من
الشيب ما يخضب، ولو شئت أن أعد شمطات كن في لحيته، فذهب وهم الحافظ إلى هذه الرواية، والله
أعلم.
(٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: زهير، وقد أخرجه ابن سعد ٤٣٤/١، ومن طريقه أبو نعيم في ((معرفة
الصحابة)) (٦٥٨٤) في ترجمة الهيثم بن دهر، وترجم له الحافظ في ((الإصابة)) ٥٦٥/٦.

٤١٤
باب ٢٢ / ح ٢٤٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣٥٤٩- حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ أبو عبدِ الله، حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
يوسفَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ، يقول: كان رسولُ الله ◌َلِّ أحسنَ
الناسِ وجهاً، وأحسنَه خَلْقاً، ليس بالطَّوِيلِ البائنِ، ولا بالقَصِير.
الحديث السادس: حديث البراء.
قوله: ((حدّثنا إبراهيم بن يوسُف)) أي: ابن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعي.
قوله: ((وأحْسَنه خَلْقاً)) بفتح المعجَمة للأكثر، وضَبَطَه ابن التِّين: بضمٍّ أوَّله، واستَشهَدَ
بقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ووقَعَ في رواية الإسماعيلي بالشكِّ:
وأحسنه خَلْقاً أو خُلُقاً، ويُؤيِّده قوله قبله: أحسن الناس وجهاً، فإنَّ فيه إشارةً إلى الحُسن
الحِّي، فيكون في الثّاني إشارة إلى الحُسن المعنَوي.
وقد وقَعَ في حديث أنس الذي يَتعلَّق بفَرَسٍ أبي طلحة الذي قال فيه: ((إِنْ وجَدناه
لَبَحْراً»، وهو عنده(١) في مواضع (٢٦٢٧)، منها: أنَّ في أوَّله في باب الشَّجاعة في الحرب
(٢٨٢٠): كان أحسن الناس، وأشجَع الناس، وأجوَد الناس، فجَمَعَ صفات القوى
الثلاث: العقلية والغضبية والشَّهْوية، فالشَّجاعة تَدُلّ على الغضبية، والجود يدلّ على
الشهوية، والحُسن تابع لاعتدال المزاج المستَتبع لِصَفاءِ النَّفس الذي به جَودة القَريحة الدّالّ
على العقل، فوُصِفَ بالأحسنّة في الجميع.
ومضى في الجهاد (٢٨٢١)، والخُمس (٣١٤٨) حديث جُبَير بن مُطعِم: أنَّه وَّه قال:
(ثمَّ لا تَجِدوني بخيلاً، ولا كَذُوباً، ولا جَباناً))، فأشارَ بعَدَم الجُبن إلى كمال القوَّة الغضبية،
وهي الشَّجاعة، وبعَدَم الكذب إلى كمال القوَّة العقلية، وهي الحكمة، وبعَدَمِ البخل إلى
كمال القوَّة الشَّهوانية، وهو الجود.
قوله: ((ليس بالطّويلِ البائن، ولا بالقصير)) تقدَّم في حديث ربيعة عن أنس (٣٥٤٧): أنَّه
کان ربعة، ووقع في حديث عائشة عند ابن أبي خيثمةً(٢): لم يكن أحد يُماشیه من الناس
(١) يعني عند البخاري.
(٢) وهو أيضاً عند أبي نعيم في ((الدلائل)) (٥٦٦)، والبيهقي في ((الدلائل)) ١/ ٢٩٨.

٤١٥
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٠
كتاب المناقب
يُنسَب إلى الطّول إلّا طالَه رسولُ اللهِوَّةِ، ولَرُبَّمَا اكَنَفَه الرجلان الطَّويلان فيَطُولهما، فإذا
فارَقاه نُسِبا إلى الطّول، ونُسِبَ رسول الله وَّهِ إلى الرَّبْعة.
وقوله: ((البائن)) بالموخَّدة: اسم فاعل من بانَ، أي: ظَهَرَ على غيره، أو فارَقَ مَن سواهُ.
٣٥٥٠- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثْنَا هَمَّامٌ، عن قَتَادةَ، قال: سألتُ أنساً: هل خَضَبَ النبيُّ وَلِّ؟
قال: لا، إنَّما كان شيءٌ في صُدْغَیه.
[طرفاه في: ٥٨٩٤، ٥٨٩٥]
الحديث السابع: حديث قَتَادة: سألت أنساً: هل / خَضَبَ النبيِ وََّ؟ قال: إنَّما كان ٥٧٢/٦
شيءٌ في صُدْغَیه.
الصُّدغ، بضمِّ المهمَلة وإسكان الدّال بعدها مُعجَمة: ما بين الأُذُن والعين، ويقال ذلك
أيضاً للشَّعرِ المتدَلّي من الرَّأس في ذلك المكان، وهذا مُغاير للحديث السابق: أنَّ الشَّعر
الأبيض كان في عَنْفَقَته، ووجه الجمع: ما وقَعَ عند مسلم (١٠٤/٢٣٤١) من طريق
سعيد(١) عن قَتَادة عن أنس، قال: لم يَحْضِبْ رسولُ الله، وإنَّما كان البياض في عَنْفَقَته، وفي
الصُّدغَيْنِ، وفي الرّأس نَبْدٌ. أي: مُتَفَرِّق، وعُرِفَ من مجموع ذلك: أنَّ الذي شابَ من
عَنْفَقَته أكثر ممّاً شابَ من غيرها، ومُراد أنس: أنَّه لم يكن في شعره ما يحتاج إلى الخضاب،
وقد صَرَّحَ بذلك في رواية محمَّد بن سِيرِين (١٠١/٢٣٤١) قال: سألت أنس بن مالك:
أكان رسول الله وَلهٍ خَضَبَ؟ قال: لم يَبلُغ الخِضاب، ولمسلمٍ (١٠٣/٢٣٤١) من طريق
حَمَّاد عن ثابت عن أنس: لو شئت أن أعُدّ شَمَطاتٍ كُنَّ في رأسه، لَفَعَلت، زاد ابن سعد
(٤٣١/١)، والحاكم (٦٠٨/٢)(٢): ما شانَهُ بالشَّیب، ولمسلم (٢٣٤٤) من حديث جابر بن
(١) كذا قال الحافظ: من طريق سعيد عن قتادة، وهو خطأ منه رحمه الله تعالى، تبعه فيه العيني في ((العمدة))
١٠٧/١٦، وإنما هو في مسلم من رواية المثنى بن سعيد الضبعي، ويؤكده رواية صاحب مسلم أحمد بن
سلمة النيسابوري الحافظ لهذا الحديث عن البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٧/ ٣١٠ عن شيخ مسلم نفسه،
من طریق المثنی بن سعید.
(٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من أحمد ومسلم، وهو في ((مسند أحمد)) برقم (١٣٦٦٢)، و((صحيح مسلم))
برقم (٢٣٤١) (١٠٥) بهذه الزيادة، لكن قال مسلم في روايته: ما شانه الله ببيضاء.

٤١٦
باب ٢٢ / ح ٣٥٥١
فتح الباري بشرح البخاري
سَمُرة: فقد شَمِطَ مُقدَّم رأسه ولحيته، وكان إذا اذَّهَنَ لم يَتَبيَّن، فإذا لم يَدَّهِن، تَبيَّن.
وأمَّا ما رواه الحاكم، وأصحاب السُّنَن من حديث أبي رِمثة، قال: أتيت النبي وَل
وعليه بُردان أخضَران، وله شَعر قد عَلَاه الشَّيب، وشَيبه أحمرُ تَخَضوب بالحِنّاء (١)، فهو
موافق لقولِ ابن عمر: رأيت رسول الله وَلَم يَخْضِبُ بالصُفرة، وقد تقدَّم في الحجّ(٢) وغيره.
والجمع بينه وبين حديث أنس: أن يُحمَل نفي أنس على غَلَبة الشَّيب حتَّى يَحتاج إلى
خِضابه، ولم يَتَّفِقِ أنَّه رآه وهو مُخُضَّب، ويُحمَل حديث مَن أثبَتَ الخِضاب على أنَّه فعلَه
لإرادة بیان الجواز، ولم یواظِب علیه.
وأمَّا ما تقدَّم عن أنس(٣)، وأخرجه الحاكم (٦٠٨/٢) من حديث عائشة قالت: ما
شانَه الله ببيضاء، فمحمول على أنَّ تلكَ الشَّعَرات البيض لم يتغيَّر بها شيء من حُسنه بِێ، وقد
أنكَرَ أحمد إنكار أنس أنَّه خَضَبَ، وذكر حديث ابن عمر: أنَّه رأى النبيِ بَلهِ يَخْضِبُ بالصُّفرة،
وهو في ((الصَّحيح))، ووافَقَ مالكٌ أنساً في إنكار الخِضاب، وتأوَّلَ ما وَرَدَ في ذلك.
٣٥٥١- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازپٍ
رَضِيَ الله عنهما، قال: كان النبيُّ نَّهِ مَرْبوعاً، بَعِيدَ ما بينَ المَنْكِبَينِ، له شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِهِ،
رأيتُه في حُلّةٍ حَمْراءَ، لم أرَ شيئاً قَطُّ أحسنَ مِنْه.
وقال يوسفُ بنُ أبي إسحاقَ، عن أبيه (٤): إلى مَنْكِبيه.
[طرفاه في: ٥٨٤٨، ٥٩٠١]
الحديث الثامن: حديث البراء.
قوله: ((بعيدَ ما بين المَنكِبَين)) أي: عَریضَ أعلى الظّهر، ووقع في حديث أبي هريرة عند
(١) هذا لفظ رواية الحاكم ٦٠٧/٢، وأخرجه أبو داود (٤٢٠٦) و(٤٢٠٨)، والترمذي (٢٨١٢)، والنسائي
(٥٠٨٣) بذكر الخضاب بالحناء فقط.
(٢) بل مضى في الوضوء برقم (١٦٦)، وسيأتي في اللباس برقم (٥٨٥١).
(٣) يعني عند ابن سعد ٤٣١/١، وأحمد (١٣٦٦٢)، والحاكم ٦٠٨/٢.
(٤) يعني عن جده أبي إسحاق، فأطلق على الجد اسمَ الأب، وهو سائغ في لغة العرب.

٤١٧
باب ٢٢ / ح ٣٥٥١
كتاب المناقب
ابن سعد (٤١٥/١): رَحْبُ الصَّدر(١).
قوله: ((له شَعر يَبْلُغ شَحْمة أُذُنه)) في رواية الكُشْمِيهني: ((أُذَنَيه)) بالَّنية، وفي رواية
الإسماعيلي: تكاد جُمَّتَه تُصيبُ شَحمةَ أُذْنَیه.
قوله: ((وقال يوسف بن أبي إسحاق)) هو يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، نَسَبَه إلى
جَدّه.
قوله: ((إلى مَنكِيَيه)) أي: زاد في روايته عن جَدّه أبي إسحاق عن البراء في هذا الحديث:
له شَعر يَبلُغِ شَحمة أُذنَيه إلى مَنكِبَيَه، وطريق يوسف هذه أورَدَها المصنّف (٣٥٤٩) قبل
هذا بحديثٍ، لكنَّه اختَصَرَها(٢).
قال ابن التِّين تَبَعاً للدّاوودي: قوله: يَبلُغ شَحمة أُذْنَيه، مُغاير لقوله: إلى مَنكِبَيه، وأُجيبَ:
بأنَّ المراد أنَّ مُعظَم شَعره كان عند شَحمة أُذُنه، وما استَرسَلَ منه مُتَّصِلٌ إلى المنكِب، أو
يُحُمَل على حالتين، وقد وقَعَ نَظِير ذلك في حديث أنس عند مسلم(٣) (٩٤/٢٣٣٨) من رواية
قَتَادة عنه: أنَّ شَعره كان بين أُذنَيه وعاتقه، وفي حديث حُميدٍ (٩٦/٢٣٣٨) عنه: إلى أنصاف
أُذْنَيه، ومثله عند التِّرمِذي(٤) من رواية ثابت عنه، وعند ابن سعد (٤٢٨/١) من رواية حمّاد
عن ثابت عنه: لا يُجاوِز شَعرُه أُذْنَيه، وهو محمول على ما قَدَّمتُه، أو على أحوال مُتَغايرة.
وروى أبو داود(٥) (٤١٨٧) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة قالت: كان
(١) لكن في إسناده متروك، ولو ذكر حديث أبي هريرة الذي عند أحمد برقم (٨٣٥٢) بإسناد حسن لكان
أحسن، ولفظه في هذا الحرف كلفظ البراء بالحرف.
(٢) وقد رواه كذلك سفيان الثوري عن أبي إسحاق بلفظ: له شعر يضرب منكبيه، عند أحمد (١٨٥٥٨)،
وأبي داود (٤١٨٣)، وغيرهما.
(٣) وهو في ((صحيح البخاري)) أيضاً برقم (٥٩٠٥)، وقد غَفَلَ عنه الحافظُ رحمه الله.
(٤) في ((الشمائل)) (٢٨).
(٥) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (٢٤٧٦٨)، و((سنن ابن ماجه)) (٣٦٣٥)، والترمذي (١٧٥٥)، إلا أنه وقع عند
الترمذي فوق الجمة ودون الوفرة. وقد غفل الحافظ رحمه الله عن عزوه إليهم هنا مع أنه استوفاه عند شرح
حديث أنس الآتي برقم (٥٩٠٣).

٤١٨
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
شَعر رسول الله وَّ فوق الوفرة، ودون الجمَّة، وفي حديث هِند بن أبي هالة في صفة
رسول الله وَ﴿ عند التِّرمِذي(١) وغيره: فلا يُجاوز شَعرُه شَحمةَ أُذنَيه إذا هو وَفَّرَه، أي:
جعله وَفْرَةً، فهذا القَيدِ يُؤَيِّد الجمع المتقدِّم.
وروى أبو داود (٤١٩١) والتِرمذي (١٧٨١) من حديث أمّ هانئ قالت: رأيتُ رسول الله
* وله أربع غَدائرَ(٢)، ورجالهثقات.
٣٥٥٢- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زُهَيرٌ، عن أبي إسحاقَ، قال: سُئِلَ البراءُ: أكان وَجْه
النبيِّ وَ﴿ مِثلَ السَّيفِ؟ قال: لا، بل مِثْلَ القمر.
الحديث التاسع: حديث البراء أيضاً:
قوله: ((حدَّثنا زُهَير)) هو ابن معاوية، و ((أبو إسحاق)) هو السَّبيعي.
قوله: ((سُئِلَ البراء)) في رواية الإسماعيلي من طريق أحمد بن يونس عن زُهَير: حدَّثنا أبو
إسحاق عن البراء، قال له رجل.
٥٧٣/٦ قوله: ((مِثْلِ السَّيف؟ قال: لا، بل مِثْل القمر)) كأنَّ السائل أراد أنَّه مِثل السَّيف في الطّول،
فَرَدَّ عليه البراء فقال: بَل مِثل القمر. أي: في التَّدوير، ويحتمل أن يكون أراد مِثل السَّيف في
اللَّمَعان والصِّقال؟ فقال: بل فوق ذلك، وعَدَلَ إلى القمر، لجمعِه الصِّفَتَين من التَّدوير
واللَّمَعان.
ووقَعَ في رواية زُهَير المذكورة: أكان وجه رسول الله وَّالِ حديداً مِثل السَّيف؟ وهو
يُؤيِّد الأوَّل.
وقد أخرج مسلم (١٠٩/٢٣٤٤) من حديث جابر بن سَمُرة: أنَّ رجلاً قال له: أكان
وجه رسول الله ◌َ﴿ مِثل السَّيف؟ قال: لا، بل مِثل الشمس والقمر مُستَديراً. وإنَّما قال:
مُستَديراً للتَّنبيه على أنَّه جَمَعَ الصِّفَتين، لأنَّ قوله: مِثل السَّيف، يحتمل أن يريد به الطّولَ
(١) في ((الشمائل)) (٧).
(٢) وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٣٦٣١).

٤١٩
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٢
كتاب المناقب
واللَّمَعانَ، فَرَدَّه المسؤول رَدّاً بليغاً، ولمَّا جَرَى التَّعارُف في أنَّ التَّشبيه بالشمس إنَّما يُراد به
غالباً الإشراقُ، والتَّشبيه بالقمرِ إِنَّما يُراد به الملاحةُ دون غيرهما، أتى بقوله: وكان مُستَديراً،
إشارة إلى أنَّه أراد التَّشبيه بالصِّفَتين معاً: الحُسْن والاستدارة.
ولأحمد (٨٦٠٤)، وابن سعد (٤١٥/١)، وابن حِبّان (٦٣٠٩)، عن أبي هريرة: ما
رأيت شيئاً أحسن من رسول الله وَ له، كأنَّ الشمس تجري في جبهته.
قال الطِّيبي: شَبَّهَ جَرَیانَ الشمس في فَلَكِها بجريان الحُسن في وجهه ێ، وفیە عَكْس
التَّشبيه للمُبالَغة، قال: ويحتمل أن يكون من باب تَناهي التَّشبيه، جعل وجهه مَقَرّاً ومكاناً
للشمس.
وروى يعقوب بن سفيان في ((تاريخه))(١) من طريق يونس بن أبي يَعفُور عن أبي إسحاق
السَّبيعي عن امرأة من هَمْدانَ، قالت: حَجَجتُ مع رسول الله وَّهِ، فقلت لها: شَبِّهيه،
قالت: کالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مِثله.
وفي حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّد: لو رأيتَهُ، لَرأيت الشمسَ طالعةً. أخرجه الطبراني
(٢٤ / ٦٩٦) والدَّارِمي (٦٠).
وفي حديث يزيد الفارسيّ(٢) المتقدِّم قريباً، عن ابن عبّاس: جميل دوائر الوجه، قد مَلَأت
لحيته من هذه إلى هذه، حتَّى كادَت تَمَلَأُ نَحرَه(٣).
وروى الذُّهْلي في ((الزّهْريات)) من حديث أبي هريرة في صِفَتِه وََّ: كان أَسِيلَ الْخَدَّينِ،
شديدَ سواد الشَّعر، أكحَل العينَينِ، أهدَب الأشفار، الحديث(٤). وكأنَّ قوله: أَسِيل
الخدَّين(٥)، هو الحامل على مَن سأل: أكان وجهه مِثل السَّيف؟
(١) لم نقف عليه فيما طبع من ((تاريخه))، ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ١٩٩/١.
(٢) تحرف في (س) إلى: الرقاشي.
(٣) أخرجه أحمد (٣٤١٠) وإسناده ضعيف.
(٤) وهو منقطع إذ قال فيه الزهري: سئل أبو هريرة، وقد ساق إسناده ابن كثير في («البداية والنهاية)) ٤٠٩/٨.
(٥) فسره ابن الأثير بقوله: الأسالة في الخد: الاستطالة وأن لا يكون مرتفع الوَجْنة.

٤٢٠
باب ٢٢ / ح ٣٥٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
ووقَعَ في حديث عليّ عند أبي عُبيد في ((الغريب)): وكان في وجهه تَدوير. قال أبو عُبيد
في شرحه: يريد أنَّه لم يكن في غاية التَّدوير، بل كان فيه سُهولة، وهي أحلى عند العرب.
٣٥٥٣- حدَّثنا الحسنُ بنُ منصورٍ، حدَّثنا حَجّاجُ بنُ محمَّدٍ الأعوَرُ بالمِصِّيصَةِ، حدَّثنا
شُعْبةُ، عن الحَكَم، قال: سمعتُ أبا جُحَيفةَ، قال: خَرَجَ رسولُ الله ◌َّهِ بالهاجِرةِ إلى البَطْحاءِ،
فتَوضَّأ، ثمَّ صَلَى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنٍ، والعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وبينَ يَدَيهِ عَنَزَةٌ.
قال شُعْبةُ: وزادَ فيه عَوْنٌ، عن أبيه أبي جُحَيفةَ، قال: كان يَمُرُّ من ورائها المرأةُ، وقامَ الناسُ
فجَعَلوا يأْخُذُونَ يَدَيه فيَمْسَحونَ بهما وجُوهَهم، قال: فَأَخَذْتُ بَيَدِه فَوَضَعْتُها على وجهي، فإذا
هي أبرَدُ مِن الثَّلْجِ، وأطْيَبُ رائحةً مِن المِسْك.
الحديث العاشر: قوله: ((حدَّثنا الحسن بن منصور)) هو أبو عليّ البغدادي الشَّطَوي -
بفتح المعجَمة ثمَّ المهمَلة - لم يُخُرِّج عنه البخاري سوى هذا الموضع.
قوله: ((قال شُعْبة)» هو مُتَّصِل بالإسناد المذكور.
قوله: «وزاد فیه عَوْن، عن أبيه أبي جُحَيفَةً)) سيأتي هذا الحدیث بزیادَتِه من وجه آخر في
آخر الباب (٣٥٦٦)، وقد تقدَّم ما يتعلَّق بذلك في أوائل الصلاة (١٨٧).
قوله: (فإذا هي أبرَدُ من الثَّلْج، وأطْیَبُ رائحةً من المِسْك» وقَعَ مِثله في حديث جابر بن
يزيد بن الأسوَد عن أبيه عند الطبراني(١) (٦١٨/٢٢ و٦١٩) بإسنادٍ قوي.
وفي حديث جابر بن سَمُرة عند مسلم (٢٣٢٩/ ٨٠) في أثناء حديث قال: فمَسَحَ
صَدري، فَوَجَدت لِيدِه بَرداً - أو ريحاً - كأنّما أخرجها من جؤنة عَطّار.
وفي حديث وائل بن حُجرٍ عند الطبراني (٦٨/٢٢) والبيهقي(٢): لقد كنت أُصافح
رسول الله ◌َّهـ أو يَمَسّ جِلْدِي جِلْدَه - فأتعَرَّفُه بعدُ في يَدي، وإِنَّه لَأَطيَب رائحةً من المِسك.
(١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((مسند أحمد))، وهو فيه برقم (١٧٤٧٨) وهو أيضاً في ((صحيح ابن
خزيمة)) برقم (١٦٣٨).
(٢) رواية البيهقي في ((الدلائل)) ٢٥٧/١، بنحو رواية أحمد الآتية.
٠