Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ باب ٢ كتاب المناقب فَتَيَامَنُوا، فقالت العرب: تَيامَنَت بنو قَطَن، فسُمّوا اليمنَ، وتشاءَمَ الآخرونَ، فسُمّوا شاماً. وقيل: إنَّ الناس لمَّا تَفرَّقَت ألسِنَتُهم حين تَبَليَلَت ببابل أخَذَ بعضهم عن يمين الكعبة، فسُمّوا يَمَناً، وأخَذَ بعضهم عن شِمالها فسُمّوا شاماً، وقيل: إنَّا سُمّيت اليمن بيمَن بن قَحْطان، وسُمّيت الشّام بسام بن نوح، وأصله: شام بالمعجَمة، ثمَّ عُرِّبَ بالمهمَلة. قوله: ((والمَشْأمة: المَيسَرة ... )) إلى آخره، يريد أنَّهما بمعنَى، قال أبو عُبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَصْحَبُ المَشْمَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَشْئَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩]: أي: أصحاب الميسَرة، ويقال لليد اليُسرى: الشُّؤْمَى، قال: ويقال للجانبِ الأيسَر: الأَشْأم. انتهى. ويقال: المراد بأصحاب المشأمَة - أي: أصحاب الميسرة -: أصحاب النار، لأنَّهم يذهبون بهم إليها وهي على ناحية الشِّمال. ويقال: قيل لهم ذلك لأنَّهم يَتَنَاوَلونَ كُتُبهم بالشِّمال، والله تعالى أعلم. ٢- باب مناقبٍ قریشٍ قوله: ((باب مناقب قريش)) هم ولد النَّضر بن كِنانة، وبذلك جَزَمَ أبو عُبيدة، أخرجه ٥٣٤/٦ ابن سعد (٧٢/١) عن أبي بكر بن [أبي](١) الجَهم. ورُوي عن هشام بن الكَلْبي عن أبيه: كان سُكّان مكَّة يَزْعُمونَ أنَّهم قريش دون سائر بني النَّضر، حتَّى رَحَلوا إلى النبي وَلِّفسألوه عن قريش، قال: ((مَن وَلَدَ النَّضْرُ بن كِنانة)). وقيل: إنَّ قريشاً هم ولد فِهر بن مالك بن النَّضر، وهذا قول الأكثر، وبه جَزَمَ مُصعَب، قال: ومَن لم يَلِده فِهِر فليس قُرَشيّاً. وقد قَدَّمتُ مِثلَه عن ابن الكَلْبي. وقيل: أوَّل مَن نُسِبَ إلى قريش قُصِيّ بن كِلاب، فروى ابن سعد (١/ ٧١): أنَّ عبد الملك بن مروان سأل محمَّد بن جُبَير: متى سُمّيت قريشٌ قريشاً؟ قال: حين اجتَمَعَت إلى الْحَرَم بعد تَفُّقها. فقال: ما سمعتُ بهذا، ولكن سمعت أنَّ قُصيّاً كان يقال له: القُرَشِيّ، (١) ما بين المعقوفين سقط من (ع) و(س)، ولم يظهر في (أ) لانطماس الورقة، والصحيح إثباته، كما في ((الطبقات))، ومصادر الترجمة. ٣٤٢ باب ٢ فتح الباري بشرح البخاري ولم يُسَمَّ أحدٌ قريشاً قبله. وروى ابن سعد (٦٩/١) من طريق المقداد قال: لمَّا فرَغَ قُصِيٍّ من نفي خُزاعة من الحَرَمِ، تَجَمَّعَت إليه قريش، فسُمّيت يومئذٍ قريشاً لحال تَجمُّعها، والتَّقَرُّش: التَّجَمُّع. وقيل: لتَلَبُِّهم بالتِّجارة، وقيل: لأنَّ الجدّ الأعلى جاء في ثوب واحد مُتَجَمِّعاً فيه فسُمّي قريشاً، وقيل: من التَّقَرُّش، وهو أخذ الشيء أوَّلاً فأوَّلاً. وقد أكثر ابن دِحية من نقل الخِلاف في سبب تسمية قريش قريشاً، ومَن أوَّل مَن تَسَمّی به. وحَكَى الزُّبَير بن بَكّار عن عَمّه مُصعَب: أنَّ أوَّل مَن تَسَمّى قريشاً قريشُ بن بدر بن تَخَلَد بن النَّضر بن كِنانة، وكان دليلَ بني كِنانة في حُروبهم، فكان يقال: قَدِمَت عِيرُ قریش، فسُمّت قريش به قريشاً، وأبوه صاحب بدر الموضع المعروف. وقال المُطَرِّزي: سُمّيت قريش بدايَّةٍ في البحر هي سَيِّدة الدَّوابّ البحرية، وكذلك قریش سادة الناس، قال الشّاعر(١): وقريشٌ هي التي تَسكُن البحـــرَ بها سُمّيَت قريشٌ قريشا تأكُلِ الغَثّ والسَّمين ولا تَتَــ ـرُكُ فيه لذي جناحَينِ ريشا هكذا في البلاد حَيُّ قريش يأكلونَ البلادَ أكلاً كَمِيشا ولهم آخِرَ الزَّمان نبيٌّ يُكثِرُ القتلَ فيهمُ والخُموشا وقال صاحب ((المحكم)): قريش دابَّة في البحر لا تَدَع دابّة في البحر إلّا أكَلْها، فجميع الدَّوابْ تَخافها. وأنشَدَ البيتَ الأوَّلَ. قلت: والذي سمعتُه من أفواه أهل البحر: القِرش: بكسر القاف وسكون الرّاء، لكنَّ البيت المذكور شاهد صحيح، فلعلَّه من تغيير العامَّة، فإنَّ البيت الأخير من الأبيات (١) قيل: هو تُبَّع، حكاه أبو الوليد الأزرقي في ((أخبار مكة) ١٠٩/١، وقيل: هو المُشمرِج بن عمرو الحميري، حكاه المرزباني في ((معجم الشعراء» ص٤٦٩، لرجل ◌ُمحيّ، كما أسنده البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١/ ١٨١. ٣٤٣ باب ٢ / ح ٣٥٠٠ كتاب المناقب المذكورة يدلّ على أنَّه من شِعر الجاهلية، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه مُصغَّر القِرش الذي بكسر القاف، وقد أخرج البيهقي(١) من طريق ابن عبّاس، قال: قريش تصغير قِرش، وهي دابّة في البحر لا تَمُرّ بشيءٍ من غَثّ ولا سَمين إلّا أكَلَته. وقيل: سُمّي قريشاً لأنَّه كان يُقرِّش عن خَلَّة الناس وحاجتهم ويَسُدّها، والتَّقْرِيش: هو التَّفتيش. وقيل: سُمّوا بذلك لمعرفتِهِم بالطِّعان، والتقرُّش: وقع الأسِنَّة. وقيل: النَّقُرُّش: الشَّه عن رَذائل الأُمور، وقيل: هو من أقرَشَتِ الشَّجَّةُ: إذا صَدَعَتِ العَظمَ ولم تَهَشِمْه. وقيل: أقرَشَ بكذا: إذا سَعی فیه فوَقَعَ له، وقيل غير ذلك. ثمَّ ذكر المصنّف في الباب خمسة أحاديث: الأول: ٣٥٠٠- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: كان محمَّدُ بنُ جُبَيِرِ بنِ مُطْعِم ◌ُحدِّثُ: أَنَّه بَلَغَ مُعاوِيةَ وهو عندَه في وَفْدٍ من قريشِ: أنَّ عبد الله بنَ عَمْرِو بنِ العاص يُحدِّثُ: أنَّه سَيكونُ مَلِكٌ من فَحْطانَ، فغَضِبَ مُعاوِيةٌ، فقامَ فَأَثْنَى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ قال: أمَّا بعدُ، فإنَّه بَلَغَني أنَّ رجالاً مِنْكُم يَتَحَدَّثُونَ أحادِيثَ ليست في كتاب الله، ولا تُؤْثَرُ عن رسولِ اللهِ وََّ، فأولئكَ جُهّالُكُم، فإِيّاكم والأمانيَّ التي تُضِلُّ أهلَها، فإنّ سمعتُ رسولَ الله وَله يقول: ((إنَّ هذا الأمرَ في قريشٍ، لا يُعادِيهم أحدٌ إلّا كَبَّهُ الله على وجهِه، ما أَقامُوا الدِّينَ)». [طرفه في: ٧١٣٩] قوله: ((كان محمَّد بن جُبَير بن مُطْعِمٍ يُحدِّث)) سيأتي في الأحكام (٧١٣٩) الردُّ على مَن زَعَمَ: أنَّ الزّهْري لم يَسمَعه من المذكور، وأذكُرُ إن شاء الله / شرح هذه المسألة هناك. قوله: ((من قَحْطان)) هو جُمَاعُ اليمن، وفي إنكار معاوية ذلك نظر، لأنَّ الحديث الذي اسْتَدَلَّ به مُقيَّد بإقامة الدّين، فيحتمل أن يكون خروج القَحْطاني إذا لم تُقِم قريش أمرَ ٥٣٥/٦ (١) في ((دلائل النبوة)) ١/ ١٨١. ٣٤٤ باب ٢ / ح ٣٥٠٤ فتح الباري بشرح البخاري الدّين، وقد وُجِدَ ذلك، فإنَّ الخِلافة لم تَزَل في قريش، والناس في طاعتهم إلى أن استَخَفّوا بأمرِ الدّين، فضَعُفَ أمرهم وتَلاشى إلى أن لم يَبْقَ لهم من الخِلافة سوى اسمها المجرَّد في بعض الأقطار دون أكثرها، وسيأتي مِصداق قول عبد الله بن عَمْرو بعد قليل من حديث أبي هريرة. وقول عبد الله بن عَمْرو: يكون مَلِكٌ من قَحْطان، بيَّن نُعَيم بن حمّاد في كتاب ((الفتن)) (٢٦٤) و(١٢٠٤) من وجه قويّ عن محمد عن عُقْبة(١) بن أوس، عن عبد الله بن عَمْرو: أَنَّه ذكر الخُلَفاء، ثمَّ قال: ورجل من قَحْطان، وأخرجه بإسنادٍ جيّد أيضاً من حديث ابن عبَّاس، قال فيه: ورجلٌ من قَحْطان كلّهم صالح(٢)، وروى أحمد (١٦٨٢٧) والطبراني (٤٢٢٧) من حديث ذي مِخْمَرِ الحَبَشي مرفوعاً: ((كان الُلْك قبل قريش في حِميَرَ، وسيعودُ إلیھم)). وقال ابن التِّين: إنكار معاوية على عبد الله بن عَمْرو لأنَّه ◌َلَه على ظاهره، وقد يَخْرُج القَحْطانيّ في ناحية، لا أنَّ حُكمه يَشمَل الأقطار، وهذا الذي قاله بعيدٌ من ظاهر الخبر. الحديث الثاني: ٣٥٠٤ - حدَّثنا (٣) أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن سعدٍ (ح) قال يعقوبُ بنُ إبراهيمَ: حدّثنا أبي، عن أبيه، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ هُرْمُزَ الأعرَجُ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال رسولُ اللهِ وَالت: ((قريشٌ والأنصارُ وجُهَينةُ ومُزَينةُ وأسلَمُ وأشجَعُ وغِفارُ مَوالِيَّ، ليس لهم مَوْلَّى دونَ الله ورسوله». [طرفه في: ٣٥١٢] (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: عمرو بن عقبة. وفي (ع) إلى: عمرو بن أوس. ومحمد هذا هو ابن سيرين. (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو سَبْق نظر منه، لأنَّ هذه الزيادة في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الوارد في ((الفتن)) لنعيم بن حماد (١٢٠٤) بعد حديث ابن عباس مباشرة، فانتقل نظره إليه، والله أعلم. (٣) جاء هذا الحديث في اليونينية مؤخراً إلى ما بعد الحديث (٣٥٠٣)، وهو على هذا الترتيب الذي اعتمدناه في رواية أبي ذر الهروي التي شرح الحافظ الأحاديثَ على وفق ترتيبها في هذا الباب، وأبقينا على ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. ٣٤٥ باب ٢ / ح ٣٥٠١ كتاب المناقب قوله: ((حدَّثنا أبو نُعَيم حذَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوري ((عن سعد بن إبراهيم)) أي: ابن عبد الرحمن ابن عَوْف ((ح قال يعقوب بن إبراهيم)) أي: ابن سعد بن إبراهيم ((حدَّثنا أبي عن أبيه)) أمَّا طريق أبي نُعَيم، فسيأتي بهذا المتن بعد ثلاثة أبواب (٣٥١٢) مع شرح الحديث. وأمَّا طريق يعقوب بن إبراهيم، فقال أبو مسعود: ◌َلَ البخاريّ مَتن حديث يعقوب على مَتن حديث الثَّوري، ويعقوب إنَّما قال: عن أبيه عن صالح بن كَيْسانَ عن الأعرج، كما أخرجه مسلم (١٩١/٢٥٢١) ولفظه: «غِفار وأسلم ومُزَينة ومَن كان من جُهَينة، خيرٌ عند الله من أسَد وغَطَفان وطَيِّئ)) انتهى. فحاصله: أنَّ رواية يعقوب مخالفة لرواية الثَّوري في المتن والإسناد، لأنَّ الثَّوري يَرويه عن سعد بن إبراهيم عن الأعرج، ويعقوب يَرويه عن أبيه عن صالح عن الأعرَج. قلت: ولم يُصِب أبو مسعود فيما جَزَمَ به، فإنَّما حديثان مُتَغايران مَتناً وإسناداً، روى كلَّ منهما إبراهيم بن سعد: أحدهما: الذي أخرجه مسلم، وهو عنده عن صالح عن الأعرَج، والآخر: الذي عَلَّقَه البخاري، وهو عنده عن أبيه عن الأعرَج. ولو كان كما قال أبو مسعود، لاقتَضى أنَّ البخاري أخطأ في قوله: حدَّثنا أبي، عن أبيه، حدَّثني الأعرج، وكان الصَّواب: أن يقول: حدَّثنا أبي عن صالح/ عن الأعرج، ونسبة البخاري إلى الوَهم ٥٣٦/٦ في ذلك لا تُقبَل إلّا ببيانٍ واضح قاطع، ومن أين يُوجَد، وقد ضاقَ تَرَجه على الإسماعيلي؟ فأخرجه من طريق البخاري نفسه مُعلَّقاً ولم يَتَعقَّبْه، ولا يَلزَم مِن عَدَم وجود هذا المتن بهذا الإسناد بعد التُّع عَدمه في نفس الأمر، والله أعلم. ٣٥٠١- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا عاصمُ بنُ محمَّدٍ، قال: سمعتُ أبي، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ، ما بَقِيَ منهم اثنان)). [طرفه في: ٧١٤٠] الحديث الثالث: حديث ابن عمر: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)» قال الكِرْماني: ليست الحُكومة في زَمَننا لقريشٍ، فكيف يُطابِقُ الحديث؟ وأجابَ عن ذلك بأنَّ في بلاد الغرب خليفة من قريش، وكذا في مِصر. ٣٤٦ باب ٢ / ح ٣٥٠٢ فتح الباري بشرح البخاري وتُعقّبَ بأنَّ الذي في الغَرب هو الحفْصِي صاحب تونس وغيرها، وهو منسوب إلى أبي حفص رَفيق(١) عبد المؤمن صاحب ابن تومَرْت الذي كان على رأس المئة السادسة، اذَّعى أنَّه المهدي، ثمَّ غَلَبَ أتباعُه على مُعظَم الغَرب، وتَسمَّوْا بالخِلافة، وهم عبد المؤمن وذُريته، ثُمَّ انتَقَلَ ذلك إلى ذُرّية أبي حفص، ولم يكن عبد المؤمن من قريش، وقد تَسمَّى بالخلافة هو وآل بيته، وأمَّا أبو حفص فلم يكن يَدَّعي أنَّه من قريش في زمانه، وإنَّما اذَّعاه بعض ولده لمَّا غَلَبوا على الأمر، فَزَعَموا أنَّهم من ذُرّية أبي حفص عمر بن الخطّاب، وليس بيدِهم الآن إلّا المغرب الأدنى، وأمَّا الأقصى فمَعَ بني الأحمر، وهم مُنتسبون إلى الأنصار، وأمَّا الأوسط فمَعَ بني مَرين وهم من البَرَبَر. وأمَّا قوله: وخليفة في مِصر، فصحيح، ولكنَّه لا حَلَّ بيدِه ولا رَبْط، وإنَّما له من الخلافة الاسمُ فقط. وحينئذٍ هو خبر بمعنى الأمر، وإلّا فقد خَرَجَ هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد، ويحتَمل ◌َمْله على ظاهره، وأنَّ المتغَلِّين على النَّظَر في أمر الرَّعيّة في مُعظَم الأقطار وإن كانوا من غير قريش، لكنَّهم مُعتَرِفونَ أنَّ الخلافة في قريش، ويكون المراد بالأمرِ مُجرَّدَ التَّسمية بالخِلافة، لا الاستقلال بالحُكمِ، والأوَّل أظهَر، والله أعلم. ٣٥٠٢- حدَّثنا يحيى بنُّ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ المسيّبِ، عن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ، قال: مَشَيتُ أنا وعُثْمانُ بنُ عَفّانَ، فقال: يا رسولَ الله، أعطَيتَ بني المطَّلِبِ وتَرَكْتَنَا، وإنَّما نحنُ وهم منكَ بمَنْزِلةٍ واحدةٍ؟ فقال النبيُّ ◌َّةِ: ((إنَّما بنو هاشم وبنو المطَّلِبِ شَيءٌ واحدٌ». الحديث الرابع: حديث جُبَير بن مُطعِم في السُّؤال عن بني نَوفَل وعبد شَمس، تقدَّم شرحه في کتاب الخمس (٣١٤٠). قوله: ((إنَّما بنو هاشم وبنو المطَّلِب شيء واحد)) هي رواية الأكثر، ووقَعَ للحَقُّوِي(٢): (١) تصحف في (س) إلى: رقيق، بقافين، وإنما هو رفيق عبد المؤمن بن علي القيسي، وأبو حفص هذا هو عمر بن يحيى ابن محمد الهِنْتاتي، وهو من أكابر أصحاب ابن تومرت. انظر ((اللباب)) لابن الأثير، في نسبة (الهنتاتي). (٢) زاد الحافظ نسبة هذه الرواية في شرحه للحديث (٣١٤٠) إلى المستملي، وهذا عكس ما في اليونينية، = ٣٤٧ باب ٢ / ح ٣٥٠٣ ، ٣٥٠٥ كتاب المناقب ((سِيٌّ واحد)) بكسر المهمَلة وتشديد التَّحتانية. وحَكَى ابن التِّينِ: أنَّ أكثر الرّوايات بالمعجَمة، وأنَّ فيها: ((أحد)) بدل ((واحد)). واستَشكَلَه: بأنَّ لفظ: ((أحد)) إنَّما يُستَعمَل في النَّفي، تقول: ما جاءني أحد، وأمَّا في الإثبات، فتقول: جاءني واحد. الحديث الخامس: ٣٥٠٣- وقال اللَّيْثُ: حدَّثني أبو الأسوَدِ محمَّدٌ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، قال: ذهب عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ معَ أَنَاسِ من بني زُهْرةَ إلى عائشةَ، وكانت أُرَقَّ شيءٍ عَليهم، لقَرابَتِهِم من رسولِ الله ◌ِّ. [طرفاه في: ٣٥٠٥، ٦٠٧٣] ٣٥٠٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّثُ، قال: حدَّثني أبو الأسوَدِ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، قال: كان عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ أحَبَّ البشرِ إلى عائشةَ بعدَ النبيِّ وَِّ وأبي بكرٍ، وكان أَبُرَّ الناسِ بها، وكانت لا تُمسِكُ شيئاً ممَّ جاءَها من رِزْقِ الله تَصَدَّقَتْ(١)، فقال ابنُ الزُّبَير: يَنْبَغِي أن يُؤْخَذَ على يَدَيها، فقالت: أيُؤْ خَذُّ على يَدَيَّ؟! عليَّ نَذْرٌ إِن كَلَّمْتُه، فاستَشْفَعَ إليها برجالٍ من قريشٍ، وبأخوالِ رسولِ اللهِنَّهِ خاصّةً، فامتَنَعَت، فقال له الزُّهْرِيّونَ أخوالُ النبيِّ ◌َلّ ـ منهم عبدُ الرحمن بنُّ الأسوَدِ بنِ عبدِ يَغوثَ والِسْوَرُ بنُ تَخْرَمَةَ - إذا استَأْذَنًا، فاقتَحِمِ الحِجابَ، ففَعَلَ، فأرسَلَ إليها بعَشْرِ رِقابٍ فأعتَقَتْهم، ثمَّ لم تَزَلْ تُعْتِقُهم حتَّى بَلَغَت أربعينَ، فقالت: وَدِدْتُ أنَّ جَعَلْتُ حينَ حَلَفتُ عملاً أعمَلُه، فأفرُغَ منه. قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني أبو الأسوَد محمَّد)) أي: ابن عبد الرحمن ((عن عُرْوة بن الزُّبَير، قال: ذهب عبد الله بن الزُّبَير مع أناس من بني زُهْرة إلى عائشة، وكانت أرَقَّ شيءٍ عليهم، لقَرابَتِهم من رسول الله ◌ِ﴾)) هذا طَرَف من الحديث الذي أورده موصولاً بعده عن عبد الله ابن يوسف عن اللَّيث، وفيه بيان السَّبَب في ذلك، ولم أرَه في جميع النُّسَخ إلّا هكذا مُعلَّقاً. = حيث نسبت هذه الرواية هناك إلى الكشميهني، فالله أعلم! (١) قال القسطلاني: أي: حالَ كونها تصدَّقت، أو ((تُصدّقت)) استئناف. ٣٤٨ باب ٢ / ح ٣٥٠٣ ، ٣٥٠٥ فتح الباري بشرح البخاري وقرابةُ بني زُهْرة من رسول الله ێے من وجهين: أحدهما: أنهم أقارب أمّه، لأنَّها آمنة بنت وهب بن عبد منافٍ بن زُهْرة بن کِلاب بن مُرَّة. والثّاني: أنَّهم إخوة قُصِيّ بن كلاب بن مُرَّة، وهو جَدُّ والد جَدِّ النبيِّ. والمشهور عند جميع أهل النِّسبة أنَّ زُهرة اسم الرجل، وشَذَّ ابن قُتَيبة، فَزَعَمَ أنَّه اسم امرأته، وأنَّ ولدها غَلَبَ عليهم النسبة إليها، وهو مردود بقولِ إمام أهل النَّسَب هشام بن الكَلْبي: أنَّ اسم زهرة المغيرة، فإن ثَبَتَ قول ابن قُتَيبة، فالمغيرة اسم الأب، وزُهرة اسم امرأته، فنُسِبَ أولادهما إلى أمّهم، ثمَّ غَلَبَ ذلك حتَّى ظُنَّ أنَّ زُهرة اسم الأب، فقيل: زُهرة بن کِلاب، وزُهرة: بضمِّ الزّاي بلا خلاف. قوله: ((كان عبدُ الله بن الزُّبَيرِ أحَبَّ البشر إلى عائشة)» هو ابن أُختها أسماء بنت أبي بكر، وكانت قد تَولَّت تربيته حتّى كانت تُکنی به. قوله: ((وكانت لا تُمْسِك شيئاً)) أي: لا تَدَّخِر شيئاً مما يأتيها من المال. قوله: ((ينبغي أن يُؤخَذ على يَدَيها)) أي: يُحِجَر عليها، وصَرَّحَ بذلك في حديث المِسوَر بن تَخَرَمةَ كما سيأتي بأوضح من هذا السّياق لهذه القصَّة في كتاب الأدب (٦٠٧٣ و٦٠٧٤ و ٦٠٧٥)، وسأذكُرُ شرحه هناك إن شاء الله تعالی. قوله: ((وقالت: وَدِدْتُ أنَّ جَعَلْتُ حين حَلَفْتُ عملاً أعْمَله، فأفرُغَ منه)) استُدِلَّ به على انعقاد النَّذر المجهول، وهو قول المالكية، لكنَّهم يجعلونَ فيه كفَّارة يمين، وظاهر قول عائشة وصَنيعها أنَّ ذلك لا يكفي، وأنَّه يُحمَل على أكثر ما يُمكِن أن يُنذَر، ويحتمل أن تكون فعلَتْ ذلك تَوَرُّعاً لتَيقُّنِ بِراءَة الذِّمَّة. وأبعَدَ مَن قال: تَمَّتِ أن يَدومَ لها العمل الذي عَمِلَتْه للكفَّارة، أي: تَصير تُعتِقِ دائماً، وكذا مَن قال: تَنَّتِ أنَّها بادَرَت إلى الكفَّارة حين حَلَفت، ولم تكن هَجَرت عبد الله بن الزُّبَير تلكَ المدَّة. ٣٤٩ باب ٣ / ح ٣٥٠٦ كتاب المناقب ووجهُ بُعدِ الأوَّلِ: أنَّه لم يكن في السّياق ما يقتضي مَنعها من العِتق، فكيف تَتَمنّى ما لا مانع لها من إيقاعه؟ ثمَّ إنَّه مقيّدٌ باقتِدارها عليه، لا إلزامها به مع عَدَم الاقتِدار، وأمَّا بُعد الثّاني، فلقولها في بعض طرق الحديث كما سيأتي (٦٠٧٣ و٦٠٧٤ و٦٠٧٥): أنَّها كانت تَذْكُر نَذْرها، فَتَبكي حتَّى يَبْلٌ دَمعُها ◌ِمارَها، فإنَّ فيه إشارةً إلى أنَّها كانت تَظُنّ أنَّها ما وفَت بما يجب عليها من الكفَّارة. واستَشكَلَ ابن التِّين وقوع الحِنْث/ عليها بمُجرَّدِ دخول ابن الزُّبَير مع الجماعة، قال: ٥٣٧/٦ إلّا أن يكون لمَّا سَلَّموا عند دخولهم، رَدَت عليهم السَّلام وهو في جُلَتهم، فوَقَعَ الِحِنْثُ قبل أن يقتحم الحجاب. انتھی. وغَفَلَ عَّا وقَعَ في حديث المِسوَر الذي أشَرتُ إليه، وفيه: فقالت عائشة: إنّي نَذَرتُ والنَّذر شديد، فلم يزالا بها حتَّى كَلَّمت ابنَ الزُّبَير. مع أنَّ التَّأويل الذي تأوَّلَه ابن التِّين لو لم يَرِدْ هذا التَّصريح، لكان مُتَعَقَّباً، ووجهه: أنَّه يجوز لها رَدّ السَّلام عليهم إذا نَوَت إخراجَه، ولا تَحَنَث بذلك، والله أعلم. ٣- بابٌ نزلَ القرآنُ بلسان قریشٍ ٣٥٠٦- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسٍ: أنَّ عُثْمانَ دَعَا زيدَ بنَ ثابتٍ وعبدَ الله بنَ الزُّبَيرِ وسعيدَ بنَ العاص وعبد الرحمنِ بنَ الحارثِ بنِ هشامٍ، فَنَسَخوها في المصاحفِ، وقال عُثْمَانُ للَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثة: إذا اختَلَفُم أنتم وزيدُ بنُ ثابتٍ في شيءٍ مِن القرآنِ، فاكْتُبُوه بلسان قريشٍ، فإنَّما نزلَ بلسانهم، ففَعَلُوا ذلك. [طرفاه في: ٤٩٨٤، ٤٩٨٧] قوله: ((بابُ نزلَ القرآن بلِسان قریش» أورَدَ فیه طرفاً من حديث أنس في أمر عثمان بكتابة المصاحف، وسيأتي مَبسوطاً مشروحاً في فضائل القرآن (٤٩٨٤). ووجه دخوله في مناقب قريش ظاهرٌ. والله أعلم. ٣٥٠ باب ٤ / ح ٣٥٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ٤- باب نِسبةِ اليَمنِ إلى إسماعيل منهم أسلَمُ بنُ أَفصَى بن حارِثةَ بن عَمْرِو بن عامرٍ، من خُزاعةً ٣٥٠٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، حدَّثنا سَلَمُ ﴾، قال: خَرَجَ رسولُ الله ◌َّه على قوم من أسلَمَ يَتَنَاضَلُونَ بالسّوقِ، فقال: ((ارْمُوا بني إسماعيلَ، فإنَّ أباكم كان رامِياً، وأنا معَ بني فلانٍ)) لأحدِ الفَرِيقَين، فأمسَكوا بأيديهم، فقال: ((ما لهم؟)) قالوا: وكيفَ نَّرْمِي وأنتَ معَ بني فلانٍ؟ قال: ((ارْمُوا، وأنا معكم كلِّكم)). قوله: ((باب نِسْبة اليَمَن إلى إسماعيل)) أي: ابن إبراهيم الخليل. ونسبة مُضَر وربيعة إلى إسماعيل مُتَّفَق عليها، وأمَّا اليمن فجُمّاع نَسَبهم يَنْتَهي إلى قَحْطان، واختُلِفَ في نَسَبه: فالأکثر: أنَّه ابن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقيل: هو من ولد هود علیه السلام، وقيل: ابن أخيه. ويقال: إنَّ قَحْطان أوَّل مَن تَكلَّمَ بالعربية، وهو والد العرب المتعَرِّبة، وأمَّا إسماعيل فهو والد العرب المستَعرِبة، وأمَّا العرب العاربة، فكانوا قبل ذلك كَعادٍ وَمُود وطَسْم وجَدِيسٍٍ وعِمْليِقِ وغيرهم. وقيل: إنَّ قَحْطان أوَّل مَن قيل له: أَبَيْتَ اللَّعنَ، وعِمْ صَباحاً. وزَعَمَ الزُّبَير بن بَّار(١): أنَّ قَحْطان من ذُرّية إسماعيل، وأنَّه قَحْطان بن الهَمَيسَع بن تَيم بن نَبت بن إسماعيل عليه السلام، وهو ظاهر قول أبي هريرة المتقدِّم في قصَّة هاجَر (٣٣٥٨)، حيثُ قال وهو يخاطب الأنصار: فتلكَ أمّكم يا بني ماء السماء. ٥٣٨/٦ هذا هو / الذي يَتَرَجَّح في ذهني، وذلك أنَّ عَدَد الآباء بين المشهورينَ من الصَّحابة وغيرهم وبين قَحْطان، مُتَقارب من عَدَد الآباء بين المشهورينَ من الصَّحابة وغيرهم وبين عدنان، فلو کان قحطان هو هوداً، أو ابن أخيه، أو قريباً من عصره، لکان في عداد عاشر جَدِّ لعدنان على المشهور أنَّ بين عدنان وبين إسماعيل أربعة آباءٍ أو خمسة، وأمَّا على القول (١) ومن قبله هشام بن محمد بن السائب الكلبي، كما في ((نسب عدنان وقحطان)) لأبي العباس المبرد، وكما في ((لسان العرب))، لابن منظور، في مادة (جرب). ٣٥١ باب ٤ / ح ٣٥٠٧ كتاب المناقب بأنَّ بين عدنان وإسماعيل نحواً مِن أربعينَ أباً، فذاكَ أبعَد، وهو قول غريب عند الأكثر، مع أنَّه حكاه كثيرونَ، وهو راجحٌ عند مَن يقول: إنَّ مَعَدَّ بن عدنان كان في عَصر بُختنَصَّر، وقد وَقَعَ في ذلك اضطراب شديد، واختلاف مُتَفَاوِت، حتَّى أعرَضَ الأكثر عن سياق النَّسب بین عدنان وإسماعیل. وقد جمعت ممَّاً وَقَعَ لي من ذلك أكثر من عشرة أقوال، فقرأت في كتاب ((النَّسَب)) لأبي رُؤبة علي بن محمَّد(١) بن نَصْر، فذكر فيه فصلاً في نَسَب عدنان، فقال: قالت طائفة: هو ابن أُدّ بن أُدَد بن زيد بن يقدر بن يقدم(٢) بن هَمَسَع بن نَبت بن قیذار(٣) بن إسماعيل، وقالت طائفة: ابن أُدَد بن هَمَسَعَ بن نَبت بن سلامان بن حَل بن نَبت بن قيذار، وقالت طائفة: ابن أُدَد بن هَمَيسَع بن المقَوِّم بن ناحور بن مِشْرَحِ(٤) بن يَشجُب بن مالك بن أيمَن بن نَبت بن قيذار، وقالت طائفة: هو ابن أُدِّ بن أُدَد بن الهَمَيْسَع بن يَشجُب بن سعد بن بَريح بن نُمَير بن حميل بن منحيم بن لافث بن الصّابوح بن كنانة بن العَوّام بن نابت بن قيذار، وقالت طائفة: بين عدنان وإسماعيل أربعونَ أباً، قال: واستَخرَجوا ذلك من كتاب رَخيا كاتب أرميا النبي، وكان رَخيا قد ◌َلَ مَعدَّ بن عدنان من جزيرة العرب لَيالي بُختنَصّر خوفاً علیه من معرّة الجیش، فأثبتَ نَسَب معدٍّ بن عدنان في گُتُبه، فهو معروف عند علماء أهل الكتاب. قال: ووَجَدت طائفة من علماء العرب قد حَفِظَت ◌َعدِّ أربعينَ أباً بالعربية إلى إسماعيل، واحتَجَّت في أسمائهم بأشعار مَن كان عالماً بأمرِ الجاهلية كأُميَّة بن أبي (١) تحرف في (س) إلى: لأبي رؤبة على محمد، وفي (ع) إلى: لأبي رومة علي بن محمد بن نصير. وأبو رؤية علي ابن محمد هذا له ترجمة في ((المؤتلف والمختلف)) للدار قطني، باب رُؤبة وزَوِیة. (٢) تحرف في (س) إلى: معد بن مقدم، وفي (ع) إلى: بعدد بن مقدم، والتصويب من ((طبقات ابن سعد)) ٥٧/١، و((تاريخ الطبري)) ٢٧٤/٢، و((تاريخ دمشق)) ٦٠/٣. (٣) تصحف في المواضع كلها إلى: قيدار، بالراء المهملة، والتصويب من ((سبل الهدى والرشاد)) للصالحي ٣٠٠/١. (٤) تحرف في (س) إلى: يسرح، وجاء على الصواب في (ع)، والورقة في (أ) مطموسة، وجاء على الصواب أيضاً في ((تاريخ الطبري)) ٢٧٤/٢ . ٣٥٢ باب ٤ / ح ٣٥٠٧ فتح الباري بشرح البخاري الصَّلت، قال: فقابَلتُه بقولِ أهل الكتاب، فَوَجَدت العَدَد مُتَّفِقاً واللَّفظ مُخْتَلِفاً. ثمَّ ساقَ أسماء أربعينَ أباً بينهما. وقد وجَدت لغيره حكايةَ خِلاف أزيد ممّاً حكاه، فعند ابن إسحاق: أنَّه عدنان بن ◌ُدَد ابن يَشجُب بن يَعرُب بن قَيذر(١)، وعنه أيضاً: عدنان بن أُدّ بن مُقَوّم بن ناحور بن تَيْرَح(٢) ابن يَعرُب بن يَشجُب بن نابت بن إسماعيل، وعن إبراهيم بن المنذر: هو عدنان بن أدّ بن أُدَد بن الهَمَيْسَع بن نابت بن إسماعيل، وحكاه مرَّة عن عبد الله بن عمران المدني، فزاد فيه بين أُدَد والهَمَيْسَعِ: زَنْداً(٣). وحَكَى أبو الفَرَج الأصبهاني عن دَغْفَلِ النَّسّابة: أنَّه ساقَ بين عدنان وإسماعيل سبعة وثلاثينَ أباً، فذكرها، وهي مُغايرة للمذكورِ قبلُ. وقال هشام بن الكَلْبي في كتاب ((النَّسَب)) له، ونَقَلَه ابن سعد (٥٦/١) عنه، قال: أُخبِرت عن أبي، ولم أسمَع منه: أنَّه ساقَ بين عدنان وإسماعيل أربعينَ أباً. قلت: فذكرها، وفيها مُغايرة لما تقدَّم. قال هشامٌ (١/ ٥٧): وأخبرني رجل من أهل تَدمُر يُكْنَى أبا يعقوب من مُسلمٍة أهل الكتاب وعُلَمائهم: أنَّ رَخيا كاتب أرميا أثبَتَ نَسَب مَعدِّ بن عدنان، والأسماء التي عنده (١) تصحف في (س) إلى: قندر، والتصويب من ((سبل الهدى والرشاد)) ٢٩٩/١ -٣٠٠. (٢) تصحف في (س) إلى: يبرح، والتصويب من ((سبل الهدى والرشاد)) ٣٠٠/١. (٣) وقع للحافظ رحمه الله هنا ثلاثة أوهام: الأول: أنه سمى الذي روى عنه إبراهيم بن المنذر عبدَ الله بن عمران، وإنما الذي يروي عنه ابن المنذر عبد العزيز لا عبد الله، والثاني: أنه جعل الكلام له، وإنما روى عبد العزيز ذلك بالإسناد إلى أم سلمة عن النبي وي ليه عند الطبراني في ((الصغير)) (٩٤٦)، والبيهقي في (دلائل النبوة)) ١٧٧/١، وفيه أنَّ النبي وَ لّ قال: ((معد بن عدنان بن أدد بن زنْد بن يرى بن أعراق الثرى))، والثالث: قوله: فزاد فيه بين أدد والهميسع زنداً، وإنما وقع في رواية عبد العزيز هذا أنَّ أم سلمة قالت بإثر الحديث: زند هو هميسع، يعني أنَّ أحدهما اسمه والآخر لقبه، فظن الحافظ أنَّ بينهما لفظة (ابن))، أو وقع له ذلك في الأصل الذي نقل منه خطأً، والله أعلم. وقد تحرف ((زند)) في (س) إلى: زيد، والتصويب من ((المؤتلف والمختلف)) للدار قطني باب زید وزند وزبد، وغيره. ٣٥٣ باب ٤ / ح ٣٥٠٧ كتاب المناقب نحو هذه الأسماء، والخِلاف من قِبَل اللّغة، قال (٥٧/١): وسمعت مَن يقول: إنَّ مَعدَّ بن عدنان کان على عهد عیسی ابن مریم. كذا قال، وحَكَى الْهَمْدانيّ في ((الأنساب)) ما حكاه ابن الكَلْبي، ثمَّ ساقَ الأسماء سياقةً أُخرى بأكثرَ من هذا العَدَد باثنين، ثمَّ قال: وهذا ممَّا أُنْكِرُه، وممّا ينبغي أن يُغْفَل(١) ولا يُذكَر، ولا يُستَعمَل، بمُخالَفَتِها لمَا هو المشهور بين الناس. كذا قال، والذي تَرَجَّحَ في نظري أنَّ الاعتماد على ما قاله ابن إسحاقَ أَولَى، وأَولى منه ما أخرجه الحاكم (٤٠٢/٢-٤٠٣) والطبراني(٣)، من حديث أمّ سَلَمةَ، قالت: عدنان: هو ابن أُدّ بن زيد(٣) بن يرى(٤) بن أَعراق الثَّرى، وأعراق الثَّرى: هو إسماعيل، وهو موافق لمَا ذكرته آنِفاً عن إبراهيم بن المنذر عن عبد الله بن عمران، وهو يوافق مَن يقول: إنَّ قَحْطان من ذُرّيّة إسماعيل، لأنَّه والحالة هذه يَتَقَارَب عَدَد الآباء بين كلٍّ من قَحْطان وعدنان وبین إسماعيل،/ وعلى هذا فيكون مَعدُّ بن عدنان - كما قال بعضهم - في عهد موسى عليه ٥٣٩/٦ السلام، لا في عَهد عيسى عليه السلام، وهذا أولى، لأنَّ عَدَد الآباء بين نبيِّنا وبين عدنان نحو العشرينَ، فيَبَعُد مع كَون المدَّة التي بين نبيِّنا وبين عيسى عليه السلام كانت ستّ مئة سنة، كما سيأتي في ((صحيح البخاري)) (٣٩٤٨)، مع ما عُرِفَ من طول أعمارهم، أن يكون مَعدٌّ في زمن عيسى، وإنَّما رَجَّحَ مَن رَجَّحَ كَونَ بين عدنان وإسماعيل العَدَد الكثير الذي تقدَّم مع الاضطراب فيه، استبعادهم أن يكون بين معدٍّ - وهو في عصر عيسى ابن مريم - وبين إسماعيل أربعة آباء أو خمسة مع طول المدَّة، وما فرّوا منه وقَعوا في نَظِيره كما أشَرتُ إليه، فالأقرَب ما حَرَّرتُه، وهو إن ثَبَتَ أنَّ مَعدَّ بن عدنان كان في زمن عيسى، فالمعتمَد أن (١) تحرف في (س) إلى: يعقل. (٢) في ((الصغير)) (٩٤٦). (٣) تصحف في ((معجم الطبراني الصغير)) وفي (س) إلى: زيد، وضبطه الدار قطني في ((المؤتلف)) في باب زيد وزند وزید. (٤) تصحف في (س) إلى: بري. وضبطه ابن ناصر الدين في ((التوضيح)) مادة (يرى). ٣٥٤ باب ٤ / ح ٣٥٠٧ فتح الباري بشرح البخاري يكون بينه وبين إسماعيل العَدَدُ الكثير من الآباء، وإن كان في زمن موسى، فالمعتمَد أنَّ بينهما العَدَد القليل، والله أعلم. قوله: ((منهم أسلم بن أَقْصى)) بفتح الهمزة وسكون الفاء بعدها مُهمَلة مقصوراً، ووقَعَ في رواية الجُرجاني: ((أفْعى)) بعين مُهمَلة بدل الصّاد، وهو تصحيف. وقوله: ((ابن حارثة بن عَمْرو بن عامر)) أي: ابن حارثة بن امرئ القيس بن ثَعْلبة بن مازن بن الأزدِ، قال الرّشاطي: الأَزْد: جُرثومة من جَراثيم قَحْطان، وفيهم قبائل، فمنهم: الأنصار، وخُزاعة، وغَسّان، وبارق، وغامد، والعَتِيك، وغيرهم، وهو الأَزْد بن الغَوث ابن نَبت بن مالك بن زيد بن کَھْلان بن سَبَأْ بن يَشجُب بن یَعرُب بن فَحْطان. وأراد المصنِّ أنَّ نَسَب حارثة بن عَمْرو مُتَّصِل باليمن، وقد خاطَبَ النبيُّ وَّ بني أسلَمَ بأنَّهم من بني إسماعيل كما في حديث سلمة بن الأكوع الذي في هذا الباب، فدَلَّ على أنَّ اليمن من بني إسماعيل. وفي هذا الاستدلال نظر، لأنَّه لا يَلزَم من كَون بني أسلَمَ من بني إسماعيل أن يكون جميع مَن يُنسَب إلى قَحْطان من بني إسماعيل، لاحتمال أن يكون وقَعَ في أسلَمَ ما وَقَعَ في إخوَتهم خُزاعة من الخِلاف: هل هم من بني قَحْطان أو من بني إسماعيل؟ وقد ذكر ابن عبد البَرّ(١) من طريق القعقاع بن أبي حَدَرَد في حديث الباب: أنَّ النبيِنَّهَ مَرَّ بناس من أسلَمَ وخُزاعة وهم يَتَنَاضَلونَ، فقال: ((ارموا بني إسماعيل))، فعلى هذا فلعلَّ مَن كان هناك من خُزاعة كانوا أكثرَ، فقال ذلك على سبيل التَّغليب. وأجابَ الهَمْدانيّ النَّسّابة عن ذلك: بأنَّ قوله لهم: ((يا بني إسماعيل)) لا يدلّ على أنَّهم من ولد إسماعيل من جِهَة الآباء، بل يحتمل أن يكون ذلك لكونهم من بني إسماعيل من جِهَة الأُمَّهات، لأنَّ القَحْطانيّة والعدنانيّة قد اختَلَطوا بالصَّهارة، فالقَحْطانيّة من بني (١) لم نقف عليه في شيء من كتبه المطبوعة بين أيدينا، وله كتاب في ((الأنساب)) ذكره الحافظ في تفسير سورة سبأ من كتاب التفسير، فلعله فيه. ٣٥٥ باب ٥ / ح ٣٥٠٨-٣٥١١ كتاب المناقب إسماعيل من جِهَة الأُمَّهات. وقد تقدَّمت مباحث هذا الحديث في كتاب الجهاد (٢٨٩٩). وممّا استُدِلَّ به على أنَّ اليمن من ولد إسماعيل قولُ المنذر بن حرام بن عمرو جَدّ حسَّان بن ثابت: وَرِثْنا من البُهلول عَمْرِو بن عامٍ وحارثةَ الغِطِرِيفِ مَجداً مُؤَثَّلا مَآئِرَ من آلِ ابن بنت ابن مالك وبنت ابن إسماعيل ما إنْ تَحوَّلا وهذا أيضاً ممّا يُمكِن تأويله كما قال الهَمْداني، والله أعلم. ٥- باب ٣٥٠٨- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن الحسينِ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةَ، حدَّثني يحيى بنُ يَعْمَرَ، أنَّ أبا الأسوَدِ الدِّيلِيِّ حدَّثه، عن أبي ذرّ ه، أنَّه سمِعَ النبيَّ ◌َّ يقول: ((ليس من رجلٍ ادَّعَى لغيرِ أبيه وهو يَعْلَمُه، إلّا كفرَ بالله، ومَنِ اذَّعَی قوماً ليس له فيهم نسبٌ، فلْيَبَوَّأْ مَفْعَدَه مِن النار)). [طرفه في: ٦٠٤٥] ٣٥٠٩- حدّثنا عليٌّ بنُ عيّاشٍ، حدَّثنا حَرِيزٌ، قال: حدَّثني عبدُ الواحدِ بنُ عبدِ الله النَّصْرِيُّ، قال: سمعتُ واثِلَةَ بنَ الأسْقَع يقول: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إنَّ من أعظَمِ الفِرَى أن يَدَّعِيَ الرجلُ إلى غيرِ أبيه، أو يُرِيَ عينَه ما لم تَرَ، أو يقولَ على رسولِ اللهِوَله ما لم يَقُلْ)). ٣٥١٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّادٌ، عن أبي جَمْرةَ، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما يقول: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القَيسِ على رسولِ اللهِوَّةِ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنّا هذا الحيَّ من رَبِيعَةَ، قد حالَت بِينَنَا وبينَكَ كفّارُ مُضَرَ، فلسنا نَخلُصُ إليكَ إلّا في كلِّ شَهْرِ حَرامٍ، فلو أُمَرْتَنا بأمرِ نأخُذُه عنكَ، ونُبلِّغُه مَن وراءَنا، قال: «آمرُكم بأربعةٍ، وأنهاكم عن أربعة: الإيمان بالله، شهادةِ أن لا إلهَ إلّا الله، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وأن تُؤَدُّوا إلى الله ◌ُسَ مَا غَنِمتُم، وأنهاكُم عن الدُّاءِ، والحَتَمِ، والنَّقِيرِ، والمزَقَّت)). ٣٥٦ باب ٥ / ح ٣٥٠٨-٣٥١١ فتح الباري بشرح البخاري ٣٥١١- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدثني سالم بنُ عبدِ الله، أنَّ عبد الله بنَ عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله وَله يقول وهو على المِثْبرَ: ((ألا إنَّ الفِتْنَةَ هاهنا - يُشِيرُ إلى المشرِقِ - من حيثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشيطان)). ٥٤٠/٦ قوله: ((باب)) كذا هو بلا ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، ووجه تعلُّقِه به من الحديثَين الأوَّلَين ظاهر، وهو الَّجْر عن الادِّعاء إلى غير الأب الحقيقيّ، لأنَّ اليمن إذا ثَبَتَ نَسَبُهم إلى إسماعيل، فلا ينبغي لهم أن ينتسِبوا إلى غيره، وأمَّا الحديث الثّالث فلَه تعلُّق بأصلِ الباب، وهو أنَّ عبد القيس ليسوا من مُضَر، وأمَّا الرّابع، فللإشارة إلى ما وَقَعَ في بعض طرقه من الزّيادة بذِكْر ربيعة ومُضَر. فأمّا الحديث الأول، وهو حديث أبي ذرٍّ، فقوله في الإسناد: ((عن الحسين))، هو ابن واقد (١) المعلِّم، ووقَعَ في رواية مسلم (٦١): حدَّنا حسين المعلِّم. وقوله: ((عن أبي ذرّ) في رواية الإسماعيلي: حدَّثني أبو ذَرّ، وفي الإسناد ثلاثة من التابعينَ فِي نَسَق. وقوله: (ليس من رجل)) من زائدة، والتَّعبير بالرجلِ للغالبِ، وإلّا فالمرأة كذلك حُكمها. قوله: ((ادَّعى لغيرِ أبيه وهو يَعْلَمُه إلّا كفرَ بالله)) كذا وقَعَ هنا: ((كفرَ بالله)) ولم يقع قوله: (بالله)) في غير رواية أبي ذرٍّ، ولا في رواية مسلم ولا الإسماعيلي، وهو أولى، وإن ثَبَتَ ذاكَ فالمراد مَن استَحلَّ ذلك مع عِلمه بالتَّحريمِ، وعلى الرّواية المشهورة فالمراد كفر النِّعمة، وظاهر اللَّفظ غير مُراد، وإِنَّا وَرَدَ على سبيل التَّغليظ والزَّجْر لفاعلٍ ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر: أنَّ فاعله فعلَ فعلاً شَبيهاً بفعلِ أهل الكفر، وقد تقدَّم تقرير هذه المسألة في كتاب الإيمان(٢). (١) كذا قال الحافظ، وهو سبق قلم منه رحمه الله، وتبعه العيني، ولم يخرج البخاري للحسين بن واقد المروزي إلَّا تعليقاً، وإنما أخرج للحسين بن ذكوان المعلم احتجاجاً، وقد أراد الحافظ ذكر هذا الثاني، فسبق قلمه فذكر الأول، يدل على ذلك وصفه له بالمعلّم، وهو الذي يُعرَف بذلك، دون ابن واقد، ومنشأ هذا الخطأ. أن الحسين ابن واقد مكثر عن عبد الله بن بريدة، فاعتاد قلم الحافظ على كتابته، والله أعلم. (٢) عند الكلام على باب كفران العشير وكفر دون كفر، وهو الباب رقم (٢١). ٣٥٧ باب ٥ / ح ٣٥٠٨-٣٥١١ كتاب المناقب وقوله: ((ومَن ادَّعى قوماً ليس له فيهم نَسَب، فلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَده من النار))، في رواية مسلم والإسماعيلي: ((ومَن ادَّعى ما ليس له، فليس مِنّا، وليَتَبَوَّأْ مَقعَده من النار))، وهو أعمّ ممّاً تَدُلّ عليه رواية البخاري، على أنَّ لفظة: ((نَسَب)) وَقَعَت في رواية الكُشْمِيهني دون غيره، ومع حذفها يبقى مُتَعلَّقُ الجارّ والمجرور محذوفاً، فيَحتاج إلى تقدير، ولفظ ((نَسَب)) أولى ما قُدِّرَ، لۇُرودِه في بعض الرِّوايات. وقوله: ((فليَتَبَوَّا)) أي: ليتَّخِذ مَنزِلاً من النار، وهو إمّا دعاء، وإما خبر بلفظ الأمر، ومعناه: هذا جَزاؤُه إن جُوزِي، وقد يُعفى عنه، وقد يَتوب / فيَسقُط عنه، وقد تقدَّم تقرير ٥٤١/٦ ذلك في كتاب الإيمان(١) في حديث: ((مَن كَذَبَ عليّ)). وفي الحديث تحريم الانتِفاء من النَّسَب المعروف والادِّعاء إلى غيره، وقُيِّدَ في الحديث بالعلم، ولا بُدّ منه في الحالتين إثباتاً ونفياً، لأنَّ الإثم إنَّما يَتَرتَّب على العالم بالشيءٍ المتعَمِّد لَه. وفيه جواز إطلاق الكفر على المعاصي لقصدِ الزَّجر كما قَرَّرناه. ويُؤخَذ من رواية مسلم تحريم الدَّعوى بشيء ليس هو للمُدَّعي، فيَدخُل فيه الدَّعاوى الباطلة كلّها مالاً وعلماً وتعلُّماً ونَسَباً وحالاً وصلاحاً ونعمةً وولاء وغير ذلك، ويزداد التَّحريم بزيادة المفسَدة المترَتِّبة على ذلك. واستَدَلَّ به ابن دقيق العيد للمالكية في تصحيحهم الدَّعوى على الغائب بغير مُسَخَّر (٢)، لدخولِ المُسخّر في دعوى ما ليس له وهو يعلم أنَّه ليس له، والقاضي الذي يُقيمه أيضاً يعلم أنَّ دَعواه باطلة، قال: وليس هذا القانون منصوصاً في الشَّرع حتَّى يُخُصّ به عمومُ هذا الوعيد، وإنَّما المقصود إيصال الحقّ لِمُستَحِقُّه، فتَركُ مُراعاة هذا القَدْر وتحصيلُ المقصود من إيصال الحقّ لِمُستَحِقّه أولى من الدُّخول تحت هذا الوعيد العظيم. (١) بل في كتاب العلم، عند شرح الحديث (١٠٧). (٢) المسخَّر: هو الوكيل المنصوب من قِبَل القاضي للمدَّعَى عليه الذي لم يمكن إحضاره إلى المحكمة. انظر (مجلة الأحكام العدلية)) المادة (١٧٩١). ٣٥٨ باب ٥ / ح ٣٥٠٨ -٣٥١١ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عيّاش)) بِتحتانيّةٍ ومُعجَمة. قوله: ((حدَّثنا حَریز)) هو بفتح المهمَلة وكسر الرّاء وآخره زاي: وهو ابن عثمان الحِمصي، من صِغار التابعينَ، وهذا الإسناد من عَوالي البخاري. وشيخه ((عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري)» بالنّونِ المفتوحة بعدها صاد مُهمَلة، وهو دِمَشقي، واسم جَدّه كعب بن عُمَير، ويقال: بُسر بن كعب، وهو من بني نَصر بن معاوية ابن بكر بن هَوازن، وهو من صِغار التابعينَ، ففي الإسناد رواية القَرِين عن القَرِين، وقد وَلِيَ إمرة الطائف لعمر بن عبد العزيز، ثمَّ ولي إمرة المدينة ليزيد بن عبد الملك، وكان محمودَ السِّيرة، وماتَ سنة بضع ومئة، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد. وقد رواه عنه أيضاً زيدُ بن أسلَمَ، وهو أكبر منه سِنّاً ولقاءً للمشايخ، لكنَّه أدخَلَ بين عبد الواحد وواثِلة عبدَ الوهّاب بن بُخْتٍ، رأيته في ((مُستَخرَج ابن عبدان على الصحيحين)) من رواية هشام بن سعد عن زيد، وهشام فيه مقال، وهذا عندي من المزيد في مُتَّصِل الأسانيد، أو هو مَقلوب كأنَّه عن زيد بن أسلَمَ عن عبد الوهّاب بن بُخت عن عبد الواحد، والله أعلم. قوله: ((إنَّ من أعْظَم الفِرَى)) بكسر الفاء، مقصور وممدود، وهو جمع فِرْية، والفِرْية: الكذِب والبُهْت، تقول: فَرَى - بفتح الرّاء - فلانٌ كذا: إذا اختَلَقَ، يَفْري - بفتح أوَّله - وافتَرى: اختَلَقَ. قوله: ((أو يُريَ)) بضمِّ التَّحتانيّة أوَّلَه وكسر الرّاء، أي: يَدَّعي أنَّ عينَيَه رأتا في المنام شيئاً ما رأتاه، ولأحمد (١٦٠٠٨) وابن حِبّان (٣٢)، والحاكم (٣٩٨/٤) من وجه آخر عن واثِلة: ((أن يَفتَري الرجل على عينيه، فيقول: رأيت ولم يَرَ في المنام شيئاً». قوله: ((أو يقول)) بفتح التَّحتانية أوَّلَه وضمّ القاف وسكون الواو، وفي رواية المُستَمْلي(١): بفتح المثنّاة والقاف، وتثقيل الواو المفتوحة. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، والذي في اليونينية والقسطلاني نسبتُها لأبي ذر وأبي الوقت! ٣٥٩ باب ٥ / ح ٣٥٠٨-٣٥١١ كتاب المناقب وفي الحديث تشديد الكذب في هذه الأمور الثلاثة، وهي الخبر عن الشيء أنَّه رآه في المنام ولم يكن رآه، والادِّعاء إلى غير الأب، والكذب على النبي ◌َّ، فأمَّا هذا الأخير فتقدَّم البحث فيه في كتاب العلم (١٠٧)، وأمَّا ما يَتعلَّق بالمنام فيأتي في التَّعبير (٧٠٤٢)، وأمَّا الادِّعاء فتقدَّم قريباً فيما قبله، وتقدَّم بيان الحكمة في التَّشديد فيه، والحكمة في النَّشديد في الكذِب على النبي وَِّ واضحة، فإنَّه إنَّما يُخْبِرِ عن الله، فمَن كَذَبَ عليه كذَبَ على الله عزَّ وجلَّ، وقد اشتَدَّ النَّكير على مَن كَذَبَ على الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بِشَايَتِهِ:﴾ [الأعراف: ٣٧] فسوّى بين مَن كذَبَ عليه وبين الكافر، وقال: ﴿ وَيَوْمَ الْفِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةُ﴾ [الزمر: ٦٠] والآيات في ذلك مُتَعَدِّدة، وقد تَسَّكَ بعض أهل الجهل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِنَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤] / وجاء في بعض طرق الحديث: ((مَن كذَبَ ٥٤٢/٦ عليَّ)). وأمَّا المنام، فإنَّه لمَّا كان جُزءاً من الوحي، كان المخبِرُ عنه بما لم يقع، كالمخبرِ عن الله بما لم يُلْقِه إليه، أو لأنَّ الله يُرسِل مَلَكَ الرُّؤيا، فيُري النائمَ ما شاءَ، فإذا أخبر عن ذلك بالكذِبِ يكون كاذِباً على الله تعالى وعلى الملَك، كما أنَّ الذي يَكذِبُ على النبي ◌َّ يَنْسُب إليه شرعاً ولم يَقُلِه، والشَّرع غالباً إِنَّا تَلَقّاه النبيُّ وَّ على لسان الملَك، فيكون الكاذِب في ذلك كاذباً على الله تعالى وعلى الملَك. الحديث الثالث: حديث ابن عبّاس: ((قَدِمَ وفد عبد القيس)) تقدَّم الكلام عليه في كتاب الإيمان (٥٣)، ويأتي ما يتعلّق بالأشربة منه في موضعه إن شاء الله تعالى(١). وقوله: (عن أبي جمرة)» هو بالجیم. وقوله: ((آمُركم بأربعة وأنهاكم عن أربعة)) في رواية الكُشْمِيهني: ((بأربع)) في الموضعينِ، والشيء إذا لم يُذکر مُمِّزه يجوز تذکیره وتأنيثه. (١) عند شرح الأحاديث (٥٥٨٥-٥٥٨٧). ٣٦٠ باب ٦ فتح الباري بشرح البخاري ومُناسَبة هذا الحديث للتَّرجمة من جِهَة أنَّ جُلّ العرب هم ربيعة ومُضَر، ولا خِلاف في نسبتهم إلى إسماعيل. الحديث الرابع: حديث ابن عمر في أنَّ الفتنة من قِبَل المشرق، وقد تقدَّم قريباً (٣٢٧٩)، ويأتي شرحه في كتاب الفتن (٧٠٩٢) إن شاء الله تعالى. ومُناسَبته للتَّرجمة من جِهَة ذِكْر المشرق، وجُلُّهم من مُضَر وربيعة كما تقدَّم قريباً. وفي بعض طرق هذا الحديث: ((والإيمان يَمان)) ففيه إشارة إلى ذِكْر الأصول الثلاثة، فاثنان لا خِلاف أنَّهم من بني إسماعيل، وإنَّما الخِلاف في الثّالث. ٦ - باب ذكر أسلَمَ وغِفارَ ومُزَينة وجُهينةَ وأشجعَ قوله: ((باب ذِكْر أسلَمَ وغِفار ومُزَينة وجُهَينة وأشجَع)) هذه خمس قبائل كانت في الجاهلية في القوَّة والمكانة دون بني عامر بن صَعصَعة وبني تَميم بن مُرٍّ، وغيرهما من القبائل، فلمَّا جاء الإسلام كانوا أسرَعَ دخولاً فيه من أولئكَ، فانقَلَبَ الشَّرَف إليهم بسبب ذلك. ٥٤٣/٦ فأمَّا أسلَمَ، فقد تقدَّم ذِكْر نَسَبهم في الباب الماضي. وأمَّا غِفار، فبكسر الغَين المعجمة وتخفيف الفاء، وهم بنو غِفار بن مُليل - بميم ولامَين مُصغَّراً - ابن ضَمرة بن بكر بن عبد مَناةَ بن كِنانة، وسَبَقَ منهم إلى الإسلام أبو ذرِّ الغِفاري وأخوهُ أُنَيس، كما سيأتي شرح ذلك قريباً (٣٥٢٢)، ورَجَعَ أبو ذرِّ إلى قومه، فأسلَمَ الكثيرُ منهم. وأمَّا مُزَينة، فبضمِّ الميم وفتح الزّاي وسكون التَّحتانية بعدها نون، وهو اسم امرأة عَمْرو بن أُدِّ بن طابِخَة - بالموخَّدة ثمَّ المعجَمة - ابن إلياس بن مُضَر، وهي مُزَينة بنت كَلب ابن وَبْرَة، وهي أمّ أوس وعثمان ابني عَمْرو، فوَلَّدُ هذَين يقال لهم: مُزَينة والمُزَنّون، ومن قُدَماء الصَّحابة منهم: عبد الله بن مُغَفَّل بن عبد ثُهْم المُزَني، وعَمّه خُزاعيّ بن عبدِ نُهم، وإياسُ بن هلال، وابنه قُرَّة بن إياس، وهذا جَدّ القاضي إياس بن معاوية بن قُرَّة، وآخرونَ.