Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ باب ٥٤ / ح ٣٤٨٠ -٣٤٨٨ كتاب أحاديث الأنبياء ما شئتَ)). ٣٤٨٥- حدَّثْنا بِشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني سالمٌ، أنَّ ابنَ عمَ حدَّثه، أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((بينما رجلٌ يَجُّ إزارَه مِن الخُيَلاءِ خُسِفَ به، فهو يَتَجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يومِ القيامة)). تابَعَه عبدُ الرحمن بنُ خالدٍ، عن الزُّهْريّ. [طرفه في: ٥٧٩٠] ٣٤٨٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَیبٌ، قال: حدَّثني ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ﴾، عن النبيِّ وَّم قال: «نحنُ الآخرونَ السابقونَ يومَ القيامةِ، بَيدَ كلُّ أمّةٍ أُوتوا الكتابَ من قَبلِنا، وأُوتِينا من بعدِهم، فهذا اليومُ الذي اختَلَفُوا فيه، فغَداً لليهودِ، وبعدَ غَدٍ للنّصارى». ٣٤٨٧ - ((على كلِّ مسلم في كلِّ سبعةٍ أيامٍ يومٌّ يَغْسِلُ رأسَه وجَسَدَه)). ٣٤٨٨- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، حدَّثنا عَمْرو بنُ مُرّةَ، سمعتُ سعيدَ بنَ المسيّبِ، قال: قَدِمَ مُعاوِيةُ بنُ أبي سفيانَ المدينةَ آخِرَ قَدْمةٍ قَدِمَها، فخَطَبنا فأخرَجَ كُبَّةً من شَعَرٍ، فقال: ما كنتُ أُرَى أنَّ أحداً يَفْعَلُ هذا غيرَ اليهودِ، إِنَّ النبيَّ ◌َّهِ سَمّه الزُّورَ. يعني: الوِصالَ في الشَّعَر. تابَعَه غُندَرٌ، عن شُعْبَةَ. الحدیث التاسع والعشرون: حديث أبي هريرة في الذي کان يُداین الناس، قد تقدّم في البيوع (٢٠٧٨). الحديث الثلاثون: حديث عبد الله وهو ابن عمر، في التي رَبَطَت الهِرَّة. ولم أقِفْ على اسمها، لكن تقدَّم أَّها سوداء، وأنَّهَا حِيَريّة، وأنَّها من بني إسرائيل، وأنَّه لا تَنافي بين ذلك، وتقدَّم شرحه في أواخر بَدْء الخلق (٣٣١٨). الحديث الحادي والثلاثون: قوله: ((عن أبي مسعود)) هذا هو المحفوظ، ورواه إبراهيم بن ٣٢٢ باب ٥٤ / ح ٣٤٨٠ -٣٤٨٨ فتح الباري بشرح البخاري سعد عن منصور عن عبد الملك فقال: عن ربعي بن حِراش عن حُذَيفة. حكاه الدّارَ قُطني في ((العِلَل))، قال: ورواه أبو مالك الأشجعي أيضاً عن رِبعي عن حُذَيفة. قلت: روايته عند أحمد (٢٣٢٥٤)، وليس ببعيدٍ أن يكون رِبعي سمعَه من أبي مسعود ومن حُذَيفة جميعاً. قوله: ((إن مَّ أدرَكَ الناس من كلام النبوَّة)» الناسُ بالرفع في جميع الطَّرق، ويجوز النَّصب، أي: مَّا بَلَغَ الناسَ، وقوله: ((من كلام النبوَّة)) أي: ممَّ اتَّفَقَ عليه الأنبياء، أي: إنَّه مَّا نَدَبَ إليه الأنبياءُ، ولم يُنسَخ فيما نُسِخَ من شَرائعهم، لأنَّه أمرٌ أطبقَت عليه العقول، وزاد أبو داود (٤٧٩٧) وأحمد (١٧٠٩٠) وغيرهما (١): ((النبوّة الأولى)) أي: التي قبل نبينا وَليد. قوله: ((فاصْنَع ما شئت)) هو أمر بمعنى الخبر، أو هو للتَّهديد، أي: اصنَع ما شئت، فإنَّ الله تَجزيك، أو معناه: انظُر إلى ما تريد أن تَفعله، فإن كان ممّا لا يُستَحيا منه من أمر الدين فافعلْه، وإن كان ممّا يُستَحيا منه فدَعْه، أو المعنى: أنَّك إذا لم تَستَح من الله من شيء يجب أن لا تستحييَ منه من أمر الدّين فافعله ولا تُبالِ بالخَلْق، أو المراد الحثّ على الحياء والتَّنويه بفضلِهِ، أي: لمَّا لم يَجُزْ صُنع جميع ما شئت، لم يَجُزْ تَرك الاستحياء. ٥٢٤/٦ الحديث الثاني والثلاثون: حديث/ ابن عمر: ((بينما رجل يَجُرّ إزاره من الخُيَلاءِ خُسِفَ به)) سيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب اللُّباس (٥٧٩٠)، وعبد الله: هو ابن المبارك، وقد رواه عن يونس أيضاً عبد الله بن وَهْب، أخرجه النَّسائي (٥٣٢٦) وأبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٨٥٧١). قوله: ((تابَعَه عبد الرحمن بن خالد)) أي: ابن مُسافر ((عن الزُّهْري)) أي: بهذا الإسناد، وطريق عبد الرحمن هذه وصَلها المؤلِّف في كتاب اللِباس (٥٧٩٠). الحديث الثالث والثلاثون: حديث أبي هريرة في فضل يوم الجمعة، تقدَّم شرحه مُستَوقّ في كتاب الجمعة (٨٧٦). (١) عزوه للبخاري أولى، فسيأتي عنده برقم (٦١٢٠). ٣٢٣ باب ٥٤ / ح ٣٤٨٠ -٣٤٨٨ كتاب أحاديث الأنبياء الحديث الرابع والثلاثون: حديث معاوية في النهي عن الوصل في الشَّعَر، وقد تقدم في هذا الباب من وجه آخر (٣٤٦٨)، وتقدمت الإشارة إلى مكان شرحه. قوله: ((تابعه غندر عن شعبة)) وصله مسلم (١٢٣/٢١٢٧) والنسائي (٥٢٤٦) من طريقه، وأخرجه أحمد (١٦٨٢٩)، وابن أبي شيبة (٨/ ٤٩٠) عن غندر - وهو محمد بن جعفر - به. خاتمة: اشتمل كتاب أحاديث الأنبياء وما بعده من ذكر بني إسرائيل من الأحاديث المرفوعة على مئتي حديث وتسعة أحاديث، المكرر منها فيه وفيما ما مضى مئة وسبعة وعشرون حديثاً، والخالص اثنان وثمانون حديثاً، المعلق منها ثلاثون طريقاً، وسائرها موصول. وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة: ((الأرواح جنود))، وحديث: ((قال رجل: رأيت السَّدَّ»، وهذان معلَّقان، وحديث أبي هريرة: ((يلقى إبراهيمُ أباه)»، وحديث ابن عباس في قصة زمزم وبناء البيت بطوله، وحديثه في تعويذ الحسن والحسين، وحديث سَبْرة بن معبد، وحديث أبي الشُّموس، وحديث أبي ذر، وهذه الثلاثة معلَّقات، وحديث أمِّ رومان في قصة الإفك، وحديث أبي هريرة: ((إنما سُمِّيَ الخضر))، وحديث ابن مسعود في يونس عليه السلام، وحديث أبي هريرة: ((خُفِّف على داود القرآن))، وحديث عمر: ((لا تُطْروني))، وحديث عائشة في كراهية الاتِّكاء على الخاصرة، وحديث عبد الله بن عمرو: (بلِّغوا عني))، وحديث أبي هريرة: ((إن اليهود لا يَصبُغون))، وحديث عائشة في الطاعون، وحديث أبي مسعود في الحياء. وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ستة وثمانون أثراً، والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم ٣٢٥ باب ١ كتاب المناقب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب المناقب ١ - باب قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَى﴾ الآية [الحجرات: ١٣] وقولِه: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ اُلَّذِى تَسَلُونَ بِهِ، وَآلْأَرْحَامَ إِنَّاللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِبًا﴾ [النساء: ١] وما يُنْهَى عن دَعْوَى الجاهليَّة الشُّعوبُ: النَّسَبُ البَعِيدُ، والقبائلُ دونَ ذلك. قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. باب المناقب)) كذا في الأصول التي وقَفت عليها من ٥٢٦/٦ كتاب البخاري، وذكر صاحب ((الأطراف))، وكذا في بعض الشُّروح أنَّه قال: ((كتاب المناقب))، فعلى الأوَّل هو من ◌ُملة كتاب أحاديث الأنبياء، وعلى الثّاني هو كتاب مُستَقِلّ، والأوَّل أَولِى، فإنَّه يَظهَر من تصرُّفه أنَّه قَصَدَ به سياق التَّرجمة النبوية، بأن يجمع فيه أُمور النبيِ وَلّهِ من المبتدأ إلى المنتَهِى، فَبَدَأ بمُقدِّماتها من ذِكْرِ ما يَتعلَّق بالنَّسَبِ الشَّريف، فذكر أشياء تتعلَّق بالأنساب، ومن ثَمَّ ذكر أُموراً تتعلَّق بالقبائلِ، ثمَّ النَّهي عن دعوى الجاهلية، لأَنَّ مُعظَم فخرهم كان بالأنساب، ثمَّ ذكر صفة النبي ◌ِّهِ وشَمائله ومُعجِزاته، واستَطَرَدَ منها لفضائل أصحابه، ثمَّ أتبَعَها بأحواله قبل الهجرة وما جَرَى له بمگَّة، فذكر المبعَث، ثمَّ إسلام الصَّحابة، وهِجرة الحبشة، والمِعراج، ووُفود الأنصار، والهجرة إلى المدينة، ثمَّ ساقَ المغازي على ترتيبها عنده، ثمَّ الوفاة، فهذا آخر هذا الباب، وهو من جُملة تَراجِم الأنبياء، وخَتَمَها بخاتَمِ الأنبياء ◌ِلّهِ. قوله: ((وقول الله عزّ وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَى﴾ الآية)) يشير إلى ما تَضَمَّنَته هذه الآية من أنَّ المناقب عند الله إنَّما هي بالتَّقوى، بأن يُعمل بطاعَتِهِ، ويُكَفّ عن ٣٢٦ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري معصيته، وقد وَرَدَ في الحديث ما يُوضح ذلك: ففي ((صحيحَي)) ابن خُزَيمةَ(١) وابن حِبّان (٣٨٢٨) و((تفسير ابن مَرْدويه)) من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: خَطَبَ النبي وَله يوم الفتح، فقال: ((أمَّا بعد: يا أيّها الناس، فإنَّ الله قد أذهَبَ عنكم عُبَيَّةَ الجاهلية وفَخْرَها، يا أيّها الناس، الناس رجلان: مُؤمِنٌ تَقي كريمٌ على الله، وفاجِرٌ شَقي هَيِّنٌ على الله، ثمَّ تَلا: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْقَى﴾))، ورجاله ثقات إلّا أنَّ ابن مَزْدويه ذكر أنَّ محمّد بن المقرئ راويه عن عبد الله بن رَجاء عن موسى بن عُقْبة وَهِمَ في قوله: ((موسی ابن عُقْبة)) وإنَّما هو: موسى بن عُبيدة، وابن عُقْبة ثقة، وابن عُبيدة ضعيف، وهو معروف برواية موسى بن عبيدة(٢)، كذلك أخرجه ابن أبي حاتم (١٨٦٢٢) وغيره(٣). وروى أحمد (٢٣٤٨٩) والحارث وابن أبي حاتم من طريق أبي نَضْرة: حدَّثني مَن شَهِدَ خُطبة النبي ◌َّهُ بِمِنَى، وهو على بعير، يقول: ((يا أيّها الناس، إنَّ ربّكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، ألا لا فضلَ لعربي على عَجميّ، ولا لأسوَد على أحمرَ إلّا بالتَّقوى، خيرُكم عند الله أتقاكم)). قوله: ﴿لِتَعَارَفُواْ﴾ أي: ليعرف بعضكم بعضاً بالنَّسَبِ، يقول: فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان، أخرجه الطَّبَري (٢٦/ ١٤٠) عن مجاهد. (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، وفاتَ الحافظ رحمه الله أن يخرّجه من ((جامع الترمذي)»، وهو فيه برقم (٣٢٧٠)، مع أنه خرّجه منه في ((تخريج أحاديث الكشاف)). (٢) كذا نقل الحافظ كلام ابن مردويه، وأقره عليه، مع أنَّ لموسى بن عبيدة الربذي فيه متابعین، أحدهما أخوه عبد الله بن عُبيدة عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٤/ ٤٩٣، والثاني عبد الله بن جعفر المديني عند الترمذي (٣٢٧٠). وإسناد ابن أبي شيبة صحيح إن سلم من الإرسال، إذ ظاهر الإسناد عنده كما جاء في النسخ المحققة منه أنه مرسل، فبعد أن ساق إسناد موسى قال: وعن أخيه عبد الله بن عبيدة: أنَّ رسول الله وَيت ... إلى آخره، وقد جعله الزيلعي في ((تخريج أحاديث الكشاف)) متصلاً، حيث قال: وقرن ابن أبي شيبة مع موسى بن عبيدة أخاه عبد الله بن عبيدة، كلاهما عن ابن دينار، به، فالله أعلم. وعبد الله بن جعفر ضعيف. (٣) وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد (٨٧٣٦)، وأبي داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥)، وإسناده حسن. ٣٢٧ باب ١ كتاب المناقب قوله: ((وقوله تعالى: ﴿وَتَّقُواْ اللّهَ اُلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ، وَآلْأَرْحَمَ﴾)) قال ابن عبّاس: أي: اتَّقوا الأرحامَ وصِلُوها، أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧٢٦) عنه. والأرحام: جمع رَحِم، وذَوو الرَّحِم: الأقارب، يُطلَق على كلّ مَن يجمع بينه وبين الآخَر نَسَبٌ. والقراءة المشهورة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ نصباً، وعليها جاء التَّفسير، وقرأ حمزة: ((والأَرحام)) بالجرِّ، واختُلِفَ في توجيهه، فقيل: معطوف على الضَّمير المجرور في (به)) من غير إعادة الجارّ، وهو جائز عند جمْع، ومَنَعَه البصريُّون، وقرأها ابن مسعود فيما قيل: بالرفع، فإن ثَبَتَ فهو مُبْتَدَأ، والخبر محذوف تقديره: مَمَّا يُتَّقى أو ممّا يُسأل به. والمراد بذِكْر هذه الآية: الإشارة إلى الاحتياج إلى معرفة النَّسب أيضاً، لأنَّه يُعرَف به ذَوو الأرحام المأمور بصِلَتِهم. وذكر ابن حَزْم في مُقدِّمة ((كتاب النَّسَب)) له فصلاً في الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ عِلم النَّسَب عِلِمٌ لا يَنفَع، وجهلٌ لا يَضُرّ: بأنَّ في عِلم النَّسَب ما هو فرضٌ على كلّ أحد، وما هو فرضٌ على الكفاية، وما هو مُستَحَبّ. قال: فمِن ذلك أن يعلم أنَّ محمَّداً رسول الله وَلاو هو ابن عبد الله الهاشمي، فمَن زَعَمَ أنَّه لم يكن هاشميّاً فهو كافر، وأن يعلم أنَّ الخليفة من قريش، وأن يَعرف مَن يَلْقَاه بنَسَبٍ في رَحِمٍ مُحرَّمة، ليجتَنِب تَزويج ما يَجُم عليه منهم، وأن يعرف مَن يَتَّصِل به ثمّن يَرِثه، أو يجب عليه برّه من صِلة أو نَفَقة أو مُعاوَنة، وأن يَعرف أمَّهات المؤمنينَ، وأنَّ نِكاحهنَّ حَرامٌ على المؤمنينَ، وأن يَعرف الصَّحابة، وأنَّ حُبّهم مطلوب، وأن يَعرف الأنصار ليُحسِن إليهم، لتُبُوتِ الوصية بذلك(١)، ولأنَّ حُبّهم إيمان ويُغضهم نِفاق (٢)، قال: ومن الفقهاء مَن يُفرِّق في الجِزية وفي الاسترقاق بين العرب والعَجَم، فحاجته إلى عِلمِ النَّسَب آكَدُ، وكذا مَن يُفرِّق بين نَصارى بني تَغلِب وغيرهم، في الجِزية (١) من ذلك ما رواه أنس بن مالك فيما سيأتي عند البخاري (٣٧٩٩) من قول النبي وَلقر: ((أوصيكم بالأنصار، فإنهم گَرِشي وعَيْتي ... )) الحديث. (٢) من ذلك ما رواه أنس والبراء عند البخاري (١٧) و(٣٧٨٣)، ومسلم (٧٤) و(٧٥). ٣٢٨ باب ١ / ح ٣٤٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وتضعيف الصَّدَقة. قال: وما فرَضَ عمرُ﴾ الدّيوانَ إلّا على القبائل، ولولا عِلمُ النَّسَب ما تخلَّصَ له ذلك، وقد تَبِعَه على ذلك عثمان وعليّ وغيرهما. وقال ابن عبد البَرّ في أوَّل كتابه ((النَّسَب)): ولَعَمْري لم يُنصِف مَن زَعَمَ أنَّ عِلم النَّسَب علم لا ينفع، وجهل لا يَضُرّ. انتهى، وهذا الكلام قد روي مرفوعاً، ولا يثبت، وروي عن عمر أيضاً، ولا يَثْبُت، بل وَرَدَ في المرفوع حديث: ((تَعلَّموا من أنسابكم ما تَصِلونَ به أرحامكم))(١)، وله طرق أقواها ما أخرجه الطبراني (١٧٦/١٨) من حديث العلاء بن خارجة(٢)، وجاء هذا أيضاً عن عمر ساقَه ابن حَزْمِ(٣) بإسنادٍ رجاله موثوقونَ إلّا أنَّ فيه انقطاعاً. والذي يَظهَر ◌َمْلُ ما وَرَدَ من ذَمّه على التَّعَمُّق فيه حتَّى يُشتغَلَ عمَّا هو أهمّ منه، وخَمْل ٥٢٨/٦ ما/ وَرَدَ في استحسانه على ما تقدَّم من الوجوه التي أورَدَها ابنُ حَزْم، ولا يَخْفى أنَّ بعض ذلك لا يَخْتَصّ بعِلمِ النَّسَب، والله المستعان. قوله: ((وما يُنْهى عن دَعْوى الجاهلية)) سيأتي الكلام عليه بعد أبواب قَلائل. قوله: ((الشُّعوب: النَّسَب البعيد، والقبائل دون ذلك)) هو قول مجاهد، أخرجه الطَّري (١٣٩/٢٦) عنه، وذكر أبو عبيدة مِثال الشَّعب: مُضَر وربيعة، ومِثال القبيلة: مَن دون ذلك، وأنشَدَ لعَمرو بن أحمر: من شَعب هَمْدَانَ أو سَعْدِ العَشيرةِ أو خَوْلان أو مَذحِج هاجُوا له طَرَبا ٣٤٨٩- حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ الكاهليُّ، حدَّثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيد بنِ مُجُبَيَر، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَابِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ قال: الشُّعوبُ: القبائلُ العِظامُ، والقبائلُ: البُطون. (١) أخرجه أحمد (٨٨٦٨)، والترمذي (١٩٧٩)، من حديث أبي هريرة بسند حسن. (٢) بإسناد حسن، وله شاهد أيضاً بسند صحيح من حديث ابن عباس عند الطيالسي (٢٨٨٠)، والحاكم ٨٩/١، وغیر ھما. (٣) في كتابه «جمهرة أنساب العرب» ص٥. ٣٢٩ باب ١ / ح ٣٤٨٩ كتاب المناقب قوله: ((حدَّثنا أبو بَكْر)) هو ابن عيّاش الكوفي، وكذا سائر الإسناد و ((أبو حَصِينٍ)) بفتح أوَّله: هو عثمان بن عاصم. قوله: ((الشُّعوب: القبائل العِظام، والقبائل: البُطون)) أي: أنَّ المراد بلفظ القبائل في القرآن ما هو في اصطلاح أهل النَّسَب البُطون، وقد روى الطَّبَري (١٣٩/٢٦) هذا الحديث عن خَلّاد بن أسلَمَ وأبي كُرَيب كلاهما عن أبي بكر بن عيّاش بهذا الإسناد، لكن قال في المتن ((الشُّعوب: الجُمّاع)) أي: الذي يجمع مُتَفرِّقات البُطون، قال خَلّاد: قال أبو بكر: القبائل مثل بني تَمیم، ودونها الأفخاذ. انتهى. وقد قَسَّمَها الزُّبَير بن بَكّار في ((كتاب النَّسَب)) إلی شَعب، ثمَّ قبيلة، ثمّ عِمارة - بكسر العين - ثمَّ بطن، ثمَّ فخِذ، ثمَّ فَصِيلة، وزاد غيره قبل الشَّعب: الجِذْمَ، وبعد الفَصيلة العَشيرة، ومنهم مَن زاد بعد العَشيرة: الأُسرة، ثمَّ العِترة، فمِثال الجِذْم: عدنان، ومِثال الشَّعب: مُضَر، ومِثال القبيلة: كِنانَةُ، ومِثال العِمارة: قريش، وأمثلة ما دون ذلك لا تَخفى. ويقع في عباراتهم أشياء مُرادِفة لمَا تقدَّم، كقولهم: حَيّ، وبيت، وعَقيلة، وأَرومة، وُرثومة، ورهط، وغير ذلك. ورَتَّبَها محمَّد بن أسعَد النَّسّابة المعروف بالجَوَّاني(١) جميعها، وأردَفَها، فقال: خِذْم، ثمَّ ◌ُهور، ثمَّ شَعب، ثمَّ قبيلة، ثمَّ عِمارة، ثمَّ بطن، ثمَّ فخِذ، ثمَّ عَشيرة، ثمَّ فصيلة، ثمَّ رَهط، ثمّ أُسرة، ثمَّ عِترة، ثمَّ ذُرّية. وزاد غيره في أثنائها ثلاثة، وهي بيت وحَيّ وجُمّاعِ، فزادَتْ على ما ذكر الزُّبَير عشرة. وقال أبو إسحاق الزَّجّاج: القبائل من العربِ كالأسباط لبني إسرائيل، ومعنى القَبِيلة الجماعة، ويقال لكلِّ ما ◌ُعَ على شيء واحد: قَبيل، أخذاً من قبائل الشَّجَرة، وهو غُصونها، أو من قبائل الرَّأس، وهو أعضاؤُه، سُمّيت بذلك لاجتماعها. ويقال: المراد بالشُّعوب في الآية: بُطون العَجَم، وبالقبائلِ: بُطون العرب. (١) تحرف في (س) إلى: بالحراني. ٣٣٠ باب ١ / ح ٣٤٩٠ - ٣٤٩٢ فتح الباري بشرح البخاري ٣٤٩٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّار، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني سعيدُ ابنُ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قيل: يا رسولَ الله، مَن أكرَمُ الناسِ؟ قال: (أَتقاهُم) قالوا: ليس عن هذا نَسألُكَ، قال: ((فيوسفُ نبيُّ الله)). ٣٤٩١ - حدَّثنا قيسُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا عبدُ الواحِدِ، حدَّثنا كُلَيبُ بنُ وائلٍ، قال: حدَّثْني رَبِيِبةُ النبيِّ ◌ََّ زينبُ بنتُ أبي سَلَمَةَ، قال: قلتُ لها: أرأيتِ النبيَّ وََّ، أكان من مُضَرَ؟ قالت: فممَّن كان إلّا من مُضَرَ؟! من بني النَّضْرِ بنِ كِنانةَ. [طرفه في: ٣٤٩٢] ٣٤٩٢- حدَّثنا موسى، حدَّثنا عبدُ الواحِدِ، حدَّثْنَا كُلَيبٌ، حدَّثْنِي رَبِيةُ النبيِّ ◌َّهِ - وأظنُّها زينبَ - قالت: نهى رسولُ اللهِوَّه عن الدُّاءِ، والحَنتَم، والمقَيَّرِ، والمزَفَّت. وقلتُ لها: أخيِرِيني، النبيُّ وَ لَ ثَمَّنْ كان، من مُضَرَ كان؟ قالت: مِمَّن كان إلّا من مُضَرَ؟! كان من ولدِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ. ثمَّ ذکر المصنِّف في الباب سبعة أحاديث: الأول: حديث أبي هريرة: «قيل: يا رسول الله، مَن أكرَم الناس؟ قال: أتقاهم)» الحديث، أورَدَه مختصراً، وقد مضى في قصَّة يوسف(١)، والغرض منه واضح، وإنَّما أطلقَ على يوسف أكرَمَ الناس لكَونِهِ رابعَ نبيّ في نَسَقٍ، ولم يقع ذلك لغيره، فإنَّه اجتَمَعَ له الشَّرَف في نسبه من وجھین. الحديث الثاني: قوله: «حدّثنا عبد الواحد» هو ابن زياد. قوله: ((حدَّثنا كُلَيب بن وائل)) هذا هو المحفوظ، ورواه عَفّان عن عبد الواحد فقال: عن عاصم بن كُلَيب. أخرجه الإسماعيلي، وهو خطأ من عَفّان، وكُلَيب بن وائل تابعيٌّ وسَط، كوفي أصله من المدينة، وهو ثقة عند الجميع إلّا أنَّ أبا زُرْعةَ ضَعَّفَه بغير قادِح، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث. (١) مضى في ثلاثة مواضع بالأرقام (٣٣٥٣) و(٣٣٧٤) و(٣٣٨٣)، والموضع الأخير منها في قصة يوسف. ٣٣١ باب ١ / ح ٣٤٩٠ - ٣٤٩٢ كتاب المناقب قوله: ((حدَّثْنِي رَبِيبة النبي ◌ِّ)) هي بنت أمّ سَلَمَةَ زوج النبي ◌َّ. قوله: ((قالت: مَمَّنْ كان إلّا من مُضَر؟!)) في رواية الكُشْمِيهني: ((فممَّن كان)»(١) بزيادة فاءَ في الجواب، وهو استفهام إنكار، أي: لم يكن إلّا من مُضَر. قوله: ((مُضَر)) هو ابن نِزار بن مَعَدِّ بن عدنان، والنَّسب ما بین عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم مُتَلَف فيه كما سيأتي، وأمَّا من النبي ◌َّ إلى عدنان فمُتَّفَق عليه ... وقال ابن سعد في ((الطَّقات)) (٥٥/١-٥٦): حدَّثنا هشام بن الكَلْبي قال: عَلَّمَني أبي وأنا غلام نَسَب النبي ◌َّ، فقال: محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلِب - وهو شَيْبة الحمد - ابن هاشم - واسمه عَمْرو - بن عبد منافٍ - واسمه المغيرة - بن قُصِيّ - واسمه زید - بن کِلاب بن مُرَّة بن کعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِھرْ ۔ وإلیه ◌ُماع قریش، وما كان فوق فِھر فليس بقُرَشيّ، بل هو / كِناني - ابن مالك بن النَّضر - واسمه قيس - بن كِنانة بن خُزيمةَ بن ٥٢٩/٦ مُدرِکة ۔ واسمہ عَمْرو - بن إلیاس بن مُضَر. وروى الطبراني (٢) بإسناد جيِّ عن عائشة قالت: استَقَامَ نَسَب النبي إلى مَعدِّ بن عدنان. و(مُضَر)) بضمِّ الميم وفتح المعجَمة، يقال: سُمّي بذلك لأنَّه كان مُولَعاً بشُربِ اللَّبَن الماضر، وهو الحامض. وفيه نظر، لأنَّه يستدعي أنَّه كان له اسمٌّ غيره قبل أن يَنَّصِف بهذه الصِّفة، نعم يمكن أن يكون هذا اشتِقاقَه، ولا يلزم أن يكون مُتَّصِفاً به حالة التَّسمية، وهو أوَّل مَن حَدا الإبلَ. وروى ابن حبيب في ((تاريخه)) عن ابن عبّاس، قال: ماتَ عدنان وأبوه وابنه مَعدّ وربيعةٌ (١) الذي حصل فيه الاختلاف بين شيوخ أبي ذر الهروي الثلاثة هو رواية موسى بن إسماعيل التبوذكي عن عبد الواحد، وأما رواية قيس بن حفص عن عبد الواحد فلم يختلف رواة البخاري فيها، فحق هذه الفقرة أن تكون بعد كلامه على قوله: ((والمقيَّر والمزفَّت)». (٢) هو في ((الأوسط (٨٢٤٩)، بلفظ: استقام نَسَبُ الناس ... ، وفيه عنعنة ابن إسحاق، لكن يشُدُّه ما رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٥٨/١ عن عروة بن الزبير، قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء مَعدِّ بن عدنان، وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: ما وجدنا في علم عالم ولا شعر شاعر أحداً يعرف ما وراء مَعدِّ بن عدنان بثبتٍ. وإسنادهما حسن. ٣٣٢ باب ١ / ح ٣٤٩٠ -٣٤٩٢ فتح الباري بشرح البخاري ومُضَر وقيس وتَيم وأسَد وضَبَّةُ على الإسلام على مِلَّة إبراهيم. وروى الزُّبَير بن بَكّار من وجه آخر عن ابن عبّاس: لا تَسُبّوا مُضَر ولا ربيعةَ، فإنَّهما كانا مسلمَين. ولابن سعد (٥٨/١) من مُرسَل عبد الله بن خالد(١) رَفَعَه: لا تَسُبّوا مُضَر، فإنَّه كان قد أسلَمَ. قوله: ((من بني النَّضْر بن كِنانة)) أي: المذكور، وروى أحمد (٢١١/٥) وابن سعد (٢٣/١)(٢) من حديث الأشعث بن قيس الكندي، قال: قلت: يا رسول الله، إنّا نَزعُم أنَّكم مِنّا - يعني: من اليمن - فقال: ((نحنُ بنو النَّضر بن کِنانة))، وروى ابن سعد (٢٣/١) من حديث عَمْرو بن العاص بإسناد فيه ضعف مرفوعاً: ((أنا محمَّد بن عبد الله)) وانتَسَبَ حتَّى بَلَغَ النَّضر بن كِنانة، قال: ((فمَن قال غير ذلك فقد كذَبَ)) انتهى. وإلى النَّضر تنتهي أنساب قريش، وسيأتي بيان ذلك في الباب الذي يَليه، وإلى كِنانة تجتمعُ أنساب أهل الحجاز. وقد روى مسلم (٢٢٧٦) من حديث واثلة مرفوعاً: ((إنَّ الله اصطَفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطَفى من كِنانة قريشاً، واصطَفى من قريش بني هاشم، واصطَفاني من بني هاشم))، ولابن سعد (١/ ٢٠) من مُرسَل أبي جعفر الباقر: ((ثمَّ اختارَ بني هاشم من قريش، ثمَّ اختارَ بني عبد المطَّلِب من بني هاشم)). قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكي. قوله: ((وأظنّها زينب)» كأنَّ قائله موسى، لأنَّ قيس بن حفص في الرواية التي قبلها قد جَزَمَ بأنَها زينب، وشيخُهما واحد. لكن أخرجه الإسماعيلي من رواية حَبّانَ بن هلال عن عبد الواحد، وقال: لا أعلمها إلّا زينب، فكأنَّ الشكّ فيه من شيخهم عبد الواحد، كان تَجِزِم بها تارةً، ويَشُكّ فيها أُخرى. قوله: (نَهى النبي ◌َّهِ عن الدُّبّاء)) بضمِّ المهمَلة وتشديد الموحّدة، سيأتي شرحه في كتاب (١) وهو في ((فضائل الصحابة)) للإمام أحمد (١٥٢٤) عن عبد الله بن خالد الوابصي، عن عبد الله بن الحارث ابن هشام المخزومي رفعه، فزاد في الإسناد عبد الله بن الحارث، وهو مرسلٌ أيضاً. (٢) فات الحافظَ رحمه الله أن يخرجه من ابن ماجه، وهو فيه برقم (٢٦١٢)، وإسناده حسن. ٣٣٣ باب ١ / ح ٣٤٩٣ - ٣٤٩٤ كتاب المناقب الأشربة(١)، وأورَدَه هنا لكَونِهِ سمعَ الحديث على هذه الصّورة، وهذا هو المرفوع منه، فلم يَرَ حذْفَه من السّياق، على أنَّه لم يَطَّرِد له في ذلك عمَلٌ، فإنَّه تارة يأتي بالحديث على وجهه كما صَنَعَ هنا، وتارة يَقتَصِر على موضع حاجته منه كما تقدَّم في عِدَّة مَواطنَ. قوله: (والمقَيَّر والمزَفَّت)) كذا وَقَعَ هنا بالميمِ والقاف المفتوحة، قال أبو ذَرٍّ: هو خطأ، والصَّواب: النَّقير - يعني: بالنّونِ وكسر القاف - وهو واضح، لئلّا يَلزَم منه التكرار إذا ذُكِرَ المَفَّت. ٣٤٩٣- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن عُمارَ، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، عن رسولِ الله ◌َِّه قال: ((تَجِدونَ الناسَ مَعادِنَ: خِيارُهم في الجاهليَّةِ خِيارُهم في الإسلام إذا فَقُهوا، وَجِدونَ خيرَ الناسِ في هذا الشَّأْنِ أشَدَّهم له كراهيةً». [طرفاه في: ٣٤٩٦، ٣٥٨٨] ٣٤٩٤ - ((وَجِدونَ شَرَّ الناسِ ذا الوَجْهَينِ: الذي يأتي هؤلاءِ بوَجْهٍ، ويأتي هؤلاءِ بوَجْهٍ)». [طرفاه في: ٦٠٥٨، ٧١٧٩] الحديث الثالث: يشتمل على ثلاثة أحاديث: أولها: قوله: «حدّثنا إسحاق بن إبراهيم» هو ابن راهویه. قوله: ((َّجِدونَ الناسَ مَعادِنَ» أي: أُصولاً مُخْتَلِفة، والمعادِن: جمع مَعدِن، وهو الشيء المستَقِرّ في الأرض، فتارة يكون نفيساً، وتارة يكون خَسیساً، وكذلك الناسُ. قوله: ((خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام)) وجه التَّشبيه: أنَّ المعدِن لمَّا كان إذا استُخرِجَ ظَهَرَ ما اختَفى منه، ولا تَتَغيَّر صِفَته، فكذلك صفة الشَّرَف لا تَتَغيَّر في ذاتها، بل مَن كان شريفاً في الجاهلية فهو بالنّسبة إلى أهل الجاهلية رأسٌ، فإن أسلَمَ استَمرَّ شَرَفه، وكان أشرَفَ مَمَّن أسلَمَ من المشروفِينَ في الجاهلية. وأمَّا قوله: ((إذا فَقُهوا)) ففيه إشارة إلى أنَّ الشَّرَف الإسلاميَّ لا يَتِمّ إلّا بالتَّفْقُّه في الدّين، (١) بل شرحه في كتاب ((الأطعمة))، عند الحديث (٥٣٧٩). ٣٣٤ باب ١ / ح ٣٤٩٣ -٣٤٩٤ فتح الباري بشرح البخاري وعلى هذا فيَنْقَسِم الناس أربعةَ أقسام مع ما يُقابلها: الأوَّل: شريف في الجاهلية أسلَمَ وتَفَقَّهَ، ويُقابِلُهُ مشروف في الجاهلية لم يُسلِمِ ولم يَتَفَقَّه. الثّاني: شريف في الجاهلية أسلَمَ ولم يَتَفَقَّه، ويُقابله مشروف في الجاهلية لم يُسلِمِ وتَفَقَّهَ. الثّالث: شريف في الجاهلية لم يُسلِمْ ولم يَتَفَقَّه، ويُقابله مشروف في الجاهلية أسلَمَ ثمَّ تَفَقَّهَ. ٥٣٠/٦ الرّابع: شريف/ في الجاهلية لم يُسلِمْ وتَفَقَّهَ، ويُقابله مشروف في الجاهلية أسلَمَ ولم يَتَفَقَّه. فأرفَع الأقسام مَن شَرُفَ في الجاهلية، ثمَّ أسلَمَ وتَفَقَّهَ، ويَليه مَن كان مشروفاً، ثمَّ أسلَمَ وتَفَقَّهَ، ويَليه مَن كان شريفاً في الجاهلية، ثمَّ أسلَمَ ولم يَتَفَقَّه، ويَليه مَن كان مشروفاً، ثُمَّ أسلَمَ ولم يَتَفَقَّه. وأمَّا مَن لم يُسلِم، فلا اعتبار به، سواءٌ كان شريفاً أو مشروفاً، سواء تَفَقَّهَ أو لم يَتَفَقَّه، والله أعلم. والمراد بالخيار والشَّرَف وغير ذلك: مَن كان مُتَّصِفاً بمَحاسن الأخلاق، كالكَرَمِ والعِفَّة والحِلم، وغيرها، مُتَوَقّياً لمساوئِها كالبخلِ والفُجور والظّم، وغيرها (١). قوله: ((إذا فَقُهوا)) بضمِّ القاف، ويجوز كسرها. قوله: (وتَجِدونَ خيرَ الناس في هذا الشَّأن)) أي: الولاية والإمرة. وقوله: ((أشدَّهم له كراهية)) أي: أنَّ الدُّخول في عُهدة الإمرة مكروه من جِهَة تَحمُّل المَشَقَّة فيه، وإِنَّمَا تَسْتَدّ الكراهة له ممَّن يَتَّصِف بالعقلِ والدّين، لما فيه من صُعوبة العمل (١) لم يُصِبِ الحافظُ رحمه الله في قصر الشرف على هذا المعنى الذي أورده، لأنه أغفل ذكر شرف النسب والعِرق الذي دلَّت نصوصٌ صحيحة على احترامه والاعتداد به، وهو الذي يُفهم من جواب النبي ◌َّ هنا، كما قال القاضي عياض شارحاً هذا الحديث عند مسلم، وقول النبي وَالر في روايته لمن سأله: ((فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) فقال عياض: في تنبيهه عليه الصلاة والسلام إلى ذلك إرشاد إلى مراعاة الأصول والأحساب والجري على الأعراق، وأنَّ مراعاة ذلك بالدين وتمامه شريفة بالفقه. قلنا: ويدل عليه أيضاً حديث مسلم: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ... )) وقد ذكره الحافظ قريباً، وكذلك حديث: ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن)) وهو من أحاديث الباب هنا، وغيرهما. ٣٣٥ باب ١ / ح ٣٤٩٥ - ٣٤٩٦ كتاب المناقب بالعَدلِ، وحَمل الناس على رفع الظُّلم، ولما يَتَرَتَّب عليه من مُطالَبة الله تعالى للقائمِ به من حُقوقِه، وحقوق عِباده، ولا تَخْفَى خيريَّة مَن خافَ مَقام ربّه. وأمَّا قوله في الطَّريق التي بعد هذه: ((وَجِدونَ من خير الناس أشدَّ الناس كَراهيَةً لهذا الشَّأن حتَّى يقع فيه)) فإنَّ قَيَّدَ الإطلاق في الرِّواية الأولى، وعُرِفَ أنَّ((مِن)) فيه مُرادةً، وأنَّ مَن اتَّصَفَ بذلك لا يكون خيرَ الناس على الإطلاق. وأمّا قوله: ((حتَّى يقع فيه)) فاختُلِفَ في مفهومه، فقيل: معناه أنَّ مَن لم يكن حريصاً على الإمْرة، غير راغِب فيها، إذا حَصَلَت له بغير سؤال، تَزول عنه الكراهة فيها، لمَا يُرى من إعانة الله له عليها، فيأمَن على دينه ممَّا كان يخاف عليه منها قبل أن يقع فيها، ومن ثَمَّ أحَبَّ مَن أحَبَّ استمرار الولاية من السَّلَّف الصالح حتَّى قاتَلَ عليها، وصَرَّحَ بعض مَن عُزِلَ منهم بأنَّه لم تَسُرّه الولاية، بل ساءَه العَزْل. وقيل: المراد بقوله: ((حتَّى يقع فيه)) أي: فإذا وَقَعَ فيه لا يجوز له أن يَكرَهه، وقيل: معناه أنَّ العادة جَرَت بذلك، وأنَّ مَن حَرَصَ على الشيء ورَغِبَ في طلبه قَلَّ أن يَحَصُل له، ومَن أعرَضَ عن الشيء وقَلَّت رغبته فيه يَحَصُل له غالباً، والله أعلم. ثالثها: قوله: ((وَجِدونَ شَرّ الناس ذا الوَجْهَین)) سيأتي شرحه في كتاب الأدب (٦٠٥٨)، فقد أورَدَه من وجه آخر مُستَقِلَّا. ٣٤٩٥- حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا المغيرةُ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ، قال: «الناسُ تَبَعُ لقريشٍ في هذا الشَّأنِ: مُسلِمُهم تَبَعٌ لمسلمِهم، وكافرهم تَبَعٌ لکافِهم)). ٣٤٩٦ - ((والناسُ مَعادِنُ: خِيارُهم في الجاهليّةِ خِيارُهم في الإسلامِ إذا فَقُهوا، تَجِدونَ من خيرِ الناسِ أشَدَّ الناسِ كَراهيةً لهذا الشَّأْنِ، حتَّى يَقَعَ فيه)). الحديث الرابع: يشتمل على ثلاثة أحاديث: اثنين في الذي قبله. وثالثها: قوله: ((الناس تَبَعِّ لقريشٍ)) قيل: هو خبرٌ بمعنى الأمر، ويدلُّ عليه قوله في رواية أخرى: ((قَدِّموا قريشاً، ولا تَقَدَّمُوها)) أخرجه عبد الرزاق (١٩٨٩٣) بإسناد صحيح، ٣٣٦ باب ١ / ح ٣٤٩٧ فتح الباري بشرح البخاري لكنَّه مُرسَل، وله شواهد (١)، وقيل: هو خبر على ظاهره، والمراد بالناس بعض الناس، وهم سائر العرب من غير قريش، وقد جمعتُ في ذلك تأليفاً سَمَّيته: (لَذَّة العَيش بطرقِ الأئمّة من قريش))، وسأذكُرُ مقاصده في كتاب الأحكام مع إيضاح هذه المسألة. قال عياض: استَدَلَّ الشّافعية بهذا الحديث على إمامة الشّافعي، وتقديمه على غيره، ولا حُجَّة فيه، لأنَّ المراد به هنا الخُلَفاء. وقال القُرطُبي: صَحِبَتِ المسْتَدِلَّ بهذا غَفْلَةٌ مُقارِنة لصَمِيمِ التَّقليد. وتُعقِّبَ بأنَّ مُرادَ المسْتَدِلّ: أنَّ القُرَشيّة من أسباب الفضل والتَّقَدُّم، كما أنَّ من أسباب التَّقَدُّم الوَرَعَ مثلاً، فالمستَويان في خِصال الفضل إذا تَميَّزَ أحدهما بالوَرَع مثلاً، كان مُقدَّماً على رَفيقه، فكذلك القُرَشيّة، فَثَبَتَ الاستدلالُ بها على تَقْديم الشّافعي ومَزِّيَّتِه على مَن ساواه في العلم والدِّين، لمشارَكَتِهِ له في الصِّفْتَين وتَيُّزِه عليه بالقُرَشيَّة. وهذا واضح، ولعلَّ الغَفْلةِ والعَصبيّة صَحِبَتِ القُرطُبيَّ، فللهِ الأمر. وقوله: ((كافرُهم تَبَعٌ لكافِهم)) وقَعَ مِصداق ذلك، لأَنَّ العرب كانت تُعظِّم قريشاً في الجاهلية بسُكْناها الحَرَمَ، فلمَّا بُعِثَ النبيِ نَّهِ، ودَعَا إلى الله، توقَّف غالبُ العرب عن اتِّباعه، وقالوا: نَنظُر ما يصنع قومُه، فلمَّا فَتَحَ النبيِّلهُ مَّة، وأسلَمَت قريش، تَبِعَتهم العربُ ودخلوا في دين الله أفواجاً، واستَمرَّت خِلافة النبوَّة في قريش، فصَدَقَ أنَّ كافرهم كان تَبَعاً لكافرهم، وصارَ مسلمُهم تَبَعاً لمسلمِهم. ٣٤٩٧ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، حدَّثني عبدُ الملكِ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] قال: فقال سعيدُ بنُ جُبَير: قُرْبَى محمَّدٍ وَ؟ فقال: إنَّ النبيَّ ◌َّه لم يكن بَطْنٌّ من قريشٍ إلّا وله فيه قَرابةٌ، فنزلت فيه: إلّا أن تَصِلُوا قَرابةً بيني وبينكم. [طرفه في: ٤٨١٨] ٥٣١/٦ الحديث الخامس: قوله: ((حدَّثْني عبد الملك)) هو ابن/ مَيسَرة، وَقَعَ منسوباً في تفسير (١) وسيأتي تخريجها للحافظ في الأحكام عند الحديث رقم (٧١٤٠). ٣٣٧ باب ١ / ح ٣٤٩٧ كتاب المناقب ﴿حَمّ عَسَقَ﴾ (٤٨١٨) ويأتي شرحُه مُستَوفَى هناك، ودخوله في هذه التَّرجمة واضح، من جِهَة تفسير الموَدَّة المطلوبة في الآيةِ بصِلَة الرَّحِم التي بينه وبين قريش، وهم الذينَ خُوطِبوا بذلك، وذلك يستدعي معرفة النَّسَب التي تَحقَّقُ بها صِلة الرَّحِم. قال عِكْرمة: كانت قريش تَصِل الأرحام في الجاهلية، فلمَّا دَعَاهم النبيُّ ◌َّهِ إلى الله، خالَفوه وقاطَعوه، فأمَرَهم بصِلة الرَّحِم التي بينه وبينهم. وسيأتي بيان الاختلاف في المراد بقوله: ﴿اَلْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] في التَّفسير. وقوله هنا: ((إنَّ النبي ◌َلَّه لم يكن بَطْنٌ من قريش إلّا وله فيه قَرابة، فنزلت فيه: إلّا أن تَصِلوا قَرابةً بيني وبينكم)) كذا وَقَعَ هنا من رواية يحيى - وهو القَطّانُ - عن شُعْبة، ووقَعَ في التَّفسير (٤٨١٨) من رواية محمَّد بن جعفر - وهو غُندَر - عن شُعْبة بلفظ: إلّا كان له فيهم قَرابة، فقال: إلّا أن تَصِلوا ما بيني وبينكم من القَرابة، وهذه الرّواية واضحة، والأولى مُشكِلة، لأنَّها توهم أنَّ المذكور بعد قوله: ((فنزلت)) من القرآن، وليس كذلك، وقد مَشی بعض الشُّاح على ظاهره، فقال: كان هذا قرآناً فنُسِخَ، وقال غيره: يحتمل أنَّ هذا الكلام معنى الآية، فنُسِبَ إلى التُّزول مجازاً، وهو كقولِ حسَّان في قَصيدَته المشهورة: وقال اللهُ: قد أرسَلْتُ عبداً يقولُ الحقَّ ليس به خَفاءُ يريد: أنَّه من قول الله بالمعنى. قلت: والذي يَظهَر لي أنَّ الضَّمير في قوله: ((فنزلت)) للآية المسؤول عنها، وهي قوله: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبَى﴾، وقوله: إلّا أن تَصِلوا، كلام ابن عبّاس، تفسير لقوله تعالى: ﴿ إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبَ﴾، وقد أوضحَتْ ذلك روايةُ الإسماعيلي من طريق معاذ ابن معاذ عن شُعْبة، فقال في روايته: فقال ابن عبّاس: إنَّه لم يكن بطن من بُطون قريش إلّا للنبيِ وَسّ فيه قَرابةٌ، فنزلت: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَخْرًا﴾ إلّا أن تَصِلوا قَرابَتي منكم، وله من طريق يزيد بن زُرَيع عن شُعْبة مِثله، لكن قال: إلّا أن تَصِلوا ما بيني وبينكم من القَرابة. فعُرِفَ بهذا أنَّ المراد ذِكْرُ بعض الآية بالمعنى على جِهَة التَّفسير، وسبب ذلك خفاء معناها على ٣٣٨ باب ١ / ح ٣٤٩٨ فتح الباري بشرح البخاري سعيد بن جُبَير، وسيأتي ذِكْر ما يتعلَّق بذلك في التَّفسير (٤٨١٨) إن شاء الله تعالى. ٣٤٩٨- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن أبي مسعودٍ، ◌َبْلُغُ به النبيَّ ◌ََّ، قال: ((مِن هاهنا جاءتِ الفِتَنُ - نحوَ المشرقِ -، والجَفاءُ وغِلَظُ القلوبِ في الفَدّادِينَ أَهلِ الوَبَرِ، عندَ أُصولِ أذْنابِ الإبلِ والبقرِ، فِي رَبِيعةَ ومُضَرَ )). الحديث السادس: قوله: ((عن إسماعيل)) هو ابن أبي خالد، و ((قیس)» هو ابن أبي حازم. قوله: ((يَبْلُغ به النبيَّ ◌َ)) هذا صريح في رفعه، وليس صريحاً في أنَّ الصَّحابيّ سمعَه من النبي ێ. قوله: ((من هاهنا)) أي: المشرق. قوله: ((جاءتِ الفِتَن)) ذكره بلفظ الماضي مُبالَغة في تَحَقُّق وقُوعه، وإن كان المراد أنَّ ذلك سيجيء. قوله: (نحو المشرق)) أي: وأشارَ إلى جِهَة المشرق، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٣٠٢) من وجه آخر عن إسماعيل: حدَّثني قيس عن عُقْبة بن عَمْرو أبي مسعود، قال: أَشار رسول الله ێټ بیده، فذکر الحدیث. قوله: ((والجَفاءُ وغِلَظُ القلوب)» قال القُرطُبي: هما شيئان ◌ُسَمَّى واحد، كقوله: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِيّ إِلَى اَللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] والبَثّ: هو الحُزن، ويحتمل أن يقال: المراد بالجَفاءِ: أنَّ القلب لا يَلِين لِمَوعظةٍ، ولا يَخْشَع لتَذكِرةٍ، والمراد بالغِلَظِ: أنَّها لا تَفْهَم المراد، ولا تَعقِل المعنى، وقد مضى في الرِّواية التي في بَدْء الخلق (٣٣٠٢) بلفظ: ((القَسوَة)) بدل ((الجَفاء)). قوله: ((في الفَدّادينَ)) تقدَّم شرحه في بَدْء الخلق، قال الكِرْماني: مُناسَبة هذا الحديث والذي بعده للتَّرجمة من ضَرُورة أنَّ الناس باعتبار الصِّفات كالقبائلِ، وكَون الأَتَّقى منهم هو الأكرم. انتهى. ولقد أبعَدَ النُّجْعَة، والذي يَظهَر أنَّها من جِهَة ذِكْر ربيعة ومُضَر، لأنَّ مُعظَم العرب ٣٣٩ باب ١ / ح ٣٤٩٩ كتاب المناقب يَرجِع نَسَبُهُ إلى هذَين الأصْلَين، وهم كانوا أجَلّ أهل المشرق، وقريش الذينَ بُعِثَ فيهم النبيُّ وََّ أحدُ فُروع مُضَر، فأمَّا أهل اليمن فتَعرَّضَ لهم في الحديث الذي بعده، وسيأتي لهم ترجمة من نَسَب العرب كلّهم إلى إسماعيل (٣٥٠٧). ٣٤٩٩- حدَّثْنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ﴾ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّةِ، يقول: ((الفَخْرُ والخُيَلاءُ في الفَدّادِينَ أهلِ الوَيَّرِ، والسَّكِينَةُ في أهلِ الغنمِ، والإيمانُ يَمانٍ، والحِكْمةُ يَمانَِةٌ)). قال أبو عبد الله: سُمِّيَتِ اليمَنَ لأنَّها عن يَمِين الكَعْبةِ، والشّأُمَ لأنها عن يَسار الكَعْبةِ، والَشْأمةُ: المَسَرةُ، واليدُ الْيُسْرَى: الشُّؤْمَى، والجانبُ الأيسَرُ: الأَشْأَمُ. الحديث السابع: قوله في حديث أبي هريرة: ((والإيمان يَمَانٍ، والحِكْمة يَمانِيَة)) ظاهره نِسبَةُ الإيمان/ إلى اليمن، لأنَّ أصل يَمَانٍ: يَمَنيّ، فخُذِفَت ياء النَّسَب، وعوِّضَ بالألفِ بَدَلَها. ٥٣٢/٦ وقوله: ((يَمانية)) هو بالتَّخفيفِ، وحَكَى ابن السِّيْد في ((الاقتِضاب)): أنَّ التَّشديد لغة. وحَكَى الجَوْهري وغيره أيضاً عن سيبويه: جواز التَّشديد في يَماني، وأنشَدَ (١). يَمانِيّاً يَظَلّ يَشُدّ كِيْراً ويَنفُخُ دائماً لهبَ الشُّواظِ واختُلِفَ في المراد به، فقيل: معناه نسبةُ الإيمان إلى مكَّة، لأنَّ مَبدَأه منها، ومكَّة يَمانية بالنِّسبة إلى المدينة. وقيل: المراد نسبة الإيمان إلى مكَّة والمدينة وهما يَمانيتان بالنّسبة للشّام، بناء على أنَّ هذه المقالة صَدَرَت من النبي ◌َّه، وهو حينئذٍ بتبوك، ويُؤدِّده قوله في حديث جابر عند مسلم (٩٢/٥٣): ((والإيمان في أهل الحجاز)). وقيل: المراد بذلك الأنصار، لأنَّ أصلَهم من اليمن، ونُسِبَ الإيمان إليهم لأنَّهم كانوا الأصلَ في نَصر الذي جاء به النبي ◌َ: حَکَی جمیع ذلك أبو عبيد(٢) في ((غريب الحديث)) له. (١) البيت لأُمية بن خَلَف الخُراعي. انظر ((لسان العرب)) مادة (شوظ). (٢) تحرف في (ع) و(س) إلى: أبو عُبيدة، بزيادة التاء في آخره، ولم تظهر في (أ) لانطماس موضع الكلام في الورقة، وإنما هو أبو عُبيد القاسم بن سلام، وكلامه هذا في ((غريب الحديث)) ١٦١/٢ - ١٦٢ و١٦٤. ٣٤٠ باب ١ / ح ٣٤٩٩ فتح الباري بشرح البخاري وتَعقَّبَه ابن الصلاح: بأنَّه لا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وأنَّ المراد تفضيل أهل اليمن على غيرهم من أهل المشرق. والسَّبَب(١) في ذلك إذعانُهم إلى الإيمان من غير كبير مَشَقَّة على المسلمينَ، بخِلاف أهل المشرق وغيرهم، ومَن أَنَّصَفَ بشيءٍ وقَوِيَ قيامُه به نُسِبَ إليه، إشعاراً بكمال حاله فيه، ولا يَلَزَم من ذلك نفيُ الإيمان عن غيرهم، وفي ألفاظه أيضاً ما يقتضى أنَّه أراد به أقواماً بأعيانهم، فأشارَ إلى مَن جاء منهم، لا إلى بَلَد مُعيَّن، لقوله في بعض طرقه في ((الصَّحيح)(٢): ((أتاكم أهل اليمن، هم ألْيَنُ قلوباً، وأرَقُّ أفِئِدةً، الإيمان يَمَانٍ، والحكمة يمانية، ورأس الكفر قِبَل المشرق))، ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وحَمْل أهل اليمن على حقيقته. ثمَّ المراد بذلك الموجود منهم حينئذٍ، لا كلّ أهل اليمن في كلّ زمان، فإنَّ اللَّفظ لا يقتضيه. قال: والمراد بالفقه: الفَهم في الدّين، والمراد بالحكمة: العلم المشتَمِل على المعرفة بالله، انتهى. وقد أبعَد الحكيم التِّرمِذي، حيثُ زَعَمَ أنَّ المراد بذلك شخصٍ خاصٍّ، وهو أوَیس القَرَني، وسيأتي في ((باب ذِكْر قَحْطان)) زيادة في هذا(٣)، والله أعلم. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف. قوله: ((سُمّيتِ اليَمَنَ لأنَّها عن يمين الكَعْبة)) هو قول أبي عُبيدة، قاله في تفسير الواقعة. ورُوي عن قُطُرُب، قال: إنَّما سُمّي اليمنُ يَمَناً ليُمِنِهِ، والشّامُ شَأماً لشُؤمِه. وقال الهَمْداني في ((الأنساب)): لمَّا ظَعَنَتِ العرب العارِبةُ أقبَلَ بنو يقطن بن عابر(٤) (١) من قوله: والسبب ... إلى قوله: ((قِبل المشرق)) من قول الحافظ رحمه الله، ثم بعد ذلك عادَ لنقل كلام ابن الصلاح بأتمَّ من نقله قبل ذلك، وكلام ابن الصلاح هذا موجود في ((صيانة صحيح مسلم)) ص٢١١ - ٢١٢. (٢) هو عند البخاري برقم (٣٣٠١) و(٤٣٨٨)، وأخرجه مسلم (٥٢) (٩٠). (٣) يعني عند شرح الحديث (٣٥١٧)، لكنه لم يتعرض هناك لأية زيادة في ذلك. (٤) تحرف في (ع) و(س) إلى: قطن بن عامر، ولم يظهر في (أ) لانطماس الورقة. وقد ضبط الحافظ اسم ((عابر)) في الأنبياء عند قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ بالمهملة والموحدة، ويقطن هو نفسه قحطان كما جاء في مقدمة ((عجالة المتبدي)) للحازمي الهمداني، وانظر ((الأنساب)) للسمعاني في نسبة القحطاني.