Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٠ كتاب أحاديث الأنبياء عليهم، فلمَّا فعلوه كان سبباً لهلاكِهم، مع ما انضَمَّ إلى ذلك من ارتكابهم ما ارتَكَبوه من المناهي، وسيأتي شرح ذلك مَبسوطاً في كتاب اللُّباس (٥٩٣٢) إن شاء الله تعالى. الحديث السابع عشر: حديث أبي هريرة. قوله: ((عن أبيه)) هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف. قوله: «عن أبي هريرة» هذا هو المشهور عن إبراهيم بن سعد، وقیل: عنه، عن أبيه، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشة كما سيأتي(١). قوله: ((إنَّه قد كان فيما مضى قبلكم من الأُمَم ◌ُحَدَّثونَ)) بفتح الدّال المهمَلة، وسيأتي شرحه مُستَوقّى في مناقب عمر (٣٦٨٩)، فإنَّ فيه أنَّهم كانوا من بني إسرائيل. قوله: ((وإِنَّه إنْ كان في أمَّتي هذه منهم)) في رواية أبي داود الطّالسي (٢٤٦٩) عن إبراهيم ابن سعد: ((وإنَّه إن كان في أمَّتي أحد منهم)). قوله: ((فإِنَّه عمر بن الخطّاب)) كذا قاله النبي ◌َّ على سبيل التوقَّع، وكأنَّه لم يكن اطَّلَعَ على أنَّ ذلك كائن، وقد وَقَعَ بحَمْدِ الله ما تَوَقَّعَه النبيِنَّه في عمر ﴿ه، ووَقَعَ من ذلك لغیرہ ما لا يُحِصی ذِكْرُه. ٣٤٧٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشّار، حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي عَدِيٌّ، عن شُعْبةَ، عن قَتَادةَ، عن أبي الصِّدِّيقِ الناجِيٍّ، عن أبي سعيدِ الخُدْرِيُّ﴾، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((كان في بني إسرائيلَ رجلٌ قَتَلَ تسعةً وتسعينَ إنساناً، ثمَّ خَرَجَ يَسْألُ فأتى راهباً، فسأله فقال: له تَوْبةٌ؟ قال: لا، فقَتَلَه، فجَعَلَ يَسْألُ، فقال له رجلٌ: اثْتِ قَرْيَةَ كَذا وكَذا، فأدرَكَه الموتُّ فناءَ بصَدْرِه نحوَها، فاختَصَمَتْ فيه ملائكةُ الرَّحْمَةِ وملائكةُ العذاب، فأوْحَى الله إلى هذه أن تَقَّبي، وأوْحَى الله إلى هذه أن تَباعَدي، وقال: قِيسُوا ما بينَهما، فُوُجِدَ له هذه أقرَبُ بشِيْرٍ، فَغُفِرَ له)). الحدیث الثامن عشر: حديث أبي سعيد. قوله: ((عن أبي الصِّدّيق الناجي)) في رواية مسلم (٤٧/٢٧٦٦) من طريق معاذ عن (١) عند شرح الحديث (٣٦٨٩). :. ٣٠٢ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٠ فتح الباري بشرح البخاري شُعْبة عن قَتَادة: أنَّه سمعَ أبا الصِّدّيق الناجي، واسم أبي الصِّدّيق - وهو بكسر الصّاد ٥١٧/٦ المهملة وتشديد الدّال المكسورة -/ بكر، واسم أبيه عَمْرو، وقيل: قيس، وليس له في البخاري سوی هذا الحدیث. قوله: ((كان في بني إسرائيل رجل)) لم أقِفْ على اسمه، ولا على اسم أحد من الرِّجال مَّن ذُكِرَ في القصَّة، زاد مسلم (٢٧٦٦/ ٤٦) من طريق هشام عن قَتَادة: ((فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ علی راهب)). قوله: ((فأتى راهباً» فيه إشعار بأنَّ ذلك كان بعد رفع عيسى عليه السلام، لأنَّ الرَّهبانية إِنَّمَا ابْتَدَعَها أتباعه كما نُصَّ عليه في القرآن. قوله: ((فقال: له تَوْبٌ؟)) بِحذفِ أداة الاستفهام، وفيه تَجريدٌ أو التِفات، لأنَّ حَقّ السِّياق أن يقول: ألي تَوبة؟ ووقعَ في رواية هشام: ((فقال: إنَّه قتل تسعة وتسعينَ نفساً، فهل له من توبة؟)) وزادَ: ((ثمَّ سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل عالم)) وقال فيه: ((ومن يَحُول بينه وبين الثَّوبة؟)). قوله: ((فقال له رجل: انْتِ قَرْية كذا وكذا)) زاد في رواية هشام: «فإنَّ بها أُناساً يَعْبُدُونَ الله، فاعبد الله معهم، ولا تَرجِع إلى أرضك، فإنَّها أرضُ سوء، فانطَلَقَ حتَّى إذا كان نصفُ الطَّريق أتاه الموت))(١). ووَقَعَت لي تسمية القريَتَين المذكورتَين من حديث عبد الله ابن عَمْرو بن العاص مرفوعاً في ((المعجم الكبير)) للطَّبَراني (١٤٦٦٠) قال فيه: إن اسم القرية الصالحة نصرة، واسم القرية الأُخرى كفرة. قوله: ((فناءَ)» بنون ومَدّ وهمز، أي: بَعُدَ، أو المعنى: مالَ أو نَهَضَ مع تَثاقُل، فعلى هذا فالمعنى فمالَ إلى الأرض التي طلبَها، هذا هو المعروف في هذا الحديث، وحَكَى بعضهم فيه: فنأى، بغير مَدّ قبل الهمز، وبإشباعها بوَزنِ سَعى، تقول: نأى يَنأى نأْياً، أي: بَعُدَ، وعلى هذا فالمعنى فَبَعُدَ عن (٢) الأرض التي خَرَجَ منها. ووقعَ في رواية هشام عن قَتَادة ما (١) وقع في (س): أتاه ملك الموت، بزيادة ((ملك))، وهي مقحمة ليست في الرواية، ولم ترد في الأصلين. (٢) تحرف في (س): إلى: على. ٣٠٣ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٠ كتاب أحاديث الأنبياء يُشعِرِ بأنَّ قوله: ((فناءَ بصَدْره)) إدراج، فإنَّه قال في آخر الحديث: قال قَتَادة: قال الحسن: ذُكِرَ لنا أنَّه لمَّا أتاه الموت ناءَ بصدره. قوله: ((فاختصَمتْ فيه)) في رواية هشام من الزّيادة: «فقالت ملائكة الرَّحمة: جاء تائباً مُقبِلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنَّه لم يعمل خيراً قَطّ، فأتاه مَلَك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قیسوا ما بین الأرضَین فإلى أيتهما كان أدنی فهو لها». قوله: ((فأوحى الله إلى هذه أن تَباعَدي)) أي: إلى القرية التي خَرَجَ مِنها ((وإلى هذه أن تَقرَّبي)»(١) أي: القرية التي قَصَدَها. وفي رواية هشام: ((فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أرادَ)». قوله: ((أقرَب بشِبْرِ فِغُفِرَ له)) في رواية معاذ عن شُعْبةٍ(٢): ((فجُعِلَ من أهلها)»، وفي رواية هشام: ((فقَبَضَته ملائكة الرَّحمة)). وفي الحديث مشروعية التَّوبة من جميع الكبائر حتَّى مِن قتل الأنفُس، ويُحمَل على أنَّ الله تعالى إذا قَبِلَ تَوبة القاتل تَكَفَّلَ برِضا خَصمه. وفيه أنَّ المفتي قد يُجِيب بالخطأ، وغَفَلَ مَن زَعَمَ أنَّه إنَّما قتل الأخيرَ على سبيل التَّأْوُّل، لكَونِهِ أفتاه بغير عِلم، لأنَّ السّياق يقتضي أنَّه كان غيرَ عالم بالحُكمِ حتَّى استَمَّ يَستَقتي، وأنَّ الذي أفتاه استَبعَدَ أن تَصِحّ تَوبَته بعد قتله لِمن ذكر أنَّه قتله بغير حَقّ، وأنَّه إنَّما قتله بناء على العمل بفَتواه، لأنَّ ذلك اقتَضى عنده أن لا نَجاة له، فَسَ من الرَّحمة، ثمَّ تَدَارَكَه الله فنَدِمَ على ما صَنَعَ فَرَجَعَ يسأل. وفيه إشارة إلى قِلَّة فِطنة الرّاهب، لأنَّه كان من حقّه التَّحَرُّز مَمَّن اجتَرأ على القتل حتَّى صارَ له عادةً، بأن لا يواجِهه بخلاف مُراده وأن يَستَعمِل معه المعاريض مُدارأَةً عن نفسه، (١) كذا هي رواية مسلم بهذا الترتيب (٢٧٦٦) (٤٨) عن محمد بن بشار، شيخ البخاري في هذ الحديث. وأما رواية البخاري: ((فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي)). (٢) عند مسلم (٢٧٦٦) (٤٧). ٣٠٤ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٠ فتح الباري بشرح البخاري هذا لو كان الحُكم عنده صريحاً في عَدَم قَبُول تَوبة القاتل، فضلاً عن أنَّ الحُكم لم يكن عنده إلّا مَظنوناً. وفيه أنَّ الملائكة المؤكَّلينَ ببني آدم يختلف اجتهادهم في حقّهم بالنِّسبة إلى مَن يَكتُبُونَه مُطيعاً أو عاصياً، وأنَّهم يَخْتَصِمونَ في ذلك حتى يقضي الله بينهم. وفيه فضل التحوُّل عن الأرض التي يُصيب الإنسانُ فيها المعصيةَ لمَا يَغْلِب بحُكمِ العادة على مثل ذلك، إمّا لتَذَكُّره لأفعاله الصّادِرة قبل ذلك والفتنة بها، وإمّا لوجودِ مَن كان يُعينه على ذلك ويَحُضّه عليه، ولهذا قال له الأخير: ((ولا تَرجِع إلى أرضك فإنَّها أرض سوء)) ففيه إشارة إلى أنَّ التائب ينبغي له مُفارَقة الأحوال التي اعتادَها في زمان المعصية، ٥١٨/٦ والتحوُّل عنها كلّها والاشتغال/ بغيرها. وفيه فضل العالم على العابد، لأنَّ الذي أفتاه أوَّلاً بأن لا تَوبة له، غَلَبَت عليه العبادة، فاستَعْظَمَ وقوع ما وَقَعَ من ذلك القاتل من استجرائه على قتل هذا العَدَد الكثير، وأمَّا الثّاني فغَلَبَ عليه العلم، فأفتاه بالصَّواب ودَلَّه على طريق النَّجاة. قال عياض: وفيه أنَّ الثَّوبة تَنفَع من القتل كما تَنفَع من سائر الذُّنوب، وهو وإن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خِلافٌ لكن ليس هذا من موضع الخِلاف، لأنَّ موضع الخِلاف إذا لم يَرِد في شرعنا تقريره وموافَقَته، أمَّا إذا وَرَدَ فهو شرعٌ لنا بلا خِلاف، ومن الوارد في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء:٤٨]، وحديث عُبَادة بن الصّامت ففيه بعد قوله: ((ولا تَقتُّلُوا النَّفْس)) وغير ذلك من المنهيات: ((فمَن أصاب من ذلك شيئاً فأمره إلى الله، إن شاءَ عَفا عنه، وإن شاءَ عَذَّبَه)) مُتَّفَق علیه(١). قلت: ويُؤخَذ ذلك أيضاً من جِهَة تخفيف الآصار عن هذه الأُمَّة بالنّسبة إلى مَن قبلهم من الأُمَم، فإذا شُرِعَ لهم قَبُول تَوبة القاتل، فمشروعيتها لنا بطريق الأولى، وسيأتي البحث (١) سلف عند المصنف برقم (١٨)، وهو عند مسلم برقم (١٧٠٩). ٣٠٥ باب ٥٤ / ح ٣٤٧١ -٣٤٧٢ كتاب أحاديث الأنبياء في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣]، في التَّفسير (٤٥٩٠) إن شاء الله تعالى. واستُدِلَّ به على أنَّ في بني آدم مَن يَصلُح للحُكمِ بين الملائكة إذا تَنازَعوا. وفيه حُجَّة لمن أجازَ التَّحكيم، وأنَّ مَن رَضي الفريقان بتَحكيمِه، فحُكمه جائز عليهم، وسيأتي نقل الخلاف في ذلك في الحديث الذي يلي ما بعده. وفيه أنَّ للحاكم إذا تَعارَضَت عنده الأحوال وتعذَّرت(١) البيِّات أن يَستَدِلّ بالقرائنِ على التّرجيح. ٣٤٧١- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: صَلَّى رسولُ اللهِوَِّ صلاةَ الصُّبْحِ، ثمّ أقبَلَ على الناسِ، فقال: (بَيْنا رجلٌ يَسُوقُ بقرةً إذ رَكِبَها فضَرَبَها، فقالت: إنّا لم نُخْلَق لهذا، إنَّما خُلِقْنا للحَرْث)) فقال الناسُ: سُبْحانَ الله! بقرةٌ تَكَلَّمُ؟ فقال: ((فإنّ أُومِنُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمرُ - وما هما ثَمَّ - وبينَما رجلٌ في غَتَمِه إذ عَدا الذِّتْبُ، فذهب منها بشاةٍ، فطَلَبَ حتَّى كأَنَّه استَنْقَذَها منه، فقال له الذِّئْبُ: هذا استَنْقَذْتَها منّي، فمَن لها يومَ السَّبُعِ يومَ لا راعِيَ لها غيري؟» فقال الناسُ: سُبْحانَ الله! ذِئْبٌ يتكلَّمُ، قال: ((فإِنِّي أُومِنُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمر)) وما هما ثَمَّ. حدّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، عن مِسعَرٍ، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ مِثْلَهُ. ٣٤٧٢- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن همَّام، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((اشتَرَى رجلٌ من رجلٍ عَقاراً له، فوَجَدَ الرجلُ الذي اشتَرَى العَقارَ في عَقاره جَرّةً فيها ذهبٌ، فقال له الذي اشتَرَى العَقارَ: خُذ ذهبَكَ منّي، إنَّما اشتَرَيتُ منكَ الأرضَ، ولم أبتَع الذَّهَبَ، وقال الذي له الأرضُ: إنَّما بعْتُكَ الأرضَ وما فيها، فتحاكما إلى رجلٍ، فقال الذي تَحاكما إليه: أَكما ولدٌّ؟ قال أحدُهما: لي غلامٌ، وقال الآخرُ: لي جاريةٌ، قال: (١) تحرفت في (س) إلى: وتعددت. ٣٠٦ باب ٥٤ / ح ٣٤٧١ -٣٤٧٢ فتح الباري بشرح البخاري أَنكِحِوا الغلامَ الجاريةَ، وأنفقوا على أنفُسِهما منه، وتَصَدَّقا)». الحديث التاسع عشر: حديث أبي هريرة في قصَّة البقرة التي تَكلَّمَت. قوله: ((عن الأعرج، عن أبي سَلَمة)) هو من رواية الأقران، وقد رواه الزُّهْري أيضاً عن أبي سَلَمة، وسيأتي مع شرحه مُستَوفَّى في المناقب(١). قوله: ((بَيْنا رجل يَسوق بقرة)) لم أقِفْ على اسمه. قوله: ((إِذ ◌َرَكِبَها فضَرَبَها، فقالت: إنّا لم نُخْلَق لهذا)) استُدِلَّ به على أنَّ الدَّوابّ لا تُستَعمَل إلّا فيما جَرَت العادة باستعمالها فيه، ويحتمل أن يكون قولها: ((إنَّما خُلِقِنا للحَرثِ)) للإشارة إلى مُعظَم ما خُلِقَت له، ولم تُرِد الحَصر في ذلك، لأنَّه غير مُراد اتّفاقاً، لأنَّ من جُملة ما خُلِقَت له أنَّها تُذْبَح وتُؤْكَل بالاتّفاق، وقد تقدَّم قول ابن بَطّال في ذلك في كتاب المزارعة (٢٣٢٤). قوله: ((فإنّ أُوْمِن بهذا أنا وأبو بَكْر وعمر)» هو محمول على أنَّه كان أخبَرَهما بذلك فصَدَّقاه، أو أطلقَ ذلك لمّا اطَّلَعَ عليه من أنَّهما يُصدِّقان بذلك إذا سمعاه، ولا يَتَرَدَّدان فیه. قوله: ((وما هما ثَمَّ)) بفتح المثلَّئة، أي: ليسا حاضرَينٍ، وهو من كلام الراوي، ولم يقع ذلك في رواية الزُّهري(٢). قوله: ((وبينا رجل)) هو معطوف على الخبر الذي قبله بالإسناد المذكور. قوله: ((إذ عَدَا الذِّتْب)) بالعين المهمَلة من العُدوان. قوله: ((هذا استَنَقَذْتَها مِنِّي)) في رواية الكُشْمِيهني: ((استَنقَذَها)) بإبهام الفاعل. قوله: ((حدَّثنا عليّ، حدَّثنا سُفْيان، عن مِسعَر)) هذا يدلُّ على أنَّه سمعَه من شيخه مُفرَّقاً، والحاصل أنَّ لسفيان فيه إسنادين: أحدهما: أبو الزّناد عن الأعرج، والآخر: مِسعَر عن (١) سيأتي برقم (٣٦٦٣)، وانظر ما سلف برقم (٢٣٢٤). (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أنه ذكر في رواية الزهري الآتية عند البخاري برقم (٣٦٩٠). ٣٠٧ باب ٥٤ / ح ٣٤٧١-٣٤٧٢ كتاب أحاديث الأنبياء سعد بن إبراهيم، كلاهما عن أبي سَلَمة، وفي كلّ من الإسنادين رواية القَرِين عن قَرِينه، لأنَّ الأعرَجِ قَرِين أبي سَلَمَةَ كما تقدَّم، لأنَّه شارَكَه في أكثر شيوخه ولا سيما أبو هريرة، وإن كان أبو سَلَمَةَ أكبر سِنّاً من الأعرَج. وسفيان بن عُيَينَةَ قَرِين مِسعَر، لأنَّه شارَكَه في أكثر شيوخه، لا سيما سعد بن إبراهيم، وإن كان مِسعَر أكبر سِنّاً من سفيان. الحديث العشرون: حديث أبي هريرة أيضاً: ((اشتَرى رجل من رجل عقاراً)) لم أقِفْ على اسمهما، ولا على اسم أحد ثَمَّن ذُكِرَ في هذه القصّة، لكن في ((المبتَدَأ)» لوَهْب بن مُنبِّه: أنَّ الذي تَحاكما إليه هو داودُ النبي عليه السلام، وفي ((المبتَدَأ)) لإسحاق بن بشر: أنَّ ذلك وَقَعَ في زمن ذي القَرنَين من بعض قُضاته، فالله أعلم. وصَنيع البخاري يقتضي ترجيح ما وَقَعَ عند وَهْب لگونه أورده في ذِكْر بني إسرائيل. قوله: ((عَقاراً) العَقار في اللُّغة: المنزِل والضَّيعة، وخَصَّه بعضهم / بالنَّخلِ، ويقال للمَتاع ٥١٩/٦ النَّفيس الذي للمنزِلِ: عَقار أيضاً، وأمَّا عياض فقال: العقار: الأصل من المال، وقيل: المنزل والضَّيعة، وقيل: مَتاع البيت، فجعله خِلافاً. والمعروف في اللُّغة أنَّه مَقُول بالاشتِراكِ على الجميع، والمراد به هنا الدّار، وصَرَّحَ بذلك في حديث وَهْب بن مُنبِّه. قوله: «فوَجَدَ الرجلُ الذي اشتَرى العَقار في عَقاره جَرَّة فيها ذهب، فقال له: خُذ ذهبَك فإنَّا اشْتَرَيت مِنْك الأرض ولم أبتَع الذَّهَب)) وهذا صريح في أنَّ العَقد إنَّمَا وَقَعَ بينهما على الأرض خاصَّة، فاعتَقَدَ البائع دخول ما فيها ضِمناً، واعتَقَدَ المشتَري أنَّه لا يَدخُل. وأمَّا صورة الدَّعوى بينهما فوَقَعَت على هذه الصّورة، وأنَّهما لم يختلفا في صورة العَقد التي وَقَعَت. والحُكم في شَرْعنا على هذا في مِثل ذلك: أنَّ القول قول المشتَري، وأنَّ الذَّهَب باقٍ على مِلك البائع، ويحتمل أنَّهما اختَلَفا في صورة العقد بأن يقول المشتَري: لم يقع تصريح ببيع الأرض وما فيها، بل ببيع الأرض خاصَّة، والبائع يقول: وَقَعَ التَّصريح بذلك، والحُكم في هذه الصّورة أن يَتَحَالَفا ويُسْتَردَ المبيع، وهذا كلّه بناء على ظاهر اللَّفظ أنَّه وَجَدَ فيها جَرَّة من ذهب، لكن في رواية إسحاق بن بشر: أنَّ المشتَري قال: إنَّه اشتَری داراً، فعَمَرَها فِوَجَدَ ٣٠٨ باب ٥٤ / ح ٣٤٧١ -٣٤٧٢ فتح الباري بشرح البخاري فيها كَنزاً، وأنَّ البائع قال له لمَّا دَعاه إلى أخذه: ما دَفَنتُ ولا عَلمتُ، وأنَّهما قالا للقاضي: ابعث مَن يَقِضُه، وتَدَعُه حیثُ رأیت، فامتَنَعَ، وعلى هذا فُکم هذا المال حُكم الرِّكاز في هذه الشَّريعة، إن عُرِفَ أنَّه من دَفين الجاهلية، وإلّا فإن عُرِفَ أنَّه من دَفين المسلمينَ فهو لُقَطة، وإن جُهِلَ فحُكمه حُكم المال الضّائع يوضَع في بيت المال، ولعله لم يكن في شرعهم هذا التَّفصيل، فلهذا حَكَمَ القاضي بما حَکَمَ به. قوله: ((وقال الذي له الأرض)) أي: الذي كانت له، ووقعَ في رواية أحمد (٨١٩١) عن عبد الرَّزّاق بيان المراد من ذلك، ولفظه: ((فقال الذي باعَ الأرض: إنَّما بعتُك الأرض)»، ووقعَ في نُسَخ مسلم اختلاف، فالأكثر رَوَوْه بلفظ: ((فقال الذي شَرى الأرض)) (١) والمراد باعَ الأرض كما قال أحمد، ولبعضِهم: ((فقال الذي اشتَرى الأرض))، ووَهََّها القُرطُبي قال: إلّا إِن ثَبَتَ أنَّ لفظ: ((اشتَرى)» من الأضداد، كشَرَى، فلا وَهْم. وقوله: ((فَتَحاكم)) ظاهره أنَّهما حَكَّمَاه في ذلك، لكن في حديث إسحاق بن بشر التَّصريح بأنَّه كان حاكماً منصوباً للنّاس، فإن ثَبَتَ ذلك فلا حُجَّة فيه لمن جَوَّزَ للمُتَداعيَيْنِ أن يُحُكِّما بينهما رجلاً ويَنفُذْ حُكمه، وهي مسألة مُخْتَلَف فيها: فأجازَ ذلك مالك والشّافعي بشرطِ أن يكون فيه أهلية الحُكم، وأن يَحكم بينهما بالحقِّ سواء وافَقَ ذلك رأيَ قاضي البلد أم لا، واستثنى الشّافعي الحدود، وشرط أبو حنيفة أن لا يخالف ذلك رأي قاضي البلد. وجَزَمَ القُرطُبي بأنَّه لم يَصدُر منه حُكمٌ على أحد منهما، وإنَّما أصلَحَ بينهما لما ظَهَرَ له أنَّ حُكم المال المذكور حُكم المالِ الضّائع، فرأى أنَّهما أحقّ بذلك من غيرهما لمَا ظَهَرَ له من ورَعِهما وحُسن حالهما، وارغَجى من طيب نَسلهما وصلاح ذُرّيتهما، ويَرُدّه ما جَزَمَ به الغَزالي في (نصيحة الملوك)) أنَّهما تَحاكما إلى كِسرى، فإن ثَبَتَ هذا ارتَفَعَت المباحث الماضية المتعلّقة بالتَّحكيم، لأنَّ الكافر لا حُجَّة له فيما يَحكم به. ووَقَعَ في روايةٍ عن أبي هريرة: لقد رأيتُنا يَكثُر تَمارينا ومُنازَعَتنا عند النبي ◌َّ أيّهما أكثر أمانة. (١) هو عند مسلم برقم (١٧٢١). ٣٠٩ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٣ - ٣٤٧٤ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((أَلَكما وَلَد؟)) بفتح الواو واللّام، والمراد الجنس، لأنَّه يَستَحيل أن يكون للرجلين جميعاً ولد واحد، والمعنى: ألِكلِّ منكما ولد؟ ويجوز أن يكون قوله: ((أَلَكما وُلْدُ؟)) بضمِّ الواو وسكون اللّام، وهي صيغة جمع، أي: أولاد، ويجوز كسر الواو أيضاً في ذلك. قوله: ((فقال أحدهما: لي غلام)) بيَّن في رواية إسحاق بن بشر أنَّ الذي قال: لي غلام، هو الذي اشتَری العقار. قوله: ((أَنْكِحوا الغلامَ الجاريةَ، وأنفقوا على أنفُسهما منه وتَصَدَّقا)) هكذا وَقَعَ بصيغة الجمع في الإنكاح والإنفاق، وبصيغة الَّنية في النَّفْسَين وفي التَّصَدُّق، وكأنَّ السّرّ في ذلك أنَّ الزَّوجَين كانا مَحَجورَين، وإنكاحهما/ لا بدَّ فيه مع وَلَيَّهما من غيرهما كالشّاهدين، ٥٢٠/٦ وكذلك الإنفاق قد يحتاج فيه إلى المُعِین کالوکیل. وأمَّا تَثنية النَّفْسَين فللإشارة إلى اختصاص الَّوجَين بذلك، وقد وَقَعَ في رواية إسحاق ابن بشر ما يُشعِر بذلك، ولفظه: ((اذهَبا، فَزَوِّج ابتك من ابن هذا، وجَهِّزوهما من هذا المال، وادفعا إلیھما ما بقي یعیشان به)). وأمَّا تَثنية التصدُّق فللإشارة إلى أن يُباشراها بغير واسطة لمَا في ذلك من الفضل، وأيضاً فهي تَبرُّع لا يَصدُر من غيرِ الرَّشيد، ولا سيما ◌َمَّن ليس له فيها مِلك. ووَقَعَ في رواية مسلم: ((وأنِفِقا على أنفُسِكما)) والأوَّل أوجَه، والله أعلم. ٣٤٧٣- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن محمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ. وعن أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله، عن عامِ بنِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، عن أبيه: أنَّه سمعَه يَسْألُ أُسامةَ بنَ زيدٍ: ماذا سمعتَ من رسولِ اللهِوَرَ في الطاعونِ؟ فقال أسامةُ: قال رسولُ اللهِ وَل: ((الطاعونُ رِجْسٌ أُرسِلَ على طائفةٍ من بني إسرائيلَ - أو على مَن كان قبلَكم - فإذا سمعتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَّخْرُجوا فِراراً مِنْه). قال أبو النَّصْر: ((لا يُخْرِ جُكم إلّا فِراراً مِنْه)). [طرفاه في: ٥٧٣٨، ٦٩٧٤] ٣٤٧٤ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدّثنا داودُ بنُ أبي الفُرات، حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُرَیدةَ، ٣١٠ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٣ - ٣٤٧٤ فتح الباري بشرح البخاري عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّ وَّة، قالت: سألتُ رسولَ الله أَآلآل عن الطاعونِ، فأخبرني: ((أنَّه عذابٌ يَبْعَثُه الله على مَن يشاءُ، وأنَّ الله جعله رحمةً للمُؤْمنينَ، ليس من أحدٍ يَقَعُ الطاعونُ فِيَمْكُثُ في بَلَدِه صابراً مُخْتَسِباً، يَعْلَمُ أنَّه لا يُصِيبُهُ إِلَّ مَا كَتَبَ اللهُ له، إلَّا كان له مِثْلُ أجْرٍ شَهِيدٍ». [طرفاه في: ٥٧٣٤، ٦٦١٩] الحديث الحادي والعشرون: حديث أُسامة بن زيد في الطاعون، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في الطِّبّ (٥٧٢٨)، والغرض منه هنا قوله في الحديث: «الطاعون رِجزٌ أُرسِلَ على بني إسرائيل)) ووقعَ هنا (رِجسٌ)) بالسّين المهمَلة بدل الزّاي، والمحفوظ بالزّائِ، ووَجَّهَه القاضي بأنَّ الرِّجس يقع على العُقوبة أيضاً، وقد قال الفارابي والجوهري: الرِّجس العذاب. قوله في آخر الحديث: ((فلا تَخْرُجوا فِراراً منه، قال أبو النَّضْر: لا يُخْرِجُكم إلّا فِراراً منه» يريد أنَّ الأولى رواية محمَّد بن المنكَدِر، والثّانية رواية أبي النَّضر، فأمَّا رواية ابن المنكَدِر فلا إشكال فيها، وأمَّا رواية أبي النَّضر فروايتها بالنَّصبِ كالذي هنا مُشكِلة، ورواها جماعة بالرفع ولا إشكال فيها، قال عِياض في الشَّرح: وَقَعَ لأكثر رواة ((الموطَأ)) بالرفع، وهو بيِّن، أي(١): السَّبَب الذي يُخْرِجكم الفِرارُ ومُجرَّد قصده، لا غير ذلك، لأنَّ الخروج إلى الأسفار والحوائج مُباح، ويُطابق الرِّواية الأُخرى: ((فلا تَخُرُجوا فِراراً منه))، قال: ورواه بعضهم: ((إلّا فِراراً منه)) قال: وقال ابن عبد البَرّ: جاء بالوجهَينِ، ولعلَّ ذلك من مالك، وأهل العربية يقولون: دخول ((إلّا)) هنا بعد النَّفي لإيجاب بعض ما نُفي قبلُ من الخروج، فكأنَّه نَهى عن الخروج إلّا للفِرار خاصَّة، وهو ضِدّ المقصود فإنَّ المنهي عنه إنَّما هو الخروج للفِرار خاصَّة لا لغيره، قال: وجَوَّزَ ذلك بعضهم وجَعَلَ قوله: ((إلّا)) حالاً من الاستثناء، أي: لا تَخْرُجوا إذا لم يكن خروجكم إلّا للفِرار، قال عياض: ووَقَعَ لبعضٍ رواة ((الموطَأ)): ((لا يُخْرِجكم الإفرار)) بأداة التَّعريف وبعدها إفرار، بكسر الهمزة، وهو وهمٌّ ولحنٌّ. (١) تحرف في (س) إلى: أن. ٣١١ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٣ -٣٤٧٤ كتاب أحاديث الأنبياء وقال في ((المشارق))(١) ما حاصله: يجوز أن تكون الهمزة للتَّعدية، يقال: أفَرَّه كذا من كذا، ومنه قوله عليه الصلاة والسَّلام لعَديّ بن حاتم: ((إن كان لا يُفِرُّك من هذا إلّا ما ترى»(٢) فیکون المعنی: لا يُرِ جكم إفراره إياكم. وقال القُرطُبي في ((المفهِم)): هذه الرّواية غَلَط، لأنَّه لا يقال: أفَرَّ، وإنَّما يقال: فَرَّ، قال: وقال جماعة من العلماء: إدخال ((إلّا)) فيه غَلَط، وقال بعضهم: هي زائدة، وتجوز زيادتُه كما تُزاد ((لا))، وخَرَّجَه بعضهم بأنَّها للإيجاب، فذكر نحو ما مضى، قال: والأقرَب أن تكون زائدة. وقال الكرماني: الجمع بين قول ابن المنگدِر: ((لا تخرجوا فِراراً منه)» وبین قول أبي النَّضر: ((لا يُخْرِجكم إلّا فِراراً منه)) مُشكِل، فإنَّ ظاهره التَّنَاقُض، ثمَّ أجابَ بأجوبةٍ: أحدها: أنَّ غَرَض الراوي أنَّ أبا النَّضر فَسَرَ ((لا تَّخِرُجوا)) بأنَّ المراد منه الخَصْر، يعني: الخروج المنهي هو الذي يكون لمجرَّدِ الفِرار لا لِغَرَضِ آخر، فهو تفسير للمُعلَّلِ المنهي عنه لا للنَّهي. قلت: وهو بعيد لأنَّه يقتضي أنَّ هذا اللَّفظ من كلام أبي النَّضر زادَه بعد الخبر، وأنَّه موافق لابن المنكَدِر على اللَّفظ الأوَّل روايةً، والمتبادِرِ خِلاف ذلك. والجواب الثّاني: كالأوَّل والزّيادة مرفوعة أيضاً، فيكون روى اللَّفظَين، ويكون النَّفسير مرفوعاً أيضاً. الثالث: ((إلّا)) زائدة بشرطِ أن تَثْبُت زيادَتها في كلام العرب. الحديث الثاني والعشرون: حديث عائشة في ذلك، وسيأتي شرحه في الطِّبّ أيضاً (٥٧٣٤). (١) لم نقف على هذا الكلام في ((المشارق))، وإنما الذي في ((المشارق))، ١٥٤/٢ هو كلام عياض السابق. (٢) هذه قطعة من حديث طويل في قصة إسلام عدي بن حاتم، ولم تقع بهذا اللفظ، وإنما وردت بلفظ: ((لعلك إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم)) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٥٨٠/٢- ٥٨١، وهو غير متصل. ٣١٢ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٥ -٣٤٧٧ فتح الباري بشرح البخاري ٣٤٧٥- حدَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا ليثٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ قريشاً أهَمّهم شأنُ المرأةِ المخزومِيَّةِ التي سَرَقَت، فقالوا: مَن يُكلِّمُ فيها رسولَ الله وَلاَ؟ فقالوا: ومَن يَخْتَرِىُّ عليه إلَّ أُسامةُ بنُ زيدٍ حِبُّ رسولِ اللهَِّ؟ فَكَلَّمَه أُسامةُ، فقال رسولُ الله وَّةِ: ((أَتَشْفَعُ في حَدٍّ من حدودِ الله؟!)) ثمَّ قامَ فاختَطَبَ، ثمَّ قال: ((إنَّا أهلَكَ الذينَ قبلَكم أنَّهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشَّرِيفُ تَرَكوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيفُ أقاموا عليه الحَدَّ. وايمُ الله لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعْتُ يدَها)). ٣٤٧٦- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ مَيسَرَ، قال: سمعتُ النَّزّالَ بنَ سَبْةَ الهِلَالِيَّ، عن ابنِ مسعودٍ ﴾، قال: سمعتُ رجُلاً قرأ آيةً وسمعتُ النبيَّ وَهَ يَقْرأُ خِلافَها، فِئْتُ به النبيَّ ◌َّةِ، فأخبَرَتُه، فعَرَفْتُ في وجهِهِ الكَراهيةَ، وقال: ((كِلاكما تُحْسِنٌّ. ولا تَخْتَلِفُوا، فإنَّ مَن كان قبلَكُمُ اختَلَفوا فهَلَکوا». ٣٤٧٧- حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني شَقِيقٌ، قال عبدُ الله: كأنِّي أَنظُرُ إلى النبيِّ نَّهِ يَخْكي نبيّاً مِن الأنبياءِ ضَرَبَه قومُه فأدْمَوْه، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجهِه ويقول: «اللهمَّ اغفر لقومي، فإنَّهم لا يَعْلَمونَ)). [طرفه في: ٦٩٢٩] الحديث الثالث والعشرون: حديث عائشة في قصَّة المخزومية التي سَرَقَت، وسيأتي شرحه في كتاب الحدود (٦٧٨٨)، وأورَدَه هنا بلفظ: ((إنَّما أهلَكَ الذينَ من قبلكم))، وفي ٥٢١/٦ بعض طرقه (٣٧٣٢): ((إنَّ بني / إسرائيل كانوا)) وهو المطابق للتَرجمة، وسيأتي بَسط ذلك إن شاء الله تعالى. الحديث الرابع والعشرون: حديث ابن مسعود في النَّهي عن الاختلاف في القراءة، وسيأتي شرحه في فضائل القرآن (٥٠٦٢). الحديث الخامس والعشرون: حديث عبد الله، وهو ابن مسعود، وشَقِيق: هو أبو وائل. قوله: ((كأنّ أَنظُر إلى النبيِ وَّهِ يَحْكي نبياً من الأنبياء ضَرَبَه قومه فأدْمَوْه)» لم أقِفْ على ٣١٣ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٥ -٣٤٧٧ كتاب أحاديث الأنبياء اسم هذا النبي صريحاً، ويحتمل أن يكون هو نوح عليه السلام، فقد ذكر ابن إسحاق في ((المبتَدَأ))، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير الشُّعَراء (١٥٠٥/٥) من طريق ابن إسحاق قال: حدَّثني مَن لا أتَّهِم، عن عُبيد بن عُمَير اللَّيثي: أنَّه بَلَغَه أنَّ قوم نوح كانوا يَبْطِشُونَ به، فيَخْنُقُونَه حتَّى يُغشى عليه، فإذا أفاقَ قال: اللهمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمونَ. قلت: وإن صَحَّ ذلك فكأنَّ ذلك كان في ابتداء الأمر، ثمَّ لمَّا يَئِسَ منهم قال: ﴿رَّدِّلَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. وقد ذكر مسلم بعد (١) تخريج هذا الحديث حديث (١٧٩١): أَنَّه ◌َِّ قال في قصَّة أُحُد: ((كيف يُفلِح قوم دَمَّوْا وجه نبيّهم))(٢) فأَنزَلَ الله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ومن ثَمَّ قال القُرطُبي: إنَّ النبي ◌َّ هو الحاكي والمحكيُّ كما سيأتي. وأمَّا النَّوَوي فقال: هذا النبي الذي جَرَى له ما حكاه النبي ◌َّ من المتقدِّمینَ، وقد جری لنبینا نحو ذلك یوم أُحُد. قوله: ((وهو يَمْسَح الدَّم عن وَجْهه)) يحتمل أنَّ ذلك لمَّا وَقَعَ للنبي ◌َّ ذكَر لأصحابه أنَّه وَقَعَ لنبيِّ آخر قبله، وذلك فيما وَقَعَ له يوم أُحُد لمَّا شُجَّ وجهه، وجَرَى الدَّم منه. فاستَحضَرَ في تلكَ الحالة قصَّة ذلك النبي الذي كان قبله، فذكر قِصَّته لأصحابه تَطبيباً لقلوبهم. وأغرَبَ القُرطُبي فقال: إنَّ النبي ◌َّ هو الحاكي وهو المحكي عنه، قال: وكأنَّه أوحي إليه بذلك قبل وقوع القضية، ولم يُسمِّ ذلك النبي، فلمَّا وَقَعَ له ذلك تَعيَّنَ أنَّه هو المعنيُّ بذلك. قلت: ويُعكِّر عليه أنَّ التَّرجمة لبني إسرائيل فيَتَعَّن الحَمل على بعض أنبيائهم. وفي ((صحيح ابن حِبّان)) (٩٧٣) من حديث سهل بن سعد: أنَّ النبي ◌َّ قال: ((اللهمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمونَ)). قال ابن حِبّان: معنى هذا الدُّعاء أنه قال يوم أُحُد لمَّا شَُّ (١) بل قبل. (٢) لفظه عند مسلم: ((كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيَّهم، وكسروا رباعيَته، وهو يدعوهم إلى الله)). ٣١٤ باب ٥٤ / ح ٣٤٧٨ -٣٤٧٩ فتح الباري بشرح البخاري وجهه، أي: اغفِر لهم ذَنبهم في شَجّ وجهي، لا أنَّه أراد الدُّعاء لهم بالمغفرة مُطلَقاً، إذ لو كان كذلك لَأُجيبَ، ولو أُجيبَ لَأسلموا کلّهم. کذا قال، وكأنَّه بناه على أنَّه لا يجوز أن يَتَخلَّف بعض دعائه على بعض أو عن بعض، وفيه نظر لُبُوتِ: ((أعطاني اثنتَين ومَنَعَني واحدة))(١)، وسيأتي في تفسير سورة الأنعام (٤٦٢٨). ثمَّ وجَدت في ((مُسنَد أحمد)) (٤٠٥٧) من طريق عاصم عن أبي وائل ما يَمنَع تأويل القُرطُبي، ويُعيِّن الغزوة التي قال فيها رسول الله ◌َ﴿ ذلك، ولفظه: قَسَمَ رسول الله وَل﴿ غَنائم حُنَينٍ بالجِعْرانة، قال: فازدَحَموا عليه، فقال: ((إن عبداً من عباد الله بَعَثَه الله إلى قومه فكذَّبوه وشَجْوه، فجَعَلَ يَمسَحُ الدَّمَ عن جَبينه، ويقول: ربّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمونَ)) قال عبد الله: فكأنّ أنظُر إلى رسول الله وَ﴿ يَمسَح جَبهَتَه يَجِكي الرجلَ. قلت: ولا يَلزَم من هذا الذي قاله عبد الله أنَّ يكون النبي وَل﴿ مَسَحَ أيضاً، بل الظّاهر أنَّه حَكَى صفة مَسح جَبهَته خاصَّة كما مَسَحَها ذلك النبي، وظَهَرَ بذلك فسادُ ما زَعَمَه القُرطُبي. ٣٤٧٨- حدَّثْنا أبو الوليدِ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن قَتَادَةَ، عن عُقْبَةَ بنِ عبدِ الغافِ، عن أبي سعيدٍ﴾، عن النبيِّ وَّ: ((أنَّ رجلاً كان قبلكم رَغَسَهُ الله مالاً، فقال لبَنِيه لمَّا حُضِرَ: أيَّ ابٍ كنتُ لكم؟ قالوا: خيرَ أبٍ، قال: فإنّي لم أعمَلْ خيراً قَطُّ، فإذا مُتُّ فأحرِقوني، ثمَّ اسحَقُوني، ثَمَّ ذَرُوني في يومٍ عاصفٍ، ففَعَلوا، فجَمَعَه الله عزَّ وجلَّ، فقال: ما حَمَلَكَ؟ قال: مَافَتُكَ، فتَلَقّاهُ رحمته)). وقال معاذٌ: حدّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، سَمِعَ عُقْبَةَ بنَ عبدِ الغافِرِ، سمعتُ أبا سعيدِ الخُذْريَّ، عن النبيِّ ◌ِلّد. [طرفاه في: ٦٤٨١، ٧٥٠٨] ٣٤٧٩ - حدَّثَنَا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، عن رِبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ، (١) أخرجه مسلم (٢٨٩٠) من حديث سعد بن أبي وقاص، أنَّ رسول الله وَّلي قال: ((سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يُهلك أُمَّتِى بالسَّنَةِ فأعطانيها، وسألته أن لا يُهلك أمَّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها». ٣١٥ باب ٥٤ / ح ٣٤٨١ كتاب أحاديث الأنبياء قال: قال عُقْبةُ لحُذَيفةَ: ألا تُحدِّثُنا ما سمعتَ مِن النبيِّ وََّ؟ قال: سمعتُهُ يقول: ((إنَّ رجلاً حَضَرَه الموتُ، لمَّا أيِسَ مِن الحياةِ أوْصَى أهلَه: إذا مُتُّ فاجَمَعُوا لي حَطَباً كثيراً، ثمَّ أوْرُوا ناراً، حَتَّى إذا أكَلَت لَحْمي، وخَلَصَت إلى عَظْمي، فخُذُوها فاطْحَنوها فِذُرُّوني في الیَمِّ في يومِ حارِّ - أو راحٍ - فجَمَعَه اللهُ، فقال: لمَ فَعْتَ؟ قال: خَشْيَتَكَ، فَغَفَرَ له)). قال عُقْبةُ: وأنا سمعتُه يقولُ. حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، حدَّثنا عبدُ الملك، وقال: ((في يومٍ راحٍ)). ٣٤٨١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن مُمید بنِ عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ﴾، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: «كان رجلٌ يُسِرِفُ على نفسِه، فلمَّا حَضَرَه الموتُ قال لبَنِيه: إذا أنا مُتُّ فأحرِقوني، ثمَّ اطْحَنوني، ثمَّ ذُرُّوني في الرِّيحِ، فوالله لَئِن قَدَرَ اللهُ عليَّ، لَيُعَذِّبَنّي عذاباً ما عَلَّبَه أحداً. فلمَّا ماتَ فُعِلَ به ذلك، فأمَرَ اللهُ الأرضَ، فقال: اجْمَعي ما فيكِ منه، ففَعَلَتْ، فإذا هو قائمٌ، فقال: ما حَلَكَ على ما صَنَعْتَ؟ قال: ◌َافَتُكَ يا ربّ، فغَفَرَ لَه)). وقال غیرُه: (خَشْیتُكَ يا ربّ)). [طرفه في: ٧٥٠٦] الحديث السادس والعشرون والسابع والعشرون والثامن والعشرون: أحاديث أبي سعيد وحُذيفة وأبي هريرة في قصة الذي أوصى بأن يُحرَّق إذا مات، أورده من طرق، وتقدَّم في هذه الترجمة من وجه آخر (٣٤٥٢)، وسأذكر جميع فوائده هنا إن شاء الله تعالى. قوله: ((عن عُقْبة بن عبد الغافر)) بيَّن في الرِّواية المعلّقة تِلو هذه سماع قَتَادة من عُقْبة، وعُقْبة المذكور أزدي بصري، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديثٍ آخرَ تقدَّم في الوكالة (٢٣١٢). وطريق معاذ هذه وصَلها مسلم (٢٧٥٧ /٢٧) عن عُبيد الله بن معاذ العنبري عن أبيه، به. قوله: ((رَغَسَه الله) بفتح الرّاء والغَين المعجمة بعدها سین مُهمَلة، أي: گثّر ماله، وقيل: رَغْسُ كلّ شيء أصلُه، فكأنَّه قال: جَعَلَ له أصلاً من مال. ووَقَعَ في مسلم / (٢٧/٢٧٥٧): ٥٢٢/٦ ٣١٦ باب ٥٤ / ح ٣٤٨١ فتح الباري بشرح البخاري ((رأسَه الله)) بهمزِ بدل الغَين المعجمة، قال ابن التِّين: وهو غَلَط، فإن صَحَّ - أي: من جِهَة الرّواية - فكأنَّه كان فيه («راشه)) يعني: بألفٍ ساكنة بغير همز وبشينٍ مُعجَمة، والرِّيشُ والرِّياشُ: المال. انتهى(١)، ويحتمل في توجيه رواية مسلم أن يقال: معنى ((رأَسَه)) جعله رأساً، ويكون بتشديد الهمزة. وقوله: ((مالاً))، أي: بسَبَبِ المال. قوله: ((قال عُقْبة لحُذَيفَةٍ)) هو عُقْبة بن عَمْرو أبو مسعود الأنصاري البذْري. قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل الشَّبُوذَكي، وفي رواية الكُشْمِيهني: حدَّثنا مُسدَّد، وصَوَّبَ أبو ذرِّ روايةَ الأكثر، وبذلك جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستَخرَج) أنَّه عن موسى، وموسى ومُسدَّد جميعاً قد سمعا من أبي عَوَانة، لكنَّ الصَّواب هنا موسى، لأنَّ المصنِّفُ ساقَ الحديث عن مُسدَّد، ثمَّ بيَّن أنَّ موسى خالَفَه في لفظة منه، وهي قوله: ((في يوم راحٍ)) فإنَّ في رواية مُسدَّد: ((في يوم حارّ))، وقد تقدَّم سياق موسى في أوَّل ((باب ذِكْر بني إسرائيل)) (٣٤٥٢)، وقال فيه: ((ثم انظُروا يوماً راحاً)، وقوله: ((راحاً)) أي: كثير الرّيح، ويقال ذلك للموضع الذي تختَرِقه الرّياح. قال الجَوْهري: يوم راحٍ، أي: شديد الريح، وإذا كان طيِّب الرّيح يقال: الرَّيِّح بتشديد الياء. وقال الخَطّابي: يوم راحٍ، أي: ذو رِيح، كما يقال: رجلٌ مالٌ، أي: ذو مال. وأمَّا رواية الباب فقوله: ((في يوم حار)) فهو بتخفيفِ الرّاء (٢)، قال ابن فارس: الحور (٣) (١) قال النووي: هذه اللفظة رويت بوجهين في ((صحيح مسلم))، أحدهما: راشه، بألف ساكنة غير مهموزة وبشين معجمة. والثاني: رأسه، بهمزة وسين مهملة، قال القاضي: والأول هو الصواب، وهو رواية الجمهور، ومعناه: أعطاه الله مالاً وولداً، قال: ولا وجه للمهملة هنا، وكذا قال غيره. (٢) كذا ضبطه الحافظ رحمه الله هنا بالراء المخففة، وسيذكر عند شرح الحديث (٦٤٨٠) أنَّ هذه رواية أبي ذرًّ الهروي، لكن دون الإشارة إلى تخفيف الراء، وذكر أنه في رواية المروزي والأصيلي: حازّ، بزاي ثقيلة، بمعنى أنه يحزَّ البدن لشدة حرّه، وقال القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ٥/ ٤٣٧: بالحاء المهملة والراء المشددة في الفرع، وقيده في ((الفتح)) بتخفيفها، أي: شديد الحر. قلنا: وهي كذلك مشدّدة في النسخة اليونينية. (٣) كذا وقع هنا، وهو خطأ، لأنَّ الذي في ((مقاييس اللغة)) لابن فارس: الحنون: ريح إذا هبت كان لها كحنين الإبل. ٣١٧ باب ٥٤ / ح ٣٤٨١ كتاب أحاديث الأنبياء رِيح ثحِنّ کحنینِ الإبل. وقد نبّه أبو عليٍّ الجَيّاني على ما وَقَعَ من ذلك. وظَنَّ بعض المتأخِّرينَ أنَّه عَنى بذلك ما وَقَعَ في أَوَّل ذِكْر بني إسرائيل، فاعتَرَضَ عليه بأنَّه ليس هناك إلّا روايته عن موسى بن إسماعيل في جميع الطّرق، وهو صحيح، لكنَّ مُراد الْجَيّاني ما وَقَعَ هنا، وهو بَيِّنٌّ لمن تأمَّلَ ذلك. قوله: ((حدَّثنا عبد الملك)) هو ابن عُمَير المذكور في الإسناد الذي قبله، ومُراده أنَّ عبد الملك رواه بالإسناد المذكور مِثل الرِّواية التي قبله، إلّا في هذه اللَّفظة، وهذا يقتضي خطأ مَن أورَدَه في الرِّواية الأولى بلفظ: ((راحٍ)) وهي رواية السَّرَخْسي، وقد رواه أبو الوليد عن أبي عَوَانة فقال فيه: ((في ريح عاصف)) أخرجه المصنِّف في الرِّقاق(١). قوله: «حدّثنا هشام)) هو ابن یوسف. قوله: ((كان رجل يُسرِف على نفسه)) تقدَّم في حديث حُذَيفة (٣٤٥٢): أنَّه كان نَبّاشاً، وفي الرّواية التي في الرِّقاق(٢) (٦٤٨٠): أنَّه كان يُسيء الظَّنّ بعملِه، وفيه(٣) (٦٤٨١): أنَّه لم يَبْتَيِّر خيراً، وسيأتي نقل الخِلاف في تحريرها هناك، إن شاء الله تعالى، وفي حديث أبي سعيد(٤): ((أنَّ رجلاً كان قبلكم)). قوله: ((أَوْرُوا)) بفتح الهمزة وسكون الواو وضمّ الرّاء، أي: اقدَحُوا وأَشعِلُوا. قوله: ((إذا أنا مُتّ فأحْرِقوني، ثمَّ اطْحَنوني، ثمَّ ذُرّوني)) بضمِّ المعجَمة وتشديد الرّاء، في (١) كذا وقع في (ع) و(س): أخرجه المصنف في الرقاق، ولم تظهر في (أ) لانطماس الورقة، وليس الحديث في الرقاق من هذا الطريق ولا بهذا اللفظ، فلعلَّ الحافظ أراد أن أن ابن حبان أخرجه في الرقاق، فيصح عندئذٍ، وهو عند ابن حبان برقم (٦٤٩). وأما الذي في الرقاق عند البخاري (٦٤٨١) فمن طريق سليمان التيمي عن قتادة، بلفظ: ((إذا كان ريحٌ عاصف))، والله أعلم. (٢) من حديث حذيفة أيضاً. (٣) من حديث أبي سعيد الخدري. (٤) هو حديث الباب (٣٤٧٨). ٣١٨ باب ٥٤ / ح ٣٤٨١ فتح الباري بشرح البخاري حديث أبي سعيد: ((فقال لبنيه لمَّا حُضِرَ - بضمِّ المهمَلة وكسر المعجَمة، أي: حَضَرَه الموت - أيَّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خيرَ أبٍ، قال: فإنّي لم أعمَل خيراً قَطّ، فإذا مُتّ فأحرِقوني، ثمَّ اسحَقوني، ثمَّ ذَرُوني)) بفتح أوَّله والتَّخفيف(١)، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((ثمَّ أذروني)» بزيادة همزة مفتوحة في أوَّله، فالأوَّل بمعنى: دَعُوني، أي: اترُكوني، والثّاني من قوله: أذْرَتِ الرّيحُ الشيءَ: إذا فَّقَته بهُوبها، وهو موافق لرواية أبي هريرة. قوله: ((في الرّيح)) تقدَّم ما في رواية حُذَيفة من الخلاف في هذه اللّفظة، وفي حديث أبي سعيد: ((في يوم عاصف)) أي: عاصفٍ ريحُه، وفي حديث معاذ عن شُعْبة عند مسلم: ((في ريح عاصف))(٢)، ووَقَعَ في حديث موسى بن إسماعيل (٣٤٥٢) في أوَّل الباب: ((حَتَّى إذا أكَلَتْ لحمي وخَلَصَتْ إلى عَظمي وامتُحِشت)) وهو بضمِّ المثنّاة وكسر المهمَلة بعدها شين مُعجَمة، أي: وَصَلَ الحرق العِظامَ، والمَحْش: إحراق النار الجِلدَ. قوله: ((فوالله لَئِن قَدَرَ الله عَلَيَّ) في رواية الكُشْمِيهني: ((لَئِن قَدَرَ عليَّ ربّي))، قال الخَطّابي: قد يُستَشكَل هذا، فيقال: كيف يُغفَر له وهو مُنكِر للبَعثِ والقُدرة على إحياء الموتى؟ والجواب أنَّه لم يُنكِرِ البَعث وإِنَّمَا جَهِلَ فظَنَّ أنَّه إذا فُعِلَ به ذلك لا يُعاد فلا يُعذَّب، وقد ظَهَرَ إيمانه باعترافه بأنَّه إنَّما فعلَ ذلك مِن خَشية الله. ٥٢٣/٦ قال ابن قُتَيبة: / قد يَغْلَط في بعض الصِّفات قومٌ من المسلمينَ فلا يَكفُرُونَ بذلك. ورَدَّه ابن الجوزي وقال: جَحْدُه صفةَ القُدرة كفرٌ اتِّفاقاً، وإنَّما قيل: إنَّ معنى قوله: ((لَئِن قَدَرَ الله عليَّ)) أي: ضَيَّقَ، وهي قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أي: ضُيِّقَ، وأمَّا قوله: ((لعلّي أَضِلُّ اللهَ)(٣) فمعناه: لعلّي أَفوتُه، يقال: ضَلَّ الشيءُ: إذا فاتَ وذهبَ، وهو (١) كذا ضبطه الحافظ رحمه الله مع أنه ضبط في اليونينية و((إرشاد الساري)) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، وضبطت فيهما رواية الكشميهني بوصل الألف. (٢) لفظ رواية معاذ عن شعبة عند مسلم (٢٧٥٧) (٢٧): واذروني في الريح، وإنما اللفظ المذكور لأبي عوانة عن قتادة عند ابن حبان (٦٤٩). (٣) أخرجه أحمد (٢٠٠٣٩)، وغيره من حديث معاوية بن حيدة. ٣١٩ باب ٥٤ / ح ٣٤٨١ كتاب أحاديث الأنبياء كقوله: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنَسَى﴾ [طه: ٥٢] ولعلَّ هذا الرجل قال ذلك من شِدَّة جَزَعه وخَوفِه، كما غَلِطَ ذلك الآخرُ فقال: ((أنتَ عبدي وأنا ربّك))(١)، أو يكون قوله: ((لَئِن قَدَّرَ عليَّ) بتشديد الدّال، أي: قَدَّرَ عليَّ أن يُعذِّبني لَيُعذِّبني، أو على أنَّه كان مُثبِتاً للصّانع وكان في زمن الفَترة، فلم تَبْلُغْه شرائط الإيمان. وأظهَر الأقوال أنَّه قال ذلك في حال دَهْشَته وغَلَبة الخوف عليه حتَّى ذهب تَعقُّلُه(٢) لمَا يقول، ولم يَقُله قاصداً لحقيقةِ معناه، بل في حالة كان فيها كالغافلِ والذّاهل والناسي الذي لا يُؤاخَذ بما يَصدُر منه، وأبعَد الأقوال قول مَن قال: إنَّه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر. قوله: ((فأمَرَ الله الأرض فقال: اجَمَعي ما فيكِ منه، ففَعَلَتْ)) وفي حديث سلمان الفارسي(٣) عند أبي عَوَانة في ((صحيحه)): ((فقال الله له: كُن، فكان كأسرَع من طَرْفة العين)) وهذا جميعه كما قال ابن عَقيل: إخبار عمَّا سيقعُ له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم: إنَّه خاطَبَ روحه، فإنَّ ذلك لا يناسب قوله: ((فجمعه الله)) لأنَّ التَّحريق والتَّفريق إنَّما وَقَعَ على الجسد، وهو الذي يُجمَع ويُعاد عند البعث. قوله: ((وقال غيره: خشیتك)) الغیر المذکور هو عبد الرَّزاق، کذا رواه (٢٠٥٤٨) عن مَعمَر بلفظ: ((خَشِيَتَك)) بدل (تَحَافَتَك))(٤)، وأخرجه أحمد (٧٦٤٧) عن عبد الرَّزّاق بهذا، وقد وَقَعَ في حديث أبى سعيد: ((تَحَافَتك))، وفي حديث حُذَيفة: ((خَشِيَتَك)). قوله في آخر حديث أبي سعيد: ((فتَلقَّاه رحمتَهَ)) في رواية الكُشْمِيهني: ((فتَلَافاه)) قال ابن التِّين: أمَّا تَلَقّاه بالقاف فواضح، لكن المشهور تعديَتُهُ بالباءِ، وقد جاء هنا بغير تَعدِيَة(٥)، (١) أخرجه مسلم (٢٧٤٧) من حديث أنس في قصة الذي انفلتت ناقته ثم عادت إليه. (٢) في (س): بعقله. والعَقْل والتعقُّل بمعنّى. (٣) أخرج البخاري حديث سلمان هذا بإثر حديث أبي سعيد في الرقاق (٦٤٨١) غير أنه لم يسُق لفظه. (٤) لفظه عند عبد الرزاق: ((خشيتك -أو قال: عقابك ـ)) ولفظه عند أحمد: ((خشيتك يا ربّ -أو مخافتك-)) فتنبّه. (٥) كذا وقعت رواية أبي ذر لابن التين والحافظ، وكذلك جاءت في هامش نسخة إسماعيل بن علي البقاعي = ٣٢٠ باب ٥٤ / ح ٣٤٨٠ - ٣٤٨٨ فتح الباري بشرح البخاري وعلى هذا فالرَّحمة منصوبة على المفعولية، ويحتمل أن يكون: ذِكْرُ الرَّحمة، وهي على هذا بالرفع، قال: وأمَّا ((تَلافاه)) بالفاءِ فلا أعرف له وجهاً إلّا أن يكون أصله فتَلَفَّفَه، أي: غَشّاه، فلمَّ اجتَمَعَت ثلاث فاءات أُبدِلَت الأخيرة ألفاً، مِثل ((دَسّاها)). كذا قال، ولا يخفى تكلُّفه، والذي يَظهَر أنَّه من الثُّلاثي، والقول فيه كالقولِ في التَّلقّي. وقد وَقَعَ في حديث سلمان: ((فما (١) تَلَافاه عندها أن غَفَرَ له)). ٣٤٨٠- حدّثنا (٢) عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّرَ قال: «كان رجلٌ يُدايِنُ الناسَ، فكان يقول لِفَتاه: إذا أتيتَ مُعْسِراً تجاوَزْ عنه، لعلَّ الله أن يَتَجاوَزَ عَنّا. قال: فَلَقِيَ اللهَ فتَجاوَزَ عنه)). ٣٤٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ بنِ أسماءَ، حدَّثنا جُوَبِرِيةُ بنُ أسماءَ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله وَلِ قال: ((عُذِّبَتِ امرأةٌ فِي هِرّةٍ رَبِطَتْها حتَّى ماتت فدَخَلَت فيها النارَ، لا هي أطْعَمَتْها ولا سَقَتْها إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خشاش الأرض)». ٣٤٨٣- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، عن زُهَيرٍ، حدَّثنا منصورٌ، عن رِبْعِيٍّ بنِ حِراشٍ، حدَّثنا أبو مسعودٍ عُقْبةُ، قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ ممّا أدَرَكَ الناسُ من كلام النُّبوّةِ: إذا لم تَسْتَخْي فافعلْ ما شئت)». [طرفاه في: ٣٤٨٤، ٦١٢٠] ٣٤٨٤- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، قال: سمعتُ رِبْعِيَّ بنَ حِراشٍ يُحدِّثُ عن أبي مسعودٍ، قال النبيُّ نَّه: ((إنَّ ممَّ أدرَكَ الناسُ من كلام النُّبوّة: إذا لم تَسْتَحْيٍ فاضْنَعْ = أنَّ رواية أبي ذر بغير تعدية. وأما في اليونينية وشرح القسطلاني فقد جاءت معدّاة بالباء، دون خلاف! (١) تحرفت في (س) إلى: مما. وانظر شرح الحافظ للحديث (٦٤٨١) في توجيه: ((ف)). (٢) هذا الحديث جاء في اليونينية متقدماً على الحديث (٣٤٨١)، ونحن أثبتناه هنا على ترتيب الحافظ في شرحه.