Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ باب ٣١ / ح ٣٤٠٨ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((فأخبَرَه الذي كان من أمرِ المسلم)) زاد في رواية إبراهيم بن سعدٍ: «فدَعا النبيُّ ګ المسلم فسأله عن ذلك فأخبره»، وفي رواية ابن الفضل: «فقال-أي: اليهودي -: يا أبا القاسم، إنَّ لِي ذِمَّةً وعَهداً، فما بالُ فلانٍ لَطَمَ وجهي؟ فقال: لِمَ لَطَمْتَ وجهَه؟ - فذكره - فَغَضِب النبيِوَِّ حَتَّى رُئِيَ في وجهه)»، وفي حديث أبي سعيدٍ: ((فقال: ادعوه - أي: فجاءَ - فقال: أضربتَه؟ قال: سمعته بالسّوقِ يَحِلِف)) فذكر القصَّةَ. قوله: ((لا تُخُيِّروني على موسى)) في رواية ابن الفضل: ((فقال: لا تُفضِّلوا بين أنبياءِ الله))، وفي حديث أبي سعيدٍ: ((لا تُخُيِّروا بين الأنبياء)). قوله: ((فإنَّ الناسَ يُصْعَقونَ فأكونُ أوَّلَ مَن يُفيق)) في رواية إبراهيم بن سعدٍ (١): ((فإنَّ الناسَ يَصعَقونَ يومَ القيامة فأَصعَقُ معهم، فأكونُ أوَّلَ مَن يُفيق))، لم يُبيِّن في رواية الزُّهْري من الطَّريقَين مَحَلَّ الإفاقة من أيِّ الصَّعقَتَين، ووَقَعَ في رواية عبد الله بن الفضل: ((فإنَّه يُنفَعُ في الصُّورِ فِيَصعَقُّ مَن فِي السَّماواتِ ومَن في الأرضِ إلّا مَن شاءَ الله، ثمَّ يُنفَعُ فيه أُخرى فأكونُ أوَّلَ مَن بُعِثَ))، وفي رواية الكُشْمِيهني: ((أوَّلُ مَن يُبعَث))، والمرادُ بالصَّعْق غَشْيٌ يَلحَقُ مَن سمعَ صوتاً أو رأى شيئاً يُفزَعُ منه. وهذه الرّوايةُ ظاهرةٌ في أنَّ الإفاقةَ بعدَ النَّفَخَة الثّانية، وأصرَحُ من ذلك روايةُ الشَّعبي عن أبي هريرة في تفسير الزُّمَرِ (٤٨١٣) بلفظ: ((إنّي أوَّلُ مَن يَرفَعُ رأسَه بعدَ النَّفْخَة الأخيرة))، وأمَّا ما وَقَعَ في حديث أبي سعيدٍ: ((فإنَّ الناسَ يَصعَقونَ يومَ القيامة فأكونُ أوَّلَ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرض))، كذا وَقَعَ بهذا اللَّفْظِ في كتاب الإشخاص (٢٤١٢)، ووَقَعَ في غيرها (٣٣٩٨): ((فأكونُ أوَّلَ مَن يُفِيق))، وقد استُشكِلَ، وجَزَمَ المِّي فيما نَقَلَه عنه ابن القَيِّم في ((كتاب الرُّوح): أنَّ هذا اللَّفظَ وهمٌ من راويه، وأنَّ الصَّوابَ ما وَقَعَ في رواية غيره: ((فأكونُ أوَّلَ مَن يُفيق)) وأَنَّ كَونَه ◌َّهِ أَوَّلَ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ صحيحٌ، لكنَّه في حدیثٍ آخرَ لیس فیه قصَّةُ موسى، انتهى. (١) التي في الإشخاص برقم (٢٤١١). ١٦٢ باب ٣١ / ح ٣٤٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ويُمكِنُ الجمعُ بأنَّ النَّفْخَةَ الأولى يَعقُبُها الصَّعقُ من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم، وهو الفَزَعُ كمَا وَقَعَ في سورة النَّملِ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن ◌ِ اُلْأَرْضِ﴾ [النمل:٨٧] ثمَّ يَعُقُبُ ذلك الفَزَعُ للموتى زيادةً فيما هم فيه وللأحياءِ موتاً، ثمَّ يُنفَعُ الثّانيةَ للبعثِ فِيُفِيقونَ أجْمَعِينَ، فمَن كان مقبوراً انشَقَّت عنه الأرضُ فخَرَجَ من قبره، ومَن ليس بمقبورٍ لا يَحتاجُ إلى ذلك. وقد ثَبَتَ أنَّ موسى مَمَّن قُبِرَ في الحياة الدُّنيا، ففي ((صحيح مسلم)) (١٦٤/٢٣٧٥) عن أنسٍ أنَّ النبي ◌َّه قال: ((مَرَرتُ على موسى ليلةَ أُسرِيَ بي عند الكَثيبِ الأحمرِ، وهو قائمٌ يُصَلّي في قبره))، أخرجه عَقِبَ حديث أبي هريرة وأبي سعيدِ المذكورَين، ولعلَّه أشارَ بذلك إلى ما قَرَّرتُه. وقد استُشكِّلَ كَونُ جميع الخلق يَصعَقونَ مع أنَّ الموتى لا إحساسَ لهم، فقيل: المرادُ أنَّ الذينَ يَصعَقونَ هم الأحياء، وأمَّ الموتى فهم في الاستثناءِ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَاءَ اللّهُ﴾ [النمل: ٨٧]، أي: إلّا مَن سَبَقَ له الموتُ قبلَ ذلك فإنَّه لا يَصعَق، وإلى هذا جَنَحَ القُرطُبي، ولا يعارضُه ما وَرَدَ في هذا الحديث أنَّ موسى ممَّن استثنى اللهُ؛ لأنَّ الأنبياءَ أحياءٌ عند الله وإن كانوا في صورة الأموات بالنّسبة إلى أهلِ الدُّنيا، وقد ثَبَتَ ذلك للشُّهَداء، ولا شَكَّ أنَّ الأنبياءَ أرفَعُ رُتبةً من الشُّهَداءِ، ووَرَدَ النَّصريحُ بأنَّ الشُّهَداءَ ممَّن استثنى الله، أخرجه إسحاقُ بنُ راهويه وأبو يَعْلى من طريق زيد بن أسلمَ عن أبيه عن أبي هريرة(١). ٤٤٥/٦ وقال عياضٌ: يحتملُ أن يكونَ المرادُ صَعْقةَ فزعِ بعدَ البَعثِ حينَ تَنشَقُّ/ السماءُ والأرض، وتَعقَّبَه القُرطُبي بأنَّه صَرَّحَ بَّهِ بأنَّه حينَ يَخْرُجُ من قبره يلقى موسى وهو مُتَعلّقٌ بالعرشِ، وهذا إنَّما هو عند نَفْخة البَعْث. انتهى، ويَرُدُّه قوله صريحاً كما تقدَّم: ((إنَّ الناسَ يَصعَقونَ فَأَصعَقُ معهم)) إلى آخرِ ما تقدَّم، قال: ويُؤيِّدُه أَنَّه عَبَّرَ بقوله: ((أَفاقَ)) لأنَّه (١) وأخرجه أيضاً الحاكم في ((المستدرك)) ٢/ ٢٥٣ من طريق عمر بن محمد - وهو ابن زيد بن عبد الله بن عمر - عن زيد بن أسلم به، وصحح إسناده، وهو كما قال، ولفظ الحديث: أن النبي و # سأل جبريل عن هذه الآية: ﴿وَنُفِيخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] مَن الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: هم شهداء الله عز وجل. ١٦٣ باب ٣١ / ح ٣٤٠٨ كتاب أحاديث الأنبياء إِنَّما يقال: أفاقَ من الغَشْي، وبُعِثَ من الموت، وكذا عَبَّرَ عن صَعْقة الطَّور بالإفاقة؛ لأنَّها لم تكن موتاً بلا شكٌّ، وإذا تَقرَّرَ ذلك كلُّه ظَهَرَ صِحَّةُ الْحَملِ على أنَّهَا غَشِيَةٌ تَحصُلُ للنّاس في الموقف. هذا حاصلُ كلامه وتَعقُّبِهِ. قوله: ((فأكونُ أوَّلَ مَن يُفيق)) لم تَّخْتَلِفِ الرِّواياتُ في ((الصحيحين)) في إطلاق الأوَّلية، ووَقَعَ في رواية إبراهيمَ بن سعدٍ عند أحمد (٧٥٨٦) والنَّسائي (ك٧٧١٠ , ١١٣٩٣): «فأكونُ في أوَّل مَن يُفيق) أخرجه أحمدُ عن أبي كاملٍ، والنَّسائي من طريق يونُسَ بن محمَّدٍ، كلاهما عن إبراهيمَ، فَعُرِفَ أَنَّ إطلاقَ الأوَّلية في غيرها محمولٌ عليها، وسببُه التردُّدُ في موسى عليه السلام كما سيأتي، وعلى هذا يُحِمَلُ سائرُ ما وَرَدَ في هذا الباب، كحديث أنسٍ عند مسلمٍ(١) رَفَعَه: ((أنا أوَّلُ مَن تَنشَقُّ عنه الأرض))، وحديث عبد الله بن سَلَامِ عند الطبراني (١٤٩٨٢). قوله: ((فإذا موسى باطٌ بجانبِ العَرْش)) أي: آخِذٌ بشيءٍ من العَرشِ بقوَّةٍ، والبَطْشُ: الأخذُ بقوّةٍ، وفي رواية ابن الفضل(٢): ((فإذا موسى آخِذٌ بالعَرش))، وفي حديث أبي سعيدٍ(٣): ((آخِذٌ بقائمةٍ من قوائمِ العَرش))، وكذا في رواية محمَّدٍ بن عمرو عن أبي سَلَمةً عن أبي هريرة(٤). قوله: ((فلا أدري أكان ممَّن صَعِقَ فَأَفاقَ قبلي، أو كان ممَّن استَثْنِى اللهُ﴾ أي: فلم يكن ممَّن صَعِقَ، أي: فإن كان أفاقَ قبلي فهي فضيلةٌ ظاهرةٌ، وإن كان مَمَّن استثنى اللهُ فلم يَصعَق، فهي فضيلةٌ أيضاً. ووَقَعَ في حديث أبي سعيدٍ: «فلا أدري كان فيمَن صَعِقَ - أي: فأفاقَ قبلي - أم حُوسِبَ بصَعقَتِهِ الأولى)) أي: التي صَعِقَها لمَّا سأل الرُّؤيةَ، وبيَّن ذلك ابن (١) كذا نسبه الحافظ إلى مسلم من حديث أنس فوهمَ، وإنما هو عند مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة لكن بلفظ: ((أول من ينشقُّ عنه القبر))، وأما حديث أنس فعند أبي يعلى (٤٣٠٥) وبنحوه عند أحمد (١٢٤٦٩). (٢) ستأتي برقم (٣٤١٤). (٣) سلف برقم (٢٤١٢). (٤) عند الترمذي (٣٢٤٥)، وابن ماجه (٤٢٧٤). ١٦٤ باب ٣١ / ح ٣٤٠٨ فتح الباري بشرح البخاري الفضل في روايتِهِ بلفظ: ((أحُوسِبَ بصَعقَتِهِ يومَ الطَّور)»، والجمعُ بينه وبين قوله: ((أو كان ثَمَّن استثنى الله))، أنَّ في رواية ابن الفضل وحديث أبي سعيدٍ بيانَ السَّبَبِ في استثنائه، وهو أنَّه حُوسِبَ بصَعقَتِه يومَ الطّور فلم يُكلَّف بصعقةٍ أُخرى. والمرادُ بقوله: ((ممّن استثنى الله)) قوله: ﴿إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾، وأغرَبَ الدّاوودي الشّارُ فقال: معنى قوله: ((استثنى اللهُ﴾ أي: جعله ثانياً لي، كذا قال، وهو غَلَطُ شَنيعٌ. وقد وَقَعَ في مُرسَلِ الحسن في كتاب ((البَعْث)) لابن أبي الدُّنيا في هذا الحديث: ((فلا أدري أكان مَمَّن استَثنى اللهُ أن لا تُصِيبَه النَّفْخَةُ، أو بُعِثَ قبلي)). وزَعَمَ ابن القَيِّم في كتاب ((الرُّوح)) أنَّ هذه الرّوايةَ، وهو قوله: ((أكان مَمَّن استثنى الله))، وهمٌّ من بعضِ الرُّواة، والمحفوظُ: ((أو جُوزيَ بصَعقة الطّور))، قال: لأنَّ الذينَ استَئنى الله قد ماتوا من صعقة النَّفْخَة، لا من الصَّعقة الأُخرى، فظَنَّ بعضُ الزُّواة أنَّ هذه صَعقةٌ النَّفْخَة، وأنَّ موسى داخلٌ فيمَن استَثنى الله، قال: وهذا لا يَلْتَئِمُ على سياق الحديث، فإنَّ الإفاقة حينئذٍ هي إفاقةُ البَعْث، فلا يَحسُنُ التردُّدُ فيها، وأمَّا الصَّعقةُ العامَّةُ فإنَّهَا تَقَعُ إذا جمعهم الله تعالى لفصل القضاءِ فيَصعَقُّ الخلقُ حينئذٍ جميعاً إلّا مَن شاءَ الله، ووَفَعَ التردُّدُ في موسى عليه السلام. قال: ويدلُّ على ذلك قوله: ((وأكونُ أوَّلَ مَن يُقيق))، وهذا دالٌّ على أنَّه مَّنْ صَعِقَ، وتَرَدَّدَ في موسى هل صَعِقَ فأفاقَ قبلَه أم لم يَصعَق؟ قال: ولو كان المرادُ الصَّعقةَ الأولى، لَلَزِمَ أن يكونَ النبيِ﴿ِ جَزَمَ بأنَّه ماتَ، وتَرَدَّدَ في موسى هل ماتَ أم لا، والواقعُ أنَّ موسى قد كان ماتَ لمَا تقدَّم من الأدلَّة، فدَلَّ على أنَّهَا صَعقةُ فَزَع لا صَعقةُ موتٍ، والله أعلم. ووَقَعَ في رواية محمَّدٍ بن عَمْرٍو عن أبي سَلَمَةَ عند ابن مَرْدويه: ((أنا أوَّلُ مَن تَنشَقُّ عنه الأرضُ يومَ القيامة، فأنفُضُ التُّرابَ عن رأسي، فآتي قائمةَ العَرشِ فَأَجِدُ موسى قائماً عندها، فلا أدري أنفَضَ التُّرابَ عن رأسِه قبلي، أو كان ممَّن استثنى الله))، ويَحَتَمِلُ قوله في هذه الرّواية: ((أَنْفَضَ الثُّرابَ قبلي)) تجويزَ المعيّة في الخروجِ من القيرِ، أو هي كِنايةٌ عن الخروجِ ١٦٥ باب ٣١ / ح ٣٤٠٩ - ٣٤١٠ كتاب أحاديث الأنبياء ٤٤٦/٦ من القبرِ، وعلى كلِّ تقديرٍ ففيه فضيلةٌ لموسى كما/ تقدَّم. تكميلٌ: زَعَمَ ابن حَزْمِ أنَّ النَّفَخات يومَ القيامة أربعٌ: الأولى: نَفْخةُ إماتةٍ يموتُ فيها مَن بقي حَيّاً في الأرضِ، والثّانيةُ: نَفْخةُ إحياءٍ يقومُ بها كلُّ مَيِّتٍ ويُشَرونَ من القُبورِ ويُجمَعونَ للحِساب، والثّالثةُ: نَفْخَةُ فَزَعِ وصَعِقٍ يُفيقونَ منها كالمَغْشِّ عليه لا يموتُ منها أحدٌ، والرّابعةُ: نَفْخةُ إفاقةٍ من ذلك الغَشْي. وهذا الذي ذكره من كَونِ الثِّتَين أربعاً ليس بواضحٍ، بل هما نَفخَتان فقط، ووَقَعَ التَّغايُرُ في كلِّ واحدةٍ منهما باعتبار مَن يَستَمِعُهما، فالأولى: يموتُ بها كلُّ مَن كان حَيّاً ويُغشَى على مَن لم يَمُتِ مَمَّن استثنى الله، والثّانيةُ: يعيشُ بها مَن ماتَ ويُفيقُ بها مَن غُشِيَ عليه، والله أعلم. قال العلماء في تَهِهِ وَّهِ عن التَّفضيلِ بين الأنبياء: إنَّما نَهى عن ذلك مَن يقوله برأيه، لا مَن يقوله بدليلٍ، أو مَن يقوله بحيثُ يُؤَدّي إلى تنقيصِ المفضولِ، أو يُؤَدّي إلى الخصومة والتَّنَازُع، أو المرادُ: لا تُفضِّلوا بجميع أنواع الفضائلِ بحيثُ لا يُتْرَكُ للمفضولِ فضيلةٌ، فالإمامُ مثلاً إذا قلنا: إنَّه أفضل من المؤذِّن، لا يَستَلِزِم نقص فضيلة المؤَذِّن بالنّسبة إلى الأذان، وقيل: النَّهي عن التَّفضيل إنَّما هو في حَقّ النبوّة نفسها، كقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ولم يَنهَ عن تفضيل بعض الذّوات على بعض، لقوله: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٣]. وقال الحَلِيمي: الأخبار الواردة في النَّهي عن التَّخيير إنَّما هي في مُجادَلة أهل الكتاب، وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايَرة، لأنَّ المخايرة إذا وَقَعَت بين أهل دينَين لا يُؤْمَنُ أن يَخْرُج أحدُهما إلى الإزراء بالآخرِ فيُقضي إلى الكفر، فأمَّا إذا كان التَّخيير مُستَئِداً إلى مُقابلة الفضائل لتحصيلِ الرُّجْحان، فلا يَدخُلُ في النَّهي، وسيأتي مزيدٌ لذلك في قصَّة يونس إن شاء الله تعالى (٣٤١٤). ٣٤٠٩- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مُميدٍ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((احتَجَّ آدمُ وموسى، فقال له ١٦٦ باب ٣٢ / ح ٣٤١١ فتح الباري بشرح البخاري موسى: أنتَ آدمُ الذي أخرَ جَنْكَ خَطِيتُكَ مِن الجنَّةِ، فقال له آدمُ: أنتَ موسى الذي اصْطَفَاكَ اللهُ بِسالاتِهِ وبِكلامِه، ثمَّ تَلُومُّني على أمرٍ قُدِّرَ عليَّ قبلَ أن أُخْلَقَ؟)) فقال رسولُ اللهِوَّ: «فحَجَّ آدمُ موسی) مرَّتَین. [أطرافه في: ٤٧٣٦، ٤٧٣٨، ٦٦١٤، ٧٥١٥] ٣٤١٠ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حُصَينُ بنُ نُمَير، عن حُصَين بنِ عبدِ الرحمن، عن سعيدِ بنِ مُجُبَير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: خَرَجَ علينا النبيُّ نَّهِ يوماً، قال: ((عُرِضَت عليَّ الأُمَمُ، ورأيتُ سواداً كثيراً سَدَّ الأُفُقَ، فقيل: هذا موسى في قومِه)). [أطرافه في: ٥٧٠٥، ٥٧٥٢، ٦٤٧٢، ٦٥٤١] الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: ((احتَجَّ آدم وموسى))، سيأتي شرحه في كتاب القَدَر (٦٦١٤)، والغرض منه شهادة آدم لموسى أنَّ الله اصطَفاه. تنبيه: قوله: (ثُمَّ تَلومُني)) كذا للأكثر بالمثلَّئة والميم المشدَّدة، ووَقَعَ للأَصِيلي والمُستَمْلي بالموحّدة وتخفيفِ المیم. الحديث الرابع: حديث ابن عبّاس في عرض الأُمَم، أورَدَه مختصراً، وسيأتي بتمامه مع شرحه في الرِّقاق (٦٥٤١) إن شاء الله تعالى، وفيه أنَّ أمَّةَ موسى أكثرُ الأُمَم بعدَ أمَّة محمَّدٍ وَّه. ٣٢- باب قولِ الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ﴾ [التحريم: ١١-١٢] ٣٤١١- حدَّثنا يحيى بنُ جعفرٍ، حدَّثنا وَكِيعٌ، عن شُعْبَةَ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، عن مُرّةَ الهَمْدانيِّ، عن أبي موسى ﴾، قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((كَمُلَ مِن الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولم يَكمُلْ مِن النِّساءِ إلا آسِيةُ امرأةٌ فِرْعَونَ، ومريمُ بنتُ عِمْرانَ، وإنَّ فضلَ عائشةَ على النِّساءِ، كَفَضْلٍ الثَّرِيدِ على سائرِ الطَّعام)». [أطرافه في: ٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨] ١٦٧ باب ٣٢ / ح ٣٤١١ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ إِلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ﴾)) كذا للأكثر، وسقط من رواية أبي ذرِّ ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾، والغرض من هذه التَّرجمة ذِكْر آسية: وهي بنت مُزاحِم امرأة فِرِعَون، قيل: إنَّها من بني إسرائيل، وإنَّهَا عَمَّة موسى، وقيل: إنَّها من العَماليق، وقيل: ابنة عَمّ فِرِعَون. وأمَّا مريم فسيأتي ذِكْرِها مُفرَداً بعدُ(١). قوله: ((عن عَمْرو بن مُرَّةٍ عن مُرَّة الهَمْداني)» مُرَّة والد عَمْرو غير مُرَّة شيخه، وهو عَمْرو ابن مُرَّة بن عُبيد الله بن طارق الجَمَلي - بفتح الجيم والميم - المرادي، ثقةٌ عابد من صِغار التابعينَ،/ وقد وَقَعَ في الأطعمة (٥٤١٨): عَمْرو بن مَُّّة الْجَمَلي، وأمَّا شيخه مُرَّة: فهو ابن ٤٤٧/٦ شَرَاحيل، مُضرَم ثقة عابد أيضاً من كبار التابعينَ، يقال له: مُرَّة الطيِّب، ومُرَّة الخير. قوله: ((کَمُلَ» بضمِّ الميم وبفتحِها. قوله: ((ولم يَكُل من النِّساء إلّا آسيةُ امرأةٌ فِرْعَون ومريمُ بنت عِمْران)) استُدِلَّ بهذا الحَصْرِ على أنَهما نبيّتان، لأنَّ أكمَلَ النَّوع الإنساني الأنبياء ثمَّ الأولياء والصِّدّيقونَ والشُّهَداء، فلو كانتا غير نبيّتَيَن لَّلَزِمَ ألّا يكون في النِّساء وليّةً ولا صِدّيقة ولا شهيدة، والواقع أنَّ هذه الصِّفات في كثير منهنَّ موجودة، فكأنَّه قال: ولم يُنبَّأ من النِّساء إلّا فلانة وفلانة، ولو قال: لم تَثبُت صفة الصِّدّيقية أو الولاية أو الشَّهادة إلّا لفلانةَ وفلانة، لم يَصِحَّ، لوجودِ ذلك في غيرهنَّ، إلّا أن يكون المراد في الحديث كمالَ غير الأنبياء، فلا يَتِمُّ الدَّليل على ذلك لأجلِ ذلك، والله أعلم. وعلى هذا فالمراد مَن تَقَّدَّم زمانَه بَّهِ، ولم يَتعرَّض لأحدٍ من نساء زمانه إلّا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضليّة عائشة رضي الله عنها على غيرها، لأنَّ فضل الثَّريد على غيره من الطَّعام إِنَّما هو لما فيه من تيسير المؤنة، وسُهولة الإساغة، وكان أجَلَّ أطعِمَتهم يومئذٍ، وكلُّ هذه الخِصال لا تَستَلِزِمِ ثُبُوتَ الأَفضلية له من كلّ جِهَة، فقد يكون مفضولاً بالنّسبة (١) في الباب رقم (٤٨). ١٦٨ باب ٣٢ / ح ٣٤١١ فتح الباري بشرح البخاري لغيره من چهات أُخرى. وقد وَرَدَ في هذا الحديث من الزّيادة بعد قوله: ((ومريم ابنة عمران)): ((وخديجة بنت خَوَيلِد وفاطمة بنت محمَّد))، أخرجه الطبراني عن يوسف بن يعقوب القاضي عن عَمْرو ابن مرزوق عن شُعْبة بالسَّنَدِ المذكور هنا(١)، وأخرجه أبو نُعَيم في ((الحِلية)) (٩٩/٥) في ترجمة عَمْرو بن مُرَّة أحد رواته عند الطبراني بهذا الإسناد (٢)، وأخرجه الثَّعلَبي في ((تفسيره)) من طريق عَمْرو بن مرزوق به، وقد وَرَدَ من طريق صحيح ما يقتضي أفضليَّةَ خديجة وفاطمة على غيرهما، وذلك فيما سيأتي في قصَّة مريم من حديث عليّ (٣٤٣٢) بلفظ: ((خيرُ نسائها خديجة))، وجاء في طريق أُخرى ما يقتضى أفضلية خديجة وفاطمة، وذلك فيما أخرجه ابن حِبّان (٧٠١٠) وأحمد (٢٦٦٨) وأبو يَعْلى (٢٧٢٢) والطبراني وأبو داود في كتاب ((الزُّهد)) والحاكم (١٨٥/٣) كلّهم من طريق موسى بن عُقْبة عن كُرَيب عن ابن عبَّاس(٣) رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَله: ((أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون)، وله شاهد من حديث أبي هريرة في ((الأوسط)) للطَّبَراني (٧٤٢٨)، ولأحمد (١١٦١٨) في حديث أبي سعيد رَفَعَه: («فاطمة سَيِّدة نساء أهل الجنَّة إلّا ما كان من مريم بنت عمران))، وإسناده حسن، وإِن ثَبَتَ ففيه حُجَّة لمن قال: إنّ آسية امرأة فِرعَون ليست نبيّةً، وسيأتي في مناقب فاطمة قوله وَالآ لها: ((إنَّهَا سَيِّدة نساء أهل الجنَّة))(٤) مع مَزِيد بسطٍ لهذه المسألة هناك إن شاء الله تعالى، ويأتي في الأطعمة (٥٤١٨) زيادة فيما يتعلَّق بالفَّرید. (١) وهمَ الحافظُ ابن حجر رحمه الله في عزو هذه الزيادة إلى الطبراني، فالحديث عنده في ((المعجم الكبير)) ٢٣/ (١٠٦) بهذا الإسناد لكن من دون الزيادة المذكورة، وإنما هي عند الطبري في («تفسيره)) ٢٦٣/٣ عن المثنى بن إبراهيم عن آدم بن أبي إياس عن شعبة به، وشيخ الطبري لم نقف له على ترجمة. (٢) ولم يذكر فيه الزيادة أيضاً. (٣) كلهم رووه من طريق عِلباء عن عكرمة عن ابن عباس، غير الطبراني فقد أخرجه في ((الكبير)) (١٢١٧٩) و((الأوسط)) (١١٠٧) من طريق إبراهيم بن عقبة - وليس موسى بن عقبة-عن کریب به. (٤) تحت باب: مناقب قرابة رسول الله وَّي، بين يدي الحديث رقم (٣٧١١). ١٦٩ باب ٣٣ كتاب أحاديث الأنبياء قال القُرطُبي: الصَّحيح أنَّ مريم نبيّة، لأنَّ الله تعالى أَوحى إليها بواسطة الملَك، وأمَّا آسية فلم يَرِدْ ما يدلُّ على نُبِوَّتها. وقال الكِرْماني: لا يَلزَم من لفظة الكمال ثبوتُ نُبوَّتها، لأنَّه يُطلَق لتمام الشيء وتَناهِيه في بابه، فالمراد بُلوغُها النّهايةَ في جميع الفضائل التي للنِّساء، قال: وقد نُقِلَ الإجماع على عَدَمِ نُبوَّة النِّساء. كذا قال، وقد نُقِلَ عن الأشعَري أنَّ من النِّساء من نُبِّىَ، وهُنَّ ستُّ: حَوّاء وسارة وأُمّ موسى وهاجَر وآسية ومريم، والضّابط عنده أنَّ مَن جاءه الملَك عن الله بحُكم من أمر أو نَهي أو بإعلام ممّاً سيأتي، فهو نبيّ، وقد ثَبَتَ مجيء الملَك لهؤلاءٍ بأُمور شَتَّى من ذلك من عند الله عزَّ وجلّ، ووَقَعَ التَّصريح بالإيحاءِ لبعضِهِنَّ في القرآن. وذَكَر ابن حَزْم في ((الِلَل والنِّحَل)) أنَّ هذه المسألة لم يَحدُث التَّنَازُع فيها إلّا في عصره بقُرطُبة، وحَكَى عنهم أقوالاً ثالثها الوَقْف، قال: وحُجَّة المانعينَ قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَزْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩] قال: وهذا لا حُجَّة فيه، فإنَّ أحداً لم يَدَّع فيهِنَّ الرّسالة، وإنَّما الكلام في النبوَّة فقط. قال: وأصرَحُ ما وَرَدَ في ذلك قصَّة مريم، وفي قصَّة أمّ موسى ما يدلّ على ثُبوت ذلك لها من مُبادَرَتها بإلقاءٍ/ ولدها في البحر بمُجرَّدِ الوحي إليها بذلك، ٤٤٨/٦ قال: وقد قال الله تعالى بعد أن ذكر مريمَ والأنبياء بعدها: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِنَ﴾ [مريم: ٥٨] فدَخَلَت في عمومه، والله أعلم. ٠٠ ومن فضائل آسيةَ امرأة فِرِعَون أنَّها اختارَت القتل على المُلْك، والعذابَ في الدُّنيا على النَّعيم الذي كانت فيه، وكانت فِراسَتُها في موسى عليه السلام صادِقة حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِ﴾ [القصص: ٩]. ٣٣- باب ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى﴾ الآية [القصص: ٧٦] ﴿لَثَنُواْ﴾: لَتُقِلُ. قال ابنُ عبَّاسِ: ﴿أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾: لا يرفعُها العُصْبةُ مِن الرِّجال، يقال: ﴿اٌلْفَرِحِينَ﴾: المَرِحِينَ. ١٧٠ باب ٣٣ فتح الباري بشرح البخاري ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٨٢] مِثلُ: ألم تَرَ أَنَّ اللهَ ﴿يَسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ ... وَيَقْدِرُ﴾: ويُوسِّعُ علیه ويُضَيِّق. قوله: «باب ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى ﴾ الآية)) هو قارون بن یصفد بن یصهر ابنُ عَمّ موسى، وقيل: كان عَمَّ موسى، والأوَّل أصحّ، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عبّاس: أنَّه كان ابنَ عمّ موسى. قال: وكذا قال قَتَادة وإبراهيم النَّخَعي وعبد الله بن الحارث وسماك بن حَرْب. واختُلِفَ في تفسير بَغْي قارون فقيل: الحَسَد، لأنَّه قال: ذهب موسى وهارون بالأمرِ فلم يَبَقَ لي شيء. وقيل: إنَّه والطَأً امرأةً من البَغَايا أن تَقْذِفَ موسى بنفسِها، فأهَمَها الله أن اعتَرَفَت بأنَّه هو الذي حَمَلَها على ذلك. وقيل: الكِبْر، لأنَّه طَغى بكَثْرة ماله. وقيل: هو أوَّل مَن أطالَ ثيابه حتَّى زادت على قامَته شِبراً. قوله: ((﴿لَثَنُواْ﴾: لَتُثْقِل)) هو تفسير ابن عبّاس أورَدَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ يقول: تُثْقِل(١). قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿أُوْلِ الْقُوَّةِ﴾: لا يرفعُها العُصْبة من الرِّجال)) واختُلِفَ في العُصبة، فقيل: عشرة، وقيل: خمسة عشر، وقيل: أربعونَ، وقيل: من عشرة إلى أربعينَ. قوله: (الفَرِحِينَ: المَرِحِينَ)) هو تفسير ابن عبّاس أورَدَه ابن أبي حاتم أيضاً من طريق ابن أبي طلحة عنه في قوله: ﴿إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: المَرِحِينَ، والمعنى: أنَّهم يَبطَرونَ فلا يَشكُرونَ الله علی نِعَمه. قوله: ((﴿وَيْكَأَنَ اَللَّهَ﴾ مِثْلُ: ألم تَرَ أنَّ اللهَ) هو قول أبي عبيدة، واستَشهَدَ بقولِ الشّاعر(٢): (١) انظر لزاماً ((زاد المسير)) ٦/ ٢٤٠. (٢) قيل: هو زيد بن عمرو بن نفيل، وقيل: نُبيه بن الحجاج السَّهمي. انظر ((خزانة الأدب)) للبغدادي ٤١٥/٦. ١٧١ باب ٣٣ كتاب أحاديث الأنبياء وَيْكأنْ مَن يَكُنْ له نَشَبٌ يُح ◌ِبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عِيشَ ضُرِّ وذهب قُطُرُب إلى أنَّ ((وَيْ)) كلمة تَفَجُّع و((كأنَّ) حرف تشبيه، وعن الفَرّاء: هي كلمة موصولة. قوله: ((﴿يَبَسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ ... وَيَقْدِرُ﴾: يُوسِّعُ عليه ويُضَيِّق)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾: يوسِّع ويُكثِرِ، وفي قوله: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ هو مِثل قوله: ﴿وَمَنْ قُّدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضاقَ. تنبيه: لم يَذْكُر المصنِّف في قصَّة قارون إلّا هذه الآثار، وهي ثابتة في رواية المُستَمْلي والگُشْمِيهني فقط. وقد أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح(١) عن ابن عبّاس قال: كان موسى يقول لبني إسرائيل: إنَّ الله يأمرُكم بكذا، حتَّى دَخَلَ عليهم في أموالهم فشَقَّ ذلك على قارونَ، فقال لبني إسرائيل: إنَّ موسى يقول: مَن زَنى رُجِمَ، فتعالَوْا نَجعَلْ لِبَغِيٍّ شيئاً حتَّى تقول: إنَّ موسى فعلَ بها، فيُرجَم فَتَستَريح منه، ففَعَلوا ذلك، فلمَّا خَطَبَهم موسى قالوا له: وإن كنتَ أنتَ؟ قال: وإن كنت أنا. فقالوا: فقد زَنَيتَ، فجَزِعَ، فأرسَلوا إلى المرأة فلمَّا جاءت عَظُمَ عليها موسى، وسألها بالذي فَلَقَ البحر لبني إسرائيل إلّا صَدَقَتْ، فَأَقَرَّت بالحقِّ، فخَرَّ موسى ساجِداً يبكي، فأوحى الله إليه: إنّ أمَرتُ الأرض أن تُطيعَك، فأَمُرها/ بما ٤٤٩/٦ شئت، فأمَرَها فخَسَفَت بقارونَ ومَن معه. وكان من قصَّة قارون أنَّه حَصَّلَ أموالاً عظيمة جدّاً حتَّی قیل: كانت مفاتیح خزائنه من جُلودٍ تُحمَل على أربعينَ بَغلاً، وكان يَسكُن ◌ِنِيسَ، فحُكِيَ أنَّ عبد العزيز الجَرَويّ(٢) ظَفِرَ ببعضٍ كُنوز قارون وهو أمير على تِنِّيسَ، فلمَّا ماتَ تأمَّرَ ابنه عليّ مكانه وتَوَرَّعَ ابنه الحسن بن عبد العزيز عن ذلك، فيقال: إنَّ عليّاً كَتَبَ إلى أخيه الحسن: إنّي استَطَبتُ لك (١) بل أحسن أحواله أن يكون حسناً، وهو عند ابن أبي حاتم في ((التفسير)) ٩/ ٣٠٠٥. (٢) تحرف في (س) إلى: الحروري، والتصويب من (أ) و(ع)، وقد سلف ضبط هذا الحرف عند الحديث (١٣٠٣). ١٧٢ باب ٣٤ فتح الباري بشرح البخاري من مال أبيك مئة ألف دينار فخُذها، فقال: أنا تَرَكت الكثير من ماله لأنَّه لم يَطِبْ لي، فكيف آخُذُ هذا القليل؟ وقد روى البخاري في هذا ((الصَّحيح)) عن الحسن بن عبد العزيز هذا. ٣٤- باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]: إلى أهلِ مَدْينَ، لأنّ مدينَ بلدٌ ومِثلُه: ﴿ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، واسألِ العِيرَ؛ يعني: أهلَ القَرْيَةِ، وأهلَ العِير. ﴿وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود:٩٢]: لم يَلْتَقِتوا إليه، يقال إذا لم تَقْضِ حاجَتَه: ظَهَرْتَ حاجَتي، وجَعَلْتَنِي ظِهْرِيّاً. قال: الظُّهْرِيُّ: أن تَأْخُذَ مَعَكَ دابّةً، أو وِعاءٌ تَستَظهِرُ به. مَكَانَتُهم ومَكانُهم واحدٌ. يَغْنُواْ ﴾ [الأعراف: ٩٢]: يَعِيشوا. ﴿تَأْسَ﴾ [المائدة: ٢٦]: تَحَزَنْ، ﴿مَاسَى﴾ [الأعراف: ٩٣]: أحزَنُ. وقال الحسنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]: يَسْتَهِزِئونَ به. وقال مجاهدٌ: لَيْكةُ: الأَیکةُ. ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ ﴾ [الشعراء: ١٨٩]: إظْلالُ العذابِ عليهم. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ﴾)) هو شعیب بن میکیل بن يشجن(١) بن لاوي بن يعقوب، كذا قال ابن إسحاق، ولا يَثبُت، وقيل: يشجن بن عنقا بن مَدْيَن بن إبراهيم، وقيل: هو شعيب بن صفور بن عنقا بن ثابت بن مَدْيَن، وكان مَديَن مَمَّن آمَنَ بإبراهيم لمَّا أُحرِقَ. وروى ابن حِبّان (٣٦١) في حديث أبي ذرِّ الطَّيل: ((أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ومحمّد))(٢)، فعلى هذا هو من العرب العاربة، وقيل: إنَّه من بني عَنَزة بن أسد، ففي حديث سَلَمَةَ بن سعيد العَنَزي: أنَّه قَدِمَ على النبي ◌َّ (١) هكذا في (أ) و(ع)، وفي (س) في الموضعين: يشجر. (٢) وإسناده ضعيف. ١٧٣ باب ٣٤ كتاب أحاديث الأنبياء فانتَسَبَ إلى عَنَزة فقال: ((نِعمَ الحِيُّ عَنَزة، مَبغيٌّ عليهم منصورونَ، رَهْط شعيب وأَختان موسى))، أخرجه الطبراني (٦٣٦٤)، وفي إسناده مجاهيل. قوله: ((إلى أهل مَدْيَن، لأَنَّ مَدْيَن بَلَد، ومِثْله: ﴿ وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾، واسأل العِير، يعني: أهلَ القرية، وأهلَ العير)) هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير سورة هود. قوله: (﴿وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِنًا﴾: لم يَلْتَفِتوا إليه، ويقال إذا لم تَقْضِ حاجَتَه: ظَهَرْتَ حاجَتي، وجَعَلْتني ظِهْريّاً، قال: الظُّهْري: أن تَأْخُذ مَعَك دابّة أو وِعاءً تَستَظهِرُ به)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: ألقَيْتُموه خلفَ ظُهوركم، فلم تَلتَقِتوا إليه، وتقول للَّذي لا يقضي حاجتك ولا يَلتَفِت إليها: ظَهَرْتَ بحاجتي وجَعَلتَها ظِهِريّة، أي: خلف ظَهرِك، قال الشّاعر(١): وَجَدْنا بني البَرْصاء من ولدِ الظَّهْرِ أي: من الذينَ يَظْهَرون بهم ولا يَلتَفِتونَ إليهم. قوله: ((مكانتُهم ومكانُهم واحد)) هكذا وَقَعَ، وإنَّما هو في قصَّة شعيب ﴿مَكَانَئِكُمْ﴾ في قوله: ﴿ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ﴾ [هود: ٩٣]، ثمَّ هو قول أبي عبيدة قال في تفسیر سورة يسّ في قوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾(٢) المكانُ والمكانة واحد. قوله: ((﴿يَغْنَوْاْ﴾: يعيشوا)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ أي: لم يَنزِلوا فيها ولم يعيشوا فيها، قال: والمَغنَى: الدّار، الجمع مَغاني، يعني: بالغَين المعجمة. قوله: (﴿يَأْسَ﴾: تَحْزَن، ﴿مَاسَى﴾: أحْزَنُ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَكَيْفَ مَاسَى﴾، أي: أحزَنُ وأتندَّمُ وأتوَجَّع، والمصدر: الأسى، وأمَّا قوله: (﴿تَأْسَ﴾: تَحَزَن)) فهو من قوله تعالى (١) هو أرطاة بن سُهيّة كما في ((المحكم)) لابن سيده ٢٨٩/٤، و((لسان العرب)) و((تاج العروس)) (ظهر). وأرطاة هذا شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام. (٢) في الأصلين و(س): ((على مكانتكم))، وهو خطأ، فإنَّ هذه الآية في سورة هود، أما التي في سورة یس فهي التي أثبتنا. ١٧٤ باب ٣٤ فتح الباري بشرح البخاري ٤٥٠/٦ لموسى: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، وذَكَرَه/ المصنِّ هنا استطراداً. قوله: ((وقال الحسن: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ يَسْتَهْزِئونَ به)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق أبي المَلِيح عن الحسن البصري بهذا، وأراد الحسن أنَّهم قالوا له ذلك على سبيل الاستعارة النَّهُمية، ومُرادهم عكسُ ذلك. قوله: ((وقال مجاهد: لَيْكَةُ: الأيكَة، ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: إظْلالُ العذاب عليهم)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] كذا قرأها، وهي قراءة أهل مكَّة ابنِ كثير وغيره (١)، وفي قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ قال: إظلال العذاب إياهم. تنبيه: لم يَذْكُر المصنّف في قصَّة شعيب سوى هذه الآثار، وهي للكُشْمِيهني والمُستَمْلي فقط، وقد ذكر الله تعالى قِصَّته في الأعراف وهود والشُّعَراء والعنگبوت وغيرها، وجاء عن قَتَادة أنَّهِ أُرسِلَ إلى أمَّتَين: أصحاب مَذْيَن وأصحاب الأيكة، ورَجِّحَ بأنَّه وُصِفَ في أصحاب مَدين بأنَّه أخوهم بخلاف أصحاب الأيكة، وقال في أصحاب مَدين: أَخذتهم الرَّجْفةُ والصَّيحة(٣)، وفي أصحاب الأيكة ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، والجمهور على أنَّ أصحاب مَديَن هم أصحاب الأيكة، وأجابوا عن ترك ذِكْر الأُخوَّة في أصحاب الأيكة، بأنَّه لمَّا كانوا يَعبُدونَ الأيكة ووَقَعَ في صَدْر الكلام بأنَّهم أصحاب الأيكة، ناسَبَ أن لا يَذكُر الأُخوَّة، وعن الثّاني بأنَّ المغايرة في أنواع العذاب إن كانت تَقتَضي المغايرةَ في المعَذَّبين، فليكن الذينَ عُذِّبوا بالرَّجفة غير الذينَ عُذِّبوا بالصَّيحة، والحقّ أنَّهم أصابهم جميع ذلك، فإنَّهم أصابهم حرِّ شديد فخَرَجوا من البيوت فأظَلَّتهم سَحابة فاجتَمَعوا تحتها فَرَجَفَت بهم الأرض من تحتهم وأخَذَتهم الصَّيحة من فوقهم، وسيأتي الكلام على الأيكة في التَّفسير(٣) إن شاء الله تعالى. (١) قرأها هكذا من السبعة ابنُ كثير ونافع وابن عامر، وقرأ الباقون: ((أصحابُ الأَيَكةِ)). (٢) الرجفة في الآية (٩١) من سورة الأعراف، والصيحة في الآية (٩٤) من سورة هود. (٣) في تفسير سورة الشعراء عند الآية (١٧٦). ١٧٥ باب ٣٥ / ح ٣٤١٢ -٣٤١٦ كتاب أحاديث الأنبياء ٣٥- باب قول الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ يُونُّسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٣٩ -١٤٢] قال مجاهد: مُذْنِبٌ. ﴿اَلْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]: المُوقَر. ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ, كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ الآيَةَ ﴿فَنَبَذْنَهُ بِالْعَرَاءِ﴾: بَوَجْه الأرضِ ﴿ وَهُوَ سَقِيمٌ ١٤٥ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِّنْ يَقْطِينٍ ﴾: من غيرِ ذات أصلٍ، الذُّبَّاءِ ونحوِه ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٧) فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ ١٤٨ ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ إِذْ نَدَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]: كَظِيمٌ مَغْمومٌ. ٣٤١٢- حدَّثْنَا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني الأعمَش (ح) حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله﴾، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((لا يقولَنَّ أحدُكم: إنّ خيرٌ من یونُسَ)). زادَ مُسدَّدٌ: ((يونُسَ بنِ مَنَّی)). [طرفاه في: ٤٦٠٣، ٤٨٠٤] ٣٤١٣ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أبي العاليَةِ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ قال: ((ما يَنبَغي لعبدٍ أن يقولَ: إنّ خيرٌ من يونُسَ بنِ مَتَّى)). ونَسَبَه إلى أبيه. ٣٤١٤- حدّثنا يحيى بنُ بُكَير، عن اللَّيثِ، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبي سَلَمَةَ، عن عبدِ الله بنِ الفَضْلِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: بينما يهوديٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَه، أُعْطِيَ بها شيئاً كَرِهَه، فقال: لا والذي اصْطَفَى موسى على البشرِ، فسمعَه رجلٌ مِن الأنصار، فقامَ فلَطَمَ وجهَه، وقال: تقولُ: والذي اصْطَفَى موسى على البشرِ، والنبيُّ وَّ بِينَ أَظْهُرِنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إنَّ لي ذِمّةً وعَهْداً، فما بالُ فلانٍ لَطَمَ وجهي؟ فقال: ((لِمَ لَطَمْتَ وجهَه؟)) ١٧٦ باب ٣٥ / ح ٣٤١٢ - ٣٤١٦ فتح الباري بشرح البخاري فذكره، فَغَضِبَ النبيُّ ◌ََّ حتَّى رُئِيَ في وجهِه، ثمَّ قال: ((لا تُفضِّلوا بينَ أنبياءِ الله، فإنَّه يُنفَخُ في الصُّورِ، فَيَصْعَقُّ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرضِ، إِلَّا مَن شاءَ الله، ثمَّ يُنفَخُ فيه أُخرَى فأكونُ أوَّلَ مَن بُعِثَ، فإذا موسى آخِذٌ بالعَرْشِ، فلا أدري أحُوسِبَ بصَعْقَتِهِ يومَ الطَّور، أم بُعِثَ قبلي)». ٣٤١٥ - ((ولا أقولُ: إنَّ أحداً أفضلُ من يونُسَ بنِ مَتَّى)). [أطرافه في: ٣٤١٦، ٤٦٠٤، ٤٦٣١، ٤٨٠٥] ٣٤١٦- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، سمعتُ مُميدَ بنَ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَطِّ، قال: ((لا يَنبَغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من یونُسَ بنِ مَتَّى)). ٤٥١/٦ قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُّسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾» هو یونس ابن مَثَّى، بفتح الميم وتشديد المثنّة مقصور، ووَقَعَ في ((تفسير)) عبد الرَّزّاق أنَّه اسم أمّه، وهو مردود بما في حديث ابن عبّاس في هذا الباب: ((ونَسَبَه إلى أبيه)) فهذا أصحُ، ولم أقِفْ في شيء من الأخبار على اتِّصال نَسَبه، وقد قيل: إنَّه كان في زمن ملوك الطَّوائف من الفُرس. قوله: ((قال مجاهد: مُذْنِب)) يعني: تفسير قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، وقد أخرجه ابن جَرِیر (٩٩/٢٣) من طريق مجاهد قال: ﴿فَلْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ من ألامَ الرجلُ: إذا أتى بما يُلام عليه. ثمّ قال الطَّبَري: المُلِيم: هو المكتَسِب اللَّوم. قوله: ((﴿اَلْمَشْعُونِ﴾: المُوقَر)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: المشحون: المملوء، ومن طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: المشحون: المُوقَر. قوله: ((﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ، كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ الآية ﴿فَنَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ﴾: بَوَجْه الأرض)» قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَنَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ﴾ أي: بوجه الأرض، والعرب تقول: نَبَذْتُه بالعَراءِ، أي: بالأرضِ الفضاء، قال الشاعر: ونَبَذتُ بالبلدِ العَراءِ ثيابي والعَرَاء: الذي لا شيءَ فيه يواري من شَجَر ولا غيره، وقال الفَرّاء: العَراء: المكان الخالي. ١٧٧ باب ٣٥ / ح ٣٤١٢ - ٣٤١٦ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: (﴿مِّنْ يَقْطِينٍ﴾: من غير ذاتِ أصل: الدُّبّاءِ ونحوه)) وَصَلَه عبد بن ◌ُمیدٍ من طريق مجاهد وزادَ: ليس لها ساق، وكذا قال أبو عُبيدة: كلّ شجرة لا تقوم على ساقٍ فهي يقطين نحو الدُّاء والحَنظَل والبِطّيخ، والمشهور أنَّه القَرْع، وقيل: التّين، وقيل: الموز، وجاء في حديث مرفوع في القَرع: ((هي شجرةٌ أخي يونس))(١). قوله: (﴿ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَّكْظُومٌ﴾: كَظيمٌ مَغْموم)) كذا فيه، والذي قاله أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿إِذْنَادَى وَهُوَ مْظُومٌ﴾: أي: من الغمّ مثل: گَظیم. وروى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَهُوَ مَّكْظُومٌ﴾ يقول: مغموم. ثمَّ ذكر حديث ابن مسعود: ((لا يقولن أحدكم: إنّ خير من يونس بن مَتَّى))، وحديث ابن عبّاس: ((لا ينبغي لعَبد أن يقول: إنّ خير من يونس بن مَتَّى، ونَسَبَه إلی ابیه))، وحديث أبي هريرة في قصَّة المسلم الذي لَطَمَ اليهودي، وقد تقدَّم شرحها في أواخر قصَّة موسى (٣٤٠٨)، وقال في آخره في هذه الرِّواية: ((ولا أقول: إنَّ أحداً أفضل من يونس بن مَتَّى))، وحديثه من وجه آخر مختصراً مُقتَصِراً على مِثل لفظ حديثِ ابن عبّاس. وقد وَقَعَ في حديث عبد الله بن جعفر عند الطبراني(٢) بلفظ: ((لا ينبغي لنبي أن يقول ... )) إلى آخره، وهذا يُؤْيِّد أنَّ قوله في الطَّريق الأولى: (إني) المراد بها النبي ◌َِّ، وفي رواية للطََّراني (١١١٢٢) في حديث ابن عبّاس: ((ما ينبغي لأحد أن يقول: أنا عند الله خيرٌ من يونس))، وفي رواية للطّحاوي: ((إنَّ سَبَّحَ الله في الظُّلُمات))(٣) فأشارَ إلى جِهَة الخيرية المذكورة. وأمَّا قوله في الرِّواية الأولى: ((ونَسَبَه إلى أبيه)) ففيه إشارة إلى الردّ على / مَن زَعَمَ أنَّ مَتَّى ٤٥٢/٦ اسم أمّه، وهو مَحَكِيٌّ عن وَهْب بن مُنبِّه في ((المبتَدَأ))، وذكره الطَّبَري وتَبِعَه ابن الأثير في (١) ذكره المناوي في ((الفتح السماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي)) (٨٤٤) وقال: قال الوليّ العراقي: لم أقف عليه، وقال الحافظ ابن حجر: لم أجده. (٢) في ((المعجم الكبير)) (١٤٧٧٩)، وعزوه لأبي داود (٤٦٧٠)، ولعبد الله بن أحمد في زوائده على ((المسند) (١٧٥٧) أولى. (٣) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣١٦/٤ من حديث علي ضـ ١٧٨ باب ٣٥ / ح ٣٤١٢ - ٣٤١٦ فتح الباري بشرح البخاري (الكامل))، والذي في ((الصَّحيح)) أصحّ. وقيل: سبب قوله: ((ونَسَبَه إلى أبيه)) أنَّه كان في الأصل يونس بن فلان فنسيَ الراوي اسم الأب وكَنّى عنه بفلان، وقيل: إن ذلك هو السَّبَب في نِسِبَتَه إلى أمّه، فقال الذي نَسي اسم أبيه: يونس بنُ مَتَّى وهي أمّه، ثمَّ اعتَذَرَ فقال: ونَسَبَه - أي: شيخه - إلى أبيه، أي: سَمّه فَنَسَبَه، ولا يَخْفى بُعدُ هذا التَّويل وتكلُّقه. قال العلماء: إنَّما قال ◌َّهِ ذلك تَواضُعاً إن كان قاله بعد أن أُعلمَ أنَّه أفضلُ الخلق، وإن كان قاله قبل عِلمه بذلك فلا إشكال، وقيل: خَصَّ يونس بالذِّكرِ لمَا يُحْشَى على مَن سمع قِصَّته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالَغَ في ذِكْر فضله لسَدِّ هذه الذَّريعة. وقد روى قِصَّته الشُّدّي في ((تفسيره)) بأسانيدِه عن ابن مسعود وغيره: أنَّ الله بَعَثَ يونس إلى أهل نِينَوى، وهي من أرض الموصِل، فكذَّبوه، فوَعَدَهم بنزولِ العذاب في وقت مُعيَّن، وخَرَجَ عنهم مُغاضِباً لهم، فلمَّا رأوا آثار ذلك خَضَعوا وتَضَرَّعوا وآمنوا، فَرَحِمَهم الله فكَشَفَ عنهم العذاب، وذهب يونس فَرَكِبَ سفينةً فَلَجَّجَت به، فاقتَرَعوا فيمَن يَطَرَحونَه منهم، فوَقَعَت القُرعة عليه ثلاثاً، فالتَّقَمَه الحوت. وروى ابن أبي حاتم من طريق عَمْرو بن ميمون عن ابن مسعود بإسناد صحيح إليه نحو ذلك، وفيه: وأصبَحَ يونس فأشرَفَ على القرية فلم يَرَ العذاب وَقَعَ علیھم، وكان في شريعتهم مَن كَذَبَ قُتِلَ، فانطَلَقَ مُغاضباً حتَّى رَكِبَ سفينة - وقال فيه -: فقال لهم يونس: إنَّ معهم عبداً آبِقاً من ربّه، وإنَّها لا تسير حتَّى تُلقُوه، فقالوا: لا نُلقيك يا نبي الله أبداً، قال: فاقتَرَعوا فخَرَجَ عليه ثلاث مرَّات، فألقَوه فالتَّقَمَه الحوت فبَلَغَ به قَرارَ الأرض، فسمعَ تسبيح الحصى ﴿فَنَادَى فِ اَلُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ ﴾ الآية. وروى البزَّار (٨٢٢٧) وابن جَرِير (١٧/ ٨١) من طريق عبد الله بن رافع(١) عن أبي هريرة رَفَعَه: «لمَّا أراد الله حَبْسَ يونس في بطن الحوت، أمَرَ الله الحوتَ أن لا يَكسِرَ له عَظماً ولا يَخْدِش له لحماً، فلمَّا انتهى به إلى قَعْر البحر سَبَّحَ الله، فقالت الملائكة: يا ربّنا إنّا (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: نافع. وعبد الله بن رافع هذا هو المدني مولى أم سلمة. ١٧٩ باب ٣٦ كتاب أحاديث الأنبياء نَسمَع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، قال: ذاكَ عبدي يونس، فشَفَعوا له، فأمَرَ الحوتَ فقَذَفَه في الساحل)) قال ابن مسعود: کھیئة الفَرْخ لیس علیە ریش. وروى ابن أبي حاتم من طريق السُّدّي عن أبي مالك قال: لَبِثَ في بطن الحوت أربعينَ يوماً، ومن طريق جعفر الصّادِق قال: سبعة أيام، ومن طريق قَتَادة قال: ثلاثاً، ومن طريق الشَّعبي قال: التَقَمَه ضُحَّى، ولَفَظَه عَشِيَّة. ٣٦- باب قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ يَتَعَّوْنَ، يُجَاوِزونَ في السَّبْت ﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾: شَوارعَ، إلى قولِه: ﴿كُونُواْ فِرَدَةً خَسِتِينَ ﴾ قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦])) الجمهور أنَّ القرية المذكورة أيلةَ، وهي التي على طريق الحاجّ الذّاهب إلى مكَّةَ من مصر، وحَكَى ابن التِّين عن الزُّهْرِي أَنَّهَا طَبَرِيَّة. قوله: ((﴿إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾: يَتَعدَّوْنَ، يَتَجاوَزونَ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾: أي: يَتَعدَّونَ فيه عمَّ ◌ُمِروا به ويتجاوَزُون. قوله: (﴿شُرَّعًا﴾: شوارعَ - إلى قوله: ﴿كُونُواْقِرَدَةً خَسِئِينَ﴾)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً. قوله: (﴿بَيْسٍ﴾: شديد)»، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿بِعَذَابٍ بَيْسٍ﴾، أي: شديد وزناً ومعنَى، قال الشّاعر(١): حَنَقاً عليَّ وما ترى لي فيهم أمراً بَئيسا وهذا على إحدى القراءتَينِ، والأُخرى بوزنِ حِذْرٍ(٢)، وقُرِئَ شاذاً بوزنِ هَیْن وهَیِّن مُذگّرین. تنبيه: لم يَذْكُر المصنّف في هذه القصَّة حديثاً مُسنَداً، وقد روى عبد الرَّزّاق(٣) من حديث ٤٥٣/٦ (١) هو ذو الإصبع العَدْواني كما في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ٢٣١/١. (٢) وهي قراءة ابن عامر من السبعة، قرأ: ((بِئْسٍ))، وهكذا قرأ نافع إلّا أنه سهّل الهمز فقرأ: ((بِيسٍ)). انظر (السبعة)) لابن مجاهد ص٢٩٦. (٣) في ((تفسيره)) ٢٤٠/٢-٢٤١. ١٨٠ باب ٣٧ / ح ٣٤١٧ -٣٤١٩ فتح الباري بشرح البخاري ابن عبّاس بسند فيه مُبهَم، وحكاه مالك عن يزيد بن رُومان مُعضَلاً، وكذا قال قَتَادة: إن أصحاب السَّبت كانوا من أهل أَيلَة، وإنَّهم لمَّا تَحِيَّلوا على صيد السَّمَك بأن نَصَبوا الشِّباك يوم السَّبت، ثمَّ صادوها يوم الأحد، فأنكَرَ عليهم قوم ونَهَوهم فأغلَظوا لهم، فقالت طائفة أُخرى: دَعُوهم واعتَزِلوا بنا عنهم، فأصبحوا يوماً فلم يَرَوا الذينَ اعتَدَوا فتحوا أبوابهم، فأمَروا رجلاً أن يَصعَد على سُلَّم، فأشرَفَ عليهم فرآهم قد صاروا قِرَدة، فدخلوا عليهم فجَعَلوا يَلُوذونَ بهم، فيقول الذينَ نَهَوهم: ألم نَقُل لكم، ألم نَنْهَكم؟ فيشيرونَ برؤوسِهم. وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عبّاس: إنَّهم لم يعيشوا إلّا قليلاً وهَلَكوا. وروى ابن جَرِير (٩/ ١٠١) من طريق العَوْفي عن ابن عبّاس: صارَ شَبابُهم قِرَدةً وشيوخهم خنازير. ٣٧- باب قوله تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] والزُّبُر: الكتبُ، واحدُها زَبُورٌ، زَبَرْتُ: كَتَبتُ. ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِىِ مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]: قال مجاهدٌ: سَبِّحي معه. ﴿وَالظَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ، أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠- ١١]: الدُّروعَ. ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١]: المسامِيرِ والحَلَقِ، ولا تُرِقَّ الِسْمَارَ فَيَسلَسَ، ولا تُعظِّم فيَنفَصِمَ. ﴿أَفْرِغْ﴾ [البقرة: ٢٥]: أُنزِلْ. ﴿بَسْطَةً﴾ [البقرة: ٢٤٧]: زيادةً وفَضْلاً. وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١٠]. ٣٤١٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن هنَّام، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّنَّهِ قال: ((خُفِّفَ على داودَ عليه السلام القرآنُ، فكانَ يأمرُ بدَوابِّه فتُسرَجُ،