Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
كتاب أحاديث الأنبياء
قوله: ((وتقول بيدِها هكذا)) هو حكايةٌ فعلها، وهذا من إطلاق القول على الفعل، وفي
حديث عليّ: ((فجَعَلَت تَحبِس الماء، فقال: دَعيهِ، فإنَّهَا رَوَاءٌ)).
قوله: (لو تَرَكت زَهْزَم، أو قال: لو لم تَغْرِف من زَمْزَم)» شَكٍّ من الراوي، وفي رواية ابن
نافع: ((لو تَرَكته))، وهذا القَدْر صَرَّحَ ابن عبّاس برفعِه عن النبي ◌ِِّ، وفيه إشعار بأنَّ جميع
الحديث مرفوع.
قوله: ((عَيناً مَعِينًا)) أي: ظاهراً جارياً على وجه الأرض، وفي رواية ابن نافع: ((كان الماء
ظاهراً)) فعلى هذا فقوله: ((مَعيناً)) صفة الماء، فلذلك ذكره، ومَعِین: بفتح أوَّله إن كان من
عانَهُ، فهو بوَزنٍ مَفعِل، وأصله مَعْيونٌ فخُذِفَت الواو، وإن كان من المَعْن: وهو المبالَغة
في الطَّلَب، فهو بوزْن فَعِیل.
قال ابن الجَوْزي: كان ظُهور زَمزَمِ نِعمةً من الله مَحْضة بغير عمل عامل، فلمَّا خالَطَها
تحويطُ هاجَرَ داخَلَها كسبُ البشر، فقُصِرَت على ذلك، فأغنى ذلك عن توجيه تذكير مَعِين،
مع أنَّ الموصوف - وهو العين(١) - مؤنَّث.
قوله: ((لا تَخافُوا الضَّيعة)) بفتح المعجمة وسكون التَّحتانية، أي: الهلاك، وفي حديث أبي
جَهْمٍ: ((لا تَّخافي أن يَنفَد الماء)»، وفي رواية عليّ بن الوازع عن أيوب عند الفاكِهي: ((لا تخافي
على أهل هذا الوادي ظَماً، فإنّها عين يَشرَب بها ضِيفانُ الله))، زاد في حديث أبي جَهْم:
((فقالت: بَشَّرَك الله بخيرٍ)).
قوله: ((فإنَّ هذا بيت الله)) في رواية الكُشْمِيهني: «فإنَّ هاهنا بیتَ الله)).
قوله: «یبني هذا الغلام» کذا فیه بحذفِ المفعول، وفي رواية الإسماعيلي: «یینیه»، زاد
ابن إسحاق في روايته: ((وأشارَ لها إلى البيت وهو يومَئذٍ مَدَرٌ حمراءُ فقال: هذا بيت الله
العَتيق، واعلمي أنَّ إبراهيم وإسماعيل يَرفَعَانِه)).
قوله: ((وكان البيت مُرْتَفِعاً من الأرض كالرّابِية)) بالموخَّدة ثمَّ المثنّة، وروى ابن أبي حاتم
(١) تحرف في (س) إلى: المعين.

٨٢
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص قال: لمَّا كان زمن الطُّوفان رُفِعَ البيت، وكان
الأنبياء يَحُجّونَه ولا يعلمونَ مكانه، حتَّى بَوَّأه الله لإبراهيم وأعلَمَه مكانه (١)، وروى
البيهقي في ((الدَّلائل)) (٤٤/٢-٤٥) من طريق أُخرى عن عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً:
(بَعَثَ الله جِبْيل إلى آدم فأمَرَه ببناءِ البيت، فبناه آدم، ثمَّ أمَرَه بالطّواف به وقيل له: أنتَ
أوَّل الناس، وهذا أوَّل بيت وُضِعَ للنّاس))(٢)، وروى عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَيج عن
٤٠٣/٦ عطاء: أنَّ آدم أوَّل مَن بنى البيت، وقيل: / بَنَّتَه الملائكة قبله، وعن وَهْب بن مُنبِّه: أوَّل مَن
بناه شِيثُ بن آدم. والأوَّل أثبت، وسيأتي مَزِيد لذلك آخر شرح هذا الحديث.
قوله: «فکانت» أي: هاجرُ «کذلك) أي: على الحال الموصوفة، وفيه إشعار بأنّها كانت
تَغْتَذِي بماءٍ زَمَزَم، فيَكِفِيها عن الطَّعام والشَّراب.
قوله: ((حتَّى مَرَّت بهم رُفْقة)) بضمِّ الرّاء وسكون الفاء ثمَّ قاف: وهم الجماعة
المختَلِطونَ، سواء كانوا في سَفَر أم لا.
قوله: ((من ◌ُرْهُم)) هو ابن قَحْطان بن عامر بن شالخ بن أَرفَخشَذ بن سام بن نوح،
وقيل: ابن يَقطُن، قال ابن إسحاق(٣): وكان جُرهم وأخوه قَطُورا أوَّل مَن تَكلَّمَ بالعربية
عند تَبَلْبُل الألسُن، وكان رئيس جُرهم مُضاض بن عَمْرو، ورئيس قَطورا السَّمَيدَع،
ويُطلَق على الجمیع ◌ُرمُم، وفي رواية عطاء بن السائب: وکانت جُرهم يومئذٍ بوادٍ قریب
من مكَّة، وقيل: إنَّ أصلهم من العَمالقةِ.
قوله: ((مُقبِلينَ من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفَل مكَّة)) وَقَعَ في جميع الرِّوايات بفتح الكاف
والمدّ، واستَشكَلَه بعضهم بأنَّ كَداء بالفتح والمدّ في أعلى مكَّة، وأمَّا الذي في أسفل مكَّة
فبالضَّمِّ والقصر، يعني: فيكون الصَّواب هنا بالضَّمِّ والقصر، وفيه نظر؛ لأنَّه لا مانع أن
(١) وأخرجه بهذا اللفظ أيضاً الطبري في ((تفسيره)) ٥٤٦/١-٥٤٧ من طريق أبي قلابة عن عبد الله بن
عمرو، وأبو قلابة لا يُعرَف له سماع من عبد الله.
(٢) وإسناده ضعيف، في إسناده غير راوٍ مجروحٍ.
(٣) انظر ((السيرة)) لابن هشام ١/ ١١١.

٨٣
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
كتاب أحاديث الأنبياء
يَدخُلوها من الجِهَة العُليا ويَنزِلوا من الجِهَة السُّفلى.
قوله: ((فَرَأَوْا طائراً عائفاً) بالمهمَلة والفاء: هو الذي يَحُوم على الماء ويَتَرَدَّد ولا يمضي عنه.
قوله: ((فأرسَلوا جَرِيّاً) بفتح الجيم وكسر الرّاء وتشديد التَّحتانية، أي: رسولاً، وقد
يُطلَق على الوكيل وعلى الأجير، قيل: سُمّي بذلك لأنَّه يجري مجری مُرسِله أو موگِّله، أو
لأنَّه يجري مُسرِعاً في حوائجه، وقوله: ((جَرّاً أو جَرِيَّين)) شَكٍّ من الراوي: هل أرسَلوا
واحداً أو اثنينٍ، وفي رواية إبراهيم بن نافع: ((فأرسَلوا رسولاً)) (١)، ويَحَتَمِل الزّيادة على
الواحد، ويكون الإفراد باعتبار الجنس لقوله: ((فإذا هم بالماء)) بصيغة الجمع، ويحتمل أن يكون
الإفراد باعتبار المقصود بالإرسال، والجمع باعتبار مَن يَتبَعُه من خادِم ونحوه.
قوله: ((فألفَى ذلك)) بالفاءِ، أي: وَجَدَ «أُمَّ إسماعيل)) بالنَّصبِ على المفعولية ((وهي تُحِبّ
الأُنسَ)) بضمِّ الهمزة: ضِدّ الوَحْشة، ويجوز الكسر، أي: تُحِبّ جِنسَها.
قوله: ((وشَبَّ الغلام)) أي: إسماعيل، وفي حديث أبي جَهْم: ونَشَأ إسماعيل بين وِلْدانهم.
قوله: ((وتَعلَّمَ العربيةَ منهم)) فیه إشعار بأنَّ لسان أمّه وأبيه لم یکن عربياً، وفيه تضعيف
لقولٍ مَن روى أنَّه أوَّل مَن تَكلَّمَ بالعربية، وقد وَقَعَ ذلك من حديث ابن عبّاس عند الحاكم
في «المستدرَك)) (٥٥٢/٢-٥٥٣) بلفظ: أوَّل مَن نَطَقَ بالعربية إسماعيل(٢)، وروى الزُّبَير بن
بَكّارٍ في ((النَّسَب)) من حديث عليّ بإسنادٍ حسنٍ قال: أوَّل مَن فَتَقَ الله لسانه بالعربية المُبينة
إسماعيل؛ وبهذا القَيْد يُجمَع بين الخبرَين، فتكون أوَّلِيَّتُه في ذلك بحَسَبِ الزّيادة في البيان، لا
الأوَّلية المطلقة، فيكون بعد تعلُّمه أصلَ العربية من ◌ُرهم ألهَمَه الله العربية الفصيحة
المُبِينةِ، فَتَطَقَ بها، ويَشهَد لهذا ما حكاه ابن هشام عن الشَّرقي بن قَطَاميّ: أنَّ عربية
إسماعيل كانت أفصَحَ من عربية يَعْرُب بن قَحْطان وبقايا ◌ِيَر وجُرهم. ويحتمل أن تكون
الأوَّلية في الحديث مُقيَّدة بإسماعيل بالنِّسبة إلى بقيّة إخوَته من ولد إبراهيم، فإسماعيل أوَّل
(١) لفظ رواية إبراهيم بن نافع عند البخاري (٣٣٦٥): فبعثوا رسولهم.
(٢) وهو على وقفه إسناده ضعيف جداً.

٨٤
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ - ٣٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
مَن نَطَقَ بالعربية من ولد إبراهيم، وقال ابن دُرَيدٍ في ((كتاب الوِشاح)): أوَّل مَن نَطَقَ
بالعربية يَعْرُب بن قَحْطان ثمَّ إسماعيل. قلت: وهذا لا يوافق مَن قال: إنَّ العرب كلَّها من
ولد إسماعيل، وسيأتي الكلام فيه في أوائل السِّيرة النَّبوية (٣٥٠٧).
قوله: ((وأنفَسَهم)) بفتح الفاء بلفظ أفعَل التَّفضيل من النَّاسة، أي: كَثُرَت رغبتُهم
فيه، ووَقَعَ عند الإسماعيلي: ((وأَنَسَهم)) بغير فاء من الأَنْس، وقال الكِرْماني: ((أنفَسهم)) أي:
رغَّبهم في مُصاهَرَته لنَفاسَتِهِ عندهم، وقال ابن الأثير: ((أنفَسَهم)) عَطفاً على قوله: ((تَعلَّمَ
العربية)) أي: رَغَّبَهم فيه إذ صارَ نفيساً عندهم.
قوله: ((زَوَّ جوه امرأةً منهم)) حَكَى الأزرقي عن ابن إسحاق: أنَّ اسمها عُمارة بنت سعد
٤٠٤/٦ ابن أُسامة، وفي حديث أبي جَهْمِ: أنَّها / بنت صُدَي، ولم يُسمِّها، وحَكَى السُّهَيلي أنَّ اسمها
جُدَيّ بنت سعد، وعند عمر بن شَبَّةَ: أنَّ اسمها حُبَّى بنت أسعَد بن عَملَق، وعند الفاكِهي
عن ابن إسحاق: أنَّه خَطَبَها إلى أبيها فَزَوَّجَها منه.
قوله: «وماتت» هاجرُ، أي: في خلال ذلك.
قوله: ((فجاء إبراهيم بعدَما تزوَّجَ إسماعيل)) في رواية عطاء بن السائب: ((فقَدِمَ إبراهيم
وقد ماتت هاجر».
قوله: ((يُطالِعُ تَرِكَته)) بكسر الرّاء، أي: يَتَفَقَّد حال ما تَرَكَه هناك، وضَبَطَها بعضهم
بالسُّكون وقال: التَّرِكة بالكسر: بيض النَّعام، ويقال لها: التَّرِيكة، قيل لها ذلك لأنَّها حين
تبيض تَتْرُكُ بيضَها وتذهب، ثمَّ تعود تَطلُبُه فتَحضُن ما وَجَدَت سواء كان هو أم غيره،
وفيها ضَرَبَ الشّاعر المثَل بقوله:
كتاركةٍ بيضَها بالعَراءِ وحاضنةٍ بیضَ أُخرى صباحا
قال ابن الِّين: هذا يُشعِر بأنَّ الذَّبيح إسحاق؛ لأنَّ المأمور بذَبحِه كان عندما بَلَغَ السَّعيَ،
وقد قال في هذا الحديث: إنَّ إبراهيم تَرَكَ إسماعيل رضيعاً وعادَ إليه وهو مُتزوِّج، فلو كان
هو المأمورَ بِذَبحِه لَذُكِرَ في الحديث أنَّه عادَ إليه في خِلال ذلك بين زمان الرَّضاع والتَّزويج،

٨٥
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
كتاب أحاديث الأنبياء
وتُعقّبَ بأنَّه ليس في الحديث نفيُ هذا المجيء، فيحتمل أن يكون جاء وأُمِرَ بالذَّبح ولم
يُذكَر في الحديث.
قلت: وقد جاء ذِكْر مَجَيِه بين الزّمانَين في خبر آخر، ففي حديث أبي جَهْم(١): ((كان
إبراهيم يزور هاجَرَ كلّ شهر على البُراق، يَغدُو غَدوَة فیأتي مَّة ثمَّ يَرجِع فیَقِيل فی مَنزِله
بالشّام))، وروى الفاكِهي من حديث عليّ بإسنادٍ حسنٍ نحوه، وأنّ إبراهيم كان يزور
إسماعيل وأُمَّه على البُراق، فعلى هذا فقوله: ((فجاء إبراهيم بعدَما تزوَّجَ إسماعيل)) أي: بعد
مجيئه قبل ذلك مِراراً، والله أعلم.
قوله: ((فقالت: خَرَجَ يَبْتَغي لنا)) أي: يَطلُب لنا الرِّزق، وفي رواية ابن جُرَيج: ((وكان
عَيْشُ إسماعيل الصَّيد يَخْرُج فيَتَصَيَّد))، وفي حديث أبي جَهْم: ((وكان إسماعيل يرعى ماشيتَه
ويَخْرُج مُتَنكِّباً قَوسَه فيرمي الصَّيد))، وفي حديث ابن إسحاق: ((وكانت مَسارحُه التي
يرعى فيها السِّدرة إلى السِّرِّ من نواحي مگَّة)).
قوله: ((ثمّ سألها عن عَيشِهم)) زاد في رواية عطاء بن السائب: ((وقال: هل عندك ضيافةٌ؟)).
قوله: ((فقالت: نحنُ بشَرِّ، نحنُ في ضيق وشِدَّة، فشَكَت إليه)) في حديث أبي جَهْم: ((فقال
لها: هل من مَنزِل؟ قالت: لاها اللَّهِ إذَن، قال: فكيف عَيشُكم؟ قال: فذكرت جَهداً
فقالت: أمَّ الطَّعام فلا طعام، وأمَّ الشّاءُ فلا تَحُلُب إلّ المِصْر - أي: الشَّخْب - وأمَّا الماء
فعلى ما ترى من الغِلَظ)). انتهى، والشَّخْب، بفتح المعجَمة وسكون الخاء المعجمة ثمَّ موحّدة:
السَّيَلان.
قوله: ((جاءنا شيخ كذا وكذا)) في رواية عطاء بن السائب: ((كالمستَخِفَّة بشأنِه)».
قوله: ((عَتَبة بابك)) بفتح المهملة والمثنّاة والموخَّدة: كِناية عن المرأة، وسَّاها بذلك لما فيها
من الصِّفات الموافقة لها: وهو حِفْظ الباب، وصَوْن ما هو داخله، وكونها مَحَلّ الوَطْء.
ويُستَفاد منه أنَّ تغيير عَتَبة الباب يَصِحّ أن يكون من كِنايات الطَّلاق، كأن يقول مثلاً:
(١) هو عند الفاكهي في ((أخبار مكة)).

٨٦
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
غَيَّرت عتبة بابي، أو عتبة بابي مُغيَّة، وينوي بذلك الطَّلاق فیقع، أُخبرت بذلك عن شيخنا
الإمام البُلْقِيني، وتمامه التَّفريع على شرع من قبلنا إذا حكاه النبي ◌ِّ ولم يُنكِرِه.
قوله: ((وتزوَّجَ منهم امرأةً أُخرى)) ذكر الواقدي وتَبِعَه المسعودي ثمَّ السُّهَيلي: أنَّ اسمها
سامَةُ بنت مُهَلهِل بن سعد، وقيل: اسمها عاتكة، ورأيت في نُسخَة قديمة من ((كتاب
مكَّةٍ)) لعمر بن شَبَّة: أنَّهَا بَشَامة بنت مُهَلهِل بن سعد بن عَوْف، وهي مضبوطة «بَشَامة))
بموخَّدةٍ ثمَّ مُعجَمة خفيفة قال: وقيل: اسمها جدة(١) بنت الحارث بن مُضَاض، وحَكَى
ابن سعد عن ابن إسحاق أنَّ اسمها رَعْلة بنت مضاض بن عَمْرو الجُرهمية، وعن ابن
الكَلْبي: أنَّهَا رعلة بنت يَشجُب بن يَعرُب بن لَوْذان بن جُرهُم، وذكر الدّارَقُطني في
((المختَلِفِ)) أنَّ اسمها السَّيِّدة بنت مُضاض، وحكاه السُّهَيلي أيضاً، وفي حديث أبي جَهْم:
٤٠٥/٦ ((ونَظَرَ إسماعيل إلى/بنت مضاض بن عَمْرو فأعجَبَتْه فخَطَبَها إلى أبيها فتزوَّجَها)»، وحَكَى
محمَّد بن أسعد(٢) الجَوّاني أنَّ اسمها هالة بنت الحارث، وقيل: الخَيفاء(٣)، وقيل: سَلمى،
فحَصَلنا من اسمها على ثمانية أقوال، ومن اسم أبيها على أربعة.
قوله: ((نحنُ بخيرٍ وسَعَة)) في حديث أبي جَهْم: ((نحنُ في خير عيش بحَمدِ الله، ونحنُ
في لبن کثیر، ولحم کثیر، وماء طيِّب)).
قوله: ((ما طعامكم؟ قالت: اللَّحْم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء)» في حديث أبي جَهْم
ذكر اللَّبَن مع اللَّحم والماء.
قوله: ((اللهمَّ بارِْ لهم في اللَّحْم والماء» في رواية إبراهيم بن نافع (٣٣٦٥): «اللهمَّ باركْ
لهم في طعامهم وشرابهم، قال: قال أبو القاسم وَّ: بَرَكَةٌ بدَعْوة إبراهيم)) وفيه حذف
(١) كذا وقع عند الحافظ، ووقع اسمها في كتب التاريخ والأدب: جندلة، وانظر ((الاشتقاق)) لابن درید ص٤١.
(٢) تحرف في (س) إلى: سعد. وهو محمد بن أسعد بن علي، أبو علي، شرف الدِّين الجَوّاني المالكي، عالم
بالأنساب، أصله من الموصل، مولده ووفاته بمصر، له ((طبقات الطالبيين)) و(تاج الأنساب))، توفي سنة ثمان
وثمانين وخمس مئة. انظر ((الأعلام)) للزركلي ٦/ ٣١.
(٣) هكذا في (أ)، وفي (ع) و(س): الحنفاء.

٨٧
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
كتاب أحاديث الأنبياء
تقديره: في طعام أهل مكَّة وشرابهم بَرَكة.
قوله: ((فهما لا يَخْلو عليهما أحد بغيرِ مكَّة إلّا لم يوافقاه)» في رواية الكُشْمِيهني: ((لا
يَخْلُوان)) بالتَّنية، قال ابن القُوطية: خَلَوتُ بالشيءٍ واختَلَيْتُ: إذا لم أخلِطْ به غيره، ويقال:
أخلى الرجلُ اللَّبَن: إذا لم يشرب غيره.
وفي حديث أبي جَهْم: ((ليس أحد يَخْلُو على اللَّحم والماء بغير مكَّة إلّا اشتكى بطنه))،
وزاد في حديثه وكذا في حديث عطاء بن السائب نحوه: ((فقالت له: انزِلْ رَحِمَك الله فاطعَمْ
واشرَب. قال: إنّ لا أستطيع التُّزول. قالت: فإنّي أراك شَعِثاً، أفلا أغسِلُ رأسك وأَدهنه؟
قال: بلى إن شئتِ. فجاءته بالمقام، وهو يومئذٍ أبيض مِثل المهاة، وكان في بيت إسماعيل
مُلقَى فَوَضَعَ قدمه اليُمنى وقَدَّمَ إليها شِقّ رأسه وهو على دابته، فغَسَلَت شِقّ رأسه
الأيمَن، فلمَّا فَرَغَ حَوَّلَت له المقام حتَّى وَضَعَ قدمه اليُسرى وقدمَ إليها برأسِه، فغَسَلَت
شِقّ رأسه الأيسَر، فالأثر الذي في المقام من ذلك، ظاهر فيه موضع العَقِب والإصبَعِ))،
وعند الفاكِهي من وجه آخر عن ابن جُرَيج عن رجل عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس:
أنَّ سارةَ دَاخَلَتها غَيْرة، فقال لها إبراهيم: لا أنزِلُ حتَّى أرجِعَ إليك، ونحوه في رواية عطاء
ابن السائب عند عمر بن شَبَّة.
قوله: ((هل أتاكم من أحد؟)) في رواية عطاء بن السائب: «فلمَّا جاء إسماعيل وَجَدَ ريح
أبيه، فقال لا مرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسن الناس وجهاً، وأطيَبهم ريحاً)).
قوله: ((يُئِّت عَتَبة بابه)) زاد في حديث أبي جَهْم: ((فإنَّها صلاحُ المنزل)».
قوله: ((أن أُمْسِككِ)) زاد في حديث أبي جَهْم: ((ولقد كنت عليَّ كَرِيمة، وقد ازدَدتِ عليَّ
كرامةً، فوَلَدَت لإسماعيل عشرة ذُكور))، زاد مَعمَر(١) في روايته: ((فسمعت رجلاً يقول:
كان إبراهيم يأتي على البُراق)) يعني: في كلّ مرَّة، وفي رواية عمر بن شَبَّةُ: ((وأُعجِبَ
إبراهيم بجدَّة بنت الحارث، فدَعا لها بالبَرَ كة)).
(١) وروايته عند الإسماعيلي في ((المستخرج)) كما سلف.

٨٨
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يَبْرِي)) بفتح أوَّله وسكون الموخَّدة، والنَّبْل - بفتح النُّون وسكون الموحّدة -:
السَّهم قبل أن يُركَّب فيه نَصْلُه وريشه، وهو السَّهم العربي. ووَقَعَ عند الحاكم (٢/ ٥٥١-
٥٥٢) من رواية إبراهيم بن نافع في هذا الحديث: ((يُصلِح بيتاً له))، وكأنَّه تصحيف،
والذي في البخاري هو الموافق لغيرها من الرِّوايات.
قوله: ((دَوْحة)) هي التي نزلَ إسماعيل وأُمّه تحتها أوَّلَ قُدومهما كما تقدَّم، ووَقَعَ في رواية
إبراهيم بن نافع (١): «من وراءِ زَمَزَمَ».
قوله: ((فصَنَعا كما يَصْنَعُ الوالد بالولدِ، والولدُ بالوالد)) يعني: من الاعتناق والمصافحة
وتقبیل اليد ونحو ذلك، وفي رواية معمر: قال: سمعت رجلاً یقول: بَگیا حتّى أجابهما
الطَّير؛ وهذا إن ثَبَتَ يدلّ على أنَّه تَبَاعَدَ لقاؤُهما.
قوله: ((إنَّ الله أمَرَني بأمرٍ)) في رواية إبراهيم بن نافعٍ: ((إنَّ ربَّك أمَرَني أن أبنيَ له بيتاً»،
ووَقَعَ في حديث أبي جَهْم عند الفاكِهي: ((أنَّ عُمُرَ إبراهيم كان يومئذٍ مئة سنة، وعمر
إسماعيل ثلاثينَ سنة)).
قوله: ((وتُعِينُني؟ قال: وأُعينك)) في رواية الكُشْمِيهني: ((فَأُعينك)) بالفاءِ، وفي رواية
إبراهيم بن نافع: ((إنَّ الله قد أمَرَني أن تُعينني عليه، قال: إذن أفعلَ)) بنصب اللّام.
قال ابن التِّين: يحتمل أن يقال: أمَرَه الله أن يبنيَ أوَّلاً وحده، ثمَّ أمَرَه أن يُعينه إسماعيل،
قال: فيكون الحديث الثّاني مُتأخّراً بعد الأوَّل. قلت: ولا يخفى تكلَّفُه، بل الجمع بينهما
٤٠٦/٦ تُمكِن بأن يكون أمَرَه أن/ يبني وأنَّ إسماعيل يُعينه، فقال إبراهيم لإسماعيل: إنَّ الله أمَرَني
أن أبنيَ البيت وتُعِيني. وَخْلَّلَ بين قوله: أبني البيت، وبين قوله: وتُعينني، قول إسماعيل:
فاصنع ما أمَرَك ربُّك.
قوله: ((وأشار إلى أَكَمة)) بفتح الهمزة والكاف، وقد تقدَّم بيان ذلك في أوائل الكلام على
هذا الحديث، وللفاكِهي من حديث عثمان: ((فبناه إبراهيم وإسماعيل وليس معهما يومئذٍ
(١) عند المصنف (٣٣٦٥)، والحاكم ٥٥١/٢-٥٥٢.

٨٩
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
كتاب أحاديث الأنبياء
غيرُهما)) يعني: في مُشارَكَتهما في البناء، وإلّا فقد تقدَّم أنَّه كان قد نزلَ الْجُرْهُميونَ مع
إسماعيل.
قوله: ((رَفَعا القواعدَ من البيت)) في رواية أحمد عن عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن أيوب عن
سعيد عن ابن عبّاس: القواعدُ التي رَفَعَها إبراهيم، كانت قواعد البيت قبل ذلك(١)، وفي
رواية مجاهد عند ابن أبي حاتم(٢): أنَّ القواعد كانت في الأرض السابعة، ومن طريق سعيد
ابن جُبَير عن ابن عبّاس: رَفَعَ القواعد التي كانت قواعدَ البيت قبل ذلك، ومن طريق
عطاء قال: قال آدم: يا ربِّ إنّي لا أسمع أصوات الملائكة، قال: ابن لي بيتاً ثمَّ احفُفْ به كما
رأيتَ الملائكة تَحُفّ ببيتي الذي في السماء(٣).
وفي حديث عثمان وأبي جَهْم: «فبَلَغَ إبراهيمُ من الأساس، أساسٍ آدم، وجَعَلَ طوله في
السماء تسعة أذرُع، وعَرضه في الأرض - يعني: دوْره - ثلاثينَ ذِراعاً))، وكان ذلك
بذِراعهم، وزاد أبو جَهم: ((وأدخَلَ الحِجْرَ في البيت، وكان قبل ذلك زَرْباً لغنم إسماعيل،
وإنَّما بناه بحجارةٍ بعضُها على بعض، ولم يجعل له سَقفاً، وجَعَلَ له باباً، وحَفَرَ له بئراً عند
بابه خِزانةً للبيت، يُلقى فيها ما يُهدَى للبيت))، وفي حديثه أيضاً: ((إنَّ الله أوحى إلى
إبراهيم: أنِ اتَّبِع السَّكينة، فحَلَّقَت على موضع البيت كأنَّا سحابة، فحَفَرا یریدان أساسَ
آدم الأوَّل))، وفي حديث عليّ عند الطَّبَري (١/ ٥٥١) والحاكم (٢/ ٥٥١): رأى على رأسه
في موضع البيت مِثْلَ الغَمامة فيه مِثْلُ الرَّأس، فكَلَّمَه فقال: يا إبراهيمُ، ابنِ على ظِلّي - أو
على قَدْري - ولا تَزِدْ ولا تَنقُص، وذلك حين يقول الله: ﴿وَإِذْ بَأْنَا لِإِبْزَهِرَ مَكَانَ
الْبَيْتِ﴾ الآية [الحج: ٢٦] (٤).
(١) لم نقف عليه عند أحمد في ((المسند))، وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (٩١٠٧) بلفظ: فقاما يحفران عن
القواعد، فعند ذلك رفع القواعد من البيت.
(٢) في «تفسيره)) (٢٣١/١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٠٩٢).
(٤) هذا موقوف على عليّ، وإسناده إليه ضعيف كما أشرنا إلى ذلك فيما سلف ص ٨٠.

٩٠
باب ٩ / ح ٣٣٦٢ -٣٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((جاء بهذا الحَجَر)) يعني: المَقَام، وفي رواية إبراهيم بن نافع (٣٣٦٥): ((حتَّى ارتَفَعَ
البناء وضَعُفَ الشَّيخ عن نقل الحجارة، فقامَ على حَجَر المقام))، زاد في حديث عثمان(١):
((ونزلَ عليه الزُّكن والمقام، فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه ويَرفَعه له إسماعيل،
فلمَّا بَلَغَ الموضعَ الذي فيه الرُّكن وَضَعَه يومئذٍ موضعه، وأخَذَ المقام فجعله لاصقاً
بالبيت، فلمَّا فَرَغَ إبراهيم من بناء الكعبة جاءه جِبْريل فأراه المناسكَ كلَّها، ثمَّ قامَ إِبراهيم
على المقام فقال: يا أيّها الناس، أجِيبوا ربَّكم، فوَقَفَ إبراهيم وإسماعيل تلكَ المواقف،
وحَجَّه إسحاقُ وسارةُ من بيت المَقدِس، ثمَّ رَجَعَ إبراهيم إلى الشّام فماتَ بالشّام)).
وروى الفاكهي بإسنادٍ صحيحٍ من طريق مجاهد عن ابن عبّاس قال: ((قامَ إبراهيم على
الحجر فقال: يا أيها الناس، كُتِبَ عليكم الحجّ، فأسمَعَ مَن في أصلاب الرِّجال وأرحام
النِّساء، فأجابَه مَن آمَنَ ومَن كان سَبَقَ في ◌ِلم الله أنَّه يَحُجّ إلى يوم القيامة: لَبَّيكَ اللهمَّ لَبَّكَ)).
وفي حديث أبي جَهْمٍ: ((ذهب إسماعيلُ إلى الوادي يَطلُب حجراً، فنزلَ چِبْريل بالحجرِ
الأسود، وقد كان رُفِعَ إلى السماء حين غَرِقَت الأرض، فلمَّا جاء إسماعيل فرأى الحجر
الأسود قال: من أين هذا، مَن جاءَك به؟ قال إبراهيم: مَن لم يَكِلْني إليك ولا إلى حجرك))،
ورواه ابن أبي حاتم من طريق السُّدّي نحوه، وأنَّه كان بالهندٍ وكان ياقوتةً بيضاءَ مِثل
الثَّغَامة - وهي بالمثلَّثة والمعجَمة -: طير أبيض كبير، وروى الفاكِهي من طريق أبي بِشْر عن
سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: والله ما بَنَيَاه بقَصَّةٍ ولا مَدَرٍ، ولا كان لهما من السَّعَة
والأعوان ما يَسقُفانه، ومن حديث عليّ: كان إبراهيم يبني كلَّ يوم سافاً.
ومن حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص عنده وعند ابن أبي حاتم: أنَّه كان بناه من
خمسة أجبُل: من حِراء وثَبيرِ ولُبنان وجبل الطُّور وجبل الخمر، قال ابن أبي حاتم: جبل
الخَمر - يعني: بفتح الخاء المعجَمة - هو جبل بيت المَقدِس. وقال عبد الرَّزّاق (٩٠٩٢)
٤٠٧/٦ عن ابن/ جُرَيج عن عطاء: إنَّ آدم بناه من خمسة أجبُل: حِراء وطور زِيتا وطور سَيْناءَ
(١) يعني عند الفاكهي في ((أخبار مكة)).

٩١
باب ١٠ / ح ٣٣٦٦
كتاب أحاديث الأنبياء
والجُودي ولُبنان، وكان رَبَضُه من حِراء، ومن طريق محمّد بن طلحة التَّيْمي قال: سمعت
أَنَّه أسَّسَ البيت من ستّة أجبُل: من أبي قُبَيْسٍ ومن الطّور ومن قُدْس ومن وَرِقان ومن
رَضْوَی ومن أُحُد.
الطريق الثالثة: قوله: ((حدَّثنا أبو عامر)) هو العَقَدي، وإبراهيم بن نافع: هو المخزومي
المگِّي.
قوله: ((لمَّا كان بين إبراهيم وبين أهله)) يعني: سارةَ ((ما كان)) يعني: من غَيْرة سارةَ لمَّا
وَلَدَت هاجَرُ إسماعيلَ، وقد مَضَت بقيَّة شرح الحديث ضِمن الذي قبله.
١٠ - [باب]
الحديث الثالث عشر:
٣٣٦٦- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا إبراهيمُ
التَّيْمِيُّ، عن أبيه، قال: سمعتُ أبا ذرّ ﴾، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في
الأرضِ أوَّلُ؟ قال: ((المسجدُ الحرامُ)) قال: قلتُ: ثمَّ أيُّ؟ قال: ((المسجدُ الأقصَى)) قلتُ: كم
كان بينَهما؟ قال: ((أربعونَ سنةً، ثمَّ أَينَما أدرَكَتْكَ الصَّلاةُ بعدُ فصَلِّهِ، فإنَّ الفَضْلَ فیه)).
[طرفه في: ٣٤٢٥]
قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد، وإبراهيم التَّيْمي: هو ابن يزيد بن شَرِيك، وفي رواية ٤٠٨/٦
لمسلمٍ (٢/٥٢٠) وابن خُزَيمةَ (١٢٩٠) من طريق أُخرى عن الأعمَش عن إبراهيم التَّيْمي:
كنت أنا وأبي نَجلِس في الطَّريق فيَعرِضُ عليَّ القرآن وأعرِضُ عليه، فقرأ القرآن فسَجَدَ،
فقلت: تَسجُد في الطَّريق؟ قال: نعم، سمعت أبا ذرٍّ ... فذكره.
قوله: ((أيُّ مسجد وُضِعَ في الأرض أوَّلُ)) بضمِّ اللّام، قال أبو البَقَاء: وهي ضَمَّة بناءٍ
لقطعِه عن الإضافة، مثل: قبلُ وبعدُ، والتَّقدير: أوَّلُ كلّ شيء، ويجوز الفتح مصروفاً وغير
مصروف.
قوله: ((ثمَّ أيٌّ)) بالتّنوين وتَرْكه كما تقدَّم في حديث ابن مسعود (٢٧٨٢): ((أيّ

٩٢
باب ١٠ / ح ٣٣٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
الأعمال أفضل))، وهذا الحديث يُفسِّر المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى
بِبِكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ويدلّ على أنَّ المراد بالبيت بيتُ العبادة لا مُطلَق البيوت، وقد وَرَدَ
ذلك صريحاً عن عليٍّ أخرجه إسحاق بن راهويه وابن أبي حاتم (٧٠٧/٣) وغيرهما بإسنادٍ
صحيحِ عنه قال: كانت البيوت قبلَه، ولكنَّه كان أوَّل بيت وُضِعَ لعبادة الله.
قوله: ((المسجد الأقصى)) يعني: مسجد بيت المَقدِس، قيل له: الأقصى لبُعدِ المسافة بينه
وبين الكعبة، وقيل: لأنَّه لم يكن وراءَه موضع عبادة، وقيل: لبُعدِه عن الأقذار والخبائث،
والمَقدِس: المطهّر عن ذلك.
قوله: ((أربعونَ سنةً)) قال ابن الجَوْزي: فيه إشكال، لأنَّ إبراهيم بنى الكعبة وسليمانُ
بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. انتهى، ومُستنَده في أنَّ سليمان عليه السلام
هو الذي بنى المسجد الأقصى ما رواه النَّسائي (٦٩٣) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن
العاص مرفوعاً بإسنادٍ صحيحٍ: ((أنَّ سليمان لمَّا بنى بيت المَقدِس سألَ الله تعالى خِلالاً
ثلاثاً) الحديث، وفي الطبراني (٤٤٧٧) من حديث رافع بن عميرةَ: ((أنَّ داود عليه السلام
ابْتَدَأ ببناءِ بيت المَقدِس، ثمَّ أوحى الله إليه: إنّي لأَقَضِي بناءَه على يد سليمان)) وفي الحديث
قصَّة (١)، قال: وجوابه أنَّ الإشارة إلى أوَّل البناء ووَضْع أساس المسجد، وليس إبراهيمُ
أوَّل مَن بنى الكعبة، ولا سليمان أوَّل مَن بنى بيت المَقدِس، فقد رُوينا أنَّ أوَّل مَن بنى
الكعبة آدم، ثمَّ انتَشَرَ ولدُه في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وَضَعَ بیت المَقدِس،
ثمَّ بنى إبراهيم الكعبةَ بنَصِّ القرآن، وكذا قال القُرطُبي: إنَّ الحديث لا يدلّ على أنَّ
٤٠٩/٦ إبراهيم/ وسليمان لمَّا بَنَيا المسجدين ابتَدَاً وَضْعَهما لهما، بل ذلك تجديد لمَا كان أسَّسَه
غير هما.
قلت: وقد مَشَى ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٦٢٢٨) على ظاهر هذا الحديث فقال: في
هذا الخبر رَدُّ علی مَن زَعَمَ أنَّ بین إسماعيل وداود ألف سنة؛ ولو کان كما قال لكان بينهما
(١) وفي إسناده محمد بن أيوب بن سويد، متَّهم بالوضع.

٩٣
باب ١٠ / ح ٣٣٦٦
كتاب أحاديث الأنبياء
أربعونَ سنة، وهذا عين المحال لطولِ الزّمان بالاتّفاق بين بناء إبراهيم عليه السلام البيتَ
وبين موسى عليه السلام، ثمَّ إنَّ في نَصِّ القرآن أنَّ قصّة داود في قتل جالوتَ كانت بعد
موسى بمُدَّةٍ. وقد تَعقَّبَ الحافظُ الضّياءُ بنحو ما أجاب به ابن الجوزي.
وقال الخَطّابي: يُشبِهِ أن يكون المسجد الأقصى أوَّل ما وُضِعَ بناه بعضُ أولياء الله قبل
داود وسليمان، ثمَّ داودُ وسليمان فزادا فيه ووَسَّعاه، فأُضيفَ إليهما بناؤُه، قال: وقد يُنسَب
هذا المسجد إلى إيلياءَ، فيحتمل أن يكون هو بانِيهِ أو غيره، ولست أُحقّقُ لِمَ أُضيفَ
إليه؟
.. قلت: الاحتمال الذي ذكره أوَّلاً موجّه، وقد رأيت لغيره أنَّ أوَّل مَن أسَّسَ المسجد
الأقصى آدم عليه السلام، وقيل: الملائكة، وقيل: سام بن نوح عليه السلام، وقيل: يعقوب
عليه السلام، فعلى الأوَّلَين يكون ما وَقَعَ ثَمّن بعدهما تجديداً، كما وَقَعَ في الكعبة، وعلى
الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب أصلاً وتأسيساً، ومن داود تجديداً لذلك
وابتداءَ بناءٍ فلم يَكمُّل على يده حتَّى أكمَلَه سليمان عليه السلام، لكنَّ الاحتمال الذي ذكره
ابن الجَوْزي أوجَهُ، وقد وَجَدتُ ما يَشهَد له ويُؤيِّد قول مَن قال: إنَّ آدم هو الذي أسَّسَ
كلَّا من المسجدين، فذكر ابن هشام في كتاب ((التّيجان)): أنَّ آدم لمَّا بنى الكعبة أمَرَه الله
بالسَّير إلى بيت المَقدِس وأن يبنيَه، فبناه ونَسَكَ فيه، وبناء آدم للبيت مشهور، وقد تقدَّم
قريباً حديث عبد الله بن عَمْرو: أنَّ البيت رُفِعَ زمنَ الطُّوفان حتَّى بَوَّأه الله لإبراهيم.
وروى ابن أبي حاتم من طريق مَعمَر عن قَتَادة قال: وَضَعَ الله البيت مع آدم لمَّا هَبَطَ،
ففَقَدَ أصوات الملائكة وتسبيحهم، فقال الله له: يا آدم، إنّي قد أَهبَطتُ بيتاً يُطافُ به كما
يُطاف حول عَرشي، فانطَلِقْ إليه، فخَرَجَ آدمُ إلى مكَّة، وكان قد هَبَطَ بالهندِ، وهُدَّ له في
خَطْوِه، فأتى البيت فطافَ به. وقيل: إنَّه لمَّ صَلّى إلى الكعبة أُمِرَ بالتَّوَجُّه إلى بيت المَقدِس
فاتََّذَ فيه مسجداً وصَلّى فيه ليكونَ قِبلة لبعضٍ ذُرّيته.
وأمَّا ظَنُّ الخَطّابي أنَّ إِيلِيَاء اسم رجل، ففيه نظرٌ، بل هو اسم البلد فأُضيفَ إليه المسجد، كما

٩٤
باب ١٠ / ح ٣٣٦٧ -٣٣٧١
فتح الباري بشرح البخاري
يقال: مسجد المدينة، ومسجد مكَّة. وقال أبو عُبيد البكري في ((مُعجم البلدان)»: إِيلِيَاء مدينة
بيت المَقدِس، فيها ثلاث لغات: مَدّ آخره، وقصرُه، وحذف الياء الأولى، قال الفَرَزدَق:
لَوَى ابنُ أبي الرَّقْراقِ عِينَيهِ بعدَما دَنَا مِن أَعالي إِيلِيَاءَ وغَوَّرا
وعلى ما قاله الخَطّابي يُمكِن الجمع بأن يقال: إنَّهَا سُمّيت باسم بانيها كغيرها، والله أعلم.
قوله: «فصَلُه)) بهاءٍ ساكنة، وهي هاء السّکت، وللگُشْمِيهني بحذفِها.
قوله: «فإنَّ الفَضْل فیه» أي: في فعل الصلاة إذا حَضَرَ وقتُها، زاد من وجه آخر عن
الأعمَش (٣٤٢٥) في آخره: ((والأرض لك مسجد)) أي: للصلاة فيه، وفي ((جامع سفيان
ابن عُيَينَ)) عن الأعمَش: ((فإنَّ الأرض كلَّها مسجد)) أي: صالحة للصلاة فيها، ويُخَصُّ
هذا العموم بما وَرَدَ فيه النَّهي، والله أعلم.
٣٣٦٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن عَمْرِو بنِ أبي عَمرِو مولى المطَّلِبِ، عن
أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ رسولَ اللهِهِ طَلَعَ له أُحُدٌ، فقال: ((هذا جبلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّه، اللهمَّ إِنَّ
إبراهيمَ حَرَّمَ مَكّةَ، وإنّ أُحَرِّمُ ما بينَ لابَتَيْها».
رواه عبدُ الله بنُ زيدٍ، عن النبيِّ ◌ِّ.
٣٣٦٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله:
أنَّ ابنَ أبي بكرٍ أخبَرَ عبدَ الله بنَ عمرَ، عن عائشةَ رضي الله عنهم زوجِ النبيِّ وََّ، أَنَّ
رسولَ الله وَلّم قال: «ألم تَرَيْ أنَّ قومَكِ لمَّا بَنُوا الكَعْبةَ اقتَصَروا عن قواعدِ إبراهيمَ؟!)) فقلتُ:
يا رسولَ الله، ألا تَرُدُّها على قواعدِ إبراهيمَ؟ فقال: «لولا حِدْثانُ قومِكِ بالكُفْرِ ».
فقال عبدُ الله بنُ عمرَ: لَئِن كانت عائشةُ سمعَت هذا من رسولِ اللهِوَِّهَ ما أَرَى أنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ تَرَكَ استِلامَ الرُّكْتَين اللَّذَينِ يَلِيَانِ الحِجْرَ، إلَّا أنَّ البيتَ لم يُتَمَّم على قواعدِ
إبراهیم.
وقال إسماعيلُ: عبدُ الله بنُ محمَّدِ بنِ أبي بكرٍ.
٣٣٦٩- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرِ بنِ

٩٥
باب ١٠ / ح ٣٣٦٧-٣٣٧١
كتاب أحاديث الأنبياء
محمَّدٍ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن عَمْرِو بنِ سُلَيم الزُّرَقيِّ، أخبرني أبو مُميدِ الساعدِيُّ
:
أَّهم قالوا: يا رسولَ الله، كيفَ نُصَلّي عليكَ؟ فقال رسولُ الله وَّةِ: «قولوا: اللهمَّ صَلِّ على
محمَّدٍ وأزواجِه وذُرَِّتِه، كما صَلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ وأزواجِه وذُرِّيَتِه، كما
بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
[طرفه في: ٦٣٦٠]
٣٣٧٠- حدَّثنا قيسُ بنُ حفصٍ وموسى بنُ إسماعيلَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زیادٍ،
حدَّثنا أبو قُرّةَ مسلمُ بنُ سالم الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ عيسى، سمعَ عبد الرحمن بنَ
أبي ليلى، قال: لَقِيَتِي كَعْبُ بنُ عُجْرةَ، فقال: ألا أُهْدِي لكَ هَدِيَّةً سمعتُها مِن النبيِّ وَلِ؟
فقلتُ: بَلَى، فَأَهْدِها لي، فقال: سألْنا رسولَ اللهِوَلِّ فِقُلْنا: يا رسولَ الله، كيفَ الصَّلاةُ عليكم
أهلَ البيتِ؟ فإنَّ الله قد عَلَّمَنا كيفَ نُسلِّمُ، قال: «قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آلٍ محمَّدٍ،
كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهمَّ بارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلٍ
محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
[طرفاه في: ٤٧٩٧، ٦٣٥٧]
٣٣٧١- حدَّثْنَا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن المِنْهال، عن سعيد بنِ
مُجُبَير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان النبيُّ نَّهَ يُعوِّذُ الحسن والحسينَ، ويقول: ((إنَّ
أباكما كان يُعوِّذُ بها إسماعيلَ وإسحاقَ: أعوذُ بكلماتِ الله التامّةِ، من كلِّ شيطانٍ وهامّةٍ، ومن
كلِّ عينٍ لامٍ)).
الحديث الرابع عشر، والخامس عشر: حديثُ أنسٍ موصولاً وعبدِ الله بن زيد مُعلَّقاً في
حرم المدينة وذِكْر ◌ُحد، والغرض منهما ذِكْر إبراهيم وأنَّه حرَّم مگّة، وقد تقدَّم الكلام علیھما في
أواخر الحجّ، وتقدَّم حديث عبد الله بن زيد موصولاً هناك(١).
(١) حديث أنس سلف في أواخر الحج برقم (١٨٦٧) بمعناه، وأما حديث عبد الله بن زيد فسلف موصولاً
في كتاب البيوع برقم (٢١٢٩) وليس في الحج.

٩٦
باب ١٠ / ح ٣٣٦٧-٣٣٧١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث السادس عشر: حديثُ عائشة في قصَّة بناء الكعبة، تقدَّم شرحه في أثناء الحجّ
أيضاً (١٥٨٣).
قوله: ((وقال إسماعيل: عبد الله بن أبي بَكْر)) يعني: أنَّ إسماعيل بن أبي أوَيْس روى
٤١٠/٦ الحديث المذكور عن مالك كما / رواه عبد الله بن يوسف فقال بدل قول عبد الله بن
يوسف: ((أنَّ ابن أبي بكر أخبر)): ((أنَّ عبد الله بن أبي بكر أخبَرَ))، وأبو بكر جَدُّ عبد الله
المذكور هو الصِّدّيق، وقد ساقَ المصنّف حديث إسماعيل في التَّفسير (٤٤٨٤) ولفظه:
((عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر)) وهو الواقع، وكأنَّه عند التَّعليق نَسَبَه لجدِّه، وأغفَلَ المِّبُّ
ذِكْر هذا التَّعليق في أحاديث الأنبياء.
الحديث السابع عشر: حديثُ أبي حُميدٍ الساعدي في صفة الصلاة على النبي ◌َّ﴾، وسيأتي
شرحه في الدَّعَوات (٦٣٦٠). والغرض منه قوله فيه: ((كما صَلَّتَ على إبراهيم)).
الحديث الثامن عشر: حديثُ كعب بن عُجْرة في صفة الصلاة على النبي ◌َّ، وسيأتي
شرحه في الدَّعَوات أيضاً (٦٣٥٧)، وقد أورَدَه في أواخر تفسير الأحزاب (٤٧٩٧)، وتأتي
الإشارة إليه هناك إن شاء الله تعالى.
ووَهِمَ الِزْي في ((الأطراف)) فعَزَا رواية كعب بن عُجْرة هذه إلى الصلاة فقال: روى
البخاري في الصلاة عن قيس بن حفص وموسى بن إسماعيل كلاهما عن عبد الواحد بن
زياد ... إلى آخر كلامه، واغتَرَّ بذلك شيخُنا ابن الملقِّن، فإنَّه لمَّا وَصَلَ إلى شرح هذا
الحديث هنا أحالَ بشرحِه على الصلاة وقال: تقدَّم في الصلاة، وكأنَّه تَبِعَ شيخه مُغَلْطاي
في ذلك فإنَّه كذلك صَنَعَ، ولم يَتقدَّم هذا الحديث عند البخاري في كتاب الصلاة أصلاً، والله
الهادي إلى الصّواب.
الحديث التاسع عشر: حديثُ ابن عبّاس في التَّعويذ بكلمات الله التامَّة.
قوله: ((حدَّثنا جَرِير)) لعثمان بن أبي شَيْبة فيه شيخ آخر، أخرجه الإسماعيلي عن عمران
ابن موسى وإبراهيم بن موسى قالا: حدَّثنا عثمان بن أبي شَيْبة، حدّثنا جَرِیر وأبو حفص

٩٧
باب ١٠ / ح ٣٣٦٧-٣٣٧١
كتاب أحاديث الأنبياء
الأبّار۔ فرَّقَھما - عن منصور.
قوله: ((عن منصور)) هو ابن المعتمِر ((عن المِهال)) هو ابن عَمْرو، والإسناد إلى سعيد بن
جُبَير كوفيُّونَ، وقد رواه النَّسائي (ك١٠٧٨٠) من طريق جَرِير عن الأعمش عن المنهال
فقال: ((عن عبد الله بن الحارث) بدل سعید، ولم يذكر فيه: عن ابن عبّاس، ورواه الإسماعيلي
من طريق أبي حفص الأبّار عن الأعمَش ومنصور، فحَمَلَ رواية الأعمش على رواية منصور،
والصَّواب التَّفصيل، ولذلك لم يُرِّج البخاريُّ(١) رواية الأبّار.
قوله: ((إنَّ أباكم)) يريد إبراهيم عليه السلام، وسَّاه أباً لكَونِه جَدّاً أَعلى.
قوله: ((بكلمات الله)) قيل: المراد بها كلامه على الإطلاق، وقيل: أقضيتُه، وقيل: ما وَعَدَ
به كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، والمراد بها
قوله تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّهُنَّ عَلَى الَّذِبِنَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]، والمراد بالتامَّة:
الكاملة، وقيل: النافعة، وقيل: الشّافية، وقيل: المباركة، وقيل: القاضية التي تَضي
وتَستَمِرُّ، ولا يَرُدُّها شيء، ولا يَدخُلها نقص ولا عَيْب.
قال الخَطّابي: كان أحمد يَستَدِلّ بهذا الحديث على أنَّ كلام الله غيرُ مخلوق، ويَحَتَجُّ بأنَّ
النبي ◌ُّ﴾ لا يستعيذ بمخلوقٍ.
قوله: ((من كلّ شيطان)) يَدخُل تحته شياطين الإنس والجِنّ.
قوله: ((وهامَّة)) بالتَّشديد: واحدة الهوامّ ذوات السُّموم، وقيل: كلّ ما له سُمِّ يَقتُل، فأمَّا
ما لا يَقتُل سمُّه فيقال له: السَّوَامٌ، وقيل: المراد كلّ نَسَمة تَهُمُّ بسوءٍ.
قوله: ((ومن كلّ عين لامَّة)) قال الخَطّابي: المراد به كلَّ داء وآفة تُلِمّ بالإنسان من جنون
وخَبَل. وقال أبو عُبيد: أصله من ألمَمْت إلماماً، وإنَّما قال: ((لامَّة)) لأنَّه أراد أنَّهَا ذات لَمَمٍ،
وقال ابن الأنباري: يعني أنَّها تأتي في وقتٍ بعدَ وقت، وقال: ((لامَّة)) لِيُؤَاخِيَ لفظ: ((هامَّة))
لِكَونِهِ أخَفَّ على اللِّسان.
(١) لفظ ((البخاري)) سقط من (س).

٩٨
باب ١١ / ح ٣٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
١١ - باب قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ إِذْ دَ خَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ الآية
﴿لَا نَوْجَلْ﴾ [الحجر: ٥١-٥٣]: لا تَخَفْ
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]
٣٣٧٢- حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ،
عن أبي سَلَمَةَ بنِ / عبدِ الرحمن وسعيد بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال:
«نحنُ أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيمَ إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ
بَلَى وَلَكِن لِيَظْمَبِنَّ قَلْبِى﴾، ويرحمُ اللهُ لُوطاً، لقد كانَ يَأوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ، ولو لَبِثْتُ في
السِّجْنِ طولَ ما لَبِثَ يوسفُ، لَأَجَبتُ الدّاعِيَ)).
[أطرافه في: ٣٣٧٥، ٣٣٨٧، ٤٥٣٧، ٤٦٩٤، ٦٩٩٢]
٤١١/٦
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿ وَنَبِئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، ﴿لَا نَوَجَلْ﴾: لا تَخَفْ)) كذا
اقْتَصَرَ في هذا الباب على تفسير هذه الكلمة، وبذلك جَزَمَ الإسماعيلي وقال: ساقَ الآيَتَين بلا
حديث. انتهى، والتَّفسير المذكور مَرويٌّ عن ◌ِكْرمة عند ابن أبي حاتم، ولعلَّه كان عَقِبَ
هذا في الأصل بياضٌ فحُذِفَ.
وقصَّة أضياف إبراهيم أورَدَها ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّي مُبَيَّنة، وفيها: أنَّه لمّا
قَرَّبَ إليهم العِجلَ قالوا: إنّا لا نأكُل طعاماً إلّا بَثَمَنٍ، قال إبراهيم: إنَّ له ثَمَناً، قالوا: وما
ثَمَنُهُ؟ قال: تَذْكُرونَ اسم الله على أوَّله، وتَحمَدونَه على آخره، قال: فَنَظَرَ جِبْرِيل إلى ميكائيلَ
فقال: حُقَّ لهذا أن يَتَّخِذه ربُّه خليلاً، فلمَّا رأى أنَهم لا يأكلونَ فَزِعَ منهم. ومن طريق
عثمان بن مِحصَن قال: كانوا أربعةً: جِبْريل وميكائيل وإسرافيل ورَفاييل. ومن طريق
نوح بن أبي شَدّاد: أنَّ جِبْريل مَسَحَ بجناحيه العِجِلَ فقامَ يَدرُج حتَّى لَحِقَ بأُمَّه في الدّار.
قوله: ((﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى))) كذا وَقَعَ هذا الكلام لأبي ذرِّ
مُتَّصِلاً بالباب، ووَقَعَ في رواية كَرِيمة بدلَه(١) قولُه: ﴿ وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِى﴾، وحَكَى
(١) في (س): بدل، وهو خطأ.

٩٩
باب ١١ / ح ٣٣٧٢
كتاب أحاديث الأنبياء
الإسماعيلي أنَّه وَقَعَ عنده: ((باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبَهِمُ ... ))) إلى آخره، وسقط كلُّ ذلك
للنَّسَفي، فصارَ حديث أبي هريرة تكملةَ الباب الذي قبله، فكَمُلَت به الأحاديث عشرينَ
حديثاً، وهو مُتَّجِه.
قوله: ((عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيّب)) في رواية الطَّبَري (٤٩/٣) من
طريق عَمْرو بن الحارث عن يونس عن الزّهْري: ((أخبرني أبو سَلَمةَ وسعيد)) كذا قال
يونس بن يزيد عن الزُّهْري، ورواه مالك عن الزُّهْري فقال: أنَّ سعيد بن المسيّب وأبا
عُبيدٍ(١) أخبَرَاه عن أبي هريرة، وسيأتي ذلك للمصنّف قريباً (٣٣٨٧)، وتابَعَ مالكاً أبو
أُوَيس عن الزُّهْري، أخرجه أبو عَوَانة (٢٣٢) من طريقه، ورَجَحَ ذلك عند النَّسائي
(ك١٠٩٨٤) فاقتَصَرَ عليه، وكأنَّ البخاري جَنَحَ إلى تصحيح الطَّريقَين فأخرجهما معاً،
وهو نظرٌ صحيح، لأنَّ الزّهْري صاحب حديث، وهو معروف بالرِّواية عن هؤلاءِ، فلعلَّه
سمعَه منهم جميعاً، ثمَّ هو من الأحاديث التي حدَّث بها مالك خارج ((الموطَّأ)) واشتهرَ أنَّ
جُوَيِرِيةَ تفرَّد به عنه، ولكن تابَعَه سعيد بن داود عن مالك، أخرجه الدّارَ قُطني في ((غرائب
مالك)) من طريقه (٢)
.
قوله: ((نحنُ أحقّ بالشكِّ من إبراهيم)) سقط لفظُ ((الشكّ)) من بعض الرِّوايات.
واختَلَفَ السَّلَف في المراد بالشكِّ هنا، فحَمَلَه بعضهم على ظاهره وقال: كان ذلك
قبل النبوَّة، وحَمَلَه أيضاً الطَّبَري على ظاهره وجَعَلَ سببَه حُصول وَسوَسة الشيطان، لكنَّها
لم تَستَقِرَّ ولا زَلْزَلَت الإيمان الثّابت، واستَنَدَ في ذلك إلى ما أخرجه هو وعبد بنُ هُمیدٍ وابن
أبي حاتم (٥٠٩/٢) والحاكم (٦٠/١و٢٦٠/٤-٢٦١) من طريق عبد العزيز الماجِشُون
عن محمَّد بن المنكَدِر عن ابن عبّاس قال: أرجى آية في القرآن هذه الآية: ﴿ وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ
قَلْبِى﴾ الآية، قال ابن عبّاس: هذا لمَا يَعرِضُ في الصُّدور ويُوَسوِس به الشيطان، فرضيَ الله
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: عبيدة، وأبو عبيدٍ هذا: هو سعد بن عبيدٍ مولى عبد الرحمن بن أزهر.
(٢) وأخرجه من طريقه أيضاً الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٣٢٨).

١٠٠
باب ١١ / ح ٣٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
من إبراهيم عليه السلام بأن قال: بلى، ومن طريق مَعمَر عن قَتَادة عن ابن عبّاس نحوه،
ومن طريق عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب عن ابن عبّاس نحوه، وهذه طرق يَشُدّ
بعضُها بعضاً، وإلى ذلك جَنَحَ عطاء، فروى ابن أبي حاتم (٢/ ٥٠٨) من طريق ابن جُرَيج:
٤١٢/٦ سألت عطاءً عن هذه الآية قال: دَخَلَ قلبَ إبراهيمَ بعضُ / ما يَدخُل قلوبَ الناس، فقال
ذلك، وروى الطَّبَري (٣/ ٤٧) من طريق سعيد عن قَتَادة قال: ذُكِرَ لنا أنَّ إبراهيم أتى على
دابَّةٌ تَوَزَّعَتها الدَّوابُ والسِّباعِ، ومن طريق حَجّاج عن ابن جُرَيج قال: بَلَغَني أنَّ إبراهيم
أتى على حِيفَة حِمار عليه السِّباع والطَّر، فعَجِبَ وقال: ربِّ لقد عَلمتُ لَتَجمَعَنَّها، ولكن
ربّ أرِني كيف تُحيي الموتى.
وذهب آخرونَ إلى تأويل ذلك، فروى الطَّبري وابن أبي حاتم من طريق السُّدّي قال:
لمَّ اتَّخَذَ اللهُ إبراهيم خليلاً استأذَنه مَلَك الموت أن يُبشِّرِه، فأذِنَ له؛ فذكر قصَّة معه في كيفية
قَبْض روح الكافر والمؤمن، قال: فقامَ إبراهيم يَدعُو ربَّه: ربّ أرِني كيف تُحيي الموتى حتَّى
أعلمَ أنّ خليلُك، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي العَوّام عن أبي سعيد قال: ليطمَئِنَّ
قلبي بالخُلَّة، ومن طريق قيس بن مسلم عن سعيد بن جُبَير قال: ليطمَئِنَّ قلبي أنّ خليلُك،
ومن طريق الضَّحّاك عن ابن عبّاس: لأعلمَ أنَّك أجَبْتَ دُعائي، ومن طريق عليّ بن أبي
طلحة عنه: لأعلم أنَّك تُجيبني إذا دَعَوتُك. وإلى هذا الأخير جَنَحَ القاضي أبو بكر الباقلاني.
وحَكَى ابن التِّين عن الدّاوودي الشّارح أنَّه قال: طلبَ إبراهيمُ ذلك لتذهبَ عنه شِدَّةُ
الخوف، قال ابن التِّین: وليس ذلك بالبيِّن.
وقيل: كان سببُ ذلك أنَّ نُمرودَ لمَّا قال له: ما ربُّك؟ قال: ربّ الذي يُحيي ويُميت،
فذكر ما قَصَّ اللهُ ممَّا جَرَى بينهما، فسأل إبراهيمُ بعد ذلك ربّه أن يُرِيَه كيفية إحياء الموتى
من غير شَكِّ منه في القُدرة، ولكن أحَبَّ ذلك واشتاقَ إليه، فأراد أن يَطْمَئِنّ قلبُهُ بحصولِ
ما أرادَه، أخرجه الطَّبَري (٤٩/٣) عن ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق
الحَكَم بن أبانَ عن ◌ِكْرمة قال: المراد ليطمَئِنَّ قلبي أنَّهم يعلمونَ أنَّك تُحيي الموتى.