Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ باب ١٧ / ح ٣٣٧٨ -٣٣٨١ كتاب أحاديث الأنبياء ابن الرَّبيع بن سَبْرة بن مَعبَد، عن أبيه عن جَدّه سَبْرة - وهو بفتح المهمَلة وسكون الموحّدة - الجُهَني قال: قال رسول الله وَ له لأصحابه حين راحَ من الحِجر: ((مَن كان عَجَنَ منكم من هذا الماء عَجينَه، أو حاسَ به حَيْساً، فليُلِقِهِ))، وليس لسَبْرةَ بن مَعبَد في البخاري إلّا هذا الموضع، وقد أغفَلَه المِّي في ((الأطراف)) كالذي بعده. وأمَّا حديث أبي الشَّمُوس - وهو بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلة، وهو بَكْري لا يُعرَف اسمه - فَوَصَلَ حديثه البخاري في ((الأدب المفرَد))(١) والطبراني (٨٢٦/٢٢) وابن مَندَهْ من طريق سُلَيم بن مُطير عن أبيه عنه قال: كنّا مع رسول الله وَله في غزوة تَبُوك ... فذكر الحديث، وفيه: ((فألقى ذو العَجين عَجِينَه، وذو الخَيْس حَيسَه))، ورواه ابن أبي عاصم(٢) من هذا الوجه وزادَ: فقلت: يا رسول الله، قد حَسَيتُ حَيْسَةً، أفأُلِقِمها راحلتي؟ قال: ((نعم)). قوله: ((وقال أبو ذرِّ عن النبي وَ له: مَن اعتَجَنَ بمائِه)) وَصَلَه البزَّار (٣٩٧١) من طريق عبد الله بن قُدامةَ عنه: أنَّهم كانوا مع النبي وَّهِ في غزوة تَبُوك، فأتَوْا على وادٍ فقال لهم النبي ◌َّ: ((إنَّكم بوادٍ مَلعونٍ فأَسرِعوا، وقال: مَن اعتَجَنَ عَجِينَه، أو طَبَخَ قِدراً فليَكُبَّها)» الحديث، وقال: لا أعلمه إلّا بهذا الإسناد(٣). قوله في آخر حديث نافع: ((وأُمَرَهم أن يَسْتَقُوا من البِثْر التي كان تَرِدها الناقةُ)) في رواية الكُتْمِيهني: «التي كانت تَرِدها الناقة)»، وتَضَمَّنَت هذه الرِّواية زيادةً على الرِّوايات الماضية. وسُئِلَ شيخنا الإمام البُلقِيني: من أين عُلمَت تلكَ البئر؟ فقال: بالتَّواتُرِ، إذ لا يُشتَرَط فيه الإسلام. انتهى، والذي يَظهَر أنَّ النبي ◌َّهِ عَلِمَها بالوحي، ويُحمَل كلام الشَّيخ على مَن سيجيءُ بعد ذلك. = ((تغليق التعليق)) ١٩/٤. (١) كذا وقع هنا، وفي ((تغليق التعليق)) ٤/ ٢٠ عزاه إلى ((الكنى المفرد)»، ولم نقف عليه في المطبوع من الکتابین. (٢) في ((الآحاد والمثاني)) (٢٦١٢). (٣) وهو إسناد ضعيف، عبد الله بن قدامة لا يُعرَف، والراوي عنه هو علي بن زید بن جُدْعان، وهو ضعيف. ٤٢ باب ١٧ / ح ٣٣٧٨ - ٣٣٨١ فتح الباري بشرح البخاري وفي الحديث كراهة الاستقاء من بِئَار ثَمُود، ويَلتَحِقِ بها نظائرُها من الآبار والعيون التي كانت لمن هَلَكَ بتعذيبِ الله تعالى على كفره. واختُلِفَ في الكراهة المذكورة: هل هي للتَّزيه أو للتَّحريم؟ وعلى التَّحريم هل يَمتَنِعِ صِحَّة التطهُّر من ذلك الماء أم لا؟ وقد تقدَّم كثير من مباحث هذا الحديث في ((باب الصلاة في مواضع الخَسْف والعذاب)) من أوائل الصلاة (٤٣٣). قوله: ((تابَعَه أُسامة)) يعني: ابن زيد اللَّيثي ((عن نافع)) أي: عن ابن عمر، رُوّينا هذه الطَّريق موصولة في حديث حَرمَلة عن ابن وَهْب قال: ((أخبرنا أُسامة بن زيد)» فذكر مِثلَ حديث عُبيد الله: وهو ابن عمر العُمَري، وفي آخره: وأمَّرَهم أن يَنزِلوا على بئر ناقة صالح ويَستقُوا منها. قوله: ((حدَّثنا محمَّدٌ)) هو ابن مُقاتلٍ، وعبدُ الله: هو ابن المبارك. قوله: ((لا تَدخُلُوا مَساكنَ الذينَ ظَلَموا)) زاد في رواية الكُشْمِيهني: ((أنفُسَهم))، وهذا يَتَنَاوَلُ مَساكنَ ثَمُودَ وغيرهم ثمَّن هو كصِفَتِهِم، وإن كان السَّبَبُ وَرَدَ فيهم. قوله في الرواية الأخرى: ((حدَّثْنا وَهْبٌ)) هو ابن جَرِير بن حازمٍ، ويونسُ: هو ابن يزيدَ الأَيلي. قوله: ((إلّا أن تكونوا باكينَ)) كذا للجميع، لكن زَعَمَ ابن النِّن أنَّه وَقَعَ في رواية القابِسي: ((إلّا أن تكونوا باكِيِينَ)) بتحتانيتَين، قال: وليس بصحيح؛ لأنَّ الياءَ الأولى مكسورةٌ في الأصلِ، فاستُثِقِلَت الكسرةُ وحُذِفَت إحدى الياءَين لالتِقاءِ الساكنَين. قوله: ((أن يُصيبكم ما أصابهم)) أي: كراهيةَ أو خَشْيَةَ أن يُصيبَكم، والتَّقديرُ عند الكوفيينَ: لئلّا يُصيبَكم، ويُؤْيِّدُ الأوَّلَ أنَّه وَقَعَ في روايةٍ لأحمدَ: ((إلّا أن تكونوا باكِينَ، فإن لم تكونوا باكينَ فَتَبَاكَوْا، خَشْيَةَ أن يُصيبَكم ما أصابهم))(١). (١) هذه الرواية بهذا اللفظ لم نقف عليها عند أحمد ولا غيره، وأقرب الروايات إليها رواية عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد في هذا الحديث عند مسلم (٢٩٨٠) (٣٩) ففيها: (( ... إلّا أن تكونوا باكين حذراً أن یصیبکم ما أصابهم». ٤٣ باب ٧ كتاب أحاديث الأنبياء وروى أحمدُ (١٤١٦٠) والحاكمُ (٢/ ٣٢٠ و ٣٤٠-٣٤١) بإسنادٍ حسنٍ عن جابرٍ قال: لمَّا مَّ / رسولُ الله وَلَه بالحجرِ قال: ((لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، وكانت ٣٨١/٦ الناقةُ تَرِدُ من هذا الفَجِّ وتَصدُرُ من هذا الفَجِّ، فعَتَوْا عن أمرِ ربِّهم، وكانت تشربُ يوماً ويَشرَبونَ لَبَنَها يوماً، فعَقَروها فأخَذَتهم صَيحةٌ أهمَدَ اللهُ مَن تحت أديمِ السماءِ منهم إلّا رجلاً واحداً كان في حَرَمِ الله، وهو أبو رِغالٍ، فلمَّا خَرَجَ من الحَرَمِ أصابه ما أصابَ قومَه))، وروى عبدُ الرَّزّاق عن مَعمَر عن الزُّهْري قال: أبو رِغالٍ هو الجدُّ الأعلى لثَقيفٍ، وهو بكسر الرّاءِ وتخفيفِ الغَين المعجمة. تنبيه: وَقَعَ هذا البابُ في أكثرِ نُسَخِ البخاري مُتأخِّراً عن هذا الموضع بعِدَّة أبوابٍ، والصَّوابُ إثباتُه هنا، وهذا ممّا يُؤْيِّدُ ما حكاه أبو الوليد الباجيّ عن أبي ذرِّ الْهَرَوي: أنَّ نُسْخةَ الأصلِ من البخاري كانت ورقاً غيرَ مَحَبُوكٍ، فُرُبَّما وُجِدَت الورقةُ في غير موضعِها فنُسِخَت على ما وُجِدَت، فَوَقَعَ في بعضِ التَّرَاجِمِ إشكالٌ بحَسَبٍ ذلك، وإلّا فقد وَقَعَ في القرآن ما يدلُّ على أنَّ ثَمُودَ كانوا بعدَ عادٍ كما كان عادٌ بعدَ قومِ نوحٍ. ٧- باب قول الله تعالی: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٣-٨٤]: طريقاً ... إلى قولِه: ﴿ءَاتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ واحدُها: زُبْرَةٌ، وهي القِطَعُ، ﴿حَتَّإِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يقال عن ابن عبّاسٍ: الجبلَين. و﴿السَّدَّيْنِ﴾: الجبلَين، ﴿خَرْجًا﴾: أجْراً، ﴿قَالَ أَنفُخُواْ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: أَصُبُّ عليه رَصَاصاً، ويقال: الحديدُ، ويقال: الصُّفْر، وقال ابنُ عبَّاسٍ: النُّحاس. ﴿فَمَا اسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ ﴾: يَعْلوه، اِسْطَاعَ: اسْتَفْعَلَ من: طُعْتُ له، فلذلك فُتِحَ أَسْطاعَ يُسطِيع، وقال بعضُهم: استَطاعَ يَستَطيع. ﴿وَمَا اسْتَطَّعُواْلَهُ نَقْبًا ) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبٍِ جَعَلَهُ, دَكَءَ﴾: الزَّقَه بالأرضِ، ويقال: ناقةٌ دَكّاءُ: لا سَنامَ لها، والدَّكْداكُ مِن الأرضِ مِثْلُه، حتَّى صَلُبَ وَلَبَّدَ ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبِ حَقًّا ◌َ ﴿ وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَیٍِيَمُوجُ فِبَعْضٍ﴾. ٤٤ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري ﴿ حَقََّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوْجُ وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، قال قَتَادةُ: حَدَبٌ: أَكَمَةٌ. قال رجلٌ للنبيِّ ◌َّةِ: رأيتُ السَّدَّ مِثلَ البُرْدِ المحَيَّرِّ، قال: ((رأيتَه)). ٣٨٢/٦ قوله: «باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿سَبَبًا﴾» كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيرُه الآية، ثمَّ اَّفَقوا: ((إلى قوله تعالى: ﴿مَاتُوِ زُبَرَ اٌلْحَدِيدِ﴾))، وفي إيراد المصنّف ترجمة ذي القَرنَين قبل إبراهيم، إشارةٌ إلى توهين قول مَن زَعَمَ أنَّه الإسكَندَر اليوناني، لأنَّ الإسكَندَر كان قريباً من زمن عيسى عليه السلام، وبين زمن إبراهيم وعيسى أكثرُ من ألفَي سنة، والذي يَظهَر أنَّ الإسكَندَر المتأخّر لُقْبَ بذي القَرنَين تشبيهاً بالمتقدِّم، لسَعَة مُلكه وغَلَبَتْه على البلاد الكثيرة، أو لأنَّه لمَّا غَلَبَ على الفُرس وقتل مَلِكَهم، انتَظَمَ له مُلك المملكتين الواسعَتَين: الرُّومِ والفُرس، فلُقِّبَ ذا القَرنَين لذلك، والحقُّ أنَّ الذي قَصَّ الله نَبَّأَه في القرآن هو المتقدِّم، والفرقُ بینھما من أوجُهٍ: أحدها: ما ذكرتُه، والذي يدلّ على تَقَدُّم ذي القَرنين ما روى الفاكِھيّ من طريق عُبيد ابن عُمَير، أحد كِبار التابعينَ: أنَّ ذا القَرنَين حَجَّ ماشياً، فسمعَ به إبراهيم فتَلَقّه(١)، ومن طريق عطاء عن ابن عبّاس: أنَّ ذا القَرنَين دَخَلَ المسجد الحرام فسَلَّمَ على إبراهيم وصافَحَه، ويقال: إنَّه أوَّل مَن صافَحَ. ومن طريق عثمان بن ساج: أنَّ ذا القَرنَين سأل إبراهيم أن يَدعُوَ له فقال: وكيف وقد أفسَدتُم بِثْري؟ فقال: لم يكن ذلك عن أمري، يعني: أنَّ بعض الجند فعلَ ذلك بغير عِلمه. وذكر ابن هشام في ((التّيجان)): أنَّ إبراهيم تَحَاكَمَ إلى ذي القَرنَين في شيء فحَكَمَ له، وروى ابن أبي حاتم من طريق عِلْباءَ بن أحمرَ (٢): أنَّ ذا القَرِنَين قَدِمَ مَّة فوَجَدَ إبراهيم وإسماعيل يبنيانِ الكعبة، فاستَفْهَمهما عن ذلك فقالا: نحنُ عبدانٍ مأموران، فقال: مَن يَشهَد لكما؟ فقامَت خمسة أكبُشٍ فشَهِدَت، فقال: قد صَدَقتُما، (١) رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٨٣٥)، لكن عن عبد الله بن عبيد بن عمير، لا عن أبيه. وأثر ابن عباس عنده برقم (٨٣٦). وأما أثر عثمان بن ساج فهو عن وهب بن منبِّه، وهو عنده أيضاً برقم (١٠٥٥). (٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: علي بن أحمد. ٤٥ باب ٧ كتاب أحاديث الأنبياء قال: وأظنّ الأكبُش المذكورة حجارة، ويحتمل أن تكون غَنَماً. فهذه الآثار يَشُدّ بعضها بعضاً، وتدلُّ على قِدَم عَهد ذي القَرنَین. ثاني الأوجُه: قال الفَخْرِ الرّازي في «تفسيره)»: كان ذو القَرنَين نبيّاً، وكان الإسكندر كافراً، وكان مُعلِّمُه أرَسطا طاليس، وكان يأتمرُ بأمره، / وهو من الكفّار بلا شَكٌّ. وسأذكُرُ ٣٨٣/٦ ما جاء في أنَّه كان نبياً أم لا. ثالثها: كان ذو القَرنَين من العرب كما سنذكر بعدُ، وأمَّا الإسكندر فهو من اليونان، والعرب كلُّها من ولد سام بن نوح بالاتِّفاق، وإن وَقَعَ الاختلاف هل هم كلّهم من بني إسماعيل أو لا؟ واليونان من ولد يافث بن نوح على الرّاجِح، فافتَرَقا. وشُبهَة مَن قال: إنَّ ذا القَرنَين هو الإسكَندَر، ما أخرجه الطَّبَري ومحمَّد بن ربيع الجيزي في ((كتاب الصَّحابة الذينَ نزلوا مِصرَ)) بإسنادٍ فيه ابن لَهِيعة: أنَّ رجلاً سأل النبيَّ وَِّ عن ذي القَرنَين فقال: ((كان من الرُّومِ فَأُعطي مُلكاً، فصارَ إلى مِصر وبنى الإسكندرية، فلمَّا فَرَغَ أتاه مَلَكُ فعَرَجَ به فقال: انظُر ما تحتك، قال: أرى مدينةً واحدةً، قال: تلكَ الأرضُ كلُّها، وإنَّما أراد الله أن يُرِيَك وقد جَعَلَ لك في الأرض سُلطانً، فسِرْ فيها، وعَلِّم الجاهل وثبِّت العالم))، وهذا لو صَحَّ لَرَفَعَ النِّزاعِ، ولكنَّه ضعيف، والله أعلم. وقد اختُلِفَ في ذي القَرنین، فقيل: كان نبياً، کما تقدَّم، وهذا مرويُّ أیضاً عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وعليه ظاهر القرآن، وأخرج الحاكم (٣٦/١) من حديث أبي هريرة قال النبي ◌َّ: ((لا أدري ذو القَرنَين كان نبياً أو لا))، وذكر وَهْب في ((المبتدَأ)): أنَّه كان عبداً صالحاً، وأنَّ الله بَعَثَه إلى أربعة أُمَم: أمَّتَين بينهما طول الأرض، وأُمَّتَين بينهما عَرْض الأرض، وهي ناسك ومنسك، وتاويل وهاويل، فذكر قصَّة طويلة حكاها الثَّعَبي في ((تفسيره)). وقال الزُّبَير في أوائل كتاب ((النَّسَب)): حدَّثنا إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عِمران، عن هشام بن سَعْد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن أبي العُّفَيلِ: سمعت ابن الكَوّا يقول لعليّ بن أبي طالب: أخبرني ما كان ذو القَرنَينِ؟ قال: كان ٤٦ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري رجلاً أحَبَّ اللهَ فأحَبَّه، بَعَثَه الله إلى قومه فضَرَبوه على قَرْنه ضربة ماتَ منها، ثمَّ بَعَثَه الله إليهم فضَرَبوه على قَرْنه ضربة ماتَ منها، ثمَّ بَعَثَه الله فسُمّي ذو القَرنَين. وعبد العزيز ضعيف، ولكن تُوبعَ عن أبي الطُّفَيل، أخرجه سفيان بن عيينةً في ((جامعه)) عن ابن أبي حسين عن أبي الطَّفَيل نحوه، وزادَ: وناصَحَ اللهَ فناصَحَه، وفيه: لم يكن نبيّاً ولا مَلِكاً. وسنده صحيح سمعناه في ((الأحاديث المختارة)) (٥٥٥) للحافظِ الضّياء، وفيه إشكال؛ لأنَّ قوله: ((لم يكن نبياً) مُغاير لقوله: ((بَعَثَه الله إلى قومه))، إلّا أن يُحمَل البعثُ على غير رسالة النبوّة. وقيل: كان مَلَكاً من الملائكة، حكاه الثَّعلَبي، وهذا مَرويٌّ عن عمر أنَّه سمعَ رجلاً يقول: يا ذا القَرنَين، فقال: تُسَمّيه بأسماءِ الملائكة؟ وحَكَى الجاحظ في ((الحيوان)): أنَّ أمّه کانت من بنات آدم، وأنَّ أباه كان من الملائكة، قال: واسم أبيه فیری، واسم أمّه عیری. وقيل: كان من الملوك، وعليه الأكثر، وقد تقدَّم من حديث عليّ ما يُومِئ إلى ذلك، وسيأتي في ترجمة موسى (٣٤٠٠) في الكلام على أخبار الخَضِر. واختُلِفَ في سبب تسميته ذا القَرنَين، فتقدَّم قول علي، وقيل: لأنَّه بَلَغَ المشرقَ والمغرب، أخرجه الزُّبَير بن بَكّارٍ من طريق سليمان بن أسيدٍ عن ابن شهاب قال: إنَّما سُمّي ذا القَرنَين لأنَّ بَلَغَ قرنَ الشمس من مغربها، وقرنَ الشمس من مَطلَعها، وقيل: لأنَّه مَلَكَهما. وقيل: رأى في مَنامه أنَّه أخَذَ بقَرنَي الشمس، وقيل: كان له قَرنانِ حقيقة، وهذا أنگره عليّ في روایة القاسم بن أبي بزَّة، وقيل: لأنّه كان له ضَفِیرتان تواریهما ثيابه، وقيل: لأنَّه كانت له غَديرتان طويلَتان من شَعره حتَّى كان يَطَأً عليهما، وتسمية الضَّفيرة من الشَّعر قَرناً معروف، ومنه قول أمّ عَطيَّة: ((وضَفَرْنا شَعرَها ثلاثةَ قُرون))(١)، ومنه قول جميل: فَلَثَمتُ فاهَا آخِذاً بقُرونِها وقيل: كانت صَفْحتا رأسه من نحاس، وقيل: لتاجه قرنانِ، وقيل: كان في رأسه شِبْهُ (١) سلف عند البخاري برقم (١٢٦٢). ٤٧ باب ٧ كتاب أحاديث الأنبياء القرنين، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة. وقيل: لأنَّه عُمِّرَ حتَّى فَنِيَ في زَمَنه قَرنانِ من الناس، وقيل: لأنَّ قَرنَي الشيطان عند مَطلِعِ الشمس وقد بَلَغَه، وقيل: لأنَّه كان كريمَ الطَّرَفَين: أمّه وأبوه من بيت شَرَف، وقيل: لأَنَّه كان إذا قاتَلَ قَاتَلَ بيدَيه ورِكابَيهِ جميعاً، وقيل: / لأنَّه أُعطيَ عِلمَ الظاهر والباطن، وقيل: ٣٨٤/٦ لأَنَّه مَلَكَ فارس والرُّوم. وقد اختُلِفَ في اسمه، فروى ابن مَرْدويه من حديث ابن عبّاس، وأخرجه الزُّبَير في كتاب ((النَّسَب)) عن إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن إسماعيل ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصَين، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قال: ذو القَرنَين عبدُ الله ابن الضَّحّاك بن مَعَدِّ بن عدنان، وإسناده ضعيف جدّاً لضعفٍ عبد العزيز وشيخه، وهو مُبَايِن لمَا تقدَّم أنَّه كان في زمن إبراهيم، فكيف يكون من ذُرّيته، لا سيما على قول من قال: كان بين عدنان وإبراهيم أربعونَ أباً أو أكثر، وقيل: اسمه الصَّعْب، وبه جَزَمَ كعب الأحبار، وذكره ابن هشام في ((التِّيجان)) عن ابن عبّاس أيضاً، وقال أبو جعفر بن حبيب في كتاب ((المحَبَّ)): هو المنذر بن أبي القَيْس، أحد ملوك الحيرة، وأُمّه ماءُ السماء ماوية بنت عَوْف بن جُشَم، قال: وقيل: اسمه الصَّعب بن قَرْن بن همّال من ملوك حِمِيَ، وقال الطَّبَري: هو إسكندروس بن فيلبوس، وقيل: فيلبس، وبالثّاني جَزَمَ المسعودي، وقيل: اسمه الهَمَيْسع، ذكره الهَمْداني في كتاب ((النَّسَب)) قال: وكُنْيته أبو الصَّعب، وهو ابن عمرو بن عریب بن زيد بن گھْلان بن سبأ، وقيل: ابن عبد الله بن قرین بن منصور بن عبد الله بن الأزْدِ، وقيل: بإسقاط عبد الله الأوَّل. وأمَّا قول ابن إسحاق الذي حكاه ابن هشام عنه: أنَّ اسم ذي القَرنَين مَرزُبان بن مردية، بدال مُهمَلة، وقيل: بزايٍ، فقد صُرِّحَ بأنَّه الإسكَندَر، ولذلك اشتَهرَ على الألسِنة لشُهرة ((السِّيرة)) لابن إسحاق، قال السُّهَيلي: والظّاهر من عِلم الأخبار أنَّهما اثنان: أحدهما كان على عَهد إبراهيم، ويقال: إنَّ إبراهيم تَحَاكَمَ إليه في بئر السَّبع بالشّام، فقضى لإبراهيم، ٤٨ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري والآخر كان قريباً من عَهْد عیسى. قلت: لكنَّ الأشبَهَ أنَّ المذكور في القرآن هو الأوَّل، بدليلِ ما ذُكِرَ في ترجمة الخَضِرِ حيثُ جرى ذِكْرُه في قصَّة موسى قريباً(١) أنَّه كان على مُقدِّمة ذي القَرنَينِ، وقد ثَبَتَت قصَّة الخَضِر مع موسى، وموسى كان قبل زمن عيسى قطعاً، وتأتي بقيّة أخبار الخَضِر هناك إن شاء الله تعالى. فهذا علی طریق مَن یقول: إنَّه الإسكندر، وحگی السُّهيلي أنَّه قیل: إنَّه رجل من ولد یونان بن يافث، اسمه هرمس، ويقال: هرديس. وحَكَى القُرطُبي المفسِّر تَبَعاً للسُّهَيلي أنَّه قيل: إنَّه أَفرِيدون، وهو الملك القديم للفُرسِ الذي قتل الضَّحّاكَ الجبّار الذي يقول فيه الشّاعر(٢). فكأنَّه الضَّحّاك في فَتَكاتِهِ بالعالَمِينَ وأنتَ أَفِرِيدونُ وللضَّحَاكِ قِصَص طويلة ذكرها الطَّبَري وغيره. والذي يُقوِّي أَنَّ ذا القَرنَين من العرب، كَثْرة ما ذَكَروه في أشعارهم، قال أعشى بني ثَعْلبة: والصَّعبُ ذو القَرنَين أمسى ثاوياً بالحِنْو في جَدَثٍ هناك مُقِيمُ والحِنْو - بكسر المهمَلة وسكون النُّون - في ناحية المشرق. وقال الرَّبيع بن ضبع(٣): والصَّعبُ ذو القَرنَين عُمِّرَ مُلكُه ألفَينِ أَمسى بعد ذاكَ رَمِيماً وقال قُسّ بن ساعدة: والصَّعبُ ذو القَرنَين أَصبَحَ ثاوِياً بالحِنْو(٤) بين مَلاعِب الأرواحِ (١) سيأتي في هذا الكتاب: باب (٢٧): حديث الخضر مع موسى. (٢) هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، وهذا البيت من قصيدة يمدح بها الأفشين أحد قادة الجيوش في الدول العباسية زمن المأمون والمعتصم، وهو في ((ديوانه)) ص ٣٠٧ -٣١٠. (٣) تحرف في (س) إلى: ضبيع، بالتصغير. (٤) في (أ): بالهد، وفي (ع): بالحد، وفي (س): باللحد، وكل تحريف على الحنو. ووقع في (ع) و(س) في آخر البيت: الأرياح، والأفصح في جمع الريح: الأرواح، بالواو. ٤٩ باب ٧ كتاب أحاديث الأنبياء وقال تُبَّع الحميري: قد كان ذو القَرنَين قبلي مسلماً مَلِكاً تَدِينُ له الملوكُ وتُحشَدُ من بعدِهِ بَلِقِيسُ كانت عَمَّتِي مَلَكَتهم حتَّى أَناها الهُدهُدُ وقال بعض الحارثيينَ يَفْتَخِرِ بكَونِ ذي القَرنَين من اليمن، يخاطب قوماً من مُضَر: سَمّوالنا واحداً منكم فنَعرِفَهُ في الجاهليةِ لاسم المُلْكِ مُحْتِمِلا كالتُّبَّعِينَ وذي القَرنَينِ يَقبلُهُ أهل الحِجَى وأحقُّ القولِ ما قُبِلا وقال التُّعمان بن بشير الأنصاري، الصَّحابي ابن الصَّحابي: ٣٨٥/٦ ومَن ذا يُعادِينا من الناس مَعشَرٌّ كِرامٌ وذو القَرنَين ◌ِمِنّا وحاتمُ ويُؤخَذ من أكثر هذه الشَّواهد أنَّ الرّاجِح في اسمه الصَّعب، ووَقَعَ ذِكْر ذي القَرنَين أيضاً في شعر امرئ القيس وأوس بن حُجْر وطَرَفة بن العَبْد وغيرهم. وأخرج الزُّبَير بن إبراهيم بن المنذر عن محمَّد بن الضَّحّاك بن عثمان عن أبيه عن سفيان الثَّوري قال: بَلَغَنِي أَنَّه مَلَكَ الدُّنيا كلَّها أربعة: مُؤمِنان وكافران، سليمانُ النبي عليه السلام وذو القَرِنَين، ونمرودُ وبُختَنَصَّرُ. ورواه وكيع في ((تفسيره)) عن العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهداً يقول: مَلَكَ الأرض أربعةٌ، فسَمّاهم. قوله: (﴿سَبَبًا﴾: طريقاً)) هو قول أبي عبيدة في ((المجاز)، وروى ابن أبي شيبة (١١/ ٥٦٣- ٥٦٤) من حديث عليّ مرفوعاً أنَّه قيل له: كيف بَلَغَ ذو القرنَينِ المشرقَ والمغرب؟ قال: سُخِّرَ له السَّحاب، وبُسِطَ له النُّور، وبَدَت له الأسبابُ. قوله: ((﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾: واحدُها: زُبْرة، وهي القِطَع)) هو قول أبي عبيدة أيضاً قال: زُبَر الحديد، أي: قِطَع الحديد، واحدها: زُبْرة. قوله: ((﴿حَفَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يقال عن ابن عبّاس: الجبلَین)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال: بين الجبلَينِ، وقال أبو عبيدة: قوله: ﴿بَيْنَ الصَّلَفَيْنِ﴾ أي: ما بين الناحيتين من الجبلين. ٥٠ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((والسَّدَّين: الجبلَين)) روى ابن أبي حاتم من حديث عُقْبة بن عامر مرفوعاً في قصَّة ذي القَرنَين، وأنَّه سارَ حتَّى بَلَغَ مَطلِعَ الشمس، ثمَّ أتى السَّدَّين، وهما جبلان لَيِّنان يَزْلَق عنهما كلُّ شيء فبنى السَّدَّينِ، وفي إسناده ضعف، والسَّدَّين: بالفتح والضَّمّ بمعنّى، قاله الكِسَائي، وقال أبو عَمْرو بن العلاء: ما كان من صُنع الله فبالضَّمِّ، وما كان من صُنع الآدمي فبالفتح، وقيل: بالفتح ما رأيتَه، وبالضَّمِّ ما تَوارَى عنك. قوله: ((﴿خَرْحًا﴾: أجْراً) روى ابن أبي حاتم من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس قال: ﴿خَرْجًا﴾ قال: أجراً عظيماً. قوله: ((﴿َانُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: أصُبّ عليه رَصَاصاً، ويقال: الحديد، ويقال: الصُّفْر. وقال ابن عبّاس: النُّحاس)) أمَّا القول الأوَّل والثّاني فحكاهما أبو عُبيدة، قال في قوله: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِظْرًا﴾، أي: أصُبّ عليه حديداً ذائباً، وجعله قومُ الرَّصاص. انتهى، والرَّصاص: بفتح الرّاء وبكسرها أيضاً، وأمَّ الثّالث فرواه ابن أبي حاتم من طريق الضَّحّاك قال: ﴿أُفْرِعْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قال: صُفْراً. وأمّا قول ابن عبّاس فوَصَلَه ابن أبي حاتم باسنادٍ صحیح إلى عكرمة عن ابن عبّاس قال: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِظْرًا﴾ قال: النُّحاس. ومن طريق السُّدّي قال: القِطْر: النُّحاس المذاب، وبناه لهم بالحديد والنُّحاس. ومن طريق وَهْب بن مُنبِّه قال: شَرَّفَه بزُبَرِ الحديد والنُّحاس المذاب، وجَعَلَ خِلَاله(١) عِرقاً من نُحاس أَصفَر، فصارَ كأنَّه بُرْدٌ مُبَّر من صُفْرة النُّحاس وُمرَته وسواد الحديد. قوله: ((﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: يَعْلوه)) هو قول أبي عبيدة قال: ﴿فَمَا أَسْطَعُوَأْ أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾، أي: أن يَعلُوه، تقول: ظَهَرتُ فوق الجبل، أي: عَلَوته. قوله: ((اسطاعَ: استَفْعَلَ من: طُعْت له، فلذلك فُتِحَ أَسطاعَ يُسطِيع، وقال بعضهم: استَطاعَ ٣٨٦/٦ يستطيع)) يعني: بفتح الهمزة من / ((أسطاعَ)) وضمِّ الياء من ((يُسطِيع)). (١) في (س): وجعل له، وهو خطأ. ٥١ باب ٧ كتاب أحاديث الأنبياء قوله: ((﴿جَعَلَهُ ذَكَءَ﴾: ألزَقَه بالأرضِ، ويقال: ناقةٌ دَكّاءُ: لا سَنامَ لها، والدَّكْداك من الأرض مِثْله، حتَّى صَلُبَ وتَلبَّدَ)) قال أبو عُبيدة: ﴿جَعَلَهُ ذَكَءَ﴾ أي: تَرَكَه مَدكوكاً، أي: ألزَقَه بالأرضِ، ويقال: ناقة دَكّاءُ، أي: لا سَنام لها مُستَوية الظّهر، والعرب تَصِف الفاعل والمفعول بمصدرهما، فمِن ذلك: جعله دَكّاً (١)، أي: مَدكوكاً. قوله: ((وقال قَتَادةُ: حَدَبٌ: أَكَمَة)) قال عبد الرَّزّاق في ((النَّفْسير)) (٢/ ٢٧) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿ حَتَّىَ إِذَا فُيِحَتْ يَأْجُوعُ وَمَأْجُوعُ وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ قال: من كلّ اكَمَة. ويَأْجُوج ومَأْجُوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح، روى ابن مَرْدويه والحاكم من حديث حُذَيفة مرفوعاً: ((يَأُوج أمَّة ومَأُجُوج أمَّة، كلَّ أمَّة أربع مئة ألف رجل، لا يموت أحدهم حتَّى يَنظُرَ إلى ألف رجل من صُلْبه، كلّهم قد ◌َمَلَ السِّلاحِ، لا يَمُرّونَ على شيءٍ إذا خَرَجوا إلّا أكَلوه، ويأكلونَ مَن ماتَ منهم))(٢)، وسيأتي مَزِيد لذلك في كتاب الفتن (٧١٣٥) إن شاء الله تعالى. وقد أشارَ النَّوَوي وغيره إلى حكاية مَن زَعَمَ أنَّ آدم نامَ فاحتَلَمَ، فاختَلَطَ مَنُّه بتراب فَتَوَلَّدَ منه ولدُ يَأْجُوج ومَأُوج من نَسْلهِ، وهو قول مُنگر جدّاً لا أصل له إلّا عن بعض أهل الكتاب. وذكر ابن هشام في ((التِّيجان)): أنَّ أمَّةً منهم آمنوا بالله، فَتَرَكَهم ذو القَرنَين لمَّا بنى السَّدَّ بأرِمِينِيَةَ، فسُمُّوا التُّرك لذلك. قوله: ((وقال رجل للنبي وَ له: رأيتُ السَّدَّ مِثْلِ البُرْد المحَبَّر، قال: رأيتَه)) وَصَلَه ابن أبي عمر من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة عن رجل من أهل المدينة: أنَّه قال للنبي وَلّى: (١) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر من السبعة، وقرأ الباقون: ((دكَّاءَ)). انظر ((السبعة)) لابن مجاهد ص٤٠٢. (٢) لم نقف عليه في ((مستدرك الحاكم))، ولم يخرجه الحافظ نفسه منه في كتابه «إتحاف المهرة))، وأخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٣٨٥٥)، وابن عدي في ((الكامل)) ١٦٨/٦ بإسناد تالف، وقال ابن عدي: منكر موضوع. وسیأتي کلام الحافظ عليه في كتاب الفتن. ٥٢ باب ٧ / ح ٣٣٤٦ -٣٣٤٨ فتح الباري بشرح البخاري يا رسول الله، قد رأيت سَدّ يَأجُوج ومَأْجُوج، قال: «كيف رأيته؟» قال: مِثل البُرْد المحَبَّر، طريقة حمراء، وطريقة سوداء، قال: ((قد رأيتَه))، ورواه الطبراني(١) من طريق سعيد بن بشير عن قَتَادة عن رجلين عن أبي بكرة: ((أنَّ رجلاً أتى النبي (وَل# فقال)) فذكر نحوه وزاد فيه زيادة مُنكّرة وهي: ((والذي نفسي بيده، لقد رأيتُه ليلة أُسري بي: لَبِنة من ذهبٍ ولَبِنة من فِضَّة))، وأخرجه البزَّار (٣٦٦٨) من طريق يوسف بن أبي مريم الخَنفي عن أبي بكرة ورجل رأى السَّدّ، فساقَه مُطوَّلاً(٢). ثمَّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث موصولة: ٣٣٤٦- حدّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ: أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ حدَّثْه، عن أمّ حبيبةَ بنت أبي سفيانَ، عن زينبَ بنتِ جَحْشٍ رضي الله عنهُنَّ: أنَّ النبيَّمَلِ دَخَلَ عليها فَزِعاً يقول: ((لا إلهَ إلا اللهُ، وَيِلٌ للعرَبِ من شَرِّ قِدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ من رَدْمِ بَأْجُوجَ ومَأْجُوَ مِثْلُ هذه)، وحَلَّقَ بإصْبَعِه الإبهامِ والتي تَلِيها، قالت زينبُ بنتُ جَْشٍ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتَهلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: ((نعم، إذا كَثُرُ الخَبَث». [أطرافه في: ٣٥٩٨، ٧٠٥٩، ٧١٣٥] ٣٣٤٧- حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((فَتَحَ اللهُ من رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثلَ هذه)) وعَقَدَ بَيَدِه تسعينَ. [طرفه: ٧١٣٦] ٣٣٤٨- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدّثنا أبو أسامةَ، عن الأعمَشِ، حدَّثنا أبو صالحٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ﴾، عن النبيِّ وََّ، قال: ((يقول الله تعالى: يا آدمُ، فيقول: لَبِّكَ وسَعْدَيكَ، والخيرُ في يَدَيكَ، فيقول: أخرِجْ بَعْثَ النارِ، قال: وما بَعْثُ النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعينَ، فعندَه بَشِيبُ الصَّغِیرُ، وتَضَعُ كلُّ ذاتٍ حَملٍ حملها، وتَری الناسَ سَكْرَی وما (١) في «مسند الشامیین)) (٢٧٥٨)، وسنده ضعيف جداً، وكذا الذي قبله لا يصُ. (٢) وسنده مسلسل بالضعفاء والمجاهيل. ٥٣ باب ٨ كتاب أحاديث الأنبياء هم بسَكْرى، ولكنَّ عذابَ الله شديدٌ)) قالوا: يا رسولَ الله، وأيُّنا ذلك الواحدُ؟ قال: ((أَبشِروا، فإنَّ مِنْكم رجلاً، ومن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألفٌ)) ثمَّ قال: ((والذي نفسي بيَدِه، إنّي أَرجُو أن تكونوا رُبُعَ أهلِ الجنَّة)) فكَبَّرْنا، فقال: ((أَرجُو أن تكونوا ثُلُثَ أهلِ الجنَّة)) فكَبَّرْنا، فقال: ((أَرْجُو أن تكونوا نِصْفَ أهلِ الجنَّة) فكَبَّرْنا، فقال: «ما أنتُم في الناسِ إلَّا كالشَّعرةِ السَّوْداءِ في جِلْدِ ثَوْرٍ أبيضَ)) أو ((كشَعرةٍ بيضاءَ في جِلْدِ ثَوْرٍ أسوَدَ)). [أطرافه في: ٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣] أحدها: حديثُ زينب بنت جَحْش في ذِكْرِ رَدْم يَأْجُوج ومَأْجُوج، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في آخر كتاب الفتن (٧١٣٥). ثانيها: حديثُ أبي هريرة نحوه باختصارٍ، ويأتي هناك أيضاً (٧١٣٦). ثالثها: حديثُ أبي سعيد في بَعْث النار، وسيأتي شرحه في أواخر الرِّقاق (٦٥٣٠). والغرض منه هنا ذِكْر يَأْجُوج ومَأُجُوج والإشارة إلى كَثْرتهم، وأنَّ هذه الأُمَّة بالنّسبة إليهم نحو عُشر عُشر العُشر، وأنَّهم من ذُرّية آدم رَدّاً على مَن قال خِلافَ ذلك. ٨- باب قولِ الله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وقولِه: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَّا لِلّهِ ﴾ [النحل: ١٢٠]. وقولِه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيٌِّ﴾ [التوبة: ١١٤]. وقال أبو مَيسَرَةَ: الرَّحِيمُ بلِسَان الحَبَشة. قوله: ((باب قولِ الله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا ٣٨٩/٦ لِلِّ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾)) وكأنَّه أشارَ بهذه الآيات إلى ثَناءِ الله تعالى على إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم بالسُّريانية معناه: أبُّ راحم، والخليل فَعِيل بمعنى فاعل، وهو من الخُلَّة - بالضَّمِّ -: وهي الصَّداقة والمحبَّةِ التي تَخْلَّلَت القلبَ فصارت خِلالَه، وهذا صحيح بالنّسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حُبّ الله تعالى، وأمَّا إطلاقه في حَقّ الله تعالى فعلى سبيل المقابلة. ٥٤ باب ٨ فتح الباري بشرح البخاري وقيل: الخُلَّة أصلها الاستصفاءُ، وسُمّ بذلك لأنَّه يوالي ويُعادي في الله تعالى، وخُلَّة الله له نصرُه وجعلُه إماماً. وقيل: هو مُشتَقّ من الخَلَّة، بفتح المعجَمة: وهي الحاجة، سُمّ بذلك لانقطاعه إلى ربّه وقَصْرِه حاجتَه عليه. وسيأتي تفسير الآية في تفسير النَّحل إن شاء الله تعالى. وإبراهيم: هو ابن آزَرَ، واسمه تارَعُ - بمُثنّاةٍ وراء مفتوحة وآخره حاء مُهمَلة - بن ناحُور - بنونٍ ومُهمَلة مضمومة - بن شارُوخ - بمُعجَمة وراء مضمومة وآخره مُعجَمة - ابنِ راغوه - بغَيْنِ مُعجَمة - بن فالَخ - بفاءٍ ولام مفتوحة بعدها مُعجَمة - بن عبير، ويقال: عابَر - وهو بمُهمَلةٍ وموخَّدة - بن شالخ - بمُعجَمَتَين - بن أرفَخشَذ بن سام بن نوح، لا يختلف جُمهور أهل النَّسَب ولا أهل الكتاب في ذلك، إلّا في النُّطْق ببعضٍ هذه الأسماء. نعم ساقَ ابن حِبّان في أوَّل ((تاريخه)) خِلافَ ذلك، وهو شاذٌ. قوله: ((وقال أبو مَيسَرة: الرحيم بلِسان الحَبَشَة)) يعني: الأَوّاه، وهذا الأثر وَصَلَه وكيع في ((تفسيره) من طريق أبي إسحاق عن أبي مَيسَرَة عَمْرو بن شُرَحبيل قال: الأوّاه: الرحيم بلسان الحبَشَة. وروى ابن أبي حاتم(١) من طريق ابن مسعود بإسنادٍ حسنٍ قال: الأوّاه: الرحيم، ولم یقُل: بلسان الحبشة، ومن طریق عبد الله بن شدّاد، أحد كبار التابعينَ، قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: ((الخاشع المتضَرِّع في الدُّعاء))(٣)، ومن طريق ابن عبّاس قال: الأوّاه: الموقِن، ومن طريق مجاهد قال: الأوّاه: الحَفيظ، الرجل يُذْنِب الذَّنب سِرّاً ثمَّ يتوب منه ◌ِرّاً، ومن وجه آخر عن مجاهد قال: الأوّاه: المُنِيب الفقيه المُوقِن(٣). ومن طريق الشَّعبي قال: الأوّاه: المسبِّح، ومن طريق كعب الأحبار في قوله: ((أوّاهُ)) قال: كان إذا ذكر النار قال: أوّاهِ من عذاب الله. ومن طريق أبي ذرِّ قال: كان رجل يَطُوف بالبيتِ ويقول في (١) في ((تفسيره)) (١٨٩٦/٦). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٨٩٦/٦)، وفي سنده شهر بن حوشب، وهو ضعيف. (٣) تحرف في (س) إلى: الموفق. ٥٥ باب ٨ / ح ٣٣٤٩-٣٣٥٦ كتاب أحاديث الأنبياء دُعائه: أَوَّه أَوَّه، فقال النبيِ نَّةِ: ((إنَّه لَأوّاهُ)) رجاله ثقات إلّا أنَّ فيه رجلاً مُبهَماً. وذكر أبو عبيدة أنَّه فَعّال من التَّأُوُّه، ومعناه: مُتَضَرِّع شَفَقاً ولُزوماً لطاعة ربّه. ثم ذكر المصنّف في الباب عشرين حديثاً: ٣٣٤٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، حدَّثنا المغيرةُ بنُ النُّعْمان، قال: حدَّثني سعيدُ بنُّ جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إِنَّكم محشورونَ حُفاةً عُراةً غُزْلاً)) ثمَّ قرأَ: (﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَّ فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأوَّلُ مَن يُكْسَى يومَ القيامةِ إبراهيمُ، وإنَّ أُناساً من أصحابي يُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشِّمال، فأقولُ: أصحابي، أصحابي! فيقال: إنَّهم لم يزالُوا مُرتَدِّينَ على أعقابِهِم منذٌ فارَقْتَهم، / فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ إلى قولِه: ٣٨٧/٦ ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ -١١٨])). [أطرافه في: ٣٤٤٧، ٤٦٢٥، ٤٦٢٦، ٤٧٤٠، ٦٥٢٤، ٦٥٢٥، ٦٥٢٦] ٣٣٥٠- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: أخبرني أخي عبدُ الحميدِ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ، عن سعيدِ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ﴾، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((يَلْقَى إبراهيمُ أباه آزَرَ يومَ القيامةِ، وعلى وَجْه آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فيقول له إبراهيمُ: ألم أقل لكَ: لا تَعْصِني؟ فيقول أبوه: فاليومَ لا أَعْصِيكَ، فيقول إبراهيمُ: يا ربِّ، إِنَّكَ وعَدْتَني أن لا تُخْزِيَني يومَ يُبعَثونَ، فأيُّ خِزْىٍ أَخَزَى من أَبي الأبعَدِ؟ فيقول الله تعالى: إنّ حَرَّمْتُ الجنَّةَ على الكافِينَ، ثمَّ يقال: يا إبراهيمُ، ما تحتَ رِجْلَيكَ؟! فيَنظُرُّ، فإذا هو بذِيخِ مُلتَطِخِ، فَيُؤْخَذُ بقوائمِه فيُلقَى في النارِ)). [طرفاه في: ٤٧٦٨، ٤٧٦٩] ٣٣٥١- حدَّثْنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عَمْرٌو: أنَّ بُكَيراً حدَّثه، عن كُرَيبٍ مولى ابنِ عبَّاسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: دَخَلَ النبيُّ لَه البيتَ، فوَجَدَ فيه صورةَ إِبراهيمَ وصورةَ مريمَ، فقال ◌َّهِ: ((أمَّا هُم، فقد سَمِعوا أنَّ الملائكةَ لا تَدخُلُ بيتاً فيه صورةٌ، هذا إبراهيمُ مُصوَّرٌ، فما له يَستَقسِمُ؟!)). ٥٦ باب ٨ / ح ٣٣٤٩-٣٣٥٦ فتح الباري بشرح البخاري ٣٣٥٢ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَر، عن أيوبَ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّهَ لمَّا رَأى الصُّوَرَ في البيتِ، لم يَدخُلْ حتَّى أُمَرَ بها فمُحِيَت، ورَأى إبراهيم وإسماعيلَ عليهما السَّلام بأيدِيهما الأَزْلامُ، فقال: ((قاتَلَهم اللهُ! والله إنِ استَقْسَها بالأَزْلامِ قَطُّ». ٣٣٥٣- حدَّثْنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ﴾: قيل: يا رسولَ الله، مَن أكرَمُ الناسِ؟ قال: (أتقاهُم)) فقالوا: ليس عن هذا نَسألُكَ، قال: ((فيوسفُ نبيُّ الله ابنُ نبيِّ الله ابنِ نبيِّ الله ابنِ خليلِ الله)) قالوا: ليس عن هذا نَسألُكَ، قال: ((فعن مَعادِنِ العربِ تسألون؟ خِيارُهم في الجاهليّةِ خِيارُهم في الإسلامِ، إذا فَقُهوا)). قال أبو أُسامةَ ومُعتَمِرٌ: عن عُبيدِ الله، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّ. ٣٣٥٤- حدَّثْنا مُؤمَّلٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنَا عَوْفٌ، حدّثنا أبو رَجاءٍ، حدَّثنا سَمُرُ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَتاني اللَّيْلَةَ آتِيَانٍ، فَأَتَيْنا على رجلٍ طويلٍ لا أَكَادُ أَرَى رأسَه ◌ُولاً، وإِنَّه إبراهيمُ ◌ِ». [أطرافه في: ٣٣٧٤، ٣٣٨٣، ٣٤٩٠، ٤٦٨٩] ٣٣٥٥ - حدَّثْنِي بَيَانُ بنُ عَمرِو، حدَّثنا الَّضْرُ، أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، عن مجاهدٍ: أَنَّه سمعَ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وذَكَروا له الدَّجّالَ بينَ عينَيَه مكتوبٌ: كافرٌ، أو: ك ف ر، قال: لم أسمَعْه، ولكنَّه قال: ((أمَّا إبراهيمُ فانظُرُوا إلى صاحبِكم، وأمَّا موسى فجَعْدٌ آدمُ على جملِ أحمَرَ مخطومٍ بِخُلْبةٍ، كأنِي أَنظُرُ إليه انحَدَرَ في الوادي)). ٣٣٥٦- حدّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا مُغِيرةُ بنُ عبدِ الرحمن القُرَشِيُّ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌ِهِ: ((اختَنَ إبراهيمُ عليه السلام وهو ابنُ ثمانينَ سنةً بالقَدُّومِ)). تابَعَه عبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ، عن أبي الزِّناد، وتابَعَه عَجْلانُ، عن أبي هريرةَ، ورواه محمَّدُ ٥٧ باب ٨ / ح ٣٣٤٩-٣٣٥٦ كتاب أحاديث الأنبياء ابنُ عَمْرٍو، عن أبي سَلَمةَ. [طرفه في: ٦٢٩٨] حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شعيبٌ، حدَّثنا أبو الزّناد وقال: ((بالقَدُومِ)» مُفَّفَةً. أحدها: حديثُ ابن عبّاس في صفة الحَشْر، والمقصود منه قوله: ((وأوَّل مَن يُكسى يوم/ القيامة إبراهيم عليه السلام))، وروى البيهقي في ((الأسماء)) من وجه آخر(١) عن ابن عبّاس ٣٩٠/٦ مرفوعاً: ((أوَّل مَن يُكسى إبراهيمُ حُلًَّ من الجنَّة، ويُؤتى بكرسي فيُطرَح عن يمين العَرش، ويُؤتى بي فأُكسى حُلََّ لا يقوم لها البشر)). ويقال: إنَّ الحكمة في خَصُوصيّة إبراهيم بذلك، لكَونِهِ أُلقي في النار عُرياناً، وقيل: لأَنَّه أوَّل مَن لَبِسَ السَّراويل، ولا يَلزَم من خَصُوصيّته عليه السلام بذلك تفضيلُه على نبيِّنا محمَّد ◌َّةِ؛ لأنَّ المفضول قد يَمتاز بشيءٍ يُخَصُّ به ولا يَلزَم منه الفضيلة المطلَقة. ويُمكِن أن يقال: لا يَدخُل النبيِ وَِّ في ذلك، على القول بأنَّ المتكلِّم لا يَدخُل في عموم خطابه. وسيأتي مَزيدٌ لهذا في أواخر الرِّقاق (٦٥٢٤). وقد ثَبَتَ لإبراهيم عليه السلام أوَّليّات أُخرى كثيرة: منها: أوَّل مَن ضافَ الضَّيف، وقَصَّ الشّارب، واختَتَنَ، ورأى الشَّيب، وغير ذلك، وقد أتيتُ على ذلك بأدلَّةٍ في كتابي ((إقامة الدَّلائل على معرفة الأوائل)). وسيأتي شرح حديث الباب مُستَوفَّى في أواخر الرِّقاق إن شاء الله تعالى. ثانيها: حديثُ أبي هريرة: «یلقی إبراهيمُ أباه آزَر يوم القيامة))، وسيأتي شرحه في تفسیر الشُّعَراء (٤٧٦٨ و٤٧٦٩) إن شاء الله تعالى. ثالثها: حديثُ ابن عبّاس في رُؤية الصّوَر في البيت، أخرجه من وجهَينٍ، وقد مضى أيضاً في الحجّ (١٦٠١)، ويأتي شرحه فيما يتعلَّق بالأزلام في تفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى(٢). (١) بل هو عنده ص ٣٩٥ من هذا الوجه الذي عند البخاري، لكن من رواية شعبة عن المغيرة بن النعمان. (٢) كتاب التفسير: ١٠ - باب قوله: ﴿إِنََّا الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾. ٥٨ باب ٨ / ح ٣٣٤٩ -٣٣٥٦ فتح الباري بشرح البخاري رابعها: حديثُ أبي هريرة: ((قيل: يا رسول الله، مَن أكرَمُ الناس؟)) وسيأتي شرحه في قصّة يعقوب (٣٣٧٤). قوله: ((وقال أبو أسامة ومُعتَمِر عن عُبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة)) يعني: أنَّهما خالَفا يحيى القَطّن في الإسناد فلم يقولا فيه: ((عن سعيد عن أبيه)، ورواية أبي أُسامة وَصَلَها المصنِّف في قصَّة يوسف (٣٣٨٣)، ورواية مُعتَمِر وَصَلَها المؤلِّف في قصَّة يعقوب (٣٣٧٤). خامسها: حديثُ سَمُرة في المنام الطّويل الذي تقدَّم مع بعض شرحه في آخر الجنائز (١٣٨٦)، ذكر منه هنا طَرَفاً وهو قوله: ((فأتينا على رجل طويل لا أكادُ أرى رأسه طولاً، وإنَّه إبراهيم عليه السلام)»، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى إن شاء الله تعالى في كتاب التَّعبير (٧٠٤٧). سادسها: حديثُ ابن عبّاس، وقد سَبَقَ في الحجّ (١٥٥٥)، ويأتي شرحه في ذِكْر الدَّجّال (٧١٣١) وغيره (٥٩١٣)، والغرض منه قوله: ((أمَّا إبراهيم فانظُروا إلى صاحبكم))، وأشارَ بذلك إلى نفسه، فإنَّه كان أشبه الناس بإبراهيم عليه السلام. سابعها: حديثُ أبي هريرة: ((اختَتَنَ إبراهيم وهو ابن ثمانِينَ سنةً بالقَدّوم)) رُوِّيناه بالتَّشديد عن الأَصِيلي والقابِسي، ووَقَعَ في رواية غيرهما بالتَّخفيفِ، قال النَّوَوي: لم يختلف الرّواة عند مسلم في التَّخفيف، وأنكَرَ يعقوبُ بن شَيْبة التَّشديد أصلاً. واختُلِفَ في المراد به فقيل: هو اسم مكان، وقيل: اسم آلة النَّجّار، فعلى الثّاني هو بالتَّخفيفِ لا غير، وعلى الأوَّل ففيه اللُّغَتان، هذا قول الأكثر، وعَكَسَه الدّاوودي، وقد أنكَرَ ابن السِّكّيت التَّشديد في الآلة، ثمَّ اختُلِفَ في المراد به، فقيل: هي قرية بالشّام، وقيل: ثَنِيَّة بالسَّراة، والرّاجِح أنَّ المراد في الحديث الآلة، فقد روى أبو يَعْلى (١) من طريق عُليّ بن رَباح قال: أُمِرَ إبراهيم بالخِتان، فاختَتَنَ بقَدُوم فاشتَدَّ عليه، فأوحى الله إليه: أن عَجِلتَ قبل أن نأمُرك بآلَتِهِ، فقال: يا ربّ كرهتُ أن أُؤَخِّر أمرَك. قوله: ((حدَّثنا أبو اليَمَان، حدَّثنا شعيب، حدَّثنا أبو الزِّناد، وقال: بالقَدُوم، مُفَّفَة)) يعني: (١) أخرجه من طريقه ابن عساكر في ((الأمر بالاختتان)) (١٣). ٥٩ باب ٨ / ح ٣٣٤٩-٣٣٥٦ كتاب أحاديث الأنبياء أنَّه روى الحديث المذكور بالإسناد المذكور أوَّلاً وصَرَّحَ بتخفيفِ الدّال، وهذا يُؤيِّد رواية الأَصِيلي والقابِسي. تنبيه: وَقَعَ في بعض النُّسَخ تقديم رواية أبي اليَمَان بعد رواية قُتَية، والذي هنا هو المعتمَد. قوله: «تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه ابن(١) عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمةَ عن أبي هريرة)) أمَّا مُتابعة عبد الرحمن بن إسحاق، فَوَصَلَها مُسدَّد في ((مُسنَده)) عن بشر بن المفَضَّل عنه، ولفظه: ((اختَتَنَ إبراهيم بعدما مرَّت به ثمانونَ واختَتَنَ بالقَدوم)». وأمَّا مُتَابَعة عَجْلان، فَوَصَلَها أحمد (٩٦٢٢) عن يحيى القَطّان عن ابن عَجْلان مِثل رواية قُتَيبة. وأمَّا رواية محمَّد بن عَمْرو، فَوَصَلَها أبو يَعْلى في «مُسنَده)) (٩٥٨١) من هذا الوجه ٣٩١/٦ ولفظه: ((اختَتَنَ إبراهيم على رأس ثمانينَ سنة، واختَتَنَ بالقَدُومِ)). فاتَّفَقَت هذه الرِّوايات على أنّه كان ابن ثمانینَ سنة عند اختتانه. وَوَقَعَ في ((الموطَّأ)) موقوفاً عن أبي هريرة (٢)، وعند ابن حِبّان (٦٢٠٤) مرفوعاً: ((أنَّ إبراهيم اختَتَنَ وهو ابن مئة وعشرينَ سنة))، والظّاهر أنَّه سقط من المتن شيء، فإنَّ هذا القَدْر هو مِقدار عُمُره، ووَقَعَ في آخر كتاب ((العَقِيقة)) لأبي الشَّيخ من طريق الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب موصولاً مرفوعاً مِثلُه، وزادَ: ((وعاشَ بعد ذلك ثمانينَ سنة))(٣)، فعلى هذا يكون عاشَ مثَتَي سنة، والله أعلم، وجَمَعَ بعضهم بأنَّ الأوَّل حُسِبَ من مَبدَأْ نُبوَّته، والثّاني من مَبدَأْ مَولِده. (١) لفظ ((ابن)) سقط من (س). (٢) الذي وقفنا عليه في ((الموطأ)) من رواية أبي مصعب الزهري - أحد رواة ((الموطأ)) - برقم (١٩٢٩) هو عن سعيد ابن المسيب من قوله: اختتن إبراهيم بالقدوم، وهو ابن عشرين ومئة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة. (٣) وأخرجه ابن حبان في («صحيحه)) (٦٢٠٤) من طريق ابن جريج عن يحيى بن سعيد به. وانظر الحديث (٨٢٨١) من ((مسند أحمد)» والتعليق عليه. ٦٠ باب ٨ / ح ٣٣٥٧-٣٣٥٨ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثامن: ٣٣٥٧- حدَّثنا سعيدُ بنُ تَلِيدِ الرُّعَينِيُّ، أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني جَرِیرُ بنُ حازم، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌ِِّ: ((لم يَكذِبْ إبراهيمُ إلَّ ثلاثاً)). ٣٣٥٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ محبوبٍ، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: لم يَكذِبْ إبراهيمُ عليه السلام إلا ثلاثَ كَذَباتٍ: ثِنتَين منهنَّ في ذاتِ الله عزَّ وجلَّ: قولُه: ﴿إِنِى سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال: بَيْنا هو ذاتَ يومٍ وسارةُ إِذْ أَتَى على جَبّارٍ مِن الجبابرةِ، فقيلَ له: إنَّ هاهُنا رجلاً معه امرأةٌ من أحسنِ الناسِ، فأرسَلَ إليه فسأله عنها، فقال: مَن هذه؟ قال: أُخْتي، فَتَى سارةَ، قال: يا سارةُ، ليس على وَجْه الأرضِ مُؤْمِنٌّ غيري وغيرُكِ، وإنَّ هذا سألني عنكِ فأخبَرَتُه أنَّكِ أُخْتِي، فلا تُكذِّبِيني، فأرسَلَ إليها، فلمَّا دَخَلَت عليه ذهبَ يَتَنَاوَها بِيَدِهِ، فَأُخِذَ، فقال: ادْعي الله لي ولا أُضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللّهَ فَأُطْلِقَ، ثمّ تَناوَلها الثّانيةَ فأُخِذَ مِثْلَها أو أشَدَّ، فقال: ادْعي اللهَ لي ولا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فأُطْلِقَ، فَدَعَا بعضَ حَجَيْتِهِ، فقال: إنَّكم لم تَأْتُوني بإنسانٍ، إِنَّا أتيتُموني بشيطانٍ، فأخدَمَها هاجَرَ، فأنتْه وهو قائمٌ يُصَلّي، فأوْماً بَيَدِهِ: مَهْيَمْ؟ قالت: رَدَّ اللهُ كَيدَ الكافر- أو الفاچِرِ - في نَحْرِه، وأخدَمَ هاجَرَ)). قال أبو هريرةَ: تلكَ أمُّكم يا بني ماءِ السماءِ. قوله: ((حدَّثنا سعيد بن تَلِيد)) بفتح المثنّاة وكسر اللّام وبعد التَّحتانية الساكنة مُهمَلة ((الرُّعيني)) بمُهمَلَتَين ونون مُصغَّر، مِصري مشهور. وأيوب: هو السَّخْتياني، ومحمَّد: هو ابن سِيرِين. وقد أورَدَه المصنّف من وجهين عن أيوب، وساقه على لفظ حمّاد بن زيد عن أيوب، ولم یقع التّصريح برفعه في روايته، وقد رواه في النكاح (٥٠٨٤) عن سليمان بن حَرْب عن حمّاد بن زيد، فصَرَّحَ برفعِه لكن لم يَسُق لفظه، ولم يقع رفعُه هنا في رواية النَّسَفي ولا كَرِيمة، وهو المعتمَد في رواية حَمَّاد بن زيد، وكذا رواه عبد الرَّزاق عن مَعمَر غيرَ مرفوع، والحديث في الأصل مرفوع كما في رواية جَرِير بن حازم، وكما في رواية هشام بن