Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ باب ٢١ / ح ٣١٨٥ كتاب الجزية ٢١ - باب طَرْح جِيَفِ المشركين في البئر، ولا يُؤْخذ لهم ثمنٌ ٣١٨٥- حدَّثنا عَبْدانُ بنُ عثمانَ، قال: أخبرني أبي، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن عَمرِو ابنٍ ميمونٍ، عن عبدِ الله ﴾، قال: بينا النبيُّ ◌ََّ ساجدٌ وحَولَه ناسُ من قُرَيشٍ من المشركينَ، إذ جاءَهُ عُقْبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ بِسَلَى جَزُورٍ، / وقَذَفَه على ظَهْرِ النبيِّ وََّ، فلم يَرْفَع ٢٨٣/٦ رأسَه حتَّى جاءت فاطمةُ عليها السلام فأخَذَت من ظَهْرِه، ودَعَت على مَن صَنَعَ ذلك، فقال النبيُّ وَّةِ: ((اللهمَّ عليكَ المَلأَ من قُرَيشٍ، اللهمَّ عليكَ أبا جَهْلٍ بنَ هشام وعُتْبةَ بنَ رَبِيعةَ وشَيْبةَ بنَ رَبِيعةَ وعُقْبَةَ بنَ أبي مُعَيَطٍ وأُميَّةَ بنَ خَلَفٍ - أو أُنَّ بِنَ خَلَفٍ )) فلقد رأيتُهم قُتِلوا يومَ بدرٍ، فَأُلْقوا في بثٍ، غيرَ أُميَّةَ - أو أُبيِّ - فإنَّه كان رجلاً ضَخْماً، فلمَّا جَرُّوه تَقَطَّعَت أَوصالُهُ قبلَ أن يُلْقَى في الِثْر. قوله: (باب طَرْحِ جِيَف المشركينَ في البِتْر، ولا يُؤْخَذ لهم ثَمَنٌ)) ذکر فیه حديث ابن مسعود في دعاء النبي ◌َّ على أبي جَهْل بن هشام وغيره من قريش، وفيه: ((فلقد رأيتُهم قُتِلوا يوم بدر فأُلقوا في بئر)) وقد تقدَّم بهذا الإسناد في كتاب الطهارة (٢٤٠) ومضى شرحه أيضاً، ويأتي في المغازي (٣٩٦٠) مَزِيدٌ لذلك. قوله: (ولا يُؤْخَذ لهم ثَمَن)) أشارَ به إلى حديث ابن عبّاس: إنَّ المشركينَ أرادوا أن يَشْتَروا جسدَ رجل من المشركينَ فأبى النبي ◌َّ أن يبيعهم. أخرجه الِّرمِذي (١٧١٥) وغيره(١)، وذكر ابن إسحاق في ((المغازي)(٢): أنَّ المشركينَ سألوا النبيَّ وَّ أن يبيعهم جسد نَوفَل بن عبد الله بن المغيرة، وكان اقتَحَمَ الخندق؛ فقال النبي ◌َّ: ((لا حاجة لنا بثَمَنِه ولا جسده)) قال ابن هشام: بَلَغَنا عن الزُّهْريّ أنَهم بَذَلوا فيه عشرة آلاف. وأخْذُه من حديث الباب من جِهَة أنَّ العادة تَشْهَد أنَّ أهل قتلى بدر لو فهموا أنَّه يُقبَل منهم فِداءُ أجسادهم، لَبَذَلوا فيها ما شاءَ الله، فهذا شاهد لحديث ابن عبّاس، وإن كان إسناده غيرَ قويّ. (١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢٢٣٠)، وإسناده ضعيف كما سينبّه عليه الحافظ قريباً. (٢) انظر ((السيرة)) لابن هشام ٢/ ٢٥٣. ٥٢٢ باب ٢٢ / ح ٣١٨٦-٣١٨٧ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨٤/٦ ٢٢ - باب إثم الغادر للبَرّ والفاجر ٣١٨٦، ٣١٨٧- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن سليمانَ الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله. وعن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ - قال أحدُهما: يُنصَبُ، وقال الآخَرُ: يُرَى - يومَ القيامةِ يُعرَفُ به». قوله: ((باب إِثْم الغادر للبَرِّ والفاجر)) أي: سواء كان من بَرّ لفاجرٍ أو بَرّ، أو من فاجٍ لَبَرٍّ أو فاجر. وبين هذه التَّرجمة والتَّرجمة السابقة بثلاثة أبواب (٣١٧٨) عمومٌ وخصوصٌ. ذکر فیه أربعة أحاديث: أحدها: حديثُ ابن مسعود وأنس معاً: ((لِكلِّ غادرٍ لواءٌ)). وقوله: ((وعن ثابت)) قائلُ ذلك هو شُعْبة، بيَّنه مسلم (١٧٣٧) في روايته من طريق عبد الرَّحمن بن مَهدي عن شُعْبة عن ثابت عن أنس، وقد أخرجه الإسماعيلي عن أبي خَليفة عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه بالإسنادين معاً، قال في موضعين: وبهذا يُرَدُّ على مَن جَوَّزَ أن يكون ذلك معطوفاً على قوله: عن أبي الوليد، فيكون من رواية الأعمَش عن ثابت، وليس كذلك، ولم يَرْقُمُ المِزِّيُّ في ((التَّهذيب)) في رواية الأعمَش عن ثابت رَقْمَ البخاريِّ. قوله: ((قال أحدهما: يُنصَب، وقال الآخَر: يُرى يوم القيامة يُعرَف به)) ليس في رواية مسلم (١٧٣٧) المذكورة ((يُنصَب)) ولا ((يُرى)). وقد زادَ مسلم (١٧٣٦/ ١٢) من طريق غُندَر(١) عن شُعْبة: ((يقال: هذه غدرةُ فلان))، وله (١٦/١٧٣٨) من حديث أبي سعيد: (يُرفَع له بقَدرِ غَدْرَته))، وله من حديثه من وجه آخر: ((عند اسْتِهِ))، قال ابن المنيِرِ: كأنَّه عُومِلَ بنقيض قَصْده، لأنَّ عادة اللَّواء أن يكون على الرّأس، فنُصِبَ عند السُّفْل زيادةً في فضيحَته، لأَنَّ الأعيُنَ غالباً تَمَتَدّ إلى الأَلوية، فيكون ذلك سبباً لامتدادها لِلّتي بَدَت له ذلك اليوم، فيزداد بها فضيحة. (١) هو من رواية ابن أبي عدي وغُنَدر، كلاهما عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. ٥٢٣ باب ٢٢ / ح ٣١٨٨ كتاب الجزية ثالثها: حديث ابن عمر في ذلك. ٣١٨٨- حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حَمَادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ النبيَّ وَ لَ يقول: ((لِكلِّ غادرٍ لواءٌ يُنصَبُ بغَدْرَتِه يوم القيامة)). [أطرافه في: ٦١٧٧، ٦١٧٨، ٧١١١،٦٩٦٦] قوله: (يُنصَب بغَدْرَتِه)) أي: بقَدرِ غَدْرَته كما في رواية مسلم (١٧٣٨). قال القُرْطُبيّ: هذا خِطاب منه للعربِ بنحو ما كانت تَفعل، لأنَهم كانوا يرفعونَ للوفاءِ رايةً بيضاءَ، وللغَدرِ رايةً سَوداءَ، لِيَلُوموا الغادرَ ويَذُمُّوه، فاقتَضى الحديثُ وقوعَ مِثْل ذلك للغادرِ ليشتَهِر بصِفَتِه في القيامة فيَذُمَّه أهل الموقِف، وأمَّا الوفيُّ فلم يَرِد فيه شيء ولا يَبَعُد أن يقعَ كذلك، وقد ثَبَتَ لواءُ الحمد لنبيِّنَا وَلَ(١). وقد تقدَّم تفسيرُ الغَدر قريباً، والكلامُ على اللِّواء وما الفرق بينه وبين الرّاية في باب مُفرد في کتاب الجهاد (٢). وفي الحديث غِلَظ تحريم الغَدر، لا سيّما من صاحب الولاية العامَّة، لأنَّ غَدره يَتَعدَّى ضَرَرُه إلى خَلْق كثير، ولأنَّه غير مُضطَرٍّ إلى الغَدر لقُدرَتِه على الوفاء. وقال عياض: المشهور أنَّ هذا الحديث وَرَدَ في ذمِّ الإمام إذا غَدَرَ في عُهُوده لرعيَّتِه أو لمقاتِلَتِهِ، أو للإمامة التي تَقَلَّدَها والتَّزَمَ القيامَ بها، فمتى خانَ فيها أو تَرَكَ الرِّفق فقد غَدَرَ بعَهدِه، وقيل: المراد نَهيُ الرَّعيّة عن الغَدْر بالإمام، فلا تَخْرُج عليه ولا تتعرَّض لمعصيتِهِ، لمَا يَتَرتَّب على ذلك من الفتنة. قال: والصحيح الأوَّل. قلت: ولا أدري ما المانعُ من حَملِ الخبر على أعمَّ من ذلك، وسيأتي مزيدُ بیانٍ لذلك في كتاب الفتن (٧١١١)، حيثُ أورَدَه المصنِّف فيه أتمَّ ممّا هنا، وأنَّ الذي فَهِمَه ابن عمرَ راوي الحديث هو هذا، والله أعلم. (١) أخرجه أحمد (١٢٤٦٩)، والترمذي (٣٦١٠) من حديث أنس بن مالك، وإسناد أحمد جيّد. وقد روي من غير حديث أنس أيضاً من طرق فيها ضعف. (٢) في ((باب ما قيل في لواء النبي ◌َّ)) برقم (١٢١). ٥٢٤ باب ٢٢ / ح ٣١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وفيه أنَّ الناس يُدعَونَ يوم القيامة بآبائهم، لقوله فيه: ((هذه غَدْرة فلان بن فلان))، وهي رواية ابن عمر الآتية في الفتن (٦١٧٧). قال ابن دَقِيق العيد: وإن ثَبَتَ أنَّهم يُدعَونَ بأمَّهاتهم فقد يُقال: يُخَصّ هذا من العموم. وتَسَّكَ به قوم في ترك الجهاد مع ؤُلاة الحرب(١) الذين يَغدِرونَ، كما حكاه الباجيُّ. ٣١٨٩- حدّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله ◌َه يومَ فتْح مكَّةَ: ((لا هِجْرةَ، ولکن جهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنفِرتُم فانفِرُوا)). وقال يومَ فَتْح مكَّةَ: ((إنَّ هذا البلدَ حَرَّمَه الله يومَ خَلَقَ السَّماوات والأرضَ، فهو حَرَامٌ بِحُرْمةِ الله إلى يومِ القِيامةِ، وإنَّه لم يَحِلّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حَرَامٌ بِحُرْمةِ الله إلى يومِ القِيامة: لا يُعْضَدُ شَوكُه، ولا يُنقَّرُ صَيدُه، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَ إِلَّ مَن عَرَّفَها، ولا يُخْتَلَى خَلَاهُ))، فقال العبَّاسُ: يا رسولَ الله، إلَّ الإذْخِرَ، فإنَّه لِقَينِهم ولبيوتِهِم، قال: ((إلا الإذْخِرَ)). رابعها: حديث ابن عبّاس: ((لا هِجْرة بعد الفتح)» ساقه بتمامه. وقد تقدَّم شرحه في أواخر الجهاد (٣٠٧٧)، وباقيه في الحجّ (١٥٨٧ و١٨٣٣ و١٨٣٤). وفي تعلُّقه بالتَرجمة غُمُوض، قال ابن بَطَّال: وجهُه أنَّ محارم الله عُهودُه إلى عباده، فمَن انتَهَكَ منها شيئاً كان غادراً، وكان النبيُّ وَّهِ لِمَّا فَتَحَ مَّة أمَّنَ الناس، ثمَّ أخبر أنَّ القتال بمكَّة حَرَام، فأشارَ إلى أنَّهم آمِنونَ من أن يَغِرَ بهم أحد فيما حَصَلَ لهم من الأمان. وقال ابن المنيِر: وجهُه أنَّ النصّ على أنَّ مكَّة اختَصَّت بالحُرمة إلَّا في الساعة المستثناة لا تَخْتَصُّ بالمؤمنِ البَرّ فيها، إذ كلّ بُقعة كذلك، فدَلَّ على أنَّها اختَصَّت بما هو أعمّ من ذلك. وقال الكِرْماني: يُمكِن أن يُؤْخَذ من قوله: ((وإذا استُنِرتُم فانِفِرُوا)) إذ معناه: لا تَغْدِروا بالأئمَّة ولا تُخالِفُوهم، لأنَّ إيجاب الوفاء بالخروج مُستَلِزِم لتحريم الغَدر، أو أشارَ (١) في (س): ولاة الجور. والمثبت على الصواب من الأصلين، لأن المقصود من يُوليه الإمامُ للحرب والقتال. ٥٢٥ باب ٢٢ / ح ٣١٨٩ كتاب الجزية إلى أنَّ النبي ◌َّ( لم يغدر باستحلال القتال بمكّة،/ بل كان بإحلال الله له ساعة، ولولا ٢٨٥/٦ ذلك لمَا جازَ له. قلت: ويحتمل أن يكون أشارَ بذلك إلى ما وقع من سبب الفتح الذي ذُكِرَ في الحديث، وهو غَدر قريش بخُزاعةَ حُلَفاءِ النبيِّ وََّ لمَّا تَّحارَبوا مع بني بكر حُلَفاء قريش، فأمدَّت قريش بني بكر وأعانُوهم على خُزاعةَ، وبَيِّتُوهم فقتلوا منهم جماعة، وفي ذلك يقول شاعرُهم(١) يخاطب النبيَّ ◌َّ: إنَّ قريشاً أخلَفُوك المَوعِدا ونَقَضُوا ميثاقَكَ المؤَّدا وسيأتي شرح ذلك في المغازي (٤٣١٣) مُفصَّلاً، فكان عاقبة نَقْض قريش العَهْدَ بما فعلوه أن غَزَاهم المسلمون حتَّى فتحوا مكَّة، واضطُرُّوا إلى طلب الأمان، وصاروا بعد العِزّ والقُوَّة في غاية الوَهْن إلى أن دخلوا في الإسلام، وأكثرهم لذلك كارهٌ، ولعلَّه أشارَ بقوله في التَّرجمة بالبَرِّ إلى المسلمين وبالفاجرِ إلى خُزَاعة، لأنَّ أكثرهم إذ ذاكَ لم يكن أسلَمَ بعدُ، والله أعلم. خاتمة: اشتَمَلَت أحاديث فَرْض الخُمس والجِزْية والموادَعة - وهي في التحقيق بقايا الجهاد، وإنَّما أفرَدَها زيادة في الإيضاح، كما أُفرِدَت العمرة وجزاء الصَّيد من كتاب الحجّ - من الأحاديث المرفوعة على مئة وستَّة عشر حديثاً، المعلَّق منها سبعة عشر طريقاً والبقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيها وفيما مضى سبعة وستّونَ حديثاً والبقيَّة خالصة، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث أنس في صفة نَقش الخاتم، وحديثه في النَّعلينِ، وحديثه في القَدَح، وحديث أبي هريرة: ((ما أُعطيكم ولا أمنَعُكم))، وحديث خَوْلة: ((إنَّ رجالاً يَتَخَوّضون(٢)) وحديث تَرِكَة الزُّبير، وحديث سؤال هَوَازِن من طريق عَمْرو بن شعيب، وحديث إعطاء (١) وهو عمرو بن سالم الخزاعي. وسيأتي مصرَّحاً باسمه مع بعض شعره في كتاب المغازي ((باب غزوة الفتح)) كما ذكر الحافظ. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: يخوضون. ٥٢٦ فتح الباري بشرح البخاري جابر من تمر خيبر، وحديث ابن عمر: لم يَعتَمِر من الجِعْرَانة، وحديثه: كنّا نُصيب في مغازینا العَسَل، فهذه في الخُمس، وحديث عبد الرَّحمن بن عوف في المجُوس، وحديث عمر فيه، وحديث ابن عَمْرو: ((مَن قتل مُعاهَداً))، وحديث ابن شِهاب فيمَن سَحَرَ، وحديث عوف في الملاحم، وحديث أبي هريرة: ((كيف أنتم إذا لم تَجَتَبوا ديناراً ولا دِرِهَماً)). وفيها من الآثار عن الصحابة فمَن بعدَهم عشرون أثراً، والله أعلم. ٥٢٧ باب ١ كتاب بدء الخلق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب بَدْءُ الخَلْق قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم. كتاب بَدْء الخَلْق)) كذا للأكثر، وسقطت البَسْملةُ لأبي ٢٨٦/٦ ذُرِّ، وللنَّسَفي: ((ذِكْرِ)) بَدَلَ كتاب، وللصَّغَانيّ: ((أبواب)) بدلَ كتاب. و((بَدْء الخلق)) بفتح أوله وبالهمز، أي: ابتداؤُه، والمراد: خَلْق المخلوق. ١ - باب ما جاء في قولِ الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] قال الرَّبِيعُ بنُ خُثَيمِ والحسنُ: كلٌّ عليه هَيِّنٌ. هَيْنٌّ وهَيِّنٌ، مِثْلُ: لَيْنِ ولَيٍِّ، ومَيْتٍ ومِّتٍ، وضَْقٍ وضَبٍِّ. ﴿ أَفَصِيْنَا﴾ [ق: ١٥]: أفأعْيا علينا حين أنشأكم وأنشَأْ خَلْقَكُم. لُغُوبٌ: النَّصَب. ﴿أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]: طَوْراً كذا، وطَوْراً كذا، عَدَا طَوْرَهُ: قَدْرَه. قوله: ((باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَبُ ٢٨٧/٦ عَلَيْهِ﴾ وقال الرّبيع بنُ خُفَيم)) بالمعجمة والمثلَّثة مُصغَّرٌ، وهو كوفيٌّ من كِبار التابعينَ، والحسن: هو البصري. قوله: ((كُلٌّ عليه هَيِّنٌ)) أي: البَدْء والإعادة، أي: أنَّهِمَا حَمَلا ﴿أَهْوَكُ﴾ على غير التَّفضيل، وأنَّ المراد بها الصِّفة، كقوله: الله أكبر، وكقول الشاعر: لَعَمْرُك ما أدري وإنّي لَأَوجَلُ(١) أي: وإنّ لَوَجِلٌ. (١) صدر بيت للشاعر معن بن أوس المزني، وتمامه: على أيّنا تَغْدُو المنيَّة أوَّلُ، انظر ((اللسان)) (وجل). ٥٢٨ باب ١ فتح الباري بشرح البخاري وأثر الرَّبيع وَصَلَه الطَّبَري (٣٦/٢١) من طريق مُنذِر الثَّوْري عنه نحوه، وأمَّا أثر الحسن فروى الطَّبَري أيضاً من طريق قَتَادة - وأظنّه عن الحسن - ولكنَّ لفظه: وإعادته أهون عليه من بَدِئِه، وكلٌّ على الله هَيِّن(١)، وظاهر هذا اللَّفظ إبقاء صيغة أَفعَل على بابها، وكذا قال مجاهد فيما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، وقد ذكر عبد الرزّاق في ((تفسيره)) (٢/ ١٠٢) عن مَعمَر عن قَتَادة: أنَّ ابن مسعود كان يقرؤُها: ((وهو عليه هَيِّن))، وحكى بعضُهم عن ابن عبّاس أنَّ الضَّمير للمخلوقِ، لأنَّه ابتَدأ نُطفةً ثمَّ عَلَقةً ثمَّ مُضغةً، والإعادة أن يقول له: گُن فیکون، فهو أهون على المخلوق. انتھی، ولا یثبت هذا عن ابن عبّاس، بل هو من تفسير الكلبي كما حكاه الفَرّاء(٢)، لأنَّ يقتضى تخصيصه بالحيوان، ولأنَّ الضَّمير الذي بعده وهو قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يصير معطوفاً على غير المذكور قبله قريباً. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس بإسناد صحيح في قوله: ﴿أَهْوَبُ عَلَيْهِ ﴾ أي: أيسر. وقال الزَّجّاج: خُوطِبَ العباد بما يَعِقِلونَ؛ لأنَّ عندهم أنَّ البَعْث أهوَن من الابتداء، فجَعَلَه مثلاً وله المثل الأعلى، وذكر الرَّبيع عن الشافعي في هذه الآية قال: ﴿ وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْهِ﴾ أي: في القُدْرة عليه، لا أنَّ شيئاً يَعظُم على الله، لأنَّه يقول لمَا لم يكن: كُن، فَيَخرُج مُتَّصِلاً، وأخرجه أبو نُعيم(٣)، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه عن الضَّحّاك، وإليه نَحَا الفَرّاء، والله أعلم. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى: وأظنه عن الحسن، وإنما الذي في النسخ المحققة من ((تفسير الطبري)) أن هذا التفسير من قول قتادة لا الحسن. وأما تفسير الحسن الذي ذكره البخاري فقد أخرجه عنه ابن المنذر في ((تفسيره) فيما أشار إليه السيوطي في ((الدر المنثور))، ولم نقف عليه في المطبوع من ((تفسير ابن المنذر)). (٢) في ((معاني القرآن)» ٣٢٤/٢ بسنده عن حبان بن علي العنزي، عن الكلبي، عن أبي صالح باذام، عن ابن عباس. وهذا سند ضعيف جداً. (٣) أخرجه في «حلية الأولياء)» ٩/ ١١٤ لكن من رواية محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن الشافعي، فلعله انتقل نَظَرُ الحافظ إلى إسناد الخبر الذي يليه في (الحلية)) فإنه من طريق الربيع عن الشافعي، ونصُّ العبارة عنده: وهو أهون عليه، قال: في العِبْرة عندكم، إنما يقول لِشيء لم يكن: كن، فيخرج مفصَّلاً بعينيه وأذنيه وسمعه ومفاصله ... ليس أن شيئاً يعظُم على الله عزّ وجلّ. ٥٢٩ باب ١ كتاب بدء الخلق قوله: ((وهَيْن وهَيِّ مِثل: لَيْن ولَيِّن، ومَيْت ومَيِّت، وضَيْق وضَيِّق)) الأوَّل بالتَّشديد والنَّاني بالتَّخفيف في الجميع(١)، قال أبو عبيدة في تفسير الفُرقان في قوله تعالى: ﴿لِنُحْعِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا﴾ [الفرقان: ٤٩]: هي مُفَّقة بمنزلة هَين ولَين وضَيق، بالتَّخفيف فيها والنَّشديد، وسيأتي ذلك أيضاً في آخر تفسير سورة النَّحل(٢)، وعن ابن الأعرابي: إنَّ العرب تَدَح بالَيْنِ اللَّيْن مُحَفَّفاً وتَذُمّ بهما مُثقَّلاً، فالهَيْن بالتَّخفيف من الهَوْن: وهو السَّكينة والوَقَار، ومنه: يمشونَ هَوْناً، وعينه واو، بخلاف الهَيِّن بالتَّشدید. قوله: (﴿أَفَعِيْنَا﴾ أفأعيا علينا حين أنشأكم وأنشَأ خَلْقكم)) كأنَّه أراد أنَّ معنى قوله:/ ٢٨٨/٦ ﴿أَفَعَيِنَا﴾ استفهام إنكار، أي: ما أعجَزَنا الخلقُ الأوَّل حين أنشأناكم، وكأنَّه عَدَلَ عن التكلُّم إلى الغَيْبة لمراعاة اللَّفظ الوارد في القرآن في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُ مِنَ اُلْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٢] وقد روى الطَّبَري (١٥٦/٢٦) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَعَِّنَا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ﴾ يقول: أفأعيا علينا حين أَنشَأْناكم خلقاً جديداً فَتَشُكّوا في البَعْث؟ وقال أهل اللَّغة: عَبِيتُ بالأمرِ: إذا لم أعرفْ وجهه، ومنه العِيُّ في الكلام. قوله: (لُغُوبٌ: النَّصَب)) أي: تفسير قوله: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لَّغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] أي: من نَصَب، والنَّصَب: التَّعَب وزناً ومعنّى، وهذا تفسير مجاهد(٣) فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج من طريق قَتَادة، قال: أكذَبَ اللهُ جلَّ وعلا اليهودَ في زَعْمهم أنَّه استَراحَ في اليوم السابع، فقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن ◌ُّغُوبٍ ﴾ أي: من إعياء. وغَفَلَ الدَّاووديُّ الشّارحِ فِظَنَّ أنَّ النَّصَب في كلام المصنّف بسكون الصَّاد، وأنَّه أراد ضبط اللُّغُوب، فقال مُتعقّباً عليه: لم أرَ أحداً نَصَبَ اللّام؛ أي: في الفعل، قال: وإنَّما هو بالنَّصب: الأحمق. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو سَبْق قلم منه، لأن الذي في روايات البخاري دون اختلاف إنما تقديم التخفيف على التشديد، حسب ما في اليونينية والقسطلاني. (٢) باب (١٦) قبل الحديث (٤٧٠٧) من كتاب التفسير. (٣) ومن قبله ابنُ عباس فيما أخرجه عنه الطبري في ((تفسيره)) ١٧٩/٢٦ . ٥٣٠ باب ١ / ح ٣١٩٠ -٣١٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أَطْواراً: طَوْراً كذا وطَوْراً كذا)) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطَوَارًا﴾ والأطوار: الأحوال المختَلِفة، واحدها طَوْر بالفتح، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس في معنى الأطوار: كَونَه مرَّةً نُطفةً ومرَّةً عَلَقة ... إلى آخره، وأخرج الطََّري (٩٥/٢٩) عن ابن عبّاس وجماعة نحوه، وقال: المراد اختلاف أحوال الإنسان من صِحَّة وسُقْم، وقيل: معناه: أصنافاً في الألوان واللُّغات. ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث: ٣١٩٠ - حدَّنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن جامعِ بنِ شَدّادٍ، عن صَفْوانَ بنِ مُحِزٍ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَين رضي الله عنهما، قال: جاء نَفَرٌّ من بني تميم إلى النبيِّ ◌َّر، فقال: ((يا بني تميمٍ أبشِرُوا)) فقالوا: بَشَّرْتَنَا فأعطِنا، فتغيَّر وجهُه، فجاءه أهلُ اليمنِ، فقال: ((يا أهلَ اليمنِ اقبَلُوا الْبُشْرَى إذ لم يَقْبلْها بنو تميم) قالوا: قَبِلْنا، فأخَذَ النبيُّ وَّهِ يُحدِّثُ بَدْءَ الخلقِ والعَرْشِ، فجاء رجلٌ فقال: يا عِمْرانُ، راحلتَكَ تَفَلَّتَت، لَيَني لم أُقُمْ. [أطرافه في: ٤٣٦٥، ٤٣٨٦، ٧٤١٨] ٣١٩١- حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ بنِ غِیاثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَثُ، حدَّثنا جامعُ بنُ شَدّادٍ، عن صَفْوانَ بنِ مُحرِزٍ، أَنَّه حدَّثه عن عِمْرانَ بنِ خُصَين رضي الله عنهما، قال: دخلتُ على النبيِّ وَّةِ، وعَقَلْتُ ناقَتي بالباب، فأتاه ناسٌّ من بني تميمٍ، فقال: ((اقبَلُوا البُشْرَى يا بني تميم) قالوا: قد بَشَّرْتَنَا فَأَعطِنا - مرَّتين - ثمَّ دَخَلَ عليه ناسٌ من اليمنِ، فقال: ((اقبَلُوا الْبُشْرَى يا أهلَ اليمنِ أَنْ لم يَقبَلْها بنو تميمٍ)) قالوا: قد قَبِلْنا يا رسولَ الله، قالوا: جِئْنا نَسْألُكَ عن هذا الأمرِ، قال: ((كان الله ولم يكن شيءٌ غيرُه، وكان عَرْشُه على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ، وخَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ)) فنادَى مُنادٍ: ذَهَبَت ناقَتُكَ يا ابنَ الحُصَينِ، فانطَلَقْتُ فإذا هي يَقْطَعُ دونَها السَّرابُ، فوالله لَوَدِدْتُ أنّ كنتُ تَرَكَتُها. أحدها: حدیث عمران بن حُصَین. قوله: ((عن صَفْوان بن مُحِرِز عن عِمْران)» في رواية أبي عاصم عن سفيان في المغازي (٤٣٨٦): حدَّثنا صفوان حدَّثنا عِمران. ٥٣١ باب ١ / ح ٣١٩٠ -٣١٩١ كتاب بدء الخلق قوله: ((جاء نَفَر من بني تميم)) يعني: وفدَهم، وسيأتي بيان وقت قُدُومِهم، ومَن عُرِفَ منهم في أواخر المغازي(١). قوله: ((أَبشِرُوا)) بهمزة قطع من البِشَارة. قوله: («فقالوا: بَشَّرْتَنا)» القائل ذلك منهم الأقرَعُ بن حابس، ذكره ابن الجوزيّ. قوله: ((فتغيَّر وجهُه)) إمَّا للأسَفِ عليهم كيف آثَروا الدُّنيا، وإمَّ لكَونِه لم يَضُره ما يُعطيهم فيَتَأَلَّفَهم به، أو لكُلٌّ منهما. قوله: ((فجاءه أهل اليمن)) هم الأشعَرِيُّونَ قومُ أبي موسى، وقد أورَدَ البخاري حديث عِمران هذا، وفيه ما يُستَأنس به لذلك. ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ المراد بأهل اليمن هنا نافع بن زيد(٢) الِحِمْيَري مع مَن وَفَدَ معه من أهل حِيَرَ، وقد ذكرت مُستنَد ذلك في ((باب قُدُوم الأشعَريينَ وأهل اليمن)) (٤٣٨٦)، وأنَّ هذا هو السِّرُّ في عَطْف أهل اليمن على الأشعَرِبينَ، مع أنَّ الأشعَريينَ من جُملة أهل اليمن، لمَّا كان زمان قُدُومِ الطائفَتَين مُخْتَلِفاً، ولكلٍّ منهما قصَّة غير قصَّة الآخرينَ، وقع العَطْف. قوله: ((اقبَلوا البُخْرى)) بضمِّ أوَّله وسكون المعجمة والقَصْر، أي: اقبلوا منِّي ما يقتضي أن تَبْشَروا، إذا أخَذتُم به بالجنَّة، كالتَّفْقُّهِ في الدِّين والعمل به، وحكى عياض أنَّ في رواية الأَصِيلى: ((اليُسرى)) بالتَّحتانية والمهمَلة، قال: والصواب الأوَّل. قوله: ((إذ لم يقبلها)) في الرِّواية الأُخرى: ((أَن لم يَقبَلها))، وهو بفتح ((أن)) أي: من أجل ترکھم لها، ویُروی بکسر ((إن)). قوله: ((فأخَذَ النبيِ نَِّ يُحدِّث بَدْءَ الخلق والعَرْش))، أي: عن بَدْء الخلق وعن حال العرش، وكأنَّه ضمَّنَ ((يُحدِّث)) معنى: يَذكُر، وكأنَّهم سألوا عن أحوال هذا العالم، وهو (١) عند باب (٧٤) ((قدوم الأشعريين وأهل اليمن)) بين يدي الحديث (٤٣٨٦). (٢) تحرف في الأصلين إلى: يزيد، بدل: زيد، وجاء على الصواب في (س) موافقاً لما جاء في ((أسد الغابة)) لابن الأثير الجزري، و((الإصابة)) للحافظ. ٥٣٢ باب ١ / ح ٣١٩٠ -٣١٩١ فتح الباري بشرح البخاري الظّاهر، ويحتمل أن يكونوا سألوا عن أوَّل جِنس المخلوقات، فعلى الأوَّل يقتضي السّياق أنَّه أخبر أنَّ أوَّل شيء خُلِقَ منه السَّماواتُ والأرضُ، وعلى الثَّاني يقتضي أنَّ العرش والماء تقدَّم خَلْقُهما قبل ذلك، ووقع في قصَّة نافع بن زيد (١): نَسألك عن أوَّل هذا الأمر. قوله: ((قالوا: جِئْنا نَسألك)) كذا للكُشْمِيهنيّ، ولغيره: جِئناك لنَسأَلَك، زادَ في التَّوحيد (٧٤١٨): ونَتَفَقَّه في الدِّين، وكذا هي في قصَّة نافع بن زيد التي أشرت إليها آنفاً. قوله: ((عن هذا الأمر)) أي: الحاضر الموجود، والأمر يُطلَق ويُراد به المأمُور، ويراد به الشَّأن والحُكم والحثّ على الفعل، غير ذلك. ٢٨٩/٦ قوله: ((كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرُه)) في الرِّواية الآتية في التَّوحيد (٧٤١٨): ((ولم يكن شيءٌ قبلَه))، وفي رواية غير البخاري: ((ولم يكن شيءٌ معه))(٢)، والقصَّة مُتَّحِدة، فاقتَضى ذلك أنَّ الرِّواية وَقَعَت بالمعنى، ولعلَّ راويها أخَذَها من قوله نَّهِ فِي دُعائه في صلاة اللَّيل، كما تقدَّم من حديث ابن عبّاس: ((أنتَ الأوَّلُ فليس قبلَك شيءٌ) (٣)، لكنَّ روايةً الباب أصرح في العَدَم، وفيه دلالة على أنَّه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأنَّ كلّ ذلك غير الله تعالى، ويكون قوله: ((وكان عرشُه على الماء)) معناه أنَّه خَلَقَ الماء سابقاً ثمَّ خَلَقَ العرش على الماء، وقد وقع في قصَّة نافع بن زيد الحِميَري بلفظ: ((كان عَرشُه على الماءِ، ثمَّ خَلَقَ القلمَ، فقال: اكتُب ما هو كائن، ثمَّ خَلَقَ السَّمَاوات والأرض وما فيهنَّ»، فصَرَّحَ بترتيبِ المخلوقات بعد الماء والعرش. (١) ذكره الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) ٤٠٦/٦، وعزاه لابن شاهين في ((الصحابة))، وقال: فيه عدة مجاهيل. (٢) لم نقف على هذه الرواية في شيء من كتب الحديث التي عندنا، وهي بمعنى رواية الباب كما سيذكره الحافظ قريباً. (٣) هذا جزء من حديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد (٨٩٦٠) ومسلم (٢٧١٣)، وأبو داود (٥٠٥١)، والترمذي (٣٤٠٠)، وابن ماجه (٣٨٧٣). ولم نقف عليه من حديث ابن عباس. ٥٣٣ باب ١ / ح ٣١٩٠ -٣١٩١ كتاب بدء الخلق قوله: ((وكان عَرْشُه على الماء، وكَتَبَ في الذِّكْر كلَّ شيء، وخَلَقَ السَّماوات والأرض» هكذا جاءت هذه الأُمور الثلاثة معطوفةً بالواو، ووقع في الرِّواية التي في التَّوحيد (٧٤١٨): ((ثُمَّ خَلَقَ السَّماوات والأرض))، ولم يقع بلفظ ((ثمَّ)) إلَّا فِي ذِكْر خَلْق السَّماوات والأرض. وقد روى مسلم (٢٦٥٣) من حديث عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً: ((أنَّ اللهَ قَدَّرَ مقادير الخلائق قبل أن يَخْلُق السَّماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عَرشه على الماء))، وهذا الحديث يُؤيِّد رواية مَن روى: ((ثُمَّ خَلَقَ السَّماوات والأرض))، باللَّفْظ الدَّالِّ على التَّرتيب. تنبيه: وقع في بعض الكتب في هذا الحديث: «کان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان))، وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نَّه على ذلك العَلّامة تَقي الدّين ابن تيميةَ، وهو مُسلَّم في قوله: ((وهو الآن)) إلى آخره، وأمَّا لفظ: ((ولا شيء معه)) فرواية الباب بلفظ: ((ولا شيء غيرُه)) بمعناها، ووقع في ترجمة نافع بن زيد الحِميَري المذكورة: «کان الله لا شيء غيره)» بغیر واو. قوله: ((وكان عرشُه على الماءِ)) قال الطِّيبي: هو فصل مُستَقِلّ لأنَّ القديم مَن لم يَسْبِقِه شيء، ولم يعارضه في الأَزَلَيَّةِ (١)، لكن أشارَ بقوله: وكان عرشه على الماء)) إلى أنَّ الماء والعرش كانا مَبدَأ هذا العالَم لكَونِما خُلِقا قبل خلق السَّماوات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاكَ إلَّ الماء. ومُحُصَّل الحديث أنَّ مُطلَق قوله: ((وكان عَرشُه على الماء)) مُقيَّد بقوله: ((ولم يكن شيء غيره))، والمراد بكان في الأوَّل الأزلية وفي الثَّاني الحَدَث بعد العَدَم. وقد روى أحمد (١٦١٨٨) والتِّرمِذي (٣١٠٩) وصحَّحه من حديث أبي رَزِيِن العُقَيلي مرفوعاً: أنَّ الماء خُلِقَ قبل العرش(٢) وروى السُّدّي في ((تفسيره)) بأسانيد مُتَعدِّدة: إنَّ الله لم يَخْلُق شيئاً مَّا خَلَقَ قبل الماء، وأمَّا ما رواه أحمد (٢٢٧٠٥) والتِّرمِذي (٢١٥٥ و٣٣١٩)(٣) وصحّحه من (١) في (س): الأولية. (٢) لفظ الحديث هو: (( ... وخلق عرشه على الماء)). (٣) وهو أيضاً عند أبي داود (٤٧٠٠). ٥٣٤ ٣١٩١٠ باب ١ / ح ٣١٩٠ -٣١٩١ فتح الباري بشرح البخاري حديث عُبادةَ بن الصَّامت مرفوعاً: ((أوَّل ما خَلَقَ الله القلمُ، ثمّ قال: اكتُبْ، فجَرَی بما هو كائن إلى يوم القيامة))، فيُجمَع بينه وبين ما قبله بأنَّ أوَّلية القَلم بالنّسبة إلى ما عَدا الماء والعرش، أو بالنِّسبة إلى ما صَدَرَ منه من الكتابة، أي: إنَّه قيل له: اكتُب أوَّل ما خُلِقَ، وأمّا حديث: ((أوَّل ما خَلَقَ الله العقل))(١) فليس له طريق تَثْبُتُ، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله، والله أعلم. وحكى أبو العلاء الهَمَذانيّ(٢) أنَّ للعلماءِ قولَين في أيّهما خُلِقَ أوَّلاً العرش أو القلم؟ قال: والأكثر على سَبْق خلق العرش، واختارَ ابن جَرِیر ومَن تَبِعَه الثّاني، وروى ابن أبي حاتم(٣) من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: خَلَقَ الله اللَّوح المحفوظ لمسيرة مئة(٤) عام، فقال للقَلَم قبل أن يَخلُق الخلق وهو على العرش: اكتُب، فقال: وما أكتُب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم القيامة)) ذكره في تفسير سورة (سبحان))، وليس فيه سبق خلق القَلم على العرش، بل فيه سَبق العرش. وأخرج البيهقي في ((الأسماء والصِّفات)) (٨٠٤) من طريق الأعمَش عن أبي ظَبْيانَ عن ابن عبّاس قال: أوَّل ما خَلَقَ الله القَلم، فقال ٢٩٠/٦ له: اكتُب، فقال: يا ربّ وما أكتُب؟ قال: اكتُب القَدَر،/ فجَرَى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. وأخرج سعيد بن منصور عن أبي عَوَانة عن أبي بشر عن مجاهد قال: بَدُ الخلقِ العرشُ والماءُ والهواءُ، وخُلِقَتِ الأرضُ من الماء. والجمعُ بين هذه الآثار واضح. (١) أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٣١٨/٧ من حديث عائشة. وفي إسناده سهل بن المرزبان بن محمد، ولم نقف له على ترجمة، وقال أبو نعيم: لا أعلم له راوياً عن الحميدي وأراه واهماً فيه. (٢) تصحف في (س) إلى: الهمداني، بالدال المهملة، وأبو العلاء هذا: هو الحسن بن أحمد بن الحسن العطار، شيخ همدان. مترجم في «سير أعلام النبلاء)» ٤٠/٢١. (٣) تحرف في (س) إلى: ابن أبي حازم، والصحيح ما أثبتنا، وهو في «تفسيره)) (٣٣٩٠). (٤) وقع في الأصلين و(س): خمس مئة، بدل: مئة، ولعله وقع كذلك للحافظ لأنه نقله بواسطة كتاب ((العُلو للعلي الغفار)) للحافظ الذهبي (٢٨٨)؛ فقد جاء فيه كما جاء هنا: خمس مئة. والمثبت على الصواب كما جاء في ((تفسير ابن أبي حاتم)) المطبوع في عدة مواضع (٣٣٩٠)، و(٦٨٦٥) و(١٤٩٧٩)، ونقله عنه کذلك ابن کثیر في «تفسیرہ)»، والسيوطي في ((الدر المنثور)). ٥٣٥ باب ١ / ح ٣١٩٠ -٣١٩١ كتاب بدء الخلق قوله: ((وكَتَبَ)) أي: قَدَّرَ ((في الذِّكر)) أي: في محلّ الذِّكر، أي: في اللَّوح المحفوظ «كُلَّ شيء)) أي: من الكائنات. وفي الحديث جواز السُّؤال عن مَبدَأ الأشياء والبحث عن ذلك، وجواز جواب العالم بما يَستَحِضِره من ذلك، وعليه الكَفّ إن خَشِي على السائل ما يَدخُل على مُعتَقَده. وفيه أنَّ جِنسَ الزَّمان ونوعَه حادث. وأنَّ الله أوجَدَ هذه المخلوقات بعد أن لم تكن، لا عن عجز عن ذلك بل مع القُدرة. واستنْبَطَ بعضهم من سؤال الأشعَريينَ عن هذه القصّة أنَّ الكلام في أُصول الدّين وحدوث العالَم(١) مُستمِّرّانٍ في ذُرّيتهم حتَّى ظَهَرَ ذلك منهم في أبي الحسن الأشعري. أشار إلى ذلك ابن عساكر. قوله: ((فنادى مُنادٍ)) في الرِّواية الأخرى (٣١٩٠): فجاء رجل فقال: يا عِمران. ولم أَقِفْ على اسمه في شيء من الرِّوايات. قوله: (ذَهَبَت ناقَتُك يا ابن الحُصَين)) أي: انفَلَتَت، ووقع في الرِّواية الأُولى (٣١٩٠): فجاء رجل فقال: يا عِمران، راحلتك؛ أي: أدرِكْ راحلتَك، فهو بالنَّصب، أو ذَهَبَت راحلتُك، فهو بالرفع، ويُؤيِّده الرّواية الأُخرى ولم أقف على اسم هذا الرجل. وقوله: (تَفَلَّتَت)» بالفاءِ، أي: شَرَدَت. قوله: ((فإذا هي يَقْطَع)) بفتح أوَّله ((دُونَهَا السَّرابُ)) بالضَّمِّ، أي: يَحُول بيني وبين رُؤيَتها، والسَّراب - بالمهمَلة - معروف، وهو ما يُرى نهاراً في الفلاة كأنَّه ماءٌ. قوله: ((فوالله لَوَدِدْت أنّي كنت تَرَكْتُها)» في التَّوحيد (٧٤١٨): أنَّهَا ذَهَبَت ولم أقُم؛ يعني: لأَنَّه قامَ قبل أن يُكمِل النبيُّ وَّل حديثه في ظنِّه، فتأسَّفَ على ما فاتَه من ذلك. وفيه ما كان عليه من الحرص على تحصيل العلم. وقد كنت كثير التطَلَّب لتحصيل ما (١) في (س): العلم، وهو تحريف. ٥٣٦ باب ١ / ح ٣١٩٢ فتح الباري بشرح البخاري ظنَّ عِمران أنَّه فاتَه من هذه القصَّة، إلى أن وقَفت على قصَّة نافع بن زيد الحِميَرَي(١)، فَقَوِيَ في ظنّي أنَّه لم يَفُته شيء من هذه القصَّة بخصوصِها، ◌ُلُوِّ قصّة نافع بن زيد عن قَدرٍ زائد على حديث عمران، إلَّا أنَّ في آخره بعد قوله ((وما فيهنَّ))(٢): ((واستَوى على عَرْشه عزَّ وجلَّ)). ٣١٩٢- وروى عيسى، عن رَقَبَةَ، عن قيس بنِ مُسلِمٍ، عن طارقٍ بِ شِهابٍ، قال: سمعتُ عمرَ ﴾ يقول: قامَ فينا النبيُّ وََّ مَقاماً، فَأَخبرَنا عن بَدْءِ الخلقِ حتَّى دَخَلَ أهلُ الجنَّةِ منازلهم، وأهلُ النار منازلهم، حَفِظَ ذلك مَن حَفِظَه، ونَسِيَه مَن نَسِیَه. الحديث الثَّاني: حديث عمر قال: قامَ فينا رسول الله وَ ﴿ مقاماً فأخبرنا عن بَدْء الخلق حتَّى دَخَلَ أهلُ الجنَّة منازلهم، الحديث. قوله: ((وروى عيسى عن رَقَبة)) كذا للأكثرِ، وسقط منه رجل، فقال ابن الفَلَكي: ينبغي أن يكون بين عيسى ورَقَبة أبو حمزة، وبذلك جَزَمَ أبو مسعود، وقال الطَّرْقي: سقط أبو حمزة من كتاب الفِرَبْري، وثبتَ في رواية حمّاد بن شاكر، فعنده عن البخاري: روی عیسی عن أبي حمزة عن رَقَبة قال، وكذا قال ابن رُمَيح عن الفِرَبْريّ. قلت: وبذلك جَزَمَ أبو نُعيم في ((المستَخرَج))، وهو يروي ((الصحيح)) عن الجُرْجاني عن الفِرَبري، فالاختلاف فيه حينئذٍ عن الفِرَبْريّ، ثمَّ رأيته سقط أيضاً من رواية النَّسَفي، لكن جَعَلَ بين عيسى ورَقَبَةٍ ضَبَّةً، ويَغْلِب على الظَّنّ أنَّ أبا حمزة أُلِقَ في رواية الجُرْجاني، وقد وَصَفُوه بِقِلَّة الإتقان، وعيسى المذكور: هو ابن موسى البخاري، ولقبُهُ غُنْجارٌ، بِمُعْجَمةٍ مضمومة ثمَّ نون ساكنة ثمَّ جيم، وليس له في البخاري إلَّا هذا الموضع، وقد وصَلَ الحديثَ المذكور من طريق عيسى المذكور عن أبي حمزة - وهو محمّد بنُ ميمون الشُّكَّري - عن رَقَبة: الطبرانيُّ في ((مُسنَد رَقَبة)) المذكور، وهو بفتح الرّاء والقاف والموخَّدة (١) ذكرها الحافظ في ((الإصابة)) ٤٠٦/٦. (٢) يعني بعد قوله: خلق السماوات والأرض. ٥٣٧ باب ١ / ح ٣١٩٢ كتاب بدء الخلق الخفيفة، ابن مَصقَلةَ بفتح الميم وسكون الصَّاد المهمَلة - وقد تُبدَّل سيناً - بعدها قاف، ولم يَنْفَرِد به عيسى، فقد أخرجه أبو نُعيم من طريق عليّ بن الحسن بن شَقِيق عن أبي حمزة نحوه، لکن بإسنادٍ ضعیفٍ. قوله: ((حَتَّى دَخَلَ أهلُ الجنَّة)) هي غاية قوله: أخبرنا، أي: أخبرنا عن مُبتَدَأ الخلق شيئاً بعد شيء إلى أن انتهى الإخبار عن حال الاستقرار في الجنَّة والنار، ووَضَعَ الماضي موضع المضارع مُبالَغة للتَّحقَّقِ المستفاد من خبر الصَّادق،/ وكان السِّياق يقتضي أن يقول: حتَّى ٢٩١/٦ يَدخُل. ودَلَّ ذلك على أنَّه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذُ ابتُدِثَت إلى أن تَفنَى إلى أن تُبعَث، فشَمِلَ ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، وفي تیسیر إيراد ذلك كلّه في مجلس واحد من خَوَارق العادة أمر عظيم، ویُقرِّب ذلك مع گَون مُعجِزاته لا مِرْيَة في كَثرتها أنَّه وَ أُعطِيَ جوامع الكَلِمِ. ومِثلُ هذا من جِهَة أُخرى ما رواه التِّرمِذي (٢١٤١) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص قال: خَرَجَ علينا رسول الله وَ ل وفي يده كتابان، فقال للَّذي في يده اليُمنى: «هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقَبائِلهم، ثمَّ أُجمِلَ على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنقَصُ منهم أبداً )) ثمّ قال للَّذي في شماله مثله في أهل النار، وقال في آخر الحديث: فقال بيدَيه فنَبَذَهما، ثمّ قال: ((فَرَغَ ربُّكم من العباد، فريق في الجنَّة وفريق في السَّعير))، وإسناده حسن(١). ووجه الشَّبَه بينهما أنَّ الأوَّل فيه تيسير القول الكثير في الَّمَن القليل، وهذا فيه تیسیر الجُرم الواسع في الظَّرف الضَّيِّق، وظاهر قوله: فَنَبَذَهما، بعد قوله: وفي يده كتابانٍ، أنَّهما كانا مَرئيَّين لهم، والله أعلم. ولحديث الباب شاهد من حديث حُذَيفة سيأتي في كتاب القَدَر (٦٦٠٤) إن شاء الله تعالی، ومِن حدیث أبي زيد الأنصاري أخرجه أحمد (٢٢٨٨٨) ومسلم (٢٨٩٢) قال: صَلّى (١) في سنده أبو قَبِيل مختلفٌ فيه، وقد ضعَّفه الحافظ في ((تعجيل المنفعة)) في ترجمة عبيد بن أبي قُرّة البغدادي، وذكر أنه كان يكثر النقل عن الكتب القديمة. وانظر تمام الكلام عليه في «مسند أحمد» (٦٥٦٣). ٥٣٨ باب ١ / ح ٣١٩٣ فتح الباري بشرح البخاري بنا رسول الله ◌َ ﴿ صلاة الصُّبح، فصَعِدَ الِنِبَرَ فخَطَبَنا حتَّى حَضَرَتِ الظُّهر، ثمَّ نزل فصَلّی بنا الظُّهر، ثمَّ صَعِدَ الِنِبَرَ فخَطَبَنا ثمَّ صَلّى العصر كذلك حتَّى غابت الشمس، فحدَّثنا بما كان وما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا. لفظ أحمد. وأخرجه (١١٠٣٨ و ١١١٤٣) من حديث أبي سعيد مختصراً ومُطوَّلاً. وأخرجه التِّرمِذي (٢١٩١) من حديثه مُطوَّلاً، وترجم له ((باب ما قامَ به النبي ◌َّ مِمَّاً هو كائن إلى يوم القيامة))، ثمَّ ساقه بلفظ: صَلّى بنا رسول الله بَّ﴿ يوماً صلاة العصر، ثمَّ قامَ يُحدِّثنا فلم يَدَع شيئاً يكون إلى قيام السّاعة إلَّا أخبرنا به، حَفِظَه مَن حَفِظَه، ونَسیه مَن نَسيه، ثمَّ ساقَ الحديث. وقال: حسن. وفي الباب عن حُذَيفة وأبي زيد بن أخطَبَ وأبي مريم والمغيرة بن شُعْبة. انتهى، ولم يقع له حديثُ عمر حديثُ الباب وهو على شرطه، وأفادَ حديث أبي زيد بيان المقام المذكور زماناً ومكاناً في حديث عمر ﴾، وأنَّه كان على المِنِبَرَ من أوَّل النَّهار إلى أن غابت الشمس، والله أعلم. ٣١٩٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، عن أبي أحمدَ، عن سفيانَ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ﴾، قال: قال رسول الله وَله: ((قال اللهُ تعالى: يَشْتِمُني ابنُ آدَمَ وما ينبغي له أن يَشْتِمَني، وتَكَذَّبَني وما ينبغي له، أمَّا شَتْمُه فقولُهُ: إنَّ لي ولداً، وأمَّا تَكْذِيبُهُ فقولُه: ليسَ یُعِیدُني كما بَدَأني». [أطرافه في: ٤٩٧٤، ٤٩٧٥] ثالثها: حديث أبي هريرة، وهو من الإلهيّات. قوله: ((عن أبي أحمد)) هو محمَّد بن عبد الله بن الزُّبير الزُّبيريّ، وسفيان: هو الثَّوْري. قوله: ((يَشْتِمني ابنُّ آدم)) بكسر التاء من ((يَشتمني))، والشَّتم: هو الوَصْف بما يقتضي النَّقص، ولا شكَّ أنَّ دعوى الولد لله يستلزم الإمكان المتداعي للحدوثِ، وذلك غاية النَّقْص في حقّ الباري سبحانه وتعالى، والمراد من الحديث هنا قوله: ((ليس يُعيدني كما بَدَأني)» وهو قول مُنكِرِي الْبَعْث من عُبّاد الأوثان. ٥٣٩ باب ١ / ح ٣١٩٤ كتاب بدء الخلق ٣١٩٤- حدَّثنا قُتَبةُ، حدَّثْنا مُغِيرةُ بنُ عبدِ الرَّحمن القُرَشِيُّ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لمَّا قَضَى اللهُ الخلقَ كَتَبَ في كتابِهِ، فهو عندَه فوقَ العَرْشِ: أنَّ رحمتي غَلَبَت غَضَبِي)). [أطرافه في: ٧٤٠٤، ٧٤٢٢، ٧٤٥٣، ٧٥٥٣، ٧٥٥٤] رابعها: حديث أبي هريرة أيضاً. قوله:((لمَّا قضى اللهُ الخلقَ)) أي: خَلَقَ الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَتُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أو المراد: أو جَدَ جِنسَه، و((قضى)) يُطلَق بمعنى حَكَمَ وأتقَنَ وفَرَغَ وأمضى. قوله: (كَتَبَ في كتابه)) أي: أمَرَ القَلم أن يَكتُب في اللَّوح المحفوظ، وقد تقدَّم في حديث عُبادةَ بن الصَّامت قريباً: ((فقال للقَلَمِ: اكتُب، فجَرى بما هو كائن))(١)، ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللَّفظ الذي قَضاه، وهو كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]. قوله: ((فهو عنده فوق العَرْش)) قيل: معناه: دون العرش، وهو كقوله تعالى: ﴿بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، والحامل على هذا التأويل استبعاد أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش، ولا محذور في إجراء ذلك على ظاهره، لأنَّ العرش خَلْقٌ من خلق الله، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((فهو عنده)) أي: ذِكْره أو عِلْمه، فلا تكون العِنديّة مكانیةً، بل هي إشارة إلى كمال كونه تَخَفيّاً عن الخلق، مرفوعاً عن حَيِّز إدراكهم، وحكى الكِرْماني أنَّ بعضهم زَعَمَ أنَّ لفظ ((فوقَ)) زائد، كقوله: / ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ ﴾ [النساء: ١١] ٢٩٢/٦ والمراد: اثنتانِ فصاعداً. ولم يَتَعقَّبْه، وهو مُتعقَّب، لأنَّ محلّ دعوى الزّيادة ما إذا بقي الكلام مستقيماً مع حذفها كما في الآية، وأمَّا في الحديث فإنَّه يَبقى مع الحذف: فهو عنده العرش، وذلك غير مستقيم. قوله: ((أنَّ رحمتي)) بفتح ((أنَّ) على أنَّها بدل من: كَتَبَ، وبكسرها على حِكاية مضمون (١) وقد أشار الحافظ ابن حجر - رحمه الله - هناك إلى أن أحمد (٢٢٧٠٥) والترمذي (٢١٥٥) و(٣٣١٩) أخر جاه. ٥٤٠ باب ١ / ح ٣١٩٤ فتح الباري بشرح البخاري الکتاب. قوله: ((غَلَبَتْ)) في رواية شعيب عن أبي الزِّناد في التَّوحيد (٧٤٢٢): ((سَبَقَت)) بدل: ((غَلَبَت))، والمراد من الغَضَب لازمه: وهو إرادة إيصال العذاب إلى مَن يقع عليه الغَضَب، لأَنَّ السَّبْقِ والغَلَبة باعتبار التعلُّق، أي: تعلُّق الرَّحمة غالبٌ سابقٌ على تعلُّق الغَضَب، لأنَّ الرَّحمة مُقتَضى ذاته المقدَّسة، وأمَّا الغَضَب فإنَّه مُتوقّف على سابقةٍ عملٍ من العبد الحادث، وبهذا التَّقرير يَندَفِعِ استشكال مَن أورَدَ وقوع العذاب قبل الرَّحمة في بعض المواطن، كمَن يَدخُل النار من الموحِّدينَ ثمَّ يَخْرُج بالشَّفاعة وغيرها. وقيل: معنى الغَلَبة: الكَثرة والشُّمُول، تقول: غَلَبَ على فلان الكَرَم، أي: أكثر أفعالِه، وهذا كلّه بناء على أنَّ الرَّحمة والغَضَب من صِفات الذّات، وقال بعض العلماء: الرَّحمة والغَضَب من صِفات الفعل، لا من صِفات الذّات، ولا مانع من تقدُّم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارة بالرَّحمة إلى إسكان آدم الجنَّةَ أوَّلَ ما خُلِقَ مثلاً، ومُقابلُها ما وقع من إخراجه منها، وعلى ذلك استَمَرَّت أحوال الأُمَم بتقدُّم الرَّحمة في حَقِّهم بالتَّوسِيع عليهم من الرِّزق وغيره، ثمَّ يقع بهم العذاب على كفرهم(١). وأمَّا ما أشكَلَ من أمر مَن يُعذَّب من الموحِّدينَ، فالرَّحمة سابقة في حقّهم أيضاً، ولولا وجودُها لخُلِّدوا أبداً. وقال الطِّييُّ: في سَبْق الرّحمة إشارة إلى أنَّ قِسط الخلق منها أكثر من قِسطهم من الغَضَب، وأنَّها تَنالُهُم من غير استحقاق، وأنَّ الغَضَب لا يَنالهم إلَّا باستحقاقٍ، فالرّحمة تَشْمَل الشّخص جَنيناً ورضيعاً وفَطيماً وناشئاً، قبل أن يَصدُر منه شيء من الطاعة، ولا يَلحَقه الغَضَب إلَّا بعد أن يَصدُر عنه من الذُّنُوبِ ما يَسْتَحِقّ معه ذلك. (١) كذا أجرى الحافظُ رحمه الله تعالى اللفظين على غير ظاهرهما، والصحيح إجراء مثل هذه الأمور في حقّ الله سبحانه وتعالى على ظاهرها دون تأويل لها، كما هو مذهب السلف رضوان الله تعالى عنهم. وانظر ((شرح العقيد الطحاوية)) ٦٨٤/٤ -٦٨٨ لابن أبي العز.