Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
باب ١٢ / ح ٣١٢٩
كتاب فرض الخمس
قوله: ((فباعَ منها)) أي: من الغابة والدُّورِ، لا من الغابة وحدَها، لأنَّه تقدَّم أنَّ الدَّينَ
ألفا ألفٍ (١) ومئتا ألفٍ، وأنَّ باعَ الغابةَ بألفِ ألفٍ وستُّ مئة ألفٍ، وقد جاء من وجهٍ آخرَ
أنَّه باعَ نصيبَ الزُّبير من الغابة لعبد الله بن جعفرٍ في دَينه، فذكر الزُّبيرُ بنُ بَكّارٍ في ترجمة
حَكيم ابن حِزام عن عمِّه مُصعَبٍ بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبیر
قال: سمعت أبي يقول: قال عبدُ الله بنُ الزُّبير: قُتِلَ أبي وتَرَكَ دَيناً كثيراً، فأتيت حَكِيمَ بنَ
حِزام أستَعينُ برأيِهِ وأستشيرُه، فذكر قصَّةً وفيها: فقال: ابن أخي، ذكرتَ دَينَ أبيك، فإن
كان تَرَكَ مئةَ ألفٍ فنصفُها عليَّ، قلت: أكثرُ من ذلك، إلى أن قال: لله أنتَ! كم تَرَكَ
أبوك؟ قال: فذكرت له أحسَبُ ألفَي ألفٍ، قال: ما أراد أبوك إلَّا أن يَدَعَنا عالةً، قلت:
فإِنَّه تَرَكَ وفاءً، وإنَّما جئت أستَشيرُك، منها سبْعُ مئة ألفٍ لعبد الله بن جعفرٍ، وله شِركٌ في
الغابة، فقال: اذهَب فقاسِمه، فإن سألك البيعَ قبلَ القِسْمة فلا تَبِعِه، ثمَّ اعِرِض عليه، فإن
رَغِبَ فِعه، قال: فجئت فجَعَلَ أمرَ القِسْمة إليَّ، فقَسَمتها وقلت: اشتَرٍ منِّي إن شئت،
فقال: قد كان لي دَينٌ وقد أخذتُها منك به، قال: قلت: هي لك، فبَعَثَ معاويةُ فاشتَراها
كلَّها منه بألفَي ألفٍ.
ويُمكِنُ الجمعُ بإطلاق الكلِّ على المعظَمِ، فقد تقدَّم أنَّه كان بقي منها بغير بيعٍ أربعةُ
أسهم ونصفٌ بأربع مئة ألفٍ وخمسين ألفاً، فيكون الحاصلُ من ثَمَنِها إذ ذاكَ ألفَ ألفٍ
ومئةَ ألفٍ وخمسينَ ألفاً خاصَّةً، فيَبقى من الدَّين ألفُ ألفٍ وخمسون ألفاً، وكأنَّه باعَ بها شيئاً
من الدُّورِ. وقد وقع عند أبي نُعيم في ((المستَخرَج)) من طريق عليّ بن مُسهِرٍ عن هشام/بن ٢٣٢/٦
عُرْوةَ قال: تُوقِّ الزُّبِيرُ وتَرَكَ عليه من الدَّين ألفَي ألفٍ فضَمِنَها عبدُ الله بنُ الزُّبير فأدَّاها،
ولم تَقَعْ في التَّرِكة دارُه التي بمكَّةَ ولا التي بالكوفة ولا التي بمِصرَ. هكذا أورَدَه مختصراً،
فأفادَ أنَّه كان له دارٌ بمكَّةَ، ولم يقع ذِكرُها في الحديث الطَّويل، ويُستَفادُ منه ما أوَّلتُه، لأنَّه
تقدَّم أنَّه كان له إحدى عشرةَ داراً بالمدينة ودارانٍ بالبصرة، غيرَ ما ذُكِرَ.
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: ألف ألف، وهو خطأ.

٤٢٢
باب ١٢ / ح ٣١٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
وروى أبو العبّاس السَّاج في ((تاريخه): حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي السَّفَرِ حدَّثنا أبو أُسامةَ
بسندِه المذكورِ قال: لمَّا قَدِمَ - يعني عبدَ الله بنَ الزُّبير - مكَّةَ فاستَقَرَّ عنده، أي: ثَبَتَ قتلُ
الزُّبير، نظرَ فيما عليه من الدَّين، فجاءه عبدُ الله بن جعفرٍ فقال: إنَّه كان لي على أخي شيءٌ،
ولا أحسَبُهُ تَرَكَ به وفاءً، أفْتُحِبُّ أن أجعَلَه في حِلِّ؟ فقال له ابن الزُّبير: وكم هو؟ قال:
أربعُ مئة ألفٍ، قال: فإنَّه تَرَكَ بها وفاءً بحَمْدِ الله.
قوله: ((فقَدِمَ على معاويةً)) أي: في خِلافَتِهِ، وهذا فيه نظرٌ، لأَنَّه ذكر أنَّه أخَّرَ القِسْمةَ
أربعَ سنينَ استبراءً للدَّين كما سيأتي، فيكون آخرُ الأربع سنةَ أربعينَ، وذلك قبلَ أن يجتمعَ
الناسُ على معاويةَ، فلعلَّ هذا القَدْرَ من الغابة كان ابن الزُّبير أخَذَه من حِصَّتِهِ أو من
نصيبٍ أولاده، ويُؤْيِّدُه أنَّ في سياق القصَّة ما يُؤْخَذُ منه أنَّ هذا القَدْرَ دارَ بينهم بعدَ وفاءِ
الدَّينِ، ولا يمنعُه قوله بعدَ ذلك: فلمَّا فَرَغَ عبدُ الله من قَضاءِ الدَّين، لأنَّه يُحمَلُ على أنَّ
قصَّةَ وِفادتِه على معاويةً كانت بعدَ وفاءِ الدَّينِ، وما اتَّصَلَ به من تأخّرِ القِسْمة بين الوَرَثة
الاستبراءِ بقيّة مَن له دَينٌ، ثمَّ وفَدَ بعدَ ذلك، وبهذا يَندَفِعُ الإشكالُ المتقدِّمُ، وتكونُ وِفادتُه
على معاويةً في خِلافَتِهِ جَزْماً، والله أعلم.
قوله: ((وقال ابن زَمْعَةَ)) هو عبدُ الله «قد أخذت سهماً مئةَ ألفٍ (١)) هو بنصبٍ مئةٍ على
نَزْع الخافض.
قوله: ((فباعَ عبدُ الله بنُ جعفر نصيبه من معاويةً)) أي: بعدَ ذلك ((بستِّ مئة ألفٍ)) أي:
فَرَبِحَ مئتَي ألفٍ.
قوله: ((وكان الزُّبَيرِ أربعُ نِسْوةٍ) أي: مات عنهنَّ، وهنَّ أمُّ خالدٍ والرَّبابُ وزينبُ
المذكوراتُ قبل، وعاتكةُ بنتُ زيدٍ أُختُ سعيد بن زيدٍ أحدِ العشرة، وأمَّا أسماءُ وأُّ كُلُوم
فكان طَلَّقَهما، وقيل: أعادَ أسماءَ وطَلَّقَ عاتكةَ فَقُتِلَ وهي في عِدَّتها منه، فصُولِحَت كما سيأتي.
(١) كذا وقع للحافظ! مع أن روايات البخاري حسب ما في اليونينية والقسطلاني لم تختلف أن نص قول ابن
زمعة: ((قد أخذت سهماً بمئة ألفٍ)) بذكر الجارِّ، فالله أعلم.

٤٢٣
باب ١٢ / ح ٣١٢٩
كتاب فرض الخمس
قوله: ((وَرَفَعَ الثُّلثَ)) أي: الموصى به.
قوله: («فأصاب كلَّ امرأةٍ ألفُ ألفٍ ومئتا ألفٍ)) هذا يقتضي أنَّ الثُّمُنَ كان أربعةَ آلاف
ألفٍ و ثمانٍ مئة ألفٍ.
قوله: ((فجميع مالِهِ خمسونَ ألفَ ألفٍ ومئتا ألفٍ)) في رواية أبي نُعيم من طريق أبي
مسعود الراوي عن أبي أُسامة: أنَّ ميراث الزّبير قُسِمَ على خمسينَ ألفَ ألفٍ ومتتَي ألفٍ
ونيِّف، زادَ على رواية إسحاق: ونيِّ، وفيه نظر؛ لأنَّه إذا كان لكلِّ زوجة ألف ألف ومئتا
ألف، فنصيب الأربع أربعة آلاف ألف وثمان مئة ألف، وهذا هو الثُّمُن، ويَرتَفِع مَن
ضَرَبَه في ثمانيةِ ثمانيةٌ وثلاثون ألف ألف وأربع مئة ألف، وهذا القَدْر هو الثَّلثان، فإذا ضُمَّ
إليه الثُّلث الموصَى به، وهو قَدْر نصف الثُّلثَين وجُمَته تسعةَ عشرَ ألفَ ألفٍ ومئتا ألف،
كان جُملة ماله على هذا سبعةً وخمسينَ ألفَ ألفٍ وستَّ مئة ألف.
وقد نبّه على ذلك قديماً ابن بَطَّال ولم يُجِب عنه، لكنَّه وَهِمَ فقال: وتسع مئة ألف.
وتَعقَّبَه ابن المنيِر فقال: الصواب: وستّ مئة ألف، وهو كما قال(١).
وقال ابن التِّين: نَقَصَ عن التَّحرير سبعةُ آلاف ألفٍ وأربعُ مئة ألف، يعني: خارجاً
عن قَدْر الدَّين، وهو كما قال، وهذا تَفاوت شديد في الحِساب.
وقد ساقَ البَلاذُري في ((تاريخه))(٢) هذا الحديث عن الحسين بن عليّ بن الأسوَد عن أبي
أُسامة بسندِه، فقال فيه: وكان للُّبَير أربعُ نِسوة، فأصاب كلَّ امرأةٍ من ثُمُنِ عَقاراته ألفُ
ألف ومئة ألف، وكان الثُّمُن أربعة آلاف ألف وأربع مئة ألف، وكان ثلثا المال الذي اقتَسَمَه
الوَرَثَةُ خمسة وثلاثينَ ألف ألف ومئتي ألف. وكذلك أخرجه ابن سعد (١٠٨/٣ -١٠٩)
عن أبي أُسامة، فعلى هذا إذا انضمَّ إليه نصفه وهو سبعة عشر ألف ألف وستّ مئة ألف،
كان جميع المال اثنين وخمسين ألف ألف وثمان مئة ألف، فيزيد عمَّا وقع في الحديث ألفَي ألف
وستّ مئة ألف، وهو أقرَب من الأوَّل،/ فلعلَّ المراد أنَّ القَدر المذكور، وهو أنَّ لكلِّ زوجة ٢٣٣/٢
(١) في (س): وهو كما قال ابن التين، بإسقاط ((وقال)). وهو خطأ.
(٢) «أنساب الأشراف)) ٩/ ٤٢٥-٤٢٦.

٤٢٤
باب ١٢ / ح ٣١٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
ألف ألف ومئة ألف كان لو قُسِمَ المال كلّه بغير وفاءِ الدَّين، لكن خرج الدَّين من حِصَّة كلّ
أحد منهم، فيكون الذي يُورَث ما عَدا ذلك، وبهذا التَّقرير يَخِفّ الوَهم في الحِساب، ويَبقى
التَّفاوت أربع مئة ألف فقط.
لكن روى ابن سعد (١١٠/٣) بسندٍ آخر ضعيف عن هشام بن عُرْوة عن أبيه: أنَّ
تَرِكة الزُّبير بَلَغَت أحداً أو اثنين وخمسينَ ألف ألف، وهذا أقرب من الأوَّل، لكنَّه أيضاً لا
تحرير فيه، وكأنَّ القوم أُتُوا من عَدَم إلقاء البالِ لتحرير الحِساب، إذ الغَرَض فيه ذِكْرِ الكَثْرة
التي نَشَأْت عن البَرَكة في تَرِكة الزُّبير، إذ خَلَّفَ دَيناً كثيراً ولم يُخُلِّف إلّ العَقار المذكور،
ومع ذلك فُبُورِكَ فيه حتَّى تَحَصَّلَ منه هذا المال العظيم.
وقد جَرَت للعربِ عادة بإلغاءِ الكُسور تارةً، وجَبْرها أُخرى، فهذا من ذاكَ، وقد وقع
إلغاء الكُسور في هذه القصَّة في عدَّة روايات بصِفاتٍ مُخْتَلِفة: ففي رواية عليّ بن مُسِهِر عن
هشام عند أبي نُعيم: بَلَغَ ثُمِنُ نساء الزُّبير ألفَ ألفٍ، وَتَرَكَ عليه من الدَّين ألفَي ألف، وفي
رواية عَّام بن عليٍّ عن هشام عند يعقوب بن سفيان (٢/ ٤١٥): أنَّ الزُّبير قال لابنِهِ: انظُر
دَيني، وهو ألف ألف ومئتا ألف، وفي رواية أبي معاوية عن هشام: أنَّ قيمة ما تَرَكَه الزُّبير
كان خمسينَ ألف ألف، وفي رواية السَّرَّاج: أنَّ مُملة ما حَصَلَ من عَقاره نَيِّفٌ وأربعونَ
ألف ألف، وعند ابن سعد (١١٠/٣) من حديث ابن عُيَينةَ: أنَّ ميراثه قُسِمَ على أربعينَ
ألف ألف، وهكذا أخرجه الحميدي في ((النَّوادر)) عن سفيان عن هشام بن عُرْوة، وفي
((المجالَسة)) للدِّينَوَري (٢٢٠٠) من طريق محمَّد بن عُبيد عن أبي أُسامة: أنَّ الزُّبير تَرَكَ من
العُرُوض قيمة خمسينَ ألف ألف.
والذي يَظهَر أنَّ الرُّواة لم يَقصِدوا إلى التَّحرير البالغ في ذلك كما تقدَّم، وقد حكى
عياض عن ابن سعد ما تقدَّم، ثمَّ قال: فعلى هذا يَصِحُّ قوله: إنَّ جميع المال خمسونَ ألف
ألف، ويَبقى الوَهْم في قوله: ومئتا ألف، قال: فإنَّ الصواب أن يقول: مئة ألف واحدة،
قال: وعلى هذا فقد وقع في الأصل الوَهمُ في لفظ: مئتا ألف، حيثُ وقع في نصيب
الزَّوجات، وفي الجملة فإنَّما الصواب: مئة ألف واحدة، حيثُ وقع في الموضعين.

٤٢٥
باب ١٢ / ح ٣١٢٩
كتاب فرض الخمس
قلت: وهو غَلَطُ فاحش يُتَعجَّب من وقوع مِثله فيه، مع تَيقَّظْه للوَهْم الذي في
و
الأصل، وتَفرُّغ باله للجمع والقِسْمة، وذلك أنَّ نصيب كلِّ زوجة إذا كان ألف ألف ومئة
ألف، لا يَصِحّ معه أن يكون جميع المال خمسين ألف ألف ومئة ألف، بل إنَّما يَصِحّ أن يكون
جميع المال خمسينَ ألف ألف ومئة ألف، إذا كان نصيب كلِّ زوجة ألف ألف وثلاثة
وأربعينَ ألفاً وسبع مئةٍ وخمسينَ على التَّحرير.
وقرأت بخَطِّ القُطْب الحَلَبي عن الدِّمياطي: أنَّ الوَهْم إنَّما وقع في رواية أبي أسامة عند
البخاري في قوله في نصيب كلّ زوجة: إنَّه ألف ألف ومئتا ألف، وأنَّ الصواب أنَّه ألف
ألف سواء بغير كسر، وإذا اختَصَّ الوَهم بهذه اللَّفظة وحدها، خرج بقيَّة ما فيه على
الصِّحَّة، لأنَّه يقتضي أن يكون الثُّمُن أربعة آلاف ألف، فيكون ثُمناً من أصل اثنين
وثلاثينَ، وإِذا انضمَّ إليه الثُّلث صارَ ثمانيةً وأربعينَ، وإذا انضمَّ إليها الدَّين صارَ الجميع
خمسينَ ألف ألف ومئتي ألف، فلعلَّ بعض رُوَاته لمَّا وقع له ذِكْر مئتا ألف عند الجملة،
ذكرها عند نصيب كلّ زوجة سَهواً، وهذا توجيه حسن، ويُؤيِّده ما روى أبو نُعيم في
((المعرفة)) (٤٣٩) من طريق أبي مَعشَر عن هشام عن أبيه قال: وَرِثَت كلُّ امرأة للزُّبَیر رُبُع
الثُّمُن ألف ألف درهم.
وقد وَجَّهَه الدِّمياطي أيضاً بأحسن منه، فقال ما حاصله: إنَّ قوله: فجميع مال الزُّبير
خمسونَ ألف ألف ومئتا ألف، صحيح، والمراد به قيمة ما خَلَّفَه عند موته، وأنَّ الزائد على
ذلك، وهو تسعة آلاف ألف وستّ مئة ألف، بمُقتَضى ما يَحَصُل من ضرب ألف ألف
ومئتَي ألف، وهو رُبُع الثُّمُن في ثمانية مع ضمّ الثُّلث كما تقدَّم، ثمَّ قَدرُ الدَّين حتَّى يَرتَِّع
من الجميع تسعة وخمسونَ ألف ألف وثمان مئة ألف، حَصَلَ هذا الزّائد من نَماءِ العَقَارات
والأراضي في / المدَّة التي أخَّرَ فيها عبد الله بن الزُّبير قَسم التَّرِكة استبراءً للدَّين كما تقدَّم، ٢٣٤/٦
وهذا التَّوجيه في غاية الحُسن لعَدَم تكلَّفه وتبقية الرّواية الصحيحة على وجهها، وقد تَلقّاه
الكِرْماني، فذكره مُلخَّصاً، ولم يَنسُبه لقائله، ولعلَّه من تَوارد الخواطر، والله أعلم.

٤٢٦
باب ١٢ / ح ٣١٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا ما ذكره الزُّبير بن بكّارٍ في (النَّسَب)) في ترجمة عاتكة، وأخرجه الحاكم في ((المستدرَك))
(٣/ ٣٦٧-٣٦٨): أنَّ عبد الله بن الزُّبير صالح عاتكةَ بنت زيد عن نصيبها من الثُّمُن على
ثمانينَ ألفاً. فقد استَشكَلَه الدِّمياطي، وقال: بينه وبين ما في ((الصحيح)) بَوْنٌ بعيد، والعَجَب .
من الزُّبير كيف ما تَصَدّى لتحرير ذلك.
قلت: ويُمكِن الجمع بأن يكون القَدرُ الذي صُولِحَت به قَدْر ثلثَي العُشر من
استحقاقها وكان ذلك برضاها، ورَدَّ عبد الله بن الزُّبير بقيّة استحقاقها على مَن صالحَها
له، ولا يُنافي ذلك أصلَ الجملة، وأمَّا ما أخرجه الواقدي(١)، عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن
هشام بن عُرْوة، عن أبيه قال: قيمة ما تَرَكَ الزُبير أحد وخمسونَ ألف ألف. فلا يعارض ما
تقدَّم لعَدَم تحريره، وقال ابن عُيَينَةَ: قُسِمَ مال الزُّبير على أربعينَ ألف ألف. أخرجه ابن
سعد (١١٠/٣)، وهو محمول على إلغاء الكسر.
وفي هذا الحديث من الفوائد: نَذْب الوصية عند حُضُور أمر يُحشى منه الفَوْت، وأنَّ
للوَصي تأخير قِسْمة الميراث حتَّى تُوفّى ديونُ الميّت، وتُنفَّذ وصاياه إن كان له ثلث، وأَنَّ له
أن يَستَرِئ أمر الدُّيون وأصحابها قبل القِسْمة، وأن يُؤخّرها بحَسَبٍ ما يُؤدّي إليه
اجتهادُه، ولا يخفى أنَّ ذلك يَتَوقَّف على إجازة الوَرَثة، وإلَّ فمَن طلبَ القِسْمة بعد وفاءِ
الدَّين الذي وقع العلم به وصَمَّمَ عليها أُجيبَ إليها، ولم يَتَربَّص به انتظار شيءٍ مُتَوَهَّم،
فإذا ثَبَتَ بعد ذلك شيء استُعیدَ منه.
وبهذا يَتَبَيَّنُ ضعفُ مَن استدلَّ بهذه القصّة لمالكِ حيثُ قال: إنَّ أجَل المفقود أربع
سنينَ، والذي يَظهَر أنَّ ابن الزُّبير إِنَّمَا اختارَ التأخير أربعَ سنينَ لأنَّ المدن الواسعة التي
يُؤتى الحِجازُ من جِهَتها إذ ذاكَ كانت أربعاً: اليمن والعراق والشّام ومصر، فبَنى على أنَّ
كلّ قُطر لا يَتأخّر أهله في الغالب عن الحجّ أكثرَ من ثلاثة أعوام فيَحصُل(٢) استيعابهم في
مُدَّة الأربع، ومنهم في طول المدَّة يَبلُغ الخبرُ مَن وراءَهم من الأقطار. وقيل: لأنَّ الأربع
(١) وأخرجه عنه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣/ ١١٠، وقد ضعفه الحافظ قبل بقليل.
(٢) في (س): فيحسن.

٤٢٧
باب ١٢ / ح ٣١٢٩
كتاب فرض الخمس
هي الغاية في الآحاد بحَسَبٍ ما يُمكِنِ أن يَتَرَكَّب منه العشرات، لأنَّ فيها واحداً واثنين
وثلاثة وأربعة، ومجموع ذلك عشرة، واختارَ الموسِم، لأنَّه مَجَمَع الناس من الآفاق.
وفيه جواز التَّربُّص بوفاءِ الدَّين إذا لم تكن التَّرِكة نقداً، أو لم يَخْتَر صاحبُ الدَّين إِلَّا
النَّقَد. وفيه جواز الوصية للأحفاد إذا كان مَن يَحجُبهم من الآباء موجوداً، وفيه أنَّ
الاستدانة لا تُكرَه لمن كان قادراً على الوفاء. وفيه جواز شِراء الوارث من التَّرِكة. وأنَّ
الِبة لا تُلَك إلَّا بالقبضِ، وأنَّ ذلك لا يُخْرِج المال عن مِلك الأوَّل، لأنَّ ابن جعفر عَرَضَ
على ابن الزُّبير أن يُحِلّلَهم من دَينِه الذي كان على الزُّبیر، فامتَنَعَ ابن الزُّبیر. وفيه بيان جُود
ابن جعفر لسَمَاحَتِه بهذا المال العظيم، وأنَّ مَن عَرَضَ على شخص أن يَهَبَه شيئاً فامتَنَعَ، أنَّ
الواهب لا يُعَدّ راجعاً في هِبَته، وأمَّا امتناع ابن الزُّبير فهو محمول على أنَّ بقيّة الوَرَثة
وافَقُوه على ذلك، وعَلِمَ أنَّ غير البالغينَ يُنفِذونَ له ذلك إذا بَلَغُوا، وأجاب ابن بَطَّال بأنَّ
هذا ليس من الأمر المحكوم به عند التَّشَاحِ، وإنَّما يُحكَم به في شَرَفِ النُّفوس ومحاسن
الأخلاق. انتهى. والذي يَظهَر أنَّ ابن الزُّبير تَحمَّلَ بالدَّين كلِّه على ذِمَّته، والتَّزَمَ وفاءَه،
ورضيَ الباقونَ بذلك كما تقدَّمت الإشارة إليه قريباً، لأنَّهم لو لم يَرضَوْا لم يُقِدْهم تركُ
بعض أصحاب الدَّين دَينَه لنقصِ الموجود في تلك الحالة عن الوفاء، لظهورِ قِلَّته وعِظَم
گَثْرة الدَّین.
وفيه مُبالَغة الزُّبير في الإحسان لأصدقائه، لأنَّه رضي أن يحفظَ لهم ودائعهم في غیبتهم، ٢٣٥/٦
ويقوم بوَصاياهم على أولادهم بعد موتهم، ولم يَكتَفِ بذلك حتَّى احتاطَ لأموالهم وَدِيعةً
أو وصيَّة بأن كان يَتَوصَّل إلى تصييرها في ذِمَّته مع عَدَم احتياجه إليها غالباً، وإنَّما يَنقُلها
من اليد للذِّمَّة مُبالَغة في حِفْظها لهم.
وفي قول ابن بَطَّال المتقدِّم: كان يفعل ذلك ليطيبَ له رِبح ذلك المال، نظرٌ، لأنَّه
يَتَوقَّف على ثبوت أنَّه كان يتصرَّف فيه بالتِّجارة، وأنَّ كَثْرة ماله إنَّما زادت بالتِّجارة،
والذي يَظهَر خِلاف ذلك، لأنَّه لو كان كذلك لكان الذي خَلَّفَه حال موته يَفي بالدّين

٤٢٨
باب ١٢ / ح ٣١٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
ويزيد عليه، والواقع أنَّه كان دون الدَّين بكثير، إلَّا أنَّ الله تعالى بارَكَ فيه بأن ألقى في قلب
مَن أراد شِراء العَقَار الذي خَلَّفَه الرَّغبة في شرائه، حتَّى زادَ على قيمته أضعافاً مُضاعَفة، ثمَّ
سَرَت تلك البَرَكةُ إلى عبد الله بن جعفر لمَا ظَهَرَ منه في هذه القصَّة من مكارم الأخلاق،
حتَّى رَبِحَ في نصيبه من الأرض ما أربَحَه معاويةٌ.
وفيه أن لا كراهة في الاستكثار من الزَّوجات والخَدَم، وقال ابن الجَوْزيّ: فيه رَدٌّ على
مَن كَرِهَ جمع الأموال الكثيرة من جَهَلة المتزهِّدينَ. وتُعقِّبَ بأنَّ هذا الكلام لا يناسب مقامَه
من حيثُ كونه لَهِجاً بالوعظ، فإنَّ من شأنِ الواعظ التَّحريضَ على الزّهد في الدُّنيا والتَّقْلُّل
منها، وكَونُ مثلِ هذا لا يُكرَه للزُّبَير وأنظاره لا يَطَّرِدُ.
وفيه بَرَكة العَقَار والأرض لما فيه من النَّفْع العاجل والآجِل بغير كثير تَعَب، ولا
دخول في مكروه كاللَّغوِ الواقع في البيع والشِّراء. وفيه إطلاق اللَّفظ المشتَرَك لمن يُظَنُّ به
معرفة المراد، والاستفهام لمن لم يَتَبَيَّن له، لأنَّ الزُّبير قال لابنِه: استَعِنْ عليه بمولاي،
والمولى لفظ مُشتَرَك، فجَوَّزَ ابن الزُّبير أن يكون أراد بعض ◌ُتَقائه مثلاً، فاستَفهَمَه فعَرَفَ
حينئذٍ مُرادَه.
وفيه منزلة الزُّبير عند نفسه، وأنَّه في تلك الحالة كان في غاية الوُثُوق بالله والإقبال
عليه، والرِّضا بحُكمِه والاستعانة به، ودَلَّ ذلك على أنَّه كان في نفسه مُحِقّاً مُصيباً في القتال،
ولذلك قال: إنَّ أكبر هَمّه دَينُهُ، ولو كان يعتقد أنَّه غير مُصيب، أو أنَّه آئِم باجتهاده ذلك،
لكان اهتمامه بما هو فيه من أمر القتال أشدّ، ويحتمل أن يكون اعتَمَدَ على أنَّ المجتَهِد يُؤجَر
على اجتهاده ولو أخطأ.
وفيه شِدَّة أمر الدَّين، لأنَّ مِثل الزُّبير مع ما سبق له من السَّوابق، وثَبَتَ له من المناقب،
رَهِبَ من وُجُودِ (١) مُطالَبة من له في چِهَته حقُّ بعد الموت. وفيه استعمال التّجُّز في کثیر من
الكلام كما تقدَّم، وقد وقع ذلك أيضاً في قوله: أربع سنينَ في المواسم، لأنَّه إن عَدَّ مَوسِم
(١) في (ع): وجوب، وفي (س): وجوه. وأظنهما تحريفاً عن ((وجود)).

٤٢٩
باب ١٣-١٤ / ح ٣١٣٠
كتاب فرض الخمس
سنة ستّ وثلاثينَ، فلم يُؤخِّر ذلك إلَّا ثلاث سنينَ ونصفاً، وإن لم يَعُدَّه فقد أخَّرَ ذلك أربع
سنينَ ونصفاً، ففيه إلغاء الكسر أو جَبْرُه. وفيه قُوَّة نفسٍ عبد الله بن الزُّبير لعَدَم قَبُوله ما
سأله حَكيم بن حِزَام من المعاوَنة، وما سأله عبد الله بن جعفر من المحالَلةِ.
١٣ - بابٌ إذا بَعَث الإمامُ رسولاً في حاجةٍ، أو أمره بالمُقام،
هل يُسهم له؟
٣١٣٠ - حدَّثنا موسى، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، حدَّثنا عثمانُ بنُ مَوْهَبٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله
عنهما، قال: إنَّما تَغْيَّبَ عثمانُ عن بدرٍ فإنَّه كانت تحتَه بنتُ رسولِ الله وَلِّ، وكانت مريضةً،
فقال له النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ لكَ أجرَ رجلٍ ثَمَّنْ شَهِدَ بَدْراً وسَهْمَه)).
[ أطرافه في: ٣٦٩٨، ٣٧٠٤، ٤٠٦٦، ٤٥١٣، ٤٥١٤، ٤٦٥٠، ٤٦٥١، ٧٠٩٥]
قوله: ((بابٌ إذا بَعَثَ الإمامُ رسولاً في حاجةٍ أو أمَرَه بالمُقام)) أي: ببلدِه ((هل يُسهَمُ له))
أي: مع الغانمِينَ أم لا؟
قوله: ((حدَّثنا موسی)) هو ابن إسماعيلَ.
وقوله: ((عثمانُ بنُ مَوهَبٍ)) بوَزنِ جعفرٍ، قال أبو عليِّ الْجَيَّاني: وقع في نسخة أبي محمَّدٍ
عن أبي أحمد - يعني الأَصِيلي عن الجُرْجاني -: عَمِرِو بن عبد الله، وهو غَلَطٌ.
وذكر الحديثَ عن ابن عمرَ مختصراً في قصَّة تَخَلَّفِ عثمانَ عن بدٍ، وسيأتي مُطوَّلاً بهذا
الإسناد على الصواب في مناقب عثمانَ (٣٦٩٨)، وقد تقدَّم بيانُ الاختلاف في هذه المسألة
في «باب الغنيمة لمن شَهِدَ الوَقْعةَ» (٣١٢٥).
١٤ - بابٌ
٢٣٦/٦
ومن الدّليل على أنّ الخُمُسَ لنوائبِ المسلمين ما سأل هَوَازنُ النبيَّ ◌َّهِ بَرَضَاعه فيهم،
فَتَحلَّلَ من المسلمينَ، وما كان النبيُّ وَّهَ يَعِدُ الناسَ أن يُعْطِيَهم من الفَيءِ والأنفال من
الخُمُس، وما أعطَى الأنصارَ، وما أعطَى جابرَ بنَ عبدِ اللهِ مِن تَمْر خَيْرَ.

٤٣٠
باب ١٤
فتح الباري بشرح البخاري
٢٣٨/٦
قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوين ((ومِن الدَّليل)) هو عَطفُ على التَّرجمة التي قبلَ ثمانية أبوابٍ حيثُ
قال: ((الدَّليلُ على أنَّ الخُمسَ لنوائبِ رسول الله وَّه))، وقال هنا: ((لِنَوائبِ المسلمين))،
وقال بعدَ بابٍ: ((ومِن الدَّليل على أنَّ الْخُمسَ للإمام))، والجمعُ بين هذه التَّراجم أنَّ
الخمسَ لنوائبِ المسلمين وإلى النبيِ وَّةِ، مع تَوَلَّ قِسمَتِهِ أن يأخذَ منه ما يحتاجُ إليه بقَدْرِ
كفايتِهِ، والحُكمُ بعدَه كذلك، يَتَولّى الإمامُ ما كان يَتَوَلَّاه، هذا مُحُصَّلُ ما ترجم به المصنّف،
وقد تقدَّم توجيهُه وتَبيينُ الاختلاف فيه. وجَوَّزَ الكِرْماني أن تكونَ كلُّ ترجمةٍ على وَفْقِ
مذهبٍ من المذاهبِ، وفيه بُعدٌ، لأنَّ أحداً لم يقل: إنَّ الخمسَ للمسلمين دونَ النبي ◌ِّ
ودونَ الإمام، ولا للنبي ◌َ ◌ُّ دونَ المسلمين وكذا للإمام، فالتَّوجيه الأوَّلُ هو اللّائق، وقد
أشارَ الكِرْماني أيضاً إلى طريق الجمع بينها، فقال: لا تَفاوُتَ من حيثُ المعنى، إذ نَوائبُ
رسول الله وَ﴿ نوائبُ المسلمين، والتصرُّفُ فيه له وللإمام بعده.
قلت: والأَولى أن يقال: ظاهرُ لفظِ التَّراجم التَّخالُف، ويَرتَفِعُ بالنَّظَرِ في المعنى إلى
التَّوافُقِ، وحاصلُ مذاهبِ العلماءِ أكثرُ من ثلاثةٍ:
أحدُها: قولُ أئمّة المخالَفة: يُؤخَذُ من الخمس سهمُ الله(١)، ثمَّ يُقسَمُ الباقي خمسةً كما
في الآية.
الثَّاني: عن ابن عبّاسٍ: خُمُسُ الخمس لله ولرسول الله وَّةِ، وأربعةٌ للمذكورينَ، وكان
النبيُّ ◌َّهِ يَرُدُّ سهمَ الله ورسولِهِ لِذَوي القُربى، ولا يأخذُ لنفسِه شيئاً.
الثّالث: قولُ زين العابدين: الخمسُ كلُّه لِذَوي القُربى، والمرادُ باليتامى يتامى ذَوِي
القُربى، وكذلك المساكينُ وابن السَّبيل، أخرجه ابن جَرِيرٍ عنه (٨/١٠)، لكنَّ السَّنَدَ إلیه واهٍ.
الرّابع: هو للنبي ◌َ، فخُمُسُه خاصَّتِهِ، وباقيه لتصُّفِه.
الخامس: هو للإمام يتصرَّفُ فيه بالمصلحة كما يتصرف في الفَيء.
(١) في (س): الخمس يؤخذ من سهم الله. والمثبت من الأصلين، وهو الصحيح.

٤٣١
باب ١٤
كتاب فرض الخمس
السادس: يُرصَد لمصالح المسلمين.
السابع: يكون بعدَ النّبِّ وَّ لِذَوي القُربَى ومَن ذُكِرَ بعدَهم في الآية.
قوله: ((ما سأل هَوَازِنُ النبيَّ وَّهِ بَرَضَاعه فيهم، فَتَحلَّلَ من المسلمين)) هَوَازِنُ فاعلٌ،
والمرادُ القبيلةُ، وأطلقَها على بعضِهم مجازاً، و((النبيَّ) بالنَّصب على المفعولية، وقوله:
((برَضَاعه)) أي: بسبب رضاعه، لأنَّ حَليمةَ السَّعديةَ مُرضِعَتَه كانت منهم، وقد ذكر قصَّةً
سؤال هَوَازنَ من طريق المِسوَرِ بن ◌َخَرَمةَ ومروانَ موصولةً، ولكن ليس فيها تعرُّضُ لِذِكْرِ
الرَّضاع، وإنَّما وقع ذلك فيما أخرجه ابن إسحاقَ في ((المغازي)(١) من طريق عَمِرٍو بن
شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، فذكر القصَّةَ مُطوَّلةً، وفيها شِعرُ زهير بن صُرَدَ حیثُ قال فيه:
امنُن على نِسوةٍ قد كنت تَرضَعُها إذُفُوكَ يَملَؤُه من مَخْضِها الدُّرَرُ
وسيأتي بيانُ ما في سياقه من فائدةٍ زائدةٍ عند الكلام على حديث المِسوَرِ في المغازي (٤٣١٨
و٤٣١٩) إن شاء الله تعالى. وتقدَّم شرحُ بعض ألفاظِه في أواخرِ العِثْق (٢٥٣٩ و٢٥٤٠).
قوله: ((وما كان النبي ◌َّه يَعِدُ الناسَ أن يُعْطِيَهم من الفَيءِ والأنفال من الخُمُسِ، وما
أعطى الأنصارَ، / وما أعطى جابرَ بنَ عبدِ الله من تَمْرِ خيبرَ)) أمَّا حديثُ الوَعدِ من الفَيءٍ ٢٣٩/٦
فَيَظْهَرُ من سياق حديث جابرٍ، وأمَّا حديثُ الأنفال من الخمس فمذكورٌ في الباب من
حديث ابن عمرَ، وأمَّا حديثُ إعطاءِ الأنصار فتقدَّم من حديث أنسٍ قريباً (٣١٢٨)، وأمَّا
حديثُ إعطاءِ جابرٍ من تمرٍ خيبرَ فهو في حديثٍ أخرجه أبو داود (٣٦٣٢)، وظَهَرَ من
سياقه أنَّ حديثَ جابرِ الذي ترجم به المصنِّفُ للباب طرفٍ منه(٢).
(١) ومن طريقه أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٥٣٠٤)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٣٠٦٩)،
والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٤/٥ - ١٩٦، وانظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٤٨٩/٢.
(٢) في الأصلين: وظهر من سياقه أن حديث جابر الذي خَتَم به المصنف الباب طرف منه. والمثبت من
(س)، وهو أوضح، لاحتمال ما في الأصلين أن يقصد به حديث جابر الذي ختم به الترجمة أو حديث
جابر الذي ختم به أحاديث الباب. وحديث جابر الذي ختم به أحاديث الباب لا علاقة له بخیبر،
وإنما هو في الجِعرانة، والجعرانة بعد غزو هوازن كما في حديث أحمد (١٤٨٢٠).

٤٣٢
باب ١٤ / ح ٣١٣١ - ٣١٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
ثم ذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث:
٣١٣١، ٣١٣٢ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن
ابنِ شِهابٍ، قال: وزَعَمَ عُرْوةُ أنَّ مروانَ بنَ الحَكَمِ والمِسوَرَ بنَ مَخْرَمةَ أخبَرَاهُ: أنَّ رسولَ الله
وَّه قال حين جاءَّه وَفْدُ هَوَازنَ مسلمينَ، فسألُوه أن يَرُدَّ إليهم أموالهَم وسَبْيَهم، فقال لهم
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أحَبُّ الحديثِ إليَّ أصدَقُه، فاختارُوا إحدى الطائفتين: إمَّا السَّبْيَ، وإمَّا
المالَ، وقد كنتُ استَأنَيتُ بهم))، وقد كان رسولُ الله ◌ِّهِ انْتَظَرَهُم بضْعَ عَشْرَةَ ليلةً حين قَفَلَ
من الطائفِ، فلمَّا تَبَّن لهم أنَّ رسولَ اللهَ وَّهغيرُ رادِّ إليهم إلا إحدَى الطائفَتَين، قالوا: فإنّا
نَخْتارُ سَبْيَنا، فقامَ رسولُ اللهِوَ ◌ّه في المسلمينَ، فأثْنَى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ قال: ((أمَّا بعدُ،
فإنَّ إخوانكم هؤُلاءِ قد جاؤونا تائبِينَ، وإنّي قد رأيتُ أن أرُدَّ إليهم سَبْيَهم، مَن أحَبَّ أن
يُطيِّبَ فَلْيَفْعَل، ومَن أحَبَّ منكم أن يكونَ على حَظِّ حتَّى نُعْطِيَه إيّاه من أوَّلِ ما يُفِيءُ الله
علينا فلْيَفْعَل))، فقال الناسُ: قد طَيِّنا ذلك لِرسُول الله، فقال لهم رسولُ الله ◌َيِ: ((إنّا لا
نَذْري مَن أذِنَ منكم في ذلك ممَّن لم يأذَن، فارجِعوا حتَّى يَرْفَعَ إلينا عُرَفَاؤُكم أمَرَكم)) فَرَجَعَ
الناسُ، فَكَلَّمَهم عُرَفاؤُهم، ثمَّ رَجَعوا إلى رسولِ الله وََّ، فأخبَرَوه أنَّهم قد طَيّوا وأَذِنُوا.
فهذا الذي بَلَغَنا عن سَبْىٍ هَوَازنَ.
٣١٣٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهّاب، حدَّثنا حَمَّادٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قلابةَ، قال:
وحدَّثني القاسِمُ بنُ عاصمِ الكُلَيِيُّ - وأنا لحديث القاسِمِ أحفظُ - عن زَهْدَم، قال: كنَّا عندَ
أبي موسى، فأَتَى ذِكْرُ دَجاجةٍ، وعندَه رجلٌ من بني تَيمِ الله أحمَرُ كأنَّه من الموالي، فدَعاه
للطَّعام، فقال: إنّي رأيتُهُ يأكُلُ شيئاً فقَذِرْتُه، فحَلَفْتُ أنْ لا آكُلَ فقال: هَلُمَّ فَأَحَدِّثْكُم عن
ذاكَ: إنّ أتيتُ النبيَّ ◌َهُ فِي نَفَرِ من الأشعَرِيِّينَ نَسْتَحمِلُه، فقال: ((والله لا أحمِلُكم وما عندي
ما أحْمِلُكم))، وأُتِيَ رسولُ اللهَوَّه بِنَهْبِ إِيلٍ، فسأل عنَّا، فقال: ((أينَ النَّفَرُ الأشعَرِيّونَ؟)) فأمَرَ
لنا بخَمسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فلمَّا انطَلَقْنا قلنا: ما صَنَعْنا؟! لا يُبارَكُ لَنا، فَرَجَعْنا إليه فقلنا:
إنّا سألناكَ أن تَحمِلَنا، فحَلَفْتَ أن لا تَحمِلَنا، أفَنَسِيتَ؟ قال: ((لستُ أنا حَمَلتُكم، ولكنَّ الله

٤٣٣
باب ١٤ / ح ٣١٣٤-٣١٣٥
كتاب فرض الخمس
حَمَلَكُم، وإنّي والله إن شاء الله لا أحلِفُ على يَمِينٍ فأرَى غيرَها خيراً منها، إلا أتيتُ الذي هو
خیرٌ، وَحَلَّلْتُها».
[أطرافه في: ٤٣٨٥، ٥٥١٧، ٥٥١٨، ٦٣٢٣، ٦٦٤٩، ٦٦٧٨، ٦٦٨٠، ٦٧١٨، ٦٧١٩، ٦٧٢١، ٧٥٥٥]
الأول: حديثُ المِسوَرِ، وقد نَبَّهت عليه، وتقدَّم بعضُه بهذا الإسناد بعينِه في الوكالة
(٢٣٠٧ و ٢٣٠٨).
الثاني: حديثُ أبي موسى الأشعري.
قوله: ((قال: وحدَّثني القاسِمُ بن عاصمِ الكُلَيبي)» بموخَّدةٍ مُصغَّرٌ، والقائلُ ذلك هو
أيوب، بيَّن ذلك عبدُ الوهّابِ الثَّقَفي عن أيوبَ كما سيأتي في الأيمان والنُّذُور (٦٦٤٩).
قوله: ((فأتى ذِكْرُ دَجاجةٍ)) كذا لأبي ذرٍّ: ((فَأَتَى)) بصيغة الفعل الماضي من الإتيان،
و((ذِكْر)) بكسر الذّال وسكون الكاف، و((دَجاجةٍ)) بالجرِّ والتَّنوين على الإضافة، وكذا
للنَّسَفي، وفي رواية الأَصِيلي: ((فأُتي)) بضمِّ الهمزة على البناءِ لمَا لم يُسمَّ فاعلُه، و((ذَكَرَ))
بفتحتين، و((دَجاجةً)) بالنَّصب والتّنوين على المفعولية، كأنَّ الراوي لم يَستَحضِرِ اللَّفظَ كلَّه
وحَفِظَ منه لفظَ دجاجةٍ، قال عياضٌ: وهذا أشبه لقوله في الطَّريق الأُخرى (٦٦٤٩):
((فأُتي بلحم دجاج))، ولقوله في حديث الباب: فدَعَاه للطَّعام، أي: الذي فيه الدَّجاجة،
وسيأتي في النُّدُور (٦٦٤٩) بلفظ: فأُتي بطعام فيه دجاجٌ. وهو المراد.
قوله: ((وعنده رجلٌ من بني تَيْمِ الله)) هو نِسبةٌ إلى بطنٍ من بني بكرِ بن عبد مناةً، وسيأتي
الكلامُ على شرحِه مُستَوفَّى في الأيمانِ والنُّورِ، وأُبيِّ هناك ما قيل في اسمِه، ومُناسَبتُه
للتَّرجمة من جِهَة أنَّهم سألوه فلم يَجِدْ ما يَحمِلُهم عليه، ثمَّ حَضَرَ شيءٌ من الغنائم فحَمَلهم
منها، وهو محمولٌ على أنَّه حَمَلهم على ما يَخْتَصُّ بالخُمس، وإذا كان له التصرّفُ بالتَّنجيزِ
من غير تعليقٍ، فكذا له التصرُّفُ بتنجيزِ ما عَلَّقَ.
٣١٣٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله ٢٣٧/٦
عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهَبَعَثَ سَرِيَّةً فيها عبدُ الله بنُ عمرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِموا إبلاً كثيرةً، فكانت

٤٣٤
باب ١٤ / ح ٣١٣٤-٣١٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
◌ِهامُهُم اثنَي عَشَرَ بعيراً، أو أحدَ عَشَرَ بعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً.
[طرفه في: ٤٣٣٨]
٣١٣٥- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، أخبرنا اللَّيْثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمٍ، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَله كان يُنفِّلُ بعضَ مَن يَبعَثُ من السَّرايا لأَنفُسِهِم
خاصّةٌ سِوَى قِسْمٍ عامّةِ الجيش.
الثالث: حديث ابن عمر.
قوله: (بَعَثَ سَريَّةً)) ذكرها المصنِّفُ في المغازي بعدَ غزوة الطائفِ (٤٣٣٨)، وسيأتي
بیانُ ذلك في مکانِهِ.
قوله: ((قِبَلَ نَجْدٍ» بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي: چِهَتَها.
قوله: ((فَغَنِموا إِيلاً كثيرةً» في روايةٍ عند مسلم (١٧٤٩ / ٣٧): فأصَبْنا إِيلاً وغنماً.
قوله: ((فكانت ◌ِهامُهُم)) أي: أنصِباؤُهم، والمرادُ أنَّه بَلَغَ نصيبُ كلِّ واحدٍ منهم هذا
القَدْرَ، وتَوَهَّمَ بعضُهم أنَّ ذلك جميعُ الأنصِباءِ، قال النَّوَوي: وهو غَلَطٌ.
قوله: ((اثنَي عَشَرَ بعيراً، أو أحدَ عَشَرَ بعيراً ونُفِّلوا بعيراً بعيراً) هكذا رواه مالكٌ(١)
بالشكِّ والاختصار وإبهام الذي نَّفَّلهم، وقد وقع بيانُ ذلك في رواية ابن إسحاقَ عن نافع
عند أبي داود (٢٧٤٣) ولفظُه: فخَرَجتُ فيها فأصَبْنا نَعَماً كثيراً، وأعطانا أميرُنا بعيراً بعيراً
لكلِّ إنسانٍ، ثمَّ قَدِمْنا على النبيِ نَّهِ فَقَسَمَ بينَنَا غَنِيمْتَنَا، فأصاب كلَّ رجلٍ منَّ اثنا عشرَ
بعيراً بعدَ الْخَمْس. وأخرجه أبو داود أيضاً (٢٧٤١) من طريق شعيبٍ بن أبي حمزةَ عن
نافع، ولفظُه: بَعَثَنا رسولُ اللهِ وَّهِ فِي جيشٍ قِبَلَ نَجدٍ وانَبعَثَت(٢) سريَّة من الجيش، وكان
سُهَانُ الجيش اثني عشرَ بعيراً اثني عشرَ بعيراً، ونَقَّلَ أهلَ السَّريّة بعيراً بعيراً، فكانت
سُهْمَاتُهم ثلاثةَ عشرَ بعيراً ثلاثةَ عشرَ بعيراً. وأخرجه ابن عبد البَرِّ (٣٨/٢٤ -٣٩ و٤٧) من
هذا الوجه وقال في روايتِهِ: إنَّ ذلك الجيشَ كان أربعةَ آلافٍ.
(١) وهو في ((الموطأ)) ٤٥٠/٢.
(٢) تحرفت في (س) إلى: وأتبعت.

٤٣٥
باب ١٤ / ح ٣١٣٤-٣١٣٥
كتاب فرض الخمس
قال ابن عبد البَرِّ: اتَّفَقَ جماعةُ رُواة ((الموطَّأ)) على روايتِهِ بالشكِّ إلَّا الوليدَ بنَ مسلم،
فإنَّه رواه عن شعيبٍ ومالكِ جميعاً فلم يَشُكَّ، وكأنَّه ◌َلَ روايةَ مالكٍ على رواية شعيبٍ.
قلت: وكذا أخرجه أبو داود (٢٧٤٤) عن القَعْنبي عن مالكٍ واللَّيث بغير شكٌّ، فكأنَّه
أيضاً حَمَلَ روايةَ مالكٍ على رواية اللَّيث. قال ابن عبد البَرِّ: وقال سائرُ أصحاب نافعٍ:
اثني عشرَ بعيراً. بغير شكٍّ، لم يقع الشكُّ فيه إلّا من مالكِ.
قوله: ((ونُفِّلوا بعيراً بعيراً)) بِلفظِ الفعل الماضي من غير مُسمَّى، والنَّفَلُ: زيادةٌ يُزادُها
الغازي على نصيبِه من الغنيمة، ومنه نَقلُ الصلاة: وهو ما عَدا الفَرض.
واختَلَفَ الرُّواةُ في القَسم والتَّنفيل: / هل كانا جميعاً من أمير ذلك الجيش أو من النبي ٢٤٠/٦
﴿ له، أو أحدُهما من أحدِهما، فروايةُ ابن إسحاقَ(١) صريحةٌ أنَّ التَّغيلَ كان من الأمير
والقَسمَ من النبي ◌ِّهِ، وظاهرُ رواية اللَّيث عن نافع عند مسلم (٣٦/١٧٤٩) أنَّ ذلك
صَدَرَ من أمير الجيش، وأنَّ النبي ◌َِّ كان مُقرِّراً لذلك، مُجيزاً له، لأنَّه قال فيه: ولم يُغيِّرِه
النبيُّ ◌َّهِ، وفي رواية عبد الله بن عمرَ عنده أيضاً: ونَقَّلَنا رسولُ اللهِوَ لَه بعيراً بعيراً، وهذا
يُمكِنُ أن يُحِمَلَ على التَّقرير، فتجتمعُ الرِّوايتان، قال النَّوَوي: معناه أنَّ أميرَ السَّرية نَفَّلَهم
فأجازَه النبيِ وَِّ، فجازَت نِسَبَتُه لكُلِّ منهما.
وفي الحديث أنَّ الجيشَ إذا انفردَ منه قِطعةٌ فغَنِموا شيئاً، كانت الغنيمةُ للجميعِ، قال
ابن عبد البَرِّ: لا يختلفُ الفقهاءُ في ذلك، أي: إذا خرج الجيشُ جميعُه ثمَّ انفرَدَت منه
قِطعةٌ. انتهى، وليس المرادُ الجيشَ القاعدَ في بلاد الإسلام، فإِنَّه لا يُشارِكُ الجيشَ الخارجَ
إلى بلاد العدوِّ، بل قال ابن دَقيقِ العيد: إنَّ الحديثَ يُستَدلُّ به على أنَّ المنقَطِعَ من الجيش
عن الجيش الذي فيه الإمامُ يَنفَرِدُ بما يَغْنَمُه، قال: وإنَّما قالوا بمُشاركة الجيش لهم إذا كانوا
قريباً منهم يَلحَقُهم عَونُه وغَوتُه لو احتاجوا. انتهى، وهذا القَيدُ في مذهبٍ مالكٍ، وقال
إبراهيمُ النَّخَعي: للإمام أن يُنفِّلَ السَّريَّةَ جميعَ ما غَنِمَته دونَ بقيَّة الجيش مُطلَقاً، وقيل: إنَّه
انفرَدَ بذلك.
(١) عند أبي داود (٢٧٤٣).

٤٣٦
باب ١٤ / ح ٣١٣٤-٣١٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه مشروعيةُ التَّنفيل، ومعناه تخصيصُ مَن له أثرٌ في الحربِ بشيءٍ من المال، لكن
خَصَّه عَمُرُو بنُ شعيبٍ بالنبي ◌ِِّ دونَ مَن بعدَه، نعم وكَرِهَ مالكٌ أن يكون بشرطٍ من أمير
الجيش، كأن يُرِّضَ على القتال ويَعِدَ بأن يُنفِّلَ الرُّبُعَ إلى الثُّلثِ قبلَ القَسْمِ، واعتَلَّ بأنَّ
القتالَ حينئذٍ يكون للدُّنيا، قال: فلا يجوزُ مِثلُ هذا. انتهى، وفي هذا رَدُّ على مَن حكى
الإجماعَ على مشروعیتِه.
وقد اختَلَفَ العلماءُ: هل هو من أصل الغنيمة، أو من الخمس، أو من خُمُسٍ الخمس،
أو مَّاً عدا الخميس، على أقوالٍ، والثلاثةُ الأُوَلُ في(١) مذهبِ الشّافعي، والأصحُّ عندهم أنَّا
من خُمُسِ الخمس، ونَقَلَه مُنذِرُ بنُ سعيد عن مالكِ، وهو شاذٌّ عندهم. قال ابن بَطَّال:
وحديثُ الباب يَرُدُّ على هذا القول، لأنَّهم نُقِّلوا نصفَ السُّدُسِ، وهو أكثرُ من خُمُسٍ
الخمس، وهذا واضحٌ، وقد زادَه ابن المنيِر إيضاحاً فقال: لو فرضنا أنَّهم كانوا مئةً، لكان
قد حَصَلَ لهم ألفٌ ومئتا بعيرٍ، ويكون الخمسُ من الأصل ثلاثَ مئة بعيرٍ، وُسُها ستّونَ،
وقد نَطَقَ الحديثُ بأنَّهم نُقِّلوا بعيراً بعيراً، فتكونُ جُملةُ ما نُقِّلوا مئةَ بعيرٍ، وإذا كان خُمُسُ
الخمس ستّينَ، لم يَفِ كلُّه ببعيرٍ بعيرٍ لكُلٌّ من المئة، وهكذا كيفما فرضتَ العَدَدَ. قال: وقد
ألجأَ هذا الإلزامُ بعضَهم فادَّعى أنَّ جميعَ ما حَصَلَ للغانمِينَ كان اثني عشرَ بعيراً، فقيل له:
فيكون خُمُسُها ثلاثةَ أبعِرةٍ، فيَلزَمُ أن تكونَ السَّريَّةُ كلُّها ثلاثةَ رجالٍ، كذا قيلَ، قال ابن
المنيِر: وهو سَهوٌ على التَّفريع المذكورِ، بل يَلزَمُ أن يكون أقلّ من رجلٍ بناءً على أنَّ النَّفَلَ
من خُمُسِ الخمس.
وقال ابن التِّين: قد انفَصَلَ مَن قال من الشّافعية بأنَّ النَّفَلَ من خُمُسِ الخمس بأوجُهٍ:
منها: أنَّ الغنيمةَ لم تكن كلُّها أبعِرةً، بل كان فيها أصنافٌ أُخرى، فيكون التَّفیلُ وقع من
بعض الأصناف دونَ بعضٍ، ثانيها: أن يكون نَفَّلَهم من سهمِه من هذه الغَزاة وغيرها،
فضمَّ هذا إلى هذا، فلذلك زادت العِدَّة، ثالثها: أن يكون نَفَّلَ بعضَ الجيش دونَ بعضٍ.
قال: وظاهرُ السِّياق يَرُدُّ هذه الاحتمالات. قال: وقد جاء أنَّهم كانوا عشرةً، وأنَّهم غَنِموا
(١) حرف ((في)) سقط من (س)، والجادة إثباته، كما في الأصلين.

٤٣٧
باب ١٤ / ح ٣١٣٤-٣١٣٥
كتاب فرض الخمس
مئةً وخمسينَ بعيراً، فخَرَجَ منها الخمسُ وهو ثلاثونَ، وقَسَمَ عليهم البقيَّةَ، فحَصَلَ لكلِّ
واحدٍ اثنا عشرَ بعيراً ثمَّ نُقِّلوا بعيراً بعيراً، فعلى هذا فقد نُفِّلوا ثُلثَ الخمس. قلت: إن ثَبَتَ
هذا لم يكن فيه رَدِّ للاحتمال الأخير، لأَنَّه يحتملُ أن يكون الذين نُقِّلوا ستَّةً من العشرة،
والله أعلم.
قال الأوزاعي وأحمدُ وأبو ثَوْر وغيرُهم: النَّفَلُ من أصل الغنيمة. وقال مالكٌ وطائفةٌ:
لا نَفَلَ إلَّا من الخمس. وقال الخطّابي: أكثرُ ما رُويَ من الأخبار يدلُّ على أنَّ النَّفَلَ من
أصل الغنيمة.
والذي يَقرُبُ من حديث الباب أنَّه كان من الخمس؛ لأنَّه أضافَ الاثني عشرَ إلى ٢٤١/٦
سُهمانِم، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ ذلك قد تَقرَّرَ لهم استحقاقُه من الأخماس الأربعة الموزَّعة
عليهم، فَيَبقى النفَلُ من الخمس.
قلت: ويُؤْيِّدُه ما رواه مسلمٌ (٣٩/١٧٥٠) في حديث الباب من طريق الزُّهْريّ، قال:
بَلَغَني عن ابن عمر قال: نَفَّلَ رسولُ اللهِوَسَرِيةَ بَعَثَهَا قِبَلَ نَجدٍ من إِيلِ جاؤوا بها نَفَلاً
سوى نصيبهم من المغنَم، لم يَسُق مسلمٌ لفظَه وساقه الطَّحَاوي(١)، ويُؤيِّدُه أيضاً ما رواه
مالكٌ عن عبد ربِّه بن سعيد عن عمرو بن شعيبٍ: أنَّ النبيِ وَّر قال: ((ما لي ممَّا أفاءَ الله
عليكم إلَّا الخمسَ، وهو مردودٌ عليكم))(٢)، وَصَلَه النَّسائي (٤١٣٩) من وجهٍ آخرَ حسنٍ
عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وأخرجه أيضاً (٤١٣٨) بإسنادٍ حسنٍ من حديث
عُبادةَ بنِ الصَّامت(٣)، فإنَّه يدلُّ على أنَّ ما سوى الخمس للمُقاتلة.
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم نجده عند الطحاوي في شي من كتبه المطبوعة بهذا اللفظ، ولا عزاه إليه هو
في «إتحاف المهرة)) (٩٦٨٠)، فلعله أراد البيهقي، فهو عنده ٦/ ٣١٣ من طريق ابن وهب عن يونس عن
الزهري، بهذا اللفظ الذي ساقه.
(٢) هو عند مالك في ((الموطأ)) برواية يحيى الليثي ٢/ ٤٥٧-٤٥٨، لكن وقع في ((المطبوع)) منه: عبد الرحمن
ابن سعيد، بدل: عبد ربه بن سعيد، وهو خطأً، وانظر ((التمهيد)) ٣٧/٢٠.
(٣) وصَحَّ من حديث عمرو بن عبسة عند أبي داود (٢٧٥٥).

٤٣٨
باب ١٤ / ح ٣١٣٤-٣١٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
وروى مالكٌ أيضاً (٤٥٦/٢) عن أبي الزِّناد أنَّه سمعَ سعيدَ بنَ المسيّب قال: كان
الناسُ يُعطَونَ النَّفَلَ من الخمس. قلت: وظاهرُه اتّفاقُ الصحابة على ذلك. وقال ابن عبد
البَرِّ: إن أراد الإمامُ تفضيلَ بعض الجيش لمعنَى فيه، فذلك من الخمس لا من رأسِ
الغنيمة، وإن انفرَدَت قِطعةٌ فأراد أن يُنفِّلَها ممَّا غَنِمَت دونَ سائرِ الجيش، فذلك من غیر
الخمس، بشرطِ أن لا يزيدَ على الثُّلثِ. انتهى، وهذا الشَّرطُ قال به الجمهور. وقال
الشّافعي: لا يَتَحَدَّد، بل هو راجعٌ إلى ما يراه الإمامُ من المصلحة، ويدلُّ له قوله تعالى:
﴿قُلِ آلْأَنْقَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فَفَوَّضَ إليه أمرَها، والله أعلم. وقال الأوزاعي: لا
يُنفِّلُ من أوَّل الغنيمة، ولا يُنفِّلُ ذهباً ولا فِضَّةً. وخالَفَه الجمهور، وحديثُ الباب من
رواية ابن إسحاقَ يدلُّ لمَا قالوا(١).
واستدِلَّ به على تعلُّنِ قِسْمة أعیانِ الغنيمة لا أثمانها. وفيه نظرٌ، لاحتمال أن يكون وقع
ذلك اتِّفاقاً أو بياناً للجواز، وعند المالكية فيه أقوالٌ ثالثُها التَّخيير. وفيه أنَّ أميرَ الجيش إذا
فعلَ مَصلَحةً لم يَنقُضْها الإمامُ.
الرابع: حديثه: كان يُنفِّلُ بعضَ مَن يَبعَثُ من السَّرايا لأنفُسِهِم خاصَّةٌ سوى قِسْم
عامَّة الجيش.
وأخرجه مسلمٌ (١٧٥٠ / ٤٠) وزادَ في آخره: والخمسُ واجبٌ في ذلك كلِّه. وليس فيه
حُجَّةٌ، لأنَّ النَّفَلَ من الخُمس لا من غيره، بل هو مُتِمِلٌ لكُلِّ من الأقوال. نعم فيه دليلٌ
على أنَّه يجوزُ تخصيصُ بعض السَّرية بالتَّفيل دونَ بعضٍ.
قال ابن دَقيقِ العيد: للحديث تعلُّقٌ بمسائل الإخلاص في الأعمال، وهو موضعٌ دقيقُ
المأخَذِ، ووجه تعلُّقِه به أنَّ التَّنفيلَ يقعُ للتَّرغيبِ في زيادة العمل، والمخاطَرة في الجهاد،
ولكن لم يَضُرَّهم ذلك قطعاً لكَونِهِ صَدَرَ لهم من النبي ◌َّةِ، فيدلُّ على أنَّ بعضَ المقاصدِ
الخارجة عن مَحْض التعبُّدِ لا تَقدَحُ في الإخلاص، لكنْ ضبطُ قانونها وتمييزُها ممّا تَضُرُّ
مُداخَلْتُهُ مُشكِلٌ جدّاً.
(١) يدل لما قالوا مِن جوازِ التنفيل من أول الغنيمة، وليس فيه ذكر الذهب والفضة، وهو عند أبي داود (٢٧٤٣).

٤٣٩
باب ١٤ / ح ٣١٣٦
كتاب فرض الخمس
٣١٣٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا بُرَيدُ بنُ عبدِ الله، عن أبي بُرْدةَ،
عن أبي موسى ﴾، قال: بَلَغَنا مَخْرَجُ النبيِّ وَّ ونحنُ باليمنٍ، فخَرَجْنا مُهاجِرِينَ إليه - أنا
وأخَوانِ لي أنا أصغرُهم: أحدُهما أبو بُرْدَةَ والآخَرُ أبو رُهْمٍ - إمَّا قال: في بِضْعٍ وإمَّا قال: في
ثلاثةٍ وخمسينَ أو اثنين وخمسينَ رجلاً من قومي، فَرَكِيْنا سَفِينةً، فأَلْقَتْنَا سَفِيتُنا إلى النَّجَاشِيِّ
بالحَبَشةِ، ووافَقْنا جعفرَ بنَ أبي طالبٍ وأصحابَه عندَه، فقال جعفرٌ: إنَّ رسولَ اللهِ وَ ◌ّهِ بَعَثَنَا
هاهنا وأمَرَنا بالإقامةِ، فَأَقِيموا مَعَنا، فأَقَمْنا معه حتَّى قَدِمْنا جميعاً، فوافَقْنا النبيَّ ◌َِّ حِين افتَنَحَ
خَيْرَ فأسهَمَ لنا - أو قال: فأعطانا - منها، وما قَسَمَ لأحدٍ غابَ عن فتحِ خَيْبرَ منها شيئاً إلا لمن
شَهِدَ معه، إلا أصحابَ سَفِينَتِنا مع جعفرٍ وأصحابِهِ، فَسَمَ لهم معهم.
[أطرافه في: ٣٨٧٦، ٤٢٣٠، ٤٢٣٣]
الخامس: حديثُ أبي موسى في مَجَيئِهم من الحبشة، وفي آخره: ((وما قَسَمَ لأحدٍ غابَ
عن فتح خيبرَ منها شيئاً إلَّا لمن شَهِدَ معه، إلَّا أصحابَ سفينَتِنا مع جعفرٍ وأصحابه، فَسَمَ
لهم معهم))، وسيأتي شرحُه مُستَوفَّى في غزوة خيبرَ من كتاب المغازي (٤٢٣٠)، والغَرَضُ
منه هذا الكلامُ الأخير.
قال ابن المنيِر: أحاديثُ الباب مطابقةٌ لمَا ترجم به، إلَّا هذا الأخيرَ، فإنَّ ظاهرَه أنَّه
عليه الصلاةُ والسلامُ فَسَمَ لهم من أصل الغنيمة لا من الخمس، إذ لو كان من الخمس لم
يكن لهم بذلك خَصُوصيّةٌ، والحديثُ ناطقٌ بها، قال: لكنَّ وجهَ المطابقة أنَّه إذا جازَ للإمام
أن يجتهدَ ويَنْفُذَ اجتهادُه في الأخماس الأربعة المختَصَّة بالغانمينَ، فيَقْسِمُ منها لمن لم يَشْهَد
الوَقْعَةَ، فَلَأن يَنفُذَ اجتهادُه في الخمس الذي لا يَستَحِقُّه مُعيَّنٌ، وإن استَحقَّه صِنفٌ
مخصوص، أولی.
وقال ابن التِّين: يحتملُ أن يكون أعطاهم برِضا بقيّة الجيش. انتهى، وهذا جَزَمَ به
موسى بنُ عُقْبَةَ في ((مغازيه))، ويحتملُ أن يكون إنَّما أعطاهم من الخمس، وبهذا جَزَمَ أبو
عُبيدٍ في كتاب ((الأموال))، وهو الموافقُ لترجمة البخاري. وأمَّا قولُ ابن المنيِر: لو كان من

٤٤٠
باب ١٤ / ح ٣١٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
الخمس لم يكن هناك تخصيصٌ، فظاهرٌ، لكن يحتملُ أن يكون من الخمس وخَصَّهم بذلك
٢٤٢/٦ دونَ غيرهم ممَّن كان من شأنِه أن يُعطَى من الخمس، / ويحتملُ أن يكون أعطاهم من جميع
الغنيمة لكَونِهِم وصَلوا قبلَ قِسْمة الغنيمة وبعدَ حَوزِها، وهو أحدُ القولَين للشّافعي،
وهذا الاحتمالُ يَتَرَجَّحُ بقوله: ((أسهَمَ لهم))، لأنَّ الذي يُعطى من الخمس لا يقالُ في حقّه:
أسهَمَ له، إلَّا تَجُّزاً، ولأنَّ سياقَ الكلام يقتضي الافتِخارَ، ويستدعي الاختصاصَ بما لم يقع
لغيرهم كما تقدَّم، والله أعلم.
٣١٣٧- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ المُنكَدِر، سمعَ جابراً ﴾ قال: قال
رسولُ الله ◌ِّ: ((لو قد جاءَنا مالُ البحرين لقد أعطَيْتُكَ هكذا وهكذا وهكذا)) فلم يَجِئ حتَّى
قُبِضَ النبيُّ وَّةِ، فلمَّا جاء مالُ البحرين أمَرَ أبو بكرٍ مُنادياً فنادَى: مَن كان له عندَ رسولِ الله
﴿لَهِ دَينٌ أو عِدَةٌ فَلْيأْتِنا، فأتيتُهُ فقلتُ: إنَّ رسولَ الله ◌َ ليهِ قال لي كذا وكذا. فحَثَا لي ثلاثاً،
وجَعَلَ سفيانُ يَحْثُو بَكَفَّه جميعاً، ثمَّ قال لنا: هكذا قال لنا ابنُ المُنكَدِرِ.
وقال مرَّةٌ: فأتيتُ أبا بكرٍ، فسألتُ فلم يُعْطِنِي، ثمَّ أنيتُه فلم يُعْطِنِي، ثمَّ أتيتُهُ الثَّالثةَ،
فقلتُ: سألتُكَ فلم تُعْطِنِي، ثمَّ سألتُكَ فلم تُعْطِنِي، ثمَّ سألتُكَ فلم تُعْطِي، فإمَّا أن تُعْطِيَني
وإمَّا أن تَبْخَلَ عنِّي. قال: قلتَ: تَبْخَلُ عنِّي! ما مَنَعْتُكَ مِن مَّةٍ إلا وأنا أُرِيدُ أن أُعْطِيَكَ.
قال سفيانُ: وحدَّثنا عَمْرٌو، عن محمَّدِ بنِ عليٍّ، عن جابرٍ: فَحَثَى لِي حَيْيةً، وقال: عُدَّها،
فَوَجَدْتُها خمسَ مئةٍ، فقال: خُذْ مِثْلَيها مَرَّتين. وقال - يعني ابنَ المُنكَدِر .: وأيُّ داءٍ أدواُ من
البُخْلِ؟!
السادس: حدیث جابر.
قوله: ((حدَّثنا عليٌّ) هو ابن عبد الله المَدِيني، وسفيانُ: هو ابن عُبَينَةَ.
قوله: ((لو قد جاءنا مالُ البحرَين)) سيأتي بيانُ ذلك في أوَّل («باب الجِزْية» (٣١٥٨) من
حديث عَمِرِو بن عوفٍ، وأنَّه من الجِزْية، لكن فيه: فقَدِمَ أبو عبيدةَ بمالٍ من البحرين،
فيُحمَلُ على أنَّ الذي وَعَدَ به النبيُّ ◌َله جابراً كان بعدَ السَّنة التي قَدِمَ فيها أبو عبيدةَ بالمال،