Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ ح ٣٠٩٢ - ٣٠٩٣ كتاب فرض الخمس قلت: وفي كثيرٍ من هذه الانتزاعات نظرٌ، والله أعلم. ٣٠٩٢- حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعْدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنينَ رضي الله عنها أخبَرَتْه: أنَّ فاطمةً عليها السلام بنتَ رسولِ الله وَ لَ سألت أبا بكرِ الصِّدِّيقَ بعدَ وفاةِ رسولِ اللهَ وَّهِ أَن يَقْسِمَ لها مِيراثَها؛ ما تَرَكَ رسولُ الله ◌ِِّ ممَّا أفاءَ اللهُ عليه. [ أطرافه في: ٣٧١١، ٤٠٣٥، ٤٢٤٠، ٦٧٢٥] ٣٠٩٣ - فقال لها أبو بكر: إنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ)) فغَضِبَت ١٩٧/٦ فاطمةُ بنتُ رسولِ الله ◌ِّهِ، فَهَجَرَت أبا بكرٍ، فلم تَزَل مُهاجرَتَه حتَّى تُوُقِّيَّت، وعاشَت بعدَ رسولِ اللهِ وَّهُ سِنَّةَ أشهُرٍ، قالت: وكانت فاطمةُ تسألُ أبا بكرٍ نَصِيبَها ممَّا تَرَكَ رسولُ الله ◌ِله من خَيْبِرَ وفَدَك، وصَدَقَتَه بالمدينةِ، فأَبَّى أبو بكرٍ عليها ذلك، وقال: لستُ تاركاً شيئاً كان رسولُ اللهِ وَّه يعملُ به إلا عَمِلْتُ به، فإنّي أخشَى إن تَرَكْتُ شيئاً من أمرِهِ أن أزِيغَ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بالمدينةِ فَدَفَعَها عمرُ إلى عليٍّ وعبَّاسٍ، وأمّا خَيْرُ وفَدَك فأمسَكَها عمرُ، وقال: هما صَدَقَةُ رسولِ اللهِ وَّةِ، كانتا لحقُوقِهِ التي تَعْرُوه ونَوائِهِ، وأمرُهما إلى ولِيِّ الأمرَ. قال: فَهُما على ذلك إلى اليوم. قال أبو عبد الله: اعتراكَ، افتَعَلْت، من عَرَوتُه فأصبتُه، ومنه: يَعُرُوه، واعتَراني. [طرفه في: ٣٧١٢، ٤٠٣٦، ٤٢٤١، ٦٧٢٦] الثاني: حديث عائشة في قصَّة فاطمة. قوله: (عن صالح» هو ابن کَیْسان. قوله: ((أنَّ فاطمة سألت أبا بَكْر)) زاد مَعمَرٌ عن الزُّهْريّ: والعبَّاس أتيا أبا بكر، وسيأتي في الفرائض (٦٧٢٥). قوله: ((ما تَرَكَ)) هو بَدَلٌ من قوله: ((ميراثها)»، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ممَّا تَرَكَ. ٣٦٢ ح ٣٠٩٢ -٣٠٩٣ فتح الباري بشرح البخاري وفي هذه القصَّة رَدٌّ على مَن قرأ قوله: ((لا يُورَث)) بالتَّحتانية أوَّلَه، و((صَدَقةً)) بالنَّصب ٢٠٢/٦ على الحال، وهي دعوى من بعض الرّافضة، فادَّعى أنَّ الصوابَ في قراءة هذا الحديث هكذا، والذي تَوارَدَ عليه أهلُ الحديث في القديم والحديث: ((لا نُورَث)) بالنّون و ((صَدَقةٌ)) بالرفع، وأنَّ للكلام مُلَتان، و((ما تَرَكنا)) في موضع الرفع بالابتداءِ، و((صَدَقة)) خبرُه. ويُؤْيِّدُهُ وُرُوده في بعض طرقِ الصحيح (٤٢٤٠): ((ما تَرَكْنا فهو صَدَقة)). وقد احتَجَّ بعضُ المحدِّثينَ على بعض الإمامية بأنَّ أبا بكر احتَجَّ بهذا الكلام على فاطمة رضي الله عنهما فيما الْتَمسَتْ منه مِن الذي خَلَّفَه رسول اللهِ وَ ◌ّرَ من الأراضيِّ، وهما من أفضَح الفُصَحاءِ وأعلمِهم بمَدُلُولات الألفاظِ، ولو كان الأمرُ كما يقرؤُه الرّافضي لم يكن فيما احتَجَّ به أبو بكر حُجَّةٌ، ولا كان جوابُه مطابقاً لسؤالها، وهذا واضح لمن أنصَفَ. قوله: «ما أفاء الله علیه)) سيأتي بيانه قريباً. قوله: ((إنَّ رسولَ اللهِ﴾)) في رواية مَعمَر (٦٧٢٥): سمعت رسولَ الله وَّةِ، وهو يَرُدُّ تأويلَ الدَّاوودي الشّارح في قوله: إنَّ فاطمة حَلَت كلام أبي بكر على أنَّه لم يَسمَع ذلك من رسول الله وَل﴾، وإنَّما سمعَه من غيره، ولذلك غَضِبَت. وما قَدَّمتُه من التأويل أولى. قوله: ((فَغَضِبَت فاطمة فهَجَرَت أبا بَكْر، فلم تَزَل مُهاجرَته)) في رواية مَعمَر (٦٧٢٦): فَهَجَرَته فاطمة فلم تُكَلِّمه حتَّى ماتت، ووقع عند عمر بن شَبَّة(١) من وجهٍ آخرَ عن مَعمَر: فلم تُكَلِّمه في ذلك المال، وكذا نَقَلَ التِّرمِذي عن بعض مشائخِه: أنَّ معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر: لا أُكلِّمُكما، أي: في هذا الميراثِ. وتَعقَّبَه الشّاشِي بأنَّ قَرِينة قوله: غَضِبَت، تَدُلُّ على أنَّهَا امتَنَعَت من الكلام ◌ُملةً، وهذا صريحُ الهَجْر، وأمَّا ما أخرجه أحمد (١٤) وأبو داود (٢٩٧٣) من طريق أبي الطُّفَيل قال: أرسَلَت فاطمة إلى أبي بكر: أنتَ ورِثتَ رسولَ اللهَ وَّه أم أهلُه؟ قال: لا بل أهلُه، قالت: فأينَ سَهم رسول الله وَّ؟ قال: سمعت رسولَ الله وَله يقول: ((إنَّ الله إذا أطعَمَ نبيّاً طُعمةً ثمَّ قَبَضَه، جَعَلَها للَّذي يقومُ من بعدِه)) فرأيت أن أرُدَّه على المسلمين. قالت: فأنتَ وما سَمِعتَ. فلا يعارضُ ما في (١) في ((تاريخ المدينة)) ١ / ١٩٧. ٣٦٣ ح ٣٠٩٢ -٣٠٩٣ كتاب فرض الخمس ((الصحيح)) من صريح الهُجْران، ولا يدلُّ على الرِّضا بذلك، ثمَّ مع ذلك ففيه لفظةٌ مُنكَرةٌ، وهي قولُ أبي بكر: بل أهله، فإنَّه مُعارضٌ للحديث الصحيح: ((إنَّ النبي لا يُورَث))(١)، نعم روى البيهقي (٦/ ٣٠١) من طريق الشَّعْبي: أنَّ أبا بكر عادَ فاطمة، فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذنُ عليكِ. قالت: أُحِبُّ أن آذَنَ له؟ قال: نعم، فأذِنَت له، فدَخَلَ عليها فتَرَضّاها حتَّى رضيت)»، وهو وإن كان مُرسلاً، فإسناده إلى الشَّعْبي صحيح، وبه يزولُ الإشكالُ في جواز تمادي فاطمة عليها السلامُ على هَجرِ أبي بكر. وقد قال بعض الأئمّة: إنَّما كانت هِجرتُها انقباضاً عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهِجرانِ المحرَّم، لأنَّ شرطَه أن يَلتَقيا فيُعرِضُ هذا وهذا، وكأنَّ فاطمة عليها السلام لمَّا خَرَجَت غَضَى من عندِ أبي بكر تمادت في اشتغالها بحُزنها، ثمَّ بمرضِها. وأمَّا سببُ غَضَبِها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكورِ، فلاعتقادها تأويل الحديث على خِلاف ما تَسَّكَ به أبو بكر، وكأنَّها اعتَقَدَت تخصيص العموم في قوله: ((لا نُورَث))، ورأت أنَّ مَنافعَ ما خَلَّفَه من أرضٍ وعَقارٍ لا يمتنعُ أن تُورَثَ عنه، وتَسَّكَ أبو بكر بالعمومِ، واختَلَفا في أمرٍ مُتَمِلٍ للتأويل، فلمَّا صَمَّمَ على ذلك انقَطَعَت عن الاجتماع به لذلك، فإن ثَبَتَ حديث الشَّعْبي أزالَ الإشكال، وأَخلِقْ بالأمرِ أن يكون كذلك، لمَا عُلِمَ من وُفُور عقلها ودينها عليها السلام. وسيأتي في الفرائض زيادةٌ في هذه القصَّة (٦٧٢٦)، ويأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى، وقد وقع في حديث أبي سَلَمة عن أبي هريرة عند الِّرمِذي (١٦٠٨): جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: مَن يَرِثُك؟ قال: أهلي ووَلَدي، قالت: فما لي لا أرِثُ أبي؟ قال أبو بكر: سمعت رسولَ اللهِ ◌ّل يقول: ((لا نُورَث)) ولكنّي أعُولُ مَن كان رسولُ اللهِوَّهِ يَعُولُه. قوله: ((وكانت فاطمة تَسألُ أبا بكر / نصيبَها ممَّا تَرَكَ رسول الله وَه من خيبرَ وفَدَك ٢٠٣/٦ وصَدَقتَه بالمدينة)) هذا يُؤْيِّدُ ما تقدَّم من أنَّها لم تَطلُب من جميع ما خَلَّفَ، وإنَّما طلبَت شيئاً مخصوصاً، فأمَّا خيبرُ ففي رواية مَعمر المذكورة: وسهمه من خیبرَ، وقد روى أبو داود (١) انظر حديث عمر بن الخطاب الآتي عند البخاري برقم (٣٠٩٤). ٣٦٤ ح ٣٠٩٢ - ٣٠٩٣ فتح الباري بشرح البخاري (٣٠١٠) بإسنادٍ صحيح إلى سَهْل بن أبي حَثْمة قال: قَسَّمَ رسولُ الله ◌ِوَلَه خيبرَ نصفَين: نصفَها لنَوائبِه وحاجته، ونصفَها بين المسلمين، قَسَّمَها بينهم على ثمانيةَ عشرَ سهماً، ورواه بمعناه (٣٠١١ -٣٠١٤) من طرقٍ أُخرى عن بُشير بن يسار(١) مُرسلاً ليس فيه سَهْل. وأمَّا فَدَك، وهي بفتح الفاءِ والمهمَلة بعدَها كافٌ: بلدٌ بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، فكان من شأنها ما ذكر أصحابُ المغازي قاطبةً: أنَّ أهل فَدَك كانوا من يهود، فلمَّا فُتِحَت خيبرُ أرسَلَ أهلُ فَدَك يَطلُبُونَ من النبيَِّ الأمانَ، على أن يَترُكوا البلدَ ويَرحَلُوا، وروى أبو داود (٣٠١٦) من طريق ابن إسحاق عن الزُّهْريّ وغيره قالوا: بَقِيَت بقيَّة من خيبرَ تَحِصَّنُوا، فسألوا النبيَّ ◌ََّ أن يَحِقِنَ دِماءَهم ويُسيِّرَهم ففَعَلَ، فسمعَ بذلك أهل فَدَك فنزلوا على مِثْل ذلك، وكانت لرسول الله وَل ◌َر خاصَّة، ولأبي داود أيضاً (٢٩٧١) من طريق مَعمَر عن ابن شهاب: صالح النبيُّ ◌َّهِ أهَلَ فَدَك وقُرَى سَّاها وهو يُحاصرُ قوماً آخرينَ. يعني بقيَّة أهل خيبرَ. وأمَّا صَدَقتُه بالمدينة، فروى أبو داود (٣٠٠٤) من طريق مَعمَر عن الزُّهْريّ عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن رجلٍ من أصحاب النبي ◌َِّ، فذكر قصَّةَ بني النَّضير، وقال في آخره: فكانَت نخلُ بني النَّضير لرسول الله وَِّ خاصَّةً، أعطاها اللهُ إياه، فقال: ﴿ وَمَآ أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ الآية [الحشر: ٦]، قال: فأعطى أكثرَها للمُهاجرينَ، وبقي منها صَدَقةٌ رسول الله ◌َ﴾ التي في أيدي بني فاطمة. وروى عمر بن شَبَّة (١/ ١٧٣) من طريق أبي عَونٍ(٢) عن الزّهْريّ قال: كانت صَدَقة (١) إنما هي طرقٌ عن يحيى بن سعيد الأنصاري راويه عن بُشَير بن يسار، ثم إنها ليس فيها مرسلٌ سوى آخر طريقين في ((السنن))، وأما الطريقان الآخران فموصولان، لكنه قال في أحدهما: عن نفرٍ من أصحاب رسول الله وَ لي، وقال في الآخر: عن رجال من أصحاب النبي وَّ. (٢) كذا جاء في الأصلين، موافقاً ما جاء في المطبوع من ((تاريخ المدينة)) لابن شبة: عن أبي عون، وإنما هو عبد الواحد بن أبي عون، لكننا لم نقف في مصادر ترجمته على أن كنيته أبو عون، فلعلَّها كانت كذلك، أو أنه سقط من الأصل قديماً قوله: ((ابن)) حيث هو ابن أبي عون، والله أعلم. ٣٦٥ ح ٣٠٩٢ -٣٠٩٣ كتاب فرض الخمس النبي ◌َّر بالمدينة أموالاً لمُخَيرِيق - بالمعجمة والقاف مُصغَّراً، وكان يهوديّاً من بقايا بني قَينُفَاع نازلاً ببني النَّضير - فَشَهِدَ أُحداً فَقُتِلَ به، فقال النبي ◌َّ: ((مُخيرِيقٌ سابِقُ يهودَ)) وأوصى مُخيريقٌ بأمواله للنبي وَّة، ومِن طريق الواقدي بسندِه (١/ ١٧٥) عن عبد الله بن كعب قال: قال مُيريق: إن أُصِبتُ فأموالي لمحمَّدٍ، يَضَعُها حيثُ أراه الله، فهي عامَّة صَدَقة رسول الله وَلٍ. قال: وكانت أموال مُخيريقٍ في بني النَّضير(١). وعلى هذا فقوله في الحديث الآتي (٣٠٩٤): وهما يَخْتَصِمانِ فيما أفاءَ الله على رسولِه مَن بني النَّضير، شَمِلَ جميع ذلك. قوله: ((لستُ تارِكاً شيئاً كان رسولُ اللهِ وَلَه يعملُ به إلَّ عَمِلْتُ به)) في رواية شعيب عن الزُّهْريّ الآتية في المناقب (٣٧١٢): وإنّ والله لا أُغَيِّرُ شيئاً من صَدَقات رسول الله وَلَه عن حالها التي كانت عليه في عَهدِ رسول الله وَ ◌ّ﴾. وهذا تَمَسَّكَ به مَن قال: إنَّ سهم النبي يَصرِفُه الخليفةُ بعدَه لمن كان النبيُّ وَلَ يَصِرِفُه له، وما بقي منه يُصرَفُ في المصالحِ، وعن الشّافعي: يُصرَفُ في المصالح، وهو لا يُنافي الذي قبلَه، وفي وجه: هو للإمام، وقال مالك والثَّوْري: يجتهدُ فيه الإمامُ. وقال أحمد: يُصرَفُ في الخيل والسِّلاح، وقال ابن جَرِير: يُرَدُّ إلى الأربعة. قال ابن المنذر: كان أحقَّ الناس بهذا القول مَن يُوجِبُ قَسْمَ الزكاة بين جميع الأصناف، فإن فُقِدَ صِنفٌ رُدَّ على الباقين؛ يعني الشّافعيَّ، وقال أبو حنيفة: يُرَدُّ مع سهم ذَوِي القُربى إلى الثلاثة، وقيل: يُرَدُّ خُمُس الخمس من الغنيمة إلى الغانمِينَ، ومِن الفَيءٍ إلى المصالحِ. قوله: ((فَأَمَّا صَدَقَتُه)) أي: صَدَقة النبي : صَلىالله وَسَم قوله: «فدَفَعَها عمرُ إلی عليّ وعبَّاس)) سيأتي بیانُ ذلك في الحديث الذي يليه. (١) قصة مُحيريق هذه لا تصح أسانيدها، قال ابن رجب في ((شرحه)) على البخاري ٤٨٥/٢: رواها ابن سعد بأسانيد متعددة، وفيها ضعف، والله أعلم. قلنا: الصحيح أن صدقة رسولِ الله وَ ر هذه التي في المدينة إنما هي مما أفاء الله عليه من أموال بني النضر كما جاء منصوصاً عليه في رواية عقيل عن ابن شهاب لحديث عائشة، وستأتي عند البخاري برقم (٤٢٤٠)، وفيه: أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها مما أفاء الله عليه بالمدينة، وكما في حديث الرجل من أصحاب النبي ﴿ الذي عند أبي داود (٣٠٠٤)، وذكره الحافظ، وإسناده صحيح. .2 ٣٦٦ ح ٣٠٩٢ -٣٠٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وأمَّا خيبر)) أي: الذي كان يَخُصُّ النبيَّنَلِّ مِنها ((وفَدَك، فأمسَكَها عُمَر)) أي: لم يَدِفَعها لغيره، وبيَّن سببَ ذلك، وقد ظَهَرَ بهذا أنَّ صَدَقة النبيِنَّهِ تَّخْتَصُّ بما كان من بني النَّضير، وأمَّا سهمُه من خيبرَ وفَدَك فكان حُكمُه إلى مَن يقومُ بالأمرِ بعدَه، وكان أبو بكر يُقدِّمُ نَفَقَةَ نساءِ النبي ◌ََّ وغيرها ممّا كان يَصِفُه فيَصِفُه من مالٍ خيبرَ وفَدَك، وما فَضَلَ من ذلك جَعَله في المصالح، وعَمِلَ عمرُ بعدَه بذلك، فلمَّا كان عثمانُ تَصَرَّفَ فِي فَدَك ٢٠٤/٦ بحَسَبِ ما رآه،/ فروى أبو داود (٢٩٧٢) من طريق مغيرةً بن مِقسَم قال: جَمَعَ عمر بن عبد العزيز بني مروانَ، فقال: إنَّ رسولَ الله وَ هِ كان يُنفِقُ من فَدَك على بني هاشم، ويُزوِّجُ أيِّمَهم، وإنَّ فاطمة سألته أن يجعلَها لها فأَبى، وكانت كذلك في حياة النبي ◌َّ وأبي بكر وعمر، ثمَّ أُقَطِعَها مروان، يعني: في أيام عثمان. قال الخطّابي: إنَّما أقطَعَ عثمانُ فَدَك لمروانَ، لأَنَّه تأوَّلَ أنَّ الذي يَخْتَصُّ بالنبي ◌َّ يكون للخليفة بعده، فاستَغنى عثمانُ عنها بأموالِهِ، فَوَصَلَ بها بعضَ قَرابَتِهِ. ويَشهَدُ لصَنيع أبي بكر حديثُ أبي هريرة المرفوعُ الآتي بعدَ بابٍ (٣٠٩٦) بلفظ: ((ما تَرَكتُ بعدَ نَفَقة نِسائي ومَؤُونة عاملي فهو صَدَقة)» فقد عَمِلَ أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدَّليل الذي قامَ لهما، وسيأتي تمام البحث في قوله: ((لا نُورَث)) في كتاب الفرائض (٦٧٢٦) إن شاء الله تعالى. قوله: («فهما على ذلك إلى اليوم» هو كلام الزُّهْريّ أي: حين حدَّث بذلك. قوله: ((قال أبو عبد الله)) أي: المصنّف ((اعتَراك: افتَعَلْت)) كذا فيه، ولعلَّه كان: افتَعَلَكَ، وكذا وقع في ((المجاز)) لأبي عُبيدة. وقوله: ((مِن عَرَوْتُه فأصَبتُه، ومنه: يَعرُوه واعتَراني)» أراد بذلك شرحَ قوله: يَعرُوه، وبيَّن تصاريفَه، وأنَّ معناه الإصابة، كيفما تَصَرَّفَ، وأشارَ إلى قوله تعالى: ﴿إِن نَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ ءَلِهَتِنَا بِسُوْءٍ﴾ [هود : ٥٤]، وهذه عادة البخاري يُفسِّرُ اللَّفظة الغريبة من الحديث بتفسير اللَّفظة الغريبة من القرآن. ٣٦٧ ح ٣٠٩٤ كتاب فرض الخمس ٣٠٩٤- حدَّثنا إسحاقُ بنُ محمَّدِ الفَرْوِيُّ، حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحَدَثانِ - وكان محمَّدُ بنُ جُبِير ذكر لي ذِكْراً من حديثه ذلك، فانطَلَقْتُ حتَّى أدخُلَ على مالكِ بنِ أوسٍ فسألتُه عن ذلك الحديث، فقال مالكٌ -: بينما أنا جالسٌ في أهلي حين مَتَعَ النَّهارُ، إذا رسولُ عمرَ بنِ الخطّاب يأتيني، فقال: أجِبْ أميرَ المؤمنينَ، فانطَلَقْتُ معه حتَّى أدخُلَ على عمرَ، فإذا هو جالسٌٌ على رِمالِ سَرِيرٍ ليسَ بينَه وبينَه فِراشٌ، مُتَكئ على وِسادةٍ من أدَم، فسَلَّمْتُ عليه ثمَّ جَلستُ، فقال: يا مالٍ، إِنَّه قَدِمَ علينا من قومِكَ أهلُ أبياتٍ، وقد أُمَرتُ فيهم برَضْخِ، فاقبِضْه فاقسِمْه بينَهم، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، لو أمَرْتَ له غيري، قال: فاقِضْه أيُّها المَرْءُ. فبينما أنا جالسٌ عندَه أتاه حاجبُهُ يَرْفَا، فقال: هل لكَ في عثمانَ وعبدِ الرَّحمن بنِ عَوْفٍ والزُّبَير وسعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنونَ؟ قال: نعم، فَأَذِنَ لهم، فدخلوا، فسَلَّموا وجَلَسُوا، ثمَّ جَلَسَ يَرْفَا يَسِيراً، ثمَّ قال: هل لكَ في عليٍّ وعبَّاسٍ؟ قال: نعم، فأذِنَ لهما، فدَخَلا، فسَلَّا فجّلَسا .. فقال عبَّاسُ: يا أميرَ المؤمنينَ، اقضِ بيني وبينَ هذا - وهما يَخْتَصِمانِ فيما أفاءَ اللهُ على رسولِه من مالِ بني النَّضِيرِ - فقال الرَّهْطُ، عثمانُ وأصحابُه: يا أميرَ المؤمنينَ، اقضٍ بينَهما وأرِحْ أحدَهما من الآخَرِ، فقال عمرُ: تَتِدَكُم، أنشُدُكم بالله الذي بإذْنِهِ تقومُ السَّمَاءُ والأرضُ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ قال: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ)) يريدُ رسولُ اللهََّ نفسَه؟ قال الرّهْطُ: قد قال ذلك، فأقبَلَ عمرُ على عليٍّ وعبَّاسٍ، فقال: أنشُدُكما، / تَعلَمَانِ أَنَّ رسولَ الله وَّه قد قال ذلك؟ قال ١٩٨/٦ عمرُ: فإنّي أُحدِّثُكم عن هذا الأمرِ: إنَّ اللهَ قد خَصَّ رسولَه ◌َ في هذا الفَيءٍ بشيءٍ لم يُعْطِهِ أحداً غيرَه، ثمَّ قرأ ﴿ وَمَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصةً لرسولِ الله ◌ِّةِ، ووالله ما احتازَها دونَكم، ولا استَأَثَرَ بها عليكم، قد أعطاكمُوهُ وبَثَّها فيكم حتَّى بَقِيَ منها هذا المالُ، فكان رسولُ اللهِوَهِ يُنْفِقُ على أهلِهِ نَفَقَةَ سَتِهِم من هذا المال، ثمَّ يأخذُ ما بَقِيَ فيجعلُهُ مَجْعَلَ مال الله، فعَمِلَ رسولُ اللهِ وَّهِ بذلك حياتَه، أنشُدُكم بالله، هل تَعْلَمونَ ذلك؟ قالوا: نعم، ثمَّ قال لعليٍّ وعبَّاسٍ: أنشُدُكما اللهَ، هل تَعلَمانِ ذلك؟ ٣٦٨ ح ٣٠٩٤ فتح الباري بشرح البخاري قال عمرُ: ثمَّ تَوَلَى اللهُ نبيَّهِ وَّهِ، فقال أبو بكر: أنا وليُّ رسولِ الله وَّةِ، فَقَبَضَها أبو بكرٍ، فِعَمِلَ فيها بما عَمِلَ رسولُ الله ◌َّةِ، واللهُ يعلمُ إِنَّه فيها لَصادقٌ بارزٌّ راشدٌ تابعٌ للحقِّ، ثمَّ تَوَلَّى اللّهُ أبا بكرٍ، فكنتُ أنا ولِيَّ أبي بكرٍ، فقَبَضْتُها سنتين من إمارَتي أعمَلُ فيها بما عَمِلَ رسولُ الله وَّ، وما عَمِلَ فيها أبو بكرٍ، واللهُ يعلمُ إنّي فيها لَصادقٌ بارِّ راشدٌ تابعٌ للحقِّ، ثمَّ جِئْتُماني تُكَلِّماني وكَلِمِتُكما واحدةٌ، وأمرُكما واحدٌ، جِئَني يا عبَّاسُ تسألُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابنِ أخِكَ، وجاءفي هذا - يريدُ عليّاً - يريدُ نَصِيبَ امرأتِه من أبِيها، فقلتُ لكما: إنَّ رسولَ الله ◌ِ لِّ قال: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ)) فلمَّا بَدَا لي أن أدفَعَه إليكما، قلتُ: إن شِئْتُمَا دَفَعْتُها إليكما على أنَّ عليكما عَهْدَ الله ومِيثاقَه لَتَعْمَلانِ فيها بما عَمِلَ فيها رسولُ الله ◌ِّهِ، وبِمَا عَمِلَ فيها أبو بكرٍ، وبِما عَمِلْتُ فيها مُنْذُ وَلِيتُها، فقلتُما: ادْفَعْها إلينا، فِذلك دَفَعْتُها إليكما، فأنشُدُكم بالله، هل دَفَعْتُها إليهما بذلك؟ قال الرَّهْطُ: نعم، ثمَّ أقبَلَ على عليٍّ وعبَّاسٍ، فقال: أَنْشُدُكما بالله، هل دَفَعْتُها إليكما بذلك؟ قالا: نعم، قال: فتَلْتَمِسانِ منِّي قَضاءً غيرَ ذلك؟ فوالله الذي بإذْنِهِ تقومُ السَّمَاءُ والأرضُ، لا أقضي فيها قَضاءً غیرَ ذلك، فإن عَجَزْتُما عنها فادْفَعاها إليّ، فإنّ اكْفِيكُماها. الحديث الثالث: حديث عمرَ مع العبَّاس وعلي، وقع قبلَه في رواية أبي ذرٍّ وحدَه قصَّة فَدَك، وكأنّها ترجمةٌ لحديثٍ من أحاديث الباب، وقد بيَّنت أمر فَدَك في الذي قبله. قوله: ((حدَّثنا إسحاق بن محمَّد الفَرْوي)) هو شيخ البخاري الذي تقدَّم قريباً في («باب قتال اليهود)) (٢٩٢٥)، وقد حدَّث عنه بواسطةٍ كما تقدَّم في الصُّلح (٢٦٩٣)، وفي رواية ابن شَبّويه عن الفِرَبري: حدَّثنا محمّد بن إسحاق الفَروي، وهو مقلوب، وحکی عیاض عن رواية القاسي مثله، قال: وهو وهمٌ. قلت: وهذا الحديثُ مَّا رواه مالكٌ خارجَ ((الموطَّأ))، وفي هذا الإسناد لطيفة من علوم الحديث ممّا لم يَذْكُرُه ابن الصَّلاحِ: وهي تَشابُه الطَّرَفَينِ، مِثالُه ما وقع هنا: ابن شِهاب عن مالكٍ، وعنه مالك: الأعلى ابن أوس والأدنى ابن أنس. قوله: ((وكان محمَّد بن جُبَير)) أي: ابن مُطعِم ((قد ذكر لي ذِكْراً من حديثه ذلك)) أي: الآتي ذِكْره. ٣٦٩ ح ٣٠٩٤ كتاب فرض الخمس قوله: ((فانطَلَقْت حتَّى أدخُلَ)) كذا فيه بصيغة المضارَعة في موضع الماضي في الموضعينِ، وهي مُبالَغةٌ لإرادة استحضار صورة الحال، ويجوزُ ضمّ ((أدخُلَ)) على أنَّ ((حَتَّى)) عاطفة، أي: انطَلَقتُ فدخلت، والفتح على أن ((حتَّى)) بمعنى: كي(١). قوله: ((مالك بن أوس)) ابن الحَدَثانِ - بفتح المهمَلتَين والمثلَّثة -، وهو نَصْريّ - بالنّون المفتوحة والصَّاد المهمَلة الساكنة - وأبوه صحابي، وأمَّا هو فقد ذُكِرَ في الصحابة، وقال ابن أبي حاتم وغيره: لا تَصِحُ له صُحْبة، وحكى ابن أبي خَيْئمة عن مُصعَبٍ أو غيره: أنَّه رَكِبَ الخيلَ في الجاهلية. قلت: فعلى هذا لعلَّه لم يَدخُل المدينةَ إلَّا بعدَ موتِ النبي ◌َّ كما وقع لقيس بن أبي حازم: دَخَلَ أبوه وصَحِبَ، وتأخّرَ هو مع إمكانِ ذلك، وقد تَشارَكَ أيضاً في أنَّه قيل في كلٍّ منهما: إنَّه أخَذَ عن العشرة، ولیس لمالك بن أوس هذا في البخاري سوی هذا الحديث وآخرَ في البيوع (٢١٣٤)، وفي صَنيع ابن شِهاب ذلك أصلٌ في طلبٍ عُلوّ الإسناد، لأنَّه لم يَقنَع بالحديث عنه حتَّى دَخَلَ علیه لیشافھه به، وفیہ حِرصُ ابن شِهاب على طلب الحديث وتحصيله. تنبيه: ظنَّ قومٌ أنَّ الزّهْرِيّ تَفرَّدَ برواية هذا الحديثِ، فقال أبو عليّ الكَرَابيسي: أنكَرَه قومٌ، وقالوا: هذا من مُستَنكَرِ ما رواه ابن شِهاب، قال: فإن كانوا عَلِموا أنَّه ليس بفَردٍ فهَيهاتَ، وإن لم يعلموا فهو جَهل، فقد رواه عن مالك بن أوس عِكْرمة بن خالد(٢)، وأيوب ابن خالد، ومحمَّد بن عَمْرو بن عطاء وغيرهم. قوله: ((حينَ مَتَعَ النَّهار)) بفتح الميم والمثنَّاة الخفيفة بعدَها مُهمَلة، أي: عَلَا وامتَدَّ، وقيل: هو ما قبلَ الزَّوال، ووقع في رواية مسلم (٤٩/١٧٥٧) من طريق جُوَيرية عن مالك: حين تعالى النَّهار، وفي رواية يونسَ عن ابن شهاب عند عمر بن شَبَّة (٢٠٢/١-٢٠٤): بعدما ارتَفَعَ النَّهار. (١) في (س): ((إلى أن))، وهو وجه صحيح أيضاً في معنى ((حتى)) في إفادتها انتهاء الغاية. (٢) أخرج روايته أحمد (٣٤٩)، والنسائي (٤١٤٨). ٣٧٠ ح ٣٠٩٤ فتح الباري بشرح البخاري ٢٠٥/٦ قوله: ((إذا رسولُ عُمَرَ)) لم أقِفْ على اسمه، ويحتمل أن يكون هو يَرْفا الحاجب الآتي ذِكرُه. ! قوله: ((على رِمالٍ سَريرٍ)) بكسر الرّاءِ وقد تُضمّ، وهو ما يُنسَجُ من سَعَفِ النَّخلِ. وأغرَبَ الدَّاوودي فقال: هو السَّريرُ الذي يُعمَلُ من الجريدِ، وفي رواية جُوَيرية: فَوَجَدته في بيتِه جالساً على سَرير مُفضِياً إلى رِماله، أي: ليس تحته فِراش، والإفضاء إلى الشيءٍ لا يكون بحائل، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ العادةَ أن يكون على السّریر فِراشٌ. قوله: ((فقال: يا مالٍ)) كذا هو بالتَّرخيمِ، أي: يا مالك، ويجوزُ في اللّام الكسرُ على الأصل، والضَّمُّ على أنَّه صارَ اسماً مُستَقِلًّا، فيُعرَبُ إعراب المنادى المفرَد. قوله: ((إنَّه قَدِمَ علينا من قومِك)) أي: من بني نَصر بن معاوية بن بكر بن هَوَازِن. وفي رواية جُوَيرية عند مسلم (٤٩/١٧٥٧): دَفَّ أهلُ أبياتٍ، أي: وَرَدَ جماعةٌ بأهليهم شيئاً بعدَ شيءٍ يسيرونَ قليلاً قليلاً، والدَّفيف: السَّير اللَّيِّن، وكأنَّهم كانوا قد أصابهم جَدْب في بلادهم، فانتَجَعوا المدينةَ. قوله: ((بَرَضْخ)) بفتح الرّاءِ وسكون المعجمة بعدَها خاء مُعجَمة، أي: عَطيَّةٍ غير كثيرة ولا مُقدَّرة. وقوله: (لو أمَرْتَ به غيري)) قاله تَحُرُّجاً من قَبُول الأمانة، ولم يُبيِّن ما جَرَى له فيه اكتِفاءَ بقَرِينة الحال، والظّاهرُ أنَّه قَبَضَه لعَزْم عمرَ عليه ثاني مرَّة. قوله: ((أتاه حاجبُهُ يَرْفَا)) بفتح التَّحتانية وسكون الرّاءِ بعدَها فاء مُشبعة بغير همزٍ، وقد تُهُمَزُ، وهي روايتنا من طريق أبي ذرٍّ، ويَرفا هذا كان من مَوالي عمرَ، أدرَكَ الجاهليةَ، ولا تُعرَفُ له صُحبة، وقد حَجَّ مع عمرَ في خلافة أبي بکر، وله ذِكْرٌ في حديث ابن عمر، قال: قال عمرُ لِمَولَّ له يقالُ له: يَرفَا: إذا جاء طعامُ يزيد بن أبي سفيان فأعلِمْني، فذكر قصَّةً. وروی سعيد بن منصور(١) عن أبي الأحوَصِ عن أبي إسحاق عن يَرفَا، قال: قال لي عمر: إنّي أَنزَلت نفسي من مال المسلمين منزلة مال اليتيم، وهذا يُشعِرُ بأنَّه عاشَ إلى خلافة معاوية. (١) في قسم التفسیر من ((سننه)) (٧٨٨). ٣٧١ ح ٣٠٩٤ كتاب فرض الخمس قوله: ((هل لك في عثمان)) أي: ابن عَفّان ((وعبد الرَّحمن))، ولم أرَ في شيءٍ من طرقه زيادةً على الأربعة المذكورينَ إلَّا في روايةٍ للنَّسائي (ك٦٢٧٥)، وعمر بن شَبَّة (٢٠٥/١-٢٠٦) من طريق عَمْرو بن دينار عن ابن شِهاب، وزاد فيها: وطلحة بن عُبيد الله، وكذا في رواية الأمامي(١) عن ابن شهاب عند عمر بن شَبَّة أيضاً (٢٠٨/١-٢٠٩)، وكذا أخرجه أبو داود (٢٩٧٥) من طريق أبي البَختَرِي عن رجلٍ لم يُسمِّه قال: دَخَلَ العبّاس وعليّ، فذكر القصّةَ بطولها، وفیھا ذِْرُ طلحة، لكن لم يُذكَر عثمان. قوله: ((فأذِنَ لهم فدَخَلُوا)» في رواية شعيب في المغازي (٤٠٣٣): فأدخَلهم. قوله: «ثمّ قال: هل لك في عليٍّ وعَّاس)) زاد شعیب: يستأذنان. قوله: «فقال عبَّاس: يا أمير المؤمنينَ، اقضٍ بيني وبين هذا» زاد شعيب ويونس(٢) فاستَبَّ عليٌّ وعبَّاس، وفي رواية عُقيل عن ابن شِهاب في الفرائضِ(٣): اقض بيني وبين هذا الظّلم، استَبَّا، وفي رواية جُوَيرية(٤): وبين هذا الكاذبِ الآثِمِ الغادرِ الخائن. ولم أرَ في شيءٍ من الطُّرِقِ أَنَّه صَدَرَ من عليّ في حقِّ العبّاس شيء، بخلاف ما يُفهَم قوله في رواية عُقيل: استبًا. واستَصْوَبَ المازَرِي صَنيع مَن حَذَفَ هذه الألفاظَ من هذا الحديث، وقال: لعلَّ بعضَ الرُّواة وهِمَ فيها، وإن كانت محفوظةً فأجوَدُ ما تُحمَلُ عليه أنَّ العبّاس قالها إدلالاً(٥) على عليّ، لأَنَّه كان عنده بمنزلة الولدِ، فأراد رَدْعَه عَّ يعتقدُ أنَّه مُخُطِئٌ فيه، وأنَّ هذه الأوصافَ يَتَّصِفُ بها لو كان يفعلُ ما يفعلُهُ عن عَمْد، قال: ولا بُدَّ من هذا التأويل لوقوع ذلك بمَحضَر الخليفة ومَن ذُكِرَ معه، ولم يَصدُر منهم إنكار لذلك مع ما عُلِمَ من تَشَدُّدِهم في إنكار المنكر. (١) هو عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله الأنصاري، من ولد أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف. (٢) أما رواية شعيب فعند البخاري برقم (٤٠٣٣) وأما رواية يونس فهي عند عمر بن شبة في ((تاريخ المدينة)) ٢٠٢/١-٢٠٤. (٣) بل في الاعتصام (٧٣٠٥). (٤) عند مسلم (١٧٥٧) (٤٩). (٥) أي: اجترأ عليه، لكونه عمَّه. ٣٧٢ ح ٣٠٩٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وهما يَخْتَصِمانِ فيما أفاءَ الله على رسوله من مال بني النَّضير)) يأتي القول فيه قريباً. قوله: ((فقال الرَّهْط)» في رواية مسلم (٤٩/١٧٥٧): فقال القوم، وزادَ: فقال مالك بن أوس: يُخيّلُ إليَّ أنَّهم قد كانوا قَدَّمُوهم لذلك. قلت: ورأيت في رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ في ((مُسنَد ابن أبي عمر)): فقال الزُّبير بن العَوّام: اقض بينهما. فأفادت تعيين مَن باشَرَ سؤالَ عمرَ في ذلك. ٢٠٦/٦ قوله: ((تَئِدَكُم)» كذا في رواية أبي ذرٍّ، بفتح المثنَّة وكسر التَّحتانية مهموزاً، وفتح الدَّال، قال ابن التِّين: أصلها: تَيدَكم، والتَُّدةُ: الرِّفقُ، ووقع في رواية الأَصِيلي بكسر أوَّله وضمِّ الدَّال، وهو اسمُ فعلٍ كُرُوَيداً، أي: اصبِروا وأَمهِلوا وعلى رِسْلِكم. وقيل: إنَّه مصدر تادَ يَتِيد، كما يقالُ: سِيروا سَيْركم، ورُدَّ بأنَّه لم يُسمَع في اللّغة. ويُؤْيِّدُ الأوَّل ما وقع في رواية عُقيل (٥٣٥٨) وشعيب (٤٠٣٣): اتَّدوا، أي: تمهّلوا، وكذا عند مسلم (٤٩/١٧٥٧) وأبي داود (٢٩٦٣) (١)، وللإسماعيلي من طريق بشر بن عمر عن مالك: فقال عمر: اتَّئِّد، بلفظ الأمرِ للمُفرَد. قوله: ((أنشُدُكما، تَعلَمَانِ أنَّ رسولَ الله ێ قد قال ذلك)» کذا فيه، وفي رواية مسلم: قالا: نعم(٢). ومعنى ((أنشُدُكما)): أسألُكما رافعاً نَشِيدتي، أي: صوتي. قوله: ((إنَّ الله قد خَصَّ رسولَهَ وَلَه في هذا الفَيءِ بشيءٍ)) في رواية مسلم (٤٩/١٧٥٧): بخاصَّةٍ لم يَخْصُص بها غيره، وفي رواية عَمْرو بن دينار عن ابن شِهاب في التفسير (٤٨٨٥): كانت أموال بني النَّضير ممّا أفاءَ اللهُ على رسولِه، فكانت له خاصَّةً، وكان يُنفِقُ على أهلِهِ منها نَفَقةَ سنةٍ، ثمَّ يجعلُ ما بقي في السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سبيل الله، وفي رواية سفيان عن مَعمَر عن الزُّهْريّ الآتية في النَّفَقات (٥٣٥٧): كان النبي ◌ِِّ يبيعُ نخل بني النَّضير، ويَحِبِسُ لأهلِه قُوتَ سَنَتِهِم؛ أي: ثَمَر النّخل، وفي رواية أبي داود (٢٩٦٧) من (١) لكنه عندهما بلفظ المثنى: أنَِّدا. (٢) وهو أيضاً في رواية شعيب عن الزهري الآتية عند البخاري برقم (٤٠٣٣)، وفي رواية عُقيل عن ابن شهاب برقم (٥٣٥٨) بلفظ: قالا: قد قال ذلك. ٣٧٣ ح ٣٠٩٤ كتاب فرض الخمس طريق أسامة بن زيد عن ابن شهاب: كانت لرسول الله وَّ ثلاث صَفَايا: بنو النَّضير، وخيبر، وفَدَك: فأمَّا بنو النَّضير فكانت حُبساً لنَوائِهِ، وأمَّا فَدَك فكانت حُبساً لأبناءِ السَّبيل، وأمَّا خيبرُ فجَزَّأها بين المسلمين ثمَّ قَسَمَ جُزءاً لنَفَقة أهلِه، وما فضَلَ منه جَعَلَه في فقراءِ المهاجرينَ. ولا تَعارُضَ بينهما لاحتمال أن يُقْسِّمَ في فقراءِ المهاجرينَ وفي مُشتَرى السِّلاح والكُراع، وذلك مُفسِّرٌ لرواية مَعمَر عند مسلم (١٧٥٧/ ٥٠): ويجعلُ ما بقي منه مَجَعَلَ مال الله(١). وزادَ أبو داود (٢٩٧٥) في رواية أبي البَختَري المذكورة: وكان يُنفِقُ على أهلِه ويَتَصَدَّقُ بفضلِه. وهذا لا يعارضُ حديث عائشة: أنَّه وَّه تُوقِيّ ودرعه مرهونة على شَعير (٢)، لأنَّه يُجمَعُ بينهما بأنَّه كان يَدَّخِرُ لأهلِهِ قُوتَ سَنَتِهِم، ثمَّ في طول السَّنة يحتاجُ لمن يَطْرُقُه إلى إخراج شيءٍ منه فيُخرِجُه، فيحتاجُ إلى أن يُعَوِّضَ مَن يأخذُ منها عِوَضَه، فلذلك استَدانَ. قوله: «ما احتازَها)) كذا للأكثر بحاءٍ مُهمَلةٍ وزايٍ مُعجَمةٍ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ بخاءٍ مُعْجَمةٍ وراءٍ مُهمَلة، هذا ظاهرٌ في أنَّ ذلك كان مُخْتَصّاً بالنبي ◌َِّ، إلَّا أَنَّه واسَى به أقرِباءَه وغيرَهم بحَسَبٍ حاجتهم، ووقع في رواية عِكْرمةَ بن خالد عن مالك بن أوس عند النَّسائي (٤١٤٨) ما يُؤْيِّدُ ذلك. قوله: ((ثُمَّ قال لعليّ وعبَّاس: أنشُدُكما الله هل تَعْلَمانِ ذلك؟)) زاد في رواية عُقيل (٥٣٥٨): قالا : نعم. قوله: ((ثُمَّ تَوَلَّى اللهُ نبِيَّه وَّهِ، فقال أبو بكر: أنا ولِيُّ رسول الله وَّه، فقَبَضَها أبو بَكْر، فعَمِلَ فيها بما عَمِلَ رسول الله ﴿)) زاد في رواية عُقيل (٥٣٥٨): وأنتما حينئذٍ - وأقبَلَ على عليّ وعبَّاس - تَزْعُمانِ أنَّ أبا بكر كذا وكذا، وفي رواية شعيب (٤٠٣٣): كما تقولان. وفي رواية مسلم (٤٩/١٧٥٧) من الزِّيادة: فجئتُما، تَطلُبُ ميراثَك من ابن أخيك، ويَطلُبُ هذا (١) وهو لفظ رواية مالك عن ابن شهاب التي عند البخاري هنا أيضاً، وقد ذَهَلَ الحافظُ رحمه الله إذ اقتصر على نسبتها إلى رواية معمر عند مسلم. (٢) سلف في ((الصحيح)) برقم (٢٩١٦). ٣٧٤ ح ٣٠٩٤ فتح الباري بشرح البخاري ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله وَالَ: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقة)) فرأيتُماهُ كاذباً آئِماً غادراً خائناً؟! وكأنَّ الزُّهْريّ كان يُحدِّثُ به تارةً فيُصرِّح، وتارةً فَكْنِي، وكذلك مالك، وقد حُذِفَ ذلك في رواية بِشْر بن عمر عنه عند الإسماعيلي وغيره. وهو نَظِيرُ ما سبق من قول العبّاس لعليٍّ. وهذه الزّيادة من رواية عمرَ عن أبي بكر حُذِفَت من رواية إسحاق الفَرْوي شيخ البخاري، وقد ثَبْتَتْ أيضاً في رواية بشر بن عمر عنه عند أصحاب السُّنَنِ(١) والإسماعيلي، وعَمرو بن مرزوق وسعيد بن داود، كلاهما عند الدَّارَ قُطني (٢)، كلاهما عن مالكٍ، على ما قال جُوَيرية(٣) عن مالكِ، واجتماعُ هؤلاءِ عن مالكٍ يدلُّ على أنَّهم حَفِظُوه. وهذا القَدْرُ المحذوفُ من رواية إسحاق ثَبَتَ من روايتِهِ في موضعٍ آخرَ من الحديثِ، لكن جَعَلَ القصَّةَ فيه لعمرَ حیثُ قال: جئتَني يا عَّاس تَسألُني/ نصيبك من ابن أخيك، ٢٠٧/٦ وفيه: فقلت لكما: إنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((لا نُورَث ... )) فاشتَمَلَ هذا الفَصلُ على مخالَفة إسحاق لبقيّة الرُّواة عن مالكِ في كَونِهِم جعلوا القصَّةَ عند أبي بكر، وجعلوا الحديثَ المرفوعَ من حديث أبي بكر من رواية عمر عنه، وإسحاق الفَرْوي جعل القصَّةَ عند عمرَ، وجَعَلَ الحديث المرفوع من روايتِه عن النبي ◌َّهِ بغير واسطة أبي بكر. وقد وقع في رواية شعيب عن ابن شِهَاب (٤٠٣٣) نَظِيرُ ما وقع في رواية إسحاق الفَرْوي سواءً، وكذلك وقع في رواية يونسَ عن ابن شِهاب عند عمر بن شَبَّة (١/ ٢٠٢- ٢٠٤)، وأمَّا رواية عُقيل الآتية في الفرائض (٦٧٢٨) (٤)، فاقتَصَرَ فيها على أنَّ القصَّةَ وَقَعَت (١) أخرجه أبو داود (٢٩٦٣)، والترمذي (١٦١٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٢٧٦). (٢) لم نقف عليه في (سنن الدارقطني)) ولا في ((علل الدارقطني))، فلعله في ((الموطآت)) له، ولم نقف عليه مطبوعاً. وأخرجه من طريق عمرو بن مرزوق أيضاً حمادُ بن إسحاق البغدادي في ((تركة النبي (تَّ) ص ٨٢ -٨٣. (٣) عند مسلم (١٧٥٧) (٤٩) وغيره. (٤) رواية عُقيل جاءت قبل الفرائض في كتاب النفقات برقم (٥٣٥٨). ٣٧٥ ح ٣٠٩٤ كتاب فرض الخمس عند عمرَ بغير ذِكْرِ الحديث المرفوع أصلاً، وهذا يُشعِرُ بأنَّ لسياق إسحاق الفَرْوي أصلاً، فلعلَّ القِصَّتَين محفوظتان، واقتَصَرَ بعض الرُّواة على ما لم يَذكُرِه الآخَرُ، ولم يَتَعرَّض أحدٌ من الشُّراح لبيانٍ ذلك. وفي ذلك إشكال شديد، وهو أنَّ أصلَ القصَّة صريح في أنَّ العبَّاس وعليّاً قد عَلما بأنَّه ﴿ ل* قال: ((لا نُورَث)) فإن كانا سمعاه من النبي ◌َلّ فكيف يَطلُبانِه من أبي بكر؟ وإن كانا إنَّما سمعاه من أبي بكر أو في زَمَنِهِ، بحيثُ أفادَ عندهما العلمَ بذلك، فكيف يَطلُبَانِهِ بعدَ ذلك من عمر؟ والذي يَظهَرُ - والله أعلمُ - حَمْلُ الأمر في ذلك على ما تقدَّم في الحديث الذي قبله في حقِّ فاطمة، وأنَّ كلَّا من عليٍّ وفاطمة والعبَّاس اعتَقَدَ أنَّ عمومَ قوله: ((لا نُورَث)) مخصوص ببعض ما يُخُلِّفُه دونَ بعض، ولذلك نَسَبَ عمر إلى عليّ وعبَّاس أنَّهما كانا يعتقدانِ ظُلْمَ مَن خالَفَهما في ذلك. وأمَّا مخاصَمةُ عليٍّ وعبَّاس بعدَ ذلك ثانياً عند عمرَ، فقال إسماعيل القاضي فيما رواه الدَّارَقُطني من طريقِه: لم يكن في الميراثِ، إنَّما تَنَازَعا في ولاية الصَّدَقة، وفي صَرْفِها كيف تُصرَف. كذا قال! لكن في رواية النَّسائي(١) وعمر بن شَبَّة (٢٠٦/١-٢٠٧) من طريق أبي البَختَري ما يدلُّ على أنَّهما أراد أن يُقْسَم بينهما على سبيل الميراثِ، ولفظه في آخره: ثمَّ جئتُماني الآنَ تَخْتَصِمان، يقول هذا: أُريدُ نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أُريدُ نَصِيبي من امرأتي، والله لا أقضي بينكما إلَّا بذلك. أي: إلَّا بما تقدَّم من تَسْليمهما لهما على سبيل الولاية. وكذا وقع عند النَّسائي (٤١٤٨) من طريق عِكْرمة بن خالد عن مالك بن أوس نحوَه، وفي ((السُّنَنِ)) لأبي داود (٢٩٦٣) وغيره، أرادا أنَّ عمرَ يَقسِمُها بينهما لينفَرِد كلّ منهما بنَظَرِ ما يَتَولَاه، فامتَنَعَ عمر من ذلك، وأراد أن لا يقعَ عليها اسمُ قَسْم، ولذلك أقسَمَ على ذلك، وعلى هذا اقتَصَرَ أكثر الشُّرّاح واستَحسَنُوه، وفيه من النَّظَرِ ما تقدَّم. وأعجَبُ من ذلك جَزْم ابن الجَوْزيّ ثمَّ الشَّيخ مُحيي الدّين بأنَّ علياً وعبَّاساً لم يَطلُبًا من عمرَ إلَّا ذلك، مع أنَّ السِّياقَ صريح في أنَّهما جاءاه مرَّتين في طلبٍ شيءٍ واحدٍ، لكنَّ (١) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله تعالى، فإن النسائي لم يُخُرِّجه من رواية أبي البختري. ٣٧٦ ح ٣٠٩٤ فتح الباري بشرح البخاري العُذْرَ لابن الجَوْزيّ والنَّوَوي أنَّهمَا شَرَحا اللَّفظَ الواردَ في مسلم دونَ اللَّفْظ الواردِ في البخاري، والله أعلم. وأمَّا قولُ عَمَرَ: جئتَني يا عبَّاس تَسألُني نصيبك من ابن أخيك، فإنَّمَا عَبَّرَ بذلك لبيان قِسْمة الميراثِ كيف يُقْسَمُ أن لو كان هناك ميراث، لا أنَّه أراد الغَضَّ منهما بهذا الكلام. وزاد الأمامي عن ابن شهاب عند عمر بن شَبَّة (١/ ٢٠٨ -٢٠٩) في آخره: فأصلِحا أمرَكما وإلّا لم يَرجِعْ والله إليكما، فقاما وتَرَكا الخُصُومة وأُمضيت صَدَقةً، وزاد شعيب (٤٠٣٤) في آخره: قال ابن شِهاب: فحدَّثت به عُرْوة فقال: صَدَقَ مالك بن أوس، أنا سمعت عائشة تقولُ ... فذكر حديثاً، قال: فكانت هذه الصَّدَقة بيد عليّ مَنَعَها عبَّاساً فغَلَبَه عليها، ثمَّ كانت بيد الحسنِ، ثمَّ بيد الحسين، ثمَّ بيد عليّ بن الحسين والحسن بن الحسن، ثمَّ بيد زيد بن الحسن، وهي صَدَقة رسول الله وَ ل﴿ حقّاً، وروى عبد الرزَّاق (٩٧٧٢) عن معمَر عن الزُّهريّ مثلَه، وزاد في آخره: قال مَعمَر ثمَّ كانت بيد عبد الله بن حسن حتَّى وَلِيَ هؤلاءِ - يعني بني العبّاس - فقَبَضُوها، وزادَ إسماعيلُ القاضي أنَّ إعراضَ العبّاس عنها كان في خلافة عثمان. قال عمر بن شَبَّة (٢١٨/١): سمعت أبا غسّان - هو محمَّد بن يحيى المدني - يقول: إنَّ الصَّدَقَةَ المذكورةَ اليومَ بيد الخليفة تُكتَب في عَهِدِهِ، يُوَلِّ عليها مِن قِبَلِه مَن يَقِضُها،/ ٢٠٨/٦ ويُفرِّقُها في أهل الحاجة من أهل المدينة. قلت: كان ذلك على رأسِ المتتَينِ، ثمَّ تغيّرتِ الأُمورُ، والله المستعان. واختَلَفَ العلماءُ في مَصِرِف الفَيء: فقال مالك: الفَيءُ والخمسُ سواءٌ، يُجُعَلان في بيتِ المال ويُعطي الإمامُ أقاربَ النبيّ وَل بِحَسَبِ اجتهاده. وفَرَّقَ الجمهور بين خُمُسِ الغنيمة وبين الفَيءٍ، فقالوا: الخمسُ موضوع فيما عَيَّنْه الله فيه من الأصناف المسَمَّينَ في آية الخمس من سورة الأنفال لا يُتَعدَّى به إلى غيرهم، وأمَّا الفَيُ فهو الذي يَرجِعُ النَّظَرُ في مَصِرِفِه إلى رأي الإمام بحَسَبِ المصلحة. ٣٧٧ ح ٣٠٩٤ كتاب فرض الخمس وانفرَدَ الشّافعي كما قال ابن المنذِر وغيرُه بأنَّ الفَيءَ يُحِمَّس، وأنَّ أربعة أخماسه للنبي وله خُمُسُ الخمس كما في الغنيمة، وأربعة أخماس الخمس لمستَحِقُّ نَظِيرها من الغنيمة. وقال الجمهور: مَصِرِف الفَيء كلَّه إلى رسول الله وَّته، واحتَجّوا بقول عمرَ: فكانت هذه لرسول الله وَ﴿ خاصَّة، وتأوَّلَ الشّافعي قول عمرَ المذكورَ بأنَّه يريدُ الأخماس الأربعة. قال ابن بَطَّال: مُناسَبةُ ذِكْرٍ حديث عائشة في قصّة فاطمة في ((باب فرض الخمس)) أنَّ الذي سألت فاطمةُ أن تأخُذَه من جُملَتِهِ خيبر، والمراد به سَهمُهُ وَِّ منها وهو الخمسُ، وسيأتي في المغازي (٤٢٤٠ و٤٢٤١) بلفظ: ممَّا أفاءَ الله عليه بالمدينة وفَدَك، وما بقي من خُمُسٍ خیبرَ. وفي حديث عمرَ أنَّه يَجِبُ أن يُولَّى أمرَ كلِّ قبيلة كبيرُهم، لأنَّه أعرَفُ باستحقاق كلٌّ رجلٍ منهم، وأنَّ للإمام أن يُنادي الرجلَ الشَّريف الكبير باسمِه وبالتَّخيم حيثُ لم يُرِد بذلك تَنقيصه. وفيه استعفاءُ المرء من الولاية وسؤالُه الإمامَ ذلك بالرّفقِ. وفيه امِّجَاذُ الحاجبِ، والجلوس بين يَدَي الإمام، والشَّفاعة عنده في إنفاذ الحُكم، وتبيين الحاكم وجه حُكمِه. وفيه إقامةُ الإمام مَن يَنظُرُ على الوقفِ نيابة عنه، والتَّشريك بين الاثنين في ذلك، ومنه يُؤْخَذُ جواز أكثرَ منهما بحَسَبِ المصلحة. وفيه جواز الادِّخار خِلافاً لقول مَن أنكَرَه من مُتشدِّدي المتزهِّدينَ، وأنَّ ذلك لا يُنافي التوكُّلَ. وفيه جوازُ اتََّاذِ العَقَار، واستغلال مَنفَعَته. ويُؤخَذُ منه جواز انَّاذِ غير ذلك من الأموال التي يَحصُلُ بها النَّماء والمنفعةُ من زراعةٍ وتجارةٍ وغير ذلك. وفيه أنَّ الإمامَ إذا قامَ عنده الدَّليلُ صارَ إليه وقضى بمُقتَضاه، ولم يَحَتَجْ إلى أخذِه من غيره، ويُؤْخَذُ منه جوازُ حُكم الحاكم بعلمِه، وأنَّ الأتباعَ إذا رأوا من الكبير انقباضاً لم يُفائحُوه حتَّى يُفاتحَهم بالكلام. واستُدِلَّ به على أنَّ النبيِ وَّ كان لا يَملِكُ شيئاً من الفَيءٍ ولا خُمُسَ الغنيمة إلَّا قَدْرَ حاجته وحاجة مَن يَمُونُه، وما زادَ على ذلك كان له فيه التصرُّف بالقَسْم والعطيَّة. وَشَـ ٣٧٨ باب ١-٢ / ح ٣٠٩٥ -٣٠٩٨ فتح الباري بشرح البخاري وقال آخرون: لم يجعل الله لنبيِّهِ مِلكَ رَقَبَةِ ما غَنمَه، وإنَّما مَلَّكَه مَنافعَه، وجَعَلَ له منه قَدْرَ حاجته، وكذلك القائم بالأمرِ بعدَه. وقال ابن الباقِلّاني في الردِّ على مَن زَعَمَ أنَّ النبي ◌َّ يُورَثُ: احتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِ كُمْ﴾ [النساء: ١١]، فقال: أمَّا مَن أنكَرَ العموم فلا استغراقَ عنده لكلِّ مَن مات أنَّه يُورَث، وأمَّا مَن أثبَتَه فلا يُسلَّمُ دخولُ النبيِّ ◌َّهِ في ذلك، ولو سُلِّمَ دخولُه لَوَجَبَ تخصيصُه لصِحَّة الخيرِ، وخبرُ الآحاد يُخْصِّصُ وإن كان لا يَنْسَخُ، فكيف بالخيرِ إذا جاء مِثلَ مجيءٍ هذا الخبرِ، وهو: ((لا نُورَث)). ١ - باب أداء الخُمُس من الدِّین ٣٠٩٥- حدّثنا أبو التُّعْمان، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أبي جَمْرةَ الضُّبَعيِّ، قال: سمعتُ ابنَ عَّاسٍ رضي الله عنهما يقول: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القيس فقالوا: يا رسولَ الله، إنّ هذا الحيَّ من رَبِيعةَ بينَنا وبينَكَ كَفَّارُ مُضَرَ، فلسنا نَصِلُ إليكَ إلا في الشَّهْرِ الحرام، فمُرْنا بأمرٍ نأْخُذُ منه ونَدْهُو إليه مَن وراءَنا، قال: ((آمُرُكم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ: الإيمانِ بالله شهادة أن لا إله إلا الله - وعَقَدَ بیدِه - وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصِيام رمضانَ، وأن تُؤْدُّوا لله خُمُسَ ما غَنِمتُم، وأنهاكم عن الدُّاءِ والنَّقِيرِ والخَنْتَمِ والمزَفَّت». ٢٠٩/٦ قوله: ((باب أداء الخُمُسِ من الدِّين)) أورَدَ فيه حديثَ ابن عبّاس في قصَّة وفدٍ عبد القيس. وقد تقدَّم شرحُه في كتاب الإيمان (٥٣)، وترجم عليه هناك ((أداء الخمس من الإيمان)) وهو على قاعدَتِهِ في تَرادُف الإيمانِ والإسلام والدِّين، وقد تقدَّم في كتاب الإيمان من شرح ذلك ما فيه كفاية، وتقدَّم في أوَّل الخمس بيان ما يتعلَّقُ به. ٢- باب نفقة نساء النبيّ ێ بعد وفاته ٣٠٩٦- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله وَلَه قال: ((لا يَقْتَسِمُ وَرَثَتي ديناراً، ما تَرَكْتُ بعدَ نَفَقةِ نِسائي ومَؤُونِةِ عاملي، فهو صَدَقةٌ)). ٣٧٩ باب ٢ / ح ٣٠٩٦ - ٣٠٩٨ كتاب فرض الخمس ٣٠٩٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: تُوقِّيَ رسولُ اللهِ ◌ّ وما في بيتي من شيءٍ يأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إلا شَطْرُ شعيرٍ في رَفِّ لي، فأكَلْتُ منه حتَّى طالَ عليَّ، فكِلْتُهُ ففَنِيَ. [طرفه في: ٦٤٥١] ٣٠٩٨- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ عَمْرَو بنَ الحارثِ قال: ما تَرَكَ النبيُّ نَّهِ إِلا سلاحَه وبغلتَه البيضاءَ وأرضاً تَرَكَها صَدَقَةً. قوله: ((باب نَفَقة نساءِ النبي ◌ِّ بعد وفاته)) ذكر فيه ثلاثة أحاديثَ: أحدها: حديث أبي هريرة: ((لا يَقتَسِمُ وَرَثَتي ديناراً). وقد تقدَّم بهذا الإسناد في أواخرٍ الوقفِ (٢٧٧٦)، وقد تقدَّم ما يتعلَّقُ بشرحِه قبلُ ببابٍ، وسيأتي بقيَّة ما يتعلَّقُ منه بالميراثِ في الفرائض (٦٧٢٩). واختُلِفَ في المراد بقوله: ((عاملي)) فقيل الخليفةُ بعدَه، وهذا هو المعتمَدُ، وهو الذي يوافقُ ما تقدَّم في حديث عمرَ. وقيل: يريدُ بذلك العاملَ على النَّخل، وبه جَزَمَ الطَّبَري وابن بَطَّال، وأبعَدَ مَن قال: المرادُ بعاملِهِ حافرُ قبره عليه الصلاةُ والسلام، وقال ابن دِخْيةَ في (الخصائص)): المرادُ بعاملِه خادمُه، وقيل: العاملُ على الصَّدَقة، وقيل: العاملُ فيها كالأجير. وقوله في هذه الرّواية: (ديناراً)) كذا وقع في رواية مالك عن أبي الزّناد في الصحيحين فقيل: هو تنبيه بالأدنى على الأعلى، وأخرجه مسلم من رواية سفيان بن عُبَينَةً عن أبي الزّناد، بلفظ: ((ديناراً ولا دِرهَماً)) وهي زيادةٌ حسنٌ(١)، وتابَعَه عليها سفيان الثَّوْري عن أبي الزِّناد عند الثِّرمِذي في «الشَّمائل)) (٣٨٥)، واستُدِلَّ به على أُجرة القَسّام. (١) أخرج مسلم هذا الحديث (١٧٦٠) من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، لكنه لم يسُق لفظَه، وأحال على لفظ مالك عن أبي الزناد، بقوله: نحوه، وليس في رواية مالك عنده ذکر الدرهم، لکن وقع ذکر الدرهم في رواية سفيان بن عيينة عند أحمد (٧٣٠٣)، فلعل الحافظ رحمه الله وقف على الرواية التي في ((المسند)) وتسمَّح بعزوها إلى مسلم، والله أعلم. على أنه سلف ذكرُ الدرهم في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك أيضاً عند البخاري برقم (٢٧٧٦) لكن ذَهِل عنه الحافظ رحمه الله. ٣٨٠ باب ٣ / ح ٣٠٩٩-٣١٠٥ فتح الباري بشرح البخاري ثانيها: حديث عائشة في قصَّة الشَّعير الذي كان في رَفِّها فكالَتْه ففَنِيَ، وسيأتي بسنده ومتنِهِ وشرحِه في الرَّقاق (٦٤٥١)، وتقدَّم الإلمام بشيءٍ من ذلك في ((باب ما يُستَحَبُّ من الكَيل)» أوائلَ البيوع (٢١٢٨). قال ابن المنِّر: وجه دخول حديث عائشة في التَّرجمة: أنَّها لو لم تَستَحِقَّ النَّفَقةَ بعدَ موتِ النبيِ وَِّ، لَأَخَذَ الشَّعيرَ منها. ٢١٠/٦ ثالثها: حديث أبي إسحاق - وهو السَّبيعي - عن عَمْرو بن الحارث: ما تَرَكَ النبي ◌ِّل إلَّا سلاحَه ... الحديثَ، وقد تقدَّم في الوصايا (٢٧٣٩)، وأنَّ شرحَه يأتي مُستَوَى في أواخرٍ المغازي (٤٤٦١). ووقع عند القابِسي في أوَّلِه: ((حدَّثنا يحيى عن سفيان)) فسقط عليه شيخ البخاري مُسدَّدٌ، ولا بُدَّ منه، نَّه عليه الجیّاني، ولو كان على ظاهرٍ ما عنده لأمكنَ أن یکون یحیی هو ابن موسى أو ابن جعفر، وسفيان: هو ابن عُيَينَ. ٣- باب ما جاء في بيوت أزواج النبيّ وَّ، وما نُسِب من البيوت إليهنّ وقولِ الله عزَّ وجل: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] و﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِّ إِلَّ .. أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ٣٠٩٩ - حدَّثنا حِبّانُ بنُ موسى ومحمَّدٌ، قالا: أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ ویونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُبَيَدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ وََّ قالت: لمَّا نَقُلَ رسولُ اللهِ وَِّاسْتَأْذَنَ أزواجَه أن يُمَرَّضَ في بيتي، فأنِنَّ له. ٣١٠٠- حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حذَّثنا نافعٌ، سمعتُ ابنَ أبي مُلَيكةً قال: قالت عائشةُ رضي الله عنها: تُوقِّيَ النبيُّ ◌َّ في بيتي، وفي نَوْبَتِي، وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وَمَعَ الله بينَ رِيقي ورِيقِهِ، قالت: دَخَلَ عبدُ الرَّحمن بسواكٍ، فضَعُفَ النبيُّ ◌َِّ عنه، فأخَذْتُهُ فَمَضَغْتُه، ثمَّ سَنَنتُه به. ٣١٠١- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حدَّثني اللَّثُ، قال: حدَّثني عبدُ الرّحمن بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عليٍّ بنِ حسينٍ، أنَّ صَفِيَّةَ زوجَ النّبِيِّ وَّرِ أخبَرَتْهُ: أنَّها جاءت رسولَ الله