Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ باب ١٩١ / ح ٣٠٧٥ كتاب الجهاد فقال جَدّي: إنّا نَرْجُو - أو نخافُ - أن نَلْقَى العدوَّ غداً وليس مَعَنا مُدَّى، أفتَذْبَحُ بالقَصَبِ؟ فقال: ((ما أنهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه، فكُلْ، ليس السِّنَّ والظَّفْرَ، وسأُحدِّثُكم عن ذلك: أمّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظَّفْرُ فمُدَى الحَبَشة)). قوله: ((باب ما يُكرَه من ذبح الإبل والغنم في المغانم)) ذكر فيه حديث رافع بن خَدِيج في ذَبحهم الإبلَ التي أصابوها لأجل الجوع، ونَصْبهم، وأمرِ النبيِّ بإكفاءِ القُدُور، وفيه قصَّة البعير الذي نَدَّ، وفيه السُّؤالُ عن الذَّبح بالقَصَب، وسيأتي الكلامُ على شرحِه مُستَوفَّى في كتاب الذَّبائح (٥٤٩٨)، وقد مضى في الشّركة (٢٤٨٨) وغيرها(١)، وموضع التَّرجمة منه أمره وَلّه بإكفاء القُدُور، فإنَّه مُشعِرٌ بكراهة ما صَنَعوا من الذَّبح بغير إذنٍ. وقال المهلَّب: إنَّما أكفأ القُدُورَ ليُعلَمَ أنَّ الغنيمةَ إنَّما يَستَحِقُونَها بعدَ قِسمَتِه لها، وذلك أنَّ القصّةَ وقعت في دار الإسلام، لقوله فيها: ((بذي الحُلَيفة)). وأجاب ابن المنيِّر بأنَّه قد قيل: إنَّ الذَّبحَ إذا كان على طريق التعدّي، كان المذبوح مَيْتَةً، وكأنَّ البخاري انتَصَرَ لهذا المذهب، أو حَلَ الإكفاءَ على العقوبة بالمال، وإن كان ذلك المال لا يَخْتَصُّ بأولئكَ الذين ذَبحُوا، لكن لمَّا تَعَلَّقَ به طَمَعُهم، كانت النِّكاية حاصلةً لهم. قال: وإذا جَوَّزْنا هذا النَّوع من العقوبة، فعقوبة صاحبِ المال في ماله أَولى، ومِن ثَمَّ قال مالك: يُراقُ اللَّبَنِ المغشوش ولا يُتْرَكُ لصاحبِه وإن زَعَمَ أنَّه ينتفعُ به بغير البيع، أدَباً له. انتهى. وقال القُرْطُبي: المأمُورُ بإكفائه إنَّما هو المرقُ، عقوبةً للَّذين تَعجَّلُوا، وأمَّا نفس اللَّحم فلم يُتْلَف، بل يُحمَلُ على أنَّه جُمعَ ورُدَّ إلى المغانم، لأنَّ النَّهيَ عن إضاعة المال تقدَّم، والجِنايةُ بطَبخِه لم تَقَعْ من الجميع، إذ من ◌ُلَتِهِم أصحابُ الخُمس، ومِن الغانمينَ مَن لم يباشر ذلك، وإذا لم يُنقَل أنَهم أحرَقُوه وأتلَفُوه، تَعيَّنَ تأويلُه على وَفْق القواعد الشَّرعية، ولهذا/ قال في الحُمُرِ الأهلية لمَّا أمَرَ بإراقَتِها: ((إنَّهَا رِجْس))، ولم يقل ذلك في هذه القصَّة، ١٨٩/٦ فدَلَّ على أنَّ لحومَها لم تُترَك بخلاف تلك، والله أعلم. (١) لم يمض إلَّا في الشركة في موضعين برقم (٢٤٨٨) و(٢٥٠٧). ٣٤٢ باب ١٩٢ - ١٩٣ / ح ٣٠٧٦ فتح الباري بشرح البخاري وسيأتي بيانُ ما أُبيحٌ للغازي من الأكل من المغانم ما داموا في بلاد العدوِّ في ((باب ما يصيبُ من الطَّعام في أرض الحرب)) في أواخرٍ فرض الخمس (٣١٥٣ -٣١٥٥). ١٩٢ - باب البِشارة في الفتوح ٣٠٧٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُّ المشَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني قيسٌ، قال: قال لي جَرِيرُ بنُ عبد الله عَظُه: قال لي رسولُ الله ◌ِّ: ((أَلَا تُرِيحُني من ذي الخَلَصةِ!)) وكان بيتاً فيه خَتْعَمُ يُسمَّى كَعْبَةَ اليَمَانيةِ، فانطَلَقْتُ في خمسينَ ومئةٍ من أَحمَسَ - وكانوا أصحابَ خيلٍ. فأخبَرَتُ النبيَّ وَّهِ أَنّ لا أثْبُتُ على الخيلِ، فضَرَبَ في صَدْري حتَّى رأيتُ أَثَرَ أصابعِه في صَدْري فقال: ((اللهمَّ ثَبِّتْه واجعَلْه هادياً مَهْدِيّاً))، فانطَلَقَ إليها فَكَسَرها وحَرَّقَها، فأرسَلَ إلى النبيِّ ◌َلَ يُّبِّرُه، فقال رسولُ جَرِيرٍ لرسول الله: يا رسولَ الله، والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، ما جِئْتُكَ حتَّى تَرَكْتُها كأنَّها جملٌ أجرَبُ، فبارَكَ على خيلِ أَحمَسَ ورجالها خمسَ مرَّاتٍ. قال مُسَّدٌ: ((بيتٌ فِي خَثْعَمَ)). قوله: ((باب البِشارة في الفُتُوح)) ذكر فيه حديث جَرِير في قصَّة ذي الخَلَصة. وسيأتي شرحه في أواخر المغازي (٤٣٥٥)، والمراد منه قوله في آخره: «فأرسَلَ إلى النبي ◌َِّ يُبَشِّرُه)». وقوله في آخرِهِ: ((قال مُسدَّد: بيت في خَثعَم)، يريدُ أن مُسدَّداً رواه عن يحيى القطَّان بالإسناد الذي ساقه المصنّفُ عن محمَّد بن المثنَّى عن يحيى، فقال بدلَ قوله: ((وكان بيتاً فيه خثعم)): ((بيتٌ فِي خَثعَم)) وهذه الرِّواية هي الصواب، وقد رواه أحمد في ((مُسنَده)) (١٩٢٠٤) عن يحيى فقال: ((بيتاً لخثعَم))، وهي موافقةٌ لرواية مُسدَّد. ١٩٣ - باب ما يُعطَى البشير وأعطَى كعبُ بنُ مالكٍ ثوبَينِ حين بُشِّرَ بِالتَّوْبة. قوله: ((باب ما يُعطَى للبشير، وأَعطى كعب بن مالك ثوبين حين بُشر بالتوبة)) يشير إلى حديثه الطويل في قصة تخلَّفه في غزوة تبوكَ، وسيأتي في المغازي (٤٤١٨)، وهو ظاهر فيما ترجمَ له، وسيأتي أن البشير هو سَلَمة بن الأكْوع. ٣٤٣ باب ١٩٤ / ح ٣٠٧٧ - ٣٠٨٠ كتاب الجهاد ١٩٤ - باب لا هجرة بعد الفتح ٣٠٧٧- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنَا شَيْبانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ نَّهِ يومَ فَتْح مكَّةَ: ((لا هِجْرةَ، ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا استُفِرتُم فانفِرُوا». ٣٠٧٨، ٣٠٧٩ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا يزيدُ بنُ زُرَيِعِ، عن خالدٍ، عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ، عن مُجاشِعِ بنِ مسعودٍ قال: جاء مُجاشِعٌ بأخيه مجالِد بنِ مسعودٍ إلى النبيِّ يَّ فقال: هذا ◌ُجالِدٌ يُبابِعُكَ على الهِجْرةِ، فقال: ((لا هِجْرةَ بعدَ فَتْح مكَّةَ، ولكن أَبايِعُه على الإسلام)). ٣٠٨٠- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو وابنُ جُرَيج: سمعتُ عطاءً ١٩٠/٦ يقول: ذهبتُ مع عُبيد بنِ عُمَير إلى عائشةَ رضي الله عنها وهي تُجاوِرةٌ بَشَبِيرٍ، فقالت لنا: انقَطَعَتِ الهِجْرةُ منذُ فَتَحَ اللهُ على نبيِّهِ مِكَّةً. [طرفاه في: ٣٩٠٠، ٤٣١٢] قوله: ((باب لا هِجْرةَ بعدَ الفتح)) أي: فتح مكَّةَ، أو المراد ما هو أعمُّ من ذلك، إشارةً إلى أنَّ حكم غير مكَّةَ في ذلك حكمها، فلا تجبُ الهجرةُ من بلدٍ قد فَتَحَه المسلمون، أمَّا قبلَ فتح البلدِ فمَن به من المسلمین أحدُ ثلاثة: الأوَّل: قادر على الهجرة منها لا يُمكِّنُه إظهارُ دينِه ولا أداءُ واجباته، فالهجرة منه واجبةٌ. الثَّاني: قادرٌ لكنَّه يُمكِنُه إظهارُ دينِهِ وأداءُ واجباته، فمُستَحَبَّة لتكثير المسلمين بها ومَعُونَتِهِم، وجهاد الكفَّار والأمنِ من غَدْرهم، والرّاحة من رُؤْية المنكَرِ بينهم. الثَّالث: عاجزٌ بعُذْرٍ من أسرٍ أو مرضٍ أو غيره، فَتَجُوزُ له الإقامةُ، فإن حَمَلَ على نفسِه وتَكلَّفَ الخروجَ منها، أُجِرَ. وقد ذكر المصنّفُ في الباب ثلاثةَ أحاديثَ: أحدها: حديث ابن عبّاس، وقد تقدَّم في ((باب وجوب النَّفير)) (٢٨٢٥) في أوائل الجهاد. ٣٤٤ باب ١٩٥ / ح ٣٠٨١ فتح الباري بشرح البخاري الثاني: حديث مُجاشِع بن مسعود، وقد تقدَّم في ((باب البيعة في الحرب)) (٢٩٦٢ و ٢٩٦٣). الثالث: حديث عائشة: ((انقَطَعَت الهجرة منذُ فتَحَ اللهُ علی نبیه مگَّة))، وسيأتي بأتمَّ من هذا السِّياق في («باب الهجرة إلى المدينة)) (٣٩٠٠) أوَّل المغازي. ١٩٥ - باب إذا اضطُرَّ الرجل إلى النَّظَر في شعور أهل الذِّمّة والمؤمناتِ إذا عَصَيْنِ اللهَ، وَجريدِهنَّ ٣٠٨١- حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَوْشَبِ الطائفيُّ، حدَّثْنَا هُشَيمٌ، أخبرنا حُصَينٌ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمن وكان عثمانيّاً، فقال لابنِ عَطِيَّةَ وكان عَلَوِيّاً: إنّي لَأَعلَمُ ما الذي جَرَّأَ صاحبَكَ على الدِّماءِ، سمعتُه يقول: بَعَثَنِي النبيُّ نَّهِ وَالزُّبَيرَ فقال: «ائْتُوا رَوْضةً كذا، وتَّجِدونَ بها امرأةً أَعطاها حاطِبٌ كتاباً)»، فَأَتينا الرَّوضةَ فقلنا: الكتابَ، قالت: لم يُعْطِنِي، فقلنا: لَتُخْرِجِنَّ أو لأُجَرِّدَنَّكِ، فأخرجَتْ من حُجْزَتِها، فأرسَلَ إلى حاطبٍ، فقال: لا تَعْجَلْ، والله ما كفرتُ ولا ازدَدْتُ للإِسلام إلا حُبّاً، ولم يكن أحدٌ من أصحابِكَ إلا وله بمكَّةَ مَن يَدْفَعُ اللهُ به عن أهلِهِ ومالِه، ولم يكن لي أحدٌ، فأحببتُ أن أَنَّخِذَ عندَهم يَداً، فصَدَّقَه النبيُّ ◌َّه فقال عمرُ: دَعْني أضْرِبْ عُنُقَه، فإِنَّه قد نافَقَ، فقال: ((ما يُدْرِيكَ لعلَّ اللهَ اطَّلَعَ على أهلِ بدرٍ فقال: اعمَلُوا ما شِئْتُم))، فهذا الذي جَرَّاه. ١٩١/٦ قوله: ((باب إذا اضْطُرَّ الرجل إلى النَّظَرِ في شُعُورِ أهلِ الدِّمَّةِ، والمؤمناتِ إذا عَصَينَ الله، وتجريدِهنَّ)) أوَرَدَ فيه حديث عليّ في قصَّة المرأة التي كَتَبَ معها حاطبٌ إلى أهل مكَّةً، ومُناسَبَتُه للتَرجمة ظاهرة في رُؤْية الشَّعر من قوله في الرِّوايات الأُخرى: ((فأخرجتْه مِن عِقَاصها)) وهي ذَوائبُها المضغورةُ، وفي التَّجريد من قول عليّ: (لَأُجَرِّدَنَّكِ))، وقد تقدَّم في (باب الجاسوس)) (٣٠٠٧) من وجهٍ آخرَ عن علي، ويأتي شرحه في تفسير سورة الممتَحنة (٤٨٩٠). وقوله في الإسناد: ((عن أبي عبد الرَّحمن)) هو السُّلَمي. ٣٤٥ باب ١٩٦ / ح ٣٠٨٢ -٣٠٨٣ كتاب الجهاد وقوله: ((وكان عثمانياً)) أي: يُقدِّمُ عثمانَ على عليّ في الفضل. وقوله: ((فقال لابن عَطيّة)) هو حِبّان، بكسر المهملة وبالموحّدة، على الصحيح كما سيأتي في استتابة المرتدِّينَ (٦٩٣٩). وقوله: ((وكان عَلَويّاً)) أي: يُقدِّمُ عليّاً في الفضل على عثمان، وهو مذهبٌ مشهورٌ لجماعةٍ من أهل السُّنَّة بالكوفة. قال ابن المنِّر: ليس في الحديث بيانُ هل كانت المرأة مسلمةً أو ذِمَّيَّةً، لكن لمَّا استَوى حكمُها في تحريم النَّظَرِ لغير حاجةٍ، شَمَلَهما الدَّليل. وقال ابن التِّين: إن كانت مُشِرِكة لم تُوافِقِ الثَرجمة؛ وأُجيبَ بأنّها كانت ذات عَهدٍ، فحكمُها حكمٌ أهل الدِّمَّة. وقوله: ((فأخرجت من حُجْزتها)) كذا هنا بحذف المفعول، وفي الأُخرى: ((فأخرجته))، والحُجْزة - بضمِّ المهمَلة وسكون الجيم بعدَها زاي ـ: مَعقِدُ الإزار والسَّراويل، ووقع في رواية القابسي: ((من حُزَّتها)) بحذفِ الجيم، قيل: هي لغةٌ عامّيةٌ، وتقدَّم في ((باب الجاسوس)) (٣٠٠٧): أنَّها أخرجته من عِقَاصها، وجُمعَ بينهما بأنَّها أخرجته من حُجَزَتِها فأخفَته في عِقاصها، ثمَّ اضطُرَّت إلى إخراجه أو بالعكس، أو بأن تكونَ عَقِيصتُها طويلة بحيثُ تَصِلُ إلى حُجَزَتِها، فَرَبَطَته في عَقيصَتِها وغَرَزَته بحُجْزتها، وهذا الاحتمال أرجَحُ. وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون معها كتابانٍ إلى طائفتين، أو المراد بالحُجزة العُقْدة مُطلَقاً، وتكونُ روايةُ العَقِيصة أوضحَ من رواية الحُجزة، أو المراد بالحُجْزَة الحبل؛ لأنَّ الحَجْزَ هو شَدُّ وسَط يَدَي البعير بحَبلِ ثمَّ يُخالَفُ فتُعقَدُ رجلاه، ثمَّ يُشَدُّ طرفاه إلى حَقْوَیه، ويُسمَّى أيضاً الحِجَاز. ١٩٦ - باب استقبال الغُزاة ٣٠٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ الأسوَدِ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع ومُميدُ بنُ الأسوَدِ، عن حبيبٍ ابنِ الشَّهيدِ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، قال ابنُ الزُّبَير لابنِ جعفرٍ رضي الله عنهم: أَتَذْكُرُ إذ تَلَقَّينا رسولَ اللهِ ﴿ أنا وأنتَ وابنُ عبَّاسٍ؟ قال: نعم، فحَمَلَنا وتَرَكَكَ. ٣٤٦ باب ١٩٦ / ح ٣٠٨٢ -٣٠٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ٣٠٨٣- حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا ابنُ عُيَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، قال: قال السائبُ بنُ يزيدَ ﴿: ذَهَبْنَا نَتَقَّى رسولَ اللهِوَ مِعَ الصِّبْيانِ إلى ثَنَّةِ الوَدَاعِ. [طرفاه في: ٤٤٢٦، ٤٤٢٧] قوله: ((باب استِقْبال الغُزاة)) أي: عند رجوعِهم. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن الأسوَد)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بن أبي الأسوَدِ)) وهو عبد الله ابن محمّد بن حُميد بن(١) الأسوَد، وحُميد جَدُّه يُكنَى أبا الأسود، وهو الذي قَرَنَه بيزيدَ بن زُرَيع، فنُسِبَ تارةً إلى جدِّه وأُخرى إلى جَدِّ أبيه، وما تَحُميد بن الأسوَدِ في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في تفسير سورة البقرة (٤٥٣٦)، وقَرَنَه فيه أيضاً بيزيد بن زُرَيع. وعبد الله شيخ البخاري يُكنى أبا بكر، وهو بها أشهَرُ، وكان من الحُفّاظ، وهو ابنُ أُخت عبد الرَّحمن ابن مَهْدي. قوله: ((قال ابن الزُّبَير لابن جعفر) كلٌّ منهما يُسمَّى عبد الله. ١٩٢/٦ قوله: ((قال: نعم، فحَمَلَنا وَتَرَكَك)) ظاهره أنَّ القائلَ: ((فحَمَلَنا)» هو عبد الله بن جعفر، وأنَّ المتروكَ هو ابن الزُّبير، وأخرجه مسلم (٢٤٢٧) من طريق أبي أسامة وابن عُلِيَّة كلاهما عن حَبيب بن الشَّهيد بهذا الإسناد مقلوباً، ولفظه: قال عبد الله بن جعفر لابن الزُّبير)) جَعَلَ المستَفْهِمَ عبدَ الله بن جعفر والقائل: ((فحَمَلَنا)) عبد الله بن الزُّبير، والذي في البخاري أصحّ، ويُؤيِّدُه ما تقدَّم في الحجِّ (١٧٩٨) عن ابن عبّاس قال: لمَّا قَدِمَ رسول الله ◌َّ مِكَّةَ استَقِبَلَته أُغَيلِمةٌ من بني عبد المطَّلِب، فحَمَلَ واحداً بين يديه وآخر خَلفَه))، فإنَّ ابن جعفر من بني عبد المطَّلِب بخلاف ابن الزُّبير، وإن كان عبد المطَّلِّب جَدَّ أبيه، لكنَّه جَدُّه لأمِّه، وأخرج أحمد (١٧٦٠) والنَّسائي (ك١٠٨٣٨) من طريق خالد بن سارَة عن عبد الله بن جعفر: أنَّ النبي ◌َِّ حَلَه خلفَه، وَمَلَ قُغَمَ بن عبَّاس بین یدیه. (١) لفظ ((بن)) سقط من (س). ٣٤٧ باب ١٩٧ / ح ٣٠٨٤ -٣٠٨٦ كتاب الجهاد وقد حكى ابن التِّين عن الدَّاوودي أنَّه قال: في هذا الحديث من الفوائدِ حِفظُ اليتيم؛ يشيرُ إلى أنَّ جعفر بن أبي طالب كان مات، فعَطَفَ النبيُّ ◌َّهِ على ولِدِه عبد الله فحَمَلَه بين يديه، وهو كما قال، وأغرَبَ ابنُ التِّين فقال: إنَّ في الحديث النصَّ بأنَّه وَّهِ حَمَلَ ابن عِبَّاس وابن الزُّبير ولم يَحمِل ابنَ جعفر، قال: ولعلَّ الدَّاوودي ظنَّ أنَّ قوله: ((فحَمَلَنا وتَرَكَك)) من كلام ابن جعفر، وليس كذلك. كذا قال، والذي قاله الدَّاوودي هو الظّاهرُ من سياق البخاري، فما أدري كيف قال ابن التِّين: إنَّه نصٌّ في خلافه، وقد نبَّه عِياضٌ على أنَّ الذي وقع في البخاري هو الصوابُ، قال: وتأويل رواية مسلم (٢٤٢٧) أن يُجْعَلَ الضَّميرُ في ((حَمَلَنَا)) لابن جعفر، فيكون المتروكُ ابنَ الزُّبیر. قال: ووقع على الصواب أيضاً عند ابن أبي شَيْبة (٣٤/٩ -٣٥) وابن أبي خَيْثمة وغيرهما. قلت: وقد روى أحمد (١٧٤٢) الحديث عن ابن عُليَّة، فبيَّن سببَ الوَهْم، ولفظه مِثلُ مسلم لكن زاد بعدَ قوله: ((قال: نعم)): ((قال: فحَمَلَنا)) قال أحمد: وحدَّثنا به مرَّةً أُخرى فقال فيه: ((قال: نعم، فحَمَلَنا)) يعني: وأسقَطَ ((قال)) التي بعدَ نعم. قلت: وبإثباتها توافقُ روايةَ البخاري، وبحذفِها تُخالفُها، والله أعلم. وفي حديث ابن جعفر أيضاً جواز الفَخْر بما يقعُ من إكرام النبي ◌ِِّ، وثبوت الصُّحبة له ولا بن الزُّبير - وهما متقاربانِ في السِّنِّ - وقد حَفِظا غيرَ هذا .. ثم ذكر المصنف حديث السائب بن يزيد في الملاقاة، وسيأتي في أواخرِ المغازي (٤٤٢٦ و٤٤٢٧)، ووقع لابن التِّين هنا في المراد بثَنَّة الوَدَاعِ شيء رَدَّه عليه شيخنا ابنُ المُلَقِّن، والصواب مع ابن الِّين. ١٩٧ - بابٌ ما يقول إذا رجع من الغزو ٣٠٨٤ - حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيَةُ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله ﴾: أنَّ النبيَّ وَلِّ كان إذا قَفَلَ كَبَّر ثلاثاً قال: «آيِبونَ إن شاءَ الله، تائبونَ، عابدونَ، حامدونَ، لربِّنا ساجدونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَه، ونَصَرَ عبدَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحده)). ٣٤٨ باب ١٩٧ / ح ٣٠٨٤-٣٠٨٦ فتح الباري بشرح البخاري ٣٠٨٥- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي إسحاقَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ◌َُ قال: كنَّا مع النبيِّ وَّهَ مَقْفَلَه من عُسْفانَ ورسولُ اللهِ وَِّ على راحلته، وقد أردَفَ صَفِيَّةَ بنتَ حُبَيٍّ، فَعَثَرَت ناقتُهُ فصُرِعا جميعاً، فاقتَحَمَ أبو طَلْحةَ فقال: يا رسولَ الله، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ((عليكَ المرأةَ))، فقَلَبَ ثَوْباً على وجهِه وأتاها، فألقاهُ عليها، وأصلَحَ لهما مَرَكَبَهما، فَرَكِيا، واكتَنَفْنا رسولَ الله وَّهِ، فلمَّا أَشَرَفْنا على المدينةِ قال: «آيِبونَ، تائبونَ، عابدونَ، لربِّنا حامدونَ))، فلم يَزَلْ يقول ذلك حتَّى دَخَلَ المدينةَ. ١٩٣/٦ ٣٠٨٦- حذَّثنا عليٌّ، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾ُ: أَنَّه أقبَلَ هو وأبو طَلْحَ مع النبيِّ وَّهِ، ومع النبيِّ ◌َ صَفِيَّةُ يُرِفُها على راحلِتِهِ، فلمَّا كان ببعضِ الطَّريقِ عَثَرَتِ الدابّةُ، فصُرِعَ النبيُّ نَّهِ والمرأةُ، وإنَّ أبا طَلْحَةَ؛ قال: أحسِبُ قال: اقْتَحَمَ عن بعيرِه، فأتى رسولَ الله وَلَ فقال: يا نبيَّ الله، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، هل أصابكَ من شيءٍ؟ قال: ((لا، ولكن عليكَ المرأةَ) فألقَى أبو طَلْحةَ ثوبَه على وجهِه فقَصَدَ قَصْدَها، فألقَى ثوبَه عليها، فقامَتِ المرأةُ، فشَدَّ لهما على راحلتِهِما فَرَكِيَا، فسارُوا، حتَّى إذا كانوا بظَهْرِ المدينةِ - أو قال: أشرفوا على المدينةِ - قال النبيُّ ◌َّهِ: ((آيِبونَ، تائبونَ، عابدونَ، لربِّنا حامدونَ))، فلم يَزَلْ يقولها حتَّى دَخَلَ المدينةَ. قوله: ((باب ما یقول إذا رجعَ من الغَزْو)» ذکر فیه حدیثین: أحدهما: حديث ابن عمر في قوله: ((آيِبونَ تائبونَ» الحديث، وقد تقدَّم شرحُه في أواخر الحجِّ (١٧٩٧). ثانيهما: حديث أنس في قصَّة وقوع صَفيَّة عن الناقة، أخرجه من وجهَين، الثَّاني منهما في رواية الكُشْمِيهنيّ وحدَه، وسيأتي شرحه في غزوة خيبرَ (٤١٩٧) إن شاء الله تعالى. وقوله فيه: ((كنَّا مع النبي ◌َّ مَقْفَلَه من عُسْفان)) قال الدِّمياطي: هذا وهمٌ؛ لأنَّ غزوة عُسْفان إلى بني لِحْيانَ كانت سنة ستٍّ، وإرداف صَفيّة كان في غزوة خيبرَ سنة سبعٍ، وجَوَّزَ بعضهم أن يكون في طريق خيبرَ مكانٌ يقال له: عُسفان، وهو مردودٌ، والذي يَظهَرُ أنَّ ٣٤٩ باب ١٩٨ -١٩٩ / ح ٣٠٨٧ - ٣٠٩٠ كتاب الجهاد الراوي أضافَ المَقفَل إلى عُسفان، لأنَّ غزوةَ خيبرَ كانت عَقِبَها، وكأنَّه لم يَعتَدَّ بالإقامة المتخلِّلة بين الغَزْوَتَين لتَقارُبهما، وهذا كما قيل في حديث سَلَمة بن الأكوع الآتي في تحریم المُتْعة في غزوة أوطاس (٥١١٧ و٥١١٨)، وإنَّما كان تحریم المتعة بمگَّةَ، فأضافها إلى أوطاس لتَقارُبهما، والعلمُ عند الله تعالى. ١٩٨ - باب الصلاة إذا قَدِم من سفرٍ ٣٠٨٧- حدَّثْنا سليمانُ بنُ حربٍ، حَّثنا شُعْبةُ، عن محارِب بنِ دِثَارٍ، قال: سمعتُ جابَرَ ابنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: كنتُ مع النبيِّ وََّ في سفرٍ، فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ قال لي: ((ادخُلِ المسجدَ فصَلِّ رَكْعتَین)). ٣٠٨٨- حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ مُرَيج، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ الله ابنِ كَعْبٍ، عن أبيه وعَمِّه عُبيدِ الله بنِ كعبٍ، عن كَعْبٍ ﴾: أنَّ النبيَّ وَِّ كان إذا قَدِمَ من سفرٍ ضُحِى دَخَلَ المسجدَ، فصَلَّى رَكْعَتَين قبلَ أن تَجلِسَ. قوله: ((باب الصلاة إذا قَدِمَ من سفرٍ» ذكر فيه حديث جابر في ذلك، وقد تقدَّم في أبواب الصلاة (٤٤٣)، وهو ظاهرٌ فيما ترجم له، وكذا الذي بعده، وحديث كعب بن مالك تقدَّم في الصلاة أيضاً، وهو طرفٌ من حديثه الطّويل (٤٤١٨). ١٩٩ - باب الطّعام عند القدوم ١٩٤/٦ وكان ابنُ عمرَ يُفطِرُ لمن يَغْشاه. ٣٠٨٩- حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا وَكِيعٌ، عن شُعْبةَ، عن مُحارِب بنِ دِنَار، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله وَِّ لِمَّا قَدِمَ المدينةَ نَحَرَ جَزُوراً أو بقرةً. زادَ معاذٌ، عن شُعْبةَ، عن مُحاربٍ، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله: اشْتَرَى مِنِّي النبيُّ ◌َِّهِ بعيراً بأُوْفِيَّتَين ودِرْهمِ أو دِرْهمَينِ، فلمَّا قَدِمَ صِراراً أمَرَ ببقرةٍ فذُبِحَت، فأكَلُوا منها، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ أمَرَني أن آتيَ المسجدَ فَأَصلِّيَّ رَكْعتَينٍ، ووَزَنَ لي ثَمَنَ البعيرِ. ٣٥٠ باب ١٩٩ / ح ٣٠٨٩ - ٣٠٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ٣٠٩٠- حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُحاربٍ بنِ دِثارٍ، عن جابرٍ قال: قَدِمْتُ من سفرٍ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((صَلِّ رَكْعَتَين)). صِرارٌ: موضعٌ ناحيةً بالمدينة. قوله ((باب الطَّعام عند القُدُوم)) أي: من السَّفَر، وهذا الطَّعام يقال له: النَّقيعة، بالنّون والقاف، قيل: اشتُقَّ من النَّفْع: وهو الغُبارُ، لأنَّ المسافرَ يأتي وعليه غُبَارُ السَّفَر، وقيل: النَّقيعة من اللَّبَن: إذا بَرَدَ، وقيل غير ذلك. قوله: ((وكان ابن عُمَر يُفطِرُ لمن يَغْشاه)) أي: لأجل مَن يَغْشاه، والأصلُ فيه أنَّ ابن عمر كان لا يصومُ في السَّفَرِ لا فرضاً ولا تَطُوُّعاً، وكان يُكثِرُ من صوم التطوُّع في الحَضَر، وكان إذا سافرَ أفطرَ، وإذا قَدِمَ صامَ إِمَّا قَضاءً إن كان سافرَ في رمضان، وإمَّا تَطوُّعاً إن كان في غيره، لكنَّه يُفطِرُ أوَّلَ قُدُومِه لأجل الذين يَغْشَونَه للسَّلام عليه، والتَّهِئة بالقُدُوم ثمَّ يصوم. ووقع في رواية الكُشْمِيهنيّ: (يصنع)) بدل ((يُفطِرُ)) والمعنى صحيحٌ، لكنَّ الأوَّلَ أصوَبُ، فقد وَصَلَه إسماعيلُ القاضي في كتاب ((أحكام القرآن)) من طريق أيوبَ عن نافع قال: كان ابن عمر إذا كان مقيماً لم يُفطِرِ، وإذا كان مسافراً لم يَصُم، فإذا قَدِمَ أفطَرَ أياماً لغاشیتِه ثمَّ يصوم. قال ابن بَطَّال: فيه إطعام الإمام والرَّئيسِ أصحابَه عند القُّدُوم من السَّفَر، وهو مُستَحَبٌّ عند السَّلَف، ويُسمَّى النَّقيعة، بنون وقاف وزن: عَظِيمة. ونَقَلَ عن المهلَّب: أنَّ ابن عمر كان إذا قَدِمَ مَن سفرٍ أطعَمَ مَن يأتيه ويُفطِرُ معهم ويَترُكُ قَضاءَ رمضان؛ لأنَّه كان لا يصومُ في السَّفَرِ، فإذا انتهى الطَّعامُ ابتَدَأْ قضاءَ رمضان. قال: وقد جاء هذا مُفسَّراً في كتاب ((الأحكام)) لإسماعيلَ القاضي. وتَعقَّبَه ابن بَطَّال بأنَّ الأثرَ الذي أخرجه إسماعيلُ ليس فيه ما اذَّعاه المهلَّب، يعني: من التَّقييد برمضان، وإن كان يتناولُه بعمومِه، وإنَّما حَلَ المهلَّبَ على ذلك ما جاء عن ابن عمر: أنَّه كان يقول فيمَن نَوَى الصومَ ثمَّ أفطَرَ: إنَّه مُتَلاعبُ، وأَنَّه دُعيَ إلى وليمةٍ فحَضَرَ ولم يأكل، واعتَذَرَ بأنَّه نوى الصوم، فاحتاجَ أن ٣٥١ باب ١٩٩ / ح ٣٠٨٩ - ٣٠٩٠ كتاب الجهاد يُقَيِّدَه بقَضاءِ رمضان، والحقُّ أنَّه لا يحتاجُ إلى ذلك إذا ◌ُلَ على الصُّورة التي ابتَدَأْتُ بها، وهو أنَّه لا ينوي الصومَ حينئذٍ بل يَقصِدُ الفِطرَ لأجل ما ذُكِرَ، ثمَّ يَستأنِفُ الصومَ تَطُوُّعاً کان أو قَضاءً، والله أعلم. ثم ذكر المصنف حديث جابر في قصَّة بيع جملِه من طريق محاربٍ عنه باختصار، ١٩٥/٦ والغَرَض منه قوله: فلمَّا قَدِمَ صِراراً أمَرَ ببقرةٍ فذُبِحَت فأكلوا منها ... الحديث. وصِرار: بكسر المهمَلة والتَّخفيف، ووَهِمَ مَن ذكره بمُعجَمة أوَّلَه، وهو موضعٌ بظاهر المدينة على ثلاثة أميالٍ منها من جِهَة المشرق. وقوله في أوَّلِ السَّنَد: ((حدَّثنا محمَّد)) هو ابن سَلَام، وقد حدَّث به عن وكيع، وممّن يُسمَّى محمَّداً من شيوخ البخاري: محمَّد بن المثنَّى، ومحمّد بن العلاء، وغيرهما، ولكن تَقرَّرَ أنَّ البخاري حيثُ يُطلِقُ محمَّداً لا يريدُ إِلَّ الذُّهْلي، أو ابن سَلَام، ويُعرَفُ تعيين أحدِهما من معرفة مَن يروي عنه، والله أعلم. وقوله: ((زاد معاذ)) أي: ابن معاذ العَنبَري، وهو موصولٌ عند مسلم (١١٥/١٥٩٩)، وأراد البخاري بإيراد طريق أبي الوليد الإشارةَ إلى أنَّ القَدْرَ الذي ذكره طرفٌ من الحديث، وبهذا يَندَفِعُ اعتراضُ مَن قال: إنَّ حديثَ أبي الوليد لا يطابقُ التَّرجمةَ، وأَنَّ اللّائقَ به الباب الذي قبله. والحاصلُ أنَّ الحديثَ عند شُعْبة عن محارِب، فروى وكيع طرفاً منه: وهو ذَبُ البقرة عند قُدُوم المدينة، وروى أبو الوليد وسليمان بن حرب عنه طرفاً منه: وهو أمرُه جابراً بصلاة ركعتَين عند القُدُوم، وروى عنه معاذ جميعَه وفيه قصَّة البعير وذِكْر ثمنه، لكن باختصار، وقد تابَعَ كلَّا من هؤلاءِ عن شُعْبة في سِياقه جماعةٌ. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الجهاد من أوَّلِه إلى هنا من الأحاديث المرفوعة على ثلاث مئة وستَّة وسبعينَ حديثاً، المعلَّق منها أربعونَ طريقاً، والبقيّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى مئتانِ وستَّة وستّونَ، والخالص مئة وعشرة أحاديثَ، وافَقَه مسلم على تخريجِها سوى حديث أبي هريرة: ((الجنَّة مئة درجة))، وحديثه: ((لولا أنَّ رجالاً))، وحديث جابر: ((اصطَبَحَ ٣٥٢ باب ١٩٩ / ح ٣٠٨٩ - ٣٠٩٠ فتح الباري بشرح البخاري ناسٌ الخمرَ))، وحديث المغيرة: ((بَلَّغَنا نبيّنا))، وحديث سَهْل بن حُنَيف في قول عمر، وحديث السائب بن يزيد عن طلحة، وحديث أنس عن أبي طلحة، وحديثه في قصَّة ثابت بن قيس، وحديث سَهْل في أسماءِ الخيل، وحديث أنس في العَضْباء لا تُسبَق، وحديث سعدٍ: ((إنَّما تُنصَرونَ بضُعَفائكم))، وحديث سَلَمة: ((ارموا وأنا مع ابن الأدرَع))، وحديث أبي أُسَيد: ((إذا أكثَبُوكم))، وحديث أبي أُمامة في حِلْية السُّيوف، وحديث ابن عمر: ((بُعِثت بين يَدَي الساعة))، وحديث ابن عبّاس في الدُّعاءِ ببدر، لكن أخرجه مسلم(١) (١٧٦٣) من طريقٍ أُخرى عن ابن عبّاس عن عمر، وحديث عَمْرو بن تَغْلِبَ في قتال التُّرك، وحديث أبي هريرة في التَّحريق، وحديث ابن مسعود فيما غَبَرَ من الدُّنيا، وحديث قيس بن سعد في التَّرجيل، وحديث العبّاس في الرّاية، وحديث جابر في التَّسبيح، وحديث أبي موسى: ((إذا مَرِضَ العبد))، وحديث ابن عمر في السَّيْر وحدَه، وحديث أبي هريرة في الأُسارى، وحديث ابن عبّاس مع عليّ، وحديث أبي هريرة في قصَّة قتل خُبَيب، وفيه حديثُ بنت عِياض، وحديث سَلَمة في عين المشركينَ، وحديث عمرَ في هُنيٍّ، وحديث عبد الله بن عَمْرو في قصَّة الغالِّ، وحديث السائب بن يزيد في المَلَاقاة. وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدَهم سبعة وعشرونَ أثراً. والله أعلم. (١) قوله: ((مسلم)) سقط من (س). ٣٥٣ ح ٣٠٩١ كتاب فرض الخمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب فَرْض الخُمُس ١٩٦/٦ قوله: ((بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم. كتاب فَرْضِ الخُمُس)) كذا وقع عند الإسماعيلي، وللأكثر ((باب))، وحَذَفَه بعضهم، وثبتت البسملةُ للأكثرِ. والخمس، بضمّ المعجمة والميم: ما يُؤخَذُ من الغنيمة، والمراد بقوله: ((فرض الخمس)) أي: وقت فرضه، أو كيفية فرضِه، أو ثبوت فرضِه، والجمهور على أنَّ ابتداءَ فرض الخمس كان بقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَّسُولِ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١]، وكانت الغنائمُ تُقْسَم على خمسة أقسام: فيُعْزَلُ خُمُسٌ منها يُصرَفُ فيمَن ذُكِرَ في الآية، وسيأتي البحث في مُستَحِقّيه بعدَ أبواب (٣١١٣)، وكان خُمُس هذا الخمس لرسول الله وَّةِ، واختُلِفَ فيمَن يَستَحِقُه بعدَه: فمذهبُ الشّافعي: أنَّه يُصرَفُ في المصالح، وعنه: يُرَدُّ على الأصناف الثّانية المذكورينَ في الآية، وهو قولُ الحنفية مع اختلافهم فيهم كما سيأتي، وقيل: يَخْتَصُ به الخليفة، ويُقْسَم أربعة أخماس الغنيمة على الغانمينَ إلَّ السَّلَب، فإنَّه للقاتل على الرّاجح كما سيأتي. وذكر المصنّف في الباب ثلاثةَ أحاديثَ: ٣٠٩١- حدَّثنا عَبْدَانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عليٌّ بنُ الحسينِ، أنَّ حسينَ بنَ عليٍّ عليهما السلام أخبَرَه، أنَّ عليّاً قال: كانت لي شارفٌ من نَصِيبي من المغْنَمِ يومَ بدٍ، وكان النبيُّ ◌َِّ أعطاني شارفاً من الخُمُسِ، فلمَّا أَرَدْتُ أن أبتَنَيَ بفاطمةَ بنت رسولِ اللهِ وَّهُ واعَدْتُ رجلاً صَوّاغاً من بني قَيْنُقَاعِ أن يَرَْحِلَ معي، فنأتيَ بإذْخِرٍ أَرَدْتُ أن أبِيعَه الصَّوّاغِينَ، وأستَعِينَ به في وَلِيمَةِ عُرْسِي، فبينا أنا أجمعُ لشارِفَيَّ مَتاعاً من الأقتاب والغَرائرِ والحِبال، وشارفاي مُناخَتانِ إلى جَنْبِ حُجْرةٍ رجلٍ من الأنصار، فرجَعتُ حین جَمَعْتُ ما جَمَعْتُ، فإذا شارِفَاي قد أُجِبَّت أسنِمَتُهما، ويُقِرَت خَواصرُهما، وأُخِذَ من أكْبادهما، ٣٥٤ ح ٣٠٩١ فتح الباري بشرح البخاري فلم أملِكْ عينَيَّ حين رأيتُ ذلك المنظَرَ منهما، فقلتُ: مَن فعلَ هذا؟ فقالوا: فعلَ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلِبٍ، وهو في هذا البيتِ في شَرْبٍ من الأنصار، فانطَلَقْتُ حتَّى أدخُلَ على النبيِّ ◌َِّ. وعندَه زيدُ بنُ حارثةَ - فَعَرَفَ النبيُّ ◌َّهِ فِي وَجْهي الذي لَقِيتُ، فقال النبيُّ ◌َّهَ: «ما لكَ؟)) فقلتُ: يا رسولَ الله، ما رأيتُ كاليومٍ قَطُ، عَدَا حمزةُ على ناقَتَيَّ فَأَجَبَّ أسنِمَتَهما، وبَقَرَ خواصِرَهما، وها هو ذا في بيتٍ معه شَرْبٌ. فَدَعَا النبيُّ ◌َّهِ برِدائه فارتَدَى، ثمَّ انطَلَقَ يَمْشي، واَّبَعْتُه أنا وزيدُ بنُ حارثةَ، حتَّى جاء البيتَ الذي فيه حمزةُ فاستَأذَنَ، فأذِنوا لهم، فإذا هم شَرْبٌ، فطَفِقَ رسولُ اللهِوَهِ يَلُومُ حمزةَ فيما فعلَ، فإذا حمزةٌ قد ثَمِلَ مُحْمَرَّةً عيناه، فَتَظَرَ حْزَةٌ إلى رسولِ الله ◌َِّ، ثمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إلى رُكْبَتَيْهِ، ثمَّ صَغَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إلى سُرَّتِه، ثمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إلى وجهِه، ثمَّ قال حمزةُ: هل أنتُم إلا عَبِيدٌ لأبي؟ فعَرَفَ رسولُ اللهٍِّ أَنَّه قد ثَمِلَ، فنكَصَ رسولُ الله ◌َِّ على عَقِبَيْهِ القَهْقَرَى، وخَرَجْنا معه. ١٩٩/٦ أحدها: حديث عليّ بن أبي طالب في قصَّة الشّارفَينِ. قوله: ((كانت لي شارِف من نصيبي من المغْنَمِ يومَ بدرٍ » الشّارف: المُسِنّ من النُّوقِ، ولا يقالُ للذَّكَرِ عند الأكثرِ، وحكى إبراهيم الحربي عن الأصمعي جوازَه، قال عياض: جمعُ فاعلٍ على فُعٍُ - بضمَّتین - قليل. قوله: ((وكان النبي ◌َّ أعْطاني شارِفاً من الخُمُس)) قال ابن بَطَّال: ظاهرُه أنَّ الخمسَ شُرِعَ يومَ بدر، ولم يختلف أهلُ السّير أنَّ الخمسَ لم يكن يومَ بدر، وقد ذكر إسماعيلُ القاضي في غزوة بني قُرَيظة قال: قيل: إنَّه أوَّلُ يوم فُرِضَ فيه الخمس، قال: وقيل: نزل بعدَ ذلك، قال: ولم يأتِ ما فيه بيان شافٍ، وإنَّما جاء صريحاً في غَنائم حُنَين. قال ابن بَطَّال: وإذا كان كذلك فيحتاجُ قولُ عليّ إلى تأويل. قال: ويُمكِنُ أن يكون ممّاً ذَكَرَ ابنُ إسحاق(١) في سَرِيَّة عبد الله بن جَحْش التي كانت في رَجَب قبلَ بدرٍ بشهرَينٍ، وإِنَّ (١) انظر ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٦٠٣. ٣٥٥ ح ٣٠٩١ كتاب فرض الخمس ابن إسحاق قال: ذكر لي بعضُ آل جَحْش أنَّ عبد الله قال لأصحابه: إنَّ لرسول الله وَله هماً غَنِمنا الخُمسَ، وذلك قبلَ أن يَفرِضَ الله الخمسَ، فعَزَلَ له الخمس، وقَسَم سائر الغنيمة بين أصحابه، قال: فوقع رِضا الله بذلك، قال: فيُحمَلُ قولُ عليّ: وكان قد أعطاني شارفاً من الخمس، أي: من الذي حَصَلَ من سريّة عبد الله بن جَحْش. قلت: ويُعكِّرُ عليه أنَّ في الرّواية الآتية في المغازي (٤٠٠٣): وكان النبي ◌َّ أعطاني ممّاً أفاءَ الله عليه من الخمس يومئذٍ، والعَجَب أنَّ ابن بَطَّال عَزا هذه الرّوايةَ لأبي داود، وجَعَلَها شاهدة لمَا تأوَّلَه، وغَفَلَ عن كَونِها في البخاري الذي شَرَحَه، وعن گونٍ ظاهرها شاهداً عليه لا له، ولم أقف على ما نَقَلَه عن أهل السّير صريحاً في أنَّه لم يكن في غنائم بدٍ ◌َْسُ (١)، والعَجَب أنَّه يُثبِتُ في غنيمة السَّرية التي قبل بدر الخمسَ، ويقول: إنَّ الله رضي بذلك، ويَنفيه في يوم بدرٍ مع أنَّ الأنفالَ التي فيها التَّصريح بفَرض الخُمس نزل غالبُها في قصَّة بدرٍ، وقد جَزَمَ الدَّاوودي الشّارحُ بأنَّ آية الخمس نزلت يوم بدر. وقال السُّبْكي: نزلت الأنفالُ في بدرٍ وغَنائمِها، والذي يَظهَرُ أنَّ آيَة قِسْمة الغنيمة نزلت بعدَ تَفرِقة الغنائم، لأنَّ أهل السّيرِ نَقَلوا أنَّه وَلِهِ قَسمَها على السَّواءِ وأعطاها لمن شَهِدَ الوَقْعة أو غابَ لعُذرٍ تكرُّماً منه، لأنَّ الغنيمةَ كانت أوَّلاً بنصٍّ أوَّل سورة الأنفال للنبيِ وَّ، قال: ولكن يُعكِّرُ على ما قال أهلُ السّير حديثُ عليّ، يعني حديثَ الباب، حيثُ قال: وأعطاني شارفاً من الخمس يومئذٍ(٢). فإنَّه ظاهرٌ في أنَّه كان فيها خَمْسٌ. قلت: ويحتملُ أن تكونَ قِسْمة غنائم بدر وَقَعَت على السَّواءِ بعدَ أن أُخرج الخُمسُ للنبي وَّةِ، على ما تقدَّم من قصَّة سَريَّة عبد الله بن جَحْش، وأفادت آية الأنفال ـ وهي قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ إلى آخرها - بيان مَصرِف الخُمس، لا مشروعيةَ أصل الْخَمْس، والله أعلم. (١) جاء في هامش (أ) ما يفيد أنه أراد هنا التعبير بالمصدر، فقال: تخميس. (٢) يعني: الرواية الآتية عند البخاري برقم (٤٠٠٣). ٣٥٦ ح ٣٠٩١ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا ما نَقَلَه عن أهل السّير فأخرجه ابن إسحاق(١) بإسنادٍ حسنٍ يُحْتَجُّ بمِثلِه عن عُبادة ابن الصَّامت قال: فلمَّا اختَلَفنا في الغنيمة وساءَت أخلاقُنا، انتَزَعَها الله منَّا، فجَعَلَها الرسولِهِ، فَقَسَمها على الناس عن بَوَاءِ (٢)، أي: على سواء، ساقه مُطوَّلاً، وأخرجه أحمد (٢٢٧٤٧) والحاكم (١٣٦/٢ و٣٢٦) من طريقِه، وصحَّحه ابن حِبّان (٤٨٥٥) من وجهٍ آخرَ لیس فیه ابن إسحاق. قوله: ((أبتَنَي بفاطمة)) أي: أدخُلَ بها، والبناء: الدُّخول بالزَّوجة، وأصلُه أنَّهم كانوا مَن أراد ذلك بُنيت له قُبَّة فخَلا فيها بأهلِه. واختُلِفَ في وقتِ دخول عليّ بفاطمة، وهذا الحديث يُشعِرُ بأنَّه كان عَقِبَ وقعة بدرٍ، ولعلَّه كان في شَوّالٍ سنة اثنتَيْنِ، فإنَّ وقعةَ بدر كانت في رمضان منها، وقيل: تَزَوَّجَها في السّنة الأُولى، ولعلَّ قائل ذلك أراد العَقدَ، ونَقَلَ ابن الجَوْزيّ أنَّه كان في صَفَرِ سنةَ اثنتَينِ، وقيل: في رَجَب، وقيل: في ذي الحِجَّة، قلت: وهذا الأخيرُ يُشبِهِ أن يُحمَلَ على شهر الدُّخول بها، وقيل: تأخّرَ دخوله بها إلى سنة ثلاث، فدَخَلَ بها بعدَ وقعة أُحد، حكاه ابن عبد البَرِّ، وفیه بُعْد. ٢٠٠/٦ قوله: ((واعَدْت رجلاً صَوّاغاً) بفتح الصَّاد المهمَلة والتَّشديدِ، ولم أقِفْ على اسمِه،/ ووقع في رواية ابن جُرَيج في الشِّربِ (٢٣٧٥): طابع بمُهمَلتَين وموخَّدة، وطالِعٌ بلام بدلَ الموحَّدة، أي: مَن يدلُّه ويُساعدُه، وقد يقالُ: إنَّه اسمُ الصَّائغ المذكورِ، كذا قال بعضهم، وفيه بعد. قوله: ((مُناخَتان)) كذا للأكثرِ، وهو باعتبار المعنى لأنَّهما ناقَتان، وفي روايةٍ كَرِيمةَ: مُناخَان، باعتبار لفظِ الشّارف. قوله: ((إلى جَنْبِ حُجْرةِ رجلٍ من الأنصار)) لم أقِفْ على اسمه. (١) انظر ((السيرة)) لابن هشام ١ / ٦٤٢. (٢) تصحف في (ع) إلى: نواء، وتحرف في (س) إلى: سواء، وجاء على الصواب في (أ) كما في ((السيرة النبوية)) لابن هشام. ٣٥٧ ح ٣٠٩١ كتاب فرض الخمس قوله: «فَرَجَعْتُ حین جَمَعْتُ ما جَمَعْتُ)) زاد في روایة ابن جُرَیج عن ابن شهاب في الشّربِ (٢٣٧٥): وحمزة بن عبد المطَّلِّب يشربُ في ذلك البيت - أي: الذي أناخَ الشّارفَين بجانبِه - ومعه قَيْنة - بفتح القاف وسكون التَّحتانية بعدَها نون: هي الجاريةُ المغَنّة - فقالت: ألا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النِّواء)) - والشُّرُفِ: جمع شارف كما تقدَّم، والنِّواء، بكسر النّون والمدِّ مخفَّفاً، جمعُ ناوية: وهي الناقةُ السَّمينة، وحكى الخطّابي أنَّ ابن جَرِير الطَّبَري رواه: ذا الشَّرَف، بفتح الشّينِ، وفَسَّرَه بالرِّفعة، وجَعَلَه صفةً لحمزة، وفَتَح نون النَّوى(١) وفَشَّرَه بالبُعدِ، أي: الشَّرَفِ البعيد، أي: مَنالُه بعيد، قال الخطّابي: وهو خطأٌ وتصحيفٌ. وحكى الإسماعيلي أنَّ أبا يعلى حدَّثه به من طريق ابن جُرَيج، فقال: الثِّواء، بالثَّاء المثَلَّة، قال: فلم يَضْبِطْه. ووقع في رواية القابسي والأَصِيلي: النِّوى بالقَصرِ، وهو خطأٌ أيضاً، وقال الدَّاوودي: النّوى: الخِبَاءِ(٢)، وهذا أفحَشُ في الغَلَط. وحكى المرزُباني في ((مُعجَم الشُّعَراءِ)) أنَّ هذا الشِّعرَ لعبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي جَدِّ أبي السائبِ المخزُومي المدني، وبقيّتُه: وهنَّ مُعَقَّلاتٌ بالفِناءِ ضَعِ السِّكّين في اللَّاتِ منها وضَرِّجْهنَّ حمزةُ بالدِّماءِ وعَجِّل من أطابِها لشَرْبٍ قَديداً من طَبيِخِ أو شِواءِ والشَّرْب - بفتح المعجمة وسكون الرّاءِ بعدَها موخَّدة ــ: جمعُ شارِب، کتاجٍ وتَجْرٍ، والفِناءِ بكسر الفاءِ والمدَّ: الجانبُ، أي: جانبُ الدَّار التي كانوا فيها، والقَديدُ: اللَّحمُ المطبوخ، والتَّضريجُ بِمُعجَمة وجيم: التَّلطيخ. (١) كذا ذكر النووي في ((شرح مسلم)) عند شرح الحديث (١٩٧٩) أن الطبري رواه بفتح النون مقصوراً. (٢) تصحفت في (س) إلى: الخباء، بالخاء المعجمة، وفي (ع) إلى: الحياء، وجاءت على الصواب في ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض ٣٣/٢، وفي ((عمدة القاري)) للعيني ٢١٨/١٢، حيث جاء فيهما ما نصُّه: وفسَّره الداوودي بالحِبَاء والكرامة. ٣٥٨ ح ٣٠٩١ فتح الباري بشرح البخاري فإن كان ثابتاً فقد عُرِف بعض المبهم في قوله: في شَرْبٍ من الأنصار، لكنَّ المخزُومي ليس من الأنصار، وكأنَّ قائل ذلك أطلقَه عليهم بالمعنى الأعمّ. وأراد الذي نَظَمَ هذا الشِّعرَ وأمَرَ القَينة أن تُغنّي به أن يَبعَثَ همَّة حمزةَ، لمَا عُرِفَ من كَرَمِه، على نَحر الناقتَين ليأكُلُوا من لحمِهما، وكأنَّه قال: انهَض إلى الشُّرُفِ فانحرها، وقد تَبَّن ذلك من بقيَّة الشِّعرِ. وفي قولها: للشُّرُف، بصيغة الجمع، مع أنَّه لم يكن هناك إلَّا ثِنتان، دلالة على جواز إطلاق صيغة الجمع على الاثنين، وقوله: يا حَزَ، تَرخيم، وهو بفتح الزّائِ، ويجوزُ ضمُّها. قوله: ((قد أُجِبَّت)) وقع مِثله في رواية عَنْبَسة في المغازي، وهو بضمّ أوَّله، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ هنا: قد جُبَّت، بضمِّ الجيم بغير ألِفٍ، أي قُطعت، وهو الصواب، وعند مسلم (٢/١٩٧٩) من طريق ابن وَهْب عن يونسَ: قد اجتُبْت، وهو صوابٌ أيضاً، والجَبُّ: الاستئصال في القطع. قوله: ((وأُخِذَ من أكْبادهما)) زاد ابن جُرَيج(١): قلت لابن شِهاب: ومِن السَّنام؟! قال: قد جَبَّ أسنمَتَهما، والسَّنام: ما على ظَهرِ البعير. وقوله: ((بَقَرَ)) بفتح الموحّدة والقاف، أي: شَقَّ. قوله: ((فلم أملِك عينيَّ حين رأيت)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: حيثُ رأيت، والمراد أنَّه بَكى من شِدَّة القَهرِ الذي حَصَلَ له، وفي رواية ابن جُرَيج (٢٣٧٥): رأيت مَنظَراً أفظَعَني، بفاءٍ وظاءٍ مُشالةٍ مُعجَمةٍ، أي: نزل بي أمر مُفظِعٍ، أي: مُخيف مَهُول، وذلك لتَصَوُّره تأخّرَ الابتناء بزوجَتِه بسبب فوات ما يُستَعانُ به عليه، أو خشية أن يُنسَبَ في حقِّها إلى تَقصيرٍ لا لمُجرّد فوات الناقتين. قوله: ((حتَّى أَدخُلَ)) كذا فيه بصيغة المضارع، مُبالَغة في استحضار صورة الحال. قوله: ((فِطَفِقَ يَلُومُ حمزة)) في رواية ابن جُرَيج (٢٣٧٥): فدَخَلَ على حمزة، فتَغَيَّظَ عليه. (١) سلفت برقم (٢٣٧٥). ٣٥٩ ح ٣٠٩١ كتاب فرض الخمس قوله: «هل أنتُم إلَّا عَبِيدٌ لأبي)» في رواية ابن جُرَيج (٢٣٧٥): لآبائي، قيل: أراد أنَّ أباه ٢٠١/٦ عبدَ المطَّلِب جَدٌّ للنبي وَّهِ ولعليّ أيضاً، والجَدُّ يُدعى سيِّداً، وحاصله أنَّ حمزة أراد الافتِخارَ عليهم بأنَّه أقرَبُ إلى عبد المطَّلِبِ منهم. قوله: ((القَهْتَرى)) هو المشيُّ إلى خَلف، وكأنَّه فعلَ ذلك خَشْية أن يزدادَ عَبَثُ حمزة في حال سُكْره، فَيَنْتَقِلَ من القول إلى الفعل، فأراد أن يكون ما يقعُ من حمزة بمَرأَى منه ليدفَعه إن وقع منه شيء. قوله: ((وخَرَجْنا معه)) زاد ابن جُرَيج (٢٣٧٥): وذلك قبلَ تحريم الخمر، أي: ولذلك لم يُؤَاخِذِ النبيُّ ◌َّهِ حمزة بقوله، وفي هذه الزّيادة رَدٌّ على مَن احتَجَّ بهذه القصَّة على أنَّ طَلاقَ السَّكرانِ لا يقعُ، فإِنَّه إذا عُرِفَ أنَّ ذلك كان قبلَ تحريم الخمرِ، كان تركُ المؤاخَذَة لكَونِه لم يُدخِل على نفسِه الضَّرَر، والذي يقول: يقعُ طَلَاقُ السَّكران، يَحَتَجُّ بأنَّه أدخَلَ على نفسِه السُّكْر، وهو مُحرَّمٌ عليه، فعُوقِبَ بإمضاء الطَّلاق عليه، فليس في هذا الحديث حُجَّةٌ لإثبات ذلك ولا نفيه. قال أبو داود: سمعت أحمد بن صالح يقول: في هذا الحديث أربع وعشرونَ سُنَّةً. قلت: وفيه أنَّ الغانمَ يُعطى من الغنيمة من جِهَتَين: من الأربعة أخماسٍ بحقّ الغنيمة، ومِن الخمس إذا كان ممَّن له فيه حقٌّ، وأنَّ لمالكِ الناقة الانتفاعَ بها في الحَمْل عليها. وفيه الإناخةُ على باب الغير إذا عُرِفَ رِضَاه بذلك وعَدَمَ تَضَرُّره به، وأنَّ البُكاءَ الذي يَجِلُبُهُ الحُزْنُ غيرُ مذمومٍ، وأنَّ المرءَ قد لا يَملِكُ دَمعَه إذا غَلَبَ عليه الغَيظ. وفيه ما رُكِّبَ في الإنسان من الأسَفِ على فوتِ ما فيه نَفعُه وما يحتاجُ إليه. وأنَّ استعداءَ المظلوم على مَن ظَلَمَه، وإخبارَه بما ظُلِمَ به خارجٌ عن الغيبة والنَّميمة. وفيه قَبُولُ خبرِ الواحد، وجوازُ الاجتماع في الشُّربِ المباح، وجوازُ تَناوُل ما يُوضَعُ بين أيدي القومِ، وجواز الغِناءِ بالمباح من القول، وإنشاد الشِّعرِ والاستماع من الأمَة، والتَّخَيُّر فيما يأكُلُه، وأكل الكَبِدِ وإن كانت دماً. ٣٦٠ ح ٣٠٩١ فتح الباري بشرح البخاري وفيه أنَّ السُّكْرَ كان مُباحاً في صَدرِ الإِسلام، وهو رَدٌّ على مَن زَعَمَ أنَّ السُّكرَ لم يُبَح قَطْ، ويُمكِن حَمْلُ ذلك على السُّكْرِ الذي يُفقَد معه الَّمييز من أصلِه. وفيه مشروعية وليمة العُرسِ، وسيأتي شرحها في النِّكاح (٥١٦٦). ومشروعية الصِّياغة والتَّكَسُّب بها، وقد تقدَّم في أوائل البيوع (٢٠٨٩)، وجواز جمع الإذخِر وغيره من المباحات والتَّكَسُّب بذلك، وقد تقدَّم في أواخرِ الشّربِ (٢٣٧٥)، وفيه الاستعانةُ في کلِّ صِناعةٍ بالعارفِ بها. قال المهلَّب: وفيه أنَّ العادةَ جَرَت بأنَّ جِنايةَ ذَوِي الرَّحِم مُغتَفَرةٌ. قلت: وفيه نظرٌ، لأَنَّ ابن شَبّةَ(١) روى عن أبي بكر بن عيَّاش: أنَّ النبي ◌َّ أَغرَمَ حمزةَ ثمنَ الناقَتَين(٢). وفيه عِلَّة تحريم الخمرِ، وفيه أنَّ للإمام أن يمضي إلى بيت مَن بَلَغَه أنَّهم على مُنكَرٍ ليغَيِّره. وقال غيره: فيه حِلُّ تَذكية الغاصب، لأنَّ الظّاهرَ أنَّه ما بَقَرَ خَواصرهما وجَبَّ أسْنِمَتَهما إلَّا بعدَ النَّذكية المعتَبَرة. وفيه سُنَّة الاستئذان في الدُّخول، وأنَّ الإذنَ للَّئيسِ يَشمَلُ أتباعَه، لأنَّ زيد بن حارثة وعليّاً دَخَلا مع النبي ◌ََّ، وهو الذي كان استأذَنَ فأذِنوا له. وأنَّ السَّكرانَ يُلامُ إذا كان يَعْقِلُ اللَّوم، وأنَّ للكبير في بيتِه أن يُلقي رِداءَه تخفيفاً، وأنَّه إذا أراد لقاء أتباعه يكون على أكمل هَيئَةٍ، لأنَّه وََّ لمَّا أراد أن يَخْرُجَ إلى حمزة أخَذَ رِداءَه. وأنَّ الصَّاحي لا ينبغي له أن يخاطبَ السَّكران، وأنَّ الذّاهبَ من بين يَدَي زائل العقل لا يُوَلّيه ظهرَه كما تقدَّم. وفيه إشارةٌ إلى عِظَم قَدْر عبد المطَّلِب، وجواز المبالَغة في المدح، لقول حمزة: هل أنتم إلَّا عَبِيدٌ لأبي! ومُرادُه كالعَبيد، ونُكْتَة التَّشبيه أنَّهم كانوا عنده في الخُضُوع له، وجواز تصرُّفِه في مالهم في حُكم العبيد. وفيه أنَّ الكلامَ يختلفُ باختلاف القائلينَ. (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: ابن أبي شَيْبة، وجاء على الصواب كما أثبتناه في شرح النووي على مسلم عند الحديث (١٩٧٩)، حيث قال: في كتاب عمر بن شبة من رواية أبي بكر بن عياش ... ، وكذلك جاء عند القرطبي في ((المفهم» ٢٤٩/٥. (٢) لكنه مرسلٌ، بل مُعضَل كما ترى فلا حجة فيه.