Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ باب ٧١ / ح ٢٨٨٨ - ٢٨٩٠ كتاب الجهاد وفي هذا الحديث فضلُ الأنصار، وفضلُ جَرِير وتَواضُعُه ومَحَبَّتُه للنبيِ وََّ، وهذا الحديث من الأحاديث التي أورَدَها المصنِّفُ في غير مَظِنَّتِها، وأليَقُ المواضع بها المناقب. الحديث الثاني: حديثُ أنسٍ أيضاً: ((خَرَجتُ مع رسول الله وَلَه إلى خيبرَ أخذُمُه)) وسيأتي بأتمَّ من هذا السِّياق بعدَ بابين (٢٨٩٣). الحديث الثالث: حديثُ أنسٍ أيضاً: وعاصمٌ: هو ابن سليمانَ، ومُورِّقٌ: بتشديد الرّاءِ المكسورة، وهما تابعيانِ في نَسَقٍ، والإسنادُ كلُّه بصریُّون. قوله: ((كنَّا مع النبي ◌َّ) زادَ مسلمٌ (١١١٩) من وجهٍ آخرَ عن عاصم: في سفرٍ، فمنَّا الصَّائمُ ومنّا المفطِرُ، قال: فنزلنا منزلاً في یوم حارٍّ. قوله: ((أكثرُنا ظِلَّا مَن يَسْتَظِلُّ بكِسائِه)) في رواية مسلم (١١١٩): وأكثرُنا ظِلّا صاحبُ الكِساء، وزادَ: ومنَّا مَن يَتَّقي الشمسَ بیدِه. قوله: ((فأمَّا الذين صاموا فلم يَصْنَعوا شيئاً)) في رواية مسلم: فسقط الصُّوّام؛ أي: عَجَزوا عن العمل. قوله: ((وأمَّا الذين أفطَرُوا فَبَعَثوا الرِّكابَ)) أي: أثاروا الإبل لِخِدمَتِها وسَقِها وعَلِفِها، وفي رواية مسلم (١١١٩): فضَرَبوا الأبنية وسَقوا الرِّكابَ. قوله: ((بالأجر)) أي: الوافر، وليس المراد نقص أجر الصُّوّام، بل المراد أنَّ المفطِرِينَ حَصَلَ لهم أجرُ عملهم ومِثْلُ أجرِ الصُّوّام لتَعاطِيهم أشغالهَم وأشغالَ الصُّوّام، فلذلك قال: ((بالأجرِ كلِّه)) لوجودِ الصِّفات المقتضية لتحصيل الأجرِ منهم، قال ابن أبي صُفْرة: فيه أنَّ أجرَ الِخِدْمة في الغَزْو أعظَمُ من أجرِ الصيام. قلت: وليس ذلك على العموم. وفيه الحضُّ على المعاونة في الجهاد، وعلى أنَّ الفِطرَ في السَّفَرِ أَولى من الصيام، وأنَّ الصيامَ فِي السَّفَرِ جائز خلافاً لمن قال: لا يَنعَقِدُ، وليس في الحديث بیانُ کَونِه إذ ذاكَ کان صومَ فرضٍ أو تطوُّع. ١٦٢ باب ٧٢ -٧٣ / ح ٢٨٩١ فتح الباري بشرح البخاري /٨٥ وهذا الحديث من الأحاديث التي أورَدَها المصنِّفُ أيضاً في غير مَظِنَّتِها، لكَونِه لم يَذكُرُه في الصيام واقتَصَرَ على إيراده هنا، والله أعلم. ٧٢ - باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر ٢٨٩١ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا عبدُ الرزّاق، عن مَعمَر، عن هنَّام، عن أبي هريرةَ ﴿ه، عن النبيِّ وَّه قال: ((كلُّ سُلَامَى عليه صَدَقةٌ كلَّ يومٍ: يُعِينُ الرجلَ في دابَّتِهِ يُحَامِلُه عليها أو يَرْفَعُ عليها مَتاعَه صَدَقةٌ، والكلمةُ الطِّةُ، وكلُّ خَطْوةٍ يَمْشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، ودَلُّ الطَّريقِ صَدَقةٌ)). قوله: ((باب فضل مَن ◌َلَ متاع صاحبه في السَّفَر» ذکر فیه حديث أبي هريرة، وهو ظاهرٌ فيما ترجم له؛ لأنَّه يتناولُ حالةَ السَّفَر من هذا الإطلاق بطريق الأَولى، والسُّلامىَ تقدَّم تفسيرُه في الصُّلح (٢٧٠٧) مع بعض الكلام عليه، ويأتي بَقيتُه بعدَ خمسينَ باباً في ((باب من أَخَذَ بالرِّكاب)» (٢٩٨٩). وقوله: ((حدَّثنا إسحاقُ بن نَصْرِ)) هو ابن إبراهيم بن نَصْر، نُسِبَ لجدِّه السَّعْدي، وهو بالمهمَلة الساكنة وفتح أوَّلِه، وقيل: بالضَّمِّ والمعجمة. وقوله: ((كلَّ يومٍ)) منصوب على الظَّرفية. و قوله: «یُعین)) یأتي توجيهُه. وقوله: ((يُحامِلُه) أي يُساعدُه في الرُّكوب وفي الحَمْل على الدَّابَّة. قال ابن بَطَّل: وبيَّن في الرِّواية الآتية في ((باب مَن أَخَذَ بالرُّكاب)) (٢٩٨٩) أنَّ المرادَ مَن أعانَ صاحبَ الدَّابَّة عليها حيثُ قال: ((ويُعِينُ الرجلَ على دابَتِه)) قال: وإذا أُجِرَ مَن فعل ذلك بدابَّة غيره، فإذا حَمَلَ غيرَه على دابَّة نفسِه احتساباً كان أعظمَ أجراً. وقوله: ((دَلُّ الطَّريق)) بفتح الدَّالّ، أي: بيانُه لمن احتاجَ إليه، وهو بمعنى الدّلالة. ٧٣- باب فضل رباط يوم في سبيل الله وقولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ٢٠٠]. ١٦٣ باب ٧٣ / ح ٢٨٩٢ كتاب الجهاد ٢٨٩٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُنِير، سمعَ أبا النَّضْرِ، حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ عبدِ الله بنِ دينارٍ، عن أبي حازمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدِ الساعِدِيُِّهِ، أَنَّ رسولَ الله وَّم قال: «رِباطُ يومٍ في سبیلٍ الله، خيرٌ مِن الدُّنْيا وما عليها، وموضعُ سَوْطِ أحدِكم مِن الجنَّةِ، خيرٌ مِن الدُّنْيا وما عليها، والرَّوْحَةُ يَرُوحُها العبدُ في سبيلِ الله أو الغَدْوةُ، خيرٌ مِن الدُّنْيا وما عليها)). قوله: ((باب فضل رِباط يوم في سبيلِ الله، وقول الله عزَّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواوَرَابِطُواْ﴾ الآية)) الرِّباطُ - بكسر الرّاء وبالموحّدة الخفيفة -: مُلازَمة المكان الذي بينَ المسلمين والكفَّار لحراسة المسلمين منهم، قال ابن التِّين: بشرطِ أن يكون غيرَ الوطن، قاله ابن حبیب عن مالك. قلت: وفيه نظرٌ في إطلاقه، فقد يكون وطنَه وينوي بالإقامة فيه دفعَ العدوّ، ومِن ثَمَّ اختارَ كثيرٌ من السَّلَفِ سُكْنى الثُّغُور، فبين المرابَطَة والحراسة عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ، واستدلالُ المصنّف بالآية اختيارٌ لأشهَرِ التَّفاسير، فعن الحسن البصري وقَتَادة: ﴿أَصْبِرُواْ﴾ على طاعة الله ﴿ وَصَابِرُواْ﴾ أعداءَ الله في الجهاد ﴿ وَرَابِطُواْ﴾ في سبيل الله. وعن محمَّدٍ بن كعبِ القُرَظي: / ﴿أَصْبِرُواْ﴾ على الطاعة ﴿وَصَابِرُواْ﴾ لانتظار الوَعْد ﴿وَرَابِطُواْ﴾ العدوَّ ٨٦/٦ ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ﴾ فيما بينَكم. وعن زيد بن أسلمَ: ﴿أَصْبِرُواْ﴾ على الجهاد ﴿وَصَابِرُوا ﴾ العدوّ ﴿وَرَابِطُواْ ﴾ الخيلَ. قال ابن قُتَيبةَ: أصلُ الرِّباطَ أن يَربِطَ هؤلاءِ خيلَهم وهؤلاءِ خيلَهم استعداداً للقتال، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ اُلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وأخرج ذلك ابن أبي حاتم وابن جَرِير وغيرهما، وتفسيرُه بِرِباط الخيل يَرجِعُ إلى الأوَّل. وفي «الموطَّأ)) (١٦١/١) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((وانتظارُ الصلاة فذلكُم الرِّباط))(١)، وهو في ((السُّنَن)) عن أبي سعيد(٢)، وفي ((المستدرَك)) (٢/ ٣٠١) عن أبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن (١) ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٨٠٢١)، ومسلم (٢٥١)، والنسائي (١٤٣). (٢) حديث أبي سعيد ليس فيه ذكرُ الرباط، وحديثه مخرج في ((سنن ابن ماجه)) (٤٢٧). ١٦٤ باب ٧٣ / ح ٢٨٩٢ فتح الباري بشرح البخاري ابن عوفٍ: أنَّ الآيةَ نزلت في ذلك، واحتَجَّ بأنَّه لم يكن في زمن رسول الله وَّهَ غَزْوٌ فيه ڕِباط. انتھی. وحَملُ الآية على الأوَّل أظهَرُ، وما احتَجَّ به أبو سَلَمة لا حُجَّةَ فيه، ولا سيَّما مع ثبوتِ حديث الباب، فعلى تقدير تسليم أنَّه لم يكن في عَهدِ رسول الله وَ ل﴿ رِباطٌ، فلا يمنعُ ذلك من الأمر به والتَّرغيب فيه، ويحتملُ أن يكون المرادُ كلَّا من الأمرَين، أو ما هو أعمُّ من ذلك، وأمَّا التَّقييدُ باليوم في التَّرجمة وإطلاقُه في الآية، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ مُطلَقَها يُقَيِّدُ بالحديث، فإنَّه يُشعِرُ بأنَّ أقلّ الرِّباط يومٌ لسياقه في مقام المبالغة، وذِكرُه مع موضع سَوطٍ يشيرُ إلى ذلك أيضاً. قوله: ((سمعَ أبا النَّضْرِ)) هو هاشم بن القاسم، والتقديرُ: أنَّه سمعَ، وهي تُحذَفُ من الخطِّ كثيراً. قوله: ((خير من الدُّنْيا وما عليها)) تقدَّم في أوائل الجهاد (٢٧٩٤) من حديث سَهْل بن سعدٍ هذا مختصراً بلفظ: ((وما فيها))، والتَّعبير بقوله: ((وما عليها)) أبلَغُ، وتقدَّم الكلامُ هناك على حديث الرَّوْحة والغَدْوة، وكذا على حديث: ((موضع سَوطِ أحدِكم)) لكن من حديث أنس (٢٧٩٦)، وسيأتي من حديث سَهْل بن سعد أيضاً في صفة الجنَّة (٣٢٥٠). ووقع في حديث سَلْمانَ عند أحمد (٢٣٧٣٥) والنَّسائي (٣١٦٧) وابن حِبّان (٤٦٢٣): ((رِباطُ يوم وليلةٍ خيرٌ من صيام شهر وقيامه))(١)، ولأحمد (٤٤٢) والتِّرمِذي (١٦٦٧) وابن ماجَهْ (٢٧٦٦) عن عثمان: ((رِباطُ يوم في سبيل الله خيرٌ من ألفٍ يوم فيما سواه من المنازل))، قال ابن بَزِيزةَ: ولا تَعارُضَ بينهما؛ لأنَّه يُحمَلُ على الإعلام بالزّيادة في الثَّواب عن الأوَّل، أو باختلاف العاملِينَ. قلت: أو باختلاف العمل بالنّسبة إلى الكَثْرة والقِلَّة ولا يعارضانِ حديث الباب أيضاً، لأنَّ صيامَ شهر وقيامَه خيرٌ من الدُّنيا وما عليها. (١) فات الحافظَ رحمه الله أن يعزوه إلى ((صحيح مسلم))، فهو فيه برقم (١٩١٣)، وأما حديث عثمان التالي ففى سنده مقال، وبذلك يندفع التعارض، والله أعلم. ١٦٥ باب ٧٤ / ح ٢٨٩٣ كتاب الجهاد ٧٤ - باب من غزا بصبيٍّ للخدمة ٢٨٩٣ - حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا يعقوبُ، عن عَمٍو، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، أنَّ النبيَّ ◌ِله قال لأبي طَلْحةَ: ((التَمِسْ غُلاماً من غِلْمانِكم يَخْدُمُني حتَّى أخرُجَ إلى خَيْرَ)) فخَرَجَ بي أبو طَلْحَةَ مُرْدِفي وأنا غلامٌ راهَقْتُ الحُلُمَ، فكنتُ أخذُمُ رسولَ الله وَّةِ إذا نزلَ، فكنتُ أَسمَعُه كثيراً يقول: «اللهمَّ إنّ أعوذُ بكَ مِن الهمّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، وضَلَعِ الدَّيْن وغَلَبَةِ الرِّجال)). ثمَّ قَدِمْنا خَيْرَ، فلمَّا فَتَحَ الله عليه الحِصْنَ ذُكِرَ له جمالُ صَفِيَّةً بنت حُبَيٍّ بنِ أخطَبَ - وقد قُتِلَ زوجُها، وكانت عَرُوساً - فاصطَفاها رسولُ اللهِوَِّ لنفسِهِ، فخَرَجَ بها حتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْباءِ حَلَّت، فبَنَى بها، ثمَّ صَنَعَ حَيْساً في نِطَعٍ صغيرٍ، ثمَّ قال رسولُ الله ◌َ ﴿: ((آذِنْ مَن حَوْلَكَ)) فكانت تلكَ وَلِيمَةَ رسولِ الله وَِّ على صَفِيَّةَ، ثمَّ خَرَجْنا إلى المدينةِ، قال: فرأيتُ رسولَ اللهِ وَّهَ يُحُوِّي لها وراءَه بعَباءةٍ، ثمَّ تَجلِسُ عندَ بعیرِه فيَضَعُ رُكْبتَه، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ/ رِجْلَها على رُكْبِهِ حتَّى تَرْكَبَ، فسِرْنا حتَّى إذا أشرَفْنا على المدينةِ نظرَ إلى أُحدٍ ٨٧/٦ فقال: ((هذا جبلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه) ثمَّ نظرَ إلى المدينةِ فقال: ((اللهمَّ إنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَيَها بِمِثْل ما حَرَّمَ إبراهیمُ مگَّةَ، اللهمَّ بارْ هم في مُدِّهم وصاعِهم». قوله: ((باب مَن غَزا بصبي للخِذْمة)) يشيرُ إلى أنَّ الصبي لا يخاطَبُ بالجهاد، ولكن يجوزُ الخروجُ به بطريق التَّبعية. ويعقوبُ المذكور في الإسناد: هو ابن عبد الرَّحمن الإسكندراني، وعمرٌو: هو ابن أبي عَمرِو مولى المطَّلِّب، وسأذكرُ مُعظَمَ شرحِه في غزوة خيبرَ من كتاب المغازي (٤١٩٩) إن شاء الله تعالى. وقد اشتَمَلَ على عدَّةٍ من أحاديث الاستعاذة، ويأتي شرحُها في الدَّعَوات (٦٣٦٣ و٦٣٦٩)، وقصَّةِ صفية بنت حُيَيّ والبناء بها، ويأتي شرح ذلك في النِّكاح (٥٠٨٥)، وقولِه وَل ◌َه الأُحد: «هذا جبلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّه))، وقولِه عن المدينة: ((اللهمَّ إنّي أُحرِّمُ ما بين لابَيَها)) وقد تقدَّم شرحُه في أواخر الحجِّ (١٨٦٩)، وقد تقدَّم من أصل الحديث شيءٌ يَتعلَّقُ بسَتْر العَوْرة في كتاب الصلاة (٣٧١)، لكنَّ ذلك القَدْرَ ليس في هذه الرِّواية. ١٦٦ باب ٧٥ / ح ٢٨٩٤ -٢٨٩٥ فتح الباري بشرح البخاري والغَرَضُ من الحديث هنا صَدرُه، وقد استُشكِلَ من حيثُ إنَّ ظاهرَه أنَّ ابتداءَ خِدمة أنس للنبي وَلَ﴾[ليس](١) من أوَّل ما قَدِمَ المدينةَ؛ لأنَّه صَحَّ عنه أنَّه قال: خَدَمتُ النبيِ وَلـ تسعَ سنينَ(٢)، وفي رواية: عشرَ سنينَ(٣)، وخيبرُ كانت سنةَ سبع، فيَلزَمُ أن يكون إِنَّمَا خَدَمَه أربعَ سنينَ، قاله الدَّاووديُّ وغيرُه، وأُجيبُ بأنَّ معنى قوله لأبي طلحةَ: ((التَمِسْ لي غُلاماً من غِلمانِكم)) تعيينُ مَن يَخْرُجُ معه في تلك السَّفرة، فعَيَّن له أبو طلحة أنساً، فيَنْحَطُّ الالتماسُ على الاستئذان في المسافَرة به، لا في أصل الخِدْمة، فإنَّها كانت مُتقدِّمةً، فيُجمَعُ بین الحدیثین بذلك. وفي الحديث جوازُ استخدام اليتيم بغير أُجرةٍ، لأنَّ ذلك لم يقع ذِكرُه في هذا الحديث، وحَملُ الصِّبيانِ في الغَزْو، كذا قاله بعضُ الشُّرَاحِ وتَبِعُوه، وفيه نظرٌ، لأنَّ أنساً حينئذٍ كان قد زادَ على خمسةَ عشرَ؛ لأنَّ خيبرَ كانت سنةَ سبع من الهجرة، وكان عمرُه عند الهجرة ثمانٍ سنينَ، ولا يَلزَمُ من عدم ذِكْرِ الأُجرة عدمُ وقوعِها. قوله: ((هذا جبلٌ يُحِبُّنًا ونُحِبُّه)) قيل: هو على الحقيقة، ولا مانعَ من وقوع مِثْل ذلك بأن يَخلُقَ الله المحبَّةَ في بعض الجمادات، وقيل: هو على المجاز، والمرادُ أهلُ أُحد، على حَدِّ قوله تعالى: ﴿ وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقال الشّاعر(٤). وما حُبُّ الدّيارِ شَغَفْنَ قلبي ولكنْ حُبُّ مَن سَكَن الدِّيارا ٧٥- باب ر کوب البحر ٢٨٩٤، ٢٨٩٥ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن يحيى، عن محمَّدِ بنِ يحيى بنِ حَبّانَ، عن أنسِ بنِ مالكِ ﴾ قال: حدَّثْني أُّ حَرَامٍ: أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ قال يوماً في بيتِها، فاستَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، قلت: يا رسولَ الله، ما يُضحِكُكَ؟ قال: ((عَجِبتُ من قومٍ من أمَّتي يَركَبونَ (١) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها النص، ولست في الأصلين و(س). (٢) أخرجه مسلم برقم (٢٣٠٩) (٥٣). (٣) أخرجه مسلم برقم (٢٣٠٩) (٥١). (٤) هو قيس بن الملوّح مجنون ليلى، وهو في «دیوانه)» ص١٦٥. ١٦٧ باب ٧٥ / ح ٢٨٩٤ -٢٨٩٥ كتاب الجهاد البحرَ، كالملوكِ على الأسِرَّة)) فقلتُ: يا رسولَ الله، ادْعُ اللهَ أن يجعلني منهم، فقال: ((أنتِ منهم)). ثُمَّ نامَ فاستَقَظَ وهو يَضْحَكُ، فقال مِثلَ ذلك مرَّتين أو ثلاثاً، قلتُ: يا رسولَ الله، ادْعُ اللهَ أن يجعلَني منهم، فيقول: ((أنتِ مِن الأَوَّلِينَ)). فتَزوَّجَ بها عُبَادةُ بنُ الصَّامتِ فخَرَجَ بها إلى الغَزْوِ، فلمَّا رَجَعَت قُرُّبَت دابّةٌ لِتَركَبَها، فوَقَعَت فاندَقَّتْ عُنُفُها. قوله: ((باب رُكُوب البحر)) كذا أطلقَ التَّرجمة، وخصوصُ إيراده في أبواب الجهاد يشيرُ ٨٨/٦ إلى تخصيصِه بالغَزْو، وقد اختَلَفَ السَّلَفُ في جواز رُكُوبه، وتقدَّم في أوائل البيوع(١) قولُ مَطَرِ الوَرّاق: ما ذكره الله إلَّ بحقٌّ، واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُسَبِّكُمْ فِىِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] (٢) وفي حديث زهير بن عبد الله يرفعُه: ((مَن رَكِبَ البحرَ إذا ارتَجَّ، فقد بَرِئَت منه الذِّمَّة))، وفي روايةٍ: ((فلا يَلُومُنَّ إلَّا نفسَه)) أخرجه أبو عُبيدٍ في ((غريب الحديث)) (٢٧٥/١)، وزهير مُخُتَلَفٌ في صُحبَتِه، وقد أخرج البخاري حديثَه في ((تاريخه)) (٤٢٦/٣) فقال في روايته: ((عن زهيرٍ عن رجلٍ من الصحابة)) وإسنادُه حسنٌ(٣)، وفيه تقييدُ المنع بالارتجاج، ومفهومُه الجواز عند عَدَمِه، وهو المشهورُ من أقوال العلماء، فإذا غَلَبَت السلامةُ فالبَرّ والبحرُ سواءٌ. ومنهم مَن فَرَّقَ بين الرجل والمرأة، وهو عن مالك، فمَنَعَه للمرأة مُطلَقاً، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ للجمهور، وقد تقدَّم قريباً (٢٧٨٨ ,٢٧٨٩) أنَّ أوَّلَ مَن رَكِبَه للغَزْو معاويةٌ ابنُ أبي سفيانَ في خلافة عثمان، وذكر مالكٌ: أنَّ عمر كان يمنعُ الناسَ من رُكُوب البحر حتَّى كان عثمانُ، فما زالَ معاوية يستأذنُه حتَّى أذِنَ له. قوله: ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري. وقد سبق الحديثُ قريباً (٢٨٧٧ و ٢٨٧٨)، وأنَّ شرحه سيأتي في كتاب الاستئذان (٦٢٨٢ و ٦٢٨٣). (١) تحت باب رقم (١٠): باب التجارة في البحر. (٢) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، فإن الآية التي استشهد بها هناك هي قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ،﴾ [فاطر: ١٢]. (٣) بل في الإسناد مقالٌ كما بيَّنَا في تعليقنا على الحديث في ((مسند أحمد)) (٢٠٧٤٩) و(٢٢٣٣٣). ١٦٨ باب ٧٦ / ح ٢٨٩٦ -٢٨٩٧ فتح الباري بشرح البخاري ٧٦ - باب من استعان بالضُّعفاء والصَّالحين في الحرب وقال ابنُ عبَّاسٍ: أخبرني أبو سفيانَ، قال: قال لي قَصَرُ: سألتُكَ: أشرافُ الناسِ أَّبَعُوه أم ضُعَفاؤُهم؟ فَزَعَمْتَ: ضُعَفاءَهم، وهم أتباعُ الرُّسُل. ٢٨٩٦- حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ طَلْحةَ، عن طَلْحةَ، عن مُصعَبٍ بنِ سعدٍ قال: رأى سعدٌ عُ أنَّ له فَضلاً على مَن دُونَه، فقال النبيُّ ◌َّ: «هل تُنصَرونَ وتُّرِزَقونَ إلا بضُعَفائكم». ٢٨٩٧ - حذَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، سمعَ جابراً، عن أبي سعيد الخُذْريِّ رضي الله عنهم، عن النبيِّ وَّه قال: ((يأتي زمانٌ يَغْزُو فِيَامٌ مِن الناسِ، فيقالُ: فيكم مَنْ صَحِبَ النبيَّ وََّ؟ فيقالُ: نعم، فيُفتَحُ عليه، ثمَّ يأتي زمانٌ فيقالُ: فيكم مَن صَحِبَ أصحابَ النبيِّ وَّ؟ فيقالُ: نعم، فيُفتَحُ، ثمَّ يأتي زمانٌ فيقالُ: فيكم مَن صَحِبَ صاحبَ أصحاب النبيِّ ◌ََّ؟ فيقالُ: نعم، فيُفتَحُ)). [ طرفاه في: ٣٥٩٤، ٣٦٤٩] قوله: ((بابُ مَن استَعانَ بالضُّعفاءِ والصَّالحينَ في الحرب)) أي: ببَرَكَتِهم ودُعائهم. قوله: ((وقال ابن عبّاس: أخبرني أبو سفيان)) أي: ابن حربٍ، فذكر طرفاً من الحديث الطَّويل، وقد تقدَّم موصولاً في بَدءِ الوحي (٧)، والغَرَضُ منه قوله في الضُّعَفاءِ: ((وهم أتباعُ الرُّسُل))، وطريق الاحتجاج به حِكايةُ ابن عبّاس ذلك وتقريرُه له. ثمَّ ذکر في الباب حدیثین: الأول: قوله: ((حدَّثْنا محمَّدُ بنُ طلحةَ)) أي: ابن مُصرِّفٍ. وقوله: ((عن طلحةً)) أي: ابن مُصرِّفٍ، وهو والدُ محمَّدٍ بن طلحةَ الراوي عنه، ومُصعَب بن سعد، أي: ابن أبي وَقَّاصٍ. وقوله: ((رأى سعدٌ)) أي: ابن أبي وَقَّاصٍ، وهو والد مُصعَب الراوي عنه، ثمَّ إنَّ صورةَ ١٦٩ باب ٧٦ / ح ٢٨٩٦ -٢٨٩٧ كتاب الجهاد هذا السِّياق مُرسَل، لأنَّ مُصعَباً لم يُدرِكْ زمان هذا القول، لكن هو محمولٌ على أنَّه سمعَ ذلك من أبيه، وقد وقع التَّصريحُ عن مُصعَبٍ بالرّواية له عن أبيه عند الإسماعيلي، فأخرجه من طريق معاذ بن هانئ،/ حدَّثنا محمَّد بن طلحة، فقال فيه: ((عن مُصعَب بن ٨٩/٦ سعد عن أبيه قال: قال رسول الله وَ﴿))، فذكر المرفوع دونَ ما في أوَّلِه، وكذا أخرجه هو والنَّسائي (٣١٧٨) من طريق مِسعَرٍ، عن طلحة بن مُصرِّف، عن مُصعَب، عن أبيه، ولفظُه: أنَّه ظنَّ أنَّ له فضلاً على مَن دونَه ... الحديث، ورواه عَمْرو بن مُرَّةَ عن مُصعَب بن سعد عن أبيه مرفوعاً أيضاً، لكنَّه اختصره، ولفظُه: ((يُنصَرُ المسلمون بدعاءِ المستَضعَفين))، أخرجه أبو نُعيم في ترجمته في ((الحِلية)) (١٠٠/٥) من رواية عبد السلام بن حربٍ، عن أبي خالد الدَّالاني، عن عَمْرو بن مُرَّةَ، وقال: غريبٌ من حديث عَمْرو، تَفرَّدَ به عبد السلام. قوله: ((رأى)) أي: ظنَّ، وهي روايةُ النَّسائي. قوله: ((على مَن دونَه)) زاد النَّسائي: ((من أصحاب رسول الله وَّ)) أي: بسبب شجاعَتِه ونحو ذلك. قوله: ((هل تُنصَرونَ وَتُرزَقونَ إلَّا بضُعَفائكم)) في رواية النَّسائي: ((إِنَّمَا نَصَرَ الله هذه الأمَّةَ بضَعَفَتِهِم بدَعَواتهم وصلاتهم وإخلاصهم)) (١)، وله شاهدٌ من حديث أبي الدَّرداءِ عند أحمد (٢١٧٣١) والنَّسائي (٣١٧٩) بلفظ: ((إنَّما تُنصَرونَ وتُرزَقونَ بِضُعَفائكم)). قال ابن بَطَّل: تأويلُ الحديث أنَّ الضُّعَفاءَ أشدُّ إخلاصاً في الدُّعاء، وأكثرُ خُشُوعاً في العبادة، لخَلاءِ قلوبهم عن التعلُّق بزُخرُفِ الدُّنيا. وقال المهلَّب: أراد ◌َّهِ بذلك حَضَّ سعدٍ على التَّواضُع ونفي الزَّهْوِ على غيره، وتَركِ احتقار المسلم في كلِّ حالةٍ، وقد روى عبد الرزّاق (٩٦٩١) من طريق مكحولٍ في قصّة سعد هذه زيادةً مع إرسالها، فقال: ((قال سعد: يا رسول الله، أرأيت رجلاً يكون حاميةً القوم، ويَدفَعُ عن أصحابه، أيكونُ نصيبُه كنصيبٍ غيره؟)) فذكر الحديثَ، وعلى هذا (١) ولفظه في المطبوع من النسائي: ((إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)). ١٧٠ باب ٧٧ / ح ٢٨٩٨ فتح الباري بشرح البخاري فالمراد بالفضل إرادةُ الزّيادة من الغنيمة، فأعلمَه وَّ أنَّ سِهامَ المقاتِلة سواءٌ، فإن كان القويُّ يَترجَّحُ بفضل شجاعتِهِ، فإنَّ الضَّعيفَ يَترجَّحُ بفضل دعائه وإخلاصه، وبهذا يَظْهَرُ السِّرُّ في تعقيب المصنِّ له بحديث أبي سعيدِ الثَّاني. قوله: ((عن عَمْروٍ)) هو ابن دینار، وجابر: هو ابن عبد الله، وروايتُه عن أبي سعيد من رواية الأقران. قوله: ((يَغْزُو فِتَامٌ)) بكسر الفاءِ ويجوزُ فتحُها، وبهمزةٍ على التَّحتانية ويجوزُ تسهيلُها، أي: جماعةٌ، وسيأتي شرحُه في علامات النبوَّة (٣٥٩٤) وفضائل الصحابة (٣٦٤٩). قال ابن بَطَّال: هو كقوله في الحديث الآخر(١): ((خيرُكم قَرْني، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثمَّ الذين يَلُونَهم))، لأنَّه يُفتَحُ للصَّحابة لفضلهم، ثمَّ للتّابعينَ لفضلهم، ثمَّ لتابعيهم الفضلهم، قال: ولذلك كان الصلاحُ والفضلُ والنَّصرُ للطَّبقة الرّابعة أقلّ، فكيف بمَن بعدَهم، والله المستعان. ٧٧- بابٌ لا یقول: فلانٌ شھیدٌ قال أبو هريرةَ: عن النبيِّ وَّهِ: ((الله أعلمُ بمَن يُجاهِدُ في سبيلِه، والله أعلمُ بمَن يُكلَمُ في سبیله)). ٢٨٩٨ - حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمن، عن أبي حازمِ، عن سَهْلٍ بنِ سعد الساعدِيِّ هِ: أنَّ رسولَ اللهَوَّهِ الْتَقَى هو والمشركونَ فاقتَتَلُوا، فلمَّا مَالَ رسولُ اللهِ وَّةِ إلى عَسْكَرِه ومالَ الآخَرونَ إلى عَسْكَرِهم، وفي أصحابٍ رسولِ الله ◌ِ ◌َّ رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذّةً ولا فاذّةً إلا اتَّبَعَها يَضْرِبُها بسيفِه، فقالوا: ما أجزَأَ منَّ اليومَ أحدٌ كما أجزَأَ فلانٌ، فقال رسولُ الله وَّ: ((أمَا إنَّه من أهلِ النار)) فقال رجلٌ مِن القوم: أنا صاحبُه، قال: فخَرَجَ معه كلَّما وَقَفَ وَقَفَ معه، وإذا أسرَعَ أسرَعَ معه، قال: فجُرِعَ الرجلُ جُرْحاً شديداً، فاستَعْجَلَ ٩٠/٦ الموتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سيفِه بالأرضِ وذُبابَهُ بينَ ثَذْيَيهِ، ثمَّ تَحَامَلَ على / سيفِه فقَتَلَ نفسَه، (١) سلف هذا الحديث عند البخاري برقم (٢٦٥١). ١٧١ باب ٧٧ / ح ٢٨٩٨ كتاب الجهاد فخَرَجَ الرجلُ إلى رسولِ الله وَّ فقال: أشهَدُ أَنَّكَ رسولُ الله، قال: ((وما ذاكَ؟)) قال: الرجلُ الذي ذَكَرْتَ آنِفاً أنَّه من أهلِ النار، فأعظَمَ الناسُ ذلك، فقلتُ: أنا لكم به، فخرجتُ في طَلَبِهِ، ثمَّ جُرِحَ جُرْحاً شديداً، فاستَعْجَلَ الموتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سيفِه في الأرضِ وذُبابَهُ بينَ تَذْيَيه، ثمَّ تَحَامَلَ عليه فقَتَلَ نفسَه، فقال رسولُ اللهِوَّهِ عندَ ذلك: ((إنَّ الرجلَ لَيعملُ عملَ أهلِ الجنَّةِ فيما يَبْدُو للناسِ، وهو من أهلِ النارِ، وإنَّ الرجلَ لَيعملُ عملَ أهلِ النارِ فيما يَبْدُو للناسِ، وهو من أهلِ الجنَّة)». [أطرافه في: ٤٢٠٢، ٤٢٠٧، ٦٤٩٣، ٦٦٠٧] قوله: ((بابٌ لا يقالُ: فلان شهيدٌ)) أي: على سبيل القطع بذلك إلَّا إن كان بالوحي، وكأنَّه أشارَ إلى حديث عمرَ أنَّه خَطَبَ فقال: تقولونَ في مَغازِيكم: فلانٌ شهيدٌ، ومات فلانٌ شهيداً، ولعلَّه قد يكون قد أوقَرَ راحلتَه، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قُولوا كما قال رسول الله وَّهِ: ((مَن مات في سبيل الله أو قُتِلَ، فهو شهيدٌ))، وهو حديثٌ حسنٌ أخرجه أحمدُ (٢٨٥) وسعيد بنُ منصور (٥٩٥) وغيرُهما من طريق محمَّد بن سِيرِينَ عن أبي العَجْفاءِ - بفتح المهملة وسكون الجيم ثمَّ فاء - عن عمرَ، وله شاهدٌ في حديثٍ مرفوع أخرجه أبو نُعيم(١) من طريق عبد الله بن الصَّلتِ عن أبي ذرِّ قال: قال رسول الله وَّ: ((مَن تَعُدّونَ الشَّهيدَ؟ قالوا: مَن أصابه السِّلاحُ قال: كم مَن أصابه السِّلاحُ وليس بشهيدٍ ولا حَميدَ، وكم مَن مات على فراشه حَتْفَ أنفه عند الله صِدّيقٌ وشهيدٌ)) وفي إسناده نظر، فإنَّه من رواية عبد الله بن خُبَيَقٍ - بالمعجمة والموخَّدة والقاف، مُصغَّر - عن يوسف بن أسباطٍ الزّاهدِ المشهور، وعلى هذا فالمراد النَّهيُ عن تعيين وَصْفٍ واحدٍ بعينِه بأنَّه شهيد، بل يجوزُ أن يقال ذلك على طريق الإجمال. قوله: ((قال أبو هريرة عن النبي ◌ِّ: الله أعلمُ بمَن يُجَاهِدُ في سبيلِهِ، والله أعلمُ بمَن يُكلَمُ في سبيلِه)) أي: يُجرَحُ، وهذا طرف من حديثٍ تقدَّم في أوائل الجهاد (٢٧٨٧) من طريق سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة باللَّفْظ الأوَّل، ومن طريق الأعرج (٢٨٠٣) عنه باللَّفْظ (١) في ((حلية الأولياء)) ٢٥١/٨. ١٧٢ باب ٧٧ / ح ٢٨٩٨ فتح الباري بشرح البخاري الثَّاني، ووجه أخذِ التَّرجمة منه يَظهَرُ من حديث أبي موسى الماضي (٢٨١٠): ((مَن قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُليا، فهو في سبيل الله))، ولا يُطَّلِعُ على ذلك إلَّا بالوحي، فمَن ثَبَتَ أنَّه في سبيل الله أُعطي حكمَ الشَّهادة، فقوله: ((واللهُ أعلم بمَن يُكلَمُ في سبيلِه)) أي: فلا يعلمُ ذلك إلَّا مَن أعلمَه الله، فلا ينبغي إطلاقُ كَونِ كلّ مقتول في الجهاد أنَّه في سبيل الله. ثم ذكر المصنف حديث سَهْل بن سعد في قصَّة الذي بالَغَ في القتال حتَّى قال المسلمون: ما أجزَأ أحدٌ ما أجزَأ، ثمَّ كان آخرَ أمره أن قتل نفسَه، وسيأتي شرحه مُستَوفَى في المغازي (٤٢٠٢) حيثُ ذكره المصنِّف، ووجه أخذِ التَّرجمة منه أنَّهم شَهِدوا برُجْحانِهِ في أمرِ الجهاد، فلو كان قُتِلَ لم يمتنع أن يَشْهَدوا له بالشَّهادة، وقد ظَهَرَ منه أنَّه لم يقاتل لله، وإنَّما قاتَلَ غَضَباً لقومِه، فلا يُطلَقُ على كلّ مقتولٍ في الجهاد أنَّه شهيدٌ، لاحتمال أن يكون مِثلَ هذا، وإن كان مع ذلك يُعطَى حكمَ الشُّهَداءِ في الأحكام الظّاهرة، ولذلك أطبَقَ السَّلَف على تسمية المقتولينَ في بدرٍ وأُحد وغيرهما شُهَداء، والمراد بذلك الحكمُ الظّاهر المبنيُّ على الظَّنِّ الغالب، والله أعلم. وروى سعيد بن منصور (٢٤٩٤) بإسنادٍ صحيحٍ عن مجاهدٍ قال: لمَّا خرج رسولُ الله وَّةٍ إلى تَبُوكَ قال: ((لا يَخْرُجُ مَعَنا إلَّا مُقْوِ(١)) فخَرَجَ رجلٌ على بَكْرٍ ضعيف فوُقِصَ فمات، فقال الناس: الشَّهيدُ الشَّهيدُ، فقال رسول الله وَلا ت: ((يا بلال، نادِ: إِنَّ الجنَّةَ لا يَدخُلُها عاصٍ». وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الشَّهيدَ لا يَدخُلُ النارَ؛ لأنَّهِ وَِّ قال: ((إنَّه من أهل النار)) ولم يَتَبَّن ٩١/٦ منه إلَّا قتلَ نفسِه، / وهو بذلك عاصٍ لا كافر، لكن يحتملُ أن يكون النبيِ نَّهِ الطَّلَعَ على كفره في الباطن، أو أنَّه استَحَلَّ قتلَ نفسِه، وقد يُتَعجَّبُ من المهلَّب حيثُ قال: إن حديثَ الباب ضِدُّ ما ترجم به البخاري لأنَّه قال: ((لا يقال: فلانَ شهيد))، والحديث فيه ضِدُّ الشَّهادة! وكأنَّه لم يَتأمَّل مُرادَ البخاري، وهو ظاهرٌ كما قَرَّرتُه بحمد الله تعالى. (١) أي: ذو دابّة قوية، وقد تحرَّفت في الأصلين و(س) إلى: مقوى، وانظر ((النهاية في غريب الحديث)) مادة (قوا). ١٧٣ باب ٧٨ / ح ٢٨٩٩ كتاب الجهاد ٧٨- باب التحريض على الرَّمْي وقولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ٢٨٩٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، قال: سمعتُ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ ◌َ﴾ قال: مَرَّ النبيُّ وَّه على نَفَرِ من أسلَمَ يَنْتَضِلونَ، فقال النبيِّ ◌َل: ((ارمُوا بني إسماعيلَ، فإنَّ أباكُم كان رامياً، ارمُوا وأنا معَ بني فلانٍ)) قال: فأمسَكَ أحدُ الفَرِيقَين بأيدِيهم، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((ما لكم لا تَرْمُونَ؟» قالوا: كيفَ نَرْمي وأنتَ معهم؟ قال النبيُّ ◌َّهِ: ((ارمُوا فَأَنَا مَعَكم كلّكم)). [طرفاه في: ٣٣٧٣، ٣٥٠٧] قوله: ((باب التَّحْريض على الرَّمْي، وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية)) لَمَّحَ بما جاء في تفسير القُوَّة في هذه الآية أنَّهَا الرَّميُّ، وهو عند مسلم (١٩١٧ و١٩١٨) من حديث عُقْبةَ بن عامرٍ ولفظُه: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقول وهو على المِنتَرِ:(﴿ وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ ألَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّميُّ)) ثلاثاً، ولأبي داود (٢٥١٣) وابن حِبّان(١) من وجهٍ آخرَ عن عُقْبةَ بن عامر رَفَعَه: ((إنَّ الله يُدخِلُ بالسَّهم الواحد ثلاثةً الجنَّةَ: صانعَه يَحَتَسِبُ في صَنعَتِه الخيرَ، والرّامي به، ومُنبِلَه، فارموا واركَبوا، وأن تَرمُوا أحَبُّ إليَّ من أن تَركَبُوا)) الحديث، وفيه: ((ومَن تَرَكَ الرَّمي بعدَ ما عَلِمَه رَغْبةً عنه، فإنها نِعمة كفرَها))، ولمسلم (١٩١٩/ ١٦٩) من وجهٍ آخرَ عن عُقْبةَ رَفَعَه: ((مَن عَلِمَ الرَّمَيَ ثمَّ تَرَكَه فليس منَّا، أو فقد عصى))، ورواه ابن ماجَهْ (٢٨١٤) بلفظ: (فقد عَصَاني)). قال القُرْطُبي: إِنَّمَا فسَّرَ القُوَّةَ بالرَّمي وإن كانت القُوَّةُ تَظهَرُ بإعداد غيره من آلات (١) لم نقف عليه في المطبوع من ابن حبان، ولم يخرجه هو أيضاً في كتابه («إتحاف المهرة)) (١٣٨٩٣)، والحديث عند أحمد أيضاً في «مسنده)) (١٧٣٢٠). ١٧٤ باب ٧٨ / ح ٢٨٩٩ فتح الباري بشرح البخاري الحرب، لكون الرَّمي أشدَّ نِكايةً في العدوِّ وأسهلَ مُؤنةً؛ لأنَّه قد يَرمي رأسَ الكَتيبة فيُصابُ فينهزم مَن خَلفَه. وذكر المصنِّفُ في الباب حديثين: أحدهما: حديث سَلَمة بن الأكوع. قوله: ((مَرَّ النبي ◌ََّ على نَفَرِ من أسلَمَ)) أي: من بني أسلَمَ القبيلة المشهورة، وهي بلفظ أَفْعَلِ التَّفضيل، من السَّلامة. قوله: ((يَنْتَضِلونَ)) بالضَّاد المعجَمة، أي: يَتَرامَونَ، والتََّاضُلِ(١): التَّرامي للسَّبق، ونَضَلَ فلانٌ فلاناً: إذا غَلَبَه. قوله: ((وأنا مع بني فلان)) في حديث أبي هريرة في نحوِ هذه القصَّة عند ابن حِبّان (٤٦٩٥) والبَزّار (٢): ((وأنا مع ابن الأدرَع)) انتهى، واسم ابن الأدرَع مِحجَنٌ، وقع ذلك من حديث حمزة بن عَمْرو الأسلمي في هذا الحديث عند الطبراني (٢٩٨٩) قال فيه: ((وأنا مع مِحِجَنٍ بن الأدرَع))، ومثلُه في مُرسَل عُرْوةَ أخرجه السَّاجُ عن قُتَيبَةَ عن ابن لَهِيعةً عن أبي الأسوَدِ عنه، وهو صحابي معروفٌ له حديثٌ آخرُ في «الأدبِ المفرِد)» (٣٤١) للبخاري، وفي أبي داود (٩٨٥) والنَّسائي (١٣٠١) وابن خُزَيمةَ (٧٢٤)، وقيل: اسمُ ابن الأدرَع سَلَمةُ، حكاه ابن مَندَهْ قال: والأدرَعُ لقبٌ، واسمه ذَكْوانُ، والله أعلم. ٩٢/٦ قوله: ((قالوا: كيف نَرْمي وأنتَ معهم؟)) اسم قائل ذلك منهم نَضْلةُ الأسلَمي، ذكره ابن إسحاق في ((المغازي)) عن سفيانَ بن فَرْوة الأسلَمي عن أشياخِ من قومِه من الصحابة قالوا: بَيْنا مِحجَنُ بنُ الأدرع يُناضلُ رجلاً من أسلَمَ يقال له: نَضْلةُ ... فذكر الحديث، وفيه: فقال نَضْلةُ - وألقى قوسَه من يدِه -: والله لا أَرمي معه وأنتَ معه. (١) في (أ) و(ع): والنِّضال. (٢) لم يخرج البزار هذه القطعة من الحديث، وإنما أخرج أوله فقط برقم (٨٠٢٤): أن النبي ◌َّ مَّ على ناس یرمون فقال: «ارمُوا بني إسماعيل، فإن أباکم کان رامیاً». ١٧٥ باب ٧٨ / ح ٢٩٠٠ كتاب الجهاد قوله: ((وأنا معكم كلِّكم)) بكسر اللّام، ووقع في رواية عُرْوة: ((وأنا مع جماعَتِكم))، والمراد بالمعيّة معيَّةُ القَصدِ إلى الخير، ويحتملُ أن يكون قامَ مقامَ المخَلِّل، فيُخرَجِ السَّبَقُ من عندِه أو لا يخرجَ كما تقدَّم، ولا سيّما وقد خَصَّه بعضُهم بالإمام. قال المهلَّب: يُستَقادُ منه أنَّ مَن صار السُّلطان عليه في جُملة المناضلينَ، له أن لا يتعرَّض لذلك كما فعلَ هؤلاءِ القومُ حيثُ أمسَكُوا لِكَونِ النبيِ وَ لِّ مع الفريق الآخر، خَشْبةَ أن يَغْلِبُوهم فيكون النبي وَِّ مع مَن وقع عليه الغَلَب، فأمسكوا عن ذلك تأذُّباً معه. انتهى، وتُعقّبَ بأنَّ المعنى الذي أمسكوا له لم يَنحَصِر في هذا، بل الظّاهرُ أنَّهم أمسَكوا لمَّا استَشْعَروا من قُوَّة قلوب أصحابهم بالغَلَبة حيثُ صار النبي وَّ معهم، وذلك من أعظم الوجوه المشعِرة بالنَّصْرِ. وقد وقع في رواية حمزةَ بن عَمْرو عند الطبراني (٢٩٨٩): فقالوا: مَن كنتَ معه فقد غَلَبَ، وكذا في رواية ابن إسحاق: فقال نَضْلةُ: لا نَغِلِبُ مَن كنتَ معه. واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ اليمن من بني إسماعيلَ، وفيه نظرٌ لما سيأتي في مناقب قريش (٣٥٠٧) من أنَّه استدلالٌ بالأخَصِّ على الأعمِّ. وفيه أنَّ الجَدَّ الأعلى يُسمَّى أباً، وفيه التَّنويهُ بذِكْرِ الماهرِ في صناعتِه ببيانِ فضلِه وتطيب قلوب مَن هم دونَه. وفيه حُسْنُ خُلُق النبيِِّ ومعرفتُه بأُمورِ الحربِ، وفيه النَّذْبُ إلى اتِّبَاع ◌ِصال الآباءِ المحمودة والعمل بمثلها، وفيه حُسْن أدَبِ الصحابة مع النبي ◌َلّ. ٢٩٠٠ - حذَّثنا أبو نُعيم، حدَّثنا عبدُ الرَّحمن ابنُ الغَسِيلِ، عن حمزةَ بنِ أبي أُسَيدِ، عن أبيه، قال: قال النبيُّ وَّهُ يومَ بدرٍ حين صَفَفْنا لقُرَيشِ وصَفُوا لنا: «إذا أكْثَبُوكم فعليكم بالنَّبْلِ)). [طرفاه في: ٣٩٨٤، ٣٩٨٥] الحديث الثاني: حديث أبي أُسَيدٍ، بضمِّ الهمزة، ووقع في رواية السَّرَخْسي وحدَه بفتحها، وهو خطأٌ. ١٧٦ باب ٧٩ / ح ٢٩٠١ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((إذا أكْثَبُوكم)) كذا في نُسَخ البخاري بمُثلَّةٍ ثمَّ موحّدةٍ، والكَثَبُ - بفتحتين -: القُرْب، فالمعنى: إذا دَنَوْا منكم. وقد استُشكِلَ بأنَّ الذي يليقُ بالدُّنُوِّ المطاعَنَةُ بالرُّمح والمضارَبةُ بالسَّيف، وأمَّا الذي يليقُ برَمي النَّبل فالبُعدُ، وزَعَمَ الدَّاوودي أنَّ معنى ((أكثَبُوكم)): كاثَرُوكم، قال: وذلك أنَّ النَّبَلَ إذا رُمي في الجمع لم يُخْطِئ غالباً، ففيه رَدعٌ لهم، وقد تُعقّبَّ هذا التفسير بأنَّه لا يُعرَفُ، وتفسيرُ الكَثَبِ بالكَثرة غريبٌ، والأوَّلُ هو المعتمَدُ، وقد بيَّنته روايةُ أبي داود (٢٦٦٣) حيثُ زادَ في آخره: ((واستَبْقوا نَبْلَكم))، وفي روايةٍ له (٢٦٦٤): ((ولا تَسُلّوا السُّيوف حتَّى يَغْشَوْكم))، فظَهَرَ أنَّ معنى الحديث الأمرُ بترك الَّمي بالنِّبال(١) حتَّى يَقرُبوا؛ لأنَّهم إذا رَمَوهم على بُعدٍ قد لا تَصِلُ إليهم وتذهبُ في غير منفعةٍ، وإلى ذلك الإشارةُ بقوله: ((واستَبْقوا نَبَكم))، وعَزَّفَ بقوله: ((ولا تَسُلّوا السُّيوف حتَّى يَغْشَوكم)) أنَّ المراد بالقُربِ المطلوب في الرَّمي قُربٌ نِسبيٍّ، بحيثُ تَناهُم السِّهام لأقرب قريبٍ بحيثُ يَلتَحِمونَ معهم. والنَّبُلُ - بفتح النّون وسكون الموخَّدة -: جمعُ نَبلة، ويُجمَعُ أيضاً على نِبال: وهي السِّهامُ العربيةُ اللِّطاف. تنبيه: وقع في إسناد هذا الحديث اختلافٌ سأُبيِّنه إن شاء الله تعالى في غزوة بدرٍ (٣٩٨٤). ٧٩- باب اللَّهو بالخِراب ونحوها ٢٩٠١ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَر، عن الزُّهْريِّ، عن ابنٍ المسيّب، عن أبي هريرةَ ﴾ قال: بينا الحَبَشةُ يلعبونَ عندَ النبيِّي ◌َّهِ بِحِرَابهم، دَخَلَ عمرُ فأهوى إلى الحصی فخَصَبھم بها، فقال: (دَعْھم یا عمرُ)). زادَ عليٌّ: حدَّثنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ: ((في المسجد)). ٩٣/٦ قوله: ((بابُ اللهْوِ بالخِراب ونحوِها)) أي: من آلات الحرب، وكأنَّه یشیرُ بقوله: ((ونحوِها» (١) في (س): بترك الرمي والقتال. ١٧٧ باب ٨٠ / ح ٢٩٠٢ -٢٩٠٣ كتاب الجهاد إلى ما روى أبو داود (٢٥١٣) والنَّسائي (٣٥٧٨) وصحَّحه ابن حِبّان(١) من حديث عُقْبَةَ بن عامر مرفوعاً: ((ليس من اللهو)) - أي: مشروع أو مطلوب - إلَّا تأديبُ الرجل فرسَه، ومُلاعَبتُه أهلَه، ورَميُه بقوسِه ونَبِه)). ثم أورد فيه حديث أبي هريرة: ((بينا الحبشةُ يَلْعَبونَ عند النبيِّ)) الحديثَ، ولم يقع في هذه الرِّواية ذِكرُ الحِراب، وكأنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرقِه كما تقدَّم بيانُه في ((باب أصحاب الجِراب في المسجد)) من كتاب الصلاة (٤٥٤) وذكرنا فوائده هناك، وفي كتاب العیدین (٩٥٠). قال ابن التِّين: يحتملُ أن يكون عمرُ لم يَرَ رسولَ اللهِوَ له ولم يعلم أنَّه رآهم، أو ظنَّ أنَّه رآهم واستَحْيا أن يمنعَهم، وهذا أولى لقوله في الحديث: وهم يَلعَبونَ عند رسول الله ◌ِله قلت: وهذا لا يمنعُ الاحتمال المذكورَ أوَّلاً، ويحتملُ أن يكون إنكارُه لهذا شَبيهُ إنكاره على المغَنِّيَتَينِ، وكان من شِدَّتِهِ في الدِّين يُنكِرُ خلافَ الأَولى، والجِدّ في الجملة أَولى من اللَّعِبِ المباح، وأمَّا النبي ◌َّ﴾ فكان بصَدَدِ بیانِ الجواز. وقوله: ((زادَ عليٌّ: حدَّثنا عبد الرزَّاق)) وقع في رواية الكُشمِيهَني: زادَنا عليٌّ. ٨٠- باب المِجنّ ومن یثّرِسُ بنُرس صاحبه ٢٩٠٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا الأوزاعيُّ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله ابنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾ قال: كان أبو طَلْحَ يَتَتَرَّسُ مع النبيِّ وَّ بِتُرْسٍ واحدٍ، وكان أبو طَلْحَةَ حسنَ الرَّمْي، فكان إذا رَمَّى تَشَّفَ النبيُّنَّ فِيَنظُرُّ إلى موضعِ نَبْلِهِ. ٢٩٠٣ - حدّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمن، عن أبي حازمٍ، عن سَهْلٍ قال: لمَّا كُسِرَت بَيضةُ النبيِّ ◌َِّ على رأسِه وأُدْمِيَ وَجْهُهُ وكُسِرَت رَبَاعِيَتُه، وكان عليٌّ يَخْتلِفُ بالماءِ في المِجَنِّ وكانت فاطمةُ تَغْسِلُه، فلمَّا رَأْتِ الدَّمَ يزيدُ على الماءِ کَثْرَةً، عَمَدَت إلى حصیٍ فأحرَقَتْها وألصَقَّتْها على جُرْحِه فرَقَأَ اللَّمُ. (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((صحيحه))، ولم يخرجه منه الحافظ نفسه في («إتحاف المهرة)). ١٧٨ باب ٨٠ / ح ٢٩٠٢ -٢٩٠٥ فتح الباري بشرح البخاري ٢٩٠٤ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن الزُّهْريِّ، عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحَدَثان، عن عمرَ ◌ّه قال: كانت أموالُ بني النَّضِيرِ ممَّا أفاءَ الهُ على رسولِهِ مَِّ، ممَّ لم يُوجِفِ المسلمونَ عليه بخيلٍ ولا رِكَابٍ، فكانت لرسولِ اللهَ وَّلَ خاصّةً، وكان يُنْفِقُ على أهلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثمَّ يجعلُ ما بَقِيَ في السّلاحِ والكُرَاعِ عُدّةً في سبيلِ الله. [أطرافه في: ٣٠٩٤، ٤٠٣٣، ٤٨٨٥، ٥٣٥٧، ٥٣٥٨، ٦٧٢٨، ٧٣٠٥] ٢٩٠٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن عبدِ الله بنِ شَدّادٍ، عن عليّ. حدَّثنا قَبِيصةٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ شَدّارٍ، قال: سمعتُ علّاً ﴾ يقول: ما رأيتُ النبيَّ ◌َهِ يُفَدِّي رجلاً بعدَ سعدٍ، سمعتُه يقول: ((ارمِ فِداكَ أَبي وأمّي)». [أطرافه في: ٤٠٥٨، ٤٠٥٩، ٦١٨٤] ٩٤/٦ قوله: ((بابُ المِجَنّ)) في رواية ابن شَبّويه: ((التِّرَسة والمجنّ)) والتِّرَسة (١): جمعُ تُرسٍ، والمِجَنُّ - بكسر الميم وفتح الجيم وتثقيل النّون - أي: الدَّرَقة. قال ابن المنيِر: وجه هذه التَّراجم دفعُ مَن يَتَخَيَّلُ أنَّ امِّحَاذَ هذه الآلات يُنافي التوكُّلَ، والحقُّ أنَّ الحَذَرَ لا يَرُدُّ القَدَرَ، ولكن يُضيِّقُ مسالكَ الوسوسة لمَا طُبعَ عليه البشر. قوله: ((ومَن يَثَرِسُ بِتُرْس صاحبه)) أي: فلا بأسَ به. ثمَّ ذكر فيه أربعة أحاديثَ: الأول: حديث أنس: ((كان أبو طلحة يتترَّسُ مع النبي وَلّهِ بِتُّرْسٍ واحدٍ)) الحديث، أورَدَه مختصراً من هذا الوجه، وسيأتي بأتمَّ من هذا السِّياق في المناقب (٣٨١١) في غزوة أُحد، قيل: إنَّ الرّامي يحتاجُ إلى مَن يَستُّرُه لشَغِلِه يديه جميعاً بالرَّمي، فلذلك كان النبي ◌َّ يُتْرِّسُه بتُرسِه. (١) قوله: ((والمجن والترسة)) سقط من (س). ١٧٩ باب ٨٠ / ح ٢٩٠٢ - ٢٩٠٥ كتاب الجهاد ثانيها: حديثُ سَهْلٍ، وهو ابن سعدٍ: ((لمَّا كُسِرَت بَيْضة النبيِِّ على رأسِه)) الحديث، والغَرَضُ منه قوله: ((وكان عليٌّ يختلفُ بالماءِ في المِجَنّ))، وقد تقدَّمت له طريق أُخرى قريباً(١)، ويأتي الكلام عليه في غزوة أحد (٤٠٧٥) إن شاء الله تعالى. ثالثها: حديثُ عمرَ: ((كانت أموال بني النَّضير ممّا أفاءَ الله على رسولِه)) الحديث، ذكر منه طرفاً، وسيأتي شرحُه مُستَوفَّى في كتاب فرض الخمس (٣٠٩٤) وفي الفرائض (٦٧٢٨). والغَرَضُ منه قوله هنا: ((ثمَّ يجعلُ ما بقي في السِّلاحِ والكُرَاعِ عُدَّةً) لأنَّ الِجَنَّ من ◌ُملة آلات السِّلاح كما روى سعيد بن منصور (٢٤٤٦) بإسنادٍ صحيح عن ابن عمر: أنَّه كانت عنده دَرَقةٌ فقال: لولا أنَّ عمرَ قال لي: احبِسْ سلاحَك، لَأعطَيت هذه الدَّرَقة لبعض أولادي. رابعها: حديث عليّ في قوله ◌َّ﴾ لسعد بن أبي وَقَّاصٍ: ((ارم فداكَ أبي وأمّي))، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في المناقب (٣٧٢٥) وفي غزوة أُحد (٤٠٥٨). وقوله فيه: ((حدَّثْنا قبيصة)) هو ابن عُقْبةَ، وسفيان: هو الثَّوْرِي، وَزَعَمَ أبو نُعيم في (المستَخرَجِ)) أنَّ لفظ قبيصة هنا تصحيف ممَّن دونَ البخاري، وأنَّ الصوابَ: حدَّثْنَا قُتَبةُ، وعلى هذا فسفيان: هو ابن عُيَينَةَ؛ لأنَّ قُتَيبةَ لم يسمع من الثَّوْري، لكن لا أعرفُ لإنكاره معنّى، إذ لا مانعَ أن يكون عند السُّفيانَين، وقد أخرجه المصنِّفُ في الأدبِ (٦١٨٤) من طريق يحيى القطّن عن سفيانَ الثَّوْري، ووقع في رواية النَّسَفي هنا: عن مُسدّد عن يحيى أيضاً. ودخول هذا الحديث هنا غير ظاهرٍ، لأنَّه لا يوافقُ واحداً من رُكنَي التَّرجمة، وقد أثبَتَ ابن شَبّويه في روايتِه قبلَه لفظ ((باب)) بغير ترجمة، وله مُناسَبةٌ بالتَّرجمة التي قبلَه من جِهَة أنَّ الرّامي لا يستغني عن شيءٍ يَقِي به عن نفسِه ◌ِهامَ مَن يُراميه. وفي حديث عليٍّ جوازُ التَّفدية، وسيأتي بسطُ ذلك بأدلَّتِهِ وبيانُ ما يعارضُه في كتاب الأدبِ (٦١٨٤) إن شاء الله تعالى. (١) بل ستأتي قريباً برقم (٢٩١١). ١٨٠ باب ٨١-٨٢ / ح ٢٩٠٦ -٢٩٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ٨١- باب الدَّرَق ٢٩٠٦- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال عَمْرٌو: حدَّثني أبو الأسوَدِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِوَلِّ وعندي جاريتانِ تُغنِّيَانِ بِغِناءِ بُعَاثَ، فاضْطَجَعَ على الفِراشِ وحَوَّلَ وجهَه، فَدَخَلَ أبو بكرٍ فَانتَهَرَني وقال: مِزْمارةُ الشيطانِ عندَ رسولِ اللهِوَ سَلَّ! فَأقبَلَ عليه رسولُ اللهِوَله فقال: ((دَعْهُم)». فلمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فخَرَجَتا. ٢٩٠٧ - قالت: وكان يومُ عِيدٍ يلعبُ السُّودانُ بالدَّرَقِ والحِرَاب، فإمَّا سألتُ رسولَ الله ٩٥/٦°مَُّ وإِمَّا قال: / ((تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟)) فقلت: نعم. فأقامَني وراءَه خَدِّي على خَدِّه، ويقول: (دُونَكم بني أَرفِدةً)). حتَّى إذا مَلِلتُ قال: ((حَسْبُكِ؟)) قلتُ: نعم، قال: ((فاذهبِي)». قال أبو عبدِ الله: قال أحمدُ عن ابنٍ وَهْب: ((فلمَّا غَفَلَ)). قوله: ((باب الدَّرَق)» جمع دَرَقةٍ، أي: جواز اتخاذِ ذلك أو مشروعيته. قوله: («حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس كما جَزَمَ به المِزِّي في «الأطراف)»، وأغفَلَ ذلك في ((التَّهذيب)). وهذا الحديث قد تقدَّم في أوَّل العيدين (٩٤٩) عن أحمد عن ابن وَهْب، وبيَّنْتُ هناك الاختلافَ في أبيه، وهو المرادُ بقوله في هذا الباب ((قال أحمد)) يعني: عن ابن وَهْب بهذا السَّنَد. وقوله فيه: ((فقال: دَعْهُما، فلمَّا غَفَلَ غَمَزُهما فخَرَجَتا)) في رواية أبي ذرٍّ: ((عَمِلَ))(١) بدلَ ((غَفَلَ))، وكذا في رواية أبي زيد المروَزي، قال عِيَاض: ورواية الأكثر هي الوجه. ٨٢- باب الحمائل وتعليق السّيف بالعنق ٢٩٠٨ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ ﴾ قال: كان النبيُّ وَّرُ أحسنَ الناسِ، وأشجَعَ الناسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المدينةِ ليلةً فخَرَجُوا نحوَ الصوتِ، (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: عمد، بالدال، والصواب أنها باللام كما في النسخة اليونينية و((مشارق الأنوار)» ٢/ ٨٨ للقاضي عياض.