Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ باب ٤٧ / ح ٢٨٥٨ كتاب الجهاد وَقَّاصٍ رَفَعَه: ((من سعادة المرءِ المرأةُ الصَّالحة، والمسكَنُ الصَّالِحُ، والمركَبُ الهَنيء، ومِن شقاوةِ المرءِ المرأةُ السُّوءُ، / والمسكَنُ السُّوء، والمركَبُ السُّوء)) أخرجه أحمد (١٤٤٥). وهذا ٦٣/٦ يَخْتَصُ ببعض أنواع الأجناس المذكورة دونَ بعض، وبه صَرَّحَ ابن عبد البَرِّ فقال: يكون لقوم دونَ قوم، وذلك كلُّه بقَدَرِ الله. وقال المهلَّب ما حاصله: إنَّ المخاطَبَ بقوله: ((الشُّؤم في ثلاثة)) مَن التَزَمَ التطايرَ ولم يستطعْ صَرْفَه عن نفسِه فقال لهم: إنَّما يقعُ ذلك في هذه الأشياءِ التي تُلازِمُ في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك فاترُكُوها عنكم ولا تُعذِّبوا أنفُسَكم بها، ويدلُّ على ذلك تصديرُه الحديثَ بنفي الطِّرة. واستُدِلَّ لذلك بما أخرجه ابن حِبّان (٦١٢٣) عن أنس رَفَعَه: ((لا طِيَرَةَ، والطِّرةُ على مَن تَطيَّر، وإن تكن في شيءٍ ففي المرأة)) الحديث، وفي صِحَّتِهِ نظرٌ، لأنَّه من رواية عُثْبةَ بن مُميد عن عُبيد الله بن أبي بكر عن أنس، وعُتْبةُ مُخْتَلَفِّ فيه، وسيكون لنا عَوْدةٌ إلى بقيّة ما يَتعلَّقُ بالتطيُّرِّ والفَأْل في آخر كتاب الطِّبِّ (٥٧٥٣) حيثُ ذكره المصنِّفُ إن شاء الله تعالى. تكميل: اَنَّفَقَت الطُّرقُ كلُّها على الاقتصار على الثلاثة المذكورة، ووقع عند إسحاق(١) في رواية عبد الرزّاق المذكورة: قال مَعمَرٌ: قالت أمُّ سَلَمة: ((والسَّيف)). قال أبو عمر (٢): رواه جُوَيِرِيَة عن مالكِ عن الزّهْريّ، عن بعض أهل أمِّ سَلَمة، عن أمّ سلمة. قلتُ: أخرجه الدَّارَ قُطني في ((غرائب مالكِ)) وإسناده صحيح إلى الزُّهْريّ، ولم يَنْفَرِد به جُوَيريةُ، بل تابَعَه سعيد بن داود عن مالك، أخرجه الدَّارَقُطني أيضاً قال: والمبهَمُ المذكور هو أبو عُبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، سمَّه عبدُ الرَّحمن بن إسحاق عن الزُّهْريّ في روايته. قلت: أخرجه ابن ماجه (١٩٩٥) من هذا الوجه موصولاً فقال: عن الزُّهْريّ، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، عن زينب بنت أمّ سَلَمة، عن أمّ سَلَمة: أنَّها حدَّثت بهذه (١) في (س): ابن إسحاق، بزيادة لفظ ((ابن)) وهو خطأ، فإن إسحاق هذا: هو إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، راوية ((المصنّف)) عن عبد الرزاق، وهذه الرواية فيه برقم (١٩٥٢٧). (٢) هو ابن عبد البر، وانظر كتابه ((التمهيد)) ٢٧٩/٩. ١٢٢ باب ٤٨ / ح ٢٨٥٩ - ٢٨٦٠ فتح الباري بشرح البخاري الثلاثة وزادت فيهنَّ: ((والسَّيف)). وأبو عُبيدة المذكورُ: هو ابن بنت أمّ سَلَمة، أمّه زينبُ بنت أمّ سَلَمة، وقد روى النَّسائي (ك٩٢٣٥) حديث الباب من طريق ابن أبي ذِئْب عن الزُّهْريّ، فأدرَجَ فيه السَّيف، وخالَفَ فيه في الإسناد أيضاً. ٢٨٥٩ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن أبي حازمٍ بنِ دينارٍ، عن سَهْلِ بنِ سعد الساعِدِيِّ صَلّهِ، أَنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((إنْ كان في شيءٍ ففي المرأةِ، والفرسِ، والمَسكَنِ)). [طرفه في: ٥٠٩٥] قوله: ((عن أبي حازم)) هو سَلَمة بن دِینار. قوله: ((إنْ كان في شيءٍ ففي المرأةِ والفرسِ والمَسْكَن)) كذا في جميع النُّسَخِ، وكذا هو في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٧٢) لكن زاد في آخره: ((يعني الشُّؤْم))، وكذا رواه مسلم (٢٢٢٦)، ورواه إسماعيل بن عمر عن مالك ومحمَّد بن سليمان الحرّاني عن مالكِ بلفظ: ((إنْ كان الشُّؤْم في شيءٍ، ففي المرأة ... )) إلى آخره، أخرجهما الدَّارَ قُطني، لكن لم يقل إسماعيلُ: (( في شيء)»، وأخرجه أبو بكر بن أبي شَيْبةَ(١) والطبراني (٥٧٤٧) من رواية هشام بن سعد عن أبي حازم قال: ذَكَروا الشُّؤْمِ عند سَهْل بن سعد فقال ... فذكره، وقد أخرجه مسلم (١١٩/٢٢٢٦) عن أبي بكر لكن لم يَسُقْ لفظَه. ٤٨ - بابٌ الخيلُ لثلاثة وقولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرَكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. ٢٨٦٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمَةَ، عن مالكِ، عن زيد بنٍ أسلَمَ، عن أبي صالحِ السَّمان، عن أبي هريرةَ تَهُ، أَنَّ رسولَ الله وَِّ قال: «الخيلُ لثلاثةٍ: لرجلٍ أجرٌّ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، فأمَّ الذي له أجرٌ، فرجلٌ رَبَطَها في سبيلِ الله فأطالَ في مَرْجٍ أو رَوْضةٍ، فما أصابتْ في طِيَلِها ذلك مِن المَرْجِ أو الرَّوْضةِ كانت له حسناتٍ، ولو أنَّهَا قَطَعَت طِيَلَها فاستَنَّت شَرَفاً أو شَرَفَين، (١) في («مسنده)) برقم (٩٤). ١٢٣ باب ٤٨ / ح ٢٨٦٠ كتاب الجهاد كانت أَرْواتُها وآثارُها حسناتٍ له، ولو أنَّهَا مَرَّت بنَهرِ فشَرِبَت منه ولم يُرِدْ أن یَسْقِیَھا، کان ذلك حسناتٍ له، ورجلٌ رَبَطَها فَخْراً ورِئاءً ونِواءً لأهلِ الإسلامِ، فهي وِزْرٌ على ذلك). وسُئِلَ رسولُ اللهِ وٍَّ عن الحُمُرِ، فقال: ((ما أُنزِلَ عليَّ فيها إلا هذه الآيةُ الجامعةُ الفاذَةُ: ٦٤/٦ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨])». قوله: ((بابٌّ الخيل لثلاثة)) هكذا اقتَصَرَ على صَدْر الحديث، وأحالَ بتفسيره على ما وَرَدَ فيه، وقد فَهِمَ بعضُ الشُّرّاحِ منه الحصرَ فقال: اتّخاذُ الخيل لا يَخْرُجُ عن أن يكون مطلوباً أو مُباحاً أو ممنوعاً، فيَدخُل في المطلوب الواجبُ والمندوبُ، ويَدخُل في الممنوع المكروهُ والحرامُ بحَسَب اختلاف المقاصد. واعتَرَضَ بعضُهم بأنَّ المباحَ لم يُذكَر في الحديث، لأنَّ القِسمَ الثَّاني الذي يُتَخيَّلُ فيه ذلك جاء مُقيَّداً بقوله: ((ولم يَنسَ حقَّ الله فيها)) فيَلتَحِقُ بالمندوب، قال: والسِّرُّ فيه أنَّه وَه غالباً إِنَّما يَعْتَني بذِكْرٍ ما فيه حَضٍّ أو مَنعٌ، وأمَّا المباحِ الصِّرْف فيَسكُتُ عنه، لمَا عُرِفَ أنَّ سُكُوتَه عنه عَفوٌ. ويُمكِنُ أن يقال: القسم الثَّاني هو في الأصل المباحُ، إلَّا أنَّه رُبَّما ارتَقى إلى النَّذْبِ بالقَصدِ بخلاف القسم الأوَّل، فإنَّه من ابتدائه مطلوبٌ، والله أعلم. قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ الآية))، أي: أنَّ الله خَلَقَها للرُّكوب والزّينة، فمَن استَعمَلَها في ذلك فعلَ ما أُبِيحَ له، فإن اقتَرَنَ بفعلِهِ قَصدُ طاعةِ ارتَقی إلى النَّدبِ، أو قَصدُ معصیةٍ حَصَلَ لہ الإثمُ، وقد دلَّ حدیث الباب على هذا التَّقسیم. قوله: ((عن زيد بن أسلم)) الإسنادُ كلُّه مدنُّون. قوله: ((الخيلُ لثلاثةٍ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((الخيلُ ثلاثةٌ))، ووجه الحصرِ في الثلاثة أنَّ الذي يَقْتَني الخيل إمَّا أن يَقتَنيَها للرُّكوب أو للتِّجارة، وكلٌّ منهما إمَّا أن يَقتَرِنَ به فعلُ طاعة الله، وهو الأوَّلُ، أو بمعصيته، وهو الأخيرُ، أو يَتَجرَّدُ عن ذلك، وهو الثّاني. ١٢٤ باب ٤٨ / ح ٢٨٦٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فِي مَرْجِ أو رَوْضٍ)) شكٍّ من الرّاوي، والمَرْج: موضع الكَلَأَ، وأكثر ما يُطلَقُ في الموضع المطمَئِنّ، والرَّوضةُ أكثر ما يُطلَقُّ في الموضع المرتَّفِع. وقد مضى الكلامُ على قوله: ((أرواتُها وآثارُها)) قبلَ بابين. قوله: ((فما أصابت في طِيَلِها)) بكسر الطاءِ المهمَلة وفتح التَّحتانية بعدَها لامّ: هو الحبل الذي تُربَطُ به ويُطوَّلُ لها لتَرعى، ويقال له: طِوَلٌ، بالواو المفتوحة أيضاً كما تقدَّم في أوَّل الجهاد (٢٧٨٥)، وتقدَّم تفسير الاستنان هناك. وقوله: ((ولم يُرِدْ أَن يَسْقيَها)) فيه أنَّ الإنسانَ يُؤْجَرُ على التَّفاصيل التي تَقَعُ في فعل الطاعة إذا قَصَدَ أصلَها وإن لم يَقصِدْ تلك التَّفاصيل. وقد تأوَّلَه بعض الشُّرّاح، فقال ابن المنيِّ: قيل: إنَّما أُجِرَ لأَنَّ ذلك وقت لا يُنْتَفعُ بشُرِها فيه، فَيَغْتَمّ صاحبُها بذلك فيُؤْجَرُ. وقيل: إنِّ المرادَ حيثُ تَشرَبُ من ماءِ الغير بغير إذنِهِ، فَغتَمُّ صاحبُها لذلك فيُؤْجَرُ. وكلُّ ذلك عُدُول عن القَصْد. قوله: ((ورجل رَبَطَها فَخْراً) هكذا وقع بحذف أحد الثلاثة: وهو مَن رَبَطَها تَغَنّياً، وسيأتي بتمامه بهذا الإسناد بعينه في علامات النبوَّة (٣٦٤٦)، وتقدَّم تامّاً من وجهٍ آخرَ عن مالكٍ في أواخر كتاب الشِّرب (٢٣٧١). وقوله: ((تَغَنّياً)) بفتح المثنّاة والمعجمة ثمَّ نونٍ ثقيلة مكسورة وتحتانية، أي: استغناءً عن الناس، تقولُ: تَغَنَّيْتُ بما رَزَقَني الله تَغَنّاً، وتَغانَيتُ تَغانياً، واستَغْنَيتُ استغناءً، كلُّها بمعنى، وسيأتي بسطُ ذلك في فضائل القرآن (٥٠٢٣-٥٠٢٤) في الكلام على قوله: «لیس منَّا مَن لم يَتَغَنَّ بالقرآن)). وقوله: ((تعقُّفاً) أي: عن السُّؤال، والمعنى: أنَّه يَطلُبُ بنتاجها، أو بما يَحَصُلُ من أُجَرَتِها مَّن يَركَبُها، أو نحو ذلك، الغِنى عن الناس والتعفَّفُ عن مَسْألتهم، ووقع في رواية سُهَيل عن أبيه عند مسلم (٢٦/٩٨٧): ((وأمَّا الذي هي له سِترٌّ، فالرجل يَتَّخِذُها تعقُّفاً وتكرُّماً وتجمُّلاً)). ١٢٥ باب ٤٨ / ح ٢٨٦٠ كتاب الجهاد وقوله: ((ولم يَنْسَ حقَّ الله في رِقابها)) قيل: المراد حُسْنُ مِلكِها، وتَعَهُّد شِبَعِها ورِيِّها، والشَّفَقةُ عليها في الرُّكوب، وإِنَّا خَصَّ رِقابَها بالذِّكرِ / لأنَّها تُستَعارُ كثيراً في الحقوق ٦٥/٦ اللّازمة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وهذا جواب مَن لم يُوجِب الزّكاة في الخیل وهو قول الجمهور. وقيل: المراد بالحقِّ إطراقُ فَحْلها، والحَملُ عليها في سبيل الله، وهو قول الحسن والشّعبي ومجاهد. وقيل: المراد بالحقِّ الزّكاةُ، وهو قولُ حَمَّد وأبي حنيفة، وخالَفَه صاحباه وفقهاء الأمصار، قال أبو عمر: لا أعلمُ أحداً سَبَقَه إلى ذلك. قوله: ((فَخْراً)) أي: تَعاظُماً. وقوله: ((ورِئاءً)) أي: إظهاراً للطاعة والباطنُ بخلاف ذلك. ووقع في رواية سُھیلٍ المذكورة(١): ((وأمَّا الذي هي عليه وِزْرٌ، فالذي يَتَّخِذُها أشَراً وبَطَراً وبَذَخاً ورياءً للناس)). قوله: ((ونواءً لأهلِ الإسلام)) بكسر النُّون والمدِّ، هو مصدرٌ، تقولُ: ناوأتُ العدوَّ مُناوأةً ونواءً، وأصلُه مِن ناءَ: إذا نَهَضَ، ويُستَعمَلُ في المعاداة، قال الخليل: ناوأتُ الرجلَ: ناهَضته بالعداوة. وحكى عياض عن الدَّاوودي الشّارح أنَّه وقع عنده: ((ونَوى)) بفتح النّون والقَصْر، قال: ولا يَصِحُّ ذلك. قلت: حكاه الإسماعيلي عن رواية إسماعيل بن أبي أُوَيسٍ، فإن ثبتَ فمعناه: ويُعداً لأهل الإسلام، أي: منهم. والظّاهرُ أنَّ الواوَ في قوله: ((ورياء ونِواءً)) بمعنى ((أو))، لأنَّ هذه الأشياءَ قد تَفتَرِقُ في الأشخاص، وكلُّ واحدٍ منها مذموم على حِدَتِه. وفي هذا الحديث بيان أنَّ الخيلَ إنَّما تكونُ في نَواصِيها الخيرُ والبَرَكة، إذا كان المَِّاذُها في الطاعة أو في الأُمورِ المباحة وإلَّا فهي مذمومة. (١) وهي عند مسلم برقم (٩٨٧) (٢٦). ١٢٦ باب ٤٩ / ح ٢٨٦١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وسُئِلَ رسولُ الله ◌ٍَّ)) لم أقِفْ على تسمية السائل صريحاً، وسيأتي ما قيل فيه في كتاب الاعتصام (٧٣٥٦) إن شاء الله تعالى. قوله: ((عن الحُمُرِ فقال: ما أُنزِلَ عليَّ فيها إلَّ هذه الآيةُ الجامعةُ الفاذَّة)) بالفاء وتشديد المعجمة، سمَّها ((جامعةً)) لشُمُولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية، وسمَّاها ((فاذَّة)) لانفرادها في معناها. قال ابن التِّين: والمرادُ أنَّ الآيةَ دَلَّت على أنَّ مَن عَمِلَ في اقتناء الحمير طاعةً، رأى ثوابَ ذلك، وإن عَمِلَ معصيةً رأى عِقابَ ذلك. قال ابن بَطَّال: فيه تعليم الاستنباط والقياس، لأنَّه شَبََّ ما لم يَذْكُر اللهُ حكمَه في كتابه - وهو الحُمُر - بما ذكره مِن عملٍ مِثقال ذَرَّةٍ من خيرٍ أو شَرّ، إذ كان معناهما واحداً، قال: وهذا نفسُ القياس الذي يُنكِرُه مَن لا فهمَ عندَه. وتَعقَّبَه ابن المنيِرِ بأنَّ هذا ليس من القياس في شيء، وإنَّما هو استدلالٌ بالعموم وإثباتٌ لصيغَتِهِ خلافاً لمن أنكَرَ أو وَقَفَ. وفيه تحقيقٌ لإثبات العمل بظَوَاهر العموم، وأنَّها مُلزِمة حتَّى يدلَّ دليل التَّخصيص. وفيه إشارةٌ إلى الفَرْق بين الحكم الخاصِّ المنصوصِ والعامِّ الظّاهر، وأنَّ الظّاهرَ دونَ المنصوصِ في الدّلالة. ٤٩ - باب من ضرب دابّة غيره في الغزو ٢٨٦١- حدَّثنا مسلمٌ، حدَّثنا أبو عَقيلٍ، حدَّثنا أبو المتوكّلِ الناجيُّ قال: أتيتُ جابرَ بنَ عبدِ الله الأنصاريَّ فقلتُ له: حدِّثني بما سمعتَ من رسولِ اللهِّ، قال: سافَرتُ معه في بعضِ أسفارِه - قال أبو عَقيلٍ: لا أدري غَزْوةً أَمْ عُمْرةً - فلمَّا أن أقبَلْنا قال النبيُّ ◌َّ: ((مَنْ أَحَبَّ أن يَتَعَجَّلَ إلى أهلِهِ فَلْيُعَجِّلْ))، قال جابرٌ: فأقبَلْنا وأنا على جملِ لِي أَرمَكَ ليس فيه شِيَةٌ والناسُ خَلْفِي، فَبَيْنا أنا كذلك إذا قامَ عليَّ، فقال لي النبيُّ وَّ: ((يا جابرُ، استَمْسِكْ))، فضَرَبَه بسَوْطِهِ ضَرْبَةً فَوَثَبَ البعيرُ مكانَه، فقال: ((أتبِيعُ الجملَ؟)) قلتُ: نعم، فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ ودخل النبيُّ وَلّ المسجدَ في طَوائفِ أصحابِهِ، فدخلتُ عليه وعَقَلْتُ الجملَ في ناحيةِ البَلَاط، فقلتُ له: هذا ١٢٧ باب ٥٠ / ح ٢٨٦٢ كتاب الجهاد جملُكَ، / فخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بالجملِ ويقول: ((الجملُ جملُنا)) فَبَعَثَ النبيُّ وَ أَوَاقٍ من ذَهَبٍ ٦٦/٦ فقال: (أَعطُوها جابراً) ثمَّ قال: ((اسْتَوْفَيتَ الثَّمَنَ؟)) قلتُ: نعم، قال: ((الثَّمَنُ والجملُ لكَ)). قوله: ((باب من ضرب دابّة غيره في الغَزْو)) أي: إعانةً له ورِفقاً به. قوله: ((حدَّثنا مسلم)) هو ابن إبراهيم، وتقدَّم هذا الحديث بهذا الإسناد في المظالم (٢٤٧٠) مختصراً وساقه هنا تامّاً، وقد تقدَّمت مباحثُه مُستَوفاة في الشُّروطِ (٢٧١٨). قوله: ((أَمْ عُمْرة) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أو)) بدل ((أَمْ)). قوله: ((فلْيُعَجِّلْ)) في رواية الكُشْمِيهنبي: ((فلیَتَعجّل)). قوله: ((أرمَكَ)) براءٍ وكافٍ وزنِ أحمر، والمراد به: ما خالَطَ حُرتَه سواد. قوله: ((ليس فيها شِيَة)) بكسر المعجمة وفتح التَّحتانية الخفيفة، أي: علامة، والمراد أنَّه ليس فيه لُمْعةٌ من غير لونِه. ويحتملُ أن يريدَ: ليس فيه عَيْب ويُؤيِّدُه قوله: ((والناس خَلْفي، فبينا أنا كذلك إذ قامَ عليَّ)) لأنَّه يُشعِرُ بأنَّه أراد أنَّه كان قويّاً في سَيْره لا عَيبَ فيه من جِهَة ذلك، حتَّى كأنَّه صار قُدّامَ الناس، فطَراً عليه حينئذٍ الوقوفُ. قوله: ((إذا قامَ عليّ)) أي: وقف فلم يَسِرْ من الثَّعَب. ٥٠- باب الرُّكوب على الدَّابّة الصَّعْبة والفُحُولة من الخيل وقال راشدُ بنُ سعدٍ: كان السَّلَفُ يَسْتَحِبّونَ الفُحُولةَ لأنَّهَا أجرَأُ وأجسَرُ. ٢٨٦٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن قَتَادَةَ قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ ◌ّه قال: كان بالمدينةِ فَزَعٌ، فاستَعارَ النبيُّ وَلّهِ فرساً لأبي طَلْحةَ يقالُ له: مندوبٌ، فَرَكِبَه وقال: ((ما رأينا من فَزَعٍ، وإِن وَجَدْناه لَبَحْراً)). قوله: ((باب الرُّكوب على الدَّابَّةِ الصَّعْبة)» بسكون العين، أي: الشَّديدة. قوله: ((والفُحُولة) بالفاء والمهمَلة: جمعُ فَحْل، والتاءُ فيه لتأكيد الجمع كما جَوَّزَه الكِرْماني، وأخَذَ المصنِّف رُكُوب الصَّعبة من رُكُوب الفَحْل، لأنَّه في الغالبِ أصعَبُ تُمارَسةً من الأُنثی، وأخَذَ گونه کان فحلاً من ذِكْره بضمير المذگَّر. ١٢٨ باب ٥٠ / ح ٢٨٦٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن المنيِرِ: هو استدلالٌ ضعيفٌ، لأنَّ العَوْدَ يَصِحُّ على اللَّفْظ، ولفظُ الفرسِ مُذكَّر وإن كان يقعُ على المؤنَّث، وعَكَسَه الجماعةُ فيجوزُ إعادة الضَّمير على اللَّفْظ وعلى المعنى، قال: وليس في حديث الباب ما يدلُّ على تفضيل الفُحُولة إلّا أن نقولَ: أَثنى عليه الرَّسول وسَكَتَ عن الأُنثى، فَثَبَتَ التَّفضيلُ بذلك. وقال ابن بَطَّال: معلومٌ أنَّ المدينةَ لم ◌َخلُ عن إناثِ الخيل، ولم يُنقَل عن النبيِوٍَّ ولا ◌ُملةٍ من أصحابه أنَّهم رَكِبوا غير الفُحُول، إلَّا ما ذُكِرَ عن سعد بن أبي وَقَّاص. كذا قال! وهو مَحَلُّ تَوقُّفٍ، وقد روى الذَّارَقُطني (٤١٦٩): أنَّ فرس المِقْداد كان أُنثى. قوله: ((وقال راشد بن سعد)) هو المَقْرَئي، بفتح الميم وتُضَمُّ وسكون القاف وفتح الرّاءِ بعدَها همزة، تابعيٌّ وَسَطٍ، شاميٍّ، مات سنة ثلاث عشرة ومئة، وما له في البخاري سوى هذا الأثرِ الواحد. قوله: ((كان السَّلَف)) أي: من الصحابة فمَن بعدهم. وقوله: ((أجرَأُ وأجسَرُ)) بِهَمْز ((أجرأ)) من الجَراءَة، وبغير همزٍ من الجَرْي، و ((أجسَرُ)) بالجيم والمهمَلة من الجَسَارة، وحُذِف المفضَّل عليه اكتِفاءَ بالسِّياق، أي: من الإناثِ أو المَخْصيّة. وروى أبو عبيدة في كتاب ((الخيل)) له عن عبد الله بن محيريزِ نحوَ هذا الأثرِ وزاد: وكانوا يَستَحِبّونَ إناثَ الخيل في الغارات والبَيَات. ٦٧/٦ وروى الوليد بن مسلم في ((الجهاد)) له من طريق عُبادةَ بن نُسَيِّ /- بنون ومُهمَلة مُصغَّراً - وابن مُحَيرِيزِ: أنَّهم كانوا يَستَحِبّونَ إناث الخيل في الغارات والبَيَات ولمَا خفيَ من أُمورِ الحرب، ويَسْتَحِبّونَ الفُحُول في الصُّفُوفِ والحُصونِ ولمَا ظَهَرَ من أُمورِ الحرب. وروى عن خالد بن الوليد: أنَّه كان لا يقاتلُ إلَّا على أُنثى، لأنَّهَا تَدفَعُ البولَ، وهي أقلّ صَهْلاً، والفَحْل يَجِبِسُه في جرِهِ حتَّى يَنفَتِقَ ويُؤذي بصَهیلِه. ثم ذكر المصنف حديث أنس في فرس أبي طلحة، وقد تقدَّم قريباً (٢٨٥٧) وأنَّ شرحَه سبق في كتاب الهِبة (٢٦٢٧). ١٢٩ باب ٥١ / ح ٢٨٦٣ كتاب الجهاد وأحمد بن محمَّد شيخُه فيه: هو المروَزي، ولَقَبُهُ مَرْدویه، واسمُ جدِّه موسى، وقال الدَّارَ قُطني: هو الذي لَقبُه شَبّويه، واسم جدِّه ثابتٌ، والأوَّل أكثر. ٥١- باب ◌ِهَام الفرس ٢٨٦٣- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي أسامةَ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِوََّ جَعَلَ للفرَسِ سَهْمَينٍ، ولصاحبِهِ سَهْماً. وقال مالكٌ: يُسهَمُ للخيلِ والبَرَاذِينِ منها لقولِه تعالى: ﴿ وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِتَّكَبُوهَا﴾ [النحل:٨]. ولا يُسهَمُ لأكثرَ من فرسٍ. [طرفه في: ٤٢٢٨] قوله: ((باب ◌ِهام الفرس)) أي: ما يَستَحِقُّه الفارسُ من الغنيمة بسبب فرسِه. قوله: ((وقال مالك: يُسهَمُ للخيلِ والبَرَاذين)» جمع بِرذَوْن بكسر الموحّدة وسكون الرّاءِ وفتح المعجمة، والمراد: الجُفاةُ الخِلْقةِ من الخيل، وأكثرُ ما تُجلَبُ من بلاد الرُّوم، ولها جَلَدٌ على السَّير في الشِّعاب والجبال والوَعَرِ بخلاف الخيل العربية. قوله: ((لقوله تعالى: ﴿ وَاَلْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا﴾)) قال ابن بَطَّل: وجه الاحتجاج بالآية أنَّ الله تعالى امتَنَّ بُرُكُوب الخيل، وقد أسهَمَ لها رسولُ الله ◌َلِّ. واسمُ الخيل يقعُ على البِرِذَونِ والهَجِين بخلاف البغال والحمير، وكأنَّ الآيةَ استَوعَبَت ما يُركَبُ من هذا الجنسِ لمَا يقتضيه الامتنانُ، فلمَّا لم يَنُصَّ على البِرِذَونِ والهَجِين فيها دلَّ على دخولها في الخيل. قلت: وإنَّما ذكر الهجينَ لأنَّ مالكاً ذكر هذا الكلام في ((الموطَّأ)) وفيه: ((والهَجين))، والمراد بالهَجين: ما يكون أحدُ أبَوَيه عربيّاً والآخرُ غيرَ عربي، وقيل الهَجِين: الذي أبوه فقط عربي، وأمَّا الذي أمُّه فقط عربية فيُسمَّى المقرِف. وعن أحمدَ: الهَجينُ: البِرِذَون. ويحتملُ أن يكون أراد في الحكم. ١٣٠ باب ٥١ / ح ٢٨٦٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد وقع لسعيد بن منصور وفي ((المراسيل)) لأبي داود (٢٨٧) عن مكحول: أنَّ النبي وَُّ هَجَّنَ الْهَجِينَ يومَ خيبرَ، وعَرَّبَ العِرابَ، فجَعَلَ للعربي سهمَين، وللهَجين سهماً، وهذا مُنقَطِع، ويُؤْيِّدُه ما روى الشّافعي في ((الأمّ)) (٣٥٦/٧) وسعيد بن منصور (٢٧٧٢) من طريق عليّ بن الأقمَرِ قال: أغارَت الخيلُ فأدرَكَت العِرابُ، وتأخَّرَت البراذِينُ، فقامَ المنذِر(١) الوادعي فقال: لا أجعَلُ ما أدرَكَ كمَن لم يُدرِك، فَبَلَغَ ذلك عمر فقال: هَبِلَت(٢) الوادعيَّ أمُّه، لقد أذكَرَت به، أمضُوها على ما قال. فكان أوَّل مَن أسهَمَ للبَرَاذِين دونَ سِهام العِراب وفي ذلك يقول شاعرهم: ومنَّا الذي قد سَنَّ في الخيل سُنَّةً وكانت سواءً قبلَ ذاكَ سِهامُها وهذا مُنْقَطِع أيضاً. وقد أخَذَ أحمدُ بمُقتَضى حديث مكحول في المشهورِ عنه كالجماعة، وعنه: إن بَلَغَت البَرَاذينُ مَبَالِغَ العربية سُوّي بينهما، وإلَّا فُضِّلَت العربيةُ، واختارَها الْجُوزَجَاني وغيره. وعن اللَّيث: يُسِهَمُ للِرِذَونِ والهچِین دونَ سهم الفرس. ٦٨/٦ قوله: ((ولا يُسَمُ لأكثرَ من فرس» هو بقيَّةُ كلام مالكِ، وهو قولُ الجمهور، وقال اللَّيْثُ وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: يُسهَمُ لفرسَينٍ لا لأكثر، وفي ذلك حديث أخرجه الدَّارَ قُطني (٤١٧٧) بإسنادٍ ضعيفٍ عن أبي عَمْرةَ قال: أسهَمَ لي رسولُ اللهِ وَلّه لفرسي أربعةَ أسهم ولي سهماً، فأخَذْتُ خمسة أسهم. قال القُرْطُبي: ولم يقل أحدٌ: إنَّه يُسهَمُ لأكثرَ من فرسَين إلَّ ما رُويَ عن سليمان بن موسى: أنَّه يُسهَمُ لكلِّ فرس سهمانِ بالغاً ما بَلَغَت، ولصاحبِه سهم، أي: غير سهمَيٍ الفرس. (١) في (أ) و(س): ابن المنذر، بزيادة لفظ ((ابن))، والصواب حذفها كما في (ع)، واسمه المنذر بن أبي حُميضة الوادعي الهَمْداني، وهو عامل عمر بن الخطاب، وله إدراك كما قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (٨٤٧١). (٢) أي: ثَكِلَت، يعني: فَقَدتْه. ١٣١ باب ٥١ / ح ٢٨٦٣ كتاب الجهاد قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمري. قوله: ((جَعَلَ للفرَسِ سَهْمَين ولصاحبِهِ سَهْمًا)) أي: غير سهمَي الفرس، فيصيرُ للفارسِ ثلاثةُ أسهم، وسيأتي في غزوة خيبرَ (٤٢٢٨) أنَّ نافعاً فسَّرَه كذلك، ولفظُه: إذا كان مع الرجل فرسُ فله ثلاثةُ أسهم، فإن لم یکن معه فرس فله سهمٌ، ولأبي داود (٢٧٣٣) عن أحمد(١) عن أبي معاوية عن عُبيد الله بن عمر بلفظ: أسهَمَ لرجلٍ ولفرسِه ثلاثةَ أسهم: سهماً له، وسهمین لفرسِه. وبهذا التفسير يَتَبيَّنُ أن لا وهمَ فيما رواه أحمد بن منصور المادي، عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، عن أبي أُسامة وابن ثُمَير، كلاهما عن عُبيد الله بن عمر، فيما أخرجه الدَّارَقُطني بلفظ: ((أسهَمَ للفارسِ سهمَين))، قال الدَّارَقُطني(٢) عن شيخِه أبي بكر النَّيسابُوري: وَهِمَ فيه الرَّماديُّ وشیخُه. قلت: لا، لأنَّ المعنى: أسهَمَ للفارسِ بسبب فرسِه سهمَين غيرَ سهمِه المختَصِّ به، وقد رواه ابن أبي شَيْبة في ((مصنَّه)) (٣٩٦/١٢-٣٩٧) و((مُسنَده)) بهذا الإسناد فقال: ((للفرس»، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب ((الجهاد)) له عن ابن أبي شَيْبة، وكأنَّ الرَّماديَّ رواه بالمعنى. وقد أخرجه أحمد عن أبي أُسامة وابن نُمَير معاً بلفظ: أسهَمَ للفرس(٣). وعلى هذا التأويل أيضاً يُحِمَلُ ما رواه نُعيمُ بن حَمَّاد عن ابن المبارَك عن عُبيد الله، مِثلَ رواية الرَّمادي، أخرجه الدَّارَقُطني (٤١٨١)، وقد رواه عليُّ بن الحسن بن شَقِيق - وهو أثبَتُ من نُعيم - عن ابن المبارك بلفظ: أسهَمَ للفرس. وتَسَّكَ بظاهر هذه الرِّواية بعضُ مَن احتَجَّ لأبي حنيفة في قوله: إن للفرسِ سهماً واحداً ولراكبِهِ سهمٌ آخرُ، فيكون للفارسِ سهمانٍ فقط، ولا حُجَّة فيه لمَا ذكرنا. واحتُجَّ (١) يعني أحمد بن حنبل، والحديث في ((مسنده) برقم (٤٤٤٨) و(٤٩٩٩) بهذا الاسناد. (٢) في ((سننه)) بإثر هذا الحديث برقم (٤١٨٠). (٣) ليس عند أحمد لهذا الحديث رواية لأبي أسامة وابن نمير مقرونين، وإنما فقط من رواية ابن نمير وحده برقم (٦٢٩٧). وانظر ((أطراف المسند» ٥٤٩/٣. ١٣٢ باب ٥١ / ح ٢٨٦٣ فتح الباري بشرح البخاري له أيضاً بما أخرجه أبو داود (٢٧٣٦) من حديث ◌ُجُمِّع بن جاريةَ - بالجيم والتَّحْتانية - في حديثٍ طويلٍ في قصَّة الُدَيبية(١) قال: فأعطى للفارسِ سهمَين، وللرّاجل سهماً. وفي إسناده ضَعفٌ، ولو ثَبَتَ يُحِمَلُ على ما تقدَّم لأنَّه يحتملُ الأمرَين، والجمعُ بين الرّوايتَين أَولى، ولا سيَّما والأسانيدُ الأُولى أثبَتُ، ومع رُوَاتها زيادةُ علم، وأصرحُ من ذلك ما أخرجه أبو داود (٢٧٣٥) من حديث أبي عَمْرة: أنَّ النبي ◌َِّ أعطى للفرسِ سهمَين ولكلِّ إنسان سهماً، فكان للفارسِ ثلاثةُ أسهم، وللنَّسائي (٣٥٩٣) من حديث الزُّبير(٢): أنَّ النبي وَلَهُ ضَرَبَ له أربعة أسهم: سهمَين لفرسِه، وسهماً له، وسهماً لقَرابَتِه. قال محمَّد بن سَحْنون: انفرَدَ أبو حنيفة بذلك دونَ فقهاءِ الأمصار، ونُقِلَ عنه أنَّه قال: أكرهُ أن أُفضِّلَ بهيمةً على مسلم، وهي شُبهَةٌ ضعيفةٌ، لأنَّ السِّهامَ في الحقيقة كلَّها للرجل. قلت: لو لم يَثبُت الخبرُ لكانت الشُّبهَة قويةً، لأنَّ المرادَ المفاضلة بين الرّاجل والفارس، فلولا الفرسُ ما ازدادَ الفارسُ سهمَين عن الرّاجل، فمَن جَعَلَ للفارسِ سهمَين فقد سَوَّى بين الفرسٍ وبين الرجل. وقد تُعقّبَ هذا أيضاً، لأنَّ الأصلَ عَدَمُ المساواة بين البهيمة والإنسان، فلمَّا خرج هذا عن الأصل بالمساواة، فلتَكُن المفاضَلةُ كذلك، وقد فضَّلَ الحنفيةُ الدَّابّة على الإنسانِ في بعض الأحكام فقالوا: لو قتل كلبَ صيدٍ قيمته أكثر من عشرة آلافٍ أدّاها، فإن قتل عبداً مسلماً لم يُؤدِّ فيه إلَّا دونَ عشرةِ آلاف درهم. والحقُّ أنَّ الاعتماد في ذلك على الخبر، ولم ینفَرِدْ أبو حنيفة بما قال، فقد جاء عن عمرَ وعليّ وأبي موسى، لكنَّ الثَّابتَ عن عمرَ وعليّ كالجمهور. (١) وقع في الأصلين و(س) بدل الحديبية: خيبر، وما أثبتناه هو الصحيح الموافق لما في ((سنن أبي داود)) وغيره من كتب السِّير والتاريخ. (٢) هكذا وقع للحافظ هنا نسبة هذا الحديث إلى الزبير، وهو وهمٌّ منه، فإن الحديث عند النسائي من رواية يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده؛ يعني أنه من رواية عبد الله بن الزبير، وكذلك ذكره الحافظ المزي في ((التحفة)) (٥٢٩١) في مسند عبد الله بن الزبير. ١٣٣ باب ٥١ / ح ٢٨٦٣ كتاب الجهاد واستُدلَّ للجمهور من حيثُ المعنى بأنَّ الفرسَ يحتاجُ إلى مُؤنةٍ لِخِدمَتِها وعَلَفِها، وبأنَّه يَحَصُلُ بها من الغِنى في الحرب ما لا يخفى. واستُدِلَّ به على أنَّ المشركَ إذا حَضَرَ الوَقْعة / وقاتَلَ مع المسلمين يُسهَمُ له، وبه قال ٦٩/٦ بعض التّابعينَ كالشَّعْبي، ولا حُجَّةَ فيه إذ لم يَرِدْ هنا صيغة عموم. واستُدِلَّ للجمهور بحديث: ((لم تُحَلَّ الغنائم لأحدٍ قبلَنا)) وسيأتي في مكانه(١). وفي الحديث حَضِّ على اكتساب الخيل والمُّجَاذِها للغَزْو، لما فيها من البَرَكة وإعلاءِ الكلمة وإعظام الشَّوكة، كما قال تعالى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. واختُلِفَ فيمَن خرج إلى الغَزْو ومعه فرسُ فمات قبل حُضُور القتال، فقال مالك: يَسْتَحِقُّ سهمَ الفرس، وقال الشّافعي والباقون: لا يُسهَمُ له إلَّا إذا حَضَرَ القتالَ، فلو مات الفرسُ في الحربِ استَحقَّ صاحبُه، وإن مات صاحبُهُ استَمَرَّ استحقاقُه وهو للوَرَثة. وعن الأوزاعي فيمَن وَصَلَ إلى موضع القتال فباعَ فرسَه: يُسْهَمُ له، لكن يَستَحِقُّ البائعُ ممَّا غَنَموا قبلَ العَقْد، والمشتَرِي مَمَّا بعدَه، وما اشتَبَهَ قُسِمَ. وقال غيرُه: يُوقَفُ حتَّى يَصطَلِحا. وعن أبي حنيفة: مَن دَخَلَ أرضَ العدوِّ راجلاً، لا يُقسَمُ له إلَّ سهم راجلٍ ولو اشتَری فرساً وقاتَلَ علیه. واختُلفَ في غُزَاة البحر إذا كان معهم خيلٌ، فقال الأوزاعي والشّافعي: يُسهَمُ لهم. تكميل: هذا الحديث يَذْكُرُه الأُصوليونَ في مسائل القياس في مسألة الإيماءِ، أي: إذا اقْتَرَنَ الحكمُ بَوَصْفٍ لولا أنَّ ذلك الوصفَ للتَّعليل لم يقع الاقترانُ، فلمَّا جاء في سياقٍ واحد: أنَّهَ وَ ◌ّل أعطى للفرسِ سهمين وللرّاجل سهماً، دلَّ على افتراق الحكم. (١) سيأتي برقم (٣١٢٢) بلفظ: ((أُحلَّت لي الغنائم))، وسلف برقم (٣٣٥) ضمن حديث: ((أُعطيت خمساً) وفيه ما هو موافق للَّفظ الذي ساقه ابن حجر. ١٣٤ باب ٥٢ -٥٣ / ح ٢٨٦٤ -٢٨٦٥ فتح الباري بشرح البخاري ٥٢- باب من قادَ دابَّة غیره في الحرب ٢٨٦٤- حدَّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا سَهْلُ بنُ يوسفَ، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاقَ: قال رجلٌ للبَراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنهما: أفرَرتُم عن رسولِ الله ◌ِ له يومَ حُنَينٍ؟ قال: لكنَّ رسولَ الله وَله لم يَفِرَّ، إنَّ هَوَازنَ كانوا قوماً رُماةً، وإنّا لمَّا لَقِيناهم ◌َلْنا عليهم فانهَزَموا، فأقبَلَ المسلمونَ على الغنائمِ واستَقبَلونا بالسِّهام، فأمَّا رسولُ الله وَّ فلم يَفِرَّ، فلقد رأيتُه وإِنَّه لَعَلَى بغلتِهِ البيضاءِ، وإنَّ أبا سفيانَ آخِذٌ بلِجَامِها والنبيُّ ◌َلَو يقول: (أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ)) [أطرافه في: ٢٨٧٤، ٢٩٣٠، ٣٠٤٢، ٤٣١٥، ٤٣١٦، ٤٣١٧] قوله: ((باب مَن قادَ دابَّة غيرِه في الحرب)) ذكر فيه حديثَ البراءِ بن عازب: أنَّ هَوَازنَ كانوا قوماً رُماً ... الحديث. والغرضُ منه قوله فيه: ((وأبو سفيان - وهو ابن الحارث بن عبد المطَّلِب - آخِذٌ بِلِجَامها)»، وسيأتي شرحُه مُستَوفَّى في غزوة حُنَين من كتاب المغازي (٤٣١٦) إن شاء الله تعالى. ٥٣ - باب الرِّكاب والغَرْز للدّابَّة ٢٨٦٥ - حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، عن أبي أسامةَ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّ: أَنَّه كان إذا أدخَلَ رِجْلَه في الغَرْزِ واستَوَت به ناقتُه قائمةً، أهَلَّ من عندِ مسجدٍ ذي الحُلَیفةِ. قوله: ((باب الرّكاب والغَرْز للدّابَّة)» قيل: الرِّكابُ يكون من الحديد والخَشَب، والغَرْز لا يكون إلَّا من الجلد وقيل: هما مُتَرادفان، أو الغَرزُ للجَمَل، والرِّكابُ للفرس. وذكر فيه حديث ابن عمر: ((أنَّ النبيِِّ كان إذا أدخَلَ رجلَه في الغَرْزِ أهَلَّ)) الحديث، وهو ظاهرٌ فيما ترجم له من الغَرْز، وأمَّ الرِّكابُ فألحَقَه به، لأنَّه في معناه. ١٣٥ باب ٥٤ / ح ٢٨٦٦ كتاب الجهاد وقال ابن بَطَّال: كأنَّه أشارَ إلى أنَّ ما جاء عن عمرَ أنَّه قال: اقطَعوا الرُّكُب، وثِبُوا على ٧٠/٦ الخيل وَثْباً(١)؛ ليس على مَنع اتّخاذ الرُّكُب أصلاً، وإنَّما أراد تدريبَهم على ركوب الخيل. ٥٤- باب رُكُوب الفرس العُزْي ٢٨٦٦ - حدَّثنا عَمرُو بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا خَمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ ﴾: استَقبَلَهم النبيُّ ◌ِلـ على فرسٍ عُرْيٍ ما عليه سَرْجٌ، في عُنُقِه سيفٌ. قوله: ((باب ركوب الفرسِ العُزْي)) بضمِّ المهمَلة وسكون الرّاء، أي: ليس عليه سَرِجٌ ولا أدَاةٌ، ولا يقال في الآدميينَ، إنَّما يقال: عُرْيان، قاله ابن فارس، قال: وهي من النَّوادر. انتهى. وحكى ابن التِّين: أنَّه ضُبِطَ في الحديث بكسر الرّاء وتشديد التَّحتانية، وليس في كتبٍ اللُّغة ما يساعدُه. ذكر فيه حديث أنس: ((أنَّ النبي ◌َّهِ استَقْبَلهم على فرس عُري ما عليه سَرْج في عُنُقِه سيف))، وهو طرفٌ من الحديث الذي تقدَّم (٢٦٢٧) في أنَّه استَعارَ فرساً لأبي طلحةَ، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريقٍ أُخرى عن حمّاد بن زيد، وفي أوَّله: «فَزِعَ أهلُ المدينة ليلةً، فتلقاهم النبيُّ پټ قد سَبَقَهم إلى الصَّوت، وهو على فرسٍ بغیر سَرْج» وفي رواية له: ((وهو على فرسٍ لأبي طلحة))(٢)، وقد سبق في ((باب الشَّجاعة في الحرب)) (٢٨٢٠) في حديث أوَّلُهُ: ((كان النبي ◌َّل أحسنَ الناس، وأشجَعَ الناس)) بعضُ هذا الحديث، وقد سبق شرحُه في الهِبَة (٢٦٢٧). وفيه ما كان عليه النبي وَ ◌ّهُ من التَّواضُع، والفُرُوسيَّة البالغة، فإنَّ الرُّكوبَ المذكورَ لا يفعلُه إلَّا مَن أحكمَ الرُّكوب، وأدمَنَ على الفُرُوسيَّة، وفيه تعليقُ السَّيفِ في العُنُق إذا احتاجَ إلى ذلك حيثُ يكون أعوَنَ له. وفي الحديث ما يشيرُ إلى أنَّه ينبغي للفارسِ أن يَتْعاهَدَ الفُرُوسيةَ، ويُرَوِّضَ طِباعَه عليها لئلَّا يَفجَأَه شِدَّةٌ، فيكون قد استَعدَّ لها. (١) أخرجه عبد الرزاق (١٩٩٩٤)، وابن أبي شيبة ١٢ / ٣٢٨، وأحمد (٣٠١). (٢) وستأتي هذه الرواية عند البخاري برقم (٢٩٠٨). ١٣٦ باب ٥٥-٥٦ / ح ٢٨٦٧ - ٢٨٦٨ فتح الباري بشرح البخاري ٥٥ - باب الفرس القَطُوف ٢٨٦٧ - حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ خَادٍ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾: أنَّ أهلَ المدينةِ فَزِعُوا مَرَّةٌ، فَرَكِبَ النبيُّ وَلَّهِ فِرساً لأبي طَلْحَةَ كان يَقْطِفُ . أو كان فيه قِطافٌ - فلمَّا رَجَعَ قال: ((وَجَدْنا فرسَكم هذا بَحْراً))، فكان بعدَ ذلك لا يُجارَى. قوله: ((باب الفرسِ القَطُوف)) أي: البطيءِ المشي، قال أبو زيد وغيرُه: قَطَفَت الدَّابَّة تَقطِفُ قِطافاً وقُطُوفً، والقَطُوفُ من الدوابِّ: المقارِبُ الخَطْوِ، وقيل: الضَّيِّقُ المشي، وقال الثَّعَالبي: إن مشى وَثْباً فهو قَطُوفٌ، وإن كان يرفعُ يديه ويقومُ على رجلَيه، فهو سَبُوت، وإن الْتَوى براكبِهِ، فهو قَمُوصٌ، وإن مَنَعِ ظَهْرَه، فهو شَمُوس. ذكر فيه حديث أنس: أنَّ أهلَ المدينة فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النبي ◌ِّ لل فرساً لأبي طلحة كان يقطِف ... الحديث. وقوله: (يَقطِف)) بكسر الطاءِ وبضمِّها، وقد سبق شرحُه في الهِبَة (٢٦٢٧). وقوله: ((أو كان فيه قِطافٌ)) شكٌّ من الرّاوي، وسيأتي في ((باب السُّرعة والرَّكض)) (٢٩٦٩) من طريق محمَّدٍ بن سِيرِينَ عن أنس بلفظ: فَرَكِبَ فرساً لأبي طلحة بطيئاً. وقوله: ((لا يُجارَى)) بضمّ أوَّله، زادَ في نسخة الصَّغاني: قال أبو عبد الله: أي: لا يُسابَق، لأَنَّه لا يُسبَقُ في الجزْي. وفيه بَرَكُ النبي ◌َِّ لِكَونِه رَكِبَ ما كان بطيئاً فصار سابقاً، وسيأتي في رواية محمَّد بن سِيرِينَ المذكورة (٢٩٦٩): فما سُبِقَ بعدَ ذلك اليوم. ٥٦- باب السَّبْق بین الخيل ٧١/٦ ٢٨٦٨ - حدَّثْنَا قَبِيصةٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: أجرَى النبيُّ ◌ََّ ما ضُمِّرَ مِن الخيلِ مِن الحَفْياءِ إلى ثَنَّةِ الوَدَاعِ، وأجرَى ما لم يُضمَّرْ مِن الثَّيَّةِ إلى مسجدٍ بني زُرَبِقِ. ١٣٧ باب ٥٧-٥٨ / ح ٢٨٦٩ - ٢٨٧٠ كتاب الجهاد قال ابنُ عمرَ: و کنتُ فیمَن أجرَی. قال عبدُ الله: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني عُبِيدُ الله، قال سفيانُ: بينَ الحَفْياءِ إلى ثَنِيَّةِ الوَدَاع خمسةُ أميالٍ أو سِنَّةٌ، وبينَ ثَنيَّةَ إلى مسجدٍ بني زُرَيْقِ مِيلٌ. قوله: ((باب السَّبْق بين الخيل)) أي: مشروعية ذلك، والسَّبْقُ بفتح المهمَلة وسكون الموحّدة: مصدرٌ، وهو المرادُ هنا، وبالتَّحريكِ: الرَّهْن الذي يُوضَعُ لذلك. ٥٧ - باب إضمارِ الخيل للسَّبق ٢٨٦٩ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ، حدَّثْنا اللَّيْثُ، عن نافع، عن عبدِ الله ﴾: أنَّ رسولَ الله وَّهِ سَابَقَ بينَ الخيلِ التي لم تُضْمَرْ، وكان أمَدُها مِن الثَّنِيَّةِ إلى مسجدٍ بني زُرَبِقِ، وأَنَّ عبدَ الله ابنَ عمرَ کان سابَقَ بها. قال أبو عبد الله: أمَداً: غايةً؛ ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ﴾ [الحديد: ١٦]. ثمَّ قال: ((باب إضْمار الخيل للسَّبْق)) إشارةً إلى أنَّ السُّنَّةَ في المسابقة أن يَتقدَّم إضمارُ الخيل، وإن كانت التي لا تُضمَرُ لا تَتَنِعُ المسابقةُ عليها. ٥٨- باب غاية السَّبْق للخيل المُضمرة ٢٨٧٠ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا معاويةُ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن موسى بنِ عُقْبَةً، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: سابَقَ رسولُ الله ◌ِّ بينَ الخيلِ التي قد أُضمِرَت، فأرسَلَها مِنِ الحَفْياءِ وكان أمَدُها ثَنَّةَ الوَدَاعِ - فقلتُ لموسى: فكم كان بينَ ذلك؟ قال: سِتَّةُ أميالٍ أو سَبْعٌ - وسابَقَ بينَ الخيلِ التي لم تُضمَرْ، فأرسَلَها من ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وكان أمَدُها مسجدَ بني زُرَيِقِ - قلتُ: فكم بينَ ذلك؟ قال: مِيلٌ أو نحوُه - وكان ابنُ عمَرَ مَمَّنْ سابَقَ فيها. ثمَّ قال: ((باب غاية السَّبْق للخيلِ المُضْمَرة)) أي: بيانُ ذلك وبيانُ غاية التي لم تُضمَر. وذكر في الأبواب الثلاثة حديث ابن عمر في ذلك. وقوله في الطَّريق الأُولى: ((من الحَفْياء)) بفتح المهمَلة وسكون الفاءِ بعدَها تحتانية ومدٌّ: ١٣٨ باب ٥٨ / ح ٢٨٧٠ فتح الباري بشرح البخاري مكانٌ خارجَ المدينة من جِهَة ... (١)، ويجوزُ القصرُ، وحكى الحازميُّ تقديمَ الياء التَّحتانية على الفاء، وحکی عیاض ضمَّ أوَّله وخطَّاه. ٧٢/٦ وقوله فيها: ((أَجْرى)) قال في التي تليها: «سابَقَ)) وهو بمعناه، وقال فيها: قال ابن عمر: وكنت فيمَن أجرى، وقال في الرِّواية التي تليها: وأنَّ عبد الله بن عمر كان ممَّنْ سابَقَ بها. وسفيان في الرّواية الأُولى: هو الثَّوْري، وشيخُه عُبَيد الله، بالتَّصغير: هو ابن عمرَ العُمَري. والطَّريق الثَّانية عن اللَّيث مختصرةٌ، وقد أخرجها تامَّة النَّسائي (ك٤٤٠٩) عن قُتَيبةَ عن اللَّيث، وهو عند مسلم (١٨٧٠) لكن لم يَسُق لفظَه. وقوله في الأُولى: ((قال عبد الله: قال سفيان: حدَّثني عُبيدُ الله)) فعبدُ الله: هو ابن الوليد العَدَني، كذا رُويناه في ((جامع سفيان الثَّوْري)» من روایتِه عنه، وأراد بذلك بیانَ تصریح الثَّوْري عن شيخِه بالتَّحديث، ووَهِمَ مَن قال فيه: وقال أبو عبد الله، وزاد الإسماعيلي من طريق إسحاق - وهو الأزرَقُ - عن الثَّوْري في آخره: قال ابن عمر: وكنتُ فيمَن أَجرى، فَوَثَبَ بي فرسي جِداراً(٢)، وأخرجه مسلم (١٨٧٠) من طريق أيوبَ عن نافعٍ، وقال فيه: فسَبَقتُ الناسَ فطَفَّفَ بي الفرسُ مسجدَ بني زُرَيق؛ أي: جاوَزَ بي المسجدَ الذي كان هو الغايةَ، وأصلُ التطفيف: مُجاوَزَةُ الحدِّ. وقوله في آخرِ الثَّانية: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنِّفُ. وقوله ((أمَداً: غايةً؛ ﴿فَطَالَ عَلَّهِمُ الْأَمَّدُ﴾)) وقع هذا في رواية المُستَمْلي وحده، وهو تفسيرُ أبي عُبيدة في ((المجاز))، وهو مُتَّفَقٌ عليه عند أهل اللُّغة، قال النابغة: سَبْقَ الجوادِ إذا استَولَى على الأمَدِ ومعاوية في الرِّواية الثّالثة: هو ابن عَمْرو الأزدي، وأبو إسحاق: هو الفَزَاري. (١) هنا بياض في (ع) وأصل (س)، ولعله: من جهة سافلتها، فقد ذكر البكريُّ في رسم النقيع من كتابه ((معجم ما استعجم)) ص ١٣٣٣ أن الحفياء بسافلة المدينة. وقوله: ((من جهة)) لم يرد في (أ). (٢) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً الترمذيُّ في ((جامعه)) (١٦٩٩). ١٣٩ باب ٥٨ / ح ٢٨٧٠ كتاب الجهاد وقوله فيها: ((قال سفيان)) هو موصولٌ بالإسناد المذكور، ولم يُسنِد سفيان ذلك. وقد ذكر نحوَه موسى بن عُقْبة في الرِّواية الثَّالثة، إلّا أنَّ سفيان قال في المسافة التي بين الحَفْياءِ والتَّنِيّة: خمسةٌ أو ستّةٌ، وقال موسى: ستَّةٌ أو سبعةٌ، وهو اختلافٌ قريبٌ، وقال سفيان في المسافة الثّانية: مِيل أو نحوه، وقد وقع في رواية التِّرمِذي (١٦٩٩) من طريق عُبيد الله بن عمر إدراجُ ذلك في نفسِ الخبر، والخبرُ بالسِّتَّة وبالميل. قال ابن بَطَّال: إنَّما ترجم لطريق اللَّيث بالإضمار وأورَدَه بلفظ: ((سابَقَ بين الخيل التي لم تُضمَر))؛ ليشيرَ بذلك إلى تمام الحديث. وقال ابن المنيِر: لا يَلَتَزِمُ ذلك في تَراجِه، بل رُبَّما ترجم مُطلَقاً لما قد يكون ثابتاً ولمَا قد يكون مَنفيّاً، فمعنى قوله: ((إضمار الخيل للسَّبْق)) أي: هل هو شرطٌ أم لا؟ فبيَّن بالرِّواية التي ساقها أنَّ ذلك ليس بشرطٍ، ولو كان غَرَضُه الاقتصارَ المجرَّد، لكان الاقتصار على الطَّرَفِ المطابق للتَّرجمة أولى، لكنَّه عَدَلَ عن ذلك للنُّكْتة المذكورة، وأيضاً فلإزالة اعتقاد أنَّ التَّضميرَ لا يجوزُ لمَا فيه من مَشَفَّة سَوْقِها والخَطَرِ فيه، فبيَّن أنَّه ليس بممنوعٍ بل مشروعٌ، والله أعلم. قلتُ: ولا مُنافاةَ بين كلامه وكلام ابن بَطَّال، بل أفادَ النُّكتة في الاقتصار. قوله: (أُضمِرَت)) بضمِّ أوَّله. وقوله: (لم تُضمَر)) بسكون الضَّاد المعجمة، والمراد به أن تُعلَفَ الخيلُ حتَّى تَسمَنَ وتَقْوى ثمَّ يُقلَّلُ عَلَفُها بقَدْر القُوتِ وتُدخَلُ بيتاً وتُغشَى بالجِلَال حتَّى تَحْمَى فَتَعرَفَ، فإذا جَفَّ عَرَقُها خَفَّ لحمُها وقَوِيَت على الجَزْي. وفي الحديث مشروعيةُ المسابقة، وأنَّه ليس من العَبَثِ بل من الرِّياضة المحمودة الموصِلة إلى تحصيل المقاصد في الغَزْو والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرةٌ بين الاستحباب والإباحة بحَسَبِ الباعث على ذلك، قال القُرْطُبي: لا خلافَ في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدَّوابِّ وعلى الأقدام، وكذا التَّرامي بالسِّهام واستعمال الأسلحة، لما في ذلك من التَّدريبِ على الحرب. مجموع مدير ١٤٠ باب ٥٨ / ح ٢٨٧٠ فتح الباري بشرح البخاري وفيه جوازُ إضمار الخيل، ولا يخفى اختصاصُ استحبابها بالخيل المعَدَّة للغَزْو. وفيه مشروعيةُ الإعلام بالابتداءِ والانتهاءِ عند المسابقة، وفيه نِسبةُ الفعل إلى الآمِرِ به؛ لأنَّ قوله: ((سابَقَ)) أي: أمَرَ أو أباحَ. تنبيه: لم يَتَعرَّض في هذا الحديث للمُراهَنة على ذلك، لكن تَرجَم التِّرمِذيُّ له ((باب المراهَنة على الخيل))(١)، ولعلَّه أشارَ إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر - المكبّر - عن نافعٍ عن ابن عمر: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ سابَقَ بين الخيل وراهَنَ(٢)، وقد أجمعَ العلماءُ كما تقدَّم على جواز المسابقة بغير عِوَضٍ، لكن قَصَرَها مالك والشّافعي على الخُفِّ والحافِرِ ٧٣/٦ والنَّصْل، وخَصَّه بعضُ العلماءِ بالخيل،/ وأجازَه عطاء في كلِّ شيء، واتَّفَقوا على جوازها بِعِوَضٍ بشرطِ أن يكون من غير المتسابقين كالإمام، حيثُ لا يكون له معهم فرس، وجَوَّزَ الجمهورُ أن يكون من أحد الجانبينِ من المتسابقين، وكذا إذا كان معهما ثالثٌ محُلِّل بشرطِ أن لا يُخْرِجَ من عندِه شيئاً ليُخرِجَ العقدَ عن صورة القِمار، وهو أن يُخْرِجَ كلٌّ منهما سَبَقاً، فمَن غَلَبَ أخَذَ السَّبَقَين، فاتَّفَقوا على مَنعِه، ومنهم مَن شَرَطَ في المحَلِّل أن يكون لا يَتَحقَّقُ السَّبْق في مجلس السَّبَق. وفيه أنَّ المرادَ بالمسابقة بالخيل كَوُها مركوبةً، لا ◌ُجرَّدَ إرسال الفرسَين بغير راكبٍ، لقوله في الحديث: ((وأن عبدَ الله بن عمر كان فيمَن سابَقَ بها)) كذا استَدلَّ به بعضُهم، وفيه نظرٌّ؛ لأنَّ الذي لا يَشتَرِطُ الرُّكوب لا يمنعُ صورة الرُّكوب، وإنَّما احتَجَّ الجمهور بأنَّ الخيلَ لا تَهْتَدي بأنفُسِها لقَصدِ الغاية بغير راكبٍ، ورُبَّمَا نَفَرَت، وفيه نظرٌّ؛ لأنَّ الاهتداءَ لا يَخْتَصُ بالرُّكوب، فلو أنَّ السَّائسَ كان ماهراً في الجَرْي بحيثُ لو كان مع كلِّ فرسٍ ساعٍ يَهدِيها إلى الغاية، لَأمگَنَ. (١) الذي وقع عندنا في نسخ الترمذي: باب ما جاء في الرِّهان، وفي بعضها زيادة: والسَّبق. والحديث فيه برقم (١٦٩٩). (٢) هو بهذا اللفظ عند أحمد برقم (٥٣٤٨)، لكن وقع في نسخة في هذا الموضع اضطراب في اسم راويه: هل هو عَبْد الله المكبَر، أم أخوة عُبيد الله المصغّر، وانظر التعليق عليه في ((المسند). وقوله فيه: ((راهَنَ)) أي: جعل للسابق جُعْلاً على سَبْقه.