Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٢٨)
القطع، وقال ابن بطال: أجاز مالك والليث والشافعي وأبو عبيد والجماعة الحكم على
الغائب، واستثنى ابن القاسم عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج كالأرض والعقار إلاّ
إن طالت غيبته أو انقطع خبره، وأنكر ابن الماجشون صحة ذلك عن مالك، وقال:
العمل بالمدينة على الغائب، مطلقاً حتى لو غاب بعد أن يتوجه عليه الحكم قضى عليه،
وقال ابن أبي ليلى وأبو حنيفة: لا يقضي على الغائب مطلقاً، وأما من هرب أو استتر
بعد إقامة البينة فينادي القاضي عليه ثلاثاً، فإن جاء وإلاَّ أنفذ الحكم عليه. وقال ابن
قدامة: أجازه أيضاً ابن شبرمة والأوزاعي وإسحاق، وهو إحدى الروايتين عن أحمد،
ومنعه أيضاً الشعبي والثوري، وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
٧١٨٠/٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سُفْيانُ، عنْ هِشام، عنْ أبِيهِ، عنْ
عائِشَةَ، رضي الله عنها، أنَّ هِنْدَ قَالَتْ لِلنبيِّ نَّهِ: إِنَّ أبا سُفْيان رجُلٌ شَحِيحٌ فأحتاجُ أنْ آخُذَ
مِنْ مالِهِ! قال: ((خُذِي ما يَكْفِيكِ وولَدَكِ بالمَعْرُوفِ)). [انظر الحديث ٢٢١١ وأطرافه].
لا مطابقة بين الترجمة وحديث الباب لأنه لا حكم فيه على الغائب، لأن أبا
سفيان كان حاضراً في البلد، وأيضاً، فإن الحديث استفتاء وجواب وليس بحكم، لأن
الحكم له شروط. واحتجاج الشافعي ومن تبعه بهذا الحديث على جواز القضاء على
الغائب غير موجه أصلاً على ما لا يخفى. وقال صاحب (التوضيح): وقد تناقض
الكوفيون في ذلك فقالوا: لو ادعى رجل عند حاكم أن له على غائب حقّاً، وجاء رجل
فقال: إنه كفيله واعتف له الرجل بأنه كفيله إلاّ أنه قال: لا شيء له عليه، وقال أبو
حنيفة: يحكم على الغائب ويأخذ الحق من الكفيل، وكذلك إذا قامت وطلبت النفقة من
مال زوجها فإنه يحكم لها عليه بها عندهم. انتهى. قلت: سبحان الله! كيف يقول
صاحب (التوضيح): قال أبو حنيفة يحكم على الغائب ويأخذ الحق من الكفيل، وأبو
حنيفة لم يحكم على الغائب، وإنما حكم على الكفيل وهو حاضر، وفي ضمن هذا يقع
على الغائب والضمنيات لا تعلل، وأيضاً إنكار المدعى عليه شرط جواز القضاء بالبينة
ليقع قاطعاً للخصومة، ولم يوجد الإنكار فلا يجوز إلاَّ أن يحضر من يقوم مقامه
كالكفيل والوكيل والوصي، وكذلك في المسألة الثانية لا يحكم القاضي على الغائب بل
يفرض في ماله المودع عند أحد أو الدين أو المضاربة، ولكن بشروط وهي: أن يعلم
القاضي بذلك المال وبالنكاح أو باعتراف من كان المال في يده بالمال والنكاح،
وبتحليفه إياها على عدم النفقة وأخذ الكفيل منها .
وشيخ البخاري محمد بن كثير - ضد القليل - وسفيان هو ابن عيينة، وهشام هو
ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة.
والحديث قد مضى عن قريب في: باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه.

٣٨٢
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٢٩)
٢٩ - بابُ مَنْ قُضِيَ لهُ بِحَقِّ أخيهِ فَلا يأخُذْهُ،
فإن قَضاءَ الحاكِمِ لا يُحِلُّ حَراماً ولا يُحَرِّمُ حَلالاً
أي: هذا باب يذكر فيه من قضى له على صيغة المجهول. قوله: بحق أخيه إنما
ذكر بالأخوة باعتبار الجنسية لأن المراد خصمه وهو أعم من أن يكون مسلماً أو ذمياً أو
معاهداً أو مرتداً، لأن الحكم في الكل سواء، وقيل: يحتمل أن يكون هذا من باب
التهييج وعبر بقوله بحق أخيه، مراعاة للفظ الخبر الذي تقدم في ترك الحيل من طريق
الثوري عن هشام بن عروة. قوله: ((فإن قضاء الحاكم)) ... إلى آخره، هذا الكلام من
كلام الشافعي فإنه لما ذكر هذا الحديث قال: فيه دلالة على أن الأمة إنما كلفوا القضاء
على الظاهر، وفيه أن قضاء القاضي لا يحرم حلالاً ولا يحل حراماً.
وتحرير هذا الكلام أن مذهب الشافعي وأحمد وأبي ثور وداود وسائر الظاهرية:
أن كل قضاء قضى به الحاكم من تمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو من حله
بطلاق أو بما أشبه ذلك، أن ذلك كله على حكم الباطن، فإن كان ذلك في الباطن كهو
في الظاهر، وجب ذلك على ما حكم به، وإن كان ذلك في الباطن على خلاف ما شهد
به الشاهد أن على خلاف ما حكم به بشهادتهما على الحكم الظاهر لم يكن قضاء
القاضي موجباً شيئاً من تمليك ولا تحريم ولا تحليل، وهو قول الثوري والأوزاعي
ومالك وأبي يوسف أيضاً. وقال ابن حزم: لا يحل ما كان حراماً قبل قضائه، ولا يحرم
ما كان حلالاً قبل قضائه، إنما القاضي منفذ على الممتنع فقط لا مزية له سوى هذا،
وقال الشعبي وأبو حنيفة ومحمد: ما كان من تمليك مال فهو على حكم الباطن، وما
كان من ذلك من قضاء بطلاق أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة وباطنهم الجراحة فحكم
الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم الذي تعبد الله أن يحكم بشهادة مثلهم معه، فذلك
يجزيهم في الباطن لكفايته في الظاهر.
٤٤/ ٧١٨١ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عن صالح،
عن ابنِ شهابٍ قال: أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أبي سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ أنَّ أُمَّ سَلَّمَةَ
زَوْجَ النّبِيِّ وَّرَ أَخْبَرَتْها عنْ رسولِ اللهِوََّ أنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةٌ بِبابٍ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ
فقال: ((إنّما أنا بَشَرٌ، وإِنَّهُ يَأْتِينِ الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فأخْسِبُ
أَنَّهُ صادِقٌ فأقْضِيَ لهُ بِذُلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقْ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلَيَأْخُذْها أوْ
لِینُکھا».
[انظر الحديث ٢٤٥٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: (فاقضي له بذلك)) ... إلى آخر الحديث.

٣٨٣
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٢٩)
وإبراهيم بن سعد بن إبرهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وصالح هو ابن كيسان.
والحديث قد مضى في المظالم عن عبد العزيز بن عبد الله أيضاً وفي الشهادات
وفي الأحكام عن القعنبي وفي الأحكام أيضاً عن أبي اليمان وفي ترك الحيل عن
محمد بن كثير، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((خصومة)) وفي رواية شعيب عن الزهري: جلبة، بفتح الجيم واللام وهو
اختلاط الأصوات، وفي رواية الطحاوي: جلبة خصام عند بابه، والخصام جمع خصيم
كالكرام جمع کریم، وفي رواية مسلم: جلبة خصم، وله في رواية من طريق معمر عن
هشام: لجبة بتقديم اللام على الجيم، وهي لغة في جلبة ولم يعين أصحاب الجلبة،
وفي رواية أبي داود: أتى رسول الله وَلقر، رجلان يختصمان، وأما الخصومة ففي رواية
عبد الله بن رافع: أنها كانت في مواريث لهما، وروى الطحاوي بسنده إلى عبد الله بن
رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول
الله وَله، فقال: إنما أنا بشر ... الحديث. قوله: ((باب حجرته))، وفي رواية مسلم:
عند بابه، والحجرة هي منزل أم سلمة، وكانت الخصومة في مواريث وأشياء بينهما قد
درست وليست لهما بينة، فقال رسول الله وَلهر، وفي رواية مسلم في رواية معمر: بباب
أم سلمة. قوله: ((إنما أنا بشر)) البشر يطلق على الجماعة الواحد يعني: أنه منهم،
والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص بها في ذاته
وصفاته، وقد ذكرت في (شرح معاني الآثار) وفي قوله: ((إنما أنا بشر)) أي: من البشر
ولا أدري باطن ما يتحاكمون فيه عندي ويختصمون فيه لدي، وإنما أقضي بينكم على
ظاهر ما تقولون، فإذا كان الأنبياء، عليهم السلام، لا يعلمون ذلك فغير جائز أن تصح
دعوة غيرهم من كاهن أو منجم العلم، وإنما يعلم الأنبياء من الغيب ما أعلموا به بوجه
من الوحي. قوله: ((فلعل)) استعمل استعمال: عسى، وبينهما معاوضة. قوله: ((أبلغ من
بعض)) أي: أفصح في كلامه وأقدر على إظهار حجته، وفي رواية سفيان الثوري في
ترك الحيل: ((لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض)). قوله: ((فأحسب أنه
صادق))، هذا يؤذن أن في الكلام حذفاً تقديره: هو في الباطن كاذب، وفي رواية معمر:
فأظنه صادقاً. قوله: ((فأقضي له بذلك)) أي: أحكم له بما يذكره بظني أنه صادق، وفي
رواية أبي داود من طريق الثوري: ((فأقضي له عليه على نحو ما أسمع))، وفي رواية
عبد الله بن رافع: إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه. قوله: ((فمن
قضيت له بحق مسلم)) وفي رواية مالك ومعمر: فمن قضيت له بشيء من حق أخيه،
وفي رواية الثوري: فمن قضيت له من أخيه شيئاً، وكأنه ضمن: قضيت معنى:
أعطيت، وعند أبي داود عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه: فمن قضيت له من حق
أخيه بشيء فلا يأخذه. قوله: ((فإنما هي)) الضمير للحكومة التي تقع بينكم على هذا
:

٣٨٤
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٢٩)
الوجه يعني بحسب الظاهر. قوله: ((قطعة من النار)) تمثيل يفهم منه شدة التعذيب، وهو
من مجاز التشبيه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] قوله: قوله:
((فليأخذها أو ليتركها)» وفي رواية يونس: فليحملها أو ليذرها. وزاد عبد الله بن رافع في
آخر الحديث في رواية الطحاوي بعد أن قال: فليأخذها أو ليدعها، فبكى الرجلان.
وقال كل واحد منهما حقي لأخي الآخر. فقال رسول الله وَطيار: أما إذا فعلتما هذا فاذهبا
فاقتسما وتوخيا الحق. ثم أستهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه. قوله: توخيا
الحق، أي: تحرياه. قوله: ثم استهما أي: ثم اقترعا. فإن قلت: ما معنى: أو، هنا.
قلت: التخيير على سبيل التهديد إذ معلوم أن العاقل لا يختار أخذ النار التي تحرقه.
وفيه من الفوائد: أن البشر لا يعلمون ما غيب عنهم وستر عن الضمائر وأن بعض
الناس أدرى بمواضع الحجة وتصرف القول من بعض، وأن القاضي إنما يقضي على
الخصم بما يسمع منه من إقرار وإنكار أو بينات على حسب ما أحكمته السنة في ذلك.
وأن التحري جائز في أداء المظالم، وأن الحاكم يجوز له الاجتهاد فيما لم يكن فيه
نص. وأن الصلح على الإنكار جائز خلافاً للشافعي، قاله أبو عمر. وأن الاقتراع
والاستهام جائز، وقال أبو عمر: وقد احتج أصحابنا بهذا الحديث في رد حكم القاضي
بعلمه .
٤٥/ ٧١٨٢ - حدّثنا إسْماعِيلُ قال: حدّثني مالِكٌ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عَنْ عُزْوَةً بِنِ
الزُّبَيْرِ، عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ وَّ﴿ أَنَّها قالَتْ: كانَ عُتْبَةُ بنُ أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أخِيهِ
سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ أنَّ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبِضُهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كانَ عامُ الفَتحِ أخَذَهُ
سَعْدٌ، فقال: ابنُ أَخِي، قَدْ كانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، فقال: أخِي وابنُ
وَلِيدَةِ أبِي، وُلِدَ عَلى فراشِهِ. فَتَساوَقا إلى رسولِ اللهِ وَهِ فقال سَعْدٌ: يا رسولَ الله! ابنُ أخِي
كانَ عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ، وقال عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: أَخِي وابنُ وَلِيدَةِ أبي وُلِدَ عَلى فِراشِهِ، فقال رسولُ
اللهِ وَ﴾: ((هوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ)، ثُمَّ قال رسولُ اللهِّهِ: ((الوَلَدُ لِلْفِراشِ، ولِلْعاهِرِ
الحَجَرُ))، ثُمَّ قال لِسَوْدَةَ بنْتِ زَمْعَةَ: ((اخْتَجِبِي مِنْهُ)) لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآها حتَّى
لَقِيَ الله تعالى. [انظر الحديث ٢٠٢٣ وأطرافه].
وجه إيراد هذا الحديث السابق أن الحكم بحسب الظاهر ولو كان في نفس الأمر
خلاف ذلك فإنه وَّر حكم في ابن وليدة زمعة بحسب الظاهر، وإن كان في نفس الأمر
ليس من زمعة ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد فيدخل هذا في معنى الترجمة.
وإسماعيل هو ابن أبي أويس.
والحديث قد مضى في البيوع في: باب تفسير المشتبهات فإنه أخرجه هناك عن
قزعة عن مالك، وفي الفرائض عن قتيبة وفي المحاربين عن أبي الوليد ومضى الكلام فيه.

٣٨٥
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٠)
قوله: ((كان عتبة)) بضم العين وسكون التاء المثناة من فوق. قوله: ((ابن وليدة
زمعة)) الوليدة الجارية، وزمعة بسكون الميم وفتحها واسم الابن: عبد الرحمن. قوله:
((عهد إليّ)) بتشديد الياء، وعهد أوصى. قوله: ((فتساوقا)) من التساوق وهو مجيء واحد
بعد واحد، والمراد هنا: المسارعة. قوله: ((هو لك)) أي: إنه ابن أمته. قوله: ((وللعاهر))
أي: الزاني. قوله: ((الحجر)) أي: الخيبة كما يقال بفيه الحجر، وقيل: يراد به الحجر
الذي يرجم به المحصن، وليس بظاهر. قوله: ((احتجبي منه)) أي: من الابن المتنازع فيه
إنما قال ذلك تورعاً واحتياطاً.
٣٠ - بابُ الحُكْمِ فِي البِئرِ ونَحْوِها
أي: هذا باب في بيان الحكم في البئر ونحوها مثل الحوض والشرب، بكسر
الشين المعجمة .
٤٦/ ٧١٨٣ - حدّثنا إسْحاقُ بنُ نَصْرٍ، حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا سُفْيانُ، عنْ
مَنْصُورٍ والأعْمَشِ عنْ أبي وائِلِ قال: قال عَبْدُ الله: قال النبيِّ وَّ: ((لا يَخْلِفُ عَلَى يَمِينِ
صَبْرٍ يَقْتَطِعُ مالاً، وهوَ فِيها فَاجِرٌ إلاَ لَقِيَ الله وهوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ)). فأنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ [انظر الحديث ٢٣٥٦ وأطرافه].
٤٧ /٧١٨٤ - فَجاءَ الأشْعَثُ وعَبْدُ الله يحَدِّثُهُمْ فقال: فِيَّ نَزَلَتْ وفي رَجُلِ
خاصَمْتُهُ في بِئٍ، فقال النبيُّ نَّهِ: ((أَلَكَ بَيِّنَةٌ))؟ قُلْتُ: لا. قال: ((فَلْيَخْلِفْ)) قُلْتُ: إِذّاً
يَخْلِفَ. فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ. [انظر الحديث ٢٣٥٧
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وقيل: وجه دخول هذه الترجمة في القصة مع أنه لا فرق
بين البئر والدار والعبد حتى ترجم على البئر وحدها، أنه أراد الرد على من زعم أن الماء
لا يملك فحقق بالترجمة أنه يملك لوقوع الحكم بين المتخاصمين فيها. انتهى. قلت:
في أول كلامه نظر لأنه لم يقتصر في الترجمة على البئر وحدها، بل قال: ونحوها،
وفي آخر كلامه أيضاً نظر لأنه ليس في الخبر تصريح بذكر الماء، فكيف يصح الرد؟ .
وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري روى عنه
البخاري، فتارة يقول: حدثنا إسحاق بن نصر، وتارة يقول: إسحاق بن إبراهيم بن
نصر، وعبد الرزاق بن همام بالتشديد، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر،
والأعمش هو سليمان، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة وعبد الله هو ابن مسعود، رضي
الله تعالى عنه.
والحديث مضى في الشرب. قوله: ((على يمين صبر)) أي: يمين على حبس
عمدة القاري / ج٢٤ - م٢٥

٣٨٦
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣١)
الشخص عندها. قوله: ((يقتطع)) أي: يكتسب قطعة من المال لنفسه. قوله: ((وهو فيها
فاجر)) أي: كاذب. والجملة حالية. قوله: ((غضبان)) المراد من الغضب لازمه وهو
العذاب لأن الغضب لا يصح على الله لأنه غليان دم القلب لإرادة الانتقام.
قوله: ((الأشعث)) بالشين المعجمة وبالثاء المثلثة ابن قيس الكندي. قوله:
((وعبد الله يحدثهم)) الواو فيه للحال. قوله: ((في)) بتشديد الياء. قوله: ((وفي رجل)) اسمه
الجفشيش الكندي، ويقال الحضرمي، قال أبو عمر: يقال فيه بالجيم وبالحاء وبالخاء،
يكنى أبا الخير، ويقال: اسمه جرير بن معدان قدم على النبي وَ ل﴾ في وفد كندة. قوله:
«يحلف)» بالنصب.
٣١ - بابُ القَضاءِ في كَثِيرِ المال وقَليلِهِ
أي: هذا باب في بيان القضاء أي الحكم في كثير المال وقليله، يعني: لا فرق
في الحكم بين الكثير والقليل، لأن كل ذلك مال، ولكن الأقل من درهم لا يعد مالاً في
العرف حتى إنه لو قال: لفلان عليّ مال، فإنه لا يصدق في أقل من درهم، والكثير ما
له حد، والمال الكثير نصاب الزكاة، وقيل: نصاب السرقة عشرة دراهم، ثم قوله:
باب، مبتدأ محذوف الخبر، وقوله: القضاء، مبتدأ أو قوله: في كثير المال، خبره
تقديره: القضاء واقع أو ثابت أو سواء في كثير المال وقليله، وفي بعض النسخ: باب
القضاء في كثير المال وقليله، سواء بالخبر البارز، وقال بعضهم: باب، بالتنوين. قلت:
لا يقال بالتنوين إلاَّ إذا قدر مبتدأ قبله نحو: هذا باب، كما ذكرناه لأن الإعراب لا يكون
إلاَّ في المركب.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ شُبْرُمَةَ: القَضاءُ في قَلِيلِ المال وكَثِيرِهِ سَوَاءٌ.
أي: قال سفيان بن عيينة عن عبد الله بن شبرمة قاضي الكوفة، وهكذا ذكر سفيان
في (جامعه) عن ابن شبرمة.
٧١٨٥/٤٨ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، أخبرني عُرْوَةُ بنُ
الزُّبَيْرِ: أنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أبي سَلَمَةَ أخْبَرَتْهُ عنْ أُمِّها أُمّ سَلَّمَةَ قَالَتْ: سَمِعَ النبيُّ { * جَلَبَةَ
خِصامِ عِنْدَ بابِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فقال لَهُمْ: ((إِنَّما أنا بَشَرّ وإنهُ يأتِيني الخَضْمُ فَلَعَلَّ بَعْضاً أنْ
يَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، أَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ، وأحْسِبُ أنَّهُ صادِقٌ، فَمَنْ قَضَيْتُ لهُ بِحَقْ مُسْلِمٍ
فإنّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْها أوْ لِيَدعُها)). [انظر الحديث ٢٤٥٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((بحق مسلم))، لأن الحق يتناول القليل والكثير.
والحديث مضى قبل هذا الباب، ومضى الكلام فيه هناك.

٣٨٧
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٢)
٣٢ - بابُ بَيْعِ الإمامِ عَلَى النَّاسِ أمْوالَهُمْ وضِياعَهُمْ،
وقَدْ باع النبيُّ وَّهِ هُدَبَّراً مِنْ نُعَيْمِ بنِ النَّخَّامِ
أي: هذا باب في بيان حكم بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم، وهو جمع
ضيعة وهي العقار، قاله الكرماني، وقال أيضاً هو من عطف الخاص على العام. قلت:
وقد فسر الجوهري الضيعة بالعقار أيضاً، وقال صاحب (دستور اللغة): الضيعة القرية.
قلت: وفي اصطلاح الناس كذلك لا يطلقون الضيعة إلاَّ على القرية وإليه أشار ابن الأثير
أيضاً: ما يكون منه معاش الرجل كالضيعة والتجارة والزراعة ونحو ذلك، وذكره في
باب الضاد مع الياء. ثم قيل: إنما أضاف البيع إلى الإمام ليشير إلى أن ذلك يقع منه في
مال السفيه، أو في وفاء دين الغائب، أو من يمتنع أو غير ذلك ليتحقق أن للإمام
التصرف في الأموال في الجملة. وقال المهلب: إنما يبيع الإمام على الناس أموالهم إذا
رأى منهم سفهاً في أحوالهم، فأما من ليس بسفيه فلا يباع عليه شيء من ماله إلا في
حق يكون عليه. قوله: وقد باع النبي * مدبراً من نعيم بن النحام: وإنما ذكره في
معرض الاستدلال لما ذكره قبله، وإنما باع مدبره لأنه أنفد جميع ذات يده في المدبر
لأنه تعرض للهلكة فنقض وَ﴿ فعله، وإنما لم ينقض على الذي قال له: لا خلابة، لأنه
لم يفوت على نفسه جميع ماله ونعيم مصغراً هو النحام لأنه وَ ر قال: سمعت نحمة
نعيم - أي: سلعته - في الجنة ولفظ الابن زائد، وقال أبو عمر: نعيم بن عبد الله النحام
القرشي العدوي، وإنما سمي النحام لأنه، ◌َ *، قال: دخلت الجنة فسمعت نحمة من
نعيم فيها، والنحمة السعلة، وقيل: النحنحة الممدود آخرها فسمي بذلك: النحام، كان
قديم الإسلام، يقال إنه أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر، رضي الله عنه، وكان
يكتم إسلامه، وكانت هجرته عام خيبر، وقيل: بل هاجر في أيام الحديبية، وقيل! أقام
بمكة حتى كان قبل الفتح قتل بأجنادين شهيداً سنة ثلاث عشرة في آخر خلافة أبي بكر،
رضي الله عنه، وقيل: قتل يوم اليرموك في رجب سنة خمس عشرة.
٧١٨٦/٤٩ - حدّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ، حدثنا إسماعيل، حدّثنا
سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلِ، عنْ عَطاءٍ، عَنْ جَابِرِ قال: بَلَغَ النبيِّ وَّهِ أَن رَجُلاً مِنْ أصْحابِهِ أعْتَقَ غلاماً
عنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لهُ مالٌ غيْرَهُ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ. [انظر الحديث ٢١٤١
وأطرافهاً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وابن نمير هو محمد بن عبد الله بن نمير - مصغر نمر -
الحيوان المشهور، ومحمد بن بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة،
وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وسلمة بن كهيل - مصغر كهل - وعطاء هو ابن أبي رباح
بفتح الراء وتخفيف الباء الموحدة، وجابر هو ابن عبد الله، وكذا وقع في بعض النسخ.

٣٨٨
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٣)
والحديث مضى في البيوع. وأخرجه أبو داود في العتق عن أحمد بن حنبل.
وأخرجه النسائي فيه عن أبي داود الحراني وغيره. وأخرجه ابن ماجه عن شيخ البخاري
وغيره.
قوله: ((عن دبر)) يعني: علق عتقه بعد موته ووقع هنا للكشميهني: عن دين، بفتح
الدال وسكون الياء آخر الحروف وبالنون، قيل: هو تصحيف، والمشهور هو الأول.
والرجل المذكور هو أبو مذكور، واسم الغلام: يعقوب، والمشتري: نعيم النحام.
٣٣ - بابُ مَنْ لَمْ يَكْثَرَتْ بِطَعْنٍ مَنْ لا يَعْلَمُ في الأُهُرَاءِ حَدِيثاً
أي: هذا باب في ذكر من لم يكترث أي: لم يبال ولم يلتفت، وأصله من الكرث
بفتح الكاف وسكون الراء وبالثاء المثلثة يقال: ما اكترثت أي: ما أبالي، ولا يستعمل إلاَّ
في النفي، واستعماله في الإثبات شاذ. وقال المهلب: معنى هذه الترجمة أن الطاعن إذا
لم يعلم حال المطعون عليه فرماه بما ليس فيه لا يعبأ بذلك الطعن ولا يعمل به. قوله:
بطعن من لا يعلم إشارة إلى أن من طعن فعلم أنه يعمل به فلو طعن بأمر محتمل كان
ذلك راجعاً إلى رأي الإمام.
٧١٨٧/٥٠ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ، حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِم، حدّثنا
عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ قال: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ، رضي الله عنهما، يَقُولُ: بَعَثَ رسولُ اللهَ وَّهِ بَعْثاً
وأمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بنَ زَيْدِ، فَطُعِنَ في إمارَتِهِ، وقال: ((إنْ تَطْعُتُوا في إمارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ
في إمارَةٍ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وانمُ الله! إنْ كانَ لخَلِيقاً للإِمْرَةِ، وإنْ كانَ لِمَنْ أحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ،
وإنْ لهذا لَمِنْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ)). [انظر الحديث ٣٧٣٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مضى في آخر المغازي في: باب بعث
النبي * أسامة بن زيد في مرضه الذي توفي فيه ومضى الكلام فيه.
قوله: ((بعثاً) أي: جيشاً قوله: ((وأمر)) بتشديد الميم أي: جعله أميراً على الجيش.
قوله: ((فطعن))، على صيغة المجهول. قوله: ((في إمارته)) بكسر الهمزة. قوله: ((أن
تطعنوا في إمارته)) أي: في إمارة أسامة قوله: ((فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه)) أي أبي
أسامة وهو زيد. قوله: ((من قبله)) وذلك أنهم طعنوا في إمارة زيد من قبل طعن أسامة،
وكان رسول الله ﴿ بعث أسامة إلى الحرقات من جهينة وبعثه أميراً في غزوة مؤتة
فاستشهد هناك، وقال الكرماني: قالت النحاة: الشرط سبب للجزاء متقدم عليه، ولههنا
ليس كذلك، ثم أجاب بأنه يؤول مثله بالإخبار عندهم، أي: إن طعنتم فيه فأخبركم
بأنكم طعنتم من قبل في أبيه، ويلازمه عند البيانيين أي: إن طعنتم فيه تأثمتم بذلك لأنه
لم يكن حقاً، والغرض أنه كان خليقاً بالإمارة، أشار إليه بقوله: ((وايم الله ... )) إلى

٣٨٩
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٤)
آخره، ولفظ: ايم الله، من ألفاظ القسم كقولك: والله، وفيها لغات كثيرة، وتفتح
همزتها وتكسر وهمزتها همزة وصل، وقد تقطع، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها
جمع يمين، وغيرهم يقول: هو اسم موضوع للقسم. قوله: ((إن كان)) لفظه: إن،
مخففة من المثقلة أصله، إنه كان، أي: إن زيد بن أسامة ((كان لخليقاً)) أي لائقاً للإمرة
ومستحقاً لها، وفي رواية الكشميهني: للإمارة. قوله: (وإن كان)) أي: وإنه كان («لمن
أحب الناس إليّ)) بتشديد الياء. قوله: ((وإن هذا)) أي: وإن زيداً هذا وأشار إليه («لمن
أحب الناس إليّ بعده)) أي: بعد أسامة. فإن قلت: قد طعن على أسامة وأبيه ما ليس
فيهما ولم يعزل الشارع واحداً منهما، بل بيَّن فضلهما، ولم يعتبر عمر بن الخطاب،
رضي الله تعالى عنه، بهذا القول في سعد وعزله حين قذفه أهل الكوفة بما هو بريء
منه. قلت: عمر، رضي الله تعالى عنه، لم يعلم من مغيب أمر سعد ما علمه الشارع من
أمر زيد وأسامة، وإنما قال عمر لسعد حين ذكر أن صلاته تشبه صلاة رسول الله وثائقى:
ذلك الظن بك، ولم يقطع على ذلك كما قطع رسول الله وَير في أمر زيد: إنه خليق
للإمارة، وقيل: الطاعنون فيهما من استصغار سنهما على من قدما عليه من مشيخة
الصحابة، وقيل: هم المنافقون الذي كانوا يطعنون على رسول الله وَّل* ويقبحون آراءه.
٣٤ - بابُ الأَلَدِّ الخَصِمِ، وهُوَ الدَّائِمُ في الخُصُومَةِ
أي: هذا باب في ذكر الألد بفتح الهمزة واللام وتشديد الدال الخصم بفتح الخاء
المعجمة وكسر الصاد المهملة، وفسره البخاري بقوله وهو الدائم الخصومة، أراد أن
خصومته لا تنقطع .
﴿لُدّا﴾: عُوجاً.
أشار به إلى قوله: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّدًّا﴾ [مريم: ٩٧] واللد بضم اللام جمع ألد،
والعوج بضم العين جمع أعوج، وفسره به وفي رواية الكشميهني: ألد: أعوج، وفي
تفسير عبد بن حميد من طريق معمر عن قتادة في قوله: ﴿مَدًا﴾ قال: جدلاً بالباطل.
٧١٨٨/٥١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجِ سَمِعْتُ ابنَ
أبي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَبْغَضُ الرَّجال
إلى الله الألَّدُّ الخَصِمُ)). [انظر الحديث ٢٤٥٧ وطرفه].
الترجمة والحديث واحد. ويحيى هو القطان، وابن جريج هو عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج، وابن أبي مليكة هو عبد الله، واسم أبي مليكة بضم الميم زهير.
والحديث مضى في المظالم عن أبي عاصم وفي التفسير عن قبيصة عن سفيان
الثوري ومضى الكلام فيه .

٣٩٠
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٥)
قال الكرماني: الأبغض هو الكافر، ثم قال: معناه أبغض الكفار والكافر المعاند،
وأبغض الرجال المخاصمين الألد الخصم، وقيل: المعنى الثاني هو الأصوب، وهو
أعم من أن يكون كافراً أو مسلماً.
٣٥ - بابٌ إِذَا قَضَى الحاكِمُ بِجَوْرٍ أوْ خِلاَفِ أهْلِ العِلْمِ فَهْوَ ردِّ
أي: هذا باب فيه إذا قضى الحاكم بجور أي بظلم، أو قضى بحكم هو يخالف أهل
العلم. قوله: قوله: ((فهو رد))، جواب: إذا، أي: مردود، يعني: ينقض، وهذا لا خلاف
فيه بين أهل العلم، فإن كان وجه الاجتهاد والتأويل كما صنع خالد بن الوليد، رضي الله
عنه، على ما يأتي الآن، فإن الإثم فيه ساقط والضمان لازم في ذلك عند عامة أهل العلم،
إلاَّ أنهم اختلفوا فيه، فقالت طائفة: إذا أخطأ الحاكم في حكمه في قتل أو جراح فديَّة ذلك
في بيت المال، وكذا عند الثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وعند الأوزاعي وأبي
يوسف ومحمد والشافعي: على عاقلة الإمام.
٧١٨٩/٥٢ - حدّثنا مَحمُودٌ، حدّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ
سالِم، عنِ ابنِ عُمَرَ بَعَثَ النبيِّ وَّرِ خالِداً. (ح) وحدّثني: نُعَيْمٌ، أخبرنا عبْدُ الله أخبرنا
مَعْمَرَّ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عنْ سالِم عنْ أَبِيهِ قال: بِعَثَ النبيُّ ◌َ﴿ِ خالِدَ بنَ الوَلِيدِ إلى بَنِي جَذِيمَةً
فَلَمْ يُخْسِنُوا أن يَقولُوا: أسْلمنّا، فقالُوا: صَبأْنَا صَبأْنَا، فَجَعَل خالِدٌ يَقْتُلُ ويأسِرُ، ودَفَعَ إلى
كلِّ رَجُلٍ مِنَّ أسِيرَهُ، فأمَرَ كلَّ رُجلٍ مِنَّا أنْ يَقْتُلَ أسِيرَهُ، فَقُلْتُ: والله لا أقْتُلُ أسِيرِي ولا
يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أصْحابي أسِيرَهُ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنبِيِّ نَّهِ فقال: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ
خالِدُ بنُ الوَلِيدِ، مَرَّتَيْنِ)).
[انظر الحديث ٤٣٣٩].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله وٍَّو: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) يعني:
من قتله الذين قالوا: صبأنا، قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك القول، فإن فيه إشارة
إلى تصويب فعل ابن عمر ومن تبعه في تركهم متابعة خالد على قتل من أمرهم بقتلهم
من المذكورين، وقال الخطابي: الحكمة في تبريه ◌ّ ل﴿ من فعل خالد مع كونه لم يعاتبه
على ذلك لكونه مجتهداً أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان
بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن فعل مثله. وقال ابن بطال: الإثم، وإن كان
ساقطاً عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم، لكن الضمان لازم
للمخطىء عند الأكثر مع الاختلاف، وقد بيناه الآن.
ثم إنه أخرج هذا الحديث من طريقين. أحدهما: عن محمود بن غيلان عن

٣٩١
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٦)
عبد الرزاق بن همام عن معمر بن راشد عن محمد بن مسلم الزهري عن سالم بن
عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. والآخر عن نعيم بضم
النون وفتح العين المهملة ابن حماد الرفاء بتشديد الفاء المروزي الأعور ذو التصانيف،
امتحن في القرآن وقيد فمات بسامرا سنة تسع وعشرين ومائتين، وفي رواية أبي ذر:
وحدثني أبو عبد الله نعيم بن حماد، وفي رواية غيره: قال أبو عبد الله حدثني أبو
نعيم، وأبو عبد الله هذا هو البخاري، ونعيم يروي عن عبد الله بن المبارك المروزي
عن معمر إلى آخره.
والحديث مضى في المغازي في: باب بعث النبي ◌ّر، خالد بن الوليد إلى بني
جذيمة، وهي قبيلة من عبد قیس.
قوله: ((صبأنا)) من صبأ الرجل إذا خرج من دين إلى دين. قوله: ((مما صنع خالد))
أي: من العجلة في قتلهم وترك التثبت في أمورهم.
:
٣٦ - بابُ الإِمامُ يأْتِي قَوْماً فَيُصْلِحُ بَيْنَهُمْ
أي: هذا باب فيه: الإمام ... إلى آخره، وارتفاع الإمام بالابتداء وخبره: يأتي
قوماً، قوله: ((فيصلح))، وفي رواية الكشميهني: ليصلح بينهم، باللام بدل الفاء ويجوز
إضافة الباب إلى الإمام أي: هذا باب في أمر الإمام حال كونه يأتي قوماً لأجل الإصلاح
بینھم .
٧١٩٠/٥٣ - حدّثنا أبو النُّعْمانِ، حدثنا حَمَّادٌ، أَبُو حازِمِ المَدِينِيُّ، عنْ سَهْلِ بنِ
سَعْدِ السَّاعِدِيِّ قال: كانَ قِتالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرٍو فَبَلَغَ ذلِكَ النبيَّ ◌َ﴿ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَتَاهُمْ
يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلاَةُ العَصْرِ فَأَذْنَ بِلالٌ وأقامَ وأمَرَ أبا بَكْرٍ، فَتَقَدَّمَ وجاءَ النبيُّ ◌َِه
وأَبُو بَكْرٍ في الصلاةِ، فَشَقَّ النّاسَ حتَّى قَامَ خَلْفَ أبي بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ في الصَّفِّ الّذِي يَلِيهِ،
قال: وصَفْحَ القَوْمُ، وكانَ أَبُو بَكْرٍ إذا دَخَلَ في الصَّلاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ حتَّى يَفْرُغَ، فَلمَّا رَأى
التَّصْفِيحَ لا يُمْسَكُ عَليْهِ الْتَفَتَ فَرَأى النبيِّي ◌َ خَلْفَهُ، فَأَوْمَأْ إِلَيْهِ النبيُّ وَّهِ: أنِ امْضِهْ،
وأوْمَأْ بِيَدِهِ هُكَذا، ولَبِثَ أَبُو بَكْرٍ هُنَّةً يَحْمَدُ الله عَلى قَوْلِ النبيِّ وَّرَ، ثمَّ مَشَى القَهْقَرَى،
فَلَمَّا رأى النبيُّ ◌َِّ ذُلِكَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى النبيُّ ◌َ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قال: ((يا أبا بَكْرِ
ما مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أنْ لا تكُونَ مَضَيْتَ؟)) قال: لَمْ يَكُنْ لابْنٍ أبي قُحافَةَ أنْ يَؤُمَّ
النّبِيَّ ◌ََّ، وقال لِلْقَوْمِ: ((إذا نابَكُمْ أمْرٌ فَلْيُسَبْحِ الرّجالُ، ولْيُصَفْحِ النِّساءُ)). [انظر الـ
٦٨٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو النعمان محمد بن الفضل وحماد بن زيد، وكذا في
بعض النسخ وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار المدني.

٣٩٢
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٧)
والحديث مضى في الصلاة في: باب من دخل ليؤم الناس.
قوله: ((بين بني عمرو)) أي: ابن عوف بالفاء وهي قبيلة. قوله: ((فأذن بلال)) قيل:
ليس هذا محل الفاء سواء كان: لما، للشرط أو للظرفية. وأجيب بأن جزاءه محذوف
وهو: جاء المؤذن، والفاء للعطف عليه. قوله: ((فشق الناس))، فإن قلت: جاء
عنه، وٍَّ، أنه نهى عن التخطي ... ؟ الحديث. قلت: الإمام مستثنّى من ذلك، فله أن
يتخطى إلى موضعه. وقال المهلب: الشارع ليس كغيره في أمر الصلاة وغيرها، فإنه
ليس لأحد أن يتقدم عليه فيها. قوله: ((وصفح القوم))، بتشديد الفاء من التصفيح وهو
التصفيق وهو التصويت باليد، قوله: ((لا يمسك عليه)) بلفظ المجهول، ويروى: عنه.
قوله: ((أمضه)) من الإمضاء وهو الإنقاذ. قوله: ((هكذا)) أي: مشيراً بالمكث في مكانه.
قوله: ((هنية))، مصغر الهنة أصلها: الهنوة. أي: زماناً يسيراً. قوله: ((يحمد الله)) حال:
أي: يحمد الله على قول النبي وهو، المستفاد من الإشارة بالإمضاء والمكث في
المكان، وفي رواية الكشميهني: فحمد الله بالفاء. قوله: ((القهقرى)) نوع من المشي وهو
رجوع إلى خلف. قوله: ((يا أبا بكر)) أصله: يا أبا بكر، حذفت الألف للتخفيف. قوله:
((إذا)) أي: حين قوله: ((أومأت إليك)). قوله: ((مضيت)) أي: تقدمت. قوله: ((لم يكن
لابن أبي قحافة)) بضم القاف وفتح الحاء المهملة وبالفاء وهو كنية والد أبي بكر واسمه
عثمان التيمي، أسلم عام الفتح وعاش إلى خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، إنما قال
هكذا ولم يقل: لي أو: لأبي بكر تحقيراً لنفسه واستصغاراً لمرتبته عند رسول الله وَله .
قوله: ((إذا نابكم)) بالنون أي: إذا أصابكم أمر ويروى: إذا رابكم، أي: سنح لكم حاجة
((فليسبح الرجال)) أي: ليقولوا: سبحان الله. قوله: ((وليصفح النساء)) من التصفيح، وقد
مر تفسيره، وهو أن تضرب بيدها على ظهر يدها الأخرى.
٣٧ - بابٌ يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أنْ يَكُونَ أمِيناً عاقِلاً.
أي: هذا باب في بيان ما يستحب لكاتب الحكم أن يكون أميناً في كتابته بعيداً من
الطمع ولا يأخذ أكثر من أجرة المثل في موضع يجوز له الأخذ ولا يأخذ مثل ما يأخذ
غالب شهود مصر. قوله: ((عاقلاً)) يعني: لا يكون مغفلاً مثل بعض قضاة مصر، لأن
المغفل يخدع ويضيع حقوق الناس ولا سيما إذا كان لا يخرج من كلام بعض خواصه
من أكالين أموال الناس المفسدين، وعن الشافعي، رضي الله تعالى عنه: ينبغي لكاتب
القاضي أن يكون عاقلاً لئلا يخدع ويحرص على أن يكون فقيهاً لئلا يؤتى من جهله،
ويكون بعيداً.
٥٤/ ٧١٩١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله أبُو ثابتٍ، حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنِ
ابنِ شِهابٍ، عنْ عُبِيْدِ بن السَّبَّاقِ، عَنْ زيْدِ بنِ ثابتٍ قال: بَعَثَ إلَيَّ أَبُو بَكْرٍ لِمِقْتَلِ أهْلِ

٣٩٣
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٧)
اليَمامَةِ، وعِنْدَهُ عُمَرُ، فقال أبُو بَكْرٍ: إنَّ عُمَرَ أتاني فقال: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامةِ
بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وإِنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتلُ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ في المَواطِنِ كُلُّها، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ
كَثِير، وإِنِّي أَرَى أنْ تَأَمُرَ بِجَمْع القُرآنِ! قُلْتُ: كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ اللهِ وَلِ؟
فقال عُمَرُ: هُوَ والله خَيْرٌ، فَلَمَّ يَزَلْ عُمَرُ يُراجِعُنِي فِي ذُلِكَ حتى شَرَحَ اللهِ صَدْرِي لِلَّذِي
شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، ورَأيْتُ في ذُلِكَ الّذِي رَأى عُمَرُ، قال زَيْدٌ : قال أبُو بَكْرٍ: وإِنَّكَ رَجُلٌ
شابٌّ عاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللهِ وَّهِ فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، قال
زَيْدٌ: فَوالله لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ ما كانَ بِأَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا كُلَّفَنِي مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ.
قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ اللهِ وَلَ؟ قال أبُو بَكْرٍ: هُوَ والله خيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ
يَحُثُ مُراجَعِتِي حتَّى شَرَحِ اللهِ صَدْرِي لِلّذِي شَرَحَ الله لهُ صَدْرَ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأيْتُ في
ذُلِكَ الّذِي رَأْياً، فَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ العُسْبِ والرِّقاعِ واللّخاف، وصُدُورِ الرِّجالِ،
فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ الثَّوْيَةِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخِرِها
مَعَ خُزَيْمَةَ: أوْ أبي خُزَيْمَةَ - فَأَلْحَقْتُها في سُورَتِها، وكانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرِ حَياتَهُ حتَّى
تَوَفَّاهُ الله عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَياتَهُ حتَّى تَوَفَّاهُ اللهِ، ثُمَّ عِنْدَ حَقْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ.
قال مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله: اللِّخافُ، يَعْنِي: الخَزَفَ. [انظر الحديث: ٢٨٠٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك)).
ومحمد بن عبيد الله - بتصغير العبد - أبو ثابت مولى عثمان، رضي الله تعالى
عنه، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وابن شهاب هو
محمد بن مسلم الزهري، وعبيد - مصغر عبد - بن السباق، بالسين المهملة وتشديد
الباء الموحدة الثقفي .
والحديث مضى في تفسير سورة براءة وفي فضائل القرآن ومضى الكلام فيه.
قوله: ((اليمامة)) بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميم الأولى: جارية زرقاء
كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وبلاد الجون منسوبة إليها وهي من اليمن وفيها
قتل مسيلمة الكذاب، وقتل من القراء سبعون أو سبعمائة. قوله: ((استحر)) أي: اشتد
وكثر. قوله: ((خير)) يحتمل أن يكون أفعل التفضيل، وأن لا يكون. قيل: كيف يكون
فعلهم خيراً مما كان في زمن رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم؟ وأجيب:
يعني هو خير في زمانهم، وكذا الترك كان خيراً في زمانه لعدم تمام النزول واحتمال
النسخ، فلو جمعت بين الدفتين وسارت به الركبان إلى البلدان ثم نسخ لأدى ذلك إلى
اختلاف عظيم. قوله: ((من العسب)) بضم العين وسكون السين المهملتين جمع عسیب،
وهو جريد النخل إذا نزع منه الخوص. قوله: ((والرقاع)) جمع رقعة. قوله: ((واللخاف))

٣٩٤
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٨)
بالخاء المعجمة جمع اللخفة وهو الحجر الأبيض، وقيل: الخزف. قوله: ((مع
خزيمة)) بن ثابت الأنصاري قوله: ((أو أبي خزيمة)) شك من الراوي، وأبو خزيمة بن
أوس بن يزيد بن أصرم شهد بدراً وما بعدها من المشاهد وتوفي في خلافة عثمان،
رضي الله تعالى عنه، قيل: قد مر في: باب جمع القرآن أن الآية التي مع خزيمة: ﴿مِّنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] من سورة الأحزاب؟ أجيب: بأن
آية التوبة كانت عند النقل من العسب إلى الصحف، وآية الأحزاب عند النقل من
الصحيفة إلى المصحف قيل: كيف ألحقها بالقرآن وشرطه التواتر؟ قيل له: معناه لم
أجدها مكتوبة عند غيره، قيل: لما كان متواتراً فما هذا التتبع؟ أجيب: للاستظهار، لا
سيما وقد كتب بين يدي رسول الله وَّ﴾، وليعلم هل فيها قراءة أخرى أم لا. قيل: ما
وجه ما اشتهر أن عثمان هو جامع القرآن؟ أجيب: بأن الصحف كانت مشتملة على
جميع أحرفه ووجوهه التي نزل بها، فجرد عثمان اللغة القرشية منها، أو كانت صحفاً
فجعلها مصحفاً واحداً جمع الناس عليها، وأما الجامع الحقيقي سوراً وآيات فهو رسول
الله ◌َ* بالوحي.
قوله: ((قال محمد بن عبيد الله)) هو شيخ البخاري. فإنه فسر اللخاف بالخزف.
٣٨ - بابُ كِتابِ الحاكِمِ إلى عُمَّالِهِ والقاضي إلى أمنائِهِ
أي: هذا باب في بيان كتاب الحاكم إلى عماله، بضم العين وتشديد الميم جمع
عامل، وهو الذي يوليه الحاكم على بلد لجمع خراجها. أو زكاتها أو الصلاة بأهلها أو
التأميل على جهاد عدوها، وكتاب القاضي إلى أمنائه جمع أمين وهو الذي يوليه القاضي
في ضبط أموال الناس نحو الجباة والشهود والذين يكتبون معهم.
٥٥/ ٧١٩٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ، عن أبي لَيْلى. (ح)
وحدّثنا إسْماعِيلُ، حدّثني مالِكٌ، عن أبي لَيْلِى بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بنِ سَهْلٍ، عنْ
سَهْلٍ بنِ أبي حَثْمَةَ أَنَّهُ أخْبَرَهُ هُوَ ورِجالٌ مِنْ كُبَراءِ قَوْمِهِ: أنَّ عَبْدَ الله بنِ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةً
خَرَجًا إلى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدِ أصابَهُمْ، فَأُخْبَرَ مُحَيِّصَةُ أنَّ عَبْدَ الله قَتِلَ وطُرِحَ فِي فَقِيرٍ - أوْ عَيْنٍ -
فأَتَّى يَهُودَ فقال: أنْتُم والله قَتَلْتُمُوهُ؟ قالُوا: ما قَتَلناهُ والله، ثُمَّ أَقْبَلَ حتى قَدِمَ عَلى قَوْمِهِ فَذَكَرَ
لَهُمْ - وأقْبَلَ هُوَ وأخُوهُ حُوَيْصَةُ، - وهوَ أكْبَرُ مِنْهُ - وعَبْدُ الرَّحْمُنِ بِنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ
وهوَ الَّذِي كان بِخَيْبَرَ، فقال النبيُّ وَّهِ لِمُحَيِّصَةَ: ((كَبِّزْ كَبِّزْ)) يُرِيدُ السِّنَّ. فَتَكَلَّمَ حُوَيْصَةُ ثمّ
تَكَلِّمُ مُحَيِّصَةُ، فقال رسولُ اللهِوَِّ: ((إمَّا أنْ يَدُوا صاحِبَكُمْ، وإمَّا أنْ يُؤْذِنُوا بِحِرْبٍ)) فَكتبَ
رسولُ اللهِ وَ﴿ إِلَيْهِمْ بِهِ، فَكُتِبَ: ما قَتَلْنَاهُ، فقال رسولُ اللهِوَهْ لِحُوَيِّصَّةَ ومُحَيِّصَةَ وعَبْدِ
الرَّحْمُنِ: ((أَتَحْلِفُونَ وتَسْتَحِقُونَ دَمَ صاحِبِكُمْ)؟ قالُوا: لا. قال: أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ قالُوا:

٣٩٥
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٨)
لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رسولُ اللهِ وَ﴿ مِنْ عِنْدِهِ مِائَة ناقَةٍ حتَّى أُدْخِلَتِ الدَّارَ، قال سَهْلٌ:
فَرَكّضَتْنِي مِنْها ناقَةٌ .
[انظر الحديث ٢٧٠٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فكتب رسول الله (وَ ل98)) أي: إلى أهل خيبر به أي:
بالخبر الذي نقل إليه.
وأخرجه من طريقين أحدهما: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي ليلى
بفتح اللامين مقصوراً ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل بن أبي حثمة، وقيل: أبو
ليلى هو عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، قال الكرماني: وقيل: لم يرو عنه
إلاَّ مالك فقط. فهو نقض على قاعدة البخاري حيث قالوا: شرطه أن يكون لراويه
راويان والطريق الآخر عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك إلى آخره والحديث مضى
في القسامة .
قوله: ((من كبراء قومه)) أي: عظمائهم. قوله: ((أن عبد الله بن سهل)) أي: ابن
زيد بن كعب الحارثي محيصة بضم الميم وفتح الحاء المهملة، وأما الياء آخر الحروف
فمشددة مكسورة أو مخففة ساكنة وبإهمال الصاد ابن مسعود بن كعب الحارثي. قوله:
((من جهد)) بفتح الجيم الفقر والاشتداد ونكاية العيش. قوله: ((وطرح في فقير) بالفاء
المفتوحة والقاف المكسورة والياء آخر الحروف الساكنة والراء، وهو فم القناة والحفيرة
التي يغرس فيها الفسيلة. قوله: ((وأخوه حويصة)) بالمهملتين على وزن محيصة في
الوجهين. قوله: ((وهو) حويصة. قوله: ((كبر)) أي: قدم الأسن في الكلام. قوله: ((إما
أن يدوا)) أي: إما أن يعطي اليهود الدية ومن ودى إذا أعطى الدية ومضارعه: يدي أصله
يودي حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة فصار على وزن: يعل. قوله: ((فكتب: ما
قتلناه)) في رواية الكشميهني: فكتبوا، وهذا أوجه. قال الكرماني: فكتب أي كتب الحي
المسمى باليهود، وفيه تكلف، وقال بعضهم: وأقرب منه أن يراد الكاتب عنهم لأن
الذي يباشر الكتابة إنما هو واحد. قلت: هذا أيضاً فيه تكلف. والأقرب منه
والأصوب: كتبوا، بصيغة الجمع، والأولى أن يكون: كتب، على صيغة المجهول،
ولفظ: قوله: ((ما قتلناه)) مرفوع به محلاً أي: كتب هذا اللفظ. قوله: ((أتحلفون؟))
قال الكرماني: كيف عرضت اليمين على الثلاثة، وإنما هي للوارث خاصة وهو
أخوه؟ قلت: كان معلوماً عندهم أن اليمين يختص به فأطلق الخطاب لهم لأنه كان
لا يعمل شيئاً إلاَّ بمشورتهما، إذ هو كان كالولد لهما. قوله: «فواده)» أي: فأعطىٍ
ديته ((رسول الله( 8) إنما أعطاه من عنده قطعاً للنزاع وجبراً لخاطرهم، وإلاَّ
فاستحقاقهم لم يثبت.

٣٩٦
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٣٩)
٣٩ - بابٌ هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أنْ يَبْعَثَ رَجُلاً وحدَهُ لِلنَّظَرِ في الأمُورِ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلاً حال كونه وحده للنظر
في الأمور أي: في أمور المسلمين؟ وفي رواية المستملي والكشميهني: أن يبعث رجلاً
وحده ينظر في الأمور؟ وجواب الاستفهام محذوف لم يذكره اكتفاء بما يوضح ذلك في
حدیث الباب.
وفيه خلاف: فعند محمد بن الحسن: لا يجوز للقاضي أن يقول: أقر عندي فلان
بكذا لا يقضي به عليه من قتل أو مال أو عتق أو طلاق حتى يشهد معه على ذلك غيره،
وأجاب عن حديث الباب أنه خاص بالنبي، وَّر، قال: وينبغي أن يكون في مجلس
القاضي أبداً عدلان يسمعان من يقر ويشهدان على ذلك، فينفذ الحكم بشهادتهما. وقال
أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أقر رجل عند القاضي بأي شيء كان وسعه أن يحكم به.
وقال ابن القاسم على مذهب مالك: إن كان القاضي عدلاً وحكم به ينفذ، وبه قال
الشافعي، وقال ابن القاسم: وإن لم يكن عدلاً لم يقبل قوله. وقال المهلب: في هذا
الحديث حجة لمالك في جواز إنفاذ الحاكم رجلاً واحداً يثق به يكشف له عن حال
الشهود في السر، كما يجوز قبول الفرد فيما طريقه الخبر لا الشهادة، وقال: وقد استدل
به قوم في جواز تنفيذ الحكم دون إعذار إلى المحكوم عليه، قال: وهذا ليس بشيء لأن
الإعذار يشترط فيما كان الحكم فيه بالبينة لا ما كان بالإقرار كما في هذه القصة،
لقوله وَل: فإن اعترفت.
٧١٩٣/٥٦، ٧١٩٤ - حدّثنا آدَمُ، حدثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، حدّثنا الزُّهْرِيُّ، عنْ
عُبَيْدِ الله، بنِ عَبْدِ الله عنْ أبي هُرَيْرَةَ، وزَيْدِ بنِ خالِدِ الجُهَنيِّ قالا: جاءَ أعرابيٍّ فقال: يا
رسولَ الله اقْضٍ بَيْنَنا بِكِتابِ الله! فقامَ خَصْمُهُ فقال: صَدَقَ، فَاقْضٍ بَيْنَنا بِكِتابِ الله. فقال
الأغْرَابِيُّ: إنَّ ابْني كانَ عَسِيفاً عَلى هَذَا فَزَنَى بامْرَأْتِهِ، فقالُوا لي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَقَدَيْتُ
ابْني مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ. ثُمَّ سألْتُ أهْلَ العِلْمِ فقالُوا: إنَّما عَلى ابْنِكَ جَلْدُ مائَةٍ
وتَغْرِيبُ عام، فقال النبيُّ وَِّ: («لأقْضَيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابَ الله! أمَّا الوَلِيدَةُ والغَتَمُ فَرَدُّ عَلَيْكَ،
وعَلى ابْنِكَ جَلْدُ مائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، وأمَّا أنْتَ يا أَنَيْسُ - لِرَجُلٍ - فاغُدُ عَلى امْرَأَةٍ هُذَا
فارْجُمْها)»، فَغَدَا عَليْها أُتَيْسٌ فَرَجَمَها.
[انظر الحديثين ٢٣١٤ و٢٣١٥ وأطرافهما].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فاغد يا أنيس على امرأة هذا)).
وشيخ البخاري آدم بن إياس واسمه عبد الرحمن أصله من خراسان سكن
عسقلان وهو من أفراده، وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن

٣٩٧
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٠)
الحارث بن أبي ذئب بكسر الذال المعجمة واسمه هشام، والزهري محمد بن مسلم،
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة .
والحديث مضى مكرراً في الشروط عن قتيبة، وفي الوكالة عن أبي الوليد وفي
الصلح عن آدم وفي النذور عن إسماعيل وفي المحاربين عن عبد الله بن يوسف وعن
عاصم بن علي وعن مالك بن إسماعيل وغير ذلك، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((كان عسيفاً)) أي: أجيراً قوله: ((لأقضين بينكما بكتاب الله)) أي: بحكم الله
وليس هو في كتاب الله صريحاً. قوله: ((ووليدة)) هي الجارية. قوله: ((فرد)) أي: مردود
يجب الرد عليك. قوله: ((يا أنيس)) مصغر أنس ابن الضحاك الأسلمي على الأصح
والمرأة كانت أسلمية. قوله: ((فارجمها)) يعني: إن اعترفت فارجمها، صرح به في سائر
الروايات.
٤٠ - بابُ تَرْجَمَةِ الحُكّامِ، وهَلْ يَجُوزُ تُرْجُمانٌ واحِدٌ
أي: هذا باب في بيان ترجمة الحكام، جمع حاكم، وفي رواية الكشميهني
ترجمة الحاكم بالإفراد الترجمة تفسير الكلام بلسان غير لسانه، يقال: ترجم كلامه إذا
فسره بلسان آخر، ومنه الترجمان، والجمع التراجم. قال الجوهري: ولك أن تضم التاء
لضم الجيم فتقول: ترجمان. قوله: وهل يجوز ترجمان واحد؟ إنما ذكره بالاستفهام
لأجل الخلاف الذي فيه. فعند أبي حنيفة وأحمد يكتفى بواحد، واختاره البخاري وابن
المنذر وآخرون. وقال الشافعي وأحمد في الأصح: إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم
لا يقبل فيه إلاَّ عدلان كالشهادة، وقال أشهب وابن نافع عن مالك وابن حبيب عن
مطرف وابن الماجشون: إذا اختصم إلى القاضي من لا يتكلم بالعربية ولا يفقه كلامه
فليترجم له عنهم ثقة مسلم مأمون، واثنان أحب إليّ، والمرأة تجزىء، ولا يقبل ترجمة
كافر، وشرط المرأة عند من يراه أن تكون عدلة، ولا يترجم من لا تجوز شهادته.
٧١٩٥/٥٧ - وقال خارِجَةُ بنُ زَيْدِ بنِ ثابتٍ: عنْ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ، أنَّ النبيِّ وَّهِ أَمَرَهُ
أنْ يَتَعَلّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ حتَّى كَتَبْتُ لِلنبيِّ وَِّ كُتُبَهُ وأقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ ..
هذا التعليق من الأحاديث التي لم يخرجها البخاري إلاَّ معلقة وقد وصله مطولاً
في كتاب (التاريخ) عن إسماعيل بن أبي أويس: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن
أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت الحديث.
قوله: ((كتاب اليهود))، أي: كتابتهم يعني: خطهم، وفي رواية الكشميهني: كتاب
اليهودي. بياء النسبة. قوله: ((حتى كتبت)) بلفظ المتكلم. قوله: ((كتبه)) يعني: إليهم.
قوله: ((وأقرأته كتبهم)) يعني: التي يكتبونها إليه.

٣٩٨
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٠)
وقال عُمَرُ وعِنْدَهُ عَلِيٍّ وعَبْدُ الرَّحْمْنِ وعُثْمانُ: ماذَا تَقُولُ هَذِهِ؟ قال عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ
حاطِبٍ: فَقُلْت: تخْبِرُكَ بِصاحِبِهِما الَّذِي صَنَعَ بِهِما.
أي: قال عمر بن الخطاب. والحال أن عنده علي بن أبي طالب
وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنهم، قوله: ((ماذا تقول
هذه؟)) مقول عمر، رضي الله تعالى عنه، وأشار بقوله: هذه، إلى امرأة كانت حاضرة
عندهم، فترجم عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة مترجماً عنها لعمر، رضي الله
تعالى عنه، بإخبارها عن فعل صاحبهما، وهي كانت نوبية بضم النون وسكون الواو
وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف أعجمية من جملة عتقاء حاطب، وقد
زنت وحملت فأقرت أن ذلك من عبد اسمه: برغوس، بالراء والغين المعجمة وبالسين
المهملة بدرهمين، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق وسعد بن منصور من طرق عن
يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه نحوه.
وقال أبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابنِ عباسٍ وبَيْنَ النَّاسِ.
أبو جمرة بالجيم والراء واسمه نصر بن عمران الضبعي البصري. وأخرجه النسائي
بزيادة بعد قوله: وبين الناس، وأتته امرأة فسالته عن نبيذ الجر فنهى عنه ... الحديث.
وقال بَعْضُ النّاسِ": لا بُدَّ لِلْحَاكِمِ مِنْ مُتَرْجِمَيْنِ.
قال الكرماني: قال مغلطاي المصري: كأنه يريد ببعض الناس الشافعي، وهو رد
لقول من قال: إن البخاري إذا قال: بعض الناس، أراد به أبا حنيفة، ثم قال الكرماني:
أقول غرضهم بذلك غالب الأمر أو في موضع تشنيع عليه وقبح الحال، أو أراد به ههنا
أيضاً بعض الحنفية، لأن محمد بن الحسن قال بأنه لا بد من اثنين، غاية ما في الباب
أن الشافعية أيضاً قائل به، لكن لم يكن مقصوداً بالذات انتهى. وقال بعضهم: المراد
ببعض الناس محمد بن الحسن فإنما الذي اشترط أنه لا بد في الترجمة من اثنين،
ونزلها منزلة الشهادة. ووافقه الشافعي فتعلق بذلك مغلطاي، فقال: فيه رد لقول من
قال: إن البخاري ... الخ. قلت: سبحان الله! ما هذا التعصب الباطل حتى يوقعوا به
أنفسهم في المحذور فمآله لكرماني الذي طرح جلباب الحياء وبقول أو في موضع تشنيع
عليه وقبح الحال وما التشنيع وقبح الحال، إلا على من يتكلم في الأئمة الكبار الذين
سبقوهم بالإسلام وقوة الدين وكثرة العلم وشدة الورع والقرب من زمن النبي وَالر، ومع
هذا فالكرماني ما جزم بأن مراد البخاري ببعض الناس أبو حنيفة ومحمد بن الحسن لأنه
ردد في كلامه، والعجب من بعضهم الذي جزم بأن المراد به محمد بن الحسن،
فهروبهم عن المراد به الشافعي مثل ما ذكره الشيخ علاء الدين مغلطاي، لماذا والحال
أن المراد لو كان الشافعي لما يلزم به النقص للشافعي ولا ينقص من جلالة قدره شيء،

٣٩٩
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤١)
على أن البخاري لا يراع الشافعي قط، والدليل عليه أنه ما روى عنه قط في (جامعه
الصحيح)، ولو كان يعترف به لروى عنه كما روى عن الإمام مالك جملة مستكثرة،
وكذلك روى عن أحمد بن حنبل في آخر المغازي في مسند بريدة أنه: غزا مع
النبي و ◌ّلقر، ست عشرة غزوة، وقال في كتاب الصدقات: حدثنا محمد بن عبد الله
الأنصاري حدثنا أبي حدثنا ثمامة ... الحديث، ثم قال عقيبه: وزادني أحمد بن حنبل
عن محمد بن عبد الله الأنصاري، وقال في كتاب النكاح: قال لنا أحمد بن حنبل.
٧١٩٦/٥٨ - حدّثنا أبو اليمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عنِ الزهْرِيِّ أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ
عبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسِ أخبرَهُ أنَّ أبا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ أخبَرَهُ أنَّ هِزْقَلْ أرْسَلَ إلَيْهِ في
ركُبٍ مِنْ قُرَيشٍ ثُمَّ، قال لِتَرْجُمانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سائِلٌ هذا، فإنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَذَكَرَ
الحَدِيثَ، فقال للتَّرْجمانِ: قُلْ لهُ: إنْ كانَ ما تَقُولُ حَقّاً فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هاتَيْنٍ. [انظر
الحديث ٧ وأطرافه].
قال الكرماني ذكر ترجمة الحاكم ولا حكم فيها، ونصب الأدلة في غير ما ترجم
عليه. قلت: غرض البخاري ذكر لفظ الترجمة ليس إلاّ وليس مراده الحكم بالترجمة.
ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم، وأبو اليمان الحكم بن نافع. والحديث مضى في أول
الكتاب مطولاً. وأبو سفيان اسمه صخر بن حرب.
٤١ - بابُ مُحاسَبَةِ الإمامِ عُمَّالَهُ
أي: هذا باب في بيان محاسبة الإمام عماله، بضم العين جمع عامل.
٧١٩٧/٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدٌ، أخبرنا عَبْدَة، حدّثنا هِشامُ بنُ عُزْوَةً، عنْ أبِيهِ عنْ
أبي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ أنَّ النبيَّ وَ اسْتَعْمَلَ ابنَ الأُتُبِيَّةِ عَلى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمِ، فَلَمَّا جاءَ إلى
رسُولِ اللهِوَ﴿ وحاسبَهُ قال: هَذَا الّذِي لَكُمْ وهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لي، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ:
((فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أبِيكِ وبَيْتِ أُمُكَ حتَّى تَأْتِيَكَ هَدَيَّتُكَ إنْ كُنْتَ صادقًا)) ثُمَّ قامَ رسولُ
اللهِ وَِّ فَخَطَبَ النَّاسَ وحَمِدَ الله وأثْنِى عَلَيْهِ، ثُمَّ قال: ((أمَّا بَعْدُ! فإنّي اسْتَعْمِلُ رِجالاً مِنْكُمْ
عَلى أُمُور مِمَّا ولأَّني الله، فَيَأْتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ: هذا لَكُمْ وهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلاَّ
جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ وبَيْتِ أُمِّهِ حتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إنْ كان صادقاً؟ فَوالله لا يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مِنْها
شَيْئاً)) قال هِشامٌ: بِغَيْرِ حَقِّهِ - ((إلاّ جاءَ الله يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ألا فَلاَ أعْرفَنَّ ما جاءَ الله
رجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغاء، أوْ بِبَقَرَةٍ لَها خُوارٌ، أوْ شاةٍ تَيْعَرُ)) ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حتَّى رَأيْتُ بَيَاضَ إِنْطَيْهِ:
((ألا هَلْ بَلَّغْتُ)). [انظر الحديث ٩٢٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد هو ابن سلام، وعبدة هو ابن سليمان.

٤٠٠
٩٤ - كتاب الأحكام / باب (٤٢)
والحديث مضى عن قريب في: باب هدايا العمال، ومضى الكلام فيه مستوفّى.
قوله: ((ابن الأتبية)) بضم الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق ويقال: ابن اللتبية
باللام بدل الهمزة واسمه عبد الله. قوله: ((فهلا جلس))، هكذا رواية الكشميهني في
الموضعين، وفي رواية غيره: ألا، وهما بمعنى. قوله: ((فلا أعرفن))، بلفظ النهي
ويروى: فلأعرفن، واللام جواب القسم. قوله: ((ما جاء الله)) أي: مجيئه ربه وكلمة:
ما، مصدرية أو موصوفة أي: رجل جاء الله، قوله: ((رجل ببعير))، أي: يجيء رجل
ببعير أو هو خبر مبتدأ أي: هو رجل. قوله: ((تيعر))، بكسر العين المهملة وفتحها من
اليعارة وهو صوت الغنم. قوله: ((ألا)) كلمة تنبيه وحث على ما يجيء بعدها.
٤٢ - بابُ بِطائَةِ الإمامِ وأهْلِ مَشُورَتِهِ
أي: هذا باب في بيان بطانة الإمام، ويجيء تفسير البطانة الآن. قوله: ((وأهل
مشورته))، من عطف الخاص على العام، والمشورة بفتح الميم وضم الشين المعجمة
وسكون الواو وفتح الراء وهو اسم من: شاورت فلاناً في كذا، وتشاوروا واستشوروا،
والشورى التشاور، وقال الجوهري: المشورة الشورى، وكذا المشورة بضم الشین،
تقول منه: شاورته في الأمر واستشرته بمعنى. انتهى. قلت: قد ينكر سكون الشين فيه.
وهذا كلام الجوهري يدل على صحته، وحاصل معنى شاورته: عرضت عليه أمري حتى
يدلني على الصواب منه.
:
البِطانَةُ: الدُّخَلاءُ.
1
البطانة بكسر الباء الموحدة الصاحب الوليجة والدخيل والمطلع على السريرة،
وفسره البخاري بقوله: الدخلاء، وهو جمع دخيل وهو الذي يدخل على الرئيس في
مكان خلوته ويفضي إليه بسره ويصدقه فيما يخبر به مما يخفى عليه من أمر رعيته ويعمل
بمقتضاه .
٧١٩٨/٦٠ - حدّثنا أصْبَغُ، أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهابٍ،
عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ، عنِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ قال: ((ما بَعَثَ الله مِنْ نَبِيٍّ ولا
اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إلاّ كانَتْ لهُ بِطانَتانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تَأْمُرُه
بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله تعالى)). [انظر الحديث ٦٦١١].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأصبغ هو ابن الفرج المصري، وابن وهب هو
عبد الله بن وهب المصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب محمد بن مسلم
الزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنه، وأبو سعيد
الخدري واسمه سعد بن مالك.