Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٧)
((فيؤتيني عليه)) أي: فيعطيني على ذلك الأمر الذي بسببه نذر كالشفاء ((ما لم يكن يؤتيني
عليه من قبل)) النذر، وفي رواية الكشميهني: يؤتني، بالجزم. ووجهه أن يكون بدلاً من
قوله: لم يكن، المجزوم بلم، وفي رواية مالك: يؤتى، في الموضعين، وفي رواية ابن
ماجه: فييسر عليه ما لم يكن ييسر عليه من قبل ذلك، وفي رواية مسلم: فيخرج بذلك
من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرجه، وهذا أوضح الروايات.
٢٧ - بابُ إِلْمٍ مَنْ لا يَفِي بالنّذْرِ
أي: هذا باب في بيان إثم من لا يفي بنذره، وفي رواية غير أبي ذر: باب من لا
يفي بالنذر، بدون لفظ: إثم.
٦٦٩٥/٧٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عنْ يَخْيى، عنْ شُعْبَةَ، قال: حدثني أَبُو جَمْرَةً، حدثنا
زَهْدَمُ بنُ مُضَرِّبٍ قال: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بنَ حُصَيْنٍ، يُحَدِّثُ عن النبيِّ ◌ِ ﴿ قال: ((خَيْرُكُمْ
قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ)). قال عِمْرَانُ: لا أذرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثلاثاً بَعْدَ قَرْنِهِ
(ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ ولا يَفُونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ
فِيهِمْ السَّمَنُ)). [انظر الحديث ٢٦٥١ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ينذرون ولا يفون)) ويحيى هو القطان، ويروي
عن يحيى بن سعيد بنسبته إلى أبيه، وأبو جمرة بالجيم وبالراء واسمه نصر بن عمران،
وزهدم بفتح الزاي والدال بينهما هاء ساكنة ابن مضرب على صيغة اسم الفاعل واسم
المفعول أيضاً من التضريب بالضاد المعجمة.
والحديث مضى في الشهادات وفي فضائل الصحابة وفي كتاب الرقاق في: باب
ما يحذر من زينة الدنيا فإنه أخرجه هناك عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة عن أبي
جمرة عن زهدم عن عمران بن حصين.
قوله: (قرني) أي: أهل قرني الذين أنا فيهم، وهم الصحابة. قوله: («ثم الذين
يلونهم)) أي: ثم قرن الذين يلون قرني وهم التابعون. قوله: ((ثم الذين يلونهم)) وهم
أتباع التابعين. قوله: ((ينذرون)) بكسر الذال وضمها. قوله: ((ولا يفون)) وفي رواية
الكشميهني: ولا يوفون، وأصله. يوفيون، لأنه من أوفى إيفاء استثقلت الضمة على الياء
فنقلت إلى ما قبلها فاجتمع ساكنان وهما الياء والواو فحذفت الياء فصار: يوفون، على
وزن يفعون ولم تحدث الواو لأنها علامة الجمع، وكذا الكلام في: لا يفون. قوله:
((ويخونون)) أي خيانة ظاهرة حتى لا يؤتمنون أي: لا يعتقدونهم أمناء. قوله:
((ويشهدون) أي: يتحملون الشهادة بدون التحميل، أو يؤدونها بدون الطلب، وشهادة
الحسبة في التحمل خارجة عنه بدليل آخر. قوله: ((ويظهر فيهم السمن)) بكسر السين
عمدة القاري / -٢٣ - ٢١٠

٣٢٢
٨٣ - کتاب الأيمان والنذور / باب (٢٨)
وفتح الميم أي: يتكثرون بما ليس فيهم من الشرف، أو يجمعون الأموال أو يغفلون عن
أمر الدين، لأن الغالب على السمين أن لا يهتم بالرياضة، والظاهر أنه حقيقة في معناه
لكن إذا كان مكتسباً لا خلقياً، ويقال معنى: ((ويظهر فيهم السمن)) أنه كناية عن رغبتهم
في الدنيا وإيثارهم شهواتها على الآخرة وما أعد الله فيها لأوليائه من الشهوات التي لا
تنفد والنعيم الذي لا يبيد يأكلون في الدنيا كما تأكل الأنعام ولا يقتدون بمن كان قبلهم
من السلف الذين كانت همتهم من الدنيا في أخذ القوت والبلغة وتأخير شهواتهم إلى
الآخرة.
٢٨ - بابُ النَّذْرِ في الطّاعَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم النذر في الطاعة. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون:
باب، بالتنوين ويريد بقوله: النذر في الطاعة، حصر المبتدأ في الخبر فلا يكون نذر
المعصية نذراً شرعياً.
قلت: لهذا الاحتمال وجه، ولكن قوله: باب، منون لا يقال كذلك، لأن المنون
هو المعرب والمعرب جزء المركب نحو قولك: زيد قائم، فإن زيداً وحده لا يكون
معرباً، وكذا قائم وحده، وكذا لفظ: باب، لا يكون معرباً إلا بالتقدير الذي قدرناه.
وقَوْلِهِ: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُمْ وَمَا لِلَّلِينَ مِنْ
أَنصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠].
ساق هذه الآية غير أبي ذر إلى قوله: ﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾ ذكرها لههنا إشارة إلى أن
الذي أوقع الثناء على فاعل النذر هو ما نذر في الطاعة لأن النذر في الطاعة واجب الوفاء
به عند الجمهور لمن قدر عليه والنذر على أربعة أقسام. أحدها: طاعة كالصلاة.
الثاني: معصية كالزنى. الثالث: مكروه كنذر ترك التطوع. الرابع: مباح كنذر أكل بعض
المباحات ولبسه، واللازم الطاعة والقربة عملاً بحديث الباب، ولا يلزم العمل بما عداه
عملاً ببقية الحديث.
٦٦٩٦/٧٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ، حدثنا مالِكٌ، عنْ طَلْحَةَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ، عنْ
القاسِم، عنْ عائِشَةَ رضي الله عنها، عنّ النبي ◌َِّ قال: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللّه فَلْيُطِعْهُ، ومَنْ
نَذَرَ أَنَّ يَعْصِيَهُ فَلاَ يعْصِهِ)). [الحديث ٦٦٩٦ - طرفه في: ٦٧٠٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وطلحة بن عبد الملك
الأيلي بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف نزيل المدينة ثقة من طبقة ابن جريج،
والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه.
والحديث أخرجه أبو داود في النذر عن القعنبي. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة

٣٢٣
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٢٩)
عن مالك به. وأخرجه النسائي أيضاً عن قتيبة وغيره. وأخرجه ابن ماجه في الكفارات
عن أبي بكر بن أبي شيبة. وقال أبو عمر: قال قوم من أهل الحديث: إن طلحة تفرد
بهذا الحديث عن القاسم، قيل: ليس كذلك، فقد تابعه أيوب ويحيى بن أبي كثير عن
ابن حيان، ورواه الطحاوي أيضاً من حديث عبد الرحمن بن مجبر بضم الميم وفتح
الجيم وتشديد الباء الموحدة عن القاسم.
قوله: ((أن يطيع الله)) كلمة: أن، مصدرية والإطاعة أعم من أن تكون في واجب
أو مستحب. قوله: ((فليطعه)) مجزوم لأنه جواب الشرط. قوله: ((فلا يعصه)) مجزوم
أيضاً لأنه جواب الشرط، ويروى: من نذر أن يعصى الله .
٢٩ - بابٌ إذا نَذَرَ أوْ حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ إِنْساناً في الجاهِلِيَّةِ ثمَّ أسْلَمَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا نذر شخص أو حلف أن لا يكلم إنساناً في الجاهلية،
وهو ظرف لقوله: نذر، وهي: زمان فترة النبوات يعني: قبل بعثه نبينا وَ ل9. قاله
الكرماني: قوله: ثم أسلم، أي: الناذر، ولم يبين حكمه وهو جواب: إذا، فإن نقل
أحد عن البخاري أنه ممن يوجب ذلك فجواب: إذا، يجب ذلك، وإلاَّ يكون جوابه:
يندب ذلك، وقد عقد الطحاوي لهذا الباب ترجمة وهي أحسن من هذه الترجمة وأوضح
حيث قال: باب الرجل ينذر وهو مشرك نذراً ثم يسلم، لأن معنى قوله: في الجاهلية،
الذي فسره الكرماني بقوله: قبل بعثه النبي وَلهير، يستلزم أن يكون حكم المشرك الذي
كان بعد البعثة ونذر نذراً ثم أسلم خلاف حكم الذي نذر في الجاهلية ثم أسلم بعد
البعثة، مع أن حكمهما سواء.
٦٦٩٧/٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلِ أَبُو الحَسَنِ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا
عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ، عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ: أنَّ عُمَرَ قال: يا رسول الله! إنِّي نَذَرْتُ في
الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتكِفَ لَيْلَةٌ فيَ المَسجِدِ الحَرامِ. قال: ((أُوْفٍ بِنذْرِكَ)). [انظر الحديث ٢٠٣٢
وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أوف بنذرك)) لأنه يدل على أن نذر الكافر
صحيح، فإذا أسلم يلزمه الوفاء به. وفيه خلاف بين الفقهاء على ما نذكره إن شاء الله
تعالى.
وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، وعبيد الله بن عمر العمري.
والحديث مضى في آخر الاعتكاف فإنه أخرجه هناك عن عبيد الله بن إسماعيل
عن أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر ... الخ. ورواه الطحاوي من ثلاث طرق، ثم
قال: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أوجب على نفسه شيئاً في حال شركه من اعتكاف أو

٣٢٤
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣٠)
صدقة أو شيء مما يوجبه المسلمون لله، ثم أسلم، أن ذلك واجب عليه. واحتجوا في
ذلك بهذه الآثار.
قلت: أراد بالقوم هؤلاء: طاوساً وقتادة والحسن البصري والشافعي وأحمد
وإسحاق وجماعة الظاهرية، وبه قال ابن حزم، ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك
آخرون. فقالوا: لا يجب عليه في ذلك شيء.
قلت: أراد بالآخرين: إبراهيم النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً
ومالكاً والشافعي في قول، وأحمد في رواية، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة المذكور
قبل هذا الباب، وبحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَالإفر:
إنما النذر ما ابتغى به وجه الله، رواه الطحاوي عن عبد الله بن وهب في (مسنده): فدل
على أن فعل الكافر لم یکن تقرباً إلى الله، لأنه حین کان یوجبه يقصد به الذي کان یعبده
من دون الله، وذلك معصية، فدخل في قوله وَ ير: ((لا نذر في معصية الله)). وأما حديث
عمر، رضي الله تعالى عنه، فالجواب عنه إنما أمر به وَ *، أن يفعله الآن على أنه طاعة
الله عز وجل، وكان خلاف ما أوجبه به في حال نذره الذي هو معصية. وقال أبو الحسن
القابسي: لم يأمره الشارع على جهة الإيجاب، وإنما هو على جهة الرأي، وقيل:
أراد 85* أن يعلمهم أن الوفاء بالنذر من آكد الأمور، فغلظ أمره بأن أمر عمر بالوفاء.
قوله: ((قال: يا رسول الله)) كان قوله لرسول الله ◌َ في، ذلك بعد ما قسم النبي ◌َ﴾،
غنائم حنين بالطائف.
وقال الكرماني: وفي الحديث أن الصوم ليس شرطاً لصحة الاعتكاف، وهو حجة
على الحنفية. انتهى.
قلت: ذهل الكرماني عن قوله وَله: لا اعتكاف إلاَّ بالصوم.
٣٠ - بابُ مَنْ ماتَ وعَلَيْهِ نَذْرٌ
أي: هذا باب في بيان من مات والحال أنه عليه نذرأ، هل يقضى عنه أم لا؟.
وأمَرَ ابْنُ عُمَّرَ امْرأةَ جَعَلَتْ أُمُّها عَلى نَفْسِها صَلاةَ بِقُباءٍ، فقال: صَلِّي عَنْها.
هذا أوضح حكم الترجمة، يعني: من مات وعليه نذر يقضى عنه، وبهذ أخذت
الظاهرية، وقالوا: يجب قضاء النذر عن الميت على ورثته صوماً كان أو صلاة. وقالت
الشافعية: تجوز النيابة عن الميت في الصلاة والحج وغيرهما، لتضمن أحاديث الباب
بذلك. وفي (التوضيح): الفعل الذي يتضمن فعل النذر خاصة كالصلاة والصوم فالمشهور
من مذاهب الفقهاء أنه لا يفعل. وقال محمد بن الحكم: يصام عنه وهو القديم للشافعي،
وصحت به الأحاديث فهو المختار، وقاله أحمد وإسحاق وأبو ثور وأهل الظاهر، وعند

٣٢٥
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣٠)
الحنفية: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم عنه، ونقل ابن بطال إجماع الفقهاء على أنه :
لا يصلي أحد عن أحد فرضاً ولا سنة لا عن حي ولا عن ميت، والجواب عما روي عن
ابن عمر أنه: صح عنه خلاف ذلك، فقال مالك في (الموطأ): إنه بلغه أن عبد الله بن
عمر، رضي الله تعالى عنهما، كان يقول: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن
أحد، ويحمل قوله في الأثر المذكور، ((صلي عنها إن شئت، وقال الكرماني: ويروى:
صلي عليها، فأما أن يقام: على، مقام: عن إذ: حروف الجر بينها مناوبة، وأما أن يقال:
الضمير راجع إلى قباء. انتهى.
قلت: المناوبة بين الحروف ليست على الإطلاق، ولم يقل أحد إن: على، تأتي
بمعنى: عن، مع أن جماعة زعموا أن: على، لا تكون إلاَّ اسماً، ونسبوه لسيبويه.
أقول: لم لا يجوز أن يكون معنى: صلي عليها، أدعي لها؟ فيكون قد أمرها بالدعاء لها
لا بالصلاة عنها.
وقال ابنُ عَبَّاس نَحْوَهُ.
أي: قال عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، نحو ما قال عبد الله بن
عمر، ووصل هذا المعلّق ابن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال مرة: عن
ابن عباس قال: إذا مات وعليه نذر قضى عنه وليه، وروي عنه خلاف ذلك، رواه
النسائي من طريق أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن
أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، وجمع بعضهم بين الروايتين بأن الإثبات في حق من
مات، والنفي في حق الحي.
قلت: النقل عنه في هذا مضطرب فلا يقوم به حجة لأحد.
٦٦٩٨/٧٧ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني
عُبَيْدُ الله بنُ عَبدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أنَّ سَعْدَ بنَ عُبادَةَ الأنْصَارِيَّ اسْتَفْتى
النبيِّ وَّهِ فِي نَذْرٍ كان عَلى أُمَّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَّ أنْ تَقْضِيَهُ، فأقْتَاهُ أنْ يَقْضِيهُ عَنْها، فَكَانَتْ سُنَّةً
بَعْدُ .
[انظر الحديث ٢٧٦١ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويوضح حكمها أيضاً. وأبو اليمان الحكم بن نافع،
وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، والزهري محمد بن مسلم، وعبيد الله هو ابن
عبد الله بن عتبة بن مسعود.
والحديث مضى في كتاب الوصايا في: باب ما يستحب لمن يتوفى فجأة أن
يتصدقوا عنه وقضاء النذر عن الميت فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك
عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: أن سعد بن عبادة استفتى
رسول الله ... الحديث.

٣٢٦
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣٠)
قوله: ((كان على أمه)) اختلفوا في النذر الذي كان عليها، فقيل: كان صياماً،
وقيل: عتقاً، وقيل: كان صدقة، وقيل: كان نذراً مطلقاً لا ذكر فيه لشيء من هذه
الأشياء، والحكم في النذر المبهم كفارة يمين، روي هذا عن ابن عباس وعائشة وجابر،
رضي الله تعالى عنهم. وقال ابن بطال: وهو قول جمهور الفقهاء، وروي عن سعيد بن
جبير وقتادة: أن النذر المبهم أغلظ الأيمان - وله أغلظ الكفارات: عتق أو كسوة أو
إطعام. قال: والصحيح قول من جعل فيه كفارة يمين لما رواه ابن أبي شيبة عن وكيع
عن إسماعيل بن رافع عن خالد بن يزيد عن عقبة بن عامر قال: قال النبي ◌َّله: ((من
نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين)). قوله: ((فأفتاه)) أي: فافتى النبى وَّر، أن يقضيه
عنها، أي: عن أمه، وذلك بحسب ما وقع نذرها. قوله: ((فكانت سنة بعد)) قال
الكرماني: أي: صار قضاء الوارث ما على الموروث طريقة شرعية، وتبعه بعضهم على
هذا التفسير.
قلت: هذا وإن كان حاصل المعنى، ولكن معنى التركيب ليس كذلك، وإنما
معناه: فكانت فتوى النبي ◌َّله، سنة يعمل بها بعد إفتاء النبي و # بذلك، والضمير في:
كانت، يرجع إلى الفتوى يدل عليها. قوله: ((فأفتاه)» وهو من قبيل قوله: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: فإن العدل يدل عليه قوله: اعدلوا.
٦٦٩٩/٧٨ - حدّثنا آدَمُ، حدّثنا شُغْبَةُ، عن أبي بِشْرِ قال: سَمِتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرِ،
عنٍ ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: أتَى رَجُلُ النبيَّ وَ فقال له: إنَّ أُخْتِي قَدْ نَذَرَتْ أنْ
تَحُجَّ، وإنها ماتَتْ، فقال النبيُّ بَّهِ: ((لَوْ كان عَلَيْها دَيْنٌ أُكُنْتَ قَاضِيَهُ؟)) قال: نَعَمْ. قال:
((فاقْضِ دَيْنَ الله فَهْوَ أُحَقُّ بالقَضاءِ». [انظر الحديث ١٨٥٢ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وآدم هو ابن أبي إياس، وأبو بشر، بكسر الباء الموحدة
وسكون الشين المعجمة واسمه جعفر بن أبي وحشية، واسمه إياس اليشكري البصري،
ويقال: الواسطي.
قوله: ((أتى رجل)) قد تقدم في أواخر كتاب الحج في: باب الحج عن الميت: أن
امرأة قالت: إن أمي نذرت ... إلى آخره، ولا منافاة لاحتمال وقوع الأمرين جميعاً،
وقد مضى الكلام في الحج عن الغير بتفاصيله. قوله: ((لو كان عليها دين)) تمثيل
منه ◌َّه وتعليم لأمته القياس والاستدلال. قوله: ((فهو أحق بالقضاء)) أي: فدين الله أحق
بالأداء، قيل إذا اجتمع حق الله وحق العباد يقدم حق العباد، فما معنى فهو أحق.
أجيب: بأن معناه إذا كنت تراعي حق الناس فلأن تراعي حق الله كان أولى، ولا دخل
فيه للتقديم والتأخير إذ ليس معناه أحق بالتقديم.

٣٢٧
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣١)
٣١ - بابُ النَّذْرِ فِيما لا يَمْلِكُ وفي مَعْصِيَةٍ
أي: هذا باب في بيان النذر فيما لا يملكه الناذر. قوله: وفي معصية، أي: وفي
بيان حكم النذر في معصية مثل من نذر أن ينحر ابنه ونحو ذلك، وفي بعض النسخ ولا
في معصية.
٧٩/ ٦٧٠٠ - حدّثنا أبُو عَاصِم، عنْ مالِكِ، عنْ طَلْحَةَ بنِ عَبْد المَلِكِ، عنِ
القاسِم، عنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: قال النبيُّ ◌َّ: ((مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ،
ومَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ)). [انظر الحديث ٦٦٩٦].
مطابقته للجزء الثاني من الترجمة ولا مدخل له في النذر فيما لا يملك، وقال ابن
بطال: لا مدخل لأحاديث الباب كلها في النذر فيما لا يملك، وإنما تدخل في نذر
المعصية. وقال الكرماني ما ملخصه: إن ما لا يملك مثل النذر بإعتاق عبد فلان،
واتفقوا على جواز النذر في الذمة بما لا يملك كإعتاق عبد، ولم يملك شيئاً. انتهى.
وقال غيره: تلقى البخاري عدم لزوم النذر فيما لا يملكه من عدم لزومه في المعصية،
لأن نذره ملك غيره تصرف في ملك الغير وهو معصية. انتهى.
قلت: كل منهما لم يذكر شيئاً فيه كفاية للمقصود، غاية في الباب تكلفاً في: باب
وجه المطابقة بين الترجمة. والحديث الأول ولم يجيبا عما قاله ابن بطال لا مدخل
لأحاديث الباب كلها في النذر فيما لا يملكه، وهو ظاهر لا يخفى على المتأمل، وشيخ
البخاري في الحديث المذكور هو أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد البصري، والقاسم
هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه.
والحديث مر عن قريب جداً في: باب النذر في الطاعة، ومضى الكلام فيه.
٨٠/ ٦٧٠١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا يَحْيِى، عنْ حُمَيْدٍ، عنْ ثابتٍ، عن أنسٍ عن
النبيِّ وَ﴿ قال: ((إنَّ الله لَغَنِيٌّ عنْ تَعْذِيبٍ هُذا نَفْسَهُ)) ورآهُ يَمْشِي بَيْنَ ابنَيْهِ. [انظر الحديث
١٨٦٥].
هذا يمكن أن يدخل في الجزء الثاني للترجمة، وأما الجزء الأول فلا دخل له فيه
أصلاً. ويحيى هو القطان، وحميد هو ابن أبي حميد الطويل أبو عبيدة البصري عن
ثابت بالثاء المثلثة في أوله ابن أسلم البناني أبو محمد البصري.
والحديث مضى في الحج عن محمد بن سلام، وأوله: رأى شيخاً يهادى بين
ابنيه، وهنا ذكره مختصراً، ومضى الكلام فيه.
وقال الفَزَارِيُّ: عنْ حُمَيْدٍ حدّثني ثابِتْ عنْ أُنَسٍ.
الفزاري بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبالراء هو مروان بن معاوية الكوفي، وأشار

٣٢٨
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣١)
بهذا إلى أن حميداً صرح بالتحديث هنا عن ثابت، ووصله في الحج عن محمد بن
سلام عن الفزاري.
٨١/ ٦٧٠٢ - حدّثنا أبُو عاصِمٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عنْ سُلَيْمانَ الأخوَلِ، عنْ
طاوُس عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ النبيِّ ◌َ ﴿ رَأَى رَّجُلاً يَطُوفُ بالكَغْبَةِ بِزَمامٍ - أو غَيْرِهِ - فَقَطَعَهُ.
[انظر الحديث ١٦٢٠ وطرفيه].
الكلام فيه مثل الحديث الذي قبله. وأبو عصام قد مر الآن، وابن جريج
عبد الملك بن عبد العزيز بن جریج.
والحديث مضى في الحج عن أبي عاصم أيضاً وعن إبراهيم بن موسى.
قوله: ((رأى رجلاً) اسمه تراب، قاله الكرماني. قوله: ((أو غيره)) شك من الراوي
أي: أو غير الزمام، وهو الخطام.
٦٧٠٣/٨٢ - حدّثنا إبْراهِيمُ بنُ مُوسَى، أخبرنا هِشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ
قال: أخبرني سُليمانُ الأخوَلُ أنَّ طاوساً أخْبَرَهُ عن ابن عبّاسٍ، رضي الله عنهما: أنَّ
النبيَّ ◌َ ﴿ مَرَّ وهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بإنسانٍ يَقُودُ إِنْساناً بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ، فَقَطَّعها النبيُّ ◌َِّ بِيَدِهِ
ثُمَّ أُمَرَهُ أنْ يَقُودَه بِيَدِهِ .
[انظر الحديث ١٦٢٠ وطرفيه].
هذا طريق آخر في حديث ابن عباس المذكور أخرجه عن إبراهيم بن موسى بن
يزيد الفراء الرازي عن هشام بن يوسف عن عبد الملك بن جريج عن سليمان بن أبي
موسى الأحول عن طاوس عن ابن عباس، وهذا الطريق أنزل من الطريق المذكور.
قوله: ((وهو يطوف)) الواو فيه للحال. قوله: ((يقود)) جملة وقعت صفة ل قوله:
(بإنسان) قوله: ((بخزامة)) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الزاي وهي حلقة من شعر أو
وبر تجعل في الحاجز الذي بين منخري البعير يشد بها الزمام ليسهل القياد إذا كان
صعباً.
٦٧٠٤/٨٣ - حدّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ، حدّثنا وُهَيْبٌ، حدّثنا أيُّوبُ، عنْ
عِكْرِمَةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ قال: بَيْنا النبيِّ :﴿ يَخْطُبُ إذَا هُوَ بِرَجُلِ قائِم، فَسأل عنهُ فقالُوا:
أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أنْ يَقُومَ ولا يَقْعُدَ ولاَ يَسْتَظِلَّ ولا يَتَكَّلْمَ ويَصُومَ، فَقال النبيِّ وَّهِ: (مُزْهُ
فَلْيَتَكَلِّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ ولْيَقْعُذْ ولْيْتِمَّ صَوْمَهُ)) .
مطابقته للجزء الثاني من الترجمة لأن نذر الرجل بترك القعود وترك الاستظلال
وترك التكلم ليست بطاعة، فإذا كان نذره في غير طاعة يكون معصية، لأن المعصية
خلاف الطاعة .

٣٢٩
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣٢)
وموسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري الذي يقال له التبوذكي، ووهيب - مصغر
وهب - ابن خالد، وأيوب هو السختياني.
والحديث أخرجه أبو داود في الأيمان عن موسى المذكور. وأخرجه ابن ماجه في
الكفارات عن الحسين بن محمد الواسطي.
قوله: ((يخطب)) زاد الخطيب في (المبهمات): من وجه آخر: يوم الجمعة. قوله:
((إذا برجل)) جواب قوله: ((بينا النبي(َ (8)) وفي رواية أبي يعلى: إذا التفت فإذا هو برجل.
قوله: ((قائم)) صفة رجل، وفي رواية أبي داود: قائم في الشمس، وفي رواية: قائم يصلي.
قوله: ((فسأل عنه)) أي، فسأل النبي ◌َ ﴿ عن الرجل. قوله: ((فقالوا: أبو إسرائيل)) وفي رواية
أبي داود: هو أبو إسرائيل، وزاد الخطيب: رجل من قريش. وقال الكرماني: رجل من
الأنصار، وقال بعضهم: ترجم له ابن الأثير تبعاً لغيره، فقال: أبو إسرائيل الأنصاري، فاغتر
بذلك الكرماني فجزم بأنه من الأنصار، والأول أولى. انتهى.
قلت: يقال لهذا القائل: إن كان الكرماني اغتر بكلام ابن الأثير، فأنت اغتررت
بكلام الخطيب، وأولوية الأول من أين؟ مع أن أبا عمر بن عبد البر قال في
(الاستيعاب): في باب الكنى: أبو إسرائيل رجل من الأنصار من أصحاب النبي وَّر،
ثم ذكر حديثه المذكور، ثم قال: اسمه يسير، بضم الياء آخر الحروف وبالسين
المهملة، وقيل: قشير، بضم القاف وفتح الشين المعجمة، وقيل: قصير، باسم ملك
الروم ولا يشاركه أحد في كنيته من الصحابة. قوله: ((مره)) أمر من أمر أي: مر أبا
إسرائيل، وفي رواية أبي داود: مروه، بصيغة الجمع. قوله: ((وليتم صومه)) لأن الصوم
قربة بخلاف أخواته.
وفي حديثه: دليل على أن السكوت عن المباح أو عن ذكر الله ليس بطاعة،
وكذلك الجلوس في الشمس، وفي معناه كل ما يتأذى به الإنسان مما لا طاعة فيه ولا
قربة بنص كتاب أو سنة، كالجفاء وغيره، وإنما الطاعة ما أمر الله به ورسوله وَله.
قال عبْدُ الوَهَابِ: حدّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةِ عنِ النِيّ ◌َّ.
أشار بتعليقه عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن أيوب السختياني عن
عكرمة مولى ابن عباس إلى أنه روي أيضاً مرسلاً لأن عكرمة من التابعين، واختلفوا في
مثل هذا فقال الأكثرون: إن الموصول أرجح لزيادة العلم من واصله.
٣٢ - بابُ مَنْ نَذَرَ أنْ يَصُومَ أيَّاماً فَوَافَقَ النَّخْرَ أوِ الفِطْرَ
أي: هذا باب في بيان حكم من نذر أن يصوم أياماً بعينها فاتفق أنه وافق يوماً منها
يوم الفطر أو يوم النحر، هل يجوز له أن يصوم ذلك اليوم أو لا؟ أم كيف حكمه؟ ولم

٣٣٠
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣٢)
یبین الحكم عن عادته في غالب الأبواب. إما اكتفاء بما يوضح ذلك من حديث الباب،
أو اعتماداً عن المستنبط مما قاله الفقهاء في ذلك الباب، والحكم هنا أن إنشاء الصوم
في يوم الفطر أو في يوم النحر لا يجوز إجماعاً ولو نذر صومهما لا ينعقد عند
الشافعية، وهو المشهور من مذهب مالك، وعند أبي حنيفة: ينعقد ولكن لا يصوم
ويجب عليه قضاؤه، وعند الحنابلة روايتان في وجوب القضاء، وقد مضى الكلام فيه
مستقصى في أواخر كتاب الصوم.
٦٧٠٥/٨٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المِقَدَّمِيُّ، حدثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمانَ، حدثنا
مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، حدّثنا حَكِيمُ بنُ أبي حُرّةَ الأسْلمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ، رضي الله
عنهما، سُئلَ عنْ رجُلِ نَذرَ أنْ لا يأتِيَ عَليْهِ يَوْمٌ إلاّ صامَ، فَوَافَقَ يَوْمَ أضْحَى - أوْ فِطْرٍ -
فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الأضْحَى
والفِطْرِ، ولا نَرَى صِيامهُما. [انظر الحديث ١٩٩٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وفيه إيضاح حكم الترجمة. ومحمد بن أبي بكر المقدمي
على صيغة اسم المفعول من التقديم، وحكيم بفتح الحاء المهملة وبالكاف ابن أبي حرة
بضم الحاء المهملة وتشديد الراء الأسلمي المدني، وأبو حرة لا يدرى اسمه وليس له
في البخاري إلا هذا الحديث الواحد، وقد أورده متابعاً لزياد بن جبير عن ابن عمر في
الحديث الآتي.
قوله: ((سئل عن رجل)) جملة وقعت حالاً عن عبد الله بن عمر، وسئل، على
صيغة المجهول لم يسم السائل فيحتمل أن يكون رجلاً أو امرأة، قال بعضهم: بعد أن
أورد من طريق ابن حبان: عن كريمة بنت سيرين أنها سألت ابن عمر، فقالت: جعلت
على نفسي أن أصوم كل أربعاء واليوم يوم الأربعاء وهو يوم النحر؟ فقال: أمر الله بوفاء
النذر ونهى رسول الله * عن صوم يوم النحر، ورواته ثقاة يفسر بها المبهم في رواية
حكيم، بخلاف رواية زياد بن جبير حيث قال: فسأله رجل ... انتهى.
قلت: فيه نظر، لأن أبا نعيم أخرج الحديث المذكور من طريق محمد بن أبي بكر
شيخ البخاري. وأخرجه الإسماعيلي أيضاً من وجه آخر عن محمد بن أبي بكر،
ولفظه: أنه سمع رجلاً يسأل عبد الله بن عمر عن رجل نذر ... فذكر الحديث، وهذا
أقرب وأولى لتفسير المبهم المذكور من تفسيره بما في حديث أجنبي عن هذا، مع أنه لا
منافاة أن يكونا قضيتين، وفي واحدة منهما السائل رجل وفي الأخرى امرأة. قوله: ((لم
يكن)) أي: رسول الله وَ ﴾. قوله: ((ولا يرى)) قال الكرماني: ولا نرى، بلفظ المتكلم
فيكون من جملة مقول عبد الله بن عمر، ويروى بلفظ الغائب وفاعله عبد الله وقائله
حكيم بن أبي حرة، وقال بعضهم: وقع في رواية يوسف بن يعقوب القاضي بلفظ: لم

٣٣١
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣٣)
يكن رسول الله *، يصوم يوم الأضحى ولا يوم الفطر، ولا يأمر بصيامهما. انتهى.
قلت: قصده أن يخدش في كلام الكرماني في نقله الوجهين في قوله: ((ولا يرى))
ولا يضره ذلك لأن كون الفاعل في هذا هو رسول الله و ﴿ لا ينافي كون الفاعل في
ذلك هو عبد الله في الوجهين، والقائل هو حكيم بن أبي حرة في الوجه الثاني بناء على
تعدد القضية .
٦٧٠٦/٨٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ سَلَمَة، حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع، عنْ يُونُسَ، عنْ
زِيادِ بنِ جُبَيْرِ قال: كُنْتُ مَعَ ابنِ عُمَرَ فَسألُهُ رجُلٌ فقال: نَذَرتُ أنْ أصُومُّ كُلِّ يَوْمِ ثُلاثَاءَ - أوْ
أزْبِعَاءَ - ما عِشْتُ، فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فقال: أمَرَ الله بِوَفاءِ النَّذْرِ، ونُهِينا أنْ
نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأَعادَ عَلَيْهِ، فقال مِثْلَهُ، لا يَزِيدُ عَلَيْهِ. [انظر الحديث ١٩٩٤ وطرفه].
هذا وجه آخر في حديث ابن عمر، ويونس هو ابن عبيد مصغراً، وزياد بكسر
الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ابن جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة - مصغر
جبر.
والحديث مضى في أواخر كتاب الصوم في: باب الصوم في يوم النحر.
قوله: ((ثلاثاء أو أربعاء» شك من الراوي وهما لا ينصرفان لأجل ألف التأنيث
الممدودة كألف حمراء وسمراء ونحوهما، ويجمعان على ثلاثاوات والأربعاوات، بكسر
الباء، وحكي عن بعض بني أسد فتحها. قوله: ((أمر الله)) حيث قال: ﴿وَلْيُوفُواْ
نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] قوله: ((ونهبنا)) على صيغة المجهول، والعرف شاهد بأن
رسول الله وَل38 هو الناهي. قوله: ((فأعاد إليه)) أي: أعاد الرجل كلامه على ابن عمر.
قوله: ((فقال مثله)) أي: فقال ابن عمر مثل ما قال في الأول ((لا يزيد عليه)) أي: لا يقطع
بلا أو نعم، وهذا من غاية ورعه حيث توقف في الجزم بأحدهما لتعارض الدليلين
عنده، وفي (التوضيح): جواب ابن عمر جواب من أشكل عنده الحكم فتوقف، نعم
جوابه أن لا يصام وهو مذهب الأئمة الأربعة. انتهى.
قلت: وفي سياق الرواية إشعار بأن الراجح عنده المنع على ما لا يخفى.
٣٣ - بابٌ هَلْ يَدْخلُ في الأيمانِ والنُّذُورِ الأرْضُ والغَنَمُ والزُّرُوعُ والأمْتِعَةُ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يدخل في الأيمان ... إلى آخره، يعني: هل يصح
اليمين والنذر على الأعيان؟ فصورة اليمين نحو قوله ◌َ *: ((والذي نفسي بيده إن هذه
الشملة لتشتعل عليه ناراً))، وصورة النذر مثل أن يقول: هذه الأرض لله نذراً، ونحوه.
وقال المهلب: أراد البخاري بهذا أن يبين أن المال يقع على كل متملك، ألا ترى قول
عمر، رضي الله تعالى عنه: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، وقول أبي

٣٣٢
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣٣)
طلحة: أحب الأموال إلي بيرحاء، وهم القدوة في الفصاحة ومعرفة لسان العرب؟ وقال
صاحب (التوضيح): أراد البخاري بهذا الرد على أبي حنيفة، فإنه يقول: إن من حلف
أو نذر أن يتصدق بماله كله فإنه لا يقع يمينه ونذره من الأموال إلا على ما فيه الزكاة
خاصة. انتھی.
قلت: قد كثر اختلافهم في تفسير المال حيث قال ابن عبد البر وآخرون: إن
المال في لغة دوس، قبيلة أبي هريرة، غير العين كالعروض والثياب، وعند جماعة:
المال هو العين كالذهب والفضة خاصة، وحكى المطرزي أن المال هو الصامت
كالذهب والفضة والناطق، وحكى القالي عن ثعلب أنه قال: المال عند العرب أقله ما
تجب فيه الزكاة، وما نقص عن ذلك فلا يقال له مال. وقال ابن سيده في (العريض):
العرب لا توقع اسم المال مطلقاً إلاَّ على الإبل لشرفها عندهم وكثرة غنائها، قال: وربما
أوقعوه على أنواع المواشي كلها، ومنهم من أوقعه على جميع ما يملكه الإنسان لقوله
تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَّكُمُ﴾ [النساء: ٥] فلم يخص شيئاً دون شيء، وهو اختيار
كثير من المتأخرين، فلما رأى البخاري هذا الاختلاف أشار إلى أن المال يقع على كل
متملك، كما حكى عنه المهلب، كما ذكرناه الآن، فتبيَّن من ذلك أنه اختار هذا القول
فلا حاجة إلى قول صاحب (التوضيح): إنه أراد به الرد على أبي حنيفة، لأنه اختار قولاً
من الأقوال فكذلك اختار أبو حنيفة قولاً من الأقوال، فلا اختصاص بذكر الرد عليه
خاصة، ولكن عرق العصبية الباطلة نزعه إلى ذلك.
وقال ابنُ عُمَرَ: قال عُمَرُ للنبيِّ وَّهِ: أَصَبْتُ أَرْضاً لَمْ أُصِبْ مالاً قَطْ أَنْفَسَ مِنْهُ، قال:
(إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَها وتَصَدَّقْتَ بِها)).
ذكر هذا إشارة إلى أن الأرض يطلق عليها المال، وهذا تعليق ذكره البخاري في
كتاب الوصايا موصولاً. قوله: حبست، أي: وقفت، وقد مر الكلام فيه هناك.
وقال أبُو طَلْحَةَ لِلنبيّ نَّهِ: أحبُّ أمْوالِي إِلَيَّ بَيْرُحاءِ، لِحَائِطٍ لهُ مُسْتَقِلَةَ المَسْجدِ.
ذكر هذا التعليق أيضاً عن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، إشارة إلى أن
الحائط الذي هو البستان من النخل يطلق عليه المال، وقد تقدم هذا موصولاً في: باب
الزكاة على الأقارب. قوله: ((إليّ)) بتشديد الياء. قوله: ((بيرحاء)) قد مر ضبطه هناك.
قوله: ((لحائط))، اللام فيه للتبيين كما في نحو ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي: هذا
الاسم لحائط. قوله: ((مستقبلة المسجد)) أي: مقابله. وتأنيثه باعتبار البقعة.
٦٧٠٧/٨٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ، قال: حدّثني مالِكٌ، عنْ ثَوْرِ بنِ زَيْدِ الدِّيليِّ، عنْ
أبي الغَيْثِ مَوْلَى ابنِ مُطِيعِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللهِ﴿ يَوْمِ خَيْبَرَ فَلَمْ
نَغْنَمْ ذَهَباً ولا فِضةً إلاَّ الأمّوالَ والثّيابَ والمَتاعَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ يُقالُ لَهُ:

٣٣٣
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور / باب (٣٣)
رِفَاعَة بِنُ زَيْدٍ، لِرَسُولِ اللهِ وَ ﴿ِ غُلاَمَاً يُقالُ لَهُ: مِدْعَمْ، فَوَجَّهَ رسولُ اللهِوَ﴿ إلى وادي
القُرَى، حتَّى إِذَا كانَ بِوَادِي القُرَى، بَيْنَما مِدْعَمْ يَحُطُ رَحْلاً لِرَسُولِ اللهِوَهَ إِذَا سَهُمْ عَائِرٌ
فَقَتَلهُ، فقال النَّاسُ: هَنِيئاً لهُ الجَنَّةُ، فقال رسولُ اللهِ: ((كَلاَّ! والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ إِنَّ
الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغانِمِ لَمْ تُصِبْها المقاسِم لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ ناراً»، فَلَمَّا سَمِعَ
ذُلِكَ النَّاسُ جاءَ رجلٌ بِشِرَاكِ - أَوْ شِرَاكَيْنٍ - إلى النبيِّ ◌َ﴿ فقال: ((شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ - أوْ:
شِرَاكَانِ مِنْ نارِ ». [انظر الحديث ٤٢٣٤].
أشار بهذا الحديث إلى أن المال لا يطلق إلاَّ على الثياب والأمتعة ونحوهما، لأن
الاستثناء في قوله: إلاَّ الأموال، منقطع يعني: لكن الأموال هي الثياب والمتاع، قيل:
هذا على لغة دوس قبيلة أبي هريرة كما ذكرناه عن قريب، وقد اختلفت الروايات في
هذا الحديث عن مالك، فروى ابن القاسم مثل رواية البخاري، وروی یحیی بن يحيى
وجماعة عن مالك: الأموال والثياب من المتاع، بواو العطف.
وإسماعيل شيخ البخاري هو ابن أويس، وثور بفتح الثاء المثلثة ابن زيد الديلي
بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف نسبة إلى ديل بن هداد بن زيد قبيلة من الأزد في
تغلب وفي ضبة، وأبو الغيث بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالثاء
المثلثة واسمه سالم مولى ابن مطيع.
والحديث مضى في المغازي في غزوة خيبر فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن
محمد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن مالك بن أنس عن ثور بن زيد عن
سالم ... إلى آخره. قوله: ((من بني ضبيب)) بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة
وسكون الياء آخر الحروف، وبباء أخرى، وقال ابن الرشاطي: في جذام الضبيب.
قوله: ((رفاعة)) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبالعين المهملة ابن زيد بن وهب، قدم على
النبي ◌َّر، في هدنة الحديبية في جماعة من قوم فأسلموا، وعقد له رسول الله وَ له،
على قومه. قوله: ((مدعم)) بكسر الميم وسكون الدال المهملة وفتح العين المهملة،
وكان أسود. قوله: ((فوجه)) على صيغة المجهول. قوله: ((وادي القرى)) جمع القرية
موضع بقرب المدينة. قوله: ((عاير)) بالعين المهملة وبعد ألف ياء آخر الحروف وبالراء:
لا يُدرى من رمى به، كذا ضبطه بعضهم، وقال الكرماني: العائر بالعين المهملة والهمزة
بعد الألف وبالراء: الجائر عن قصده. قوله: ((إن الشملة)) هي الكساء. قوله: ((لم تصبها
المقاسم)) أي: أخذها قبل قسمة الغنائم وكان غلولاً. قوله: ((بشراك)) بكسر الشين
المعجمة وتخفيف الراء وهو سير النعل الذي يكون على وجهه.

بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
(٨٤) كتابُ كَفَازَاتِ الأيمانِ
أي هذا كتاب في بيان حكم كفارات الأيمان، هكذا في رواية أبي ذر عن
المستملي وفي رواية غيره: باب كفارات الأيمان. والكفارات جمع كفارة على وزن
فعالة بالتشديد من الكفر وهو التغطية، ومنه قيل للزراع: كافر، لأنه يغطي البذر،
وكذلك الكفارة لأنها تكفر الذنب أي: تستره، ومنه تكفر الرجل بالسلاح إذا تستر به،
وفي الاصطلاح: الكفارة ما يكفر به من صدقة ونحوها.
١ - باب وقَوْلِ الله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]
وقول الله بالجر عطف على كفارات الأيمان، وأوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّلْغْوِ فِيَّ
أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَلِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية
أي: فكفارة ما عقدتم الأيمان إطعام عشرة مساكين.
واختلفوا في مقدار الإطعام فقالت طائفة: يجزيه لكل إنسان مد من طعام بمد
الشارع، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة، رضي الله
تعالى عنهم، وهو قول عطاء والقاسم وسالم والفقهاء السبعة، وبه قال مالك والأوزاعي
والشافعي وأحمد وإسحاق. وقالت طائفة: يطعم لكل مسكين نصف صاع من حنطة،
وإن أعطى تمراً أو شعيراً فصاعاً صاعاً، روي هذا عن عمر بن الخطاب وعلي وزيد بن
ثابت في رواية رضي الله تعالى عنهم، وهو قول النخعي والشعبي والثوري وأبي حنيفة
وسائر الكوفيين.
وما أمَرَ النبيُّ ◌َ حِينَ نَزَّلَتْ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نٍُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
كلمة: ما، موصولة أي: والذي أمر النبي ◌َ ﴿ حين نزل قوله عز وجل: ﴿فَفِدْيَةٌ
مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍ﴾ يشير بها إلى حديث كعب بن عجرة، رضي الله عنه، الذي
يأتي في هذا الباب، وإنما ذكر البخاري حديث كعب بن عجرة في هذا الباب من أجل
التخيير في كفارة الأذى كما هي في كفارة اليمين بالله، وما كان في القرآن كلمة: أو،
نحو قوله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ
٣٣٤

٣٣٥
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (١)
أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فصاحبه بالخيار، يعني: هو الواجب المخير على ما يأتي
الآن، ويقال معنى قوله: وما أمر الله، الكفارة المخيرة.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عَباسٍ وعَطاءٍ وعِكْرَمَةَ: ما كانَ في القُرْآنِ: أَوْ أَوْ، فصاحِبُهُ بالخِيارِ،
وَقَدْ خَيْرَ النبيُّ وَّ ◌َعْباً في الفِذْيَةِ.
إنما ذكر هذا عن ابن عباس بصيغة التمريض لأنه رواه سفيان الثوري في (تفسيره)
عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن: أو أو نحو
قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فهو فيه مخير، وما كان
﴿فَ لَّمْ يَجِدْ﴾ [البقرة: ١٩٦ وغيرها] فهو على الولاء أي الترتيب، وأما أثر عطاء بن أبي رباح
فوصله الطبري من طريق ابن جريج قال: قال عطاء: ما كان في القرآن: أو أو،
فلصاحبه أن يختار أيها شاء، وأما أثر عكرمة فوصله الطبري أيضاً من طريق داود بن أبي
هند عنه قال: كل شيء في القرآن: أو أو، فليتخير فإذا كان ﴿فَ لَّمْ يَدْ﴾ فالأول
فالأول. قوله: ((كعباً) أي: كعب بن عجرة، على ما يأتي الآن.
٦٧٠٨/١ - حدّثنا أحمَدُ بنُ يُونسَ، حدثنا أبُو شِهابٍ، عنِ ابنِ عَوْنٍ، عنْ
مِجاهِدٍ، عن عَبْدِ الرَّحمن بنِ أبي ليْلَى، عنْ كَعْبٍ بنِ عُجْرَةً قال: أَتَيْتُهُ - يَعْنِي:
النبيَّ ◌َ﴿ - فقال: ((اذنُ)) فَدَنْوتُ فقال: ((أَيُؤْذِيكَ هُوَامُّك)) قُلْتُ: نَعَمْ. قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكَّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وأخبرني ابنُ عَوْنٍ عنْ أَيُّوبَ قال: صِيامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامِ، والنُّسُكُ شاةٌ، والمَساكِينُ سِنَّةٌ.
[انظر الحديث ١٨١٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه التخيير كما في كفارة الأيمان.
وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس نسب إلى جده، وأبو شهاب
هو الأصغر واسمه عبد ربه بن نافع الخياط صاحب المدائني، وابن عون هو عبد الله بن
عون بن أرطبان البصري.
والحديث مضی في الحج بشرحه.
قوله: ((أتيته)) وفي رواية أبي نعيم: فأتيت النبي بَّهِ. قوله: ((هوامك)) جمع هامة
وكان يتناثر القمل من رأسه.
قوله: ((وأخبرني)) عطف على مقدر أي: قال أبو شهاب: أخبرني فلان كذا،
وأخبرني ابن عون عن أيوب السختياني أن المراد بالصيام ثلاثة أيام وبالنسك شاة
وبالصدقة إطعام ستة مساكين.

٣٣٦
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٢)
٢ - بابُ قَوْل الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الَْكِيمُ﴾
[التحريم: ٢] مَتَى تَجِبُ الكَفَّارَةُ عَلى الغِنَيِّ والفَقِيرِ
أي: هذا باب في ذكر قول الله عز وجل: ﴿قَدّ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ ... ) الآية، وفي
بعض النسخ: باب متى تجب الكفارة على الغني والفقير. وقول الله عز وجل: ﴿قَدْ فَرَضَ
اللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿اٌلْعَلِمُ الَْكِيمُ﴾ كذا في رواية أبي ذر، ولغيره: باب
قول الله ... وساقوا الآية، وبعدها: متى تجب الكفارة على الغني والفقير، كما في
نسختنا، وقد سقط ذكر الآية عند البعض. وقال الكرماني: المناسب أن يذكر هذه الآية
في أول الباب الذي قبله.
قلت: الأنسب أن يذكر في التفسير في سورة التحريم. قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ﴾
أي: قد بيَّن ﴿ اَللَّهُ لَكُنْ غِلّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ أي: تحليلها بالكفارة.
٦٧٠٩/٢ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدثنا سفيانُ، عنِ الزُّهْرِيِّ قال: سَمِعْتُهُ مِنْ
فِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بنِ عِبْدِ الرَّحْمُنِ، عن أبِي هُرَيْرَةَ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ◌َ ﴿ فقال:
هَلَكْتُ. قال ◌َِّ: ((وما شأنُكَ؟)) قال: وقَعْت عَلى امْرأتِي في رَمضانَ. قال: ((تَسْتَطِيعُ أنَّ
تُعْتِقَ رَقَبَة؟)) قال: لا. قال: ((فَهَلْ تَستَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ؟)) قال: لا. قال:
((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِينَ مِسْكِيناً؟)) قال: لا. قال: ((اجْلِسْ)) فَجَلَسَ فَأَتِيَ النبيِّ لَهُ
بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ المَكْتَلُ الضَّخْمُ، قال: ((خُذْ هُذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ)) قال: أَعَلى أفْقَرَ مِنِّي؟
فَضَحَك النبيُّ وَّهِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. قال: ((أَطْعِمْهُ عِيالَكَ)). [انظر الحديث ١٩٣٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان هو ابن
عيينة، والزهري محمد بن مسلم، وحميد بضم الحاء ابن عبد الرحمن بن عوف
الزهري .
والحديث أخرجه الجماعة. وأخرجه البخاري في مواضع: في الصوم عن أبي
اليمان وفي الهبة والنذور عن محمد بن محبوب وفي الأدب عن موسى بن إسماعيل،
وعن القعنبي وعن محمد بن مقاتل وفي النفقات عن أحمد بن يونس وفي المحاربين
عن قتيبة، ومضى الكلام فيه في الصوم.
قوله: ((سمعته من فیه)) أي: قال سفيان سمعته من فم الزهري، وغرضه أنه ليس
معنعناً موهماً للتدليس. قوله: ((جاء رجل)) قيل اسمه سلمة بن صخر البياضي. قوله:
((هلكت)» يريد بما وقع فيه من الإثم، وقد يقال: إنه واقع متعمداً. وفي الناسي خلاف،
فمذهب مالك أنه لا كفارة عليه، خلافاً لابن الماجشون. قوله: ((وما شأنك؟)) أي: وما
حالك وما جرى عليك؟ قوله: ((تستطيع أن تعتق رقبة؟)) احتج به أبو حنيفة والشافعي

٣٣٧
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٣ و٤)
على أن كفارة الوقاع مرتبة، وهو أحد قولي ابن حبيب، وعن مالك في (المدونة): لا
أعرف غير الإطعام. وقال الحسن البصري: عليه عتق رقبة، أو هدي بدنة، أو عشرون
صاعاً لأربعين مسكيناً. قوله: (فأتي)) على صيغة المجهول ((بعرق)) بفتح العين المهملة
والراء: القفة المنسوجة من الخوص. قوله: ((المكتل)) بكسر الميم الزنبيل الذي يسع
خمسة عشر صاعاً وأكثر. قوله: ((أعلى أفقر مني؟)) ويروى: ((منا)). والهمزة في ((أعلى))
للاستفهام. قوله: ((حتى بدت)) أي: ظهرت ((نواجذه)) بالذال المعجمة آخر الأسنان
وأولها الثنايا ثم الرباعيات ثم الأنياب ثم الضواحك ثم الأرحاء ثم النواجذ. وقال
الأصمعي: النواجذ الأضراس، وهو ظاهر الحديث، وقال غيره هي: الضواحك، وقال
ابن فارس: الناجذ السن بين الأنياب والضرس، وقيل: الأضراس كلها النواجذ، وقيل:
سبب ضحكه وجوب الكفارة على هذا المجامع وأخذه ذلك صدقة وهو غير آثم. قيل :
هذا مخصوص به، وقيل: منسوخ.
٣ - بابُ مَنْ أعانَ المُغْسِرَ في الكَفَّارَةِ
أي: هذا باب في بيان من أعان المعسر العاجز في الكفارة الواجبة عليه.
٦٧١٠/٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَخْبُوبٍ، حدّثنا عبْدُ الوَاحِدِ، حدثنا مَعْمَرٌ، عنِ
الزّهْرِيِّ، عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عنْ أبي هُرَيْرَةً، رضي الله عنه، قال: جاءَ رجُلٌ إلى
رسولِ اللهِ وَ﴿ فقال: هَلَكْتُ. فقال: ((وما ذاكَ؟)) قال: وقَعْتُ بأهْلِي في رَمضانَ. قال:
((تَجِدُ رَقَبَةً؟)) قال: لا. قال: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنٍ مُتتابِعَيْنٍ)) قال: لا. قال:
((فَتَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِينَ مِسْكِيناً؟)) قال: لا. قال: فَجاءَ رجَلٌ مِنَ الأنْصارِ بِعَرَقٍ - والعَرَقُ
المِكْثَلُ - فِيهِ تَمْرٌ، فقال: ((اذْهَبْ بِهَذا فَتَصَدَّقْ بِهِ» قال: عَلى أخْوَجَ مِنَّا يا رسُولَ الله؟
والَّذِي بَعثكَ بالحقِّ ما بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ مِنَّا، ثُمَّ قال: ((اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أهْلَكَ)).
[انظر الحديث ١٩٣٦ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة ترجم له بالترجمة المذكورة.
وأخرجه عن محمد بن محبوب البصري عن عبد الواحد بن زياد العبدي عن
معمر بفتح الميمين ابن راشد عن الزهري ... إلى آخره.
قوله: ((ما بين لابتيها)) تثنية: لابة، بتخفيف الباء الموحدة وهي الحرة يعني: بين
طرفي المدينة، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: أرض ذات حجارة سود.
٤ - بابٌ يُعْطِي في الكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيباً كان أوْ بَعِيداً
أي: هذا باب مترجم بقوله: يعطي في الكفارة - أي: في كفارة اليمين - عشرة

٣٣٨
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٥)
مساكين، كما في نص القرآن. قوله: قريباً أي: سواء كانت المساكين قريبة أو بعيدة،
وإنما قال: قريباً أو بعيداً بالتذكير إما باعتبار لفظ: مساكين، فلذلك قال: كان، ولم
يقل: كانت ولا كانوا، وإما باعتبار أن فعيلاً يستوي فيه التذكير والتأنيث، كما في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] قيل: لا وجه لذكر العشرة
هنا، لأنها في كفارة اليمين، وحديث الباب في كفارة الوقاع، فلا يطابق الحديث
الترجمة. وأجاب المهلب بما حاصله: أن حكم العشرة مساكين في كفارة اليمين مبهمة
من حيث لم يذكر فيه قريب ولا بعيد، وجاء في كفارة الوقاع في حديث الباب: ((أطعمه
أهلك)» وهو مفسر، والمفسر يقضي على المجمل، وقاس كفارة اليمين على كفارة
الجماع في إجازة الصرف على الأقرباء لأنه إذا جاز إعطاء الأقرباء فالبعداء أجوز.
انتھی .
قلت: هذا إنما يمشي إذا حمل قوله: ((أطعمه أهلك)) على وجه الكفارة لا على
وجه الصدقة، لأنه لا يجوز أن يعطي الكفارة أحداً من أهله إذا كان ممن يلزمه نفقته،
وأما إذا كان ممن لا يلزمه نفقته فيجوز. وقال الكرماني: وقيل: لعل أهله كانوا عشرة،
وليس بشيء.
٤/ ٦٧١١ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدثنا سفيانُ، عنِ الزُّهرِيِّ، عنْ حُمَيْدٍ،
عن أبي هُرَيْرَةً قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ :﴿ فقال: هَلَكْتُ! قال: ((وما شَأْتُكَ؟)) قال وَقَعْتُ
عَلَى امْرَأْتِي في رَمَضانَ. قال: ((هَلْ تَجِدُ ما تُعْتِقُ رَقَبَةً؟)) قال: لا. قال: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ
تَصُومَ شَهْرَيْنِ متتابِعَيْنِ؟)) قال: لا. قال: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟)) قال: لا
أجِدُ، فَأَتِيَ النبيُّ لَهُ بَعَرِقٍ فِيهِ تَمْرٌ فقال: ((خَذْ هَذا فَتَصَدَّقْ بِهِ)) فقال: أعلى أفْقَرَ مِنَّا؟ ما
بَيْنَ لابَتَيْها أفْقَرُ مِنَّا. ثُمَّ قال: ((خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أهْلَكَ)). [انظر الحديث ١٩٣٦ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة السابق أخرجه عن عبد الله بن مسلمة
القعنبي عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وقد
مر الكلام فيه .
٥ - بابُ صاعِ المَدِينَةِ وَمُدِّ النبيِّ ◌َِ﴿ِ وبَرَكَتِهِ وَمَا تَوَارَثَ
أهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذُلِكَ قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ
أي: هذا باب في بيان صاع مدينة النبي ﴿، وأشار بذلك إلى وجوب الإخراج
في الواجبات بصاع أهل المدينة، لأن التشريع وقع أولاً على ذلك حتى زيد فيه في زمن
عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، على ما يجيء. قوله: ((ومد النبي (وَلاير)) أي:
وفي بيان مد النبي ◌َ ﴾. قوله: ((وبركته)) قال الكرماني: أي بركة المد أو بركة كل منهما.

٣٣٩
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٥)
قلت: الأحسن أن يقال: وبركة النبي ◌َّلفر لأنه دعا حيث قال: اللهم بارك لهم في
مكيالهم، وصاعهم ومدهم، ويجيء عن قريب في حديث أنس، رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((وما توارث أهل المدينة)) أي: وفي بيان ما توارث أهل المدينة قرناً أي: جيلاً
بعد جيل على ذلك ولم يتغير إلى زمنه، ألا ترى أن أبا يوسف لما اجتمع مع مالك في
المدينة فوقعت بينهما المناظرة في قدر الصاع فزعم أبو يوسف أنه ثمانية أرطال، وقام
مالك ودخل بيته وأخرج صاعاً وقال: هذا صاع النبي ◌َ *. قال أبو يوسف: فوجدته
خمسة أرطال وثلثاً، فرجع أبو يوسف إلى قول مالك وخالف صاحبيه، في هذا وجه
مناسبة ذكر هذا الباب بكتاب الكفارات هو أن في كفارة اليمين إطعام عشرة أمداد لعشرة
مساكين، وكفارة الوقاع إطعام ستين مسكيناً ستين مداً به، وفي كفارة الحلف إطعام ثلاثة
آصع لستة مساكين.
٥/ ٦٧١٢ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ، حدّثنا القاسِمُ بنُ مالِكِ المُزَنِيُّ، حدثنا
الجُعَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عنِ السَّائِبِ بنِ يَزِيدَ قال: كان الصَّاعُ عَلى عَهْدِ النبيِّ رَهُ مُدّاً
وثُلُثاً بِمُدْكُمُ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بِنِ عَبْدِ العَزِيزِ. [انظر الحديث ١٨٥٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والقاسم بن مالك المزني بضم الميم وفتح الزاي
وبالنون، والجعيد بضم الجيم وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال
المهملة، ويقال بالتكبير ابن أوس الكندي المدني، والسائب بالسين المهملة والهمزة بعد
الألف وبالباء الموحدة ابن يزيد - من الزيادة - الكندي، ويقال: الليثي، ويقال: الأزدي
المدني، سمع النبي ◌َّ 8* في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، ويقال: ابن عشر سنين،
مات سنة إحدى وتسعين.
والحديث مضى في الحج ويأتي في الاعتصام. وأخرجه النسائي في الزكاة عن
عمرو بن زرارة.
قوله: ((بمدكم اليوم)) يعني: حين حدثهم السائب كان مدهم أربعة أرطال فإذا زيد
عليه ثلثه وهو رطل وثلث يكون خمسة أرطال وثلثاً، وهو الصاع البغدادي، بدليل أن
مده وَّ﴾، رطل وثلث وصاعه أربعة أمداد، وقال ابن بطال: أما ما زيد فيه في زمن
عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، فلا نعلمه، وإنما الحديث يدل على أن
مدهم ثلاثة أمداد بمده، ومضى الكلام في الطهارة في: باب الوضوء بالمد والاختلاف
في المد والصاع.
٦٧١٣/٦ - حدّثنا مُنْذِرُ بنُ الوَلِيدِ الجارُودِيُّ، حدّثنا أبُو قُتَيْبَةَ وهُوَ سَلْمٌ، حدّثنا
مالِك عن نافع قال: كانَ ابنُ عُمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضانَ بِمُدُّ النبي ◌َّ﴿ المدِّ الأوَّلِ، وفي كَفَّارَةِ
اليَمِينِ بِمُدِّ النّبِيِّ نَّهِ.

٣٤٠
٨٤ - كتاب كفارات الأيمان / باب (٥)
قال أبُو قُتَيْبَةَ: قال لَنا مالِكٌ: مُدَّنا أعْظَمُ مِنْ مُدِّكُمْ، ولا نَرَى الفَضْلَ إلاّ في مُدِّ
النبيِّ ◌َ ﴿. وقال لِي مالِكٌ: لَوْ جاءَكمْ أمِيرٌ فَضَرَبَ مُدّاً أَصْغَرَ مِنْ مُدَّ النبيِّ وَ﴿ِ، بِأَيِّ شَيْءٍ
كُنْتُمْ تُعْطُونَ؟.
قُلْتُ: كُثَّا نُعْطِي بِمُدِّ النبيِّ وَ﴿. قال: أَفَلا تَرىُ أنَّ الأمْرَ إنّما يَعُودُ إلى مُدّ
النبيِّ ◌َه؟.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومنذر بصيغة اسم الفاعل من الإنذار ابن الوليد
الجارودي بالجيم، قال الرشاطي: الجارودي في عبد القيس، نسب إلى الجارود وهو
بشر بن عمرو من الجرد، وأبو قتيبة بضم القاف - مصغر قتبة الرحل - واسمه سلم بفتح
السين المهملة وسكون اللام ابن قتيبة الشعيري بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة
الخراساني، سكن البصرة مات بعد المائتين أدركه البخاري بالسن ومات قبل أن يلقاه،
وهو غير سلم بن قتيبة الباهلي ولد أمير خراسان قتيبة بن مسلم وقد ولي هو إمرة
البصرة وهو أكبر من الشعيري ومات قبله بأكثر من خمسين سنة.
والحديث من أفراده، وهو حديث غريب ما رواه عن مالك إلا أبو قتيبة، ولا عنه
إلا المنذر.
قوله: ((يعطي زكاة رمضان)) أراد بها: صدقة الفطر. قوله: ((المد الأول)) صفة
لازمة له وأراد نافع بذلك أنه كان لا يعطي بالمد الذي أحدثه هشام بن الحارث، وقال
الكرماني: المد الأول هو مد النبي ◌َ ، وأما الثاني فهو المزيد فيه: العمري. قوله:
((في كفارة اليمين)) أي: يعطي في كفارة اليمين. قوله: ((وقال لي مالك)) أي: قال أبو
قتيبة: قال لي مالك بن أنس، وهو موصول بالسند الأول. قوله: ((لو جاءكم أمير)) ...
إلى آخره، أراد به مالك إلزام خصمه بأنه لا مرجع إلاَّ إلى مد النبي وَله.
٧/ ٦٧١٤ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسَّفَ، أخبرنا مالِكٌ، عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ
أبي طَلْحَةَ، عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ: أنَّ رسول اللهِ ◌ِّ قال: «اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ في مِكيالِهِمْ
وصاعِهِمْ ومُدِّهِمْ)). [انظر الحديث ٢١٣٠ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مضى في البيوع عن القعنبي.
وأخرجه مسلم والنسائي كلاهما في المناسك عن قتيبة.
قوله: ((لهم)) أي: لأهل المدينة. قوله: ((في مكيالهم)) بكسر الميم وهو ما يكال
به. قيل: يحتمل أن تختص هذه الدعوة بالمد الذي كان حينئذٍ حتى لا يدخل المد
الحادث بعده، ويحتمل أن تعم كل مكيال لأهل المدينة إلى الأبد. والظاهر هو الثاني،
ولكن كلام مالك الذي سبق الآن يؤيد الأول وعليه العمدة.