Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣١)
٣١ - بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أوْ بِسَيْئَةٍ
أي: هذا باب يذكر فيه من هم بحسنة، الهم ترجيح قصد الفعل، تقول: هممت
بكذا أي: قصدته بهمتي وهو فوق مجرد خطور الشيء بالقلب.
٨٠/ ٦٤٩١ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ، حدّثنا عبْدُ الوَارِثِ، حدثنا جَعْدٌ أَبُو عُثْمانَ، حدثنا
أَبُو رجاءِ العُطارِدِيُّ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ﴿ فِيما يَرْوِي عنْ ربِّهِ عَزَّ
وجَلَّ، قال: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئات، ثُمَّ بَيَّنَ ذُلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلُها
كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فإنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى
سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، ومَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها الله لهُ عِنْدَهُ حَسَنَةٌ
كامِلَةً، فإِنْ هُوَ هَمَّ بِها فَعَمِلَها كَتَبَها الله لهُ سَيْتَةً واحِدَةً» .
مطابقته للترجمة في قوله: ((فمن هم بحسنة)) وقوله: ((ومن هم بسيئة)).
وأبو معمر عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري بكسر الميم وسكون النون،
وفتح القاف، وعبد الوارث هو ابن سعيد، وجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة ابن
دينار، وكنيته أبو عثمان الرازي، وأبو رجاء بالمد وبالجيم اسمه عثمان بن تميم
العطاردي وهؤلاء كلهم بصريون.
والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن شيبان بن فروخ وغيره. وأخرجه النسائي
في النعوت وفي الرقائق عن قتيبة.
قوله: ((عن النبي (وَل9) وفي رواية الإسماعيلي عن مسدد: عن رسول الله وله ـ
قوله: ((فيما يروي عن ربه)) هذا لبيان أنه من الأحاديث القدسية، أو بيان ما فيه من
الإسناد الصريح إلى الله تعالى حيث قال: قوله: ((إن الله قد كتب)) أو بيان الواقع وليس
فيه أن غيره ليس كذلك، بل فيه أن غيره كذلك، لأنه وَله، ما ينطق عن الهوى، أو
المعنى في جملة ما يرويه أنه عز وجل كتب الحسنات أي قدرها وجعلها حسنة، وكذلك
السيئات قدرها وجعلها سيئة. وقال الكرماني: وفيه دلالة على بطلان قاعدة الحسن
والقبح العقليين وأن الأفعال ليست بذواتها قبيحة أو حسنة، بل الحسن والقبح شرعيان
حتى لو أراد الشارع التعكيس والحكم بأن الصلاة قبيحة والزنی حسن کان له ذلك،
خلافاً للمعتزلة فإنهم قالوا: الصلاة في نفسها حسنة والزنى في نفسه قبيح، والشارع
كاشف مبين لا مثبت وليس له تعكيسها. قوله: ((ثم بين ذلك)) أي: ثم بين الله عز وجل
الذي كتب من الحسنات والسيئات. قوله: ((فمن همَّ)) بيان ذلك بفاء الفصيحة. قوله:
((فلم يعملها)» أي: فلم يعمل الحسنة التي هم بها «كتبها الله له عنده)) أي: كتب الله تلك
الحسنة التي هم بها، وقيل: أمر الحفظة بأن تكتب ذلك، وقيل: قدر ذلك وعرف الكتبة
١٢٢
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣١)
من الملائكة ذلك التقدير. وقوله: ((عنده)) أي: عند الله، وهذه إشارة إلى الشرف.
قوله: ((كاملة)) إشارة إلى رفع توهم نقصها لكونها نشأت عن الهم المجرد، وقال
النووي: أشار بقوله: عنده، إلى مزيد الاعتناء به. وبقوله: كاملة، إلى تعظيم الحسنة
وتأكيد أمرها، وعكس ذلك في السيئة فلم يصفها بكاملة بل أكدها بقوله: ((واحدة))
إشارة إلى تحقيقها مبالغة في الفضل والإحسان. قوله: ((فإن هو هم بها))، أي: إن هم
العبد بالحسنة فعملها قوله: ((عشر حسنات)) قال عز وجل: ﴿مَنْ جَآءَ بِالَْنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهًا﴾ [الأنعام: ١٦٠] قوله: ((إلى سبعمائة ضعف)) أي: مثل، والضعف يطلق على المثل
وعلى المثلين، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٦١ و٢٦٥] الآية
قوله: ((إلى أضعاف كثيرة)) قال الله تعالى: ﴿وَاللّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. قيل:
لما كان الهم بالحسنة معتبراً باعتبار أنه فعل القلب لزم أن يكون بالسيئة أيضاً كذلك.
وأجيب: بأن هذا من فضل الله على عباده حيث عفا عنهم، ولولا هذا الفضل العظيم لم
يدخل أحد الجنة لأن السيئات من العباد أكثر من الحسنات، فلطف الله عز وجل بعباده
بأن ضاعف لهم الحسنات دون السيئات. قيل: إذا هم العبد بالسيئة ولم يعمل بها فغايته
أن لا تكتب له سيئة فمن أين أن تكتب له حسنة؟ وأجيب: بأن الكف عن الشر حسنة.
قيل: اتفق العلماء على أن الشخص إذا عزم على ترك صلاة بعد عشرين سنة عصى في
الحال؟ وأجيب: بأن العزم وهو توطين النفس على فعله غير الهم الذي هو تحديث
النفس من غير استقرار، وقال ابن الجوزي: إذا حدث العبد نفسه بالمعصية لم يؤاخذ،
فإذا عزم فقد خرج عن تحديث النفس فيصير من أعمال القلب، فإن عقد النية على
الفعل فحينئذٍ يأثم، وبيان الفرق بين الهم والعزم أنه لو حدث نفسه في الصلاة وهو فيها
بقطعها لم تنقطع، فإذا عزم حكمنا بقطعها.
ثم اعلم أن حديث ابن عباس هذا معناه الخصوص لمن همَّ بسيئة فتركها لوجه الله
تعالى، وأما من تركها مكرهاً على تركها بأن يحال بينه وبينها فلا تكتب له حسنة، فلا
يدخل في نص الحديث. وقال الطبري: وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من يقول: إن
الحفظة تكتب ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة، وتعلم اعتقاده كذلك، ورد مقالة من
زعم أن الحفظة لا تكتب إلاَّ ما ظهر من عمل العبد وتسمع. فإن قيل: الملك لا يعلم
الغيب فكيف يعلم بهمّ العبد؟ قيل له: قد جاء في الحديث أنه إذا هم بحسنة فاحت منه
رائحة طيبة، وإذا هم بسيئة فاحت منه رائحة كريهة .
قلت: هذا الحديث أخرجه الطبري عن أبي معشر المدني، وسيأتي حديث أبي
هريرة في التوحيد بلفظ: ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها)).
وفيه: دليل على أن الملك يطلع على ما في الآدمي إما باطلاع الله إياه، وإما بأن
يخلق الله له علماً يدرك به ذلك.
١٢٣
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٢)
٣٢ - بابُ ما يُتَّقَى مِنْ مُحَقّراتِ الذُّنُوبِ
أي: هذا باب في بيان ما يتقى أي: ما يجتنب من محقرات الذنوب، وجاء هذا
اللفظ في حديث أخرجه النسائي وابن ماجه عن عائشة: أن النبي و لي قال لها: ((يا
عائشة! إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالباً». وصححه ابن حبان، والمحقرات
جمع محقرة وهي الذنوب التي يحتقرها فاعلها.
٨١/ ٦٤٩٢ - حدّثنا أبُو الوَلِيد، حدّثنا مَهْدِيٍّ، عنْ غَيْلانَ، عنْ أَنَسٍ رضي الله عنه
قال: إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعمالاً هِيَ أدَقُّ في أغْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إنْ كُنَّا نَعدُ عَلى عَهْدِ النبيِّ ◌َلُ
المُوبِقاتِ.
قال أبُو عَبْدِ الله: يَعْنِي بِذْلِكَ المُهْلِكاتِ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك
الطيالسي، ومهدي هو ابن ميمون الأزدي، وغيلان بفتح المعجمة وسكون الياء آخر
الحروف ابن جرير، وقال بعضهم: هو غيلان بن جامع، وهو غلط صريح لأن
غيلان بن جرير من أهل البصرة، وغيلان بن جامع كوفي قاضي الكوفة.
ورجال السند كلهم بصريون. والحديث من أفراده.
قوله: ((لتعملون)) اللام فيه للتأكيد. قوله: ((هي أدق)) أفعل التفضيل من الدقة بكسر
الدال، وأراد به أنهم كانوا يحقرونها ويهونونها. قوله: ((إن كنا نعدها)) إن مخففة من
الثقيلة، وجاز استعمالها بدون اللام الفارقة بينها وبين النافية عند الأمن من الالتباس،
ونعدها، بدون اللام في رواية أبي ذر عن السرخسي والمستملي، وعند الأكثرين:
لنعدها، بلام التأكيد وأيضاً بالضمير وعندهما بحذف الضمير أيضاً، ولفظهما: إن كنا
نعد. قوله: ((على عهد النبي (وَ ﴿)) أي: في زمنه وأيامه. قوله: ((الموبقات)) أي:
المهلكات هكذا فسره البخاري على ما يجيء الآن، وفي رواية الأكثرين: من
الموبقات، وسقوط كلمة: من، في رواية السرخسي والمستملي.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاري نفسه، ((يعني بذلك)) أي بلفظ الموبقات
يعني أراد بها: المهلكات، وهي جمع موبقة أي: مهلكة، وثلاثية: وبق يبق فهو وبق إذا
هلك، وأوبقه غيره فهو موبق، فالفاعل بكسر الباء والمفعول بفتحها ومعنى الحديث
راجع إلى قوله عز وجل: ﴿وَحْسَبُونَهُ هَيْئًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وكانت الصحابة
يعدون الصغائر من الموبقات لشدة خشيتهم لله ولم تكن لهم كبائر، والمحقرات، إذا
كثرت صارت كبائر للإصرار عليها .
١٢٤
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٣ و٣٤)
٣٣ - بابٌ الأعْمالُ بِالخَواتِيمِ وما يخافُ مِنْها
أي: هذا باب فيه الأعمال بالخواتيم أي: بالعواقب، وهو جمع خاتمة. وفي
(التوضيح): يقال: خاتم بفتح التاء وكسرها، وعد اللغات الست التي فيه ثم قال:
والجمع الخواتيم.
قلت: هذا تصرف عجیب فإنه ظن أن الخواتيم هنا جمع الخاتم الذي یلبس، ولیس
لهذا هنا دخل، وإنما المراد بالخواتيم الأعمال التي يختم بها عمل الرجل عند موته.
٦٤٩٣/٨٢ - حدّثنا عَلِيُّ بن عَيَّاشِ، حدثنا أَبُو غَسَّانَ قال: حدّثني أَبُو حازِمِ، عنْ
سَهْلٍ بِنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ قال: نَظَرَ النبيُّ :﴿ إلى رَجلِ يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ، وكانَ مِنْ أَغْظَمِ
المُسْلِمِينَ غناءً عَنْهُمْ، فقال: ((مَنْ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إلى لهذا))
فَتَبَعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذُلِكَ حتَّى جُرِحَ فاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، وقال بِذُبابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ
تَذْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنٍ كَتِفَيْهِ، فقال النبيِّ ◌َّهِ: ((إنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيما يَرى
النَّاسُ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ وإنه لمن أهل النَّارِ، ويَعْمَلُ فيما يَرىْ النَّاسُ عَمَلَ أهْلِ النَّارِ وهُوَ مِنْ
أهلِ الجنةِ، وإنَّما الأعمالُ بِخَواتِيمها)). [انظر الحديث ٢٨٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. وعلي بن عياش بتشديد الياء آخر الحروف
وبالشين المعجمة الألهاني بالنون الحمصي، وأبو غسان بفتح الغين المعجمة وتشديد
السين المهملة محمد بن مطرف، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار.
والحديث مضى في الجهاد مطولاً في: باب لا يقال: فلان شهيد، فإنه أخرجه
هناك عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي أبي حازم ... إلى آخره، ومضى
الكلام فيه. ومضى أيضاً في المغازي، وسيأتي في القدر أيضاً.
قوله: ((إلى رجل)) اسمه قزمان بضم القاف وبالزاي ... قوله: ((غناء)) بفتح الغين
المعجمة وبالمد يقال: غنى عن فلان غناء ناب عنه، وأجرى مجراه. قوله: ((وقال بذبابة
سيفه)) يعني: طعن بذبابة سيفه، وهو حده وطرفه بين ثدييه، وقد تقدم فيما مضى:
بنصل سيفه، فلا منافاة لإمكان الجمع بينهما. قوله: ((فتحامل عليه)) أي: اتكأ عليه
بقوته .
٣٤ - بابٌ العُزْلَةُ راحَةٌ مِنْ خُلاَّطِ السُّوءِ
أي: هذا باب مترجم بترجمة هي العزلة أي: الاعتزال والانفراد - راحة من خلاط
السوء بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام جمع خليط وهو جمع غريب وخليط الرجل
الذي يخالطه ويعاشره يستوي فيه الواحد والجمع ويجمع الخليط أيضاً على خالط
١٢٥
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٤)
بضمتين، ذكره الصغاني في اللباب، وقال بعضهم: ذكره الكرماني بلفظ: خلط بغير
ألف، يعني مثل ما ذكره الصغاني.
قلت: لم يذكر الكرماني هكذا، وإنما قال: خلاط - بضم الخاء وتشديد اللام
جمع خليط وبكسرها والتخفيف مصدر أي: المخالطة، هذا الذي ذكره الكرماني ولم
يرد بقوله: وبكسرها ... إلى آخره أنه الترجمة، وإنما ذكر هذا لزيادة الفائدة، على أنه
يجوز أن يكون أشار به إلى جواز الوجهين في قوله: من خلاط السوء. أحدهما: أن
يكون جمعاً والآخر: أن يكون مصدراً من خالط يخالط مخالطة وخلاطاً. قوله:
(راحة))، أصله روحة قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، قال الجوهري: الروح
والراحة من الاستراحة وهو سكون النفس مع سعة من غير تنكد بشيء، وهذه مادة
واسعة تستعمل لمعان كثيرة.
وفي العزلة عن الناس فوائد كثيرة وأقلها البعد من شرِّهم وقد قال أبو الدرداء:
وجدت الناس أكبر ثقلة، وروى ابن المبارك: أخبرنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن
عن حفص بن عاصم: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: خذوا حظكم
من العزلة، وفي رواية قال عمر: العزلة راحة من خليط السوء، وروى الطحاوي من
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله وَلغير، قال: ((ألا أخبركم بخير
الناس منزلاً؟))، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ((رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله!
وأخبركم بالذي يليه؟ رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة)»، ثم قال: فإن
قال قائل: أين ما روي عن النبي ◌َّر، من قوله: ((المسلم الذي يخالط الناس ويصبر
على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم؟)) ويجاب بأنه لا
تضاد بينهما لأن قوله: رجل أخذ بعنان فرسه، خرج مخرج العموم، والمراد به
الخصوص فالمعنى فيه أنه من خير الناس، كما ذكره غيره بمثل ذلك، فقال: خير الناس
من طال عمره وحسن عمله، أو يكون المراد بتفضيله في وقت من الأوقات لا في كل
الأوقات.
٦٤٩٤/٨٣ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، قال: حدثني
عَطاءُ بنُ يَزِيدَ أنَّ أبا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ قال: قِيلَ: يا رسولَ الله.
وقال مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ: حدثنا الأوزاعِيُّ، حدثنا الزُّهْرِيُّ، عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ
اللّيْثِيُّ، عن أبي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ قال: جاءَ أعْرابِيٍّ إلى النبيِّ ◌َّ﴿ فقال: يا رسولَ الله! أيُّ
الناسِ خَيْرٌ؟ قال: ((رَجلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، وَرَجْلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشّعابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ ويَدَعُ
النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ». [انظر الحديث ٢٧٨٦].
١٢٦
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٤)
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ورجل في شعب ... )) إلى آخره.
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وعطاء بن يزيد - من الزيادة - واسم أبي سعيد
سعد بن مالك، والأوزاعي عبد الرحمن.
والحديث مضى في أوائل الجهاد في: باب أفضل الناس مؤمن مجاهد، فإنه
أخرجه هناك عن أبي اليمان ... إلى آخره.
قوله: ((وقال محمد بن يوسف)) هو الفريابي قرنه هنا برواية أبي اليمان وأفرد أبا
اليمان في الجهاد، ورواه مسلم عن عبيد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن محمد بن
يوسف. قوله: ((أعرابي)) لم يدر اسمه. قوله: ((أي الناس خير؟)) وفي الرواية المتقدمة
بلفظ: أفضل. قوله: ((رجل جاهد)) أي: خير الناس رجل جاهد، ولا يعارضه
قوله ◌َ: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، ومثل ذلك، لأن اختلاف هذا بحسب
اختلاف الأوقات والأقوام والأحوال. قوله: ((في شعب))، بكسر الشين المعجمة:
الطريق في الجبل ومسيل الماء وما انفرج بين الجبلين. قوله: ((ويدع)) أي: يترك.
تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وسُلَيْمانُ بنُ كَثِيرِ والنّعْمانُ عنِ الزُّهرِيِّ.
أي: تابع شعيباً في روايته عن الزهري الزبيدي، وكذا تابع الأوزاعي في روايته
عن الزهري، والزبيدي هو محمد بن الوليد السامي نسبة إلى زبيد بضم الزاء وفتح الباء
الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وهو منبه بن صعب وهو زبيد الأكبر، وإليه يرجع
قبائل زبيد، وروى متابعته مسلم عن منصور بن أبي مزاحم: حدثنا يحيى بن حمزة عن
الزبيدي. قوله: وسليمان، بالرفع عطف على: الزبيدي، وروى متابعته أبو داود عن أبي
الوليد الطيالسي عن سليمان به. قوله: والنعمان هو ابن راشد الجزري وروى متابعته
أحمد عن وهب بن جرير: حدثنا أبي سمعت النعمان بن راشد به.
وقال مَعْمَرٌ: عن الزُّهْريِّ عنْ عَطاءِ - أوْ عُبَيْدِ الله - عن أبي سَعِيدٍ عنِ النبيِّ ◌َِّ .
أي قال معمر بن راشد: عن محمد بن مسلم الزهري عن عطاء بن يزيد - أو
عبيد الله بالشك، وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، عن أبي سعيد
الخدري عن النبي ◌َّر، وهذا التعليق رواه أحمد عن عبد الرزاق، وقال في سياقه:
معمر، يشك، وفي رواية مسلم عن أبي حميد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن محمد
عن عطاء، بغير شك.
وقال يُونُسُ وابنُ مُسافِرٍ ويَحيى بنُ سَعِيدٍ: عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عَطاءِ عنْ بَعْضٍ
أصحابِ النبيِّ وَّر عن النبيِّ ◌َطِّ.
يونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن مسافر أبو خالد، ويقال: أبو الوليد التميمي
١٢٧
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٥)
المصري والي مصر لهشام سنة ثمان عشرة ومائة، وعزل عنها سنة تسع عشرة ومائة،
وهو مولى الليث بن سعد، ويحيى بن سعيد الأنصاري النجاري المديني قاضي
المدينة، رأى أنس بن مالك. وتعليق يونس أخرجه عبد الله بن وهب في (جامعه)،
وتعليق ابن مسافر أخرجه الذهلي في (الزهريات): من طريق الليث بن سعد عنه.
وتعليق يحيى أخرجه الذهلي المذكور من طريق سليمان بن بلال عنه. قوله: عن بعض
أصحاب النبي بَّر، قال الكرماني: لعله أبو سعيد الخدري.
٦٤٩٥/٨٤ - حدّثنا أبُو نُعَيْم، حدثنا المَاجِشُونُ، عنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بنِ أبي
صَعْصَعَة، عنْ أَبِيهِ عنْ أبي سَعِيدٍ أنَّهُ سُّمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيَّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلى
النَّاس زَمانْ خَيْرُ مالِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ الغَتَمُ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبالِ، ومَواقِعَ القَطْرِ يَفِرْ بِدِينِهِ منَ
الفِتْنَ)).
[انظر الحديث ١٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه. وأبو نعيم هو الفضل بن دكين وهو الفضل بن
عمرو بن حماد الأحول التيمي الكوفي. ودكين لقب. عمرو مات سنة ثمان - أو تسع -
عشرة ومائتين، والماجشون بكسر الجيم وضم الشين المعجمة هو عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة، وعبد الرحمن بن أبي صعصعة هو عبد الرحمن بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي صعصعة، يروي عن أبيه، وفي رواية يحيى بن سعيد الأنصاري
عن عبد الرحمن هذا: أنه سمع أباه أخرجه أحمد والإسماعيلي وأخوه عبد الرحمن
محمد بن عبد الله انفرد البخاري بهما وبأبيهما.
والحديث مضى في الإيمان في: باب من الدين الفرار من الفتن، فإنه أخرجه
هناك عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الرحمن المذكور، ومر الكلام فيه
هناك.
قوله: ((شعف الجبال)) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة جمع شعفة، وهي
رأس الجبل. قوله: ((ومواقع القطر)) يعني: بطون الأودية.
وفيه: أن اعتزال الناس عند ظهور الفتن والهرب عنهم أسلم للدين من مخالطتهم.
٣٥ - بابُ رَفْعِ الأمانَةِ
أي: هذا باب في بيان رفع الأمانة من بين الناس. والمراد برفعها ذهابها بحيث أن
لا يوجد الأمين، والأمانة ضد الخيانة.
٨٥/ ٦٤٩٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ، حدّثنا هِلالُ بنُ
عَلِيٍّ، عنْ عَطاءٍ بن يَسارٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلفته: ((إذا
١٢٨
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٥)
ضُبِّعَتِ الأمانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ)). قال: كَيْف إضاعَتُها يا رسولَ الله؟ قال: ((إذا أُسْنِدَ الأمْرُ إلى
غَيْرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)). [انظر الحديث ٥٩].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إذا ضيعت الأمانة)) ومحمد بن سنان بكسر
السين المهملة وتخفيف النون الأولى.
والحديث قد مضى في أول كتاب العلم بهذا الإسناد.
قوله: ((كيف إضاعتها)) القائل بهذا هو الأعرابي، سأل: متى الساعة؟ لأن أول
الحديث عن أبي هريرة: بينما النبي وَل في مجلس يحدث القوم جاء أعرابي فقال: متى
الساعة؟ ... الحديث. قوله: ((قال: إذا أسند)) أي: قال النبي وَلغيره: ((إذا أسند الأمر إلى
غير أهله)) والمراد من الأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والسلطنة والإمارة
والقضاء والإفتاء، وقال الكرماني: أسند الأمر، أي: فوض المناصب إلى غير مستحقيها
كتفويض القضاء إلى غير العالم بالأحكام كما هو في زماننا.
قلت: يا ليت أن يتولى الجاهل بلا رشوة لأنه يحتمل أن يكون ديناً يستفتي فيما
يجهله، فالمصيبة العظمى أن يتولى الجاهل بالرشوة، فلعن رسول الله (8 18 الراشي
والمرتشي والرائش، حيث قال: ((لعن الله الراشي ... )) إلى آخر الحديث، رواه
عبد الله بن عمرو بن العاص، ولا شك أن من لعنه الله لعنه رسول الله وَ﴿، وأعظم
المصائب أن الديار المصرية التي هي كرسي الإسلام لا يتولى فيها القضاة والحكام
وسائر أصحاب المناصب إلا بالرشي والبراطيل، ولا يوجد هذا في بلاد الروم ولا في
بلاد العجم .
٦٤٩٧/٨٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرِ، أخبرنا سُفْيانُ، حدّثنا الأعْمَشُ، عنْ زَيْدِ بن
وَهْبِ، حدّثنا حُذَيْفَةُ قال: حدّثنا رسولُ اللهِوَ﴿ حَدِيثَيْنِ رَأيْتُ أحَدَهُما، وأنا أنْتَظِرُ الآخَرَ.
حدّثنا: (( أنَّ الأمانَةَ نَزَّلَتْ في جَذْرِ قُلُوبِ الرّجالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ
السُّنَّةِ))، وحدّثنا عنْ رَفْعِها، قال: ((يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ منْ قَلْبِهِ، فَيظلُّ أثَرُها
مِثْلَ أَثَرِ الوكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُها مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَخْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ
فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُوَنَ فَلا يَكادُ أحَدْ يُؤَدِّي الأمانَةَ.
فَيُقالُ: إن في بَنِي فُلانٍ رَجُلاً أمِيناً، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلهُ وما أظْرَفَهُ وما أَجْلَدَهُ، وما في
قلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَزْدَلٍ مِنْ إِيمانٍ)) ولقدْ أَتَى عَلَيَّ زَمانٌ وما أَبَالِي أَيَّكُمْ بايَعْتُ، لَئِنْ كان مُسْلِماً
رَدَّهُ عَلَيَّ الإسْلامُ، وإنْ كان نَصْرَانِيّاً رَدَّهُ عَلَيَّ ساعِيهِ، فأمَّا الْيَوْمَ، فَما كُنْتُ أُبَايِعُ إلاَّ فُلاناً
وفُلاناً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وسفيان هو الثوري، والأعمش سليمان.
٠
١٢٩
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٥)
والحديث أخرجه أيضاً عن علي بن عبد الله عن سفيان بن عيينة. وأخرجه مسلم
في الإيمان عن أبي بكر وغيره. وأخرجه الترمذي في الفتن عن هناد بن السري.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد عن وكيع به.
قوله: ((حديثين)) أي: في باب الأمانة. أحدهما: في نزول الأمانة. والآخر: في
رفعها قوله: ((حدثنا)) أي: رسول الله وَلفي قوله: ((في جذر قلوب الرجال)) بفتح الجيم:
وكسرها وسكون الذال المعجمة، وهو الأصل من كل شيء. قاله أبو عبيد، وقال ابن
الأعرابي: الجذر أصل الحساب والنسب، وأصل الشجرة. قوله: ((ثم علموا)) أي: بعد
نزولها في قلوب الرجال بالفطرة علموها من القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ
عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية. قال ابن عباس: هي الفرائض التي على
العباد، وقيل: هي ما أمروا به ونهوا عنه، وقيل: هي الطاعة، نقله الواحدي عن أكثر
المفسرين. قوله: ((ثم علموا من السنة)) أي: سنة النبي ◌ٍَّ﴾. وحاصل المعنى: أن
الأمانة كانت لهم بحسب الفطرة وحصلت لهم بالكسب أيضاً، بسبب الشريعة. قوله:
(وحدثنا)) أي: رسول الله وَّلترٍ: ((عن رفعها)) أي: عن رفع الأمانة. قوله: ((ينام الرجل))
إلى آخره بيان رفعها وهو أنه ((ينام نومة فتقبض الأمانة من قلبه)) يعني: تقبض من قوم ثم
من قوم ثم شيئاً بعد شيء في وقت بعد وقت على قدر فساد الدين. قوله: ((فيظل أثرها))
أي: فيصير أثرها. ((مثل أثر الوكت)) بفتح الواو وسكون الكاف وبالتاء المثناة وهو أثر
النار ونحوه، وقال ابن الأثير: الوكتة الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه والجمع
وكت، ومنه قيل للبسر: إذا وقعت فيه نقطة من الإرطاب وكت، ومنه حديث حذيفة
المذكور، وقال الجوهري في فصل الواو من باب التاء المثناة من فوق: الوكتة كالنقطة
في الشيء، يقال في عينه وكتة، وضبطه صاحب (التلويح) بالثاء المثلثة وهو غلط.
قوله: ((مثل المجل)) بفتح الميم وسكون الجيم وفتحها هو التنفط الذي يحصل في اليد
من العمل بفأس ونحوه، وهو مصدر: مجلت يده تمجل مجلاً، ويقال: هو أن يكون
بين الجلد واللحم ماء وكذلك المجلة، وهو من باب علم يعلم ومصدره مجل بفتحتين:
ومن باب نصر ينصر ومصدره مجل بسكون الجيم ومجول، وقال الأصمعي: هو تفتح
يشبه البثر من العمل. قوله: ((فنفط)) بكسر الفاء قال ابن فارس: النفط قرح يخرج في
اليد من العمل وإنما قال: نفط مع أن الضمير فيه يرجع إلى الرجل وهو مؤنث، وذكره
باعتبار العضو أو باعتبار لفظ الرجل. قوله: ((منتبراً)) أي: مرتفعاً، من الانتبار وهو
الارتفاع، ومنه انتبر الأمير: صعد على المنبر، ومنه سمي المنبر منبراً لارتفاعه، وكل
شيء ارتفع فقد نبره وقال أبو عبيد: منتبراً أي: متنفطاً. وحاصله أن القلب يخلو عن
الأمانة بأن تزول عنه شيئاً فشيئاً، فإذا زال جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوکت،
وإذا زال شيء آخر منه صار كالمجل وهو أثر حكم لا يكاد يزول إلاّ بعد مدة، ثم شبه
عمدة القاري / (٢٣ - م٩
١٣٠
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٥)
زوال ذلك النور بعد ثبوته في القلب وخروجه منه واعتقابه إياه بجمر تدحرجه على
رجلك حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط. قوله: ((يتبايعون)) أي: من البيع
والشراء. قوله: ((فلا يكاد أحد)) كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: فلا يكاد
أحدهم. قوله: ((أتى عليّ)) بتشديد الياء قوله: ((وما أبالي أيكم بايعت)) وقال ابن التين:
تأوله بعض الناس على بيعة الخلافة، وهو خطأ، فكيف يكون ذلك وهو يقول: لئن كان
نصرانياً ... إلى آخره؟ والذي عليه الجمهور وهو الصحيح أنه أراد به البيع والشراء
المعروفين، يعني: كنت أعلم أن الأمانة في الناس: فكنت أقدم على معاملة من أثق غير
باحث عن حاله وثوقاً بأمانته، فإنه إن كان مسلماً فدينه يمنعه من الخيانة ويحمله على
أداء الأمانة. وإن كان كافراً فساعيه، وهو الوالي الذي يسعى له. أي الوالي عليه يقوم
بالأمانة في ولايته فينصفني ويستخرج حقي منه، وكل من ولى شيئاً على قوم فهو
ساعيهم مثل سعاة الزكاة، وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فلست أثق اليوم بأحد أأتمنه على
بيع أو شراء إلاَّ فلاناً وفلاناً يعني أفراد من الناس قلائل أعرفهم وأثق بهم. قوله: ((رده
عليّ الإسلام)» وفي رواية المستملي: بالإسلام. قوله: ((وإن كان نصرانياً)) ذكر النصراني
على سبيل التمثيل، وإلاَّ فاليهودي أيضاً، كذلك صرح في (صحيح مسلم) بهما.
٦٤٩٨/٨٧ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني
سالِمُ بنُ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ وَلَّم
يَقُولُ: ((إِنَّمَا النَّاسُ كالإِبِلِ المِائَةُ لا تَكادُ تَجِدُ فِيها راحِلَةً».
مطابقته للترجمة يمكن أن توجه من حيث إن النبي ® أخبر في هذا الحديث بأن
الناس كثيرون والمرضى فيهم قليل بمنزلة الراحلة في الإبل المائة، وغير المرضى هم
الذين ضيعوا الفرائض التي عليهم، وقد ذكرنا أن ابن عباس فسر الأمانة بالفرائض، فمن
هذه الحيثية تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث، وأبو اليمان الحكم بن نافع.
والحديث بهذا الإسناد من أفراده، وفي رواية مسلم من طرق معمر عن الزهري:
((تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة)).
واختلفوا في معنى هذا الحديث فقيل: إنما يراد به القرون المذمومة في آخر
الزمان، ولذلك ذكره البخاري هنا ولم يرد به وَّ ر، زمن أصحابه، وتابعيهم لأنه قد شهد
لهم بالفضل، فقال: ((خير القرون ... )) الحديث، ونقل الكرماني هذا في (شرحه)
بقوله: وقال بعضهم: المراد به القرون المذمومة ... إلى آخر ما ذكرناه، وقال بعضهم:
نقل الكرماني هذا عن مغلطاي ظناً منه أنه كلامه لكونه لم يعزه.
قلت: لم يقل الكرماني إلاَّ: قال بعضهم، ولم يذكر لفظ مغلطاي أصلاً، فلا
يحتاج إلى ذكره بما فيه من سوء الأدب ونسبة الظن إليه وبعض الظن إثم، وقيل:
١٣١
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٦).
يحتمل أن يريد كل الناس فلا يكون مؤمن إلاَّ في مائة أو أكثر، وقيل: إن الناس في
أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع على وضيع، كالإبل
المائة التي لا تكون فيها راحلة، وقيل: إن أكثر الناس أهل نقص وأهل الفضل عددهم
قليل بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة. قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: ١٨٧ وغيرها] وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] وقال القرطبي:
الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يتحمل أثقال الناس والحمالات عنهم
ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة.
قلت: الأنسب من كل الأقوال هو القول الذي ذكرناه أولاً، وفيه أيضاً مطابقة
الحديث للترجمة كما ذكرناه.
قوله: ((كالإبل المائة)) وصف لفظ الإبل الذي هو مفرد بقوله: المائة، لأن العرب
يقول للمائة من الإبل، ويقال لفلان إبل أي: مائة من الإبل وإبلان إذا كان له مائتان.
قوله: ((راحلة)) هي النجيبة المختارة الكاملة الأوصاف الحسنة المنظر، وقيل: الراحلة
الجمل النجيب، والهاء مبالغة.
٣٦ - بابُ الرَّياءِ والسُّمْعَةِ
أي: هذا باب في بيان ذم الرياء، بكسر الراء وتخفيف الياء آخر الحروف وبالمد
هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها، والسمعة بضم السين المهملة
وسكون الميم قال بعضهم: هي مشتقة من السماع.
قلت: السمعة اسم، والسماع مصدر، والاسم لا يشتق من المصدر، ومعنى:
السمعة، التنويه بالعمل وتشهيره ليراه الناس ويسمعوا به، والفرق بينهما أن الرياء يتعلق
بحاسة البصر، والسمعة بحاسة السمع.
٨٨/ ٦٤٩٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَخْيَى، عنْ سِفْيانَ، حدّثني سَلَمةُ بنُ كُهَيْلٍ.
(ح) وحدّثنا أَبُو نُعَيْم، حدّثنا سفيانُ، عَنْ سَلَمَة قال: سَمِعْتُ جُنْدَباً يَقُولُ: قال النبيُّ وَل
- ولَمْ أسْمَعْ أحَداً يَقُّولُ: قال النبيُّ نَّهَ غَيْرَهُ - فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قال النبيُّ ◌َّ:
(مَنْ سَمِّعَ، سَمَّعَ الله بِهِ، ومَنْ يُرائِي يُرائِي الله بِهِ)).
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويحيي هو ابن سعيد القطان، وسفيان هو الثوري في
الطريقين، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين، وجندب بضم الجيم وسكون النون وفتح
الدال المهملة وضمها ابن عبد الله البجلي بالباء الموحدة والجيم المفتوحتين وهو من
صغار الصحابة .
وأخرج هذا الحديث من طريقين، والسند الثاني أعلى من الأول.
١٣٢
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٦)
ورجاله كوفيون ولم يكتف به مع علوه لأن في الرواية الأولى ما ليس في الثانية
وهو جلالة القطان، وتصريح سفيان بالتحديث عن سلمة ولفظ (ح) بين الطريقين إشارة
إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث، أو إلى الحائل، أو إلى صح أو
إلى الحديث، ويتلفظ عند القراءة بلفظة: (حا)، مقصوراً.
والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن أبي بكر عن وكيع عن الثوري وعن
إسحاق بن إبراهيم عن أبي نعيم به وعن غيرهما، وأخرجه ابن ماجه في الزهد عن
هارون بن إسحاق عن محمد بن عبد الوهاب عن الثوري به.
قوله: ((ولم أسمع أحداً يقول: قال النبي ◌َّ ﴿ غيره)) أي: قال سلمة بن كهيل: لم
أسمع أحداً ... إلى آخره، وقال الكرماني: لم أسمع. أي: لم يبق من أصحاب
النبي ◌َّ حينئذٍ غيره في ذلك المكان. ورد عليه بعضهم بأنه ليس كذلك، فإن جندباً
كان بالكوفة إلى أن مات وكان بها في حياة جندب أو جحيفة السوائي وكانت وفاته بعد
جندب بست سنين، وعبد الله بن أبي أوفى وكانت وفاته بعد جندب بعشرين سنة، وقد
روى سلمة بن كهيل عن كل منهما، فيتعين أن يكون مراده أنه لم يسمع منهما ولا من
أحدهما ولا من غيرهما ممن كان موجوداً من الصحابة بغير الكوفة بعد أن سمع من
جندب الحديث المذكور عن النبي وَ﴿ شيئاً. انتهى. قلت: إنما رد هذا القائل بما قاله
بعد أن قال: احترز بقوله: ((وذلك عمن كان من الصحابة موجوداً إذ ذاك)» بغير المكان
الذي كان فيه جندب، ثم قال: وليس كذلك ... إلى آخره. وفيه نظر، لأن للكرماني أن
يقول: مرادي من قولي في ذلك المكان، المكان الذي كان جندب معداً فيه لإسماع
الحديث، ولم يكن هناك من أصحاب النبي وَّر، حينئذٍ غيره، وإن كان أبو جحيفة وابن
أبي أوفى موجودين في الكوفة حينئذٍ والعجب من هذا القائل يفسر كلام الكرماني
بحسب ما یفهمه ثم یرد عليه.
وفي الصحابة من يسمى بجندب خمسة أنفس: جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري،
وجندب بن مكين الجهني، وجندب بن ضمرة الجندعي، وجندب بن كعب العبدي،
وجندب بن عبد الله البجلي وهو الذي روى عنه سلمة بن كهيل، والأشهر منهم أبو ذر
الغفاري، فقال خليفة بن خياط: مات جندب - يعني: أبا ذر - سنة اثنتين وثلاثين
بالربذة، قرية من قرى المدينة في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وصلى عليه ابن
مسعود. وأما جندب المذكور في هذا الحديث فلم يذكر أحد تاريخ وفاته، فكيف يقول
هذا القائل: وكانت وفاة أبي جحيفة بعد جندب بست سنين؟ وكانت وفاة أبي جحيفة
في سنة أربع وسبعين؟ وقال الواقدي: توفي في ولاية بشر بن مروان وكانت وفاة ابن
أبي أوفى سنة سبع وثمانين قاله البخاري، فكيف يقول. وكانت وفاته بعد جندب
١٣٣
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٧)
بعشرين سنة؟ فاحسب التفاوت بين تاريخي وفاة أبي جحيفة وابن أبي أوفى وبين تاريخ
جندب .
قوله: ((من سمع)) بتشديد الميم من التسميع وهو التشهير وإزالة الخمول بنشر
الذكر، وقال الخطابي: أي عمل عملاً على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس
ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله تعالى ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه، وقيل:
إن من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله تعالى فإن الله يجعله
حديثاً عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة. قوله: ((ومن
يرائي)) بضم الياء وبالمد وكسر الهمزة والثانية مثلها وثبتت الياء في آخر كل منهما
للإشباع أي: من يرائي بعمله الناس ((يرائي الله به)) أي يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا
لوجهه فاستحق سخط الله عليه. وفيه: من المشاكلة ما لا يخفى.
٣٧ - بابُ مَنْ جاهَدَ نَفْسَهُ في طاعةِ الله
أي: هذا باب في بيان فضل من جاهد من المجاهدة، وهي: كف النفس عن
إرادتها مما يشغلها بغير العبادة.
٨٩/ ٦٥٠٠ - حدّثنا هُذْبَةُ بنُ خالِدٍ، حدّثنا هَمَّامٌ، حدثنا قَتادَة، حدثنا أَنَسُ بنُ
مالِكِ، عنْ مُعاذٍ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه، قال: بَيْنَما أنا رَدِيفُ النبيِّ ◌َ﴿ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنِهُ إلاّ
آخِرَةُ الرَّحْلِ، فقال: ((يا مُعاذُ!)). قُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ
قال: ((يا مُعاذُ!)) قُلْتُ: لبيْكَ رسولَ اللهِّهِ وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سارَ ساعَةً ثُمَّ قال: ((يا مُعاذُ بنَ
جَبَلٍ!)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسولَ الله وسَعْدِيْكَ. قال: ((هَلْ تَذْرِي ما حَقُّ الله عَلى عِبادِهِ؟)) قُلْتُ:
الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ. قال: ((حَقُّ الله عَلَى عِبادِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، ثُمَّ سارَ ساعَةً،
ثُمَّ قال: ((يا مُعاذُ بن جَبَلٍ)) قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسُولَ الله وسَعْدَيْك. قال: ((هَلْ تَذْرِي ما حَقُّ
العِبادِ عَلى الله إذا فَعَلُوهُ؟)) قُلْتُ: الله ورسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: ((حَقُّ العِبادِ على الله أنْ لا
يُعَذِّبَهُمْ)). [انظر الحديث ٢٨٥٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه مجاهدة النفس بالتوحيد، وجهاد المرء نفسه هو
الجهاد الأكبر.
وهذا الحديث بعين هذا الإسناد والمتن قد مر في كتاب اللباس في باب مجرد
عقيب: باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه، فإنه أخرجه هناك عن هدبة بن خالد
عن همام بن يحيى عن قتادة ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك، ونظيره مضى عن
أنس في آخر كتاب العلم في: باب من خص بالعلم قوماً.
١٣٤
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٨)
قوله: ((رديف النبي (وَّ)) الرديف هو الراكب خلف الراكب. قوله: ((إلاَّ آخرة
الرحل)) الآخرة على وزن الفاعلة وهي العود الذي يستند إليه الراكب من خلفه، وأراد
بذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه لكونه أضبط، وأما
تكريره وَ ﴾، عليه ثلاثاً فلتأكيد الاهتمام بما يخبره ولتكميل تنبه معاذ فيما يسمعه،
والرحل سرج الجمل. وقال الجوهري: الرحل رحل الجمل وهو أصغر من القتب.
قوله: ((لبيك)) قد مضى الكلام فيه مراراً أنه من التلبية وهي إجابة المنادي أي: إجابتي
لك يا رسول الله! مأخوذ من لب بالمكان وألب إذا قام به، ولم يستعمل إلا على لفظ
التثنية في معنى التكرير، أي: إجابة بعد إجابة وهو منصوب على المصدر بعامل لا
يظهر، كأنّك قلت: ألب إلباباً بعد إلباب. قوله: ((وسعديك)) أي: ساعدت طاعتك
مساعدة بعد مساعدة وإسعاداً بعد إسعاد، ولهذا ثمني، وهو أيضاً من المصادر المنصوبة
بفعل لا يظهر في الاستعمالُ، وقال الجرمي: لم يسمع سعدك مفرداً. قوله: ((لبيك
رسول الله)) أي: يا رسول الله، حذف فيه حرف النداء، وفي العلم بإثباته. قوله:
((فقال: يا معاذ)) وفي رواية الكشميهني: ثم قال: يا معاذ، قوله: ((هل تدري ما حق الله
على عباده)) الحق كل موجود متحقق أو: ما سيوجد لا محالة. قوله: ((أن يعبدوه)) أي:
أن يوحدوه. قوله: ((ولا يشركوا به شيئاً))، تفسيره وقيل: المراد بالعبادة عمل الطاعات
واجتناب المعاصي. قوله: ((ما حق العباد على الله؟)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون
خرج مخرج المقابلة في اللفظ كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]
والثاني: أن يكون أراد حقّاً شرعياً لا واجباً بالعقل كقول المعتزلة، وقيل: معنى الحق
المستحق الثابت أو الجدير، أو هو كالواجب في تحققه، وقال القرطبي: حق العباد
على الله هو ما وعدهم به من الثواب والجزاء.
٣٨ - بابُ التَّواصُعِ
أي: هذا باب في بيان فضل التواضع، وهو إظهار التنزل عن مرتبته. وقيل: هو
تعظيم من فوقه من أرباب الفضائل، وفي (رقائق): ابن المبارك عن معاذ بن جبل أنه
قال: لن يبلغ ذروة الإيمان حتى تكون الضعة أحب إليه من الشرف، وما قل من الدنيا
أحب إليه مما كثر.
٩٠/ ٦٥٠١ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا حُمَيْدٌ عنْ أَنسٍ رضي
الله عنه: كان لِلنبيِّنَ ◌ِّ نَاقَةٌ.
قال: وحدّثني مُحَمَّدٌ، أخبرنا الفَزَارِيُّ وأبُو خالِدِ الأخْمَرُ، عنْ حُمَيْدِ الطّويلِ، عنْ
أَنَس قال: كانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُول اللهِ وََّ تُسَمَّى العَضْباءَ، وكانَتْ لا تُسْبَقُ، فَجاءَ أَغْرابِيٌّ
عَلى قَعُودٍ لهُ فَسَبَقَها، فاشْتَدَّ ذُلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وقالُوا: سُبِقَتِ العَضْباءُ، فقال
١٣٥
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٨)
رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ حَقّاً عَلى الله أنْ لا يَرْفَعَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيا إلاَّ وَضَعَهُ)). [انظر الحديث
٢٨٧١ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن في طرق هذا الحديث عند النسائي بلفظ: حق على
الله أن لا يرفع شيء نفسه في الدنيا إلا وضعه، ففيه إشارة إلى ذم الترفع والحض على
التواضع، والإعلام بأن أمور الدنيا ناقصة غير كاملة.
وأخرج البخاري هذا الحديث من طريقين: أحدهما: عن مالك بن إسماعيل بن
زياد أبي غسان النهدي الكوفي عن زهير بن معاوية عن حميد الطويل بن أبي حميد عن
أنس بن مالك. والآخر: عن محمد بن سلام، قاله الكلاباذي: عن مروان بن معاوية
الفزاري بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبالراء عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان بتشديد
الياء، آخر الحروف الأزدي.
والحديث مضى في كتاب الجهاد في: باب ناقة النبي ◌َّر، فإنه أخرجه بالطريق
الأول بعين إسناده ومتنه عن مالك بن إسماعيل عن زهير عن حميد عن مالك ... إلى
آخره.
قوله: ((العضباء))، بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة وبالمد الناقة
المشقوفة الأذن، ولكن ناقة رسول الله وَ﴿، لم تكن مشقوقة الأذن لكن صار هذا لقباً
لها. قوله: ((لا تسبق)) على صيغة المجهول. قوله: ((على قعود)) بفتح القاف وهو البكر
من الإبل حين يمكن ظهره للركوب وأدنى ذلك سنتان.
٩١/ ٦٥٠٢ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عُثْمانَ، حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ، حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ
بِلالٍ، حدثني شَرِيكُ بنُ عَبْدِ الله بن أبي نَمِرٍ، عنْ عَطاءٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: قال
رسولُ اللهِ وَ﴿هَ: ((إنَّ الله قال: مَنْ عادى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبْدِي
بِشَيءٍ أَحَبَّ إليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بالنّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا
أخْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويدَهُ الّتِي يَبْطُشُ بِها، وَرِجْلَهُ الّتي
يَمْشِي بها، وإنْ سألَتِي لِأَعْطِيَنَّهُ، ولَيْنِ اسْتَعَاذَنِي - وما تَرَدَّدْتُ عنْ شَيْءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عنْ
نَفْسِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المؤْتَ، وأنا أُكْرَهُ إساءَتَهُ - لَأُعِيذَنَّهُ)).
قيل: لا مطابقة بين هذا الحديث والترجمة حتى قال الداودي: ليس هذا الحديث
من التواضع في شيء. وقال صاحب (التلويح): لا أدري ما مطابقته لها لأنه لا ذكر فيه
للتواضع ولا لما يقرب منه، وقيل: المناسب إدخاله في الباب الذي قبله، هو: مجاهدة
المرء نفسه في طاعة الله، وأجابوا عن ذلك، فقال الكرماني: التقرب بالنوافل لا يكون
إلاَّ بغاية التواضع والتذلل للرب تعالى.
قلت: قد سبقه بهذا صاحب (التلويح): فإنه قال: التقرب إلى الله بالنوافل حتى
١٣٦
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٨)
يستحقوا المحبة من الله تعالى لا يكون إلاَّ بغاية التواضع والتذلل للرب عز وجل، ثم
قال: وفيه بعد، لأن النوافل إنما يزكي ثوابها عند الله لمن حافظ على فرائضه، وقيل:
الترجمة مستفادة مما قال: كنت سمعه، ومن التردد، وقال بعضهم: تستفاد الترجمة من
لازم قوله: ((من عادى لي ولياً) لأنه يقتضي الزجر عن معاداة الأولياء المستلزم
لموالاتهم، وموالاة جميع الأولياء لا تتأتى إلاَّ بغاية التواضع، إذ فيهم الأشعث الأغبر
الذي لا یؤبه له. انتهى.
قلت: دلالة الالتزام مهجورة، لأنها لو كانت معتبرة لزم أن يكون للفظ الواحد
مدلولات غير متناهية، ويقال لهذا القائل: تريد اللزوم البين أو مطلق اللزوم؟ وأيّاً ما
كان فدلالة الالتزام مهجورة، فإن أردت اللزوم البين فهو يختلف باختلاف الأشخاص،
فلا يكاد ينضبط المدلول، وإن أردت مطلق اللزوم فاللوازم لا تتناهى، فيمتنع إفادة
اللفظ إياها، فلا يقع كلامه جواباً .
ومحمد بن عثمان بن كرامة بفتح الكاف وتخفيف الراء العجلي بكسر العين
المهملة الكوفي مات ببغداد سنة ست وخمسين ومائتين، وهو من صغار شيوخ
البخاري، وقد شاركه في كثير من مشايخه. منهم: خالد بن مخلد شيخه في هذا
الحديث فقد أخرج عنه البخاري بغير واسطة أيضاً في: باب الاستعاذة من الجبن في
كتاب الدعوات. وخالد بن مخلد بفتح الميم واللام البجلي، ويقال القطواني الكوفي
مات بالكوفة في محرم سنة ثلاث عشرة ومائتين، وسليمان بن بلال أبو أيوب القرشي
التيمي مات سنة سبع وسبعين ومائة، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر بلفظ الحيوان
المشهور القرشي، ويقال: الليثي، مات سنة أربعين ومائة. فإن قلت: خالد فيه مقال،
فعن أحمد له مناکیر، وعن أبي حاتم: لا يحتج به. وأخرج ابن عدي عشرة أحاديث من
حديثه استنكرها منها حديث الباب، وشريك أيضاً فيه مقال، وهو راوي حديث المعراج
الذي زاد فيه ونقص وقدم وأخر وتفرد بأشياء لم يتابع عليها.
قلت: أما خالد فعن ابن معين: به بأس، وقال أبو حاتم: یکتب حديثه، وقال أبو
داود: صدوق ولكنه تشيع وهو عندي، إن شاء الله، لا بأس به. وأما شريك فعن
يحيى بن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث،
وعطاء هو ابن يسار - ضد اليمين - ووقع في بعض النسخ كذلك، وقيل: هو ابن أبي
رباح، والأول أصح. والحديث من أفراده.
قوله: ((إن الله قال)) هذا من الأحاديث الإلهية التي تسمى: القدسية، وقد مر
الكلام فيها عن قريب، وقد وقع في بعض طرقه: أن النبي {$، حدث به عن جبريل
عليه السلام، عن الله عز وجل. قوله: ((لي))، صفة لقوله: واليّاً، لكنه لما قدم صار
١٣٧
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٨)
حالاً. قوله: ((وليّا))، الولي: هو العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته.
فإن قلت: قوله: قوله: ((عادى)) من المعاداة وهو من باب المفاعلة التي تقع من
الجانبين، ومن شأن الولي الحلم والاجتناب عن المعاداة والصفح عمن يجهل عليه.
قلت: أجيب بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة، والمعاداة الدنيوية مثلاً، بل
تقع عن بغض ينشأ عن التعصب: كالرافضي في بغضه لأبي بكر رضي الله تعالی عنه،
والمبتدع في بغضه للسني، فتقع المعاداة من الجانبين، أما من جانب الولي فللّه، وفي
الله وأما من الجانب الآخر فظاهر. انتهى.
قلت: لا يحتاج إلى هذا التكلف، فإذا قلنا: إن فاعل يأتي بمعنى فعل كما في
قوله عز وجل: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] بمعنى: أسرعوا
يحصل الجواب. قوله: ((فقد آذنته)) بالمد وفتح المعجمة بعدها نون أي: أعلمته من
الإيذان، وهو الإعلام. قوله: ((بالحرب))، وفي رواية الكشميهني: بحرب، ووقع في
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ((من عادى لي ولياً فقد استحل محاربتي)) وفي حديث
معاذ: ((فقد بارز الله بالمحاربة))، وفي حديث أبي أمامة وأنس: ((فقد بارزني)). فإن قيل:
المحاربة من الجانبين والمخلوق في أسر الخالق؟ قيل له: أطلق الحرب وأراد لازمه، أي:
اعمل به ما يعمله العدو المحارب. قوله: ((أحب)) بالرفع والنصب، قاله الكرماني.
قلت: وجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أحب، ووجه النصب
والمراد به الفتح صفة ل قوله: ((بشيء)) فيكون مفتوحاً في موضع الجر ويدخل في قوله:
((مما افترضت عليه)) جميع الفرائض من فرائض العين وفرائض الكفاية. قوله: ((وما
يزال)) كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: وما زال، بصيغة الماضي. قوله:
(يتقرب إليّ))، بتشديد الياء، وفي حديث أبي أمامة: يتحبب، والتقرب طلب القرب،
وقال القشيري: قرب العبد من ربه يقع أولاً بإيمانه ثم بإحسانه، وقرب الرب من عبده
ما يخصه به في الدنيا من عرفانه، وفي الآخرة من رضوانه، وفيما بين ذلك من وجوه
لطفه وامتنانه، ولا يتم قرب العبد من الحق إلاَّ ببعده من الخلق. قال: وقرب الرب
بالعلم والقدرة عام للناس، وباللطف والنصرة خاص بالخواص، وبالتأنيس خاص
بالأولياء. قوله: ((بالنوافل))، المراد بها: ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها ومكملة
لها، وليس المراد كون النوافل مطلقاً. قوله: ((أحبه» هكذا رواية الكشميهني، وفي رواية
غيره: حتى أحببته. قوله: ((كنت سمعه الذي يسمع به)) لفظة: به، في رواية الكشميهني
لا غيره. قال الداودي: هذا كله من المجاز، يعني أنه يحفظه كما يحفظ العبد جوارحه
لئلا يقع في مهلكة. وقال الخطابي: هذه أمثال والمعنى: والله أعلم توفيقه في الأعمال
التي باشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه من
موافقة ما يكره الله تعالى من الإصغاء إلى اللهو مثلاً، ومن النظر إلى ما نهى عنه، ومن
١٣٨
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٨)
البطش بما لا يحل له، ومن السعي في الباطل برجله، أو بأن يسرع في إجابة الدعاء،
والإلحاح في الطلب وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربع. قوله:
((وبصره الذي يبصر به)) وفي حديث عائشة في رواية عبد الواحد: عينه التي يبصر بها،
وفي رواية يعقوب بن مجاهد: عينيه اللتين يبصر بهما، وكذا قال في الأذن واليد
والرجل، وزاد عبد الواحد في روايته: ((وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به))
وقيل: المعنى: اجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره ... إلى آخره، وقيل: كنت
له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه، وقيل فيه: مضاف
محذوف، والتقدير: كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلاَّ ما يحل سماعه،
وحافظ بصره ــ كذلك إلى آخره، قيل: إن الاتحادية زعموا أنه على حقيقته وأن الحق
عين العبد، واحتجوا بمجيء جبريل عليه الصلاة والسلام، في صورة دحية، قالوا: فهو
روحاني خلع صورته وظهر بمظهر البشر، قالوا: فالله أقدر على أن يظهر في صورة
الوجود الكلي أو ببعضه تعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً. قوله:
(يبطش)) بكسر الطاء. قوله: ((وإن سألني)) أي: عبدي، وكذا وقع في رواية
عبد الواحد. قوله: ((لأعطينه)) اللام للتأكيد والهمزة مضمومة والفعل مؤكد بالنون
الثقيلة. قوله: ((استعاذ بي)) بالباء الموحدة بعد الذال المعجمة، وقيل: بالنون موضع
الباء. قوله: ((لأعيذنه)) أي: مما يخاف، فإن قيل: كثير من الصلحاء والعباد دعوا
وبالغوا ولم يجابوا. قيل له: الإجابة تتنوع، فتارة يقع المطلوب بعينه على الفور، وتارة
يقع ولكن يتأخر لحكم، وتارة قد تقع الإجابة ولكن بغير المطلوب حيث لا يكون في
المطلوب مصلحة ناجزة، وفي الواقع مصلحة ناجزة، أو أصلح منها. قوله: ((وما
ترددت عن شيء التردد)) مثل لأنه محال على الله، وقال الخطابي: التردد في حق الله غير
جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، لكن له تأويلان: أحدهما: أن العبد قد يشرف
على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه أو فاقة تنزل به، فيدعو الله فيشفيه منها ويدفع
عنه مکروهها. فیکون ذلك من فعله کترديد من یرید أمراً ثم يبدو له فيه فیترکه ویعرض
عنه، ولا بد من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله، لأن الله قد كتب الفناء على خلقه واستأثر
بالبقاء لنفسه. والثاني: أن يكون معناه: ما ردت رسلي في شيء أنا فاعله، كترديدي
إياهم في نفس المؤمن كما روي في قصة موسى عليه السلام، وما كان من لطمه عين
ملك الموت، وتردده إليه مرة بعد أخرى. قال: وحقيقة المعنى على الوجهين عطف الله
على العبد ولطفه به وشفقته عليه. قوله: ((وإساءته))، ويروى: مساءته، أي: حياته لأنه
بالموت يبلغ إلى النعيم المقيم لا في الحياة، أو لأن حياته تؤدي إلى أرذل العمر.
وتنكيس الخلق والرد إلى أسفل سافلين أو أكره مكروهه الذي هو الموت فلا أسرع
بقبض روحه فأكون کالمتردد.
١٣٩
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٣٩)
٣٩ - بابُ قَوْلِ النبيِّ وَّ: «بُعِثْتُ أنا والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنٍ»
أي: هذا باب فيه قول النبي ◌َله: ((بعثت ... )) إلى آخره. قال الكرماني: الساعة
بالرفع والنصب، واختصر على هذا.
قلت: وجه النصب أن الواو بمعنى: مع، ومنهم من منع الرفع لفساد المعنى لأنه
لا يقال: بعثت الساعة، وجزم عياض بأن الرفع أحسن لأنه عطف على ضمير المجهول
في: بعثت قوله: ((كهاتين)) أي: الإصبعين السبابة والوسطى.
﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ الْبَصَرِ أَوَ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[النحل: ٧٧].
تقديره: وقول الله عز وجل: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ الآية بتمامها في رواية
الأكثرين، وفي رواية أبي ذر ﴿وَمَّآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَمْجِ الْبَصَرِ ... ) الآية، وإنما قلنا:
تقديره: وقول الله عز وجل، لأنه يوهم أن تكون بقية الحديث، على أن في بعض
النسخ. وقول الله موجود. قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ أي: وما شأن القيامة إلا كلمح
البصر، اللمح سرعة إبصار الشيء. أو هو أي أمر الساعة أقرب من لمح البصر.
٦٥٠٣/٩٢ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ، حدثنا أبو غَسَّانَ، حدثنا أَبُو حازِمٍ، عنْ
سَهْلٍ قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: (بعثت أنا والسَّاعَةَ هُكَذَا)) ويشِيرُ بإصْبَعَيْهِ فَيَمُدُ بِهِما.
[انظر الحديث ٤٩٣٦ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه يتضمن معنى الترجمة. وسعيد بن أبي مريم هو
سعيد بن محمد بن الحكم بن مريم المصري، وأبو غسان بفتح الغين المعجمة وتشديد
السين المهملة محمد بن مطرف، وأبو حازم سلمة بن دينار، وسهل بن سعد الساعدي
الأنصاري .
والحديث من أفراده.
قوله: ((عن سهل)) وفي رواية سفيان عن أبي حازم: سمعت سهل بن سعد
صاحب رسول الله ◌َ ﴾. قوله: ((فيمد بهما)) أي: ليمتازا عن سائر الأصابع، ويروى:
فیمدهما .
٦٥٠٤/٩٣ - حدّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، هُوَ الجُعْفِيِّ حدثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ،
حدّثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ وأبي التَّيَّاحِ عنْ أَنَسٍ عنِ النبيِّ وَّرَ قال: قوله: ((بُعِثْتُ أنا والسَّاعَةُ
کَھَاتَیْنِ».
هذا الحديث هو عين الترجمة. والجعفي بضم الجيم وسكون العين المهملة
١٤٠
٨١ - كتاب الرقاق / باب (٤٠)
وبالفاء نسبة إلى جعف بن سعد العشيرة من مذحج، قال الجوهري: هو أبو قبيلة من
اليمن والنسبة، إليه كذلك، وأبو التياح بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر
الحروف وبالحاء المهملة واسمه يزيد - من الزيادة - ابن حميد الضبعي البصري.
والحديث أخرجه مسلم في الفتن عن عبد الله بن معاذ وغيره، وقال ابن التين:
اختلف في معنى قول: كهاتين، فقيل: كما بين السبابة والوسطى في الطول، وقيل:
المعنى ليس بينه وبينها شيء. وقال القرطبي: حاصل معنى الحديث تقريب أمر الساعة
وسرعة مجيئها. وقال الكرماني: معنى الحديث إشارة إلى قرب المجاورة، ثم قال: فإن
قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] ولا يعلمه غيره. فكيف يعلم أنها قريبة؟.
قلت: المعلوم قربها والمجهول ذاتها فلا معاوضة.
٩٤ / ٦٥٠٥ - حدّثنا يَحْيِى بِنُ يُوسُفَ، أخبرنا أَبُو بَكْرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي
صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عنِ النبيِّ وَِّ قال: ((بُعِثْتُ أنا والسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ)) يَعْنِي: إصْبَعَيْنِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويحيى بن يوسف أبو زكريا الزمي، وأبو بكر هو ابن
عياش بتشديد الياء آخر الحروف والشين المعجمة، وأبو حصين بفتح الحاء المهملة
وكسر الصاد عثمان بن عاصم، وأبو صالح ذكوان الزيات. والرجال كلهم كوفيون.
قوله: ((حدثنا یحیی)) كذا هو في رواية أبي ذر وفي رواية غيره: حدثني. قوله:
(أخبرنا أبو بكر)) وفي رواية أبي ذر: حدثنا. قوله: ((عن أبي حصين))، وفي رواية ابن
ماجه: حدثنا أبو حصين.
والحديث أخرجه ابن ماجه في الفتن عن هناد بن السري وغيره.
تابَعَهُ إِسْرَائِيلُ عنْ أبي حَصِينٍ.
أي: تابع أبا بكر في روايته عن أبي حصين إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق
السبيعي، مات سنة ستين ومائة. وأخرج هذه المتابعة الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن
موسى عن إسرائيل بسنده.
٤٠ - باب
كذا ذكر مجرداً عن الترجمة في رواية الأكثرين وهو كالفصل وحديثه داخل فيما
قبله، وفي رواية الكشميهني: باب طلوع الشمس من مغربها، وعلى الوجهين المناسبة
بين هذا الباب والباب الذي قبله ظاهرة، لأن طلوع الشمس من المغرب إنما يقع عند
إشراف قرب الساعة وقيامها.
٩٥/ ٦٥٠٦ - حدّثنا أبو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، حدّثنا أبُو الزّنادِ، عنْ