Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٢٧)
محمد بن مسلم، وذكر الدارقطني حديثه في (كتاب الأفراد والغرائب): أن رسول
الله وَله، أهديت له حلة من استبرق، فجعل ناس يلمسونها بأيديهم ويتعجبون منها،
فقال النبي *: تعجبكم هذه؟ فوالله لمناديل سعد في الجنة أحسن منها. وقال
الدار قطني: تفرد به محمد بن الوليد عن الزهري ولم يروه غير عبد الله بن سالم
الحمصي .
٥٨٣٦/٥٤ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أبي إسحاق، عنِ الْبَرَاءِ
رضي الله تعالى عنهُ، قال: أُهْدِيَ لِلنَّيِّ وَ، ثَوْبُ حَرِير فَجَعَلْنا نَلْمُسُهُ وَنَتَعَجَّبُ مِنْهُ، فقال
النبيُّ وََّ: ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ هُذَا؟)) قُلْنا: نَعَمْ. قال: ((مَنادِيلُ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ
هذَا)) .
[انظر الحديث ٣٢٤٩ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فجعلنا نلمسه ونتعجب منه)). وعبيد الله بن موسى أبو
محمد العبسي الكوفي، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق عمرو السبيعي،
وإسرائيل يروي عن جده أبي إسحاق عن البراء بن عازب.
والحديث مر في: باب مناقب سعد بن معاذ، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن
بشار عن غندر عن شعبة عن أبي إسحاق ... إلى آخره. أما الثوب المذكور فقد أهداه
إلى النبي ◌َّلر أكيدر، صاحب دومة، وأما وجه تخصيص سعد بن معاذ بالذكر فلكونه
سيد الأنصار، ولعل اللأَّمسين المتعجبين من الأنصار أو كان يحب ذلك الجنس من
الثوب، وأما تخصيص المناديل بالذكر فلكونها تمتهن فيكون ما فوقها أعلى منها بطريق
الأولى .
٢٧ - بابُ افْتِرَاشِ الحَرِيرِ
أي: هذا باب في بيان حكم افتراش الحرير: هل هو حرام كلبسه أم لا؟ وحكمه
أنه حرام كلبسه، وفيه خلاف نذكره إن شاء الله تعالى. وحديث الباب يوضح الحكم في
الترجمة .
وقال عَبِيدَةُ: هُوَ كَلْبْسِهِ.
عبيدة بفتح العين ابن عمرو السلماني بسكون اللام، ومذهبه أنه لا فرق بين لبس
الحرير وافتراشه فإنهما في الحرمة سواء، ووصل تعليقه هذا الحارث بن أبي أسامة من
طريق محمد بن سيرين، قال: قلت لعبيدة: افتراش الحرير كلبسه؟ قال: نعم.
٥٥/ ٥٨٣٧ - حدَّثنا عَلِيٍّ، حدَّثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، حدثنا أبي قال: سَمِعْتُ ابنَ
أبي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابنِ أبِي لَيْلَى، عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، قال نَهانَا النبيُّ وََّ،

٢٢
٧٧ - کتابُ اللباسِ / باب (٢٨)
أنْ نَشْرَبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وأنْ نأكُلَ فِيها وعَنْ لَيْسِ الحَرِيرِ والدِّيباجِ وأنْ نَجْلِسَ
عَلَيْهِ .
[انظر الحديث ٥٤٢٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأن نجلس عليه)). وعلي هو ابن المديني، ووهب بن
جرير يروي عن أبيه جرير بن حازم بالمهملة والزاي الأزدي، وابن أبي نجيح اسمه
عبد الله، وأبو نجيح بفتح النون وکسر الجيم اسمه يسار - ضد اليمين - وابن أبي ليلى
هو عبد الرحمن واسم أبي ليلى يسار مثل اسم أبي نجيح.
والحديث مضى في الأطعمة وفي الأشربة في موضعين وفيٍ اللباس في موضعين
ومضى الكلام فيه، وليس في هذا كله لفظ: ((وأن نجلس عليه)) إلاّ ههنا.
وهو من مفردات البخاري، ولهذا لم يذكره الحميدي، واحتج به الجمهور من
المالكية والشافعية على تحريم الجلوس على الحرير، وأجازه أبو حنيفة رضي الله تعالى
عنه، وابن الماجشون وبعض الشافعية وعبد العزيز بن أبي سلمة وابنه عبد الملك فإنهم
احتجوا بما رواه وكيع عن مسعر عن راشد مولى بني تميم قال: رأيت في مجلس ابن
عباس رضي الله تعالى عنهما، مرفقة حرير، وروى ابن سعد: أخبرنا عبد الوهاب بن
عطاء أخبرنا عمرو بن أبي المقدام عن مؤذن بني وداعة، قال: دخلت على ابن عباس
هو متكىء على مرفقة حرير وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقال له: انظر كيف تحدث
عني فإنك حفظت عني كثيراً، وأجابوا بأن لفظ: نهى، ليس صريحاً في التحريم،
ويحتمل أن يكون النهي ورد عن مجموع اللبس والجلوس لا عن الجلوس بمفرده،
وأيضاً فإن الجلوس ليس بلبس فإن قالوا: في حديث أنس: فقمت إلى حصير لناقد
أسود من طول ما لبس، قلنا: معناه من طول ما استعمل، لأن لبس كل شيء بحسبه،
والمرفقة بكسر الميم: الوسادة.
٢٨ - بابُ لُبْس القَسِّيِّ
أي: هذا باب في بيان لبس الثوب القسي بفتح القاف وتشديد السين المهملة
المكسورة وتشديد الياء، وقال الكرماني: القسي، منسوب إلى بلد يقال له: القس،
قلت: القس كانت بلدة على ساحل البحر الملح بالقرب من دمياط كان ينسج فيها
الثياب من الحرير، واليوم خرابة، وقال أبو عبيد: وأصحاب الحديث يقولون: القسي،
بكسر القاف، وأهل مصر يفتحونها، وقال ابن سيده: القس والقس موضع ينسب إليه
ثياب تجلب من نحو مصر، وذكر الحسن بن محمد المهلبي المصري: أن القس لسان
خارج من البحر عنده حصن يسكنه الناس، بينه وبين الفرما عشرة فراسخ من جهة
الشام. قلت: الفرما كذا، وقال الكرماني: قيل: إنه القزي - بالزاي موضع السين - من

٢٣
٧٧ - کتابُ اللباسِ / باب (٢٨)
القز الذي هو غليظ الإبريسم ورديئة، وفي (التوضيح): القس قرية من تنيس بكسر التاء
المثناة من فوق وتشديد النون المكسورة وسكون الياء آخر الحروف وبسين مهملة، بلدة
كانت في جزيرة بساحل بحر دمياط، وقد خربت، وفي (سنن أبي داود): القس قرية
بالصعيد .
وقال عاصِمٌ: عن أبي بُرْدَةً قال: قُلْتُ لِعَلِيّ: ما الْقَسْئَّةُ. قال: ثِيابٌ أَتَتْنا مِنَ الشَّأْم -
أوْ مِنْ مِصْرَ - مُضَلَّعَةٌ فِيها حَرِيرٌ وفِيها أمثالُ الأَتْرُنْجِ والميثَرَةُ، كانَتِ النِّساءُ تَصْنَعُهُ لِيُعُولَتِهِنَّ
مِثْلَ القَطائِفِ يُصَفِّرْنَها .
عاصم هو ابن كليب الجرمي بالجيم والراء مات سنة ثلاثين ومائة، وأبو بردة بضم
الباء الموحدة اسمه عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وعلي هو ابن أبي
طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا التعليق طرف من حديث وصله مسلم من طريق عبد الله بن إدريس :
سمعت عاصم بن كليب عن أبي بردة وهو ابن أبي موسى الأشعري عن علي رضي الله
تعالى عنه، قال: ((نهانا رسول الله وَل عن لبس القسي وعن المياثر))، قال فأما القسي
فثياب مضلعة ... الحديث. قوله: ((أتتنا من الشام - أو من مصر -)) وفي رواية مسلم:
((من مصر والشام)). قوله: ((مضلعة فيها حرير))، أي: فيها خطوط عريضة كالأضلاع،
وقال الكرماني: وتصليح الثوب جعل وشيه على هيئة الأضلاع غليظة معوجة. قوله:
((الأترج))، بتشديد الجيم ويقال له: الأترنج، أيضاً بتخفيف الجيم قبلها نون ساكنة.
قوله: ((والميثرة))، بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالثاء المثلثة من الوثارة وهي
اللين ووزنها مفعلة، وأصلها مؤثرة قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ويجمع
على: مياثر ومواثر. قوله: ((كانت النساء تصنعه لبعولنهن)) أي: لأزواجهن، والبعولة
جمع بعل وهو الزوج، توضع على السروج يكون من الحرير ويكون من الصوف.
قوله: ((مثل القطائف))، جمع قطيفة وهي الكساء المخمل، وقيل: هي الدثار. قوله:
((يصفرنها))، من التصغير ويروى: يصفونها، أي: يجعلونها كالصفة من التصفية أي :-
صفة السرج، قال أبو عبيد: هي كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير، وقال
الهروي: الميثرة مرفقة تتخذ لصفة السرج وكانوا يحمرونها، وفي (المحكم): الميثرة
الثوب يجلل بها الثياب فتعلوها، وقيل: هي أغشية السروج تتخذ من الحرير ويكون من
الصوف وغيره، وقيل: هي شيء كالفراش الصغير يتخذ من الحرير ويحشى بقطن أو
صوف يجعلها الراكب على البعير تحته فوق الرحل.
وقال جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ في حَدِيثِهِ القَسِّيَّةُ ثِيابٌ مُضَلَّعَة يُجاءُ بِها مِنْ مِصْرَ فِيها الحَرِيرُ،
والميثرَةُ جُلُودُ السِّباعِ. قال أبُو عَبْدِ الله: عاصِمُ أكْثَرُ وأَصَحُ فِي المِيثَرَةِ.

٢٤
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٢٨)
اختلف الشراح في جرير هذا، وفي شيخه فقال الكرماني: جرير هذا بالجيم هو
ابن حازم المذكور آنفاً، يعني: المذكور في سند الحديث الذي مضى قبل هذا الباب،
وهو قوله: حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي، وأبوه هو جرير بن حازم بالحاء المهملة
والزاي. وقال بعضهم: هو جرير بن عبد الحميد، وأما شيخه فضبطه الحافظ الدمياطي
رحمه الله بخط يده على حاشية نسخته بضم الباء الموحدة وفتح الراء، وهو بريد بن
عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وضبطه الحافظ المزي في (تهذيبه) بالياء
آخر الحروف، وقال: إنه يزيد بن أبي زياد القرشي، وذكر أن البخاري روى له معلقاً،
وروى له في رفع اليدين والأدب، وروى له مسلم مقروناً بغيره، وأن أحمد وابن معين
ضعفاه، وأن العجلي قال: هو جائز الحديث، وأنه كان بآخره يلقن وقال الكرماني:
ويزيد من الزيادة ابن رومان بضم الراء وسكون الواو وبالميم والنون مولى آل الزبير بن
العوام، ونسب بعضهم الوهم إلى الدمياطي في ضبطه: بريد، بالباء الموحدة ورد على
الكرماني في ضبطه جرير بن حازم وفي ضبط شيخه بأنه يزيد بن رومان، وادعى أن
جريراً هو ابن عبد الحميد وأن شيخه هو يزيد بن أبي زياد، واعتمد فيما قاله على
حديث وصله إبراهيم الحربي في: (غريب الحديث) له عن عثمان بن أبي شيبة عن
جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن الحسن بن سهل، قال: القسية ثياب
مضلعة الحديث. قلت: كل من الحافظين المذكورين صاحب ضبط وإتقان فلا يظن فيهما
إلاَّ أنهما حررا هذا الموضع كما ينبغي، وأما الكرماني فإنه أيضاً لم يقل ما ذكره من عند
رأيه، ولم يكن إلاَّ وقف على نسخة معتمدة أو على كتاب من هذا الفن، ومع هذا
الاحتمال باقٍ في الكل، والله أعلم.
قوله: ((والميثرة جلود السباع))، هذا لا يوجد إلاَّ في بعض نسخ البخاري، وقال
النووي: تفسير الميثرة بالجلود قول باطل مخالف للمشهور الذي أطبق عليه أهل
الحديث، وقال الكرماني: جلود السباع لم تكن منهية، وأجاب بقوله: إما أن يكون فيها
الحرير وإما أن يكون من جهة إسراف فيها، وإما لأنها من زي المترفين وكان كفار
العجم يستعملونها. قوله: ((قال أبو عبد الله))، هو البخاري نفسه. قوله: ((عاصم أكثر))
أي: رواية عاصم بن كليب المذكور أكثر طرقاً وأصح من رواية يزيد المذكور، وهذا
أعني قوله: وقال أبو عبد الله ... إلى آخره، لم يقع في رواية أبي ذر ولا في رواية
النسفي .
٥٨٣٨/٥٦ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ، أخبرنا عَبْدُ الله، أخبرنا سُفْيانُ، عَنْ
أشْعَثَ بنِ أبي الشَّغْثاءِ، حدثنا مُعاوِيَةُ بنُ سُوَيْدِ بنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عازِبٍ قال: نَهانا
النبيُّ نَّوَ عَنِ الميائِرِ الحُمْرِ والقَسِّيِّ. [انظر الحديث ١٢٣٩ وأطرافه].

٢٥
٧٧ - كتابُ اللّباسِ / باب (٢٩)
مطابقته للترجمة في قوله: ((وعن القسي)) ومحمد بن مقاتل المروزي،
وعبد الله بن المبارك المروزي، وسفيان هو الثوري.
والحديث طرف من حديث أوله: أمرنا بسبع ونهانا عن سبع ... وسيأتي تمامه
بعد أبواب.
قوله: ((نهانا)) في رواية الكشميهني: نهى. قوله: ((عن المیاثر الحمر)) بضم الحاء
المهملة وسكون الميم، ذكره لبيان ما كان هو الواقع، وقال أبو عبيد: المياثر الحمر
المنهي عنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير، وقال ابن بطال: كلامه يدل
على أنها إذا لم تكن من حرير أو ديباج وكانت من صوف أحمر فإنه يجوز الركوب
عليها، وليس النهي عنها كالنهي عنها إذا كانت منهما، وقال ابن وهب: سئل مالك عن
ميثرة أرجوان يركب عليها؟ قال: ما أعلم حراماً ثم قرأ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ أَخْرَجَ
لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] والأرجوان صبغ أحمر، وقال الخطابي: وذكر قوله وَلور: لا أركب
الأرجوان، وقال: الأرجوان الأحمر، وأراه أراد به المياثر الحمر، وقد تتخذ من ديباج
وحرير، وقد ورد فيها النهي لما في ذلك من السفه وليست من لباس الرجال، وروى أبو
داود من حديث قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين أن النبي وَ ل# قال: لا أركب
الأرجواز ولا ألبس المعصفر ولا ألبس القميص المكفف بالحرير، وروى أبو يعلى
الموصلي في: (مسنده) من حديث ابن عباس قال: نهى النبي ◌َّ عن خواتيم الذهب
والقسية والميثرة الحمراء المصبغة من العصفر.
٢٩ - بابُ ما يُرَخَّصُ لِلرِّجالِ مِنَ الحَرِيرِ لِلْحِكَةِ
أي: هذا باب فيه بيان ما يرخص للرجال من لبس الحرير لأجل الحكة، أي:
الجرب .
٥٨٣٩/٥٧ - حدَّثني مُحَمَّدٌ، أخبرنا وَكِيعٌ، أخبرنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ قال:
رخْصَ النبيُّ وََّ، لِلْزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ فِي لُبْسِ الحَرِيرِ لِحِكْةٍ بِهِما. [انظر الحديث ٢٩١٩
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد هو ابن سلام، كذا وقع في رواية علي بن
السكن، ووقع في رواية الأكثرين: محمد مجرداً عن نسبة.
والحديث مضى في الجهاد عن مسدد. وأخرجه مسلم في اللباس عن أبي بكر عن
وكيع وعن غيره.
قوله: ((للزبير)) وهو الزبير بن العوام (وعبد الرحمن)) هو ابن عوف. قوله: ((لحكة
بهما)) أي: لأجل حكة حصلت بهما أي: بأبدانهما، ووقع في (الوسيط) للغزالي: أن

٢٦
٧٧ - كتابُ اللباسِ / باب (٣٠)
الذي رخص له في لبس الحرير هو حمزة بن عبد المطلب وهو غلط، وعن الشافعي في
وجه: أن الرخصة خاصة بالزبير وعبد الرحمن، وفي (التوضيح): ومن الغريب حكاية
صاحب (التنبيه) وجهاً أنه لا يجوز لبسه للحاجة المذكورة، ولم يحكه الرافعي وصاحب
(البيان) إلاَّ عنه، وقد تعلل على بعده باختصاص الرخصة للمذكورين، وفرق بعض
أصحابنا فجوزه في السفر دون الحضر لرواية مسلم: أن ذلك كان في السفر، وهذا الوجه
خصه في (الروضة) بالقمل وليس كذلك، فقد نقله الرافعي في الحكة، والأصح جوازه
سفراً وحضراً، وأبعد من قال باختصاصه بالسفر، وإن اختاره ابن الصلاح لظاهر الحديث
الذي رواه مسلم والبخاري أنه وُّلقر: أرخص لهما لما شكيا القمل في غزاة لهما، والله
أعلم.
٣٠ - بابُ الحَرِيرِ لِلنِّساءِ
أي: هذا باب في بيان استعمال الحرير في اللبس للنساء.
٥٨٤٠/٥٨ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حدثنا شُعْبَةُ (ح)، وحدّثني مُحَمَّدُ بنُ
بَشّارٍ، حدثنا غُنْدَرٌ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ، عَنْ
عَلِيّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: كَساني النبيُّ نَ ◌َّ حُلَّةَ سِيَرَاءَ فَخَرَجْتُ فِيهَا فَرَأيْتُ
الغَضَبَ في وَجْهِهِ، فَشَقَّقْتُها بَيْنَ نِسائِي. [انظر الحديث ٢٦١٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فرأيت الغضب)) إلى آخره. وأخرجه من
طريقين: الأول: عن سليمان بن حرب عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة ... إلى
آخره. والثاني: عن محمد بن بشار عن غندر وهو لقب محمد بن جعفر عن شعبة عن
عبد الملك بن ميسرة بفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف ثم سين مهملة الهلالي أبي
زيد الزراد بزاي وراء مشددة وزيد ابن وهب الجهني الثقة المشهور من كبار التابعين،
وما له في البخاري عن علي سوى هذا الحديث.
والحديث مضى في الهبة في: باب ما يكره لبسه، فإنه أخرجه عن حجاج بن
منهال عن شعبة، قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت زيد بن وهب عن
علي رضي الله عنه، إلى آخره، ومضى أيضاً في النفقات في باب كسوة المرأة بالمعروف
فإنه أخرجه فيه أيضاً عن حجاج عن شعبة إلى آخره.
قوله: ((عن زيد بن وهب)) كذا لأكثر الرواة، ووقع في رواية علي بن السكن
وحده: عن النزال بن سبرة، بدل: زيد بن وهب، قالوا: إنه وهم كأنه انتقل من حديث
إلى حديث لأن رواية عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن علي رضي الله تعالى
عنه، إنما هي في الشرب قائماً، وقد تقدم في الأشربة. قوله: ((حلة سيراء)»، قد مر غير

٢٧
٧٧ - كتابُ اللُّباسِ / باب (٣٠)
مرة أن الحلة إزار ورداء، وقال ابن الأثير: الحلة ثوبان إذا كانا من جنس واحد،
والسيراء بكسر السين المهملة وفتح الياء آخر الحروف والراء مع المد قال الخليل: ليس
في الكلام فعلاء بكسر أوله سوى سيراء وحولاء، وهو الماء الذي يخرج على رأس
الولد، والعنباء لغة في العنب، وقال مالك: هو الوشي من الحرير، والوشي بفتح الواو
وسكون الشين المعجمة بعدها ياء آخر الحروف، وقال الأصمعي: ثياب فيها خطوط من
حرير أو قز، وإنما قيل لها: سيراء، لتسيير الخطوط فيها، وقال الخليل: ثوب مضلع
بالحرير، وقيل: مختلف الألوان فيه خطوط ممتدة كأنها السيور، وقال الجوهري: برد
فيه خطوط صفر. واختلف في حلة سيراء: هل هو بالإضافة أم لا؟ فوقع عند الأكثرين
تنوين: حلة، على أن السيراء عطف بيان أو صفة، وجزم السرطبي بأنه الرواية، وقال
الخطابي: قالوا: حلة سيراء، كما قالوا: ناقة عشراء، ونقل عياض عن أبي مروان بن
سراج أنه بالإضافة، قال عياض: وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا، وقال النووي: إنه
قول المحققين ومتقني العربية وإنه من إضافة الشيء إلى صفته، كما قالوا: ثوب خز.
قوله: ((فخرجت فيها)) وفي رواية أبي صالح عن علي: فلبستها. قوله: ((فرأيت الغضب
في وجهه)) أي: في وجه رسول الله وَّر، وزاد مسلم في رواية أبي صالح، فقال: إني
لم أبعثها إليك لتلبسها، وإنما بعثت إليك لتشققها خمراً بين النساء. وفي أخرى: شققتها
خمراً بين الفواطم، وقال ابن قتيبة: المراد الفواطم: فاطمة بنت النبي ◌َّ وفاطمة بنت
أسد بن هاشم أم علي رضي الله تعالى عنهما، ولا أعرف الثالثة. وقد روى الطحاوي:
حدثنا أحمد بن داود قال: حدثنا يعقوب بن حميد، قال: حدثنا عمران بن عيينة عن
يزيد بن أبي زياد عن أبي فاختة عن جعدة عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: أهدى
أمير أذربيجان إلى النبي ◌ّ حلة مسيرة بحرير، إما سداها وإما لحمتها، فبعث بها إليّ
فأتيته فقلت: يا رسول الله ألبسها؟ قال: لا، أكره لك ما أكره لنفسي، اجعلها خمراً بين
الفواطم. قال: فقطعت منها أربع خمر: خماراً لفاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن
أبي طالب، وخماراً لفاطمة بنت رسول الله وَ الر، وخماراً لفاطمة بنت حمزة بن
عبد المطلب، وخماراً لفاطمة أخرى قد نسيتها. انتهى. وقال عياض: لعلها فاطمة امرأة
عقيل بن أبي طالب، وهي بنت شيبة بن ربيعة، وقيل: بنت عتبة بن ربيعة. قوله:
((فشققتها بين نسائي)) أي: قطعتها ففرقتها عليهن خمراً بضم الخاء المعجمة والميم جمع
خمار بكسر أوله والتخفيف، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، والمراد بنسائي ما فسره في
رواية أبي صالح حيث قال: بين الفواطم، قاله هكذا بعضهم. قلت: المراد بنسائي النساء
اللاتي يقربن منه، وهي الفواطم المذكورة، ولهذا ذكره بالإضافة إلى نفسه.
٥٨٤١/٥٩ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْماعَيلَ، قال: حدثني جُوَيْرِيَّةُ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ
عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه، رأى حُلَّةٌ سِيَراءَ تُباعُ فقال: يا رسولَ الله! لَوِ ابْتَعْتَها

٢٨
٧٧ - كتابُ اللّباسِ / باب (٣٠)
تَلْبَسُها لِلْوَفْدِ إِذا أَتَوْكَ، والجُمُعَةِ؟ قال: ((إنَّما يَلْبَسُ هُذِهِ مِنْ لا خَلاَقَ لَهُ)). وأنَّ النبيَّ وَّـ
بَعَثُ بَعْدَ ذُلِكَ إلى عُمَرَ حُلَّةِ سَيَراءَ حَرِيراً كَساها إِيَّاهُ، فقال عُمَرُ: كَسَوْتَنِيها؟ وَقَدْ سَمِعْتُكَ
تَقُولُ فِيها ما قُلْتَ؟ فقال: ((إنما بَعَثْتُ إلَيْكَ لَتَبِيعَها أوْ تَكْسُوَها)). [انظر الحديث ٨٨٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أو تكسوها)) لأن معناها: لتعطيها غيرك من
النساء بالهبة ونحوها، فهذا يدل على أنها حلال للنساء.
وجويرية - مصغر الجارية - ابن أسماء الضبعي بضم الضاد المعجمة، والاسمان
مشتركان بين الذكور والإناث.
والحديث قد مضى في الجمعة في: باب يلبس أحسن ما يجد فإنه أخرجه هناك
عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع إلى آخره بأتم منه، ومضى أيضاً في أول
العيدين، أخرجه عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن سالم بن عبد الله ... إلى
آخره، ومضى الكلام فيه .
قوله: (الوفد)) وفي رواية جرير بن حازم: لوفود العرب. قوله: ((والجمعة)) وفي
رواية سالم: للعيد، بدل: الجمعة، وجمع ابن إسحاق عن نافع ما تضمنته الروايتان
أخرجه النسائي بلفظ: ((فتجملت بها لوفود العرب إذا أتوك وإذا خطبت الناس في يوم
عيد أو غيره))، وتخصيص العرب بالذكر لكثرة وفودهم. قوله: ((من لا خلاق له)) أي:
من لا نصيب له يوم القيامة، أو: من لا حظّ له. قوله: ((كساها إياه)) أي: كسى
النبي وَّر الحلة المذكورة ((إياه)) أي: عمر، هذا الإطلاق باعتبار ما فهم عمر من ذلك،
وإلا فقد ظهر من بقية للحديث أنه لم يبعث بها إليه ليلبسها. قوله: ((أو تكسوها)) قد مر
تفسيره آنفاً، وزاد مالك في آخر الحديث: فكساها عمر أخاً له بمكة مشركاً، وعند
النسائي: أخاً له من أمه.
٦٠/ ٥٨٤٢ - حدَّثنا أبو اليمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني
أنَسُ بنُ مالِكِ أنَّهُ رأى عَلَى أُمّ كُلُثُوم عَلَيْها السَّلاَمُ، بِنْتِ رَسُولِ اللهِ وَهَ بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو اليمان الحكم بن نافع.
والحديث أخرجه النسائي في الزينة عن عمران بن بكار عن أبي اليمان به.
وأخرجه الطحاوي من خمس طرق، وفي الطريق الخامس: رأيت على زينب بنت
النبي وَلّ برداً سيراء من حرير.
وأم كلثوم بضم الكاف وسكون اللام وبالمثلثة زوج عثمان رضي الله تعالى عنهما،
ماتت في حياة النبي ◌ُّر في سنة سبع من الهجرة، وزينب بنت النبي ◌ّ هي أكبر بنات
النبي ◌َّر، وهي التي ردها على زوجها أبي العاص بن الربيع حين أسلم، قيل: بنكاح

٢٩
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٣١)
جديد، وقيل: بنكاحها الأول، ماتت سنة ثمان من الهجرة في حياة النبي ونَ﴾. فإن
قلت: حديث أنس مضطرب؟ قلت: لا نسلم لأن عادة الأخوات أن تلبس زياً واحداً.
فإن قلت: كيف تجوز رؤية أنس بنات النبي بَّ؟ قلت: كان ذلك قبل بلوغ أنس مبلغ
الرجال، وكان بلوغه في حياة النبي ◌ّ﴿و بالإجماع، أو كان قبل نزول الحجاب. فإن
قلت: قال الطحاوي: إن كان أنس رأى ذلك في زمن النبي ◌ّر فيعارض حديث عقبة
وهو الذي أخرجه النسائي وابن حبان وصححه: أن النبي 8ّ* كان يمنع أهله الحرير
والحلية، وإن كان بعد النبي ◌ّ﴿ كان دليلاً على نسخ حديث عقبة. قلت: قد طعن
بعضهم على الطحاوي في هذا الترديد بما ملخصه: أنه خفي عليه موت أم كلثوم، فإنها
ماتت في حياة النبي وسلوكما ذكرناه آنفاً، فدعوى المعارضة مردودة وكذا دعوى النسخ،
انتهى، ويمكن أن يوجه كلام الطحاوي بأن يقال: معنى قوله: وإن كان بعد النبي وَلآ،
أي: وإن كان إخباره بذلك بعد النبي ◌ََّ، فعلى هذا يصح دعوى النسخ، ثم إن
الطاعن المذكور قال: الجمع بينهما، أي: بين حديث أنس وحديث عقبة بن عامر
واضح يحمل النهي في حديث عقبة على التنزيه. قلت: حديث أنس لا يعارضه حديث
عقبة، لأن تصحيح البخاري أقوى من تصحيح غيره فالمعارضة تقتضي المساواة، والله
أعلم.
٣١ - بابُ ما كانَ النبيُّ ◌َّ يَتَجَوَّزُ مِنَ اللِّبَاسِ والبُسْط
أي: هذا باب في بيان ما كان النبي ◌َّ يتجوز من التجوز وهو التخفيف وحاصل
معناه: أنه كان يتوسع فلا يضيق بالاقتصار على صنف واحد من اللباس، وقيل: ما
يطلب النفيس والعالي بل يستعمل ما تيسر، ووقع في رواية الكشميهني: ما يتجزى،
ضبطه بعضهم بجيم وزاي مفتوحة مشددة بعدها ألف، وما أظنه صحيحاً إلاَّ بالحاء
المهملة والراء. قوله: ((والبسط)) ضبطه بعضهم بالباء الموحدة المفتوحة، ثم قال: وهو
ما يبسط ويجلس عليه. وقال الكرماني: البسط جمع البساط، فحينئذٍ لا تكون الباء إلاَّ
مضمومة، وما أظن الصحيح إلاَّ هذا.
٥٨٤٣/٦١ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حدثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيِى بنِ سَعِيدٍ،
عَنْ عُبَيْدِ بنِ حُنَيْنٍ، عَنِ ابن عَبّاس رضي الله عنهما، قال: لَبِثْتُ سَنَة وأنا أُرِيدُ أنْ أسْألَ عُمَرَ
عَنِ المَزْتَيْنِ اللَّيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النبيِّ وَِّ، فَجَعَلْتُ أهابُهُ فَزَلَ يَوْماً مَنْزِلاَ فَدَخَلَ الأراكَ، فَلَمَّا
خَرَجَ سألْتُهُ، فقال: عائِشَةُ وَحَفْصَةُ، ثُمَّ قال: كُنَّا في الجاهِلِيَّةِ لا نَعُدُّ النّساءَ شَيْئاً، فَلَمَّا جاءَ
الإسْلامُ وَذَكَرَهُنَّ اللهَ رَأيْنا لَهُنَّ بِذْلِكَ عَلَيْنَا حَقّاً مِن غَيْرِ أنْ نُدْخِلَهُنَّ في شَيءٍ مِنْ أمُورِنا، وكان
بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأْتِي كَلامٌ، فأغْلَظَتْ لِي فَقُلْتُ لَها: وإنَّكِ لَهُناك؟ قالَتْ تَقُولُ هُذا لِي وَابْنَتُكَ

٣٠
٧٧ - كتابُ اللباسِ / باب (٣١)
تُؤْذِي النبيَّ وََّ؟ فَأَتَيْتُ حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَها: إنّ أُحَذِّرُكِ أنْ تَعْصِيَ الله ورسولَهُ، وَتَقَدَّمْتُ إلَيْها
في أذاهُ، فأتَيْتُ أُمَّ سَلَمَةُ فَقُلْتُ لَها، فَقالَتْ: أعْجَبُ مِنْكَ يا عُمَرُ، قَدْ دَخَلْتَ في أُمُورنا فَلَمْ
يَبْقَ إلاَّ أنْ تَدْخِلَ بَيْنَ رسُولِ اللهِ وََّ، وأزْواجِهِ؟ فَرَدَّدَتْ، وكان رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ إذا غابَ
عَنْ رسولِ اللهِ وَّهَ، وشَهِدْتُهُ أَتَيْتُهُ بِما يَكُونُ، وإذا غِبْتُ عَنْ رسولِ اللهِ وَّهِ وَشَهِدَ أتانِي بما
يَكُونُ مِنْ رسولِ اللهِ وََّ، وكانَ مَنْ حَوْلَ رسولِ اللهِ وَ ◌ّرَ، قَدِ اسْتَقامَ لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلا مَلِكُ
غَسَّانَ بِالشَّأْمِ كَّ نَخافُ أنْ يَأْتِينَا، فَما شَعَرْتُ إلا بالأنصارِيِّ وَهُوَ يَقُول: إنَّهُ قَدْ حَدَثَ أمْرٌ.
قُلْتُ لَهُ: ومَا هُوَ؟ أجاءَ الغَسَّانِيُّ؟ قال: أعْظَمُ مِنْ ذاكَ، طَلَّقَ رسولُ اللهِ وَ نِساءَهُ، فَجِثْتُ
فإِذا البُكاءُ مِنْ حُجَرِ هِنَّ كُلِّها، وإذا النبيُّ نََّقَدْ صَعِدَ في مَشْرُبٍ لَهُ وَعَلَى بابِ المَشْرُبَّةِ
وصِيفٌ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِي، فأذِنَ لِي فَدَخَلْتُ، فإِذا النبيُّ ◌َِّ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ في
جَنْبِهِ وَتَحْتَ رَأْسِهِ مِرْفَقَةٌ مِنْ أدَمُ حَشْوُها لِيفٌ، وإذا أُهُبِّ مُعَلَّقَة وَقَرَظْ، فَذَكرْتُ الذِي قُلْتُ
لِحَقْصَةَ وَأُمْ سَلَمَةَ، وَالَّذِي رَدَّثَ عَلَيَّ أُمُّ سَلَمَةَ، فَضَحِكَ رسولُ اللهِوَّهَ فَلَبِثَ تِسْعاً وعشْرِينَ
لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ. [انظر الحديث ٨٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فإذا النبي (وَ﴿ على حصير)) ... إلى قوله:
((ليف)).
والحديث مضى مطولاً جداً في المظالم في: باب الغرفة والعلية، ومضى أيضاً في
التفسير في سورة التحريم فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز بن عبد الله عن سليمان بن
بلال عن يحيى عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس ... إلى آخره، ومضى في النكاح
أيضاً، وسيجيء أيضاً في خبر الواحد، ومضى الكلام فيه في المظالم.
قوله: ((تظاهرتا)) أي: تعاضدتا، وهما عائشة وحفصة. قوله: ((فدخل في الأراك))
بفتح الهمزة وتخفيف الراء وهو الشجر المالح المر، أي: دخل بينهما لقضاء الحاجة.
قوله: ((فأغلظت لي)) ويروى: على قوله: ((وإنك لهناك))، أي: إنك في هذا المقام ولك
جرأة أن تغلظي علي؟ قوله: ((أن تعصي الله))، ويروى: ((أن تغضبي))، من الإغضاب.
قوله: ((وتقدمت إليها في أذاه)) أي: تقدمت إليها أولاً قبل الدخول على غيرها في قصة
أذى رسول الله وَ له، وشأنه، أو تقدمت إليها في أذى شخصها وإيلام بدنها بالضرب،
ونحوه. قوله: ((فأتيت أم سلمة)) وهي زوج رسول الله وَ الر، واسمها هند، وإنما أتاها
عمر رضي الله تعالى عنه، لأنها قريبته، فيل: إنها خالته، قوله: ((أعجب)) بلفظ
المتكلم. قوله: ((فرددت)) من الترديد، ويروى: فردت من الرد، ويروى: فبرزت من
البروز أي: الخروج. قوله: ((وكان مَن حول رسول الله وَلي9)) أي: من الملوك والحكام،
((وغسان)) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، قال الدارقطني: اسم قبيلة.
قوله: ((فما شعرت إلاّ بالأنصاري وهو يقول))، ويروى: فما شعرت بالأنصاري إلاَّ وهو

٣١
٧٧ - كتابُ اللباسِ / باب (٣١)
يقول، وكلاهما منقول عن الكشميهني، وقال الكرماني: في جل النسخ أو في كلها:
وهو يقول، بدون كلمة الاستثناء، ووجهه أن: إلاَّ، مقدرة والقرينة تدل عليه، أو كلمة:
ما زائدة أو مصدرية، ويقول: مبتدأ وخبره بالأنصاري أي: شعوري ملتبس بالأنصاري
قائلاً. قوله: ((أعظم)) انتهى. قلت: الأحسن أن يقال: ما، مصدرية والتقدير: شعوري
بالأنصاري حال كونه قائلاً: أعظم من ذلك، وقول الكرماني: ويقول مبتدأ فيه نظر لأن
الفعل لا يقع مبتدأ إلاَّ بالتأويل. قوله: إنه أي: الشأن. قوله: ((أجاء الغساني؟)) الهمزة
فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((أعظم من ذلك)) أي: من مجيء الغساني،
وهو أن النبي ◌َّله طلق نساءه، فإن قلت: كيف كان الطلاق أعظم من توجه العدو
واحتمال تسلطه عليهم؟ قلت: لأن فيه ملالة خاطر رسول الله وَ له، وأما بالنسبة إلى عمر
رضي الله تعالى عنه، فظاهر لأن مفارقة رسول الله وَلابنته أعظم الأمور إليه، ولعلمهم
بأن الله تعالى يعصم رسول الله وَّل﴿ من الناس: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. فإن قلت: كيف قال: طلق، ورسول الله رَله ما طلق نساءه؟ قلت:
اعتزل عنهن، فقال بالظن بأن الاعتزال تطليق. قوله: ((من حجرهن)) بضم الحاء وفتح
الجيم جمع حجرة، ويروى: من حجرة، أي: من حجر رسول الله وَلقر. قوله: ((في
مشربة)) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها وبالباء الموحدة وهي
الغرفة. قوله: ((وصيف))، أي: خادم وهو غلام دون البلوغ. قوله: ((مرفقة)) بكسر الميم
وهي الوسادة. قوله: ((أهب)) بفتحتين جمع إهاب، وهو الجلد ما لم يدبغ. قوله:
((وقرظ)) بفتح القاف والراء وبالمعجمة: ورق شجر يدبغ به.
٥٨٤٤/٦٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا هِشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
قال: أخبرتْني هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ، عَنْ أُمْ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قالَتِ: اسْتَيْقَظَ النبيُّ ◌َِ
مِنَّ اللَّيْلِ وَهوَ يَقُولُ: ((لا إلهَ إلاَّ الله، ماذا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ؟ ماذا أُنْزِلَ مِنَ الخَزائِنِ؟ مَنْ
يُوقِظُ صَواحِبَ الحجُراتِ؟ كَمْ مِنْ كاسيَةٍ فِي الدُّنْيا عارِيَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وقال الزُّهْرِيُّ: وكانَتْ مِنْدٌ لَها أزْرارٌ في كُمَّيْها بَيْنَ أصابِعِها. [انظر الحديث ١١٥
وأطرافه].
وجه ذكر هذا الحديث في هذا الباب من حيث إنه ◌ّ* حذر أهله وجميع
المؤمنات من لباس رقيق الثياب الواصفة لأجسامهن: بقوله: ((كم من كاسية في الدنيا
عارية يوم القيامة)) وفهم منه أن عقوبة لابسة ذلك أن تعرى يوم القيامة، وفيما حكاه
الزهري عن هند ما يؤيد ذلك، على ما يجيء.
وعبد الله بن محمد هو المسندي، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني، ومعمر هو
ابن راشد، والزهري هو محمد بن مسلم، وهند بنت الحارث الفراسية، وقيل: القرشية

٣٢
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٣٢)
كانت تحت معبد بن المقداد بن الأسود، وأم سلمة زوج النبي وَلّ واسمها هند.
والحديث مضى في كتاب العلم في: باب العلم والعظة بالليل فإنه أخرجه هناك
عن صدقة عن ابن عيينة عن معمر ... إلى آخره، ومضى في صلاة الليل، وسيجيء في
الفتن أيضاً.
قوله: ((ماذا)) استفهام متضمن لمعنى التعجب والتعظيم أي: رأى في المنام أنه
ستقع بعده الفتن لهم الخزائن أو عبر عن الرحمة بالخزائن. كقوله تعالى: ﴿خَرَآبِنُ رَحْمَةٍ
رَبِّكَ﴾ [ص: ٩] وعن العذاب بالفتن لأنها أسباب مؤدية إليه. قوله: ((الحجرات)) ويروى:
الحجر، باعتبار الجنس. قوله: ((عارية)) بالجر أي: كم كاسية، عارية عرفتها، وبالرفع
أي: اللابسات رقيق الثياب التي لا تمنع من إدراك لون البشرة معاقبات في الآخرة
بفضيحة التعري، أو اللابسات للثياب النفيسة عاريات من الحسنات في الآخرة، فهو
حض على ترك السرف بأن يأخذن أقل الكفاية ويتصدقن بما سوى ذلك.
قوله: ((قال الزهري))، موصول بالإسناد المذكور إليه. قوله: ((لها أزرار)) جمع
الزر كذا وقع للأكثرين ووقع في رواية أبي أحمد الجرجاني: إزار، براء واحدة، وقيل:
هو غلط، والمعنى أنها كانت تخشى أن يبدو من جسدها شيء بسبب سعة كميها فكانت
تزرر ذلك لئلا يبدو منه شيء فتدخل في قوله: كاسية عارية، وقال الكرماني: ما غرض
الزهري من نقل هذه الحالة ثم أجاب بقوله: لعله أراد بيان ضبطه وتثبيته، وفيه بعد.
٣٢ - بابُ ما يُدْغِى لِمَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً
أي: هذا باب في بيان ما يدعى للذي يلبس ثوباً جديداً.
٥٨٤٥/٦٣ - حدَّثنا أبُو الوَلِيد، حدثنا إسْحاقُ بنُ سَعِيدِ بنِ عَمْروِ بنِ سَعِيدِ بنِ
العاصِ قال: حدثني أبي قال: حَدَّثَتْني أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خالِدٍ، قَالَتْ: أُتِيَ رسولُ اللهِ وَرَ،
بِثيابٍ فِيها خَمِيصَةٌ سَوْداءُ، قال: ((مَنْ تَرَوْنَ نَكسُوها هذِهِ الخَمِيصَةَ؟)) فأُسْكِتَ القَوْمُ، قال:
(ائْتُونِي بِأُمّ خالِدٍ))، فأُتِي بِي النبيُّ ◌ََّ، فَأَلْبَسَها بِيَدِهِ، وقال: ((أبْلِي وأخْلِقي))، مَرَّتَيْنِ،
فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى عَلَمِ الخَمِيصَةِ ويُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ: ((أَمَّ خالِدِ هذا سَناه). والسَّنا بِلِسانِ
الحَبَشِيَّةِ: الحَسَنُ .
قال إسحاقُ: حدَّثَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ أهْلِي أنها رأتْهُ عَلَى أُمّ خالِدٍ. [انظر الحديث ٣٠٧١
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أبلي وأخلقي)). وأبو الوليد هشام بن عبد الملك
الطيالسي، وأم خالد بن الزبير بن العوام بنت خالد بن سعيد بن العاص.
والحديث مضى في: باب الخميصة السوداء عن قريب.

٣٣
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٣٣)
قوله: ((فأسكت)) من الإسكات بمعنى السكوت، ويقال: تكلم الرجل ثم سكت
بغير ألف وإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت: اسكت. وقال صاحب (التوضيح):
وأسكت بضم الهمزة. قلت: ليس كذلك، قوله: ((أبلى))، من الإبلاء وهو جعل الثوب
عتيقاً. ((وأخلقي))، من الإخلاق والخلوقة وهما بمعنى واحد، قال الكرماني قال هنا،
خميصة سوداء، وقال في الجهاد: قميص أصفر، ثم قال: لا يمتنع الجمع بينهما إذ لا
منافاة في وجودهما.
قوله: ((قال إسحاق)) ابن سعيد المذكور وهو موصول بالسند المذكور. قوله:
((رأيته)) أي الثوب وأرادت به الخميصة المذكورة فهذا دل على أنها بقيت زماناً طويلاً،
وروى النسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر، قال: رأى النبي ◌ّلتر على عمر ثوباً
فقال: البس جديداً وعش حميداً ومت شهيداً، وأعله النسائي وصححه ابن حبان،
وروى أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي سعيد: كان رسول الله وَّ إذا استجد
ثوباً سماه باسمه: عمامة أو قميصاً أو رداء، ثم يقول: اللَّهم لك الحمد أنت كسوتنيه
أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له، وأخرجه
الحاكم أيضاً وصححه، وروى الترمذي أيضاً من حديث عمر رفعه: من لبس ثوباً جديداً
فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى
الثوب الذي أخلق فتصدق به كان في حفظ الله وفي كنف الله حياً وميتاً، وروى أحمد
والترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس رفعه: من لبس ثوباً فقال: الحمد لله الذي
كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ولم يرو
البخاري حديثاً منها لأنها لم تثبت على شرطه.
٣٣ - بابُ التزَغْفُرِ لِلرِّجالِ
أي: هذا باب في بيان حكم التزعفر، أي: في الجسد للرجال، واحترز به عن
النساء فإنه يجوز لها وفي بعض النسخ: باب النهي عن التزعفر للرجل، وهذا أوضح
وأحسن.
٥٨٤٦/٦٤ - حدَّثْنا مُسَدَّدٌ، حدثنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَس قال:
نَّهى النبيُّ نَّهِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجلُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الوارث بن سعيد البصري وعبد العزيز بن صهيب.
والحديث بهذا السند من أفراده.
قوله: ((أن يتزعفر الرجل)) هكذا قيده بالرجل، وكذا رواه إسماعيل بن علية
وحماد بن زيد عند مسلم وأصحاب السنن، ورواه شعبة عن ابن علية عند النسائي
عمدة القاري / ج٢٢ - م٣

٣٤
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٣٤)
مطلقاً، فقال: نهى عن التزعفر، وكأنه اختصره، والمطلق محمول على المقيد، وقال
ابن بطال وابن التين. هذا النهي خاص بالجسد ومحمول على الكراهة لأن تزعفر الجسد
من الرفاهية التي نهى الشارع عنها بقوله: البذاذة من الإيمان، والدليل على كون النهي
محمولاً على الكراهة دون التحريم حديث أنس: أن عبد الرحمن بن عوف قدم على
رسول الله ﴿ وبه أثر صفرة، وروى: وضر صفرة، وزاد حماد بن سلمة عن ثابت:
وبه ردع من زعفران، فقال: مهيم؟ ... الحديث، فلم ينكر عليه النبي وَلّ ولا أمره
بغسلها، فدل على أن نهيه عنه لمن لم يكن عروساً إنما هو محمول على الكراهة. فإن
قلت: روى أبو داود من حديث عمار قال: قدمت على أهلي ليلاً وقد تشققت يداي
فخلقوني بزعفران فغدوت على رسول الله وَ ل﴿ فسلمت عليه فلم يرد علي ولم يرحب
بي، فقال: اذهب فاغسل عنك هذا، فذهبت فغسلته ثم جئت وقد بقي علي منه ردع،
فسلمت فلم يرد علي ولم يرحب بي، وقال: اذهب فاغسل عنك هذا، فذهبت فغسلته
ثم جئت فسلمت فرد علي ورحب بي، وقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير
ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب. قلت: قيل: هو معلول لأن في سنده مجهولاً. قلت:
أخرجه أبو داود من طريقين: أحدهما: عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن عطاء
الخراساني عن يحيى بن يعمر عن عمار بن ياسر، وهذا صحيح. والآخر: عن نصر بن
علي ... الخ، وفيه المجهول، ومع هذا فالصحيح منه لا يقاوم صحيح البخاري فافهم.
٣٤ - بابُ الثّوْبِ المُزَعْفَرِ
أي: هذا باب في بيان حكم الثوب المزعفر، أي: المصبوغ بالزعفران.
٦٥/ ٥٨٤٧ - حدَّثنا أبُو نُعَيْم، حدثنا سُفْيانُ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ دينارٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما، قال: نَهى النبيِّ نَّهَ أنْ يَلْبَسَ المُخْرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بِوَرْسٍ أوْ بِزَغْفَران.
[انظر الحديث ١٣٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان بن عيينة.
والحديث مضى في الحج مطولاً، والورس بفتح الواو وسكون الراء وبالسين المهملة
نبت يكون باليمن، والتقييد بالمحرم يدل على جواز لبس الثوب المزعفر للحلال. وقال
ابن بطال: أجاز مالك وجماعة لباس الثوب المزعفر للحلال، وقالوا: النهي في حق
المحرم خاصة، وحمله الشافعي والكوفيون على المحرم وغير المحرم، وحديث ابن
عمر الآتي في باب النعال السبتية، يدل على الجواز، فإن فيه أن النبي وَّر، كان يصبغ
بالصفرة وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر، رضي الله تعالى عنهما، قال:
رأيت رسول الله وَ﴾، وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران، وفي سنده عبد الله بن
مصعب بن الزبير، وفيه ضعف.

٣٥
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٣٥)
٣٥ - بابُ الثَّوْبِ الأخمَرِ
أي: هذا باب حكم لبس الثوب الأحمر ولم يبين الحكم في الترجمة اكتفاء بما
في حديث الباب.
٥٨٤٨/٦٦ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ أبِي إِسْحاقَ، سَمِعَ البَراءَ رضي
الله عنه، يَقُولُ: كانَ النبيُّ نَّهِ مَرْبُوعاً وَقَدْ رَأيْتُهُ في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ ما رَأيْتُ شَيْئاً أحْسَنَ مِنْهُ.
[انظر الحديث ٣٥٥١ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو يوضح الحكم الذي أبهمه في الترجمة.
وأبو الوليد هشام بن عبد الملك، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي سمع
البراء بن عازب حال كونه يقول: كان النبي وَلّ مربوعاً، أي: بين الطويل والقصير،
يقال: رجل ربعة ومربوع، وجاء في صفته بالر: أطول من المربوع، ومضى الحديث
في صفة النبي ◌َّل عن حفص بن عمر مطولاً، ومضى تفسير الحلة عن قريب.
والحديث أخرجه أبو داود في اللباس عن أبي موسى وبندار. وأخرجه الترمذي
في الاستئذان والأدب عن بندار ببعضه وفي الشمائل بتمامه. وأخرجه النسائي في الزينة
عن علي بن الحسين الدرهمي وغيره. فإن قلت: أكثر أصحاب أبي إسحاق رووه عن
أبي إسحاق عن البراء، وخالفهم أشعث فقال: عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة
أخرجه النسائي وأعله، وأخرجه الترمذي وحسنه. قلت: نقل عن البخاري أنه قال:
حديث أبي إسحاق عن البراء وعن جابر بن سمرة صحيحان.
فإن قلت: رويت أحاديث في المنع عن لبس الأحمر. منها: أن أنساً روى أن
رسول الله وَليو كان يكره الحمرة، وقال: الجنة ليس فيها حمرة. ومنها: حديث عباد بن
كثير عن هشام عن أبيه: أن النبي وَ ر كان يحب الخضرة ولا يحب الحمرة. ومنها:
حديث خارجة بن مصعب عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه مثله. ومنها:
حديث الحسن بن أبي الحسن: أن النبي وَالر قال: الحمرة زينة الشيطان والشيطان يحب
الحمرة. قلت: هذا كله غير مستقيم الإسناد وأكثرها مراسيل. فإن قلت: أخرج ابن ماجه
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: نهى رسول الله وَّ ر عن المقدم بالفاء وتشديد
الدال وهو المشبع بالعصفر. قلت: هذا محمول على أنه يصبغ كله بلون واحد. ومع هذا
لا يقاوم حديث البراء.
واعلم أن في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال: الأول: الجواز مطلقاً، جاء عن
علي وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة وعن سعيد بن المسيب
والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل وجماعة من التابعين. الثاني: المنع مطلقاً
للأحاديث المذكورة. الثالث: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه

٣٦
٧٧ - كتابُ اللّباسِ / باب (٣٦ و٣٧)
خفيفاً، روي ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد. الرابع: يكره لبس الأحمر مطلقاً لقصد
الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما. الخامس: يجوز لبس ليس ما صبغ غزله ثم نسج ويمنع ما صبغ بعد النسج،
ومال إليه الخطابي. السادس. اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر لورود النهي عنه، ولا
يمنع ما صبغ بغيره من الأصباغ. السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله، وأما
ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث
الواردة في الحلة الحمراء، فإن الحلل اليمانية غالباً تكون ذات خطوط حمر وغيرها.
٣٦ - بابُ المِيثَرَةِ الحَمْراءِ
أي: هذا باب في بيان حكم استعمال الميثرة الحمراء، وقد تقدم تفسيرها.
٦٧/ ٥٨٤٩ - حدَّثنا قَبِيصَةُ، حدثنا سُفْيانُ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ مُعاوِيَةَ بنِ سُوَيْدِ بنِ
مُقَرِّنٍ، عن البَراءِ رضي الله عنه، قال: أمَرَنا النبيُّ بِّهِ بِسَبْعٍ: عِيادَةِ المَرِيضِ. واتّباعِ
الجَنَائِزِ. وتَشْميتِ العاطِسِ ... ونَهانا: عَنْ لُبْس الحَرِيرِ والدِّيبَاجِ، والقَسِّيِّ، والاسْتَبْرَقِ،
ومَيَائِرِ الحُمْرِ.
- [انظر الحديث ١٢٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومياثر الحمر)). وقبيصة هو ابن عقبة، وسفيان هو ابن
عيينة، وأشعث هو ابن أبي الشعثاء.
والحديث مضى عن قريب مختصراً في: باب لبس القسي، ومضى مطولاً في
الجنائز في: باب الأمر باتباع الجنائز، ومضى الكلام فيه.
قوله: ((وتشميت العاطس)) بإعجام الشين وإهمالها، والأربعة الباقية هي: إجابة
الداعي. وإفشاء السلام. ونصر المظلوم. وإبرار المقسم. ((والديباج)) فارسي معرب وهو
الرقيق من الحرير. ((والاستبرق)): الغليظ منه، ولما صارا جنسين مستقلين خصصهما
بالذكر. ومر الكلام في القسي والميثرة وإنما قيد بالحمر مع أنها منهي عنها إذا كانت من
الحرير سواء كانت حمراء أو غيرها لبيان الواقع، فلا اعتبار لمفهومه، والاثنان المكملان
للسبع هما: خواتيم الذهب، وأواني الفضة.
٣٧ - بابُ النِّعالِ السَّبْتِيَّةِ وغَيْرِها
أي: هذا باب في بيان النعال وهو جمع نعل وفي (المحكم): النعل والنعلة ما
وقيت به القدم، وقال ابن الأثير: النعل هي التي تسمى الآن: تاسومة. وقال ابن
العربي: النعل لباس الأنبياء عليهم السلام، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من

٣٧
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٣٧)
الطين، وقد تطلق النعل على كل ما بقي القدم قوله: ((السبتية)) صفة النعال بكسر السين
المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف
نسبة إلى ما سبت عنها الشعر أي: حلق وقطع، وقيل: هي المدبوغة بالقرظ، وكانت
عادة العرب لباس النعال بشعرها وغير مدبوغة. وقال أبو عبيد: وكانوا في الجاهلية لا
يلبس النعال المدبوغة إلاَّ أهل السعة، ونقل عن الأصمعي: أن السبتية المدبوغة، وعن
أبي عمرو الشيباني: بالقرظ، وقيل: إنما قالوا: السبتية، لأنها تسبتت أي: لانت.
قوله: ((وغيرها)) أي: وغير النعال السبتية مما يشابهها.
٦٨ / ٥٨٥٠ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب، حدثنا حَمَّادٌ، عَنْ سَعِيدٍ أبي مَسْلَمَةً قال:
سألْتُ أنَساً أكانَ النبيُّ وَّهَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قال: نَعَمْ. [انظر الحديث ٣٨٦].
مطابقته للترجمة تؤخذ منه، وحماد هو ابن زيد، وفي بعض النسخ صرح به،
وسعيد هو ابن يزيد بالزاي أبو مسلمة الأزدي البصري.
والحديث قد مضى في الصلاة في: باب الصلاة في النعال فإنه أخرجه هناك عن
آدم عن شعبة عن سعيد أبي سلمة، ومضى الكلام فيه.
٦٩/ ٥٨٥١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ
عُبَيْدِ بنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قال لِعَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: رَأيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعاً لَمْ أَرَ أحَداً
مِنْ أصْحابِكَ يَصْنَعُها، قال: ما هِيَ يا ابْنَ جُرَيْجِ؟ قال: رَأيْتُكَ لا تَمَسُّ مِنَ الأزكانِ إِلاَّ
اليّمانَِيْنِ، وَرَأيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعالِ السِّبْتِيَّةَ، ورَأيْتُكَ تَضَّبُغُ بِالصَّفْرَةِ، وَرَأيْتُكَ إذا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ
النَّاسُ إذا رَأوا الهِلالَ، ولَمْ تُهِلَّ أنْتَ حَتَّى كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ؟ فقال لَهُ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ: أمَّا
الأزكانُ فإنِّي لَمْ أَرَ رسولَ الله وَهِ يَمَسُ إلَّ اليَمانِيَيْنِ، وأمَّا النَّعالُ السِّبْتِيَّةُ، فإنِّي رَأيْتُ
رسولَ اللهِ وَّهَ يَلْبَسُ النَّعالَ التي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيها، فأنا أُحِبُّ أنْ ألْبَسَها، وأمَّا
الصُّفْرَةُ فإِنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَصْبُغُ بِها فأنا أُحِبُّ أنْ أَصْبُغَ بِها، وأمَّا الإِهْلالُ فإِنِّي لَمْ
أُرَ رَسُولَ اللهِ وَلّه يُهِلْ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ راحِلَتُهُ. [انظر الحديث ١٦٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث مضى في الطهارة فإنه أخرجه هناك في: باب
غسل الرجلين في النعلين، عن عبد الله بن يوسف عن مالك ... إلى آخره، ومضى
الكلام فيه .
قوله: ((إلاَّ اليمانيين)) بالتخفيف وهو الذي فيه الحجر الأسود، والذي يليه من
جهة اليمن، ويقال لهما: اليمانيان تغليباً. قوله: ((يصبغ)) بضم الباء الموحدة والمراد به
صبغ الثوب، وقيل: الشعر. قوله: ((أهل)) أي: أحرم، والهلال هو هلال ذي الحجة،
ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة .

٣٨
٧٧ - كتابُ اللَّباسِ / باب (٣٨ و٣٩)
٧٠/ ٥٨٥٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِینار،
عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: نَهَى رسُولُ اللهِ وَِّ، أَنْ يَلْبَسَ المخرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً
بِزَعْفَرَانٍ، أوْ وَرْسٍ، وقال: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنٍ وَلْيَقْطَعْهُما أسْفَلَ مِنَ
الكَغْبَیْنِ».
[انظر الحديث ١٣٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومن لم يجد نعلين)). والحديث قد مضى في الحج
في باب ما لا يلبس المحرم من الثياب.
٥٨٥٣/٧١ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُف، حدثنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْروِ بنِ دِينارٍ بنْ
جابِرِ بنِ زَيْدٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهُما، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِزَارٌ
فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَعْلاَنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ)). [انظر الحديث ١٧٤٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومن لم يكن له نعلان)) وسفيان هو الثوري، وجابر بن
زيد أبو الشعثاء الأزدي البصري الفقيه، ومضى الحديث في الحج عن حفص بن عمر
وأبي الوليد وآدم فرقهم ثلاثتهم عن شعبة.
٣٨ - بابٌ يَبْدَأُ بالنَّعْلِ اليُّمْنَى
أي: هذا باب يذكر فيه أن الرجل إذا لبس نعليه يلبس أولاً نعله اليمنى. قوله:
(يبدأ))، ضبط على صيغة المجهول والأولى أن يكون على صيغة المعلوم.
٥٨٥٤/٧٢ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدثنا شُعْبَةُ، قال: أخبرني أشْعَتُ بنُ
سُلَيْم، سَمِعْتُ أبي يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قالَتْ: كان النبيُّ ◌َالـ
يُحِبُّ التَّمْنَ فِي طُهُورِهِ وتَرَجُلِهِ وَتَنَعْلِهِ. [انظر الحديث ١٦٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث. وأشعث بالثاء المثلثة في آخره يروي
عن أبيه سليم بن الأزدي المحاربي الكوفي، ومسروق بن الأجدع.
والحديث مضى في الوضوء في: باب التيمن في الوضوء والغسل فإنه أخرجه
هناك عن حفص بن عمر عن شعبة إلى آخره. والترجل: تسريح الشعر.
٣٩ - بابٌ يَنْزِعُ نَعْلَ اليُسْرَى
أي: هذا باب يذكر فيه أن الرجل إذا نزع نعليه ينزع أولاً نعله اليسرى. قوله:
(ينزع))، على صيغة المعلوم. قوله: ((نعل اليسرى))، أي: نعل الرجل اليسرى، وفي بعض
النسخ: ينزع نعله اليسرى، وفيه اليسرى صفة للنعل، وفي الأول صفة الرجل المقدرة.

٣٩
٧٧ - كتابُ اللّباسِ / باب (٤٠)
٧٣/ ٥٨٥٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أبي الزِّنادِ، عَنِ
الأعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ، قال: ((إِذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ
بالتّمِينِ، وإِذا نَزَعَ فَلْيَبْدَأُ بالشّمالِ لِتَكُنِ اليُمْنَى أوَّلَهُما تُنْعَلُ وآخِرَهُما تُنْزَعُ)) .
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان، والأعرج
عبد الرحمن بن هرمز.
والحديث أخرجه أبو داود أيضاً في اللباس عن القعنبي. وأخرجه الترمذي فيه عن
قتيبة وعن إسحاق بن موسى.
قوله: ((إذا انتعل)) أي: إذا لبس النعل. قوله: ((باليمين))، أي: بيمين المنتعل،
ويروى: باليمنى، أي: بالنعل اليمنى. قوله: ((أولهما خبر)) الكون. وقوله: ((تنعل)) على
صيغة المجهول جملة حالية، وقال الطيبي: أولهما، يتعلق بقوله: تنعل، وهو خبر
كان، ذكره بتأويل العضو وهو مبتدأ وتنعل خبره والجملة خبر كان.
وفيه: تفضيل اليمين على الشمال.
٤٠ - بابٌ لا يَمْشِي في نَعْلٍ واحِدٍ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا يمشي الرجل في نعل واحد، وإنما وصف النعل
بالمذكر مع أنها مؤنثة على ما يجيء لأن تأنيثها غير حقيقي.
٧٤/ ٥٨٥٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أبي الزِّنادِ، عَنِ
الأعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ◌ِّر قال: ((لا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْل واحِدَة لِيُخْفِهِما
جَمِيعاً أوْ لِيُنْعِلُهُما جَمِيعاً)».
مطابقته للترجمة ظاهرة.
والحديث أخرجه مسلم في اللباس عن يحيى بن يحيى وأخرجه أبو داود فيه عن
القعنبي. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، وعن إسحاق بن موسى.
قوله: ((لا يمشي أحدكم في نعل واحدة)) قال ابن الأثير: النعل مؤنثة وهي التي
تلبس في المشي. انتهى، وتصغيرها: نعيلة، تقول: نعلت وانتعلت إذا احتذيت من
الحذاء بالحاء المهملة وهو النعل، قال الخطابي: نهيه وّ لّر عن المشي في النعل الواحدة
لمشقة المشي على مثل هذه الحالة، ولعدم الأمن من العثار مع سماجته في الشكل وقبح
منظره في العيون إذ كان يتصور ذلك عند الناس بصورة من إحدى رجليه أقصر من
الأخرى. وعن ابن العربي: أنها مشية الشيطان، وعن البيهقي لما فيه من الشهرة وامتداد
الأبصار إلى من يرى ذلك منه. قوله: ((ليحفهما)) من الإحفاء بالحاء المهملة أي:

٤٠
٧٧ - كتابُ اللّباسِ / باب (٤١)
ليجردهما، يقال: حفي يحفي أي: يمشي بلا خف ونعل. قوله: ((أو لينعلهما)) ضبطه
النووي بضم أوله من أفعل ورد عليه شيخنا زين الدين رحمه الله، بأن أهل اللغة قالوا:
نعل، بفتح العين وحكى كسرها، وانتعل أي: لبس النعل. قلت: قال أهل اللغة أيضاً إذا
أنعل رجله أي: ألبسها نعلاً، وأنعل دابته جعل لها نعلاً. وقال صاحب (المحكم): نعل
الدابة والبعير ونعلهما بالتشديد ويدخل في هذا كل لباس شفع كالخفين، وإخراج اليد
الواحدة من الكم دون الأخرى، والتردي على أحد المنكبين دون الأخرى، قاله
الخطابي، وقال في (المعونة): يجوز ذلك في المشي الخفيف إذا كان هناك عذر، وهو
أن يمشي في إحداهما متشاغلاً لإصلاح الأخرى، وإن كان الاختيار أن يقف إلى الفراغ
منها وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة أن النبي و # قال: إذا انقطع شسع
أحدكم فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها، وفي (الجعديات) من حديث ابن الزبير
عن جابر قال رسول الله وسلير: إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في نعل واحد حتى
يصلح شسعه، ولا يمشي في الخف الواحد. فإن قلت: روى ابن شاهين في ناسخه من
حديث جبارة بن المغلس حدثنا مندل يعني ابن علي عن ليث عن نافع عن ابن عمر،
قال: ربما انقطع شسع رسول الله ◌َ ﴿ فيمشي في نعل واحد حتى يصلحها أو تصلح له؟
قلت: هذا حديث واهٍ، كذا قاله صاحب (التوضيح)، ولكن في (علل الترمذي) من
حديث ليث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، قالت: ربما مشى
النبي ◌ّر في نعل واحدة، وروى ابن علية والثوري عن عبد الرحمن عن أبيه عنها أنها
مشت في خف واحد، قال الترمذي: سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: الصحيح
عن عائشة موقوف، وروى ابن أبي شيبة عن ابن إدريس عن ليث عن نافع أن ابن عمر
كان لا يرى بأساً أن يمشي في نعل واحدة إذا انقطع شسعه ما بينه وبين أن تصلح، ومن
حديث رجل من مزينة: رأيت علياً رضي الله تعالى عنه، يمشي في نعل واحد بالمدائن،
وعن زيد بن محمد أنه رأى سالماً يمشي في نعل واحدة بالمدائن، وقال ابن عبد البر:
لم يأخذ أهل العلم برأي عائشة في ذلك، والذي روى من هؤلاء أن النهي عندهم نهي
تنزيه، ويحتمل أن النهي ما بلغهم، والله أعلم.
٤١ - بابُ قِبالانٍ في نَعْلٍ، ومَنْ رأى قِبالاً واحِداً واسِعاً
أي: هذا باب يذكر فيه قبالان كائنان في نعل واحد وقبالان تثنية قبال بكسر القاف
زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الإصبعين الوسطى والتي تليها، يقال: أقبل نعله
وقابلها إذا عمل لها قبالاً، وفي الحديث: قابلوا النعال، أي: اعملوا عليها القبال وقال
الجوهري: الزمام هو السير الذي يعقد فيه الشسع بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة
بعدها عين مهملة وهو أحد سيور النعل الذي يدخل بين الإصبعين، ويدخل طرفه في