Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٠)
الذي يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال الجوهري: الطاعون الموت العام.
وقال الكرماني: الطاعون بثر مؤلم جداً يخرج غالباً في الآباط مع لهيب واسوداد حواليه
وخفقان القلب والقيء. قلت: هذا من كلام النووي، فنقله عنه، يقال: طعن الرجل فهو
مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون. وقال ابن العربي: الطاعون الوجع الغالب الذي يطعن
الروح كالذبحة، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال الباجي: وهو مرض يعم
الكثير من الناس في جهة من الجهات بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم
واحداً بخلاف بقية الأوقات فتكون الأمراض مختلفة. وقال الداودي: الطاعون حبة تخرج
في الأرفاغ وفي كل طي من الجسد، والصحيح أنه الوباء، وقال عياض: أصل الطاعون
القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض فسميت طاعوناً لشبهها بها في الهلاك،
وإلاَّ فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعوناً، قال: ويدل على ذلك أن وباء الشام الذي
وقع في عمواس إنما كان طاعوناً .
وما ورد في الحديث: أن الطاعون وخز الجن. قلت: طاعون عمواس كان في سنة
ثمان عشرة، وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس، وطاعون عمواس هو أول طاعون
وقع في الإسلام ومات في الشام في هذا الطاعون ثلاثون ألفاً. وأما الحديث المذكور
فرواه أحمد في (مسنده) من حديث أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول
الله وَ الر: ((فناء أمتي بالطعن والطاعون)). قالوا: يا رسول الله! هذا الطعن قد عرفناه، فما
الطاعون؟ قال: ((وخز إخوانكم من الجن، وفي كل شهادة)). ورواه ابن أبي الدنيا في
(كتاب الطواعين) وقال فيه: وخز أعدائكم من الجن، ولا تنافي بين اللفظين لأن الأخوة
في الدين لا تنافي العداوة لأن عداوة الإنس والجن بالطبع، وإن كانوا مؤمنين فالعداوة
موجودة. وقال ابن الأثير: الوخز طعن ليس بنافذ، وقال بعضهم: لم أر لفظ: إخوانكم،
بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث. قلت: هذه اللفظة ذكرها هنا ابن
الأثير وذكرها أيضاً ناقلاً من (مسند أحمد) قاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد الله
أبي البقاء الشبلي الحنفي، وكفى بهما الاعتماد على صحتها، وعدم اطلاع هذا القائل لا
يدل على العدم. وقال ابن عبد البر: الطاعون غدة تخرج في المراق والآباط، وقد تخرج
في الأيدي والأصابع وحيث شاء الله تعالى، وقيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو،
وقيل: هيجان الدم وانتفاخه، وقال المتولي: وهو قريب من الجذام من أصابه تآكلت
أعضاؤه وتساقط لحمه. وقال الغزالي: هو انتفاخ جميع البدن من الدم مع الحمى، أو
انصباب الدم إلى بعض الأطراف، فينتفخ ويحمر وقد يذهب ذلك العضو. وقال ابن
سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورماً قتالاً لا يحدث إلاَّ في المواضع الرخوة والمغاير
من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة، قال: وسببه دم
رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه
ويؤدي إلى القلب كيفية ردية فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا

٣٨٢
٧٦ - كِتابُ الطَّب / باب (٣٠)
يقبل من الأعضاء إلاَّ ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسة،
والأسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، فإن قلت إن الشارع أخبر بأن
الطاعون من وخز الجن فبينه وبين ما ذكر من الأقوال في تفسير الطاعون منافاة ظاهراً؟
قلت: الحق ما قاله الشارع، والأطباء تكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم، وطعن
الجن أمر لا يدرك بالعقل فلم يذكروه على أنه يحتمل أن تحدث هذه الأشياء فيمن يطعن
عند وخز الجن، ومما يؤيد أن الطاعون من وخز الجن وقوعه غالباً في أعدل الفصول
وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماءً، ولو كان من فساد الهواء لعم الناس الذين يقع فيهم
الطاعون ولطعنت الحيوانات أيضاً.
٥٧٢٨/٤٣ - حدّثنا حَفْصُ بن عُمَرَ، حدَّثنا شُعْبَةُ قال: أخبرني حَبيبُ بنُ أبي
ثابتٍ قال: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بنَ سعْدٍ قال: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً عن النبيِّ وَّلـ
أنهُ قال: ((إذا سَمِعْتُمْ بالطَّاعُونِ بأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوها وإذا وَقَعَ بأرض وأنْتُمْ بِها فَلا تَخرُجُوا
مِنْها))، فَقُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ يحدِّثُ سَعْداً ولا يُتْكِرُهُ؟ قال: نَعَمْ. [انظر الحديث ٣٤٧٣ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه مما ذكر في الطاعون، وسعد هو ابن أبي وقاص
أحد العشرة المبشرة بالجنة.
والحديث أخرجه مسلم في الطب أيضاً عن وهب بن بقية.
قوله ((يحدث سعداً) أي: والد إبراهيم المذكور ووقع في رواية الأعمش عن
حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن سعد عن أسامة بن زيد، وسعد أخرجه مسلم.
قوله: ((بأرض)) أي: وقع بأرض. قوله: ((وأنتم بها)) جملة حالية قوله: ((فقلت)) القائل
هو حبيب بن أبي ثابت يخاطب إبراهيم بن سعد. بقوله: ((أنت سمعته)) يعني أسامة بن زيد
يحدث سعداً ولا ينكر ذلك، ((قال: نعم)).
٤٤/ ٥٧٢٩ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عِبْدِ
الحَميدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بن زَيْدِ بنُ الخَطَّابِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عبد الله بنِ الحَارِث بنِ نَوْفَلٍ
عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - خَرَجَ إلى الشّأْمِ حتَّى إذا كانَ
بِسزِغَ لَقِيَّهُ أُمَراءُ الأجنادِ: أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وأصحابُهُ، فأخْبرُوهُ أنَّ الوَباءَ قَّدْ وقَعَ بأرضٍ
الشّأم. قال ابنُ عبَّاسٍ: فقال عُمَرُ: ادْعُ لِيَ المُهاجِرين الأوَّلِينَ، فَدَعاهُمْ فَاسْتَشَارَهُم
وأخْبَرَهُمْ أنَّ الْوَباءَ قَذُ وقَعَ بالشَّأُم فاختَلفُوا، فقال بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ ولا نَرَى أنْ
تَرْجِعَ عَنْهُ، وقال بَعْضُهُم: مَعَك بَقِيَّةُ النَّاسِ وأصحابُ رسول اللهِ وَّه، ولا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُمْ
عَلَى هُذَا الْوَباءِ، فقال: ازْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قال: ادْعُ لِي الأنصارَ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ
فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهاجِرِينَ واخْتَلَفُوا كاخْتِلافِهِمْ، فقال: ازْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قال: ادْعُ لِي مَنْ
كانَ هُهُنا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَليهِ رَجُلانٍ،

٣٨٣
٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٠)
فقالوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ ولا تُقْدِمَهُمْ عَلى هذا الْوَباءِ، فَنادَى عُمَرُ في النَّاسِ: إنّ
مُصبِحٌ عَلى ظَهْرٍ فأصْبِحُوا عَلَيْهِ. قال أبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أفِراراً مِنْ قَدَرِ الله؟ فقال عُمَرُ:
لَوْ غيْرُكَ قالَها يا أبا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ الله إلىَ قَدَرِ الله، أرأيتَ لَوْ كانَ لَكَ إِلّ
هَبَطَتْ وادِياً لهُ عُذْوَتَانِ إِحْدَاهُما خَصِبةٌ والأُخْرِى جَذْبَةٍ، أَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الخَصِبَةَ رَعَيْتَها
بِقَدَرِ الله؟ وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَها بِقَدرِ الله؟ قال: فجاءَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ عَوْفٍ، وكان
مُتَغَيِباً في بَعْض حاجَتِهِ، فقال: إنَّ عِنْدِي في هذَا عِلْماً، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يَقولُ: ((إذا
سَمِعْتُمْ بِهِ بأرْض فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وإذا وَقَعَ بأرْضٍ وأَنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِراراً مِنْهُ))، قال:
فَحَمِدَ الله عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ. [انظر الحديث: ٥٧٢٩ - طرفاه في: ٥٧٣٠، ٦٩٧٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إذا سمعتم به)) إلى آخره. وعبد الحميد بن
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، كان والياً
لعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - على الكوفة، وعبد الله بن عبد الله بن الحارث بن
نوفل بن الحارث بن عبد المطلب لجد أبيه نوفل ابن عم النبي وَ ل# صحبة وكذا لولده
الحارث، وولد عبد الله بن الحارث في عهد النبي ◌َّر فعد لذلك في الصحابة فهم ثلاثة
من الصحابة في نسق، وكان عبد الله بن الحارث يلقب ببه، بباءين موحدتين الثانية مشددة،
ومعناه: الممتلىء البدن من النعمة، ويكنى أبا محمد، مات سنة أربع وثمانين، وأما ولده -
راوي هذا الحديث - فهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وكان يكنى أبا يحيى، ومات سنة تسع
وتسعين وما له في البخاري سوى هذا الحديث.
وفي هذا السند: ثلاثة من التابعين في نسق واحد، وصحابيان في نسق، وكلهم
مدنيون .
والحديث أخرجه مسلم في الطب أيضاً عن يحيى بن يحيى عن مالك وغيره.
وأخرجه أبو داود في الجنائز عن القعنبي عن مالك مختصراً. وأخرجه النسائي في الطب
عن هارون بن عبد الله وعن الحارث بن مسكين مختصراً.
قوله: ((خرج إلى الشام)) كان ذلك في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة، وذكر خليفة بن
خياط: أن خروج عمر إلى الشام هذه المرة كان سنة سبع عشرة يتفقد فيها أحوال الرعية
وأمرائهم، وكان قد خرج قبل ذلك سنة ست عشرة لما حاصر أبو عبيدة بيت المقدس،
فقال أهله: يكون الصلح على يدي عمر - رضي الله عنه - فخرج لذلك. قوله: ((بسرغ))
بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالغين المعجمة منصرفاً وغير منصرف، قرية في طريق
الشام مما يلي الحجاز، ويقال: هي مدينة افتتحها أبو عبيدة هي واليرموك والجابية
متصلات، وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة. وقال أبو عمر: قيل: إنه وادي تبوك،
وقيل: بقرب تبوك، وقال الحازمي: هي أول الحجاز وهي من منازل حاج الشام. قوله:
((أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه)) هم خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان

٣٨٤
٧٦ - كِتَابُ الطَّئب / باب (٣٠)
وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - قد قسم البلاد
بينهم وجعل أمر القتال إلى خالد، ثم رده عمر - رضي الله عنه - إلى أبي عبيدة، وقال
الكرماني: الأجناد. قيل: المراد بهم أمراء مدن الشام الخمس، وهي: فلسطين والأردن
وحمص وقنسرين ودمشق. قوله: ((فأخبروه) أي: أخبروا عمر - رضي الله تعالى عنه - أن
الوباء قد وقع، وفي رواية يونس: أن الوجع قد وقع بأرض الشام، والوباء بالمد والقصر،
وقال الخليل: هو الطاعون، وقال آخرون: هو المرض العام، فكل طاعون وباء دون
العكس، وهذا الوباء المذكور هنا كان طاعوناً، وهو طاعون عمواس. قوله: ((قال عمر:
ادع لي المهاجرين الأولين)) وهم الذين صلوا إلى القبلتين، وفي رواية يونس: اجمع لي
المهاجرين. قوله: ((بقية الناس)) أي: بقية الصحابة وإنما قال كذلك تعظيماً لهم، أي: كأن
الناس لم يكونوا إلاَّ الصحابة قال الشاعر:
هم القوم كل القوم يا أم خالد
قوله: ((وأصحاب رسول الله (وَل98) عطف تفسيري قوله: ((أن تقدمهم)) بضم التاء من
الإقدام بمعنى التقديم والمعنى: لا نرى أن تجعلهم قادمين عليه. قوله: ((فقال: ارتفعوا
عني)) أي: فقال عمر: أخرجوا عني، وفي رواية يونس: فأمرهم فخرجوا عنه. قوله:
((فسلكوا سبيل المهاجرين)) أي: مشوا على طريقتهم فيما قالوا. قوله: ((من مشيخة قريش))
ضبطه بعضهم بوجهين الأول بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف،
والثاني بفتح الميم وكسر الشين وسكون الياء آخر الحروف جمع شيخ. قلت: الذي قاله
أهل اللغة هو الوجه الثاني، وقال الجوهري: جمع الشيخ شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان
ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، والمرأة شيخة. قوله: ((من مهاجرة الفتح)) أي: الذين هاجروا
إلى المدينة عام الفتح، أو المراد: مسلمة الفتح أو أطلق على من تحول إلى المدينة بعد
فتح مكة مهاجراً صورة وإن كانت الهجرة بعد الفتح حكماً قد ارتفعت وأطلق ذلك عليهم
احترازاً عن غيرهم من مشيخة قريش ممن أقام بمكة ولم يهاجر أصلاً. قوله: ((إني مصبح))
بضم الميم وسكون الصاد وكسر الباء الموحدة أي: مسافر في الصباح راكباً على ظهر
الراحلة راجعاً إلى المدينة، فأصبحوا راكبين متأهبين للرجوع إليها. قوله: ((عليه)) أي على
الظهر وهو الإبل الذي يحمل عليه ويركب. يقال: عند فلان ظهر أي: إبل. قوله: ((فراراً
من قدر الله؟)) أي: أترجع فراراً من قدر الله تعالى؟ وفي رواية هشام بن سعد: فقالت
طائفة، منهم أبو عبيدة: أمن الموت نفر؟ إنما نحن نقدر ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ
اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] فإن قلت: ما الفرق بين القضاء والقدر؟ قلت: القضاء عبارة عن الأمر
الكلي الإجمالي الذي حكم الله به في الأزل، والقدر عبارة عن جزئيات ذلك الكلي
ومفصلات ذلك المجمل التي حكم الله بوقوعها واحداً بعد واحد في الإنزال، قالوا: وهو
المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَآَمِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:
٢١]. قوله: ((لو غيرك قالها)) جزاء: لو، محذوف أي: لو قال غيرك لأدبته، وذلك

٣٨٥
٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٣٠)
لاعتراضه على مسألة اجتهادية وافقه عليها أكثر الناس من أهل الحل والعقد، أو لم أتعجب
منه، ولكني أتعجب منك مع علمك وفضلك كيف تقول هذا، أو كلمة: لو هنا للتمني.
فلا تحتاج إلى جواب، والمعنى: أن غيرك ممن لا فهم له إذا قال ذلك يعذر. قوله: ((نعم
نفر من قدر الله إلى قدر الله)) وفي رواية هشام بن سعد: إن تقدمنا فبقدر الله وإن تأخرنا
فبقدر الله، أطلق عليه فراراً لشبهه في الصورة، وإن كان ليس فراراً شرعاً، والمراد أن
هجوم المرّء على ما يهلكه منهي عنه، ولو فعل لكان من قدر الله وتجنبه ما يؤذيه مشروع،
وقد يقدر الله وقوعه فيما فر منه، فلو كان فعله أو تركه لكان من قدر الله، وحاصل الكلام
أن شيئاً ما لا يخرج عن القدر. قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني قوله: ((له عدوتان)) بضم العين
المهملة وكسرها يعني طرفان والعدوة هو المكان المرتفع من الوادي وهو شاطئه. قوله:
((خصبة)) بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة وبالباء الموحدة، كذا ضبط في كتب
اللغة، وفي (المطالع): خصبة بكسر الخاء وسكون الصاد والخصب بالكسر نقيض
الجدب، وقال بعضهم: خصيبة على وزن عظيمة، وليس كذلك، والخصبة بفتح الخاء
وسكون الصاد واحدة الخصاب، وهو النخل الكثير الحمل. قوله: ((جدبة)) بسكون الدال
وكسرها يعني: الكل بتقدير الله سواء ندخل أو نرجع، فرجوعنا أيضاً بقدر الله تعالى، فعمر
- رضي الله تعالى عنه - استعمل الحذر وأثبت القدر معاً فعمل بالدليلين اللذين كل متمسك
به من التسليم للقضاء والاحتراز عن الإلقاء في التهلكة. قوله: ((فجاء عبد الرحمن بن
عوف)) موصول عن ابن عباس بالسند المذكور. قوله: ((وكان متغيباً)) من باب التفعل معناه:
لم يكن حاضراً في المشاورة. قوله: ((علماً)) وفي رواية مسلم: لعلما، بلام التأكيد. قوله:
((إذا سمعتم به)) أي: بالطاعون. قوله: ((فلا تقدموا)) بفتح الدال. قوله: ((فراراً)) أي: لأجل
الفرار، وفيه: دليل على جواز الخروج لغرض آخر لا بقصد الفرار منه. قوله: ((فحمد الله
عمر - رضي الله تعالى عنه -)) يعني: على موافقة اجتهاده واجتهاد معظم أصحابه حديث
رسول الله وَالوَ. قال ابن بطال: فإن قيل: لا يموت أحد إلاَّ بأجله فلا يتقدم ولا يتأخر، فما
وجه النهي عن الدخول والخروج؟ قلنا: لم ينه عن ذلك إلاَّ حذراً من أن يظن أن هلاكه
كان من أجل قدومه عليه وأن سلامته كانت من أجل خروجه، فنهى عن الدنو كما نهى عن
الدنو من المجذوم مع علمه بأنه لا عدوى، وقيل: إذنه وَ # للذين استوخموا المدينة
بالخروج حجة لمن أجاز الفرار. وأجيب بأنه: لم يكن ذلك فراراً من الوباء إذ هم كانوا
مستوخمين خاصة دون سائر الناس، بل للاحتياج إلى الضرع ولاعتيادهم المعاش في
الصحارى.
وفي هذا الحديث من الفوائد: خروج الإمام بنفسه لمشاهدة أحوال رعيته، وإزالة
ظلم المظلوم وكشف الكرب، وتخويف أهل الفساد وإظهار شعائر الإسلام، وتلقي الأمراء
والمشاورة معهم، والاجتماع بالعلماء، وتنزيل الناس منازلهم، والاجتهاد في الحروب،
وقبول خبر الواحد، وصحة القياس، واجتناب أسباب الهلاك.

٣٨٦
٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٠)
٤٥/ ٥٧٣٠ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ
عبْدِ الله بنِ عامِرٍ: أنَّ عمَرَ خَرَجَ إِلى الشَّأْمِ، فَلَمَّا كانَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ،
فأخْبرَهُ عِبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ عَوْفٍ: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ، قال: ((إذا سَمِعْتُمْ بِهِ بأرض فَلا تَقْدَمُوا
عَلَيْهِ، وإذا وَقَعَ بأَرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِراراً مِنْهُ)). [انظر الحديث ٥٧٢٩ وطرفه].
هذا طريق آخر لحديث عبد الرحمن بن عوف: وعبد الله بن عامر بن ربيعة الأصغر
ولد على عهد النبي وَّر، قيل: سنة ست من الهجرة، وحفظ عنه وهو صغير، وتوفي
رسول الله وَ ر وهو ابن أربع سنين، ومات سنة خمس وثمانين، وأبو عامر بن ربيعة من
كبار الصحابة. والحديث أخرجه مسلم أيضاً.
٥٧٣١/٤٦ - حدّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ عنْ نُعَيْمِ المُجْمِرِ عنْ أبي
هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَدْخُلُ المدِينَةَ المَسِيَحُ ولا الطَّاعُونُ)).
[انظر الحديث ١٨٨٠ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا الطاعون)) ونعيم بضم النون وفتح العين المهملة ابن
عبد الله القرشي المدني مولى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - والمجمر بضم الميم
وسكون الجيم وبالراء على صيغة اسم الفاعل من الإجمار من أجمرت الثوب إذا بخرته
بالبخور والطيب، والذي يتولى ذلك مجمر ومجمر بالتشديد أيضاً نعيم هذا وكان يجمر
مسجد النبي ◌َّل فسمي المجمر.
والحديث مضى في الحج في: باب لا يدخل الدجال المدينة، أخرجه عن إسماعيل
عن مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلقوله: على
أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، وأخرجه هنا مختصراً، وذكر هناك
الدجال وهنا المسيح، والمسيح هو الدجال، وقد مر الكلام فيه هناك.
فإن قلت: الطاعون شهادة، وكيف منعت من المدينة؟ وما وجه ذكر المسيح مقارناً
بالطاعون؟ قلت: قد تكلموا في الجواب بكلام كثير، والحاصل أن المراد بالطاعون هو وخز
الجن وكفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله إليها لا يتمكن
من طعن أحد منهم. فإن قلت: طعن الجن لا يختص بكفارهم بل قد يقع من مؤمنيهم؟
قلت: دخول كفار الإنس المدينة ممنوع ولا يسكنها إلا المسلمون، وإن كان فيهم من ليس
بخالص الإسلام فيحصل الأمن من وصول الجن إلى طعنهم فلذلك لا يحصل فيها الطاعون
أصلاً، وقد روى أحمد من رواية أبي عسيب قال: قال النبي ◌َّر أتاني جبرائيل - عليه
السلام - بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام،
والحكمة في ذلك أن النبي ◌َّ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عدداً ومدداً،
وكانت المدينة وبئة، ثم خير النبي وَّر في أمرين يحصل بكل منهما الأجر الجزيل فاختار
الحمى حينئذٍ لقلة الموت بها غالباً، بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن

٣٨٧
٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٣٠)
له في القتال كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى
التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصح بلاد
الله بعد أن كانت بخلاف ذلك وأبو عسيب، بفتح العين وكسر السين المهملتين وسكون
الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة، وقال أبو عمر: أبو عسيب مولى رسول الله وَ لقوله
صحبة ورواية، أسند عن رسول الله وَ ر حديثين أحدهما في الحمى والطاعون، قيل: اسم
أبي عسيب: أحمر.
٥٧٣٢/٤٧ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدَّثنا عبدُ الوَاحِد، حدثنا عاصِمٌ،
حدَّثَْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ قالَتْ: قال لي أنَسُ بنُ مالِكِ - رضي الله عنه -: يَخيِى بِما
ماتَ؟ قُلْتُ مِنَ الطَّاعُونِ. قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: «الطَّاعُونُ شَهادَةٌ لِكَلِّ مُسْلِم)). [انظر
الحديث ٢٨٣٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الواحد هو ابن زياد، وعاصم هو ابن سليمان الأحول.
والإسناد كله بصريون، وليس لحفصة بنت سيرين عن أنس في البخاري إلاَّ هذا
الحديث، ومضى الحديث في الجهاد عن بشر بن محمد عن عبد الله بن المبارك. وأخرجه
مسلم أيضاً في الطب.
قوله: ((يحيى بما مات؟)) يحيى هو ابن سيرين أخو حفصة المذكورة، سألها أنس:
بما مات يحيى؟ فقالت. مات من الطاعون، ويروى: بم مات؟ بحذف الألف من ربما
يعني: من أي شيء؟ وهو الأشهر، ووقع في رواية مسلم: يحيى بن أبي عمرة، وهو ابن
سيرين لأنها كنية سيرين، وكانت وفاة يحيى في حدود التسعين من الهجرة. قوله: ((شهادة
لكل مسلم)) يعني: إذا مات مطعوناً صار كالشهيد في سبيل الله لمشاركته إياه فيما كابده من
الشدة .
٤٨/ ٥٧٣٣ - حدّثنا أبُو عاصِم، عَنْ مالِكِ، عَنْ سُميٍّ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي
هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ وََّ قال: ((المَبْطُونُ شَهيدٌ، والمَطْعُونُ شَهِيدٌ)). [انظر الحديث ٦٥٣ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله. ((والمطعون شهيد)) وأبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل،
وسمي بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء مولى أبي بكر بن عبد الرحمن
المخزومي، وأبو صالح ذكوان السمان .
والحديث مضى في الجهاد من رواية عبد الله بن يوسف عن مالك مطولاً بلفظ:
الشهداء خمسة ... الحديث، وقد مضى الكلام فيه هناك.
((والمبطون)) الذي مات بمرض البطن، ((والمطعون)) الذي مات بالطاعون. أي: لهما
ثواب الشهادة. وقال القاضي البيضاوي: من مات بالطاعون أو بوجع البطن ملحق بمن قتل
في سبيل الله لمشاركته إياه في بعض ما يناله من الكرامة بسبب ما كابده من الشدة، لا في
جملة الأحكام والفضائل.

٣٨٨
٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣١)
٣١ - بابُ أجْرِ الصَّابِرِ في الطَّاعُونِ
أي: هذا باب في بيان أجر الصابر على الطاعون سواء وقع به أو وقع في بلد هو
مقيم بها، ووقع في (مسند أحمد) من حديث جابر رفعه: الفار من الطاعون كالفار من
الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف، وفي رواية له: ومن صبر كان له أجر شهيد،
ورواه ابن خزيمة باللفظين في (كتاب التوكل).
٥٧٣٤/٤٩ - حدّثنا إسحاقُ، أخبرَنا حَبَّانُ، حدَّثنا داوُدُ بنُ أبي الفُراتِ، حدثنا
عبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحيى بنِ يَعْمَرَ عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النبيِّ وََّــ أنها أخْبَرَتْنا أنَّها سألَتْ
رسولَ اللهِ وَّهَ عَنِ الطَّاعُونِ؟ فَأَخْبَرَها نَبِيُّ اللهِ وَّهِ: «أَنَّهَ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشاءُ،
فَجْعَلَهُ الله رَحْمَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عِبْدٍ يَقَعُ الطَاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صابراً يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ
يُصِيبَهُ إلاَّ ما كَتَبَ الله لهُ إلاَّ كانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ الشهِيدِ)). [انظر الحديث ٣٤٧٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فليس من عبد ... )) إلى آخره. وإسحاق، قال
بعضهم: ابن راهويه، وقال الغساني: لعله ابن منصور. قلت: إسحاق بن منصور بن بهرام
الكوسج أبو يعقوب المروزي، انتقل بآخره إلى نيسابور وهو شيخ مسلم أيضاً، وحبان بفتح
الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبالنون ابن هلال الباهلي البصري، ومن جملة من
روى عنه إسحاق بن منصور، وهو يدل على أن الصواب مع الغساني، وداود بن أبي
الفرات بضم الفاء وبالراء المخففة وفي آخره تاء مثناة من فوق، واسم أبي فرات عمرو،
وهو من أفراد البخاري، وعبد الله بن بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء - مصغر البردة -
الأسلمي التابعي البصري القاضي بمرو، ويحيى بن يعمر بفتح الياء آخر الحروف وسكون
العين المهملة وفتح الميم وضمها المروزي قاضيها .
والحديث مضى في بني إسرائيل فإنه أخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل عن
داود بن أبي الفرات ... إلى آخره، ومضى أيضاً في التفسير، ومضى الكلام فيه في بني
إسرائيل.
قوله: ((على من يشاء)) وفي رواية الكشميهني: على من شاء، بلفظ الماضي، يعني:
على من شاء من كافر أو عاصٍ. قوله: ((رحمة للمؤمنين)) أي: من هذه الأمة، ويروى:
رحمة للمسلمين، وهو رحمة من حيث إنه يتضمن مثل ((أجر الشهيد)) وإن كان هو محنة
صورة. قوله: ((فليس من عبد)) أي: مسلم ((يقع الطاعون)) في أي مكان هو فيه فيمكث في
بلده، وفي رواية أحمد في بيته. قوله: ((في بلده)) مما تنازع الفعلان فيه، أعني: قوله:
يقع، وقوله: فيمكث، قوله: ((صابراً) حال مفرد أي: غير منزعج ولا قلقٍ بل مسلماً لأمر
الله راضياً بقضائه. قوله: ((يعلم) حال جملة من الفعل والفاعل. قوله: ((إلاَّ كان له مثل أجر
الشهيد)» فإن قلت: ما معنى المثلية هنا مع أنه جاء: من مات بالطاعون كان شهيداً؟ قلت:
معنى المثلية أن من اتصف بالصفات المذكورة ووقع به الطاعون ثم لم يمت منه أنه يحصل

٣٨٩
٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٢)
له مثل أجر الشهيد، وإذا مات بالطاعون يحصل له أجر الشهيد. قوله: ((من مات بالطاعون
كان شهيداً) يعني: حكماً لا حقيقة.
تابَعَهُ النَّضْرُ عنْ داوُدَ.
أي: تابع حبانَ بن هلال النضرُ بن شميل في روايته عن داود.
٣٢ - بابُ الرُّقَى بالقُرْآنِ والمعَوِّذَاتِ
أي: هذا باب في بيان الرقى، بضم الراء وبالقاف مقصور، جمع رقية بضم الراء
وسكون القاف، ويقال: رقى بالفتح يرقي بالكسر من باب رمى يرمي، ورقيت فلاناً بكسر
القاف أرقيه، واسترقى طلب الرقية والكل بلا همز، ومعنى الرقية: التعويذ، بالذال
المعجمة، وقال ابن الأثير: الرقية والرقى والاسترقاء: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة
كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات. قوله: ((بالقرآن)) أي: بقراءة شيء من القرآن.
قوله: ((والمعوذات)) من عطف الخاص على العام. قال الكرماني: وكان حقه أن يقول:
والمعوذتين لأنهما سورتان فجمع إما لإرادة هاتين السورتين وما يشبههما من القرآن، أو
باعتبار أن أقل الجمع اثنان، ويقال: المراد بالمعوذات: سورة الفلق والناس وسورة
الإخلاص لأنه جاء في بعض الروايات أن النبي ◌َّر كان يرقي بسورة الإخلاص
والمعوذتين، وهو من باب التغليب.
٥٠/ ٥٧٣٥ - حدّثني إبْرَاهيمُ بنُ مُوسَى، أخبرنا هِشاٌ عنْ مَعْمَرٍ عن الزُّهْريُ عنْ
عُزْوَةَ، عنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أنَّ النبيَّ بَِّ، كَانَ يَنْفُثُ عَلى نَفْسِهِ فِي المَرَضِ الَّذِي
ماتَ فِيهِ بِالمُعَوِّذاتِ، فَلَمّا تَقُلَ كُنْتُ أنْفِثُ عنهُ بِهِنَّ، وأمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِيَرَكَتها .
فَسَألْتُ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قال: كان يَنْفِثُ على يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِما وجْهَهُ.
[انظر الحديث ٤٤٣٩ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بالمعوذات)) وإبراهيم بن موسى بن يزيد الرازي يعرف
بالصغير، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد.
والحديث أخرجه في الأدب أيضاً عن عبد الله بن محمد. وأخرجه مسلم في الطب
عن عبد بن حميد.
قوله: ((كان ينفث)) بضم الفاء وكسرها والنفث شبه النفخ وهو أقل من التفل والتفل لا
بد فيه شيء من الريق. قوله: ((في المرض الذي مات فيه)) أشارت به عائشة - رضي الله
تعالى عنها - إلى أن ذلك وقع في آخر حياته: وأن ذلك لم ينسخ. قوله: ((كنت أنفث عنه))
وفي رواية الكشميهني: عليه. قوله: ((وأمسح بيد نفسه)) هكذا هو في رواية الكشميهني،
وفي رواية غيره: وأمسح بيده نفسه، ونفسه منصوب على المفعولية، أي: أمسح جسده
بيده. قوله: ((لبركتها)) أي: للتبرك بتلك الرطوبة أو الهواء والنفس المباشر لتلك الرقية

٣٩٠
٧٦ - كِتَابُ الطّبْ / باب (٣٣)
والذكر، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال الألم عن المريض وانفصاله عنه، كما ينفصل
ذلك النفث عن الراقي.
قوله: ((فسألت الزهري)) السائل هو معمر وهو موصول بالإسناد المذكور.
وفيه: التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه خصوصاً اليد اليمنى.
ثم الكلام هنا على أنواع.
الأول: قال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الأحاديث جواز الرقى، وفي بعضها النهي
عنها، فمن الجواز قوله وَلّ استرقوا لها فإن بها النظرة، أي: اطلبوا لها من يرقيها، ومن
النهي قوله: لا يسترقون ولا يكتوون، والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع بينهما أن
الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه
المنزلة، وأن يعتقد أن الرقية نافعة لا محالة، فيتكل عليها، وإياها أراد بقوله وَلقول: (ما توكل
من استرقى))، ولا يكره منها ما كان بخلاف ذلك، كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى والرقى
المروية. وفي (موطأ مالك) - رضي الله تعالى عنه -: أن أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه
- دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: أرقيها بكتاب الله، يعني
بالتوراة والإنجيل، ولما ذكره ابن حبان ذكره مرفوعاً: أن رسول الله وَ لو دخل ... الحديث.
الثاني: هل يجوز رقية الكافر للمسلم؟ فروي عن مالك جواز رقية اليهودي
والنصراني للمسلم إذا رقِى بكتاب الله، وهو قول الشافعي، وروي عن مالك أنه قال: أكره
رقي أهل الكتاب ولا أحبه لأنا لا نعلم هل يرقون بكتاب الله أو بالمكروه الذي يضاهي
السحر، وروى ابن وهب أن مالكاً سئل عن المرأة ترقي بالحديدة والملح، وعن الذي
يكتب الكتاب يعلقه عليه، ويعقد في الخيط الذي يربط به الكتاب سبع عقد، والذي يكتب
خاتم سليمان في الكتاب، فكرهه كله مالك، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس.
الثالث: فيه إباحة النفث في الرقى والرد على من أنكر ذلك من الإسلاميين، وقد
روى الثوري عن الأعمش عن إبراهيم قال: إذا رقيت بآي القرآن فلا تنفث. وقال الأسود:
أكره النفث، وكان لا يرى بالنفخ بأساً، وكرهه أيضاً عكرمة والحكم وحماد، قال أبو عمر:
أظن حجة من كرهه ظاهر قوله عز وجل: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّئَتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]،
وذلك نفث سحر والسحر محرم، وما جاء عن رسول الله وَل، أولى، وفيه الخير والبركة.
الرابع: فيه المسح باليد عند الرقية، وفي معناه المسح باليد على ما يرجى بركته
وشفاؤه وخيره، مثل المسح على رأس اليتيم وشبهه.
٣٣ - بابُ الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الكِتابِ
أي: هذا باب في بيان الرقية بقراءة فاتحة الكتاب، أراد به جواز ذلك. فإن قلت:
روى شعبة عن الركين قال: سمعت القاسم بن حسان يحدث عن عبد الرحمن بن حرملة

٣٩١
٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٣٣)
عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه وَليو كان يكره الرقي إلاَّ بالمعوذات. قلت: قال
الطبري: هذا حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله إذ فيه من لا يعرف، ثم إنه لو صح لكان إما
غلطاً أو منسوخاً بقوله وَّر: وما أدراك أنها رقية.
ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عَبَّاس عن النبيِّ ◌َِه.
يذكر على صيغة المجهول وهو صيغة التمريض، ولا يذكر صيغة التمريض إلاَّ إذا
كان الحديث على غير شرطه مع أنه ذكر حديث ابن عباس في الرقية بفاتحة الكتاب وهو
الذي أخرجه في الباب الذي يأتي عقيب هذا الباب، وهو: باب الشرط في الرقية أخرجه
عن سيدان بن مضارب، على ما يأتي عن قريب، وهذا يعكر عليه. وقال صاحب
(التلويح): هذا يرد قول ابن الصلاح وغيره: إن البخاري إذا علق بصيغة التمريض يكون
غير صحيح عنده. قلت: ابن الصلاح وغيره من أهل الحديث على أن الذي يورده البخاري
بصيغة التمريض لا يكون على شرطه، وحديث ابن عباس على شرطه كما ذكرنا، والإيراد
عليه باق غير أن أحد مشايخنا ساعد البخاري، وذكر أنه قد يصنع ذلك إذا ذكر الخبر
بالمعنى، ولا شك أن الذي ذكره عن ابن عباس ليس فيه التصريح عن النبي وَطِّ، بالرقية
بفاتحة الكتاب، وفيه نظر لا يخفى.
٥٧٣٦/٥١ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدَّثنا غُنْدَرٌ، حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي بُشْرِ عنْ
أبي المُتَوَكُلِ عنْ أبي سَعيدِ الخُذْرِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ ناساً مِنْ أصْحابِ النبيِّ وَِّ، أَتَوْا
عَلى حيٍّ مِنْ أخْياءِ العَرَب فلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَما هُم كَذْلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فقالوا: هَلْ
مَعَكُمْ مِنْ دَواءٍ أوْ راقٍ؟ فقالوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونا ولا نَفْعَلُ حتى تَجْعَلُوا لَنا جُعْلاً، فَجَعَلُوا
لَهُمْ قَطِيعاً مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأَمِّ القُرْآنِ ويجْمَعُ بُزاقَهُ ويَتَفِل، فَبَرَأ، فأتَوْا بِالشَّاءِ فقالوا:
لا تَأْخُذَهُ حتَّى نَسْألَ النبيَّ وَّرَ فَسَألوهُ فَضَحِكَ، وقال: ((وما أدراكَ أنَّها رُقْيَةٌ؟ خُذُوها
واضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ)).
[انظر الحديث ٢٢٧٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فجعل يقرأ بأم الكتاب)) وهي الفاتحة، وغندر هو
محمد بن جعفر، وفي بعض النسخ صرح باسمه، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون
الشين المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس اليشكري البصري، ويقال: الواسطي،
وأبو المتوكل علي بن داود الناجي بالنون والجيم السامي بالسين المهملة من سامة بن
لؤي، وأبو سعيد الخدري سعد بن مالك والحديث مضى في الإجارة في: باب ما يعطى
في الرقية بفاتحة الكتاب، ومر الكلام فيه.
قوله: ((فلم يقروهم)) أي: فلم يضيفوهم. قوله: ((فبيناهم)) ويروى: فبينما هم، بزيادة
الميم. قوله: ((أو راقٍ)) أصله: راقي، فاعل إعلال قاضٍ قوله: ((جعلاً) بضم الجيم ما جعل
للإنسان الغير المعين من الشيء على عمل يعمله ((القطيع)) بفتح القاف: الطائفة من الغنم،

٣٩٢
٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٣٤)
وقيل: كان ثلاثين. قوله: ((بالشاء)) جمع شاة. قوله: ((فجعل يقرأ)) أي: طفق يقرأ أبو سعيد
لما ثبت أنه كان الراقي. قوله: ((ويتفل)) بالياء وضم الفاء وكسرها. قوله: ((بسهم)) أي:
نصيب .
٣٤ - باب الشَّرطِ في الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ
أي: هذا باب في بيان الشرط في قراءة الرقية بقطيع بطائفة من الغنم ليأتون به.
٥٢/ ٥٧٣٧ - حدّثني سِيدانُ بنُ مُضارِبٍ أَبُو مُحَمَّدِ الباهِلِيُّ، حدَّثنا أَبُو مَعْشَرٍ
البَصْرِيُّ - هُوَ صَدُوقٌ - يُوسُفُ بنُ يَزِيدَ البَرَّاءُ، قال: حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ الأخْنَسِ أَبُو مالِكٍ
عن ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أنَّ نَفراً مِنْ أصْحابِ النِبِيِّ وَ ◌ِّ مَرُوا بِمَاءِ فِيهِمْ لَدِيغٌ -
أوْ: سَلِيمٌ - فَعَرَض لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الماءِ، فقال: هَلْ فِيكُمْ مِنْ راقٍ؟ إنَّ في الماءِ رَجُلاً
لَدِيغاً - أوْ: سَلِيماً، فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ عَلى شاءٍ فَبَرَأ، فجاءَ بالشَّاءِ إلى
أصحابِهِ، فَكرِهُوا ذُلِكَ وقالوا: أخَذْتَ عَلى كِتابِ الله أجْراً؟ حتَّى قَدِمُوا المَدينَةَ، فقالوا: يا
رسولَ الله! أخَذَ عَلى كِتابِ الله أجْراً. فقال رسولُ الله بَّرَ: ((إنَّ أَحَقَّ ما أَخَذْتُمْ عَليْهِ أجراً
کِتابُ الله)).
مطابقته للترجمة في قوله: ((فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء)» وسيدان، بكسر السين
المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة وبالنون ابن مضارب اسم فاعل من
المضاربة بالضاد المعجمة والراء والباء الموحدة أبو محمد الباهلي بالباء الموحدة وكسر
الهاء نسبة إلى باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة قبيلة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين،
وهو من أفراد الأسماء غريب، وأبو معشر اسمه يوسف بن يزيد البراء بفتح الباء الموحدة
وتشديد الراء، كان يبري السهم وكان عطاراً، وإنما قال: ((هو صدوق)) لكونه صدوقاً عنده
فلذلك خرج له، وكذلك خرج له مسلم، وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم:
يكتب حديثه، وقال المقدمي: ثقة، وعبيد الله بضم العين ابن الأخنس بخاء معجمة ساكنة
ونون مفتوحة وسين مهملة، نخعي كوفي يكنى أبا مالك، وثقه الأئمة، وقال ابن حبان:
يخطىء كثيراً. وما لهؤلاء الثلاثة في البخاري سوى هذا الحديث، ولكن لعبيد الله بن
الأخنس حديث آخر في الحج، ولأبي معشر آخر في الأشربة، وابن أبي مليكة عبد الله بن
عبيد الله بن أبي مليكة واسمه: زهير قاضي ابن الزبير.
والحديث من أفراده، وهذا وحديث أبي سعيد المذكور في قصة واحدة، وأنها وقعت
لهم مع الذي لدغ.
قوله: ((مروا بماء)) أي: بقوم نازلين على ماء. قوله: ((أو: سليم)) شك من الراوي،
سمي اللديغ سليماً على العكس تفاؤلاً، كما قيل للمهلكة: مفازة. قوله: ((إن في الماء
رجلاً) ويروى: رجل، بالرفع على لغة بني ربيعة. قوله: ((فانطلق رجل منهم)) وهو أبو

٣٩٣
٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٣٥)
سعيد الخدري. قوله: ((على شاء)) أي: قرأ مشروطاً على شاء أو مقرراً أو مصالحاً عليه،
والشاء جمع شاة أصله شاهة. فحذفت الهاء وجمعها: شياه وشاء وشوي. قوله: ((إن أحق
ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) قال صاحب (التوضيح) فيه: حجة على أبي حنيفة - رضي
الله تعالى عنه - في منعه أخذ الأجرة على تعليم القرآن. قلت: من له ذوق من معاني
الأحاديث لا يتلفظ بهذا الكلام الذي ليس له معنى، وليس معنى هذا ما فهمه هو حتى
يورده على الإمام، وإنما معناه في أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة أو غيرها من القرآن،
فالإمام لا يمنع هذا، وإنما الذي يمنعه عن أخذ تعليم القرآن وتعليم القرآن غير الرقية به،
ومع هذا أبو حنيفة ما انفرد بهذا، وهو مذهب عبد الله بن شقيق والأسود بن ثعلبة وإبراهيم
النخعي وعبد الله بن يزيد وشريح القاضي والحسن بن حيي، وتعيين هذا المعترض الإمام
من بين هؤلاء من أريحة التعصب البارد واحتجوا في ذلك بما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا
عفان بن مسلم حدثنا أبان بن يزيد العطار حدثني يحيى بن أبي كثير عن زيد هو ابن أبي
سلام ممطور الحبشي عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل: سمعت رسول
الله ◌َالر يقول: «تعلموا القرآن ولا تغلوا فیه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به)).
قوله: ((لا تغلوا)) من الغلو بالغين المعجمة: وهو التشدد والمجاوزة عن الحد. قوله: ((ولا
تجفوا)) أي: تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته وهو من الجفاء وهو البعد عن الشيء. قوله:
((ولا تأكلوا به)) أي: بمقابلة القرآن أراد: لا تجعلوا له عوضاً من سحت الدنيا.
٣٥ - بابُ رُقْيَةِ العَيْنِ
أي: هذا باب في بيان رقية العين أي: رقية الذي يصاب بالعين، وليس المراد به
الرمد، بل الإضرار بالعين والإصابة بها كما يتعجب الشخص من الشيء بما يراه بعينه
فيتضرر ذلك الشيء من نظره. وقال النووي: أنكرت طائفة العين، قالوا: لا أثر لها،
والدليل على فساد قولهم إنه أمر ممكن، والصادق أخبر بذلك، يعني بوقوعه فلا يجوز
رده، وقال بعضهم: العائن تنبعث من عينه قوة سميّة تتصل بالمعين فيهلك، كما تنبعث من
الأفعى، والمذهب أن الله تعالى أجرى العادة بخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص
آخر، وأما انبعاث شيء منه إليه فهو من الممكنات. وقال ابن الجوزي: العين نظر
باستحسان وأن يشوبه شيء من الحسد ويكون الناظر خبيث الطبع كذوات السموم، ولولا
هذا لكان كل عاشق يصيب معشوقه بالعين، يقال: عنت الرجل إذا أصبته بعينك فهو معين
ومعيون والفاعل عائن.
٥٧٣٨/٥٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، أخبرنا سُفْيان، قال: حدثني مَعْبَدُ بنُ خالِد،
قال: سمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ شَدَّادٍ عنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قالَتْ: أَمَرَني رسولٍ وَلِّ أوْ:
أمَرَ - أن يُسْتَرْقَى مِن العَيْن.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد بن كثير، قال الكرماني - ضد القليل - وقال صاحب

٣٩٤
٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٣٥)
(التوضيح): شيخ البخاري محمد بن كبير بالباء الموحدة بعد الكاف. قلت: هذا غلط،
والظاهر أنه من الناسخ الجاهل، وسفيان هو الثوري، ومعبد بفتح الميم وسكون العين
المهملة وفتح الباء الموحدة ابن خالد القاضي الكوفي التابعي، وعبد الله بن شداد هو
المعروف بابن الهاد، له رؤية وأبوه صحابي.
والحديث أخرجه مسلم في الطب عن أبي بكر وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم وعن
محمد بن عبد الله بن نمير. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن منصور وأخرجه ابن ماجة
فيه عن علي بن محمد.
قوله: ((أو أمر))، شك من الراوي، وأخرجه أبو نعيم في (مستخرجه) عن شيخ
البخاري فيه فقال: أمرني، جزماً، وكذا أخرجه النسائي والإسماعيلي من طريق أبي نعيم
عن سفيان الثوري، وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن نمير عن سفيان: كان يأمرني
أن أسترقي، وعنده من طريق مسعر عن معبد بن خالد: كان يأمرها. قوله: ((أن يسترقي))
أي: يطلب الرقية ممن يعرف الرقي بسبب العين، وقال الخطابي: الرقية التي أمر بها رسول
الله ◌َلّ هو ما يكون بقوارع القرآن، وبما فيه ذكر الله تعالى على ألسن الأبرار من الخلق
الطاهرة النفوس، وهو الطب الروحاني، وعليه كان معظم الأمر في الزمان المتقدم الصالح
أهله، فلما عز وجود هذا الصنف من أبرار الخليقة مال الناس إلى الطب الجسماني حيث
لم يجدوا الطب الروحاني نجوعاً في الأسقام لعدم المعاني التي كان يجمعها الرقاة المقدسة
من البركات، وما نهى عنه هو رقية العزامين ومن يدعى تسخير الجن.
٥٧٣٩/٥٤ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ خالِدٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ وَهْبٍ بنِ عَطِيَّةَ الدُّمَشْقِيَّ،
حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، أخبرنا الزُّهْرِيُّ عنْ عُرْوَةً بن
الزُّبَيْرِ عِنْ زِيْنَبَ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ عنْ أُمّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - أنَّ النبيَّ ◌َِّ، رَأَى فِي بَيْتِها
جارِيَةً فِي وَجْهِها سَفْعَةٌ، فقال: ((اسْتَرْقُوا لَها فِإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ)).
مطابقته للترجمة في آخر الحديث. قوله: ((محمد بن خالد)» هو محمد بن يحيى بن
عبد الله بن خالد الذهلي بضم الذال المعجمة، وقد نسبه إلى جد أبيه، وكذا قال الحاكم
والجوزقي والكلاباذي وأبو مسعود ومن تبعهم، ووقع في رواية الأصيلي هنا: حدثنا
محمد بن خالد الذهلي، فانتفى الظن بهذا أن يذهب الوهم إلى محمد بن خالد بن جبلة
الرافعي الذي ذكره ابن عدي في شيوخ البخاري، ومحمد بن وهب بن عطية سلمي قد
أدركه البخاري ولا يدري لقبه، وما له عنده إلاَّ هذا الحديث، ومحمد بن حرب الخولاني
الحمصي كان كاتباً لمحمد بن الوليد الزبيدي وهو ثقة عند الجميع.
وفي هذا السند نكتة غريبة جداً، وهي أنه اجتمع من نفس البخاري إلى عروة ستة
أنفس اسم كل منهم محمد فهو مسلسل بالمحمدين الأول: البخاري اسمه محمد، والثاني:
محمد بن خالد، والثالث: محمد بن وهب، والرابع: محمد بن حرب، والخامس:

٣٩٥
٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٣٦)
محمد بن الوليد، والسادس: محمد بن مسلم، وهو الزهري، ومن روى البخاري من
طريق الفراوي عن الحفصي عن الكشميهني عن الفربري كانوا عشرة، وهذا السند مما نزل
فيه البخاري في حديث عروة ثلاث درجات فإنه أخرجه في (صحيحه): حدثنا عبيد الله بن
موسى عن هشام بن عروة عن أبيه، وهو في العتق، فكان بينه وبين عروة رجلان ولههنا بينه
وبينه خمسة أنفس.
وأخرجه مسلم عالياً بالنسبة لرواية البخاري هذه، قال: حدثنا أبو الربيع حدثنا
محمد بن حرب فذكره.
قوله: ((سفعة)) بفتح السين المهملة وبضمها وسكون الفاء وبعين مهملة، قال
الكرماني: السفعة الصفرة والشحوب في الوجه، وقال إبراهيم الحربي: هو سواد في
الوجه، وعن أبي العلاء المعري: هي بفتح السين أجود وقد يضم سينها من قولهم: رجل
أسفع أي: لونه أسود، وأصل السفع الأخذ بالناصية، قال الله تعالى ﴿لَنَشْفَمَا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:
١٥]، وقيل: كل أصفر أسفع. وقال الجوهري: هو سواد في خد المرأة الشاحبة. قوله:
((استرقوا لها)) أي: اطلبوا من يرقي لها. قوله: ((فإن بها النظرة)) أي: أصابتها عين، يقال:
رجل منظور إذا أصابته العين، وقال ابن قرقول: النظرة بفتح النون وسكون الظاء أي: عين
من نظر الجن، وقال أبو عبيد: أي: أن الشيطان أصابها - وقال الخطابي: عيون الجن أنفذ
من الأسنة، ولما مات سعد سمع قائل من الجن يقول:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة
ورميناه بسهم فلم يخط فؤاده
قال: فتأوله بعضهم أي: أصبناه بعين.
وقال عُقَيْلٌ عنِ الزُّهْرِيُّ: أخبرني عُرْوَةُ عنِ النبيّ ◌َِه .
هذا تعليق مرسل لم يذكر في إسناده زينب ولا أم سلمة، وعقيل بضم العين ابن خالد
عن محمد بن مسلم الزهري، وروى رواية عقيل عبد الله بن وهب عن أبي لهيعة عن عقيل،
ولفظه: أن جارية دخلت على رسول الله وَ ل# وهو في بيت أم سلمة، فقال: كان بها سفعة.
تَابَعَهُ عَبْدُ الله بنُ سالِمٍ عِنِ الزُّبَيْدِيِّ.
أي: تابع محمد بن حرب عبد الله بن سالم أبو يوسف الحمصي في روايته عن
محمد بن الوليد الزبيدي، وروى هذه المتابعة الذهلي في (الزهريات) والطبراني في (مسند
الشاميين) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي عن عمرو بن الحارث الحمصي
عن عبد الله بن سالم به سنداً أو متناً.
٣٦ - بابٌ العَيْنُ حَقٌّ
أي: هذا باب يذكر فيه العين حق أي: الإصابة بالعين ثابتة موجودة، ولها تأثير في
النفوس، وأنكر طائفة من الطبايعين العين وأنه لا شيء إلاَّ ما تدركه الحواس الخمس وما

٣٩٦
٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٦)
عداها فلا حقيقة له. والحديث يرد عليهم، وروى مسلم من حديث ابن عباس رفعه: العين
حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا، وروى أبو داود من
حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه
العين، وروى النسائي من حديث عامر بن ربيعة: أن النبي وَلّ قال: ((إذا رأى أحدكم من
نفسه أو ماله أو أخيه شيئاً يعجبه فليدع بالبركة، فإن العين حق))، وروى الترمذي من حديث
أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين أو نسترقي
لهم؟ قال: نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وفي كتاب ابن أبي عاصم من
طريق صعصعة: أكثر ما يحفر لأمتي من القبور العين، وقال أبو عمر. قوله بَلقير: ((علام
يقتل أحدكم أخاه»؟ دليل على أن العين ربما قتلت، وكانت سبباً من أسباب المنية وقوله:
((ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين)) دليل على أن المرء لا يصيبه إلاَّ ما قدر له، وأن
العين لا تسبق القدر ولكنها من القدر، قوله: فليدع بالبركة، فيه دليل على أن العين لا تضر
ولا تعدو إذا برك العائن فواجب على كل من أعجبه شيء أن يبرك فإنه إذا دعا بالبركة
صرف المحذور لا محالة، والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه،
ويؤمر العائن بالاغتسال ويجبر إن أبى، لأن الأمر حقيقة للوجوب ولا ينبغي لأحد أن يمنع
أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو لاسيما إذا كان سببه، وهو الجاني عليه، والاغتسال هو
أن يغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب عليه،
ويروى: ويديه إلى المرفقين والركبتين، وقال أبو عمر: وأحسن شيء في تفسير الاغتسال
ما وصفه الزهري راوي الحديث الذي عند مسلم: يأتى بقدح من ماء ثم يصب بيده اليسرى
على كفه اليمنى، ثم بكفه اليمنى على كفه اليسرى ثم يدخل يده اليسرى فيصب بها على
مرفق يده اليمنى ثم بيده اليمنى على مرفق يده اليسرى، ثم يغسل قدمه اليمنى ثم يدخل
اليمنى فيغسل قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليمنى فيغسل الركبتين، ثم يأخذ داخلة إزاره
فيصب على رأسه صبة واحدة ولا يضع القدم حتى يفرغ، وأن يصب من خلفه صبة واحدة
يجري على جسده، ولا يوضع القدح في الأرض، ويغسل أطرافه وركبتيه وداخلة إزاره في
القدح. قال النووي: ولا يوضع القدح في الأرض ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين،
واختلفوا في داخلة إزاره، فقيل: هو الطرف المتدلى الذي يلي حقوه الأيمن، وقيل: داخلة
الإزار هي المئزر، والمراد بداخلته ما يلي الجسد منه، وقيل: المراد موضعه من الجسد،
وقيل: مذاكيره، وقيل: المراد وركه إذ هو معقد الإزار، قال عياض: قال بعض العلماء
ينبغي إذا عرف واحد بالإصابة بالعين أن يتجنب ويحترز منه، وينبغي للإمام منعه من
مداخلته الناس ويلزمه بلزوم بيته، وإن كان فقيراً رزقه ما يكفيه فضرره أكثر من آكل الثوم
والبصل الذي منعه النبي وَّر من دخول المسجد لئلا يؤذي الناس، ومن ضرر المجذوم
الذي منعه عمر، - رضي الله تعالى عنه - وقال القرطبي: لو انتهت إصابة العين إلى أن
يعرف بذلك ويعلم من حاله أنه كلما تكلم بشيء معظماً له أو متعجباً منه أصيب ذلك

٣٩٧
٧٦ - كِتَابُ الطّب / باب (٣٦)
الشيء، وتكرر ذلك بحيث يصير ذلك عادة فما أتلفه بعينه غرمه وإن قتل أحداً بعينه عامداً
لقتله قتل به كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفراً، وأما عندنا فيقتل على كل حال،
قتل بسحره أو لا لأنه كالزنديق.
٥٧٤٠/٥٥ - حدّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ، عنْ مَعْمَرٍ، عنْ هَمَّامٍ،
عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عن النبيِّ وََّ، قال: ((العَيْنُ حَقٌّ) وَنَهَى عنِ الوشْمِ.
[الحديث: ٥٧٤٠ - طرفه في: ٥٩٤٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي
البخاري كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد، وعبد الرزاق بن همام، ومعمر بفتح الميمين
ابن راشد، وهمام بتشديد الميم ابن منبه الأنباري الصنعاني أخو وهب بن منبه.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن يحيى وأخرجه مسلم في الطب عن
محمد بن رافع. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل، ولم يذكر الوشم.
قوله: ((العين حق) مر الكلام فيه عن قريب. قوله: ((ونهى)) أي: رسول الله وَالز ((عن
الوشم)) بفتح الواو وسكون الشين المعجمة وهو غرز بالإبرة في العضو ثم التحشية بالكحل
فيخضر وقال بعضهم لم تظهر المناسبة بين هاتين الجملتين فكأنهما حديثان مستقلان، ولهذا
حذف مسلم وأبو داود الجملة الثانية من روايتيهما مع أنهما أخرجاه من رواية عبد الرزاق
الذي أخرجه البخاري، ويحتمل أن يقال: المناسبة بينهما اشتراكهما في أن كلّ منهما
يحدث في العضو لوناً غير لونه الأصلي. قلت: في كله نظر أما قوله: فكأنهما حديثان
مستقلان، زعم بالظن والتخمين أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، واستدلاله على هذا الظن
بعدم إخراج مسلم وأبي داود الجملة الثانية استدلال فاسد، لأنه يلزم منه نسبة رواية
البخاري إلى زيادة لم يقلها رسول الله وي طير في هذا الحديث، ونسبة مسلم وأبي داود إلى
نقص شيء منه قاله وَلّ، بل هذا حديث مستقل كما رواه البخاري، والاقتصار في رواية
مسلم وأبي داود من الرواة. وأما قوله: ((ويحتمل أن يقال ... )) إلى آخره، احتمال بعيد
لأن دعواه المناسبة بين الجملتين بالاشتراك غير مطردة لأن إحداث العين اللون غير اللون
الأصلي غير مقصور على عضو، بل إحداثها يعم البدن كله، والوجه في المناسبة بين
الجملتين أن يقال: الظاهر أن قوماً سألوا النبي وَلّر عن العين، وقوماً آخرين سألوه عن
الوشم، في مجلس واحد، فأجاب النبي ◌َ ◌ّ لمن سأله عن العين بقوله: العين حق، ونهى
عن الوشم تنبيهاً لمن سأله عنه بأنه: لا يجوز، فحصل الجوابان في مجلس واحد، ورواه
أبو هريرة بالجملتين، ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع من النبي وَلقر أنه قال: العين حق،
وحضر في مجلس آخر سألوه عن الوشم فنهى عنه، ثم إن أبا هريرة رواه عند روايته
بالجمع بينهما لكونه سئل: هل له علم من العين والوشم؟ فقال: قال النبي ◌ُّ: العين حق
ونھی عن الوشم.

٣٩٨
٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٧ و٣٨)
٣٧ - بابُ رُقْيَةِ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية الرقية عند لدغ الحية والعقرب.
٥٧٤١/٥٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعيلَ، حدَّثنا عبْدُ الواحدِ، حدّثنا سُلَيْمانُ
الشَّيْبانِيُّ، حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ الأسْوَدِ عنْ أَبِيهِ قال: سَألْتُ عَائِشَةَ عنِ الرُّقْيَةِ منَ الحُمَةِ؟
فقالتْ: رَخَّصَ النبيُّ وَ ◌َّ فِي الرُّقْيَةِ مِنْ كُلِّ ذِي حُمَّةٍ. [الحديث: ٥٧٤٠ - طرفه في: ٥٩٤٤].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((الرقية من كل ذي حمة)) لأن الحمة كل شيء يلدغ
أو يلسع، قاله الخطابي، وقيل: هي شوكة العقرب، وقد مر الكلام فيه عن قريب، وهي
بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم بعدها هاء.
وعبد الواحد هو ابن زياد وسليمان الشيباني بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر
الحروف وبالباء الموحدة وبالنون، وكنيته أبو إسحاق، وعبد الرحمن بن الأسود يروي عن
أبيه الأسود بن يزيد النخعي.
والحديث أخرجه مسلم في الطب أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه النسائي
فیه عن محمد بن رافع وغيره.
قوله: ((رخص)) مشعر بأنه كان منهياً، ولعله نهاهم عنها لما عسى أن يكون فيها من
ألفاظ الجاهلية، فلما علم أنها عارية عنها أباح لهم، وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد
عن ابن شهاب قال: بلغني عن رجال من أهل العلم أنهم كانوا يقولون: إنه وَلّ نهى عن
الرقي حتى قدم المدينة، وكان الرقي في ذلك الزمن فيها كثير من كلام الشرك فلما قدم
المدينة لدغ رجل من أصحابه، قالوا: يا رسول الله! قد كان آل حزم يرقون من الحمة، فلما
نهيت عن الرقى تركوها، فقال ◌َلّ: ادعوا لي عمارة، وكان قد شهد بدراً، قال: اعرض
علي رقيتك، فعرضها عليه ولم ير بها بأساً وأذن له فيها.
٣٨ - بابُ رُقْيَةِ النّبِيِّ وَلـ
أي: هذا باب في بيان رقية النبي ◌َّر التي كان يرقي بها.
٥٧٤٢/٥٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا عبْدُ الوارِثِ عنْ عَبدِ العَزِيزِ قال: دَخَلْتُ أنا
وثابِتٌ عَلى أنَسِ بنِ مالِكِ فقال ثابتٌ: يابا حَمْزَةَ اشْتَكَيْتُ؟ فقال أنَسٌ: ألا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ
رسولِ اللهِ وَّ؟ قال: بَلَى. قال: اللهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْباسِ اشْفِ أنْتَ الشَّافِي لا
شافِيَ إلاَّ أنْتَ شِفاءَ لا يُغادِرُ سَقَماً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الوارث هو ابن سعد، وعبد العزيز هو ابن صهيب،
وثابت بالثاء المثلثة هو ابن أسلم البناني بضم الباء الموحدة وتخفيف النون الأولى.
والحديث أخرجه أبو داود أيضاً عن مسدد في الطب. وأخرجه الترمذي في الجنائز.

٣٩٩
٧٦ - كِتَابُ الطَّب / باب (٣٨)
وأخرجه النسائي في اليوم والليلة جميعاً عن قتيبة .
قوله: ((يا با حمزة)) أصله: يا أبا حمزة، فحذفت الألف للتخفيف وأبو حمزة كنية
أنس بن مالك. قوله: ((اشتكيت)) أي: مرضت قوله: ((ألا))، بتخفيف اللام للعرض
والتنبيه. قوله: ((أرقيك)) بفتح الهمزة. قوله: ((مذهب البأس))، على صورة اسم الفاعل،
ويروى: اذهب الباس بصورة الأمر من الإذهاب، والباس بالهمز في الأصل فحذفت
المؤاخاة، والباس الشدة والعذاب. قوله: ((اشف) أمر من شفى يشفي. قوله: ((أنت
الشافي))، قيل: يؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطين: أحدهما: أن
لا يكون في ذلك ما يوهم نقصاً. والآخر: أن يكون له أصل في القرآن، وهذا من ذاك،
فإن في القرآن: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] قلت: هذا الباب فيه خلاف،
منهم من قال: أسماء الله توقيفية فلا يجوز أن يسمى بما لم يسمع في الشرع، ومنهم من
قال: غير توقيفية، ولكن اشترطوا الشرط الأول فقط فافهم. قوله: ((لا شافي إلاَّ أنت))
إشارة إلى كل ما يقع من الدواء والتداوي، إن لم يصادف تقدير الله عز وجل، فلا ينجح.
قوله: ((شفاء)) منصوب بقوله: ((اشف))، وقال بعضهم: يجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ، أي
هو، قلت: هذا تصرف غير مستقيم على ما لا يخفى. قوله: ((لا يغادر سقماً)) هذه الجملة
صفة ل قوله: ((شفاء)) ومعنى: لا يغادر لا يترك، وسقماً بفتحتين مفعوله. ويجوز فيه ضم
السين وتسكين القاف.
٥٧٤٣/٥٨ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ، حدّثنا سُفيانُ، حدثني سُلَيْمانُ عنْ مُسْلِم عنْ
مسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عنها، أنَّ النبيَّ، وَّرَ، كانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ
اليُمْنى ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ ربَّ النَّاسِ أذْهِبِ الباسَ اشْفِه وأنْتَ الشَّافِي لاَ شِفَاءَ إلاَّ شِفاؤُوكَ
شِفَاءَ، لا يُغادِرُ سَقَماً)).
قال سُفْيانُ: حدَّثْتُ بِهِ مَنْصُوراً، فَحَدَّثَنِي عِنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ مَسْرُوق عنْ عَائِشَةً نحْوَهُ.
[انظر الحديث: ٥٦٧٥ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وعمرو بفتح العين ابن علي بن بحر الصيرفي البصري، وهو
شيخ مسلم أيضاً، ويحيى هو القطان، وسفيان هو الثوري، وسليمان هو الأعمش ومسلم
بضم الميم وسكون السين وكسر اللام. قال بعضهم هو أبو الضحى مشهور بكنيته أكثر من
اسمه، ثم قال: وجوز الكرماني أن يكون مسلم بن عمران لكونه يروي عن مسروق ويروي
الأعمش عنه، وهو تجويز عقلي محض يمجه سمع المحدث، على أني لم أر لمسلم بن
عمران البطين رواية عن مسروق. قلت: الذي قاله هذا القائل يمجه سمع كل أحد، ودعواه
أنه لم ير لمسلم بن عمران رواية عن مسروق باطلة، لأن جامع (رجال الصحيحين) ذكر فيه
مسلم بن أبي عمران، ويقال: ابن عمران، ويقال: ابن أبي عبد الله البطين، يكنى أبا
عبد الله سمع سعيد بن جبير عندهما، يعني: عند الشيخين، ومسروقاً عند البخاري،
وروى عنه الأعمش عندهما، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه -

٤٠٠
٧٦ - كِتَابُ الطُّب / باب (٣٨)
وكيف يدعي هذا المدعي بدعواه الفاسدة رداً على من سبقه في شرح هذا الحديث مشنعاً
عليه بسوء أدب قل كل يعمل على شاكلته؟.
والحديث أخرجه مسلم في الطب عن شيبان بن فروخ وغيره وأخرجه النسائي فيه
وفي اليوم والليلة عن محمد بن قدامة وعن آخرين.
قوله: ((يعوذ)) من التعويذ بالذال المعجمة. قوله: ((يمسح)) أي: يمسح على موضع
الوجع بيده اليمنى، قال الطبري: هو على طريق التفاؤل لزوال ذلك الوجع. قوله: ((لا
شفاء)) بالمد مبني على الفتح وخبره محذوف أي: لا شفاء حاصل لنا أو له إلاَّ بشفائكِ
قوله: ((إلاَّ شفاؤك)) بالرفع بدلاً من موضع: لا شفاء قوله: ((شفاء)» بالنصب على أنه مصدر:
اشفه .
قوله: ((قال سفيان)) هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((حدثت به)) أي: بهذا
الحديث ((منصوراً) يعني: ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي، والحاصل أن فيه طريقين:
طريق عن مسلم عن مسروق، وطريق عن إبراهيم عنه.
٥٧٤٤/٥٩ - حدّثنا أحمَدُ بنُ أبي رجاءٍ، حدثنا النَّضْرُ عنْ هِشام بنِ عُزْوَةَ، قال:
أخبرني أبي عنْ عَائِشَةَ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يَرْقِي، يَقُولُ: ((امْسَحِ الباسََ ربِّ النَّاسَ بِيَدِكَ
الشّفاءُ لا كاشِفَ لهُ إلاَّ أنْتَ)). [انظر الحديث ٥٦٧٥ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة وأحمد بن أبي رجاء بالجيم والمد واسمه عبد الله أبو الوليد
الحنفي الهروي، والنضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل، وهشام يروي عن
أبيه عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها - والحديث من أفراده.
قوله: ((يقول)) حال من الضمير الذي في: يرقي قوله: ((رب الناس)) أي: يا رب
الناس. قوله: ((لا كاشف له)) أي: للمرض أو للمريض الذي يرقي له، فقرينة الحال تدل
على ذلك.
٦٠/ ٥٧٤٥ - حدّثنا عَليُّ بنُ عَبْدِ الله، حدثنا سُفْيانُ قال: حدثني عبْدُ ربِّهِ بنُ
سَعيدٍ عنْ عَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أنَّ النبيِّ وَّرَ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ: ((بِسْمِ الله
تُزْبَةُ أَرْضِنا بِرِيقَة بَعْضِنا يُشْفَى سَقِيمُنا بِإِذْنِ رَبِّنا)). [انظر الحديث: ٥٧٤٥ - طرفه في: ٥٧٤٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة وعلي بن عبد الله بن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وعبد
ربه بإضافة عبد إلى ربه وإضافة الرب إلى الضمير هو الأنصاري أخو يحيى بن سعيد،
وعمرة هي بنت عبد الرحمن التابعية.
والحديث أخرجه مسلم في الطب أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره وأخرجه أبو
داود فيه عن زهير بن حرب وغيره. وأخرجه النسائي فيه وفي اليوم والليلة عن أبي قدامة
السرخسي. وأخرجه ابن ماجه في الطب عن أبي بكر بن أبي شيبة.