Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
٧٣ - كتابُ الأضاحِي / باب (١٦)
وهو ثقة، ثم وفق الطحاوي بين الروايتين المتنافيتين بما ذكرناه الآن بقولنا والجواب عن أثر
علي، رضي الله عنه.
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ نَحْوَهُ.
هذا ظاهره أنه معطوف على السند المذكور، فيكون من رواية حبان بن موسى عن
ابن المبارك عن معمر بن راشد، ويحتمل أن يكون معلقاً رواه الشافعي في (الأم) فقال:
حدثنا الثقة عن معمر فذكره. قوله: ((نحوه))، أي: نحو ما روى عن علي، رضي الله تعالى
عنه، وهو قوله: نهاکم أن تأكلوا لحوم نسککم فوق ثلاث.
٥٥٧٤/٢٨ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ
عَنْ ابنِ أخِي ابنِ شِهابٍ عَنْ عَمِّهِ ابنِ شهابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله
عَنْهُمَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((كُلُوا مِنَ الأضَاحِيِّ ثَلاثً». وَكَانَ عَبْدُ الله يَأْكُلُ بِالزَّيْتِ حِينَ
يَثْفِرُ مِنْ مِنَّى مِنْ أجْلٍ لُحُومِ الْهَدْيِ.
مطابقته للترجمة من حيث إنها تشمله كما ذكرنا في أول الباب. ومحمد بن
عبد الرحيم أبو يحيى كان يقال له: صاعقة، وهو من أفراده، وابن أخي ابن شهاب
محمد بن عبد الله بن مسلم يروي عن عمه ابن شهاب محمد بن مسلم الزهري عن
سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر، رضي الله عنهم.
والحديث من أفراده.
قوله: ((ثلاثاً)، أي: ثلاثة أيام. قوله: ((و کان عبد الله یأکل بالزيت))، أي: يأكل
الخبز بالزيت حتى يرجع من منّى احترازاً عن أكل لحوم الهدي، قيل: الهدي أخص من
الأضحية فلا يلزم منه أنه كان محترزاً من لحوم الضحايا. وأجيب: بأن ذكر الهدي لمناسبة
النفر من منّى. قوله: ((حين ينفر))، ووقع في رواية الكشميهني وحده: حتى ينفر بدل حين
وهو تصحيف لأنه مفسد المعنى لأن ابن عمر كان لا يأكل من لحم الأضحية بعد ثلاثة،
فكان إذا انقضت ثلاثة منّى انتدم بالزيت ولا يأكل اللحم تمسكاً بالأمر المذكور، وعلى
رواية الكشميهني ينعكس الأمر ويصير المعنى: كان يأكل الزيت إلى أن ينفر، فإذا نفر أكل
بغير الزيت فيدخل فيه لحم الأضحية. وقال الشافعي، رضي الله تعالى عنه: لم يبلغ النهي
علياً ولا عبد الله بن واقد ولو بلغهما ما حدثا بالنهي، والنهي منسوخ، بكل حال، والله
أعلم.
١

بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
٧٤ _ كِتابُ الأشْرِبَةِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الأشربة ما يحرم من ذلك وما يباح، وهي جمع
شراب وهو اسم لما يشرب وليس بمصدر لأن المصدر: هو الشرب بتثليث الشين يقال:
شرب الماء وغيره شُرباً وشَرباً وشِرباً، وقرىء ﴿فَشَرِبُونَ شُرْبَ الِمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] بالوجوه
الثلاثة، قال أبو عبيدة: الشرب بالفتح مصدر، وبالخفض والضم اسمان من: شرب.
١ - باب، وَقَوْلِ الله تَعَالَى:
﴿إِنََّا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[المائدة: ٩٠]
وقول الله بالجر عطف على الأشربة المجرورة بالإضافة، والآية بتمامها مذكورة في
رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر إلى قوله: ((رجس)) الآية. وأول الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
إِنَّمَا الْخَرُ وَالْمَيْسِرُ ... ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، وذكر البخاري هذه الآية تمهيداً لما يذكره من
الأحاديث التي وردت في الخمر، وقد ذكرناها في سورة المائدة، وسبب نزولها ما قال
الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن
عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بيِّن
لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ
قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيّن لنا في
الخمر بياناً شافياً. فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله وَّر، إذا قام إلى الصلاة ينادي أن لا يقرب
الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت
التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال
عمر: انتهينا انتهينا، وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل عن أبي
إسحاق، وصحح هذا الحديث الترمذي وعلي بن المديني. قوله: ((الخمر))، اختلف أهل
اللغة في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة المعاني، فقيل: سميت خمراً لأنها تخمر
العقل، أي: تغطيه وتستره، ومنه خمار المرأة لأنه يغطي رأسها وقيل: مشتقة من
٢٤٢

٢٤٣
٧٤ - كِتابُ الأشْرِيَةِ / باب (١)
المخامرة، وهي المخالطة لأنها تخالط العقل، وقيل: سميت خمراً لأنها تركت حتى
أدركت يقال: خمر العجين، أي: بلغ إدراكه، وقيل: سميت خمراً لتغطيتها الدماغ، وقال
أبو حنيفة: هي مؤنثة، وقد ذكر ذلك الفراء، وأنشد قول الأعشى:
ـط ممزوجة ماء زلال
وكان الخمر العتيق من الإسفنـ
وذكرها حيث قال: العتيق لإرادة الشراب، ولها أسماء كثيرة. وذكر صاحب (التلويح)
ما يناهز تسعين اسماً، وذكر ابن المعتز مائة وعشرين اسماً، وذكر ابن دحية مائة وتسعين
اسماً. قوله: ((والميسر)) القمار، وعن عطاء ومجاهد وطاوس: كل شيء من القمار فهو
الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز، وقال راشد بن سعيد وحمزة بن حبيب: حتى الكعاب
والجوز والبيض التي يلعب بها الصبيان. وقال الزمخشري: الميسر القمار مصدر من يسر
كالموعد والمرجع من فعلهما، يقال: يسرته إذا قمرته واشتقاقه من اليسر لأنه أخذ مال الرجل
بيسر وسهولة من غير تعب ولا كد، أو من اليسار لأنه يسلب يساره. قوله: ((والأنصاب))،
جمع نصب بضم الصاد وسكونها. وهو حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنماً
فيعبدونه، وقيل: كانوا ينصبونه ويذبحون عليه فيحمر بالدم. قوله: ((والأزلام)) جمع زلم وهو
بفتح الزاي، وهي عبارة عن قداح ثلاثة على أحدها: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي،
والثالث: عطل ليس عليه شيء، فإذا خرج الأمر فعله، وإذا خرج الناهي تركه، وإن طلع
الفارغ أعاد الاستقسام، وقيل: نعتت الخمر بأنها رِجْسٌ أي: نجسة وقذرة ولا عين توصف
بذلك إلاَّ وهي محرمة يدل على ذلك: الميتة والدم، والرجس قد ورد في كتاب الله عزّ وجلّ
والمراد به الكفر، قال الله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] يعني: الكفر،
ولا يصح أن يكون الرجس المذكور في آية الخمر يراد به الكفر، لأن الأعيان لا يصح أن
تكون إيماناً ولا كفراً، ولأن الخمر لو كانت كفراً لوجب أن يكون العصير إيماناً، لأن الكفر
والإيمان طريقهما الاعتقاد والقول، وإنما أطلق عليها الرجس لكونها أقوى في التحريم
وأوكد عند العلماء، وقد مر في التفسير بأبسط من هذا.
١/ ٥٥٧٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا مَالِكٌ، عَنْ نِافَعِ عَنْ عَبْدِ الله بنٍ
عُمَرَ، رَضِيَ الله عَنْهُما، أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَالَ: ((مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنَّيَّا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْها
حُرِمَها فِي الآخِرَةِ».
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث أخرجه مسلم في الأشربة أيضاً عن القعنبي
ويحيى بن يحيى فرقهما. وأخرجه النسائي فيه وفي الوليمة عن قتيبة وغيره.
قوله: ((حرمها)) بضم الحاء وكسر الراء المخففة على صيغة المجهول، وهو متعد إلى
المفعولين لأنه ضد أعطيت أي: لا يشربها كما قال تعالى: ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّارِبِنَ﴾
[محمد: ١٥]. فإن قلت: المعصية لا توجب حرمان الجنة. قلت: يدخلها ولا يشرب من
نهرها فإنها من فاخر شراب أهلها. فإن قلت: فيها كل ما تشتهي الأنفس. قلت: قيل: إنه
:

٢٤٤
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (١)
ينسى شهوتها، وقيل: لا يشتهيها وإن ذكرها. وقال القرطبي: ظاهر الحديث تأييد
التحريم، فإن دخل الجنة شرب من جميع أشربتها إلاَّ الخمر، ومع ذلك فلا يتألم لعدم
شربها ولا يحسد من يشربها، ويكون حاله كحال أصحاب المنازل في الخفض والرفعة،
فكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه لا يشتهيها أيضاً، وليس ذلك بعقوبة له. قال تعالى:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧]. وقيل: إنه يعذب في النار فإذا خرج من
النار بالرحمة أو بالشفاعة ودخل الجنة لم يحرم شيئاً، وكذا قولنا: في لبس الحرير والشرب
في آنية الذهب والفضة. وقال أبو عمر: قال بعض من تقدم: إن من شرب الخمر ثم لم
يتب منها لم يدخل الجنة، وهو مذهب غير مرضي عندنا إلا إذا كان على القطع في إنفاذ
الوعيد، ومحمله عندنا أنه لا يدخل الجنة إلاَّ أن يغفر الله له إذا مات غير تائب منها كسائر
الكبائر، وكذلك قولهم: لم يشربها في الآخرة، معناه عندنا: إلاَّ أن يغفر الله له فيدخل
الجنة ويشربها، وهو عندنا في المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، فإن عذبه بذنبه ثم
أدخله الجنة برحمته لم يحرمها إن شاء الله عز وجل.
٥٥٧٦/٢ - حدَّثنا أبو اليَمانِ، أخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي سَعِيدُ بنُ
المُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ، رَضِيَ الله عَنْهُ: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ، أَتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإيلياءَ
بِقَدَحَيْنٍ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَتَظَرَ إِلَيْهِمَا ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ
لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَخَذَتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. [انظر الحديث ٣٣٩٤ - وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. قيل: محل الترجمة قوله: ((غوت أمتك)). وأبو اليمان بفتح
الياء آخر الحروف الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي.
والحديث أخرجه بقية الستة بأسانيد مختلفة. وقال الترمذي: رواه مالك، رحمه الله
تعالى، عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، موقوفاً ولم يرفعه، وفيه نظر.
قوله: ((أتي)) على صيغة المجهول. قوله: ((بإيلياء)) بكسر الهمزة وسكون الياء آخر
الحروف الخفيفة مع المد وهو اسم مدينة بيت المقدس، وقيل: بالقصر والمعنى: عرض
ذلك عليه وَ ر، كان بإيلياء، وقيل: جيء بثلاثة أقداح: قدح من عسل وقدحان من خمر
ولبن، وأجيب بأن عرض القدحين في إيلياء وعرض الثلاثة عند رفعه إلى سدرة المنتهى.
قوله: ((للفطرة)) أي: للإسلام والاستقامة. قوله: ((ولو أخذت الخمر غوت أمتك)) أي:
ضلت وانهمكت في الشرب ولكن بلطف الله تعالى اختار اللبن لكونه سهلاً طيباً طاهراً
سائغاً للشاربين سليم العاقبة .
وفيه: استحباب حمد الله تعالى عند تجدد النعمة وحصول ما كان يتوقع حصوله،
واندفاع ما كان يخاف وقوعه.
تَابَعَهُ مَعْمَرٍ وَابْنُ الهَادِ وَعُثْمَانُ بنُ عُمَرَ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهرِيِّ.
أي: تابع شعيباً في روايته عن الزهري معمر بفتح الميمين ابن راشد وابن الهاد هو

...
٢٤٥
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَةِ / باب (١)
يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، وعثمان بن عمر بن موسى بن عبد الله بن
عبيد الله بن معمر التيمي، والزبيدي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر
الحروف وبالدال المهملة محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الشامي الحمصي، والزبيدي
هذا ما وقع مع هؤلاء المذكورين إلاَّ في غير رواية أبي ذر، أما متابعة معمر فوصلها
البخاري في قصة موسى من أحاديث الأنبياء عليهم السلام، وليس فيه ذكر إيلياء، وفيه
إشرب أيهما شئت، فأخذت اللبن وشربته، وأما رواية ابن الهاد فوصلها الكسائي من طريق
الليث عنه عن عبد الوهاب بن بخت عن ابن شهاب وهو الزهري، فعلى هذا قد سقط ذكر
عبد الوهاب من الأصل بين ابن الهاد وابن شهاب، على أن ابن الهاد قد روى عن الزهري
أحاديث بغير واسطة، ووصله أحمد من طريق ابن الهاد عن الزهري بغير واسطة، وأما
رواية عثمان بن عمر فوصلها تمام الرازي في فوائده من طريق إبراهيم بن المنذر عن
عثمان بن عمر، وأما رواية الزبيدي فوصلها النسائي من طريق محمد بن حرب عنه، لكن
لیس فیه ذکر إیلیاء.
٥٥٧٧/٣ - حدَّثْنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ، حدَّثنا هِشَامٌ، حدَّثنا فَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ، رَضِيّ
الله عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ، حَدِيثاً لا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي، قَالَ: ((مِنْ أَشْرَاطٍ
السَّاعَةِ أنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزَّنِى، وَتُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَتَكْفُرَ
النِّسَاءَ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةَ قَيُّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ)). [انظر الحديث ٨٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وتشرب الخمر)) وهشام هو الدستوائي، والحديث من
أفراده وقد مر في كتاب العلم في: باب رفع العلم وظهور الجهل.
قوله: ((لا يحدثكم به غيري)) إنما قال هذا إما لأنه كان آخر من بقي من الصحابة
ئمة، أو لأنه عرف أنه لم يسمع من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، غيره.
قوله: ((من أشراط الساعة)) أي: من علاماتها وهو جمع شرط بفتح الراء. قوله: ((ويشرب
الخمر)) أي: ظاهراً علانية، وفي رواية الكشميهني: وشرب الخمر، بلفظ المصدر
وبالإضافة، ورواية الجماعة أولى للمشاكلة. قوله: ((ويقل الرجال)) لكثرة الحروب ولقتال
الرجال فيها. قوله: ((حتى يكون لخمسين)) وفي رواية الكشميهني: حتى يكون خمسون
امرأة «قیمھن رجل واحد».
٥٥٧٨/٤ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ صَالِح، حدَّثنا ابنُ وَهَبٍ قَالَ: أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابنِ
شِهاب، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا سَلَمَةَ بنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَابْنِ المُسَيَّبِ يَقُولانِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ،
رَضِيَ الله عَنْهُ، إِنَّ النبيَّ وَِّ، قَالَ: ((لا يَزْنِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ
يَشْرَبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ)).
قَالَ ابْنُ شِهابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدَ المَلِكِ بنِ أبِي بَكْرٍ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بِنِ الحَارِثِ بنِ

٢٤٦
٧٤ - كِتابُ الأَشْرِبَةِ / باب (١)
هِشَام أنَّ أبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ وَلا يَنْتَهِبُ
نُهْبَةٍ ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أبْصَارَهُمْ فِيها حِينَ يَنْتَهِبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ [انظر الحديث ٢٤٧٥ -
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) وأحمد بن
صالح أبو جعفر المصري، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري، ويونس بن يزيد
الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
والحديث مر في كتاب المظالم في : باب النهي بغير إذن صاحبه، فإنه أخرجه هناك عن
سعيد بن عفير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي
هريرة، رضي الله تعالى عنه، إلى آخره. وأخرجه مسلم في الإيمان عن حرملة بن يحيى عن
ابن وهب إلى آخره.
قوله: ((وابن المسيب)) هو سعيد بن المسيب. قوله: ((يقولان) في موضع الحال.
قوله: ((لا يزني حين يزني)) وقع في أكثر الروايات، هكذا بلا ذكر فاعل لا يزني، أي: لا
يزني المؤمن، أو: لا يزني الزاني أو: لا يزني الرجل، وقال ابن مالك: فيه دلالة على
جواز حذف الفاعل. قلت: الأصل عدم جواز حذفه إلاَّ عند قيام قرينة قطعية تدل على
ذلك، وهنا كذلك. قوله: ((ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)). وقال ابن بطال:
هذا أشد ما ورد في شرب الخمر، وبه تعلق الخوارج فكفّروا مرتكب الكبيرة عامداً عالماً
بالتحريم، وحمل أهل السنة الإيمان هنا على الكامل، أي: لا يكون كاملاً في الإيمان حالة
كونه في شرب الخمر، قيل: هو من باب التغليظ والتهديد العظيم نحو قوله تعالى: ﴿وَمَن
كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال الخطابي: أي: من فعل ذلك مستحلاً
له. قلت: وكذلك المعنى في كل ما ورد من هذا القبيل، فمن ذلك ما رواه ابن منده بإسناده
عن أبي موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه، أن النبي بَّر، قال: ثلاثة لا يدخلون
الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر. وروى ابن أبي حاتم من حديث
حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس يرفعه: من لقي الله وهو مدمن خمر كان
كعابد الوثن، وروى ابن أبي عدي من حديث أبي هريرة يرفعه: مدمن الخمر كعابد الوثن.
قوله: ((قال ابن شهاب)) هو موصول بالسند المذكور قوله: ((أن أبا بكر)» هو والد
عبد الملك. قوله: ((يلحق)) بضم الياء من الإلحاق، ومعنى الإلحاق أنه كان يزيد ذلك في
حديث أبي هريرة. قوله: ((معهن)) أي: مع المذكورات، وهي الزنى وشرب الخمر
والسرقة. قوله: ((نهبة)) بفتح النون وهو مصدر وبضم النون المال المنهوب. قوله: ((ذات
شرف)) أي: مكان عالٍ يعني: لا يأخذ الرجل مال الناس قهراً وظلماً، مكابرة وعلواً،
وعياناً وهم ينظرون إليه فيتضرعون ولا يقدرون على دفعه، وقد مرت مباحثه في كتاب
المظالم .

٢٤٧
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِيَةِ / باب (٢)
٢ - بابٌ الخَمْرُ مِنَ العِنَبِ
قوله: ((الخمر من العنب)) يحتمل وجهين من حيث الإعراب: أحدهما: أن يكون لفظ
باب مضافاً إلى الخمر، فالتقدير: هذا باب في بيان الخمر من العنب، أي: الخمر الكائنة
من العنب وهذا لا ينافي أن يكون خمر من غير العنب. والآخر: أن يكون الخمر مرفوعاً
بالابتداء، ومن العنب، خبره، وهذا صورته صورة الحصر وهو يمشي على مذهب أبي
حنيفة، فإن مذهبه: الخمر هي ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، والخمر من غير
العنب لا يسمى خمراً حقيقة، وعلى مذهب غيره لا يراد منه الحصر، وإن كانت صورته
صورة الحصر كما في قوله عليه السلام: الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة، رواه
مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فإن ظاهره يقتضي أن ينحصر الخمر على
هاتين الشجرتين، لأن قوله: الخمر اسم للجنس فاستوعب بذلك جميع ما يسمى خمراً،
فانتفى بذلك أن يكون الخارج منهما أن يسمى باسم الخمر، مع أنه ورد في حديث ابن
عمر: نزل تحريم الخمر: وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل،
على ما يجيء عن قريب، فإن كان الأمر كذلك يؤوَّل الحديث. وقد أولوه بتأويلات.
الأول: أن يكون المراد من قوله: من هاتين الشجرتين، إحداهما كما في قوله عز
وجل: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. والرسل من الإنس لا
من الجن، وقوله عز وجل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُ وَالْمَرْحَاثُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من
أحدهما فيكون المقصود من قوله: الخمر، هي الكائنة من العنب لا من النخلة، وكذلك
الكلام في حديث ابن عمر المذكور.
الثاني: أن يكون عنى به الشجرتين جميعاً، ويكون ما خمر من ثمرهما خمراً.
والثالث: أن يكون المراد كون الخمر من هاتين الشجرتين وإن كانت مختلفة، ولكن
المراد من العنب هو الذي يفهم منه الخمر حقيقة، ولهذا يسمى خمراً سواء كان قليلاً أو
كثيراً، أسكر أو لم يسكر، أو يكون المراد من التمر ما يكون مسكراً فلا يكون غير المسكر
منه داخلاً فيه، وكذا الكلام في كل ما جاء من إطلاق الخمر على غير العنب. فإن قلت:
كل ما أسكر يطلق عليه أنه خمر، ألاّ ترى حديث ابن عمر عن النبي وَّر، أنه قال: كل
مسكر خمر، وكل مسكر حرام. قلت: المعنى في هذا الخبر وفيما جاء مثله من الأخبار أنه
يسمى خمراً حالة وجود السكر دون غيره، بخلاف ماء العنب المشتد فإنه خمر سواء أسكر
أو لم يسكر، والدليل قوله، عليه السلام: الخمر ما خامر العقل، على ما يجيء عن
قريب، فإنه إنما يسمى خمراً عند مخامرته العقل، بخلاف ماء العنب المشتد، وهذا هو
التحقيق في هذا المقام، فإني ما رأيت أحداً من الشراح حرر هذا الموضع، بل أكثرهم
غضوا عنه عيونهم، غير أني رأيت في (شرح ابن بطال) كذا ذكر باب الخمر من العنب
وغيره، فإن صح هذا من البخاري فلا يحتاج إلى كلام أصلاً وإلاّ فالمخلص فيه ما ذكرناه
.

٢٤٨
٧٤ - كِتابُ الأشْرِيَّةِ / باب (٢)
مما فتح لنا من الفيض الإلهي، فله الشكر والمنة
٥٥٧٩/٥ - حدّثنا الحَسَنُ بنُ صَبَّاحِ، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ سابِقٍ، حدثنا مالِكٌ هُوَ ابنُ
مِغْوَل عنْ نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ ، رضي الله تعالى عنهما، قال: لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بالْمَدِينَةِ
مِنْها شَيْءٌ. [انظر الحديث: ٤٦١٦].
مطابقته للترجمة من حيث إن المطلق لا يحمل إلاَّ على المأخوذ من العنب.
والحسن بن صباح، بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة: البزار بالزاي ثم الراء
الواسطي، ومحمد بن سابق من شيوخ البخاري، وروى عنه هنا بالواسطة، ومالك هو ابن
مغول بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو وباللام البجلي بالباء الموحدة والجيم
المفتوحتين، وذكره دفعاً للالتباس بمالك بن أنس.
قوله: ((لقد حرمت)) على صيغة المجهول من التحريم وتحريم الخمر كان في سنة
الفتح قبل الفتح، وجزم الدمياطي أنه كان في سنة الحديبية، والحديبية كانت سنة ست،
وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أحد وذلك سنة أربع على
الراجح، وفيه نظر لأن أنساً كان الساقي يوم حرمت وأنه لما سمع تحريمها بادر، فأراقها
فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك. قوله: ((وما بالمدينة)) أي: وما في
المدينة ((منها))، أي: من الخمر ((شيء)) ومراده الخمر التي من ماء العنب لأن غيرها من
الأنبذة من غير العنب كانت موجودة حينئذٍ، والدليل عليه ما في حديث أنس الآتي عقيبه،
أو أن ابن عمر نفى بمقتضى علمه من ذلك، أو أراد المبالغة في النفي كما يقال: فلان ليس
بشيء.
٦/ ٥٥٨٠ - حدّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ، حدثنا أبُو شِهابٍ، عَبْدُ رَبِّهِ بنُ نافِعِ عنْ يُونُسَ
عنْ ثابِتِ البُنانِيِّ عنْ أَنَسٍ، قال: حُرِّمَتْ عَلَيْنا الخَمْرُ، حِينَ حُرِّمَتْ، وما نَجِّدُ - يَعْني:
بالمَدِينَةِ - خَمْرَ الأعْنابِ إلََّّ قَلِيلاً، وعامَّةُ خَمْرِنا البُسْرُ والتَّمْرُ. [انظر الحديث: ٢٤٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي
اليربوعي الكوفي، وهو شيخ مسلم أيضاً، وأبو شهاب هو كنية عبد ربه بإضافة العبد إلى
الرب ابن نافع الحناط بالحاء المهملة والنون المشددة المدايني، ويونس هو ابن عبيد
البصري، وثابت - ضد الزائل - ابن أسلم البصري أبو محمد ونسبته إلى بنانة بضم الباء
الموحدة وتخفيف النونين، وهي زوجة سعد بن لؤي بن غالب بن فهر، فنسب بنوها
إليها، وقيل: كانت أمة لسعد حضنت بنيه، وقيل: كانت حاضنة بنته. والحديث من
أفراده.
قوله: ((وما نجد بالمدينة)) أي: في المدينة. قوله: ((وعامة خمرنا البسر والتمر)) البسر
هو المرتبة الرابعة لثمرة النخل: أولها طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب، والخلال
بكسر الخاء المعجمة جمع خلالة بالفتح، وقال ابن الأثير: هو البسر أول إدراكه، وقال

٢٤٩
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِيَةِ / باب (٢)
الكرماني: الخمر مائع والبسر جامد فكيف يكون هو إياه؟ قلت: هو مجاز عن الشراب الذي
يؤخذ منه عكس: أراني أعصر خمراً، أو ثمة إضمار أي: عامة أصل خمرنا. فإن قلت:
تقدم أنه قال: ما بالمدينة فيها شيء، فكيف قال: عامة خمرنا؟ قلت: المراد بقوله فيها خمر
العنب إذ هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، أو المطلق محمول عليها. وفي (التوضيح)
في هذا الحديث، وفي الذي بعده رد على الكوفيين في قولهم: إن الخمر من العنب
خاصة، وإن كل شراب يتخذ من غيره فغير محرم ما دون المسكر منه. قلت: فيما ذكرنا في
أول الباب يرد ما قاله فراجع إليه، تعرف المردود ما هو، وقال المهلب أيضاً: ليس لأحد
أن يقول: إن الخمر من العنب وحده فهؤلاء الصحابة فصحاء العرب والفهماء عن الله
ورسوله، قالوا: إن الخمر من خمسة أشياء، وقد أخبر الفاروق بذلك حكاية عما نزل من
القرآن، وقال: الخمر ما خامر العقل، وخطب بذلك على منبره وَلقره بحضرة الصحابة من
المهاجرين والأنصار وغيرهم ولم ينكره أحد فصار كالإجماع. قلت: كل من لا يفهم دقة ما
قاله الكوفيون رد عليهم برد مردود، وقول الكوفيين: الخمر من العنب وحده لا ينافي قول
الصحابة إن الخمر من خمسة أشياء ولا يضر فصاحتهم لأنهم استعملوا في كلامهم الحقيقة
والمجاز وهو عين الفصاحة، ولا يفرق بينهما من كلام الصحابة إلاّ من له ذوق من إدراك
دقائق الكلام. وقوله: ((فصار كالإجماع)) فيه نظر قوي، وقال صاحب (التوضيح) وروي
عن ابن مسعود أنه قال في نقيع التمر: إنه خمر، وقال الشعبي وابن أبي ليلى والنخعي
والحسن البصري وعبد الله بن إدريس ومالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك والشافعي
وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، المسكر خمر. قلت: إطلاقهم الخمر على هذه
الأشياء ليس من طريق الحقيقة، وإنما قالوا: خمر، لمخامرته العقل، ونحن نقول به من
هذه الحيثية، وقد مر تحقيقه عن قريب، وقال أيضاً: قال أبو حنيفة: المحرم عصير العنب
النيىء فمن شرب منها ولو نقطة حد وما عداها لا يحد إلاّ بالسكر، وموضع الرد عليه من
الحديث أنهم كانوا يشربون بالمدينة الفضيخ، وهو ما يتخذ من البسر والتمر، فلما جاءهم
منادي رسول الله، وَل*ر: إن الخمر قد حرمت، امتنعوا وكسروا الجرار ولم ينكروا، ولا
قالوا: كنا نشرب الفضيخ، بل امتنعوا، فلولا أنه عندهم خمر لما امتنعوا منه. قلت: هو لم
يحرر موضع الرد، حتى رد على الإمام، والفضيخ الذي كانوا يشربونه حينئذٍ كان مسكراً،
والمسكر يطلق عليه اسم الخمر باعتبار مخامرته العقل لأن حقيقة الخمر من العنب النيىء
المشتد حتى يتعلق به الحد في قليله، وغير ماء العنب من الأشياء المذكورة لا يتعلق الحد
إلاَّ بالمسكر منها.
٥٥٨١/٧ - حدّثنا مُسَدِّدٌ، حدثنا يَحْيىَ عنْ أبي حَيَّنَ، حدثنا عامِرٌ عن ابنِ عُمَرَ،
رضي الله عنهما، قال: قامَ عُمَرُ عَلى المِنْبَرِ، فقال: أمَّا بَعْدُ! نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وهْيَ مِنْ
خَمْسَةٍ: العِنَبِ، والتّمْرِ، والعَسَلِ، والحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والخمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ. [انظر
الحديث: ٤٦١٩ وأطرافه].

٢٥٠
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَّةِ / باب (٣)
مطابقته للترجمة على تقدير صحة النسخة: باب الخمر من العنب وغيره، كما في
(شرح ابن بطال) ظاهرة. وأما على غالب النسخ بدون لفظ: وغيره، فعلى كون لفظ :
باب، مضافاً إلى الخمر من العنب، ولا يراد به الحصر كما ذكرنا وجهه في أول الباب،
ويدخل فيه كل ما يخامر العقل.
ويحيى هو القطان، وأبو حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالنون
اسمه يحيى بن سعيد التيمي الكوفي، وعامر هو الشعبي يروي عن عبد الله بن عمر، رضي
الله عنهما .
والحديث مضى في تفسير سورة المائدة، ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((أما بعد نزل))
والقياس أن يقال: فقد نزل، ولكن جاء حذف الفاء كما في كتاب الحج، قال: فأما الذين
جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافاً واحداً. قوله: ((ما خامر العقل)) أي: كتم وغطى،
وهذا تعريف بحسب العرف وأما بحسب اللغة فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة.
٣ - بابٌ نَزَّلَ تَحْرِيمُ الخَفْرِ وَهْيَ مِنَ البُسْرِ والتَّمْرِ
أي: هذا باب يذكر فيه أنه نزل تحريم الخمر ... إلى آخره. قوله: وهي أي:
والحال أن الخمر كان يصنع من البسر والتمر.
٥٥٨٢/٨ - حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ عَبْدِ الله، قال: حدثني مالِكُ بنُ أَنَسٍ عنْ
إِسْحاقَ بنِ عِبْدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ، رضيَ الله عنه، قال: كُنْتُ أسقِي أبا
عُبَيْدَةَ وأبا طَلْحَةَ وأُبَيَّ بنَ كَعْبٍ مِن فَضِيخِ زَهْوِ وتَمْرٍ، فَجَاءَهُمْ آتٍ، فقال: إنَّ الخَمْرَ قَدْ
حُرِّمَتْ. فقال أبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ فأهْرِقُهَا، فَأَهْرَقْتُها. [انظر الحديث: ٢٤٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((من فضيخ زهو)) والفضيخ بفتح الفاء وكسر الضاد
المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالخاء المعجمة وهو اسم للبسر إذا شدخ ونبذ، وقد
يقال: الفضيخ، من الفضخ وهو الشدخ والكسر: شراب يتخذ من البسر ويصب عليه الماء
ويترك حتى يغلي. قوله: (زهو) بفتح الزاي وسكون الهاء وبالواو، وقد يضم الزاي وهو
البسر الملون الذي ظهر فيه الحمرة والصفرة.
وإسماعيل هو ابن أبي أويس واسمه عبد الله ابن أخت مالك بن أنس، وقد تكرر
ذكره. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في خبر الواحد عن يحيى بن قزعة. وأخرجه مسلم
في الأشربة أيضاً عن أبي الطاهر بن السرح.
قوله: ((أبا عبيدة)) هو ابن الجراح واسمه عامر أحد العشرة المبشرة، وأبو طلحة
زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس، رضي الله تعالى عنهم، واسم أم أنس: أم سليم،
كذا اقتصر في هذه الرواية على هؤلاء الثلاثة، فأما أبو طلحة فلكون القصة كانت في منزله،
وأما أبو عبيدة فلأن النبي بَّر، آخى بينه وبين أبي طلحة، وأما أبي بن كعب فلأنه كان كبير

٢٥١
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِيَةِ / باب (٣)
الأنصار وعالمهم، ووقع في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس في تفسير المائدة: إني
القائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً، كذا وقع بالإبهام، وسمى في رواية مسلم منهم أبا
أيوب، وسيأتي بعد أبواب من رواية هشام عن قتادة عن أنس: إني لأسقي أبا طلحة وأبا
دجانة وسهيل بن بيضاء، وأبو دجانة بضم الدال المهملة وتخفيف الجيم وبعد الألف نون
اسمه سماك بن خرشة بمعجمتين بينهما راء مفتوحات، ولمسلم من طريق سعيد عن قتادة
نحوه وسمى فيهم: معاذ بن جبل، ولأحمد عن يحيى القطان عن حميد عن أنس كنت
أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ونفراً من الصحابة عند أبي طلحة ووقع
عند عبد الرزاق عن معمر عن ثابت وقتادة وغيرهما عن أنس أن القوم كانوا أحد عشر
رجلاً، ووقع عند ابن مردويه في تفسيره من طريق عيسى بن لهمان عن أنس أن أبا بكر
وعمر، رضي الله تعالى عنهما، كانا فيهم وهو منكر جداً، وقيل: إنه غلط، وقد أخرج أبو
نعيم في (الحلية) من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: حرم أبو بكر، رضي الله
تعالى عنه، الخمر على نفسه فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام، فإن قلت: سند حديث ابن
مردويه جيد. قلت: إن كان محفوظاً يحتمل أن أبا بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم
ولم يشربا. قوله: ((من فضيخ زهو)) وقد فسرناه عن قريب. قوله: ((فجاءهم آت)) لم يدر
من هو. قوله: ((فأهرقها)) أمر من الإهراق، وأصله أرِقها من الإراقة، ويروى: فهرقها،
بفتح الهاء وكسر الراء أي: أرقها فأبدلت الهمزة هاء، وكذلك الكلام في: أهرقها وهرقتها،
ووقع في رواية ثابت عن أنس في التفسير بلفظ: فإهراقها، ومن رواية عبد العزيز بن
صهيب عن أنس، فقالوا: أرِق هذه القلال يا أنس، وهذا محمول على أن المخاطب له
بذلك أبو طلحة، ورضي الباقون بذلك، فنسب الأمر بالإراقة إليهم جميعاً.
٩/ ٥٥٨٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا مُعْتَمِرٌ عن أبِيهِ قال: سَمِعْتُ أنَساً قال: كُنْتُ قائماً
عَلى الحَيِّ أسْقِيهِمْ عُمُومَتي، وأنا أصْغَرُهُمُ. الفَضِيخَ، فَقيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فقالُوا:
إكْفِتْها، فَكَفَأْنَا. قُلْتُ لأَنَسِ: ما شَرَابُهُمْ؟ قال: رُطَبْ وبُسْرٌ، فقال أبو بَكْر بنُ أَنَسٍ:
وكانَتْ خَمْرُهُمْ، فَلَمْ يُتْكِرْ أَسٌِّ .
وحدّثني بَعْضُ أصْحابي أنَّهُ سَمِعَ أنَساً يَقُولُ: كانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئذٍ.
[انظر الحديث: ٢٤٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وبسر)). ومعتمر هو ابن سليمان يروي عن أبيه
سليمان بن طرخان البصري.
والحديث أخرجه مسلم في الأشربة أيضاً عن يحيى بن أيوب وغيره. وأخرجه
النسائي فيه وفي الوليمة عن سويد بن نصر. قوله: ((كنت قائماً على الحي أسقيهم عمومتي))
الحي: واحد أحياء العرب. قوله: (عمومتي)) جمع عم، قال الكرماني: عمومتي بدل عن
الضمير، أو منصوب على الاختصاص، وفي رواية مسلم. إني لقائم على الحي ـ على

٢٥٢
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَةِ / باب (٤)
عمومتي - أسقيهم من فضيخ لهم وأنا أصغرهم سناً، وهذا أحسن من ذاك. وفيه: أن
الصغير يخدم الكبير. قوله: إكفئها)) بكسر الهمزة وسكون الكاف وكسر الفاء وسكون
الهمزة بمعنى: إقلبها، يعني: أرقها. قوله: ((فكفأنا)) لجماعة المتكلم من الماضي أي:
قلبناها. قوله: ((قلت لأنس)) القائل هو سليمان والد معتمر الراوي. قوله: ((وقال أبو بكر))
هو ابن أنس بن مالك في حضور أبيه، فكانت خمرهم أي: الفضيخ كانت خمرهم، ووجه
التأنيث مع أن المذكور الشراب باعتبار أنه خمر. قوله: فلم يذكر أنس)) وفي رواية مسلم:
فلم ينكر أنس ذلك، وكأن أنساً لم يحدثهم بهذه الزيادة وهي قوله: ((وكانت خمرهم)) إما
نسياناً وإما اختصاراً، فذكره به ابنه أبو بكر فأقره عليها أنس.
قوله: ((وحدثني بعض أصحابي)) القائل بهذا أيضاً سليمان المذكور، ويروي: بعض
أصحابنا وهو موصول بالسند الأول المذكور، قيل: هذا المبهم يحتمل أن يكون بكر بن
عبد الله المزني، فإن روايته في آخر الباب تومىء إلى ذلك، ويحتمل أن يكون قتادة،
وسيأتي بعد أبواب من طريقه عن أنس بلفظ: وأنا نعدها يومئذ الخمر.
٥٥٨٤/١٠ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المُقَدِّمِيُّ، حدثنا يُوسُفُ أبُو مَعْشَرِ البَرَّاءُ
قال: سَمِعْتُ سَعيدَ بنَ عُبَيْدِ الله، قال: حدثني بَكْرُ بنُ عبدِ الله، أنَّ أنسَ بن مالِكِ حدَّثَهُمْ:
أنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ والخَمْرُ يَوْمَئِذِ الْبُسرُ والتَّمْرُ. [انظر الحديث: ٢٤٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والمقدمى بفتح الدال المشددة مر عن قريب، ويوسف هو
ابن يزيد وكنيته أبو بشر وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه، ويقال له أيضاً: القطان، وكان
مشهوراً أيضاً بالبراء بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء وبالمد، وكان يبري السهام وهو
بصري وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في الطب سيأتي إن شاء الله تعالى،
وسعيد بن عبيد الله بن جبير بالجيم والباء الموحدة ابن حية بالحاء المهملة وتشديد الياء
آخر الحروف، وما له أيضاً في البخاري إلاَّ هذا الحديث، وآخر تقدم في الجزية، وبكر بن
عبد الله المزني البصري، وهو من أفراده.
قوله: ((حرمت)) على صيغة المجهول من التحريم. قوله: ((والخمر))، الواو فيه
للحال، وفي (التوضيح): هذا الحديث أيضاً حجة على العراقيين، إنما الخمر من العنب
وحده لأن الصحابة القدوة في علم اللسان ولا يجوز عليهم أن يفهموا أن الخمر إنما هي
من العنب خاصة، قلت: قد تكرر هذا الكلام في هذه الأبواب بلا فائدة، والذي قاله نقص
في حقهم لنسبته إياهم إلى عدم المعرفة بفنون الكلام وهم القدوة في فنون الكلام، وإنما
قالوا الغير المتخذ من العنب خمراً للتشبيه بالمتخذ منه في مخالطة العقل، وقد حققنا هذا
الموضع فیما مضی عن قريب.
٤ - بابٌ الخَمْرُ منَ العَسَلِ وهوَ البِتعُ
الكلام فيه مثل الكلام في: باب الخمر من العنب في الوجوه التي ذكرناها. قوله

٢٥٣
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٤)
((وهو البتع)) بكسر الباء الموحدة وسكون التاء المثناة من فوق وبالعين المهملة، قال القزاز:
وهو يتخذ من عسل النحل صلب يكره شربه لدخوله في جملة ما يكره من الأشربة لفعله
وصلابته، وفي كتاب (الواعي) صلابته كصلابة الخمر، وقال أبو حنيفة: البتع خمر يمانية
وأهل اليمن يفتحون تاءه، وقال ابن محيريز: سمعت أبا موسى يخطب على منبر البصرة:
ألا إن خمر أهل المدينة البسر والتمر، وخمر أهل فارس العنب، وخمر أهل اليمن البتع،
وخمر الحبش السكركة وهو الأرز.
وقال مَعْنٌ: سألْتُ مالِكَ بنَ أنَسِ عنِ الفُقَّاعِ؟ فقال: إذا لَمْ يُسْكِزْ فَلاَ بأسَ، وقال ابنُ
الدَّرَاوَردِيِّ: سألْنا عَنْهُ فقالوا: لا يُسْكِزُ لا بأس بهِ.
معن بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالنون ابن عيسى القزاز بالقاف وتشديد الزاي
الأولى، قال ابن سعد: مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة. وقال صاحب
(التلويح): هذا التعليق أخذه البخاري عن معن مذاكرة فيما قاله بعض العلماء. قلت: كيف
يتصور أخذ البخاري عن معن ومولده في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وكان عمره يوم
مات معن أربع سنين؟ وكأنه غره ما حكاه ابن الصلاح في تعاليق البخاري عن شيوخه
مطلقاً، لا في خصوص هذا الأثر، وأراد ببعض العلماء ابن الصلاح، وأبعد صاحب
(التوضيح) حيث قال: أخذ البخاري هذا التعليق عن معن مذاكرة، وهو قلد صاحب
(التلويح) وزاد في البعد مسافة، قوله: ((عن الفقاع)) بضم الفاء وتشديد القاف وبالعين
المهملة، قال الكرماني: المشروب المشهور. قلت: الفقاع لا يشرب بل يمص من كوزه،
وقال بعضهم: الفقاع معروف قد يصنع من العسل، وأكثر ما يصنع من الزبيب. قلت: لم
يقل أحد إن الفقاع يصنع من العسل، بل أهل الشام يصنعونه من الدبس، وفي عامة البلاد
ما يصنع إلاَّ من الزبيب المدقوق، وحكم شربه ما قاله مالك: إن لم يسكر لا بأس به،
والفقاع لا يسكر، نعم إذا بات في إنائه الذي يصنعونه فيه ليلة في الصيف أو ليلتين في
الشتاء يشتد جداً، ومع هذا لا يسكر، وقد سئل بعض مشايخنا: ما قول السادة العلماء في
فقاع يتخذ من زبيب بحيث إنه إذا قلع سداد كوزه لا يبقى فيه شيء من شدته يخرج وينتثر؟
فقال: لا بأس به، وأما إذا صار بحال بحيث أنه يسكر من شدته فيحرم حينئذٍ قليلاً كان أو
كثيراً. قوله: ((وقال ابن الدراوردي)) هو عبد العزيز بن محمد، وهذا من رواية معن بن
عيسى عنه أيضاً. والظاهر أن ابن الدراوردي سأل عن فقهاء أهل المدينة في زمانه، وهو قد
شارك مالكاً في لقاء أكثر مشايخه المدنيين.
١١/ ٥٥٨٥ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرَنا مالِكٌ عن ابنِ شهَابٍ عنْ أبي
سَلَمَةَ بنِ عِبْدِ الرَّحْمُنِ أنَّ عَائِشَةً قَالَتْ: سُئِلَ رسولُ اللهِ وَّهِ، عن البِتْع فقال: ((كُلُّ شَرَابٍ
أَسْكَرَ فَهْوَ حرَامٌ)). [انظر الحديث: ٢٤٢ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وقد مضى في كتاب الطهارة في: باب لا يجوز الوضوء

٢٥٤
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٤)
بالنبيذ، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله عن سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن
عائشة عن النبي 83* قال: كل شراب أسكر فهو حرام، ولم يعرف اسم السائل صريحاً.
قيل: يحتمل أن يكون السائل أبا موسى الأشعري لأن النبي ◌َّ بعثه إلى اليمن فسأله، عليه
السلام، عن أشربة تصنع بها، فقال: ما هي؟ قال: البتع والمزر، فقال: كل مسكر حرام.
١٢/ ٥٥٨٦ - حدّثنا أبُو اليَمانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بنُ عبد الرَّحْمُنِ أنَّ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالَتْ: سُئِلَ رسولُ اللهِ وََّ عَنِ البِتْعِ،
وهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وكانَ أهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهَوَ
حرام)) .
[انظر الحديث: ٢٤٢ وطرفه].
٥٥٨٧ _ وعَنِ الزُّهْريِّ قال: حدّثني أنَسُ بنُ مالِكِ أنَّ رسولَ اللهِ وَلّ قال: ((لا
تَنْتَبِذُوا في الدُّباءِ ولا في المُزَفَّتِ)).
وكانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ معَهما الحَنْتَمَ والنَّقِيرَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب بن أبي
حمزة الحمصي، يروي عن محمد بن مسلم الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن
عوف .
والحديث مضى في الطهارة مختصراً في: باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ، وقد ذكرناه
عن قريب.
قوله: ((كل شراب أسكرٍ)) من جوامع الكلم لأنه سئل عن البتع وأجاب عن جنس
المشروب المسكر.
قوله: ((وعن الزهري)) هو من رواية شعيب أيضاً عن الزهري، وهو موصول بالإسناد
المذكور. قوله: ((في الدباء)) بضم الدال وتشديد الباء الموحدة وبالمد وهو القرع. قوله:
((والمزفت)) بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المفتوحة وهو الإناء المزفت بالزفت، وهو
شيء كالقیر.
قوله: ((وكان أبو هريرة)» القائل بهذا هو الزهري، وقع ذلك عند شعيب عنه مرسلاً.
وأخرجه مسلم والنسائي من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أبي عيينة عن أبي سلمة عن
أبي هريرة بلفظ: لا تنتبذوا في الدباء ولا في المزفت، ثم يقول أبو هريرة: ((واجتنبوا
الحناتم))، ورفعه من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وزاد فيه: والدباء.
قوله: ((يلحق)) بضم الياء من الإلحاق. قوله: ((معهما)) أي: مع الدباء والمزفت. قوله:
((الحنتم)) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق، وهي الجرة
الخضراء، والنقير بفتح النون وكسر القاف وهو الخشب المنقور، وخصت هذه الظروف

٢٥٥
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَةِ / باب (٥)
بالنهي لأنها ظروف منبذة فإذا انتبذ صاحبها كان على خطر منها لأن الشراب فيها قد يصير
مسكراً وهو لا يشعر بها.
٥ - بابُ ما جاءَ في أنَّ الخَمْرَ ما خامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء من الأخبار في أن الخمر هو ما خامر العقل من شرب
الشراب .
٥٥٨٨/١٣ - حدّثنا أحمَدُ بنُ أبي رَجاءٍ، حدثنا يحيى عن أبي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ عن
الشّعْبِيِّ عن ابنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: خَطَبَ عُمَرُ عَلى مِثْبَرِ رسولِ اللهِ وَل﴿ فقال:
إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تحْرِيمُ الخَمْرِ، وهْيَ مِنْ خَمْسَةِ أشْياءَ: العِنَبِ والتمْر، والحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ،
والعسَلِ. والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ، وثَلاَثٌ وَدِذْتُ أنَّ رسولَ اللهِّوَ لَمْ يُفارِقُنا حَتَّى يَعْهَدَ
إِلَيْنا عَهَداً: الجَدُّ، والكَلاَلَةُ، وأبْوَابُ مِنْ أَبُوابِ الرِّبا؟ قال: قُلْتُ: يا أبا عَمْرو! فَشَيءٌ
يُصْنَعُ بالسِّنْدِ منَ الرُّزْ؟ قال: ذَاكَ لمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النبيِّ وَّهِ. أَوْ قال: عَلَى عَهْدِ عُمَرَ.
وقال حجَّاجْ عنْ حمَّادٍ عن أبي حَيَّنَ مكانَ العِنَبِ: الزَّبِيبَ. [انظر الحديث: ٤٦١٩
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((والخمر ما خامر العقل)) وأحمد بن أبي رجاء بالجيم اسمه
عبد الله بن أيوب أبو الوليد الحنفي الهروي، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وأبو حيان بفتح
الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالنون واسمه يحيى بن سعيد التيمي، والشعبي
عامر بن شراحيل.
والحديث قد مضى في تفسير سورة المائدة فإنه أخرجه هناك إلى قوله: ((والخمر ما
خامر العقل)). وأخرجه أيضاً في الاعتصام. وأخرجه بقية الجماعة غير ابن ماجه، ومضى
الكلام فيه .
قوله: ((قد نزل تحريم الخمر)) أراد به عمر، رضي الله تعالى عنه، نزول الآية
المذكورة في أول كتاب الأشربة وهي آية المائدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَاَلْمَيْسِرُ﴾
[المائدة: ٩٠] الآية. وقال بعضهم: أراد عمر، رضي الله تعالى عنه، التنبيه على أن المراد
بالخمر في هذه الآية ليس خاصاً بالمتخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها. قلت:
نعم يتناول غير المتخذ من العنب من حيث التشبيه لا من حيث الحقيقة. قوله: ((وهي من
خمسة أشياء)) جملة حالية لا تقتضي الحصر ولا ينبغي إطلاق الخمرية على نبيذ الذرة
والأرز وغيرهما، وقال الخطابي: إنما عد عمر، رضي الله عنه، هذه الأنواع الخمسة
لاشتهار أسمائها في زمانه، ولم يكن يوجد بالمدينة الوجود العام فإن الحنطة كانت عزيزة
والعسل مثلها أو أعز، فعد عمر، رضي الله عنه، ما عرف منها، وجعل ما في معناها مما
يتخذ من الأرز وغيره خمر بمثابتها إن كان مما يخامر العقل ويسكر كإسكارها. قوله:

٢٥٦
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٥)
((والخمر ما خامر العقل)) أي: غطاه وخالطه، ولم يتركه على حاله، وهو من مجاز التشبيه.
وقال الكرماني: فيه دليل على إحداث الاسم بالقياس وأخذه من طريق الاشتقاق. قلت: هذا
الباب فيه خلاف. وقيل: هذا تعريف بحسب اللغة لا بحسب العرف فإنه بحسبه ما يخامر
العقل من عصير العنب خاصة. قلت: لا نسلم أن هذا التعريف بحسب اللغة، بل هو
تعريف بحسب العرف، وهذا القائل عكس الأمر فيه لأن الأصل في خمر العنب رعاية
المعنى اللغوي، وفي العرف لا يستعمل في غيره إلاَّ بطريق المجاز. قوله: ((وثلاث)) قال
بعضهم: هي صفة موصوف أي: أمور أو أحكام. قلت: الموجه أن يقال: أي ثلاث قضايا
أو ثلاث مسائل. قوله: ((وددت)) أي: تمنيت، وإنما تمنى ذلك لأنه أبعد من محذور
الاجتهاد فيه وهو الخطأ فيه على تقدير وقوعه، ولو كان مأجوراً عليه فإنه يفوته بذلك الأجر
الثاني، والعمل بالنص إصابة محضة. قوله: ((لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهداً) أي: حتى
يبين لنا، وفي رواية مسلم: عهداً ننتهي إليه قوله: ((الجد)) أي: الأول من الثلاث الجد أي:
مسألة الجد في أنه يحجب الأخ أو ينحجب به أو يقاسمه وفي قدر ما يرثه لأن الصحابة
اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، فروي عن عبيدة أنه قال: حفظت عن عمر، رضي الله عنه، في
الجد سبعين قضية كلها يخالف بعضها بعضاً، وعن عمر أنه جمع الصحابة ليجتمعوا في
الجد على قول، فسقطت حية من السقف فتفرقوا، فقال عمر، رضي الله عنه، أبى الله إلاّ
أن يختلفوا في الجد، وقال علي، رضي الله تعالى عنه: من أراد أن يفتح جراثيم جهنم
فليقض في الجد، يريد أصولها، والجراثيم جمع جرثومة وهي الأصل. وقال أبو بكر وابن
الزبير وابن عباس وعائشة وأبو موسى، رضي الله تعالى عنهم: هو يحجب الأخوة. وبه قال
أبو حنيفة، وقال زيد: هو كأحد الأخوة ما لم تنقصه المقاسمة، فإذا أنقصته أعطي الثلث
وقسموا للأخوة ما بقي، وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي، وروي عن علي، رضي الله
تعالى عنه: هو أخ معهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث. قوله: ((والكلالة)) أي: والثاني
من الثلاث مسألة الكلالة، بفتح الكاف وتخفيف اللام: وهو من لا ولد له ولا والد، قاله
أبو بكر وعمر وعلي وزيد وابن مسعود والمدنیون والبصریون والکوفیون، وروي عن ابن
عباس: هو من لا ولد له وإن كان له والد، وقال شيخنا أمين الدين في (شرحه للسراجية):
الكلالة تطلق على ثلاثة: على من لم يخلف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس يولد ولا والد
من المخلفين، وعلى القرابة من جهة الولد والوالد، قال: وهو في الأصل مصدر بمعنى
الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها
بالإضافة إلى قرابتهما ضعيفة، وإذا جعل صفة للموروث أو الوارث فبمعنى ذي كلالة، كما
يقال: فلان من قرابتي أي: من ذي قرابتي. قوله: ((وأبواب من أبواب الربا)) الثالث من
الثلاث، وأبواب الربا كثيرة غير محصورة حتى قال بعضهم: لا ربا إلا في النسيئة، وقول
عمر، رضي الله عنه: وأبواب، يدل على أنه كان عنده نص في بعض أبوابه دون بعض
ولهذا تمنى معرفة البعض. قوله: ((يا با عمرو)) وأصله يا أبا عمرو حذفت الألف للتخفيف

٢٥٧
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِيَةِ / باب (٥)
وهو كنية الشعبي، والقائل بهذا أبو حيان التيمي. قوله: ((وشيء)) مبتدأ تخصص بالصفة
وهو قوله: ((يصنع)) وخبره محذوف تقديره: وشيء يصنع بالسند من الأرز ما حكمه؟
والسند بكسر السين المهملة وسكون النون، وبالدال المهملة وهي بلاد بالقرب من الهند.
قوله: ((من الرز)) ويروى: من الأرز. قال الجوهري: الأرز حب وفيه ست لغات: أرز وأرز
تتبع الضمة الضمة، وأرز وأرز مثل رسل ورسل، ورز ورنز، وهي لعبد القيس. قلت: وفيه
لغة سابعة: أرز بفتح الهمزة مع تخفيف الزاي، كعضد. قوله: ((ذاك)) أي: الذي يصنع من
الرز لم يكن موجوداً في المدينة أو معروفاً على زمن النبي وَ ﴾. قوله: ((أو قال)» شك من
الراوي .
قوله: ((وقال حجاج عن حماد)) أي: حجاج بن منهال، وهو شيخ البخاري عن
حماد بن سلمة عن أبي حيان المذكور في الحديث مكان العنب الزبيب، يعني: روى هذا
الحديث عن أبي حيان بهذا السند والمتن فذكر الزبيب عوض العنب وذكر البخاري هذا عن
الحجاج مذاكرة، ووصله علي بن عبد العزيز في (مسنده) عن حجاج بن منهال كذلك.
٥٥٨٩/١٤ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ، حدثنا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ الله بنِ أبي السَّفَرِ عنِ
الشَّعْبِيِّ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ عُمَر. قال: الخَمْرُ تُصْنَعُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الزبِيبِ، والتمْرِ،
والحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والعَسَلِ. [انظر الحديث: ٤٦١٩ وأطرافه].
هذا طريق آخر أخرجه عن حفص بن عمر بن الحارث أبو عمر الحوضي النمري
الأزدي عن شعبة بن الحجاج عن عبد الله بن أبي السفر - ضد الحضر - واسمه سعيد
محمد الهمداني الكوفي يروي عن عامر الشعبي عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنهما، ومر الكلام في: باب الخمر من العنب، في حديث عمر
مثل هذا، لكن هناك العنب أحد الخمسة، وهنا الزبيب، وقد قلنا غير مرة: إن التنصيص
على عدد معين لا ينافي ما عداه، وإن إطلاق الخمر على غير ماء العنب المشتد ليس بطريق
الحقيقة، وإنما هو من: باب التشبيه، وقال بعضهم: وقال صاحب (الهداية) من الحنفية:
الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وهو معروف عند أهل اللغة وأهل العلم.
قال: وقيل: هو اسم لكل مسكر لقوله بَّ ر: كل مسكر خمر، وقوله: ((الخمر من هاتين
الشجرتين)) ولأنه من مخامرة العقل وذلك موجود في كل مسكر، ولنا: إطباق أهل اللغة
على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر استعمالها فيه، ولأن تحريم الخمر قطعي
وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظني، قال: وإنما سمي الخمر خمراً لتخمره لا لمخامرة
العقل. قال: ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصاً به، كما في النجم فإنه مشتق من الظهور ثم
هو خاص بالثريا. انتهى. ثم قال: هذا القائل: والجواب عن الحجة الأولى وأطال الكلام
به كما نذكره ونرد عليه، ثم قال: وعن الثانية وعن الثالثة كذلك نذكرهما ونرد عليه. قلت:
أما أولاً فذكر صاحب (الهداية) عشرة أوجه في ثبوت ما ادعاه من إطلاق اسم الخمر على
عصير العنب إذا غلا واشتد هو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم، وبين وجه كل وجه
عمدة القاري / ج٢١ - ١٧٠

٢٥٨
٧٤ - كِتَابُ الأشْرِبَةِ / باب (٥)
من العشرة، وهذا القائل المعترض اعترض على ثلاثة أوجه منها وسكت عن الباقي لعدم
الإدراك الكامل والفهم الناقص. بيان الوجه الأول: من ذلك هو قوله: والجواب عن الحجة
الأولى ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمراً، وقال
الخطابي: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلاَّ من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة
الذين سموا غير المتخذ من العنب خمراً عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحاً لما
أطلقوه. انتهى. قلت: سبحان الله! كيف يكون هذا الكلام جواباً عن الحجة الأولى وبيان
بطلانه من وجوه.
الأول: قوله ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة إلى آخره، دعوى مجردة، فمن هو
ذلك البعض من أهل اللغة؟ بل المنقول من أهل اللغة أن الخمر من العنب والمتخذ من
غيره لا يسمى خمراً إلاَّ مجازاً، وقد نفى أبو الأسود الدؤلي الذي هو من أعيان أهل اللغة
اسم الخمر عن الطلاء، بقوله.
رأيت أخاها مغنياً لمكانها
دع الخمر يشربها الغواة فإنني
وجعل الطلاء أخاً للخمر، وأخو الشيء غيره والطلاء كل ما خثر من الأشربة وهو
المثلث، ويقال: المنصف، وكل ذلك بالطبخ من أي عصير كان. الثاني: استدل بقول
الخطابي، وهو ليس من أهل اللغة، وإنما هو ناقل. والثالث: هو أن قوله: إن الصحابة
الذين سموا ... إلى آخره، لا ينكره أحد ولا ينكر أحد أيضاً كونهم فصحاء وأعيان أهل
اللغة، ولكن ما أطلقوا على العصير من غير العنب خمراً بطريق الوضع اللغوي بل بطريق
التسمية، والتسمية غير الوضع بلا خلاف، ووجه تسميتهم من باب التشبيه والمجاز، ومن
جملة ما قال في الجواب عن الحجة الأولى: وقال أهل المدينة وسائر الحجازيين وأهل
الحديث كلهم: كل مسكر خمر، فنقول نحن: لا ننازع في هذا لأن معناه: كل شراب
أسكر فحكمه حكم الخمر في الحرمة وبقية الأحكام، فلا يدل هذا على إطلاق الخمر على
المتخذ من غير العنب خمراً على الحقيقة، بل بطريق التشبيه والتشبيه لا عموم له، وقال
أيضاً: ومن الحجة لهم أن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة، وهم أهل اللسان،
أن كل شيء يسمى خمراً يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب ولم يخصوا
ذلك بالمتخذ من العنب. انتهى. قلنا: إنما أراقوا المتخذ من التمر والرطب لأنه كان
مسكراً حينئذٍ، فأطلقوا عليه الخمر من جهة إسكاره. والدليل على أنه كان مسكراً حين
بلغهم الخبر بتحريم الخمر ما رواه أبو عاصم بلفظ: حين مالت رؤوسهم، فدخل فقال: إن
الخمر حرمت. قال: فما خرج منا خارج ولا دخل داخل حتى كسرنا القلال وأهرقنا
الشراب ... الحديث، فلو كان غير مسكر لما فعلوا ذلك. وروى الطحاوي من حديث
أنس قال: كان أبو عبيدة بن الجراح وسهيل بن بيضاء وأبي بن كعب عند أبي طلحة وأنا
أسقيهم من شراب حتى كاد يأخذ فيهم ... الحديث، وفي آخره: وإنها البسر والتمر، وإنها
الخمرنا يومئذٍ، ورواه أحمد أيضاً، وفيه أيضاً: حتى كاد الشراب أن يأخذ فيهم، وفي رواية

٢٥٩
٧٤ - كِتابُ الأَشْرِبَةِ / باب (٥)
للطحاوي: حتى أسرعت فيهم، فهذا ينادي بأعلى صوته أن مشروبهم يومئذٍ كان مسكراً،
ولما بلغهم الخبر بتحريم الخمر أبطلوا الشراب وأراقوا ما بقي منه.
وبيان الوجه الثاني من ذلك هو قوله: وعن الثانية يعني: الجواب عن الحجة الثانية ما
تقدم من أن اختلاف المشتركين في الحكم في الغلظ لا يلزم منه افتراقهما في التسمية
كالزنى مثلاً، فإنه يصدق على من وطىء أجنبية، وعلى من وطىء امرأة جاره. والثاني
أغلظ من الأول، وعلى من وطىء محرماً له وهو أغلظ، واسم الزنى مع ذلك شامل
للثلاثة. اهـ. قلنا: سبحان الله ما أبعد هذا الجواب بشيء ونحن قائلون به، وذلك أن
الاشتراك في الحكم في الغلظ لا يستلزم افتراقهما في التسمية عند وجود السكر في العصير
المتخذ من غير العنب، فمن قال: إن العصير المتخذ من غير العنب قبل السكر مشترك مع
عصير العنب المشتد في الحكم؟ وكيف يكون ذلك والعصير المتخذ من غير العنب قبل
السكر لا يسمى حراماً فضلاً عن أن يسمى خمراً، بخلاف العصير من العنب المشتد فإنه
حرام أسكر أو لم يسكر؟ فأنَّى يشتركان في الحكم، والزنى حرام في كل حالة مطلقاً من
غير تفصيل.
وبيان الوجه الثالث من ذلك هو قوله وعن الثالثة: أي الجواب عن الحجة الثالثة
ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو، كيف؟ وهو يستجيز أن يقول: لا
المخامرة العقل مع قول عمر، رضي الله تعالى عنه، بمحضر الصحابة: الخمر ما خامر
العقل، وكان مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة فيحمل قول عمر على المجاز. اهـ.
قلنا: قول صاحب (الهداية) فإنما سمي خمراً لتخمره لا لمخامرته العقل غير معارض لكلام
عمر، رضي الله تعالى عنه، فإن مراده من حيث الاشتقاق لأن الخمر ثلاثي فكيف يشتق من
المخامرة الذي هو مزيد الثلاثي؟ وإنكاره من هذه الجهة على أنه قال بعد ذلك: على أن ما
ذكرتم لا ينافي كون اسم الخمر خاصاً في النّىء من ماء العنب إذا أسكر، فإن النجم مشتق
من الظهور وهو اسم خاص للنجم المعروف وهو الثريا، وليس هو باسم لكل ما ظهر،
وهذا كثير النظائر نحو: القارورة فإنها مشتقة من القرار وليست اسماً لكل ما يقرر فيه شيء
ولم أر أحداً من شراح (الهداية) حرر هذا الموضع كما ينبغي، وقد بسطنا الكلام فيه بما فيه
الكفاية ولله الحمد.
وملخص الكلام بما فيه الرد على كل من رد على أصحابنا فيما قالوه من إطلاق
الخمر حقيقة على النّىء من ماء العنب المشتد وعلى غيره مجازاً وتشبيهاً، منهم: أبو عمرو
القرطبي والخطابي والبيهقي وغيرهم بما رواه الطحاوي عن ابن عباس بإسناد صحيح، قال:
حرمت الخمرة بعينها والمسكر من كل شراب، وروى أيضاً من حديث ابن شهاب عن ابن
أبي ليلى عن عيسى: أن أباه بعثه إلى أنس، رضي الله تعالى عنه، في حاجة فأبصر عنده
طلاء شديداً، والطلاء مما يسكر كثيره، فلم يكن عند أنس ذلك خمراً وإن كثيره يسكر
فثبت بذلك أن الخمر لم يكن عند أنس من كل شراب يسكر، ولكنها من خاص من

٢٦٠
٧٤ - كِتابُ الأشْرِبَةِ / باب (٦)
الأشربة، وهذا يدل على أن أنساً كان يشرب الطلاء، ومع هذا قال الرافعي: ذهب أكثر
الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يتخذ من العنب مجاز في غيره، وقال بعضهم: وخالفه
ابن الرفعة فنقل عن المزني وابن أبي هريرة وأكثر الأصحاب أن الجميع يسمى خمراً حقيقة.
قلت: هذا القائل لم يدر الفرق بين الرافعي وابن الرفعة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٦ - بابُ ما جاءَ فِيمَن يَسْتَحِلُّ الخَفْرَ ويُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِه
أي: هذا باب في بيان ما جاء في حق من يرى الخمر حلالاً. قوله: ((ويسميه)) أي:
يسمي الخمر أي: وفي بيان من يسمي الخمر بغير اسمه، وإنما ذكر ضمير الخمر بالتذكير
مع أن الخمر مؤنث سماعي باعتبار الشراب. قال الكرماني: ويروى يسميها بغير اسمها
يعني: بتأنيث الضمير على الأصل.
٥٥٩٠ - وقال هِشامُ بنُ عَمَّارٍ: حدثنا صَدَقَةُ بنُ خالِدٍ، حدثنا عبدُ الرَّحْمُنِ بنُ
يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، حدثنا عَطِيَّةُ بنُ قَيْسِ الكِلاَبِيّ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ غَنْمِ الأشْعَرِيُّ قال:
حدّثنِي أَبُو عامِرٍ - أوْ أَبُو مالِكِ الأشْعَرِيُّ - والله ما كَذَّبَنِي، سَمِعَ النبيِّ ◌ََّ،َ يَقُولُ: ((لِيَكُونَنَّ
مِنْ أُمَِّي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُونَ الحِرَ والحَرِيرَ والخَمْرَ والمَعازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَّامٌ إلى جَتْبٍ عَلَم
يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ - يَعْني: الفَقِيرَ لحاجَةٍ - فَيَقُولُون: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَداً فَيُبَيْتُهُمَّ
الله، وَيَضَعُ العَلَمَ، ويَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وختَازِيرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
مطابقة الجزء الأول للترجمة ظاهرة، وليس فيه ما يطابق الجزء الثاني. قيل: أشار
بقوله ((ويسميه)) بغير اسمه إلى حديث روي في ذلك، ولكنه لم يخرجه لكونه على غير
شرطه، وهو ما رواه أبو داود من طريق مالك بن أبي مريم عن أبي مالك الأشعري عن
النبي پے، لیشربنَّ ناس الخمر يسمونها بغير اسمها، وصححه ابن حبان، وروى ابن أبي
شيبة من حديث أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله وَل# يقول: يشرب ناس من أمتي
الخمر يسمونها بغير اسمها، وصححه ابن حبان، وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي مالك
الأشعري أنه سمع رسول الله وَّالله يقول: يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها
يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة
والخنازير.
قوله: وقال هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي الدمشقي، وهو
أحد مشايخ البخاري وروى عنه في فضل أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وفي البيوع أسند
عنه في هذين الموضعين، وفي ثلاث مواضع يقول: قال هشام بن عمار في الأشربة هذا،
وفي المغازي: إن الناس كانوا مع رسول الله وَلقر، يوم الحديبية تفرقوا في ظلال شجر،
وفي قوله وَّر: لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، ففي هذه المواضع الثلاثة لا يقول:
حدثنا ولا أخبرنا، والظاهر أنه أخذ هذا الحديث عن هشام هذا مذاكرة.