Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ ٧٢ - كِتَابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (٤) هذا طريق آخر في الحديث المذكور قبله، أخرجه عن قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن همام بتشديد الميم ابن الحارث النخعي الكوفي. قوله: ((كل ما خزق))، بفتح الخاء المعجمة والزاي بعدها قاف أي: نفذ يقال: سهم خازق أي: نافذ، ويقال: خسق، بالسين المهملة أيضاً إذا أصاب الرمية ونفذ منها وخزق يخزق خزوقاً وسهم خازق وخاسق، وقال ابن التين: خزق أصاب بحده وأصل الخزق في اللغة الطعن. قوله: ((وما أصاب بعرضه))، بفتح العين يعني: بغير طرفه الحاد فلا تأكل، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، وقال الشعبي وابن جبير: يؤكل إذا خزق وبلغ المقاتل، وقال ابن بطال: وذهب الأوزاعي ومكحول وفقهاء الشام إلى جواز أكل ما قتل بالمعراض خزقه أو لم يخزق وكان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد لا يريان به بأساً. ٤ - بَابُ: صَيْدِ القوس أي: هذا باب في بيان حكم الصيد بالقوس، والقوس يذكر ويؤنث، فمن أنه يقول في تصغيره، قويسة، ومن ذكره يقول: أسفل قويس ويجمع علی قسي وأقواس وقياس، وقال أبو عبيدة منشداً. ووتر الأساود القياسا والقوس أيضاً بقية التمر في الحلة والقوس برج في السماء وتقول: قست الشيء بغيره وعلى غيره أقيس قيساً وقياساً فانقاس إذا قدرته على مثاله. وَقَالَ الحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ: إِذَا ضَرَبَ صَيْداً فَبَانَ مِنْهُ يَدْ أوْ رِجُلٌ لا تَأْكُلُ الَّذِي بَانَ وَتَأْكُلُ سَائِرَهُ. قيل: لا وجه لإيراد الأثر المذكور في هذا الباب قلت: له وجه لأنه يمكن ضرب صيد بسهم قوس فأبان منه يده أو رجله. والحسن هو البصري، وإبراهيم هو النخعي أما أثر الحسن فأخرجه ابن أبي شيبة عن هشيم عن يونس عنه في رجل ضرب صيداً فأبان منه يداً أو رجلاً، وهو حي ثم مات تأكله ولا تأكل ما بان منه إلاَّ أن تضربه فتقطعه فيموت من ساعته فإذا كان ذلك فلتأكله كله وفي (الأشراف) عن الحسن خلاف هذا، قال في الصيد يقطع منه عضو، قال: يأكله جميعاً ما بان وما بقي وأما أثر إبراهيم فأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً: حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة. قال: إذا ضرب رجل الصيد فبان عضو منه ترك ما سقط وأكل ما بقي، وإبراهيم لما روى هذا ولم يعترض عليه بشيء فكأنه رضيه. قوله: ((سائره))، أي: باقيه، وقيل: لا يستعمل سائره إلاَّ بمعنى جميعه، وليس كذلك بل اللغة الفصيحة أنه يستعمل بمعنى باقيه قلَّ الباقي أو كثر. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ إذَا ضَرَبْتَ عُنْقَهُ أَوْ وَسَطَهُ فَكُلْهُ. ١٤٢ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (٤) أي: قال إبراهيم النخعي. قوله: ((أو وسطه))، بفتح السين المهملة لأنه اسم لمعنى ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة. وَقَالَ الأعْمَشُ عَنْ زَيْدٍ : اسْتَعْصَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ الله حِمَارٌ فَأَمَرَهُمْ أنْ يَضْرِبُوهُ حَيْثُ تَسَّرَ، دَعُوا مَا سَقَطَ مِنْهُ وَكُلُوهُ. الأعمش سليمان، وزيد هو ابن وهب، وعبد الله هو ابن مسعود، وهذا التعليق وصله أبو بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: سئل ابن مسعود عن رجل ضرب رجل حمار وحشي فقطعها فقال: دعوا ما سقط وذكوا ما بقي وكلوه، وحكاه ابن أبي شيبة أيضاً عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، من حديث الحارث عنه، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وقتادة وعطاء: لا تأكل العضو وذَكُ، الصيد وكله. وقال عكرمة: إن عدا حياً بعد سقوط العضو منه فلا تأكل العضو، وذك الصيد وكله، وإن مات حين ضرب فكله كله وبه قال قتادة وأبو ثور والشافعي: كذلك قال: إذا كان لا يعيش بعد ضربه ساعة أو مدة أكثر منها. وفي (التمهيد) عن مالك: إن قطع عضوه لا يؤكل العضو، وأكل الباقي. وقال الشافعي: إن قطع قطعتين أكله وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى إذا مات من تلك الضربة. وقال أبو حنيفة والثوري: إذا قطعه نصفين أكلا جميعاً وإن قطع الثلث فإن كان مما يلي الرأس أكله جميعه، وإن كان من الذي يلي العجز أكل الثلثين مما يلي الرأس ولا يأكل الثلث الذي يلي العجز. ٥٤٧٨/١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ، حدَّثنا حَيْوَةُ، قَالَ: أخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بنُ يَزِيدَ الدّمَشْقِيُّ عَنْ أبِي إِذْرِيس عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشْنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيِّ الله! إِنَّا بِأرضٍ قَوْمٍ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ، أفَتَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ! وَبِأَرْضِ صَيْد أصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُغَلِم، وَبِكَّلْبِي المُعَلَّم، فَمَا يَضْلُحُ لِي؟ قَالَ: ((أمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أهْلِ الكِتابِ؟ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تَأْكُلُوا فِيها، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوها وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْت اسْمَ الله فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ. فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرٍ مُعلّم فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ)) . مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبد الله بن يزيد - من الزيادة - والمقري، وحيوة بن شريح - مصغر شرح - بالشين المعجمة والراء المصري أبو زرعة، وربيعة بن يزيد - من الزيادة - الدمشقي القصير، وأبو إدريس عائذ الله بالذال المعجمة الخولاني، وأبو ثعلبة بلفظ الحيوان المشهور الخشني بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين وبالنون نسبة إلى خشين بن النمر بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وفي اسمه واسم أبيه خلاف، والأكثر على أنه: جرهم بضم الجيم والهاء وسكون الراء، ابن ناشم بالنون وكسر الشين المعجمة وهو من المبايعين تحت الشجرة مات سنة خمس وسبعين. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الذبائح عن أبي عاصم في موضعين منه على ما ١٤٣ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (٤) يجيء وعن أحمد بن أبي رجاء وأخرجه الترمذي في الصيد عن هناد وغيره وأخرجه أبو داود فيه عن هناد بقصة الكلب وأخرجه الترمذي في السير عن هناد بقصة الآنية. وأخرجه النسائي في الصيد عن محمد بن عبيد بقصة القوس والكلب. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن المثنى بتمامه. قوله: ((أنا بأرض قوم)) يعني: بالشام وكانت جماعة من قبائل العرب سكنوا الشام وتنصروا منهم: آل غسان وتنوخ وبهراء وبطون من قضاعة. منهم: بنو خشين من آل أبي ثعلبة قوله: ((في آنيتهم)) جمع إناء وفي (المغرب) الإناء وعاء الماء، وجمع التقليل آنية والتكثير: الأواني. ونظيره سوار وأسورة وأساور. واستفتى أبو ثعلبة المذكور رسول الله وَلتر، عن مسألتين: الأولى: عن الأكل في آنية أهل الكتاب فأجاب النبي ◌َّهه بقوله: ((فإن وجدتم غيرها)) أي: غير آنية أهل الكتاب فلا تأكلوا فيها وإلا فاغسلوها وكلوا فيها. وهذا التفصيل يقتضي كراهة استعمالها إن وجد غيرها مع أن الفقهاء قالوا بجواز استعمالها بعد الغسل بلا كراهة سواء وجد غيرها أو لا وأجيب بأن المراد النهي عن الآنية التي يطبخون فيها لحوم الخنازير ويشربون فيها الخمور، وإنما نهى عنها بعد الغسل للاستقذار وكونها معدة للنجاسة، ومراد الفقهاء أواني الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات غالباً. قلت: التحقيق في هذا أن في حديث أبي ثعلبة هذا ترجيح الظاهر على الأصل لأن الأصل في آنية أهل الكتاب والمجوس الطهارة، ومع هذا فقد أمر بغسلها عند عدم وجود غيرها. والصحيح أن الحكم للأصل حتى تتحقق النجاسة ثم يحتاج إلى الجواب عن الحديث فأجيب بجوابين: أحدهما: أن الأمر بالغسل للاحتياط والاستحباب. والثاني: أن المراد بالحديث حالة تحقق نجاستها، ويدل عليه قوله في رواية أبي داود: إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فقال رسول الله وَّالر: ((إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء وكلوا واشربوا)». فافهم. المسألة الثانية: عن الصيد بالقوس وبالكلب المعلم وغير المعلم فأجاب بقوله: ((وما صدت)) إلى آخر. ويستفاد منه أحكام. الأول: فيه جواز الصيد بالقوس إذا ذكر اسم الله عليه، وفي رواية أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابياً يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله! إن لي كلاباً معلمة ... الحديث، وفيه: افتني في قوسي، قال: كل ما ردت عليك قوسك ذكياً وغير ذكي، قال: وإن تغيب عني؟ قال: وإن تغيب عنك ما لم يصل أو تجد فيه أثر غير سهمك. قوله: ((ما لم يصل)) بكسر الصاد المهملة واللام الثقيلة أي: ما لم ينتن. الثاني: وجوب اشتراط التسمية، وقد مرت مباحثها عن قريب. : ١٤٤ ٧٢ - كِتَابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (٥) الثالث: أن الكلب لا بد أن يكون معلماً؟ فإذا صاد بكلبه المعلم وذكر اسم الله عند الإرسال فإنه يؤكل، وإذا صاد بكلب غير معلم فإن أدرك ذكاته يذكى ويؤكل، وإلاَّ فلا يؤكل. الرابع: أن ذكر الكلب مطلقاً يتناول أي لون كان أبيض أو أسود أو أحمر، فيجوز بأي لون كان، وفيه حجة على أحمد حيث لا يجوز بالكلب الأسود، وإن كان معلماً. الخامس: أن فيه شرطين: كون الكلب معلماً. والتسمية فإذا أرسل كلباً غير معلم أو أرسل معلماً بغير تسمية، أو وجد كلباً قد صاد من غير إرسال فلا يحل صيده إلا بأن يدركه وفيه حياة مستقرة ثم یذکیه. ٥ - بابُ: الخَذْفِ وَالبُنْدُقَةِ أي: هذا باب في بيان حكم الخذف، وهو بالخاء والذال المعجمتين، وهو الرمي بالحصى بالأصابع. وقال ابن المنذر: الخذف رميك حصاة أو نواة تأخذ بين سبابتيك وترمي بها، أو تتخذ مخذفة من خشب ثم ترمي بها الحصاة بين إبهامك والسبابة، وأما الحذف بالحاء المهملة فهو الرمي بالعصا وقال ابن الأثير: يستعمل في الرمي والضرب معاً، والبندقة، بضم الباء الموحدة وسكون النون طينة مدورة مجففة يرمى بها عن الجلاهق، وهو بضم الجيم وتخفيف اللام وكسر الهاء وبالقاف: اسم لقوس البندقة. ٥٤٧٩/١٢ - حدَّثنا يُوسُفُ بنُ رَاشِدٍ، حدَّثنا وَكِيعٌ، وَيَزِيدُ بنُ هَارُونَ، - وَاللَّفْظُ لِيَزِيدَ - عَنْ كَهْمَسٍ بِنِ الحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةً عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُغفلِ: أنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وََّهَ نَهَى عَنِ الخَذْفِ، أَوْ كَانَ يَكْرَهُ الخَذْفَ. وَقَالَ: إِنَّهُ لا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ وَلْكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ العَيْنَ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذُلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ: أُحَدْثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ، أنَّهُ نَهَى عَنِ الخَذْفِ - أوْ كَرِهَ الخَذْفَ -، وَأَنْتَ تَخْذِف؟ لا أكلِّمك كَذا وَكَذا. [انظر الحديث ٤٨٤١ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وقد أوضح الحديث الإبهام الذي في الترجمة وقال بعضهم: يأتي تفسير الخذف في الباب. قلت: لم يفسر الخذف في الباب قط، وإنما بين حكمه، وهذا ظاهر. ويوسف بن راشد هو يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان الرازي نزيل بغداد، نسبه البخاري إلى جده، ووكيع هو ابن الجراح الكوفي، ويزيد - من الزيادة - ابن هارون الواسطي من مشايخ أحمد بن حنبل، وكهمس بفتح الكاف والميم وبالسين المهملة ابن الحسن أبو الحسن التميمي، نزل البصرة في بني قيس، وعبد الله بن بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة ابن خصيب الأسلمي قاضي مرو أبو سهل المروزي أخو سليمان بن بريدة، وكانا توأمين ولم يزل قاضياً بمرو إلى أن ١٤٥ ٧٢ - كِتابُ الذِّبائِحِ والصَّيْدِ / باب (٥) مات بها. وقال الدمياطي: قيل: مات عبد الله وسليمان في يوم واحد سنة خمس ومائة وكان عمرهما مائة سنة والأصح أن سليمان تولى القضاء قبله ومات بمرو وهو على القضاء بها سنة خمس ومائة، وولي أخوه القضاء بها بعده، ومات وهو على القضاء سنة خمس عشرة ومائة، فعلى هذا يكون عمر سليمان تسعين سنة، وعمر عبد الله مائة سنة، وعبد الله بن مغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء المفتوحة ابن عبد نهم بن عفيف بن أسحم المزني، نزل البصرة ومات بها سنة ستين، وصلَّى عليه أبو برزة. والحديث أخرجه مسلم في الذبائح أيضاً عن عبد الله بن معاذ وغيره. وأخرجه النسائي في الديات عن أحمد بن سليمان. قوله: ((رأى رجلاً) لم يدر اسمه وفي رواية مسلم: رأى رجلاً من أصحابه، وله من رواية سعيد بن جبير عن عبد الله بن مغفل: إنه قريب لعبد الله بن مغفل. قوله: ((يخذف)) بالخاء المعجمة، وقد مر تفسيره آنفاً. وهو الذي يرمي الحصاة بالمخذفة بكسر الميم وهو الذي يسمى بالمقلاع بكسر الميم. قوله: ((أو كان يكره))، الخذف شك من الراوي، وفي رواية أحمد عن وكيع: نهى عن الخذف من غير شك، وأخرجه عن محمد بن جعفر عن كهمس بالشك، وبين أن الشك من كهمس. قوله: ((إنه لا يصاد به صيد)) قال المهلب: أباح الله الصيد على صفة فقال: ﴿تَنَالُهُ، أَيْدِيكُمْ وَرِمَامُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وليس الرمي بالبندقة ونحوها من ذلك، وإنما هو وقيذ، وإنما نهى عن الخذف لأنه يقتل الصيد بقوة رامية لا بحده. قوله: ((ولا ينكى به)) قال عياض: الرواية بفتح الكاف والهمزة في آخره وهي لغة، والأشهر بكسر الكاف بغير همزة وفي (شرح مسلم) لا ينكأ، بفتح الكاف مهموز. قلت: المناسب هنا كسر الكاف بغير همزة لأن معناه: من نكيت في العدو أنكي نكاية. فأنا ناكٍ إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وأما الذي بالهمز فمن قولهم: نكأت القرحة أنكؤها إذا قشرتها ولا يناسب هنا إلاَّ الأول على ما لا يخفى. وقال ابن سيده: نكيت العدو نكاية أصبت منهم ونكأت العدو أنكؤهم لغة في نكيت. فعلى هذا الوجهان صحيحان. قوله: ((ولكنها))، أي: الرمية، وأطلق السن ليشمل سن الآدمي وغيره. قوله: ((كذا وكذا)، وفي رواية معاذ ومحمد بن جعفر: لا أكلمك كلمة كذا وكذا. وكلمة، بالنصب والتنوين، وكذا وكذا لإبهام الزمان، ووقع في رواية سعيد بن جبير عند مسلم لا أكلمك أبداً. وفيه: جواز هجران من خالف السنة وترك كلامه ولا يدخل ذلك في النهي عن الهجران فوق ثلاث لأنه يتعلق بمن هجر لحظ نفسه. وفيه: تغيير المنكر ومنع الرمي بالبندق فلا يحل ما قتله إلاّ إذا أدرك ذكاته فيحل حينئذ، وقال أبو الفتح القشيري: المنقول عن بعض متقدمي الشافعية منع الاصطياد بالبندق إما تحريماً وإما كراهة وعن بعض المتأخرين جوازه واستدل على ذلك بحديث الاصطياد بالكلب الذي ليس بمعلم، وبالعلة التي في الحديث المذكور لأنه قال: ((لا ينكى به العدو» فمفهوم هذا أن ما ينكي العدو ويقتل الصيد: لا ينهى عنه لزوال علة النهي، وهذا دليل مفهوم. قلت: هذا ليس بحجة عند الجمهور. ١٤٦ ٧٢ - كِتَابُ الذَّبائِحِ والصَّيْدِ / باب (٦) ٦ - بَابُ: مَنِ اقْتَنَى كَلْباً لَيْسَ بِكَلْبٍ صَيْدٍ أوْ مَاشِيَةٍ أي: هذا باب في بيان من اقتنى من الاقتناء. وهو الاتخاذ والادخار للقنية. قوله: (ليس بكلب صيد)) صفة ل قوله: ((كلباً)) أو ماشية، أي: أو ليس بكلب ماشية، وهو اسم يقع على الإبل والبقر والغنم، ولكن أكثر ما يستعمل في الغنم، ويجمع على المواشي ولم يبين الحكم اكتفاء بما في الحديث. ١٣/ ٥٤٨٠ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ، حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِم، حدّثنا عَبْدِ الله بنُ دِينارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، عَنِ النبيِّ وَّرِ، قَالَ: ((َمَنِ اقْتَتَّى كَلْبَاً لَيْسَ بِكَلْبٍ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيَةٍ نَقَصَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيراطان)). [الحديث ٥٤٨٠ - أطرافه في ٥٤٨١، ٥٤٨٢]. مطابقته للجزء الثاني للترجمة وهو قوله أو ماشية صريحاً، وللجزء الأول من حيث المعنى، وهو قوله: ((أو ضارية)) لأنه من ضرى الكلب بالصيد ضراوة أي: تعود. وكان حقه أن يقال: أو ضار، ولكنه أنث للتناسب للفظ ماشية نحو: لا دريت ولا تليت، وحقه تلوت وكذلك نحو الغدايا والعشايا وقيل: صفة للجماعة الصائدين أصحاب الكلاب المعتادة للصيد فسموا ضارية استعارة. والحديث قد مضى في المزارعة في: باب اقتناء الكلب للحرث، من رواية أبي هريرة، وفيه أيضاً من رواية سفيان بن أبي زهير كلاهما عن النبي ◌َّر، ومضى أيضاً من حديث أبي هريرة في كتاب بدء الخلق في: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، وعن سفيان بن أبي زهير أيضاً فيه، ومضى الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((قيراطان)) وجاء في حديث آخر: قيراط قال ابن بطال: إنه غلظ عليهم في اتخاذها لأنها تروع الناس فلم ينتهوا. فزاد في التغليظ فجعل مكان قيراط قيراطين وفي (التوضيح) هل هذا النقص من ماضي عمله أو من مستقبله؟ أو قيراط من عمل النهار وقيراط من عمل الليل، أو قيراط من الفرض وقيراط من النفل؟ فيه خلاف حكاه في (البحر) والقيراط في الأصل نصف دائق والمراد هنا مقدار معلوم عند الله. أي: نقص الجزأين من أجزاء عمله. ١٤/ ٥٤٨١ - حدَّثنا المَكْيُّ بنُ إِبْرَاهِيمَ، أخبرنا حَنْظَلَةُ بنُ أبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ: سَالِماً يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيِّ ◌َِ، يَقُولُ: ((مَنِ اقْتَتَى كَلْباً، إلاَّ كَلْبُ ضَارٍ لِصَيْدٍ أوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أجْرِهِ كُلِّ يَوْمٍ قِيراطان)». [انظر الحديث ٥٤٨٠ وطرفه]. هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن المكي بن إبراهيم بن بشير البلخي، وقال الكرماني: منسوب إلى مكة شرفها الله، وليس كذلك، بل هو علم له يروي عن ١٤٧ ٧٢ - كِتَابُ الذَّبَائِحِ والصَّيْدِ / باب (٧) حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، واسم أبي سفيان الأسود بن عبد الرحمن مات سنة إحدى وخمسين ومائة . قوله: ((إلاَّ كلب ضار)) من إضافة الموصوف إلى صفته، نحو: شجر الأراك، وقيل: لفظ ضار صفة للرجل الصائد أي: إلاَّ كلب الرجل المعتاد للصيد، ويروى: ضاري، والقياس حذف الياء منه، ولكن جاء في لغة إثبات الياء في المنقوص. فإن قلت: ما وجه هذا الاستثناء؟ قلت: إلاَّ لهُهنا بمعنى غير، والاستثناء متعذر اللهم إلاَّ أن ينزل النكرة منزلة المعرفة فيكون استثناء. قوله: ((قيراطان))، ويروى: قيراطين، وفيما مضى أيضاً وجه الرفع ظاهر لأنه فاعل ينقص هنا، وهناك نقص، وأما وجه النصب فلأن: نقص جاء لازماً متعدياً باعتبار اشتقاقه من النقصان والنقص. واختلفوا في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب، فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته، وقيل: لما يلحق المارين من الأذى، وقيل: لما يبتلى به من ولوغه في الإناء عند غفلة صاحبه وقال الكرماني: فإن قلت: كيف يجمع بين الحصرين؟ إذ المحصور هنا كلب الماشية والحرث، ومفهوم أحدهما دخول كلب الصيد في المستثنى منه، ومفهوم الآخر خروجه عنه وهما متنافيان؟ وكذا حكم كلب الحرث، فإنه مستثنىّ وغير مستثنىَ؟ قلت: مدار أمر الحصر على المقامات واعتقاد السامعين لا على ما في الواقع فالمقام الأول اقتضى استثناء كلب الصيد، والثاني استثناء كلب الحرث، فصارا مستثنيين فلا منافاة في ذلك. ١٥/ ٥٤٨٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، أخبرَنا مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمر قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ: ((مَنِ اقْتَتَى كَلْباً إلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أوْ ضارٍ نَقَّصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطانٍ)). [انظر الحديث ٥٤٨٠ وطرفه]. هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن عبد الله بن يوسف إلى آخره. قوله: ((أو ضار)). أي: أو إلاَّ كلب ضار، والمعنى إلاَّ كلباً ضارياً. قوله: ((من عمله)) ويروى: من أجره . ٧ - بَابٌ: إِذَا أَكَلَ الكَلْبُ أي: هذا باب يذكر فيه أكل الكلب من الصيد، وجواب: إذا محذوف تقديره إذا أكل الكلب من الصيد لا يؤكل، ولم يذكره اعتماداً على ما يفهم من متن الحديث. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُمِلَّ لَّ قُلْ أُمِلَ لَكُمُ الَّتِبَتُّ وَمَا عَلَّمْتُم ◌ِنَ الْتَوَارِجِ مُكَلِينَ﴾ الصَّوَائِدُ وَالكَوَاسِبُ، اجْتَرَحُوا: اكْتَسَبُوا ﴿تُعَلِمُونَهُنَّ ◌ِمَّا عَلََّكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَّكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سَرِيعُ اَلْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]. قوله: مرفوع عطفاً على قوله: ((باب))، لأنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف. كما قلنا، وسبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن ١٤٨ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِحِ والصَّيْدِ / باب (٧) عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير أن عدي بن حاتم ويزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله و طل#5، فقالا: يا رسول الله! قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ ... ) الآية. قوله: ((قل أحل لكم الطيبات)) يعني: الذبائح الحلال طيبة لهم قاله سعيد بن جبير: وقال مقاتل بن حيان: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق. قوله: ((وما علمتم من الجوارح)) أي: وأحل لكم ما اصطدتموه بما علمتم من الجوارح وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك، وهذا مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة وممن قال ذلك: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ اَلْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾ وهي: الكلاب المعلمة والبازي وكل طير يعلم للصيد، وروى ابن أبي حاتم عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير: أن الجوارح الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها. قوله: ((مكلبين))، حال من قوله: ((مما علمتم)) وهو جمع مكلب وهو مؤدب الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها ورائضها لذلك، وقال بعضهم: مكلبين مؤدبين فليس هو تفعيل من الكلب الحيوان المعروف إنما هو من الكلب بفتح اللام وهو الحرص. انتهى. قلت: هذا تركيب فاسد ومعنى غير صحيح ودعوى اشتقاق من غير أصله، ولم يقل به أحد، بل الذي يقال هنا ما قاله الزمخشري الذي هو المرجع إليه في التفسير، وهو أنه قال: واشتقاقه أي: اشتقاق مكلبين من الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه. فإن قلت: قال الزمخشري أيضاً: أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة؟ يقال: هو كلب بكذا إذا كان ضارياً به قلت: نحن ما ننكر أن يكون اشتقاق مكلبين من غير الكلب الذي هو الحيوان، وإنما أنكرنا على هذا القائل قوله: وليس هو تفعيل من الكلب، وإنما هو الكلب بفتح اللام، فالذي له أدنى مسكة من علم التصريف لا يقول بهذه العبارة. وأيضاً فقد فسر الكلب بفتح اللام بمعنى الحرص وليس كذلك معناه لههنا، وإنما معناه مثل ما قاله الزمخشري، وهو معنى الضراوة. قوله: (الصوائد))، جمع صائدة. ((والكواسب)) جمع كاسبة وهو صفة ل قوله: ((الجوارح)) وقال بعضهم: صفة محذوف تقديره: الكلاب الصوائد. قلت: هذا أيضاً فيه ما فيه، بل هي صفة للجوارح كما قلنا. وقوله: الصوائد، رواية الكشميهني ولغيره، الكواسب. قوله: ((الصوائد والكواسب)) وقوله: ((اجترحوا: اكتسبوا)) ليس من الآية الكريمة بل هو معترض بين قوله: (مكلبين)) وبين قوله: (تعلمونهن) فذكر الصوائد والكواسب تفسيراً للجوارح، وذكر: اجترحوا بمعنى اكتسبوا استطراداً لبيان أن الاجتراح يطلق على الاكتساب. قوله: (تعلمونهن))، أي: الجوارح، وتعليمهن أنه إذا أرسل استرسل وإذا أشلاه استشلى وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذْكُرُواْ اسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٤] في مخالفة أمره. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنْ أَكَلَ الكَلْبُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ إِنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَاللهِ يَقُولُ: ١٤٩ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (٧) ﴿تُعَلُّونَهُنَّ بِمَا عَلَكُمُ اللَّهُ﴾ فَتُضْرَبُ وَتعلَّمُ حَتَّى تَتْرُكُ. هذا التعليق وصله سعيد بن منصور مختصراً من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس، قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه. قوله: ((أفسده))، أي: أخرجه عن صلاحيته للأكل. وقوله: ((إنما أمسك)) إلى آخره تعليل لما قاله. قوله: ((فتضرب))، على صيغة المجهول. وكذلك ((تعلم)) قوله: ((حتى تتركه))، أي: الأكل. وَكَرِهَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما. أي: كره أكل الصيد الذي أكل منه الكلب عبد الله بن عمر بن الخطاب، ووصله وكيع بن الجراح: حدثنا سفيان بن سعيد عن ليث عن مجاهد عنه. وَقَالَ عَطَاءُ: إِنْ شَرِبَ الدَّمَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ. أي: قال عطاء بن أبي رباح: إن شرب الكلب دم الصيد ولم يأكل من لحمه فكل، يعني: كل هذا الصيد. وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن حفص بن غياث عن ابن جريج عنه، وذكر عن عدي بن أبي حاتم: إن شرب من دمه فلا تأكل فإنه لم يتعلم ما علمته وعن الحسن: إن أكل فكل فإن شرب فكل، وزعم ابن حزم أن الجارح إذا شرب من دم الصيد لم يضر ذلك شيئاً لأن سيدنا رسول الله وَ لقر، حرم علينا أكل ما قتل: إذا أكل ولم يحرم إذا ولغ قال القرطبي: وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر وسلمان، رضي الله عنهم، قالوا: إذا أكل الجارح يؤكل ما أكل، وهو قول مالك. وقال ابن بطال، وهو قول علي بن أبي طالب وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن بن أبي الحسن ومحمد بن شهاب وربيعة والليث، وقال أبو حنيفة ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل وإسحاق: إن أكل لا يؤكل وقال القرطبي: وهو قول الجمهور من السلف وغيرهم منهم ابن عباس وأبو هريرة وابن شهاب في رواية، والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وقتادة. ٥٤٨٣/١٦ - حدَّثْنَا قُتَيْبَةَ بنُ سَعِيدٍ، حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانِ عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ بنِ حَاتِم قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، قُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدٌ بِهِذِهِ الكِلابِ؟ فَقَالَ: ((إِذَا أرْسَلْتَ كِلائِكَ المُعَلَّمَةِ وَذَكَرْتَ اسْمَ الله، مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَإنْ قَتَلْنَ، إلاَّ أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فَإِنّي أخافُ أنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَها كِلابٌ مِنْ غَيْرِها فَلا تأكُلْ)). [انظر الحديث ١٧٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وبيان، بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف: ابن بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة الأحمسي بالمهملتين، والشعبي هو عامر بن شراحيل. ١٥٠ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (٨) والحديث قد مر بوجوه مختلفة وطرق عديدة. قوله: ((إذا أرسلت))، فيه إشعار بأنه إذا استرسل بنفسه فلا يؤكل صيده، وهو قول الجمهور إلاَّ ما حكي عن الأصم من إباحته، وإذا غصب كلباً واصطاد هل يكون للمالك أو للغاصب؟ فقيل: للمالك. لأن الصيد بكلبه، وقيل: للغاصب لأن الكلب يتملك. ٨ - بَابُ: الصَّيْدِ إذَا غَابَ عَنْهُ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةَ أي: هذا باب في بيان حكم الصيد إذا غاب عنه أي: عن الصائد يومين أو ثلاثة أیام. ٥٤٨٤/١٧ - حدَّثنا مُوسَى بِنُ إسْمَاعِيلَ، حدَّثنا ثَابِتُ بنُ يَزِيد، حدَّثنا عَاصمْ عَنِ الشّعْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ بنِ حَاتِم، رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النبيِّ وََّ، قَالَ: ((إِذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ كِلاباً لَمْ يُذْكَّر اسْمُ الله عَلَيْها فأمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لا تَذْرِي أيُّها قَتَلَ، وَإنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلاَّ أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي المَاءِ فَلا تَأْكُلْ)). [انظر الحديث ١٧٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((بعد يوم أو يومين))، وذكر الثلاثة في الحديث الذي يأتي عقیب هذا. وثابت بالثاء المثلثة - ضد الزائل - بن يزيد - من الزيادة - الأحول البصري، وعاصم هو ابن سليمان الأحول، والشعبي هو عامر. وهذا الحديث مشتمل على أحكام. الأول: إذا أرسل كلبه وسمى فأمسك على صاحبه يحل أكله. الثاني: إن أكل منه لا يحل. الثالث: إذا خالط كلبه كلاباً أخرى لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن لا يحل أكله، وعلله بقوله: ((لا تدري أيها)) أي: الكلاب ((قتله)) وفي (التوضيح) إن جمهور العلماء بالحجاز والعراق متفقون على أنه إذا أرسل كلبه على الصيد ووجد معه كلباً آخر ولم يدر أيهما أخذ فإنه لا يؤكل هذا الصيد، وممن قال ذلك عطاء والأربعة وأبو ثور، وكان الأوزاعي يقول: إذا أرسل كلبه المعلم فعرض له كلب آخر معلم فقتلاه فهو حلال، وإن كان غير معلم فقتلاه لم يؤكل وعبارة القرطبي، الكلب المخالط مجهول غير مرسل من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه، ولا يختلف في هذا فأما إذا أرسله صائد آخر على ذلك الصيد فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين، فلو نفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر بعد فهو للأول. الرابع: إذا رمى الصيد وغاب عنه ثم وجد بعد يوم أو بعد يومين وليس به إلا أثر ١٥١ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِحِ والصَّيْدِ / باب (٩) سهمه فإنه يؤكل، واختلف العلماء فيه. فقال الأوزاعي: إذا وجده من الغد ميتاً ووجد سهمه أو أثراً من كلبه فليأكله، وهو قول أشهب وابن الماجشون وابن عبد الحكم، وروي عن مالك فيما رواه عنه ابن القصار، والمعروف عنه خلافه ففي (الموطأ) و (المدونة) لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنه مصرعه إذا وجدت به أثر كلبك أو كان به سهمك ما لم يبت فإذا بات لم يؤكل، وعنه الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل. وقال أبو حنيفة: إذا توارى عنه الصيد والكلب في طلبه فوجده مقتولاً والكلب عنده كرهت أكله. وقال الشافعي: القياس أنه لا يؤكل إذا غاب عنه لاحتمال أن غيره قتله، وقال النووي : الحل أصح. الخامس: إذا وقع الصيد في الماء فلا يؤكل لاحتمال أن الماء أهلكه، وإذا تحقق أن سهمه أنفذ مقاتله قبل وقوعه في الماء فمذهب الجمهور أكله، وروى ابن وهب عن مالك كراهته . ٥٤٨٥ - وَقَالَ عَبْدُ الأعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لِلنِبِيِّ وَِّ، يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفِي أَثَرَّهُ اليَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّاً وَفِيهِ سَهْمُهُ؟ قَالَ: (يَأْكُلُ إنْ شَاءَ)). [انظر الحديث ١٧٥ وأطرافه]. عبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة البصري، يروي عنه داود بن أبي هند عن عامر الشعبي. وهذا التعليق وصله أبو داود عن الحسين بن معاذ بن عبد الأعلى، فذكره. قوله: ((فيقتفي))، من الاقتفاء وهو الاتباع، يقال: اقتفيته وقفوته وقفيته: إذا اتبعته، وهو رواية الكشميهني، ويروى: فيقتفر بالقاف والفاء والراء أي: يتبع، يقال: اقتفرت الأثر وقفرته إذا تبعته وقفوته، وكذا في رواية مسلم وهي رواية الأصيلي أيضاً. قوله: ((اليومين والثلاثة))، فيه زيادة على رواية عاصم، بعد يوم أو يومين وروى مسلم من حديث أبي ثعلبة عن النبي ◌َّ، قال: إذا رميت سهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن، وفي روايه في الذي يدرك صيده بعد ثلاث إلاَّ أن ينتن يدعه واختلف في تأويله فمنهم من قال: إذا أنتن الحق بالمستقذر الذي تمجه الطباع، فلو أكله جاز، كما جاء أنه أكل إهالة سنخة أي: منتنة، ومنهم من قال: هو معلل بما يخاف منه الضرر على أكله، وعلى هذا يكون أكله محرماً إن كان الخوف محققاً والله أعلم. ٩ - بَابٌ: إذَا وَجَدَ مَعَ الصَّيْدِ كَلْباً آخَرَ؟ أي: هذا باب في بيان ما إذا وجد الصائد مع كلبه الذي أرسله كلباً آخر، ولم يذكر جواب إذا اكتفاه بما ذكر في الحديث. ١٨/ ٥٤٨٦ - حدَّثنا آدَمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي السَّفَرِ عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنْ ١٥٢ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِحِ والصَّيْدِ / باب (١٠) عَدِيٌّ بنِ حَاتِم قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله! إنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي وَأْسَمِّي؟ فَقَالَ النبيِّ وَّهِ: ((إِذَا أزْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأْخَذَ فَقَتَلَ فَأْكَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ». قُلْتُ: إنّي أُرْسِلُ كَلْبِي أجِدُ مَعَهُ كَلْباً آخَرَ لا أدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ؟ فَقَالَ: «لا تأكُلْ، فإنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ». وَسَألْتُهُ عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ؟ فَقَالَ: ((إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ)). [انظر الحديث ١٧٥ وأطرافه]. هذا الحديث بعينه متناً وإسناداً قد مر في: باب صيد المعراض، غير أنه هناك روى عن سليمان بن حرب عن شعبة إلى آخره، وهنا روي عن آدم بن أبي إياس عن شعبة إلى آخره، فلأجل اختلاف شيخه وضع لكل منهما ترجمة يطابقها حديثه. والله أعلم. ١٠ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي التَّصَيُّدِ أي: هذا باب في بيان ما جاء في التصيد، أي: في التكلف بالصيد والاشتغال به لأجل التكسب، وقد علم أن باب التفعل للتكلف والاعتمال، وهذا غير ممنوع بخلاف ما إذا کان تولعه به لأجل اللهو والتنزه فإنه ممنوع، كما قد ذكرناه. ١٩/ ٥٤٨٧ - حدَّثني مُحَمَّدٌ، أخْبَرَنِي ابنُ فَضَيْلٍ عَنْ بَيَانِ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَدِيٍّ بنِ حَاتِم، رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقُلْتُ: إِنّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الكِلابِ؟ فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ المُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمِ الله فَكُلْ مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكَ، إلاَّ أنْ يَأّْلَ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أنْ يَكُونَ إِنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِها فَلا تَأْكُلْ)). [انظر الحديث ١٧٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إنا قوم نتصيد))، ومحمد هو ابن سلام. قاله الغساني: وابن فضيل بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة مصغر فضل هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وبيان بالباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف ابن بشر الكوفي، وعامر هو الشعبي. وقد مر الحديث عن قريب في: باب إذا أكل الكلب، فإنه أخرجه هناك عن قتيبة بن فضيل ... إلى آخره، وفيه ((إنا قوم نصيد)) ولههنا نتصيد، ومر الكلام فيه. ٢٠/ ٥٤٨٨ - حدَّثنا أبُو عَاصِم عَنْ حَيْوَةَ، (ح) وَحدَّثَنِي أحمَدُ بنُ أبِي رَجاءٍ، حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ سُلَيْمانَ عَنِ ابنِ المُبَارَكَ عَنْ حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحِ قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إذْرِيسَ عَائِذُ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَّعْلَبَةَ الخَشْنِيِّ، رَضِيَ الله عَنْهُ، يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إنَّا بِأَرْضِ قَوْم أهْلِ الكِتَابِ، نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَأَرْضٍ صَيْدٍ أصيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي المُعَلَّمِ وَالَّذِي لَيْسَ مِعَلِّماً، فَأَخْبَرَنِي مَا ١٥٣ ٧٢ - كِتَابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (١٠) الَّذِي يَحِلُ لَنَا مِنْ ذُلِكَ؟ فَقَالَ: ((أمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضٍ قَوْم أهْلِ الكِتابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغَّسِلوَهَا ثُمَّ كُلُوا فِيها، وَأَمَّا مَا ذَكَرَتَ أنَّكَ بِأَرْضٍ صَيْدٍ، فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهُ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعلّم فَاذْكُرْ اسْمَ الله ثُمَّ كُلْ. وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمَا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ)). [انظر الحديث ٥٤٧٨ وطرفه]. هذا الحديث أيضاً قد مر عن قريب فإنه أخرجه في: باب ما أصاب المعراض بعرضه عن عبد الله بن يزيد عن حيوة وأخرجه لههنا من طريقين: أحدهما: عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن حيوة بن شريح عن ربيعة بن يزيد من الزيادة عن أبي إدريس عائذ الله بالذال المعجمة. والآخر: عن أحمد بن أبي رجاء بفتح الراء والجيم المخففة وبالمد الهروي عن سلمة بن سليمان المروزي عن عبد الله بن المبارك المروزي عن حيوة إلى آخره، وهذا الطريق أنزل من الأول، ومر الكلام فيه. ٥٤٨٩/٢١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يَحْيَى عَنْ شَعْبَةَ قَالَ: حدَّثني هِشامُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكِ، رَضِيَ الله عَنْه، قَالَ: أَنْفَجْنا أرْنَبَا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعَوْا عَلَيْها حَتَّى لَغِبُوا، فَسَعَيْتُ عَلَيْها حَتَّى أخَذْتُها، فَجِئْتُ بِها إِلَى أَبِي طَلْحَةَ، فَبَعَثَ إِلَى النّبِيِّ، وَّه بِوَرِكِها وَفَخِذَيْها، فَقَبِلَهُ. [انظر الحديث ٢٥٧٢ وطرفه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فسعوا عليها حتى لغبوا)) لأن معناه: حتى تعبوا. وفيه معنى التصيد وهو التكلف في الاصطياد. ويحيى هو القطان، وهشام بن زيد بن أنس بن مالك يروي عن جده. والحديث قد مر في الهبة في: باب قبول هدية الصيد فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب عن شعبة عن هشام بن زيد ... الخ. ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((أنفجنا))، بالنون والفاء والجيم أي: هيجنا، يقال: نفج الأرنب إذا أثاره. قوله: ((بمر الظهران))، موضع بقرب مكة. قوله: ((حتى لغبوا))، بالغين المعجمة المكسورة وبالفتح أفصح، وفي رواية الكشميهني : حتى تعبوا. قوله: «إلى أبي طلحة))، وهو زوج أم أنس، واسمه زيد بن سهل الأنصاري. قوله: ((بوركها)) في رواية الأكثرين بالإفراد، وفي رواية الكشميهني: بوركيها بالتثنية. ٢٢/ ٥٤٩٠ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بِنِ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِع مَوْلَى أَبِي قَتَادَةِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِّهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقٍ مَكَّةً تَخَلْفَ مَعَ أصْحَابٍ لَهُ مُحَرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَرِمٍ، فَرَأى حِمَاراً وَخْشِياً، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ ثُمَّ سَألَ أصْحَابِهِ أَنْ يُناوِلُوهُ سَوْطاً فَأَبُوا، فَسَأَلَهُمَّ رُمْحَهُ فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ ١٥٤ ٧٢ - كِتابُ الذَّائِحِ والصَّيْدِ / باب (١١) شَدَّ عَلَى الحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بِعْضٍ أصْحابٍ رَسُولِ اللهِ بَّهِ، وَأْبَى بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا أَذْرَكُوا رَسُولَ اللهِ وََّ، سَأَلُوهُ عَنْ ذُلِكَ؟ فَقَالَ: ((إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةً أَطْعَمْتَكُمُوها الله)). [انظر الحديث ١٨٢١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم شد على الحمار)) فإن فيه معنى التكلف في التصيد. وإسماعيل هو ابن أبي أويس عبد الله ابن أخت مالك بن أنس، وأبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة سالم مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي، وأبو قتادة الحارث الأنصاري. والحديث قد مر في كتاب الحج عن عبد الله بن محمد وغيره. وفي الجهاد عن عبد الله بن يوسف، ومر الكلام فيه قوله: ((طعمة)) بضم الطاء أي: مأكلة. ٥٤٩١/٢٣ - حدَّثْنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حدَّثني مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاء بنِ يَسَارِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلَهُ إلاَّ أنَّهُ قَالَ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحمِهِ شَيْءٌ)). [انظر الحديث ١٨٢١ وأطرافه]. هذا طريق آخر في الحديث المذكور، ومضى حديث أبي قتادة في كتاب الحج في أربعة أبواب متوالية بطرق مختلفة ومتون بزيادة ونقصان وأخرجه مسلم مثله في رواية حدثنا قتيبة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي قتادة في حمار الوحشي مثل حديث أبي النضر، غير أن في حديث زيد بن أسلم أن رسول الله وَطير، قال: هل معكم من لحمه شيء؟. ١١ - بَابُ: التَّصَيُّد عَلَى الحِبَالِ أي: هذا باب في بيان التصيد على الجبال، جمع جبل بفتح الجيم والباء الموحدة. ٥٤٩٢/٢٤ - حدَّثنا يَخْيَى بِنُ سُلَيْمَانَ الجُعَفِيُّ، قَالَ: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنا عَمْروٌ أنَّ أبَا النَّضْرِ حدَّثَهُ عَنْ نَافِعِ مَوْلَى أَبِيِ قَتَادَةً وَأَبِي صَالِحِ مَوْلَى النَّوْأمَةِ قَالا: سَمِعْنا أبًا قَتَادَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النبيِّ وَّةِ، فِيما بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَهُمَّ مُحْرِمُونَ وَأَنَا رَجُلٌ حِلٌّ عَلَى فَرَسٍ، وَكُنْتُ رَقَّاءً عَلَى الجِبَالِ، فَبَيْنا أَنَا عَلَى ذُلِكَ إِذْ رَأيْتُ النَّاسَ مُتَشَوِّفِينَ لِشَيْءٍ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذا هُوَ حِمارُ وَخْشٍ، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا هُذا قَالُوا: لا نَذْرِي، قُلْتُ هُوَ حِمَارٌ وَخْشِيٍّ؟ فَقَالُوا: هُوَ مَا رَأيْتَ، وَكُنْتُ نَسِيتُ سَوْطِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي سَوْطِي فَقَالُوا: لا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَتَزَلْتُ فَأْخَذْتُهُ، ثُمَّ ضَرَبْتُ فِي أَثَرِهِ فَلَمْ يَكُنْ إِلاَّ ذَاكَ حَتَّى عَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ إلَيْهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ: قُومُوا فَاحْتَمَلُوا قَالُوا: لا نَمَسُّهُ، فَحَمَلْتُهُ حَتَّى جِثْتُهُمْ بِهِ، فَأَبَى بَعْضُهُمْ وَأْكَلَ بَعْضُهُمْ. فَقُلْتُ: أَنَا أَسْتَوقِفُ لَكُمْ النِبِيِّ نََّ، فَأَدْرَكْتُهُ، فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ، فَقَالَ لِي: ((أَبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: كُلُوا فَهُوَ طُعْمٌ أَطْعَمْكُمُوهَا الله)). [انظر الحديث ١٨٢١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وكنت رقاء على الجبال)) لأن معناه: كنت كثير ١٥٥ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (١٢) الرقي على الجبال، من رقي يرقى من باب علم يعلم رقياً ورقيا بالتشديد للمبالغة، والرقي الصعود والارتفاع، ولا يخلو من المشقة والتكلف والترجمة فيها معنى التكلف، ومراده: كان في ذلك الوقت على الجبل، ولهذا يقول: فنزلت. أي: من الجبل أو من الفرس. ويحيى بن سليمان أبو سعيد الجعفي الكوفي نزل مصر، يروي عن عبد الله بن وهب المصري يروي عن عمرو بن الحارث المصري عن أبي النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة سالم عن نافع مولى أبي قتادة، وأبي صالح نبهان بفتح النون وسكون الباء الموحدة مولى التؤمة، حكى عياض عن المحدثين بضم التاء المثناة من فوق، وقال: الصواب فتح أوله، وحكى ابن التين والتؤمة، بوزن الحطمة. وقال الكرماني: مولى التؤمة بفتح الفوقانية، يقال: أتأمت المرأة إذا وضعت اثنين في بطن، والولدان توأمان، يقال: هذا توأم لهذا، وهذه توأمة لهذه، والجمع توائم نحو: جعفر وجعافر، وهي بنت أمية بن خلف الجمحي وسميت بها لأنها كانت مع أخت لها في بطن أمها وليس لنبهان هذا في البخاري إلاَّ هذا الحديث ونافع المذكور وأبو صالح كلاهما يرويان عن أبي قتادة والحديث محفوظ لأبي صالح نبهان لا لابنه صالح، ومن ظن غير هذا فقد غلط. قوله: ((وهم محرمون)) الواو فيه للحال، وكذلك الواو في ((وأنا رجل حل)) بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام أي: حلال قوله: ((فبينا)). ظرف مضاف إلى جملة. قوله: ((إذ رأيت الناس)) جوابه. قوله: ((متشوفين)) من قولهم: تشوف فلان للشيء أي: لمح له ونظر إليه، ومادته شين معجمة، وواو وفاء. قوله: ((في أثره)) أي: وراءه، وقال الجوهري: يقال: خرجت في أثره وإثره يعني: بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة ويفتحهما أيضاً. قوله: ((عقرته)) أي: جرحته. قوله: ((فاحتملوا)) صيغة أمر للجماعة قوله: ((فأبى بعضهم)) يعني: امتنع بعضهم من الأكل. قوله: ((استوقف لكم)) أي: أسأله أن يقف لكم. قوله: ((أبقى)) الهمزة فيه للاستفهام على وجه الاستخبار. ١٢ - بَابُ: قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اٌلْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿أُعِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وهذا المقدار رواية الأكثرين، وفي رواية النسفي: ﴿أُِّلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ﴾ وروى سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب عن ابن عباس في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. يعني: ما يصطاد منه طرياً وطعامه ما يتزود منه مليحاً يابساً قوله: ((متاعاً لكم)) أي: منفعة وقوتاً لكم أيها المخاطبون وانتصابه على أنه مفعول له. أي: تمتيعاً لكم. قوله: ((وللسيارة)) جمع سيار، وقال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر والسفر. وَقَالَ عُمَرُ: صَيْدُهُ مَا اضْطِيدَ وَطعامُهُ مَا رَمَى بِهِ. أي: قال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه صيده. أي: صيد البحر ((ما اصطيد)) أي: الذي اصطيد، وطعام البحر ما رمى به أي: ما قذفه، وهذا التعليق وصله ١٥٦ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (١٢) عبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة. قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر فأمرتهم أن يأكلوه فلما قدمت على عمر، رضي الله تعالى عنه، فذكرت قصته. قال: فقال عمر: قال الله عز وجل في كتابه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ فصیده ما صيد، وطعامه ما قذف به. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الطَّافِي حَلالٌ. أي: قال أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((الطافي))، هو الذي يموت في البحر ويعلو فوق الماء، ولا يرسب فيه، وهو من طفا يطفو، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس، قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية على الماء حلال، زاد الطحاوي في (كتاب الصيد) حلال لمن أراد أكله. وقال أصحابنا الحنفية: يكره أكل الطافي، وقال مالك والشافعي وأحمد والظاهرية، لا بأس به لإطلاق قوله وَله: ((البحر هو الطهور ماؤه والحل ميتته)). واحتج أصحابنا بما رواه أبو داود وابن ماجه عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله وَ لته، قال: ((ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه)). فإن قلت: ضعف البيهقي هذا الحديث، وقال يحيى بن سليم: كثير الوهم سيىء الحفظ وقد رواه غيره موقوفاً. قلت: يحيى بن سليم أخرج له الشيخان فهو ثقة وزاد فيه الرفع، ونقل ابن القطان في كتابه عن يحيى أنه ثقة. فإن قلت: قال ابن الجوزي: إسماعيل بن أمية متروك. قلت: ليس كذلك لأنه ظن أنه إسماعيل بن أمية أبو الصلت الزارع، وهو متروك الحديث، وأما هذا فهو إسماعيل بن أمية القرشي الأموي، والذي ظنه ليس في طبقته. فإن قلت: قال أبو داود: رواه الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير موقوفاً على جابر، وقد أسند من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ◌َّهر، قال: ما اصطدتموه وهو حي فكلوه. وما وجدتم ميتاً طافياً فلا تأكلوه. وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: ليس بمحفوظ، وروى عن جابر خلاف هذا، ولا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئاً. قلت: قول البخاري: لا أعرف لابن أبي ذئب عن أبي الزبير شيئاً على مذهبه في أنه يشترط الاتصال الإسناد المعنعن ثبوت السماع، وقد أنكر مسلم ذلك إنكاراً شديداً. وزعم أنه قول مخترع، وأن المتفق عليه أنه يكفي للاتصال إمكان اللقاء والسماع، وابن أبي ذئب أدرك زمان أبي الزبير بلا خلاف وسماعه منه ممكن. فإن قلت: قال البيهقي: ورواه عبد العزيز بن عبد الله عن وهب بن كيسان عن جابر مرفوعاً وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. قلت: أخرج الحاكم في (المستدرك) حديثاً عنه وصحح سنده. وأخرج حديثه هذا الطحاوي في (أحكام القرآن). فقال: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا أسد بن موسى حدثنا إسماعيل بن عياش حدثني عبد العزيز بن عبد الله عن وهب بن كيسان ونعيم بن عبد الله المجمر عن جابر بن عبد الله عن رسول الله وَ *، قال: ما جزر البحر ١٥٧٠ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (١٢) فكل وما ألقى فكل وما وجدته طافياً فوق الماء فلا تأكل. وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اُلْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣] عام خص منه غير الطافي من السمك بالاتفاق، والطافي مختلف فيه فبقي داخلاً في عموم الآية . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَعَامُهُ مَيْتَتْهُ إِلاَّ مَا قَذِرْتَ مِنْها. أي: قال ابن عباس في تفسير: وطعامه في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] أي: ميتة البحر إلاَّ ما قذرت منها. أي: من الميتة. وقذرت بكسر الذال المعجمة وفتحها وتعليق ابن عباس هذا وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيّدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال: وطعامه ميتته. وَالجِرِّيَّ لَا تَأْكُلُهُ اليَّهُودُ وَنَحْنُ نَأْكُلُهُ. أي: هذا قول ابن عباس أيضاً ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري به، وقال في رواية سألت ابن عباس عن الجري فقال: لا بأس به إنما تحرمه اليهود ونحن نأكله، والجري، بفتح الجيم وكسر الراء المشددة وبالياء آخر الحروف المشددة قال عياض: وجاء فيه كسر الجيم أيضاً وهو من السمك ما لا قشر له وقال عطاء: لما سئل عن الجري قال: كُلْ كُلَّ ذنيب سمين منه. وقال ابن التين: ويقال له أيضاً: الجريث. وقال الأزهري: الجريث نوع من السمك يشبه الحيات ويقال له أيضاً: المارماهي والسلور مثله، وقيل: هو سمك عريض الوسط دقيق الطرفين. قلت: الجريث السمك السود، والمارماهي لفظ فارسي لأن مار بالفارسية الحيكة وماهي: هو السمك والمضاف إليه يتقدم على المضاف في لغتهم. وَقَالَ شُرَيْحٌ: صَاحِبُ النِيِّ وَّةِ، كَلِّ شَيْءٍ فِي الْبَخْرِ مَذْبُوحٌ. هذا التعليق لم يثبت في رواية زيد وابن السكن والجرجاني، وإنما ثبت في رواية الأصيلي، وقال: أبو شريح، وهو وهم، نبه على ذلك أبو علي الغساني وقال مثله: عياض. وزاد وهو شريح بن هانىء والصواب أنه غيره وهو شريح بن هانىء بن يزيد بن كعب الحارثي جاهلي إسلامي يكنى أبا المقدام، وأبوه هانىء بن يزيد له صحبة، وأما ابنه شريح فله إدراك ولم يثبت له سماع ولا لقى، وشريح المذكور هنا هو الذي ذكره أبو عمر فافهم. وقال الجياني: الحديث محفوظ لشريح لا لأبي شريح، وكذا ذكره البخاري في (تاريخه) عن مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني عمرو وأبو الزبير سمعا شريحاً. وقال أبو عمر: شريح رجل من الصحابة حجازي روى عنه أبو الزبير وعمرو بن دينار سمعاه يحدث عن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، قال: كل شيء في البحر مذبوح، ذبح الله لكم كل دابة خلقها في البحر، قال أبو الزبير وعمرو بن دينار: وكان شريح هذا قد أدرك النبي ◌َّر. وقال أبو حاتم: له صحبة وليس له في البخاري ذكر إلاَّ في هذا الموضع. ١٥٨ ٧٢ - كِتَابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (١٢) وَقَالَ عَطَاءٌ: أمَّ الطَّيْرُ فَأَرَى أنْ يَذْبَحَهُ. أي: قال عطاء بن أبي رباح هذا التعليق ذكره أبو عبد الله بن منده في (كتاب الصحابة) إثر حديث شريح المذكور من طريق ابن جريج قال: فذكرت ذلك لعطاء فقال: ((أما الطير فأرى أن يذبحه)). وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاء: صَيْدُ الأَنْهَارِ وَفِلاةِ السَّيْلِ أُصَيْدُ بَحْرِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ ثَلا ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَخْ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَابٌَّ وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] أي: قال عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج قلت لعطاء بن أبي رباح: قلات السيل بكسر القاف وتخفيف اللام وبالتاء المثناة من فوق جمع. قلت: وهي النقرة التي تكون في الصخرة يستنقع فيها الماء، وكل نقرة في الجبل أو غيره فهي. قلت: وإنما أراد ما ساق السيل من الماء وبقي في الغدير وكان فيه حيتان، وهذا التعليق رواه أبو قرة موسى بن طارق السكسكي في سننه عن ابن جريج، ورواه عبد الرزاق أيضاً في (تفسيره) عن ابن جريج نحوه سواء. وَرِكِبَ الحَسَنُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى سَرْجٍ مِنْ جُلُودِ كِلابِ المَاءِ. قيل: الحسن هو ابن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهما، وقيل: هو الحسن البصري، وقال بعضهم: ويؤيد القول الأول أنه وقع في رواية وركب الحسن، رضي الله تعالى عنه. قلت: فيه نوع مناقشة لا تخفى قوله: ((من جلود)) أي: سرج متخذ من جلود كلاب الماء. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أنَّ أهْلِي أُكَلُوا الصَّفَادِعَ لأطْعَمْتُهُمْ. أي: قال عامر بن شراحيل الشعبي إلى آخره والضفادع جمع ضفدع بكسر الضاد وسكون الفاء وفتح الدال وكسرها وحكى بضم الضاد، وفتح الدال، وفي (المحكم) الضفدع والضفدع لغتان فصيحتان والأنثى ضفدعة وقال الجوهري: وناس يقولون: ضفدع: بفتح الدال، وقد زعم الخليل أنه ليس في الكلام فعلل إلاّ أربعة أحرف درهم وهجرع وهبلع وقلعم الهجرع: الطويل، والهبلع الأكول، والقلعم الجبل، وزاد غيره: الضفدع، وجزم صاحب ديوان الأدب بكسر الضاد والدال، وحكى ابن سيده في (الاقتضاب) بضم الضاد وفتح الدال وهو نادر، وحكى ابن دحية ضمهما وقال الجاحظ: الضفدع لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل في الماء، وهو من الحيوان الذي يعيش في الماء ويبيض في الشط مثل السلحفاة ونحوها وهي تنق فإذا أبصرت النار أمسكت وهي من الحيوان الذي يخلق من أرحام الحيوان ومن أرحام الأرضين إذا لقحها الماء، وأما قول من قال: إنها من السحاب فكذب وهي لا عظام لها وتزعم الأعراب في خرافاتها أنها كانت ذات ذنب، وأن الضب سلبه إياها، وتقول العرب: لا يكون ذلك حتى يجمع بين الضب والنون، وحتى يجمع بين الضب ١٥٩ ٧٢ - كِتَابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (١٢) والضفدع، أجحظ الخلق عيناً ويصبر عن الماء الأيام الصالحة، وهي تعظم ولا تسمن كالأرنب والأسد ينتابها في الربيع فيأكلها أكلاً شديداً والحيات تأتي مناقع المياه لطلبها، ويقال له: نيق وتهدر. ولم يبين الشعبي هل تذكى الضفادع أم لا. واختلف مذهب مالك في ذلك. فقال ابن القاسم في (المدونة) عن مالك: أكل الضفدع والسرطان والسلحفاة جائز من غير ذكاة، وروى عن ابن القاسم: ما كان مأواه الماء يؤكل من غير ذكاة وإن كان يرعى في البر، وما كان مأواه ومستقره البر لا يؤكل إلا بذكاة وعن محمد بن إبراهيم: لا يؤكلان إلاَّ بذكاة. قال ابن التين: وهو قول أبي حنيفة والشافعي . ثم اعلم أن قول الشعبي يرده ما رواه أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي في (كتاب الأطعمة) بسند صحيح أن ابن عمر قال: سئل رسول الله وَّر، عن ضفدع يجعله في دواء فنهى وَّر، عن قتله، قال أبو سعيد فيكره أكله إذ نهى رسول الله وَ له، عن قتله لأنه لا يمكن أكله إلاَّ مقتولاً. وإن أكل غير مقتول فهو ميتة وزعم ابن حزم أن أكله لا يحل أصلاً ووى أبو داود في الطب وفي الأدب، والنسائي في الصيد عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان القرشي: أن طبيباً سأل رسول الله ◌َيّر، عن الضفدع يجعلها في دواء فنهى عن قتلها. ورواه أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في (مسانيدهم) والحاكم في (المستدرك) في الطب، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال البيهقي: وأقوى ما ورد في الضفدع هذا الحديث وقال الحافظ المنذري فيه دليل على تحريم أكل الضفدع لأن النبي وَّر، نهى عن قتله، والنهي عن قتل الحيوان إما لحرمته كالآدمي، وإما لتحريم أكله كالصرد، والهدهد، والضفدع ليس بمحترم فكان النهي منصرفاً إلى الوجه الآخر. وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بِالسُّلحَفَاةِ بَأْساً. أي: الحسن البصري، ووصله ابن أبي شيبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن. قال: لا بأس بأكلها، وروى من حديث يزيد بن أبي زياد عن جعفر: أنه أتى بسلحفاة فأكلها ومن حديث حجاج عن عطاء. لا بأس بأكلها يعني: السلحفاة. وزعم ابن حزم أن أكلها لا يحل إلاَّ بذكاة، وأكلها حلال بريها وبحريها، وأكل بيضها. وروي عن عطاء إباحة أكلها، وعن طاوس ومحمد بن علي وفقهاء المدينة إباحة أكلها، وعندنا يكره أكل ما سوى السمك من دواب البحر، كالسرطان والسلحفاة والضفدع وخنزير الماء، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] وما سوى السمك خبيث، وقال مقاتل: إن السلحفاة من المسوخ. وفي (الصحاح) إنها بفتح اللام وحكي إسكانها وحكي سقوط الهاء، وحكي الرؤاسي: سلحفية. مثل: بلهنية، وهما مما يلحق بالخماسي بألف وفي (المحكم) السلحفات والسلحفاة من دواب الماء. ١٦٠ ٧٢ - كِتابُ الذَّبائِح والصَّيْدِ / باب (١٢) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مِنْ صَيْدِ البَخْرِ نَضْرَانِيُّ أَوْ يَهُودِيُّ أَوْ مَجُوسِيُّ. قال الكرماني: كذا وقع في النسخ القديمة، وفي بعض النسخ: كل من صيد البحر وإن صاده نصراني أو يهودي أو مجوسي. قلت: المعنى لا يصح إلا على هذا، ولا بد من هذا التقدير على قول النسخ القديمة ويروى كل من صيد البحر ما صاده نصراني أو يهودي أو مجوسي وروى البيهقي من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: كل ما القى البحر وما صيد منه صاده يهودي أو نصراني أو مجوسي، قال ابن التين: مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء وهو كذلك عند قوم. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي الْمُرِي ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينانُ وَالشَّمْسُ. أبو الدرداء اسمه عويمر بن مالك الأنصاري الخزرجي، والمري، بضم الميم وسكون الراء وتخفيف الياء، وكذا ضبطه النووي، وقال: ليس عربياً وهو يشبه الذي يسميه الناس: الكامخ، بإعجام الخاء. وقال الجواليقي: التحريك لحن، وقال الجوهري: بكسر الراء وتشديدها وتشديد الياء كأنه منسوب إلى المرارة، والعامة يخففونه، وقال الحربي: هو مري يعمل بالشام يؤخذ الخمر فيجعل فيها الملح والسمك ويوضع في الشمس فيتغير طعمه إلى طعم المري، يقول: كما أن الميتة والخمر حرامان والتذكية تحل الميتة بالذبح، فكذلك الملح. قوله: والنينان: بكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وتخفيف النون الثانية وهو جمع: نون وهو الحوت، ثم تفسير كلام أبي الدرداء بقوله: ((في المري)) مقدم لفظاً، ولكن في المعنى متأخر تقديره: ذبح الخمر النينان والشمس في المري، وذبح فعل ماض على صيغة المعلوم، والخمر منصوب به لأنه مفعول، والنينان بالرفع فاعله والشمس عطف عليه، وقيل: لفظ ذبح مصدر مضاف إلى الخمر فيكون مرفوعاً بالابتداء وخبره هو قوله النينان، والمعنى: زوال الخمر في المري النيان والشمس أي: تطهيرها فهذا يدل على أن أبا الدرداء ممن يرى جواز تخليل الخمر، وهو مذهب الحنفية. وقال أبو موسى في: (ذيل الغريب) عبر عن قوة الملح والشمس وغلبتهما على الخمر وإزالتهما طعمها ورائحتها بالذبح، وإنما ذكر النيان دون الملح لأن المقصود من ذلك يحصل بدونه، ولم يرد أن النينان وحدها هي التي خللته وقال: كان أبو الدرداء يفتي بجواز تخليل الخمرة فقال: إن السمك بالآلة التي أضيفت إليه تغلب على ضراوة الخمر وتزيل شدتها، والشمس تؤثر في تخليلها فتصير حلالاً. قال: وكان أهل الريف من الشام يعجنون المري بالخمر وربما يجعلون فيه السمك الذي يربى بالملح والأبزار مما يسمونه الصحناء، والقصد من المري هضم الطعام يضيفون إليه كل ثقيف أو حريف ليزيد في جلاء المعدة واستدعاء الطعام بحرافته، وكان أبو الدرداء وجماعة من الصحابة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر. قال: وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر يريد أن السمك طاهر حلال وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح حتى تصير الحرام النجسة بإضافتها إليه طاهرة حلالاً وفي (التوضيح) وكان أبو هريرة وأبو الدرداء وابن عباس وغيرهم من التابعين يأكلون هذا المري المعمول بالخمر