Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة المؤمنين
الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْر عَلِيٍّ وحَمْزَةُ وعُبَيْدَةُ وشَيْئَةُ بنُ رَبِيعَةً وعُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ وَالوَلِيدُ بنُ عُثْبَةَ.
أي: قال قيس بن عباد المذكور. قوله: ((علي وحمزة وعبيدة))، أي: علي بن أبي
طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث هؤلاء الثلاثة المسلمون أقارب بعض
لأولئك الكفار وهم شيبة ... إلى آخره. فإن قلت: روى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس
أنها نزلت في أهل الكتاب والمسلمين ومن طريق الحسن قال: هم الكفار والمؤمنون، ومن
طريق مجاهد: هو اختصام المؤمن والكافر في البعث. قلت: الآية إذا نزلت في سبب من
الأسباب لا يمتنع أن تكون عامة في نظير ذلك السبب، والله تعالى أعلم.
سورَةُ المُؤْمِنِينَ
أي: هذا تفسير فى بعض سورة المؤمنين، قال أبو العباس: مكية كلها، وهى مائة
وثمان عشرة آية، وأربعة آلاف وثمانمائة حرف وحرفان، وألف وثمانمائة وأربعون كلمة.
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر.
قال ابنُ عُيَيْنَةَ سَبْعَ طَرَائِقَ سَبْعَ سَمْوَاتٍ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق﴾ [المؤمنون: ١٧] وفسره
سفيان بن عيينة بقوله: ((سبع سموات))، وقال الثعلبي: إنما قيل لها طرائق لأن بعضهن فوق بعض
فكل سماء منهن طريقة، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة، وقيل: لأنها طرائق الملائكة.
لَها سابِقُونَ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾
[المؤمنون: ٦١] قوله: لها، بمعنى: إليها، وكان ابن عباس يقول: سبقت لهم من الله السعادة
فلذلك سارعوا في الخيرات، وهذا ثبت لغير أبي ذر.
قُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ خَائِفِينَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾
[المؤمنون: ٦٠] وفسر: ((وجلة)) بقوله: ((خائفين))، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس، فيه قال: يعملون خائفين، أي: أن لا يتقبل منهم ما عملوه، وعن عائشة
رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله، في قوله تعالى: ﴿وقلوبهم وجلة﴾ [المؤمنون: ٦٠] هو
الرجل يزني ويسرق وهو مع ذلك يخاف الله؟ قال: لا بل هو الرجل يصوم ويصلي، وهو مع
ذلك يخاف الله، وأخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه، وصححه الحاكم.
قال ابنُ عبّاسٍ هَيْهاتَ هَيْهاتَ بِعِيدٌ بَعِيدٌ
فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿هيهات لما توعدون﴾ [المؤمنون: ٣٦] بقوله: ((بعيد

١٠٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة المؤمنين
بعيد)) ورواه هكذا الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قرأ السبعة
بفتح التاء فيهما في الوصل ويإسكانها في الوقف، ويقال: من وقف على هيهات وقف
بالهاء.
فاسألِ الْعَادِّينَ قال المَلائِكَةَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين﴾
[المؤمنون: ١١٣] وفسر العادين بقوله: ((قال: الملائكة)) وليس فاعل قال ابن عباس، كما
يذهب إليه الوهم من حيث مجيء قال ابن عباس قبل هذا، بل الفاعل مجاهد لأنه صرح
بذلك في رواية أبي ذر والنسفي فقيل: قال مجاهد فاسأل العادين ... إلى آخره، وذكر الثعلبي
الملائكة إما الحفظة وإما الحساب، بضم الجاء وتشديد السين، وروى عبد الرزاق عن معمر
عن قتادة في قوله: العادين، قال: الحساب.
تَتْكُصُونَ تَسْتَأْخِرُونَ
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿وكنتم على أعقابكم تنكصون﴾ [المؤمنون: ٦٦] وفسره
بقوله: ((تستأخرون)) وكذا ذكره الطبري عن مجاهد وقيل: أي ترجعون القهقرى، وهذا لم
يثبت إلاَّ عند النسفي.
لَنَاكِبُونَ لَعَادِلُونَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون﴾
[المؤمنون: ٧٤] وفسره بقوله: ((لعادلون)) وكذا روى عن ابن عباس، يقال: نكب إذا مال
وأعرض، ومنه الريح النكباء، وهذا ثبت في رواية أبي ذر.
كالِحُونَ عابِشُونَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون﴾ [المؤمنون: ١٠٤]
وفسره بقوله: ((عابسون)) وكذا رواه الطبري عن ابن عباس ويقال: الكلوح أن تتقاص الشفتان
عن الأسنان حتى تبدو الأسنان، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله عَ ليه
في قوله: ﴿تلفح وجوههم النار﴾ ... الآية، قال: تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ
وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته.
وقال غيْرُهُ منْ سُلاَلَةِ الوَلَدُ والنُّطْفَةُ السُّلاَلَةُ
لم يثبت قوله: ((وقال غيره)) إلاَّ في رواية أبي ذر، أي: قال غير مجاهد، وهو أبو
عبيدة: فإنه قال في قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة﴾ [المؤمنون: ١٢] السلالة
الولد والنطفة السلالة، وقال الثعلبي: من سلالة استل من الأرض، قاله قتادة ومجاهد وابن
عباس، والعرب تسمي نطفة الرجل وولده: سلسلة وسلالة لأنهما مسلولان منه، وقال

١٠٣
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ/ سورة النور
الكرماني: فإن قلت: كيف يصح تفسير السلالة بالولد إذ ليس الإنسان من الولد بل الأمر
بالعكس؟ قلت: ليس الولد تفسيراً لها بل الولد مبتدأ وخبره السلالة، يعني: السلالة ما يستل
من الشيء كالولد والنطفة.
والجِنَةُ والجُنُونُ واحدٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أم يقولون به جنة﴾ [المؤمنون: ٧٠] أي: جنون، وكلاهما
بمعنى واحد.
والغُثاءُ الزَّبَدُ وما ارْتَفَعَ عَنِ المَاءِ وما لا يُنْتَفَعُ بِهِ
أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿فجعلناهم غثاء﴾ [المؤمنون: ٤١] وفسره بقوله:
((الزبد)) ... إلى آخره، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. قال: الغثاء الشيء البالي.
سُورَةُ النور
أي: هذا في بيان تفسير بعض سورة النور، قال أبو العباس ومقاتل وابن الزبير وابن
عباس في آخرين: مدنية كلها لم يذكر فيها اختلاف، وهي أربع وستون آية، وألف وثلاثمائة
وست عشرة كلمة، وخمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفاً.
بسم الله الرحمن الرحيم
مِنْ خِلاَلِهِ مِنْ بَيْنِ أَضْعافِ السَّحابِ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ [النور: ٤٣] وفسره بقوله:
((من بين أضعاف السحاب))، وهكذا فسره أبو عبيدة. والخلال جمع خلل وهو الوسط،
ويقال: الخلل موضع المطر، والودق المطر.
سَنا بَرْقِهِ الضّياءُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾ [النور: ٤٣] من شدة ضوئه
وبر قه.
مُذْعِنِينَ يُقالُ لِلْمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين﴾ [النور: ٤٩] وأشار
بقوله: ((يقال) :... إلى آخره: أن معنى: مذعنين، مستخذين من استخذى بالخاء والذال
المعجمتين أي: خضع، قاله الكرماني، وقال الجوهري: يقال خذت الناقة تخذي أسرعت
مثل وخذت وخوذت كله بمعنى واحد، وقال أيضاً: خذا الشيء يخذو خذواً: استرخى،
وخذي بالكسر مثله، وأما المذعن فمن الإذعان وهو الإسراع، قال الزجاج: يقال أذعن لي
بحقي أي: طاوعني لما كنت ألتمس منه وصار يسرع إليه.

١٠٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النور
أشْتَاتاً وشَتَّى وشَتَاتٌ وشَتَّ واحِدٌ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً﴾ [النور: ٦١]
قوله: ((أشتاتا) في محل الرفع على الابتداء بتقدير قوله: ((أشتاتا))، وقوله: ((وشتى وشتات
وشت)) عطف عليه. قوله: ((واحد)) خبر المبتدأ، والأشتات جمع شت والشت مفرد، ومعنى
أشتاتاً: متفرقين.
وقال ابنُ عبّاسِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها بَيَّاها
كذا وقع وقال عياض كذا في النسخ والصواب: أنزلناها وفرضناها بيناها، فقوله:
((بيناه)) تفسير: فرضناها، ويؤيد قول عياض ما رواه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن
ابن عباس في قوله: فرضناها، يقول: بيناها.
وقال غَيْرُهُ سمِّيَ القُزْآنُ لِجماعهِ السُّوَرِ وسُمِّيَتِ السُّورَةُ لأنها مَقْطُوعَةٌ مِنَ الأخْرَى
فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ سُمِّيَ قُزْآناً.
أي: قال غير ابن عباس، وهو قول أبي عبيدة. قوله: ((لجماعة السور))، قال الكرماني:
السور بالنصب بأن يكون مفعول الجماع بمعنى الجمع مصدراً وهو بكسر الجيم وهاء
الضمير، وبالجر بأن يكون مضافاً إليه، والجماعة بمعنى الجمع ضد المفرد وهو بفتح الجيم
وتاء التأنيث. قوله: ((وسميت السور))، وهي الطائفة من القرآن محدودة. وأما من السورة التي
هي الرتبة لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب، وأما من السؤر التي هي البقية من الشيء فقلبت
همزتها واواً لأنها قطعة من القرآن.
وقال سَعْدُ بنُ عِيَاضِ الثُّمالِيُّ. المِشْكَاةِ الكُوَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ
سعد بن عياض من التابعين من أصحاب ابن مسعود، وقال ابن عبد البر: حديثه مرسل
ولا يصح له صحبة، والثمالي، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم: نسبة إلى ثمالة في الأزد
وفي ألهان وفي تميم، والذي في الأزد ثمالة هو عوف بن أسلم بن كعب، والذي في ألهان
ثمالة بن ألهان، والذي في تميم ثمالة وهو عبد الله بن حرام بن مجاشع بن دارم. قوله:
((المشكاة الكوة))، بفتح الكاف وضمها، وقال الواحدي: وهي عند الجميع غير نافذة، وقيل:
المشكاة التي يعلق بها القنديل التي يدخل فيها الفتيلة، وقيل: المشكاة الوعاء من أدم يبرد
فيها الماء، وعن مجاهد: هي القنديل، وقال ابن كعب: المشكاة صدره والمصباح الإيمان
والقرآن والزجاجة قلبه، والشجرة المباركة الإخلاص.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] تألِيفَ بَعْضِهِ إلى بعْضٍ:
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذا جَمَعْناهُ والْقْناهُ فاتّبِعْ قُرْآنَهُ أَيْ ما يُجمِعَ فِيهِ فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ وَانْتَهِ
عَمّا نَهاكَ الله: ويُقالُ لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ تألِيفٌ وسُمِّيَ الفُرْقَانَ لأَنّهُ بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ ويُقال
لِلمَرْأَةِ مَا قَرَأَتْ بِسَلاً قَطُّ أي لمْ تَجْمَعْ في بَطْنها ولَداً.

١٠٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ/ سورة النور
هذا كله ظاهر ومقصوده بيان أن القرآن مشتق من قرأ بمعنى جمع لا من قرأ بمعنى تلا،
قوله: ((بسلاً) بفتح السين المهملة وفتح اللام مقصوراً. وهي الجلدة الرقيقة التي يكون فيها
الولد.
وقال فرَّضْناها أنْزَلْنَا فِيها فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةٌ ومَنْ قَرَأْ فَرَضْنَاها يَقُولُ فَرَضْنا عَلَيْكُمْ
وعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ
فرضناها بتشديد الراء معناه: أنزلنا فيها فرائض مختلفة وأوجبناها عليكم وعلى من
بعدكم إلى قيام الساعة، وهذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة الباقين: فرضناها، بالتخفيف
أي: جعلناها واجبة مقطوعاً بها، وهو معنى قوله: ((ومن قرأ فرضناها)) يعني بالتخفيف من
الفرض وهو القطع. قوله: ((وعلى من بعدكم)) أي: على الذين يأتون بعدكم إلى يوم القيامة.
قال مُجااهِدٌ: ﴿أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١]: لَمْ يَدْرُوا لَمَا بِهِمْ مِنَ
الصِّغَرِ
أي: قال مجاهد في قوله عز وجل: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عوراة النساء﴾
[النور: ٣١] وفسره بقوله: ((لم يدروا لما بهم) أي: لأجل ما بهم من الصغر، وروى الطبري
من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: لم يدروا ما هي من الصغر قبل الحلم، وفي رواية
النسفي: وقال مجاهد: لا يهمه إلاَّ بطنه ولا يخاف على النساء أو الطفل الذين لم يظهروا
إلى آخره، وقال الثعلبي: الطفل يكون واحداً وجمعاً.
وقال الشَّغْبِيُّ غَيْرِ أولي الإِزْبَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إزبٌ
هذا ثبت للنسفي، أي: قال عامر بن شراحيل الشعبي في قوله تعالى: ﴿أو التابعين غير
أولي الإربة من الرجال﴾ [النور: ٣١] وفسر: ﴿غير أولي الإربة﴾ بقوله: ((من ليس له إرب))
بكسر الهمزة أي حاجة من الرجال، وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة
لهم في النساء ولا یشتهونهن.
وقال مُجاهِدٌ لاَ يُهمُّهُ إِلاَّ بَطْنُهُ ولا يُخافُ عَلَى النِّساءِ وقال طاوُسٌ هُوَ الأحْمَقُ
الَّذِي لا حاجةَ لَهُ في النِّساءِ
أي: ﴿غير أولي الإربة﴾ هو الأحمق إلى آخره، ووصله عبد الرزاق عن معمر عن ابن
طاووس عن أبيه بمثله، وفي (تفسير النسفي): وقيل هذا التابع هو الأحمق الذي لا تشتهيه
المرأة ولا يغار عليه الرجل، وقيل: هو الأبله الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، وقيل: العنين،
وقيل: الشيخ الفاني، وقيل: المجبوب، وقال الزجاج: غير صفة للتابعين.

١٠٦
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
١ - بابُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ
أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَزْبَعُ شَهادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿والذين يرمون﴾ الآية ... أي، يقذفونهم بالزنا ولم
يكن لهم شهداء على صحة ما قالوا إلاَّ أنفسهم، بالرفع على أنه بدل من الشهداء. قوله:
((أربع شهادات)) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: أربع، بالرفع والمعنى: فشهادة
أحدهم التي تدرأ العذاب أربع شهادات، والباقون بالنصب لأنه في حكم المصدر والعامل فيه
المصدر الذي هو ((فشهادة أحدهم)) وهي مبتدأ محذوف الخبر تقديره: فواجب شهادة
أحدهم أربع شهادات.
٢٦٦/ ٤٧٤٥ - حدَّثنا إسحاقُ حدَّثْنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ الفِزيابِيُّ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قال
حدّثني الزُّهْرِيُّ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ أَنَّ عُوَّيْمِراً أَتَّى عاصِمَ بنَ عَدِيّ وكانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلاَنَ
فقال كَيْفَ تَقُولُونَ فيِ رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأْتِهِ رجلاً أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ سَلْ لي
رسولَ الله عَ لَّهِ عِنْ ذَلِكَ فَأَتَّى عَاصِمٌ النبيَّعََّلَِّ فقال يا رسولَ الله فَكَرِةٍ رسولُ اللهِ عَ لَّه
المَسائِلَ فَسَأْلَهُ عُوَّيْمِرٌ فقال إِنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ كَرِهَ المَسائِلَ وعابَها قال عُوَّيْمِرٌ والله لاَ انْتَهي
حَتَّى أسألَ رَسُولَ الله عَ لّهِ عِنْ ذُلِكَ فَجاءَ عُوَّيْرٌ فقال يا رسولَ الله رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأْتِهِ رَجُلاً
أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَم ◌َكَيْفَ يَصْنَعُ فقال رسولُ الله ◌ِعَلَّهِ قَدْ أَنْزَلَ الله القُرْآنَ فيكَ وفي صاحِبَتِكَ
فأمَرَهُما رسُولُ اللهِ عَّلِ وسلَّم بالمُلاَعَنَةِ بِمَا سَمَّى الله في كِتابِهِ فَلاَعَنَها ثُمَّ قال يا رسولَ الله
إِنْ حَبَشْتُها فَقَدْ ظلمتُها فَطلَّقَها فَكَانَتْ سُنَّة لِمَنْ كانَ بَعْدَهُما في المُتَلاَعِنَيْنِ ثُمَّ قال رسولُ
الله عَّلِ انْظُرُوا فَإِنْ جاءَتْ بِهِ أُسْحَمَ أدْعَجَ العَيْتَبْنِ عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَلاَ
أحْسِبُ عُوَيْهِراً إِلَّ قَدْ صَدَقَ عَلَيْها وإِنْ جاءَتْ بِهِ أَخَيْمِرَ كأَنَّهُ وحَرَةٌ فَلاَ أَحْسِبُ عُوَفِرَاً إِلاَّ
قَدْ كَذَبَ عَلَيْها فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ بِهِ رسولُ اللهِعَّ له مِنْ تَصْدِيقِ عُوَّيْمِرٍ
فكانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إلى أُمَّهِ. [انظر الحديث ٤٢٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من ظاهر الحديث.
ذكر رجاله وهم سبعة: الأول: إسحاق ذكر غير منسوب، وقال بعضهم: وعندي أنه
ابن منصور. قلت: لا حاجة إلى قوله: وعندي، لأن ابن الغساني قال: إنه منصور. الثاني:
محمد بن يوسف أبو عبد الله الفريابي وهو من مشايخ البخاري وروى عنه بالواسطة. الثالث:
عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. الرابع: محمد بن مسلم الزهري. الخامس: سهل بن سعد
ابن مالك الساعدي الأنصاري رضي الله عنه، وهؤلاء رواة الحديث. السادس: عويمر - مصغر
عامر - بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن العجلاني، كذا ذكره صاحب (التوضيح)،
وقال الذهبي: عويمر بن أبيض وقيل ابن أشقر العجلاني الأنصاري صاحب قصة اللعان، وقيل:
هو ابن الحارث. السابع: عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان ابن حارثة العجلاني وهو
أخو معن بن عدي ووالد أبي البداح بن عاصم، وعاش عاصم عشرين ومائة سنة ومات في

١٠٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
سنة خمس وأربعين، وذكر موسى بن عقبة أنه وأخاه من شهداء بدر، ومعن قتل باليمامة رضي
الله عنهما.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن إسماعيل
ابن عبد الله، وفي التفسير عن عبد الله بن يوسف، وفي الاعتصام عن آدم، وفي الأحكام وفي
المحاربين عن علي بن عبد الله، وفي التفسير أيضاً عن أبي الربيع الزهراني، وفي الطلاق
أيضاً عن يحيى. وأخرجه مسلم في اللعان عن يحيى وغيره. وأخرجه أبو داود في الطلاق عن
القعنبي وغيره. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن مسلمة. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي
مروان محمد بن عثمان.
ذكر معانيه: قوله: ((أيقتله؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، أي: أيقتل
الرجل؟ قوله: ((سل)) أصله: اسأل، فنقلت حركة الهمزة إلى السين بعد حذفها للتخفيف
واستغنى عن همزة الوصل فحذفت فصار: سل، على وزن: فل. قوله: ((فكره رسول الله عَ لَّهِ،
المسائل)) إنما كره لأن سؤال عاصم فيه عن قضية لم تقع بعد ولم يحتج إليها، وفيها إشاعة
على المسلمين والمسلمات وتسليط اليهود والمنافقين في الكلام في عرض المسلمين، وفي
رواية مسلم: فسأل عاصم رسول الله عَ لَه فكره رسول الله عَّ له المسائل وعابها حتى كبر
على عاصم ما سمع من رسول الله عَّةٍ، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر، فقال: يا
عاصم! ماذا قال لك رسول الله عَّه؟ قال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله
عَّ المسألة التي سألته عنها، قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى
أتى رسول الله عَّ وسط الناس، فقال: يا رسول الله! أرأيت ... إلى آخره. قوله: ((فأمرهما
رسول الله عَّالله بالملاعنة))، أي: ملاعنة الرجل امرأته، وسميت بذلك لقول الزوج: وعَلَيَّ لعنة
الله إن كنت من الكاذبين، واختير لفظ: اللعن، على لفظ: الغضب، وإن كانا موجودين في
الآية الكريمة، وفي صورة اللعان لأن لفظ اللعن متقدم في الآية، ولأن جانب الرجل فيه أقوى
من جانبها لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها، ولأنه قد ينفك لعانه عن لعانها ولا ينعكس،
وقيل: سمي لعاناً من اللعن وهو الطرد والإبعاد، لأن كلاً منهما يبعد عن صاحبه ويحرم
النكاح بينهما على التأبيد، بخلاف المطلِّق وغيره، وكانت قصة اللعان في شعبان سنة تسع
من الهجرة، وممن نقله القاضي عن الطبري.
واختلف العلماء في سبب نزول آية اللعان: هل هو بسبب عويمر العجلاني أم بسبب
هلال بن أمية؟ فقال بعضهم: بسبب عويمر العجلاني. واستدلوا بقوله عَّ له: قد أنزل الله القرآن
فيك وفي صاحبتك، وقال جمهور العلماء: سبب نزولها قصة هلال، قال: وكان أول رجل
لاعن في الإسلام، وجمع الداودي بينهما باحتمال كونهما في وقت فنزل القرآن فيهما، أو
يكون أحدهما وهما. وقال الماوردي: النقل فيهما مشتبه مختلف، وقال ابن الصباغ: قصة
هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولاً، وأما قوله عليه الصلاة والسلام، لعويمر: إن الله أنزل فيك
وفي صاحبتك، فمعناه ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس، وقال

١٠٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
النووي: لعلهما سألا في وقتين متقاربين فنزلت الآية فيهما، وسبق هلال باللعان فيصدق أنها
نزلت في ذا وذاك. قلت: هذا مثل جواب الداودي بالوجه الأول وهو الأوجه فإن قلت: جاء
في حديث أنس بن مالك: هلال بن أمية، وفي حديث ابن عباس: لاعن بين العجلاني
وامرأته، وفي حديث عبد الله بن مسعود: وكان رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله عُ
ـلايت
فلاعن امرأته. قلت: لا اختلاف في ذلك لأن العجلاني هو عويمر، وكذا في قول ابن مسعود:
و کان رجلاً.
قوله: ((فتلاعنا)) فيه حذف والتقدير: أنه سأل وقذف امرأته وأنكرت الزنا وأصر كل
واحد منهما على كلامه ثم تلاعنا، والفاء فيه فاء الفصيحة. قوله ((إن حبستها فقد ظلمتها
فطلقها))، يفهم من ذلك أن بمجرد اللعان لا تحصل الفرقة على ما نذكره في استنباط
الأحكام. قوله: ((فكانت))، أي: الملاعنة كانت سنة بالوجه المذكور لمن يأتي بعدهما من
المتلاعنين. قوله: ((فإن جاءت به)) أي: بالولد، ((أسحم)) بالحاء المهملة: وهو شديد السواد.
قوله: ((أدعج العينين))، الدعج في العين شدة سوادها، وفي حديث ابن عباس الآتي: أكحل
العينين. قوله: ((عظيم الأليتين))، بفتح الهمزة: يقال: رجل ألي وامرأة عجزاء، وفي حديث
ابن عباس: سابغ الأليتين. قوله: ((خدلج الساقين))، الخدلج، بفتح الخاء المعجمة وفتح
الدال المهملة وفتح اللام المشددة وبالجيم: العظيم، وساق خدلجة مملوءة. قوله: ((أحيمر))،
تصغير أحمر، وقال ابن التين: الأحمر الشديد الشقرة. قوله: ((وحرة))، بفتح الواو وبالحاء
المهملة والراء: وهي دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعظاءة. قوله: ((فكان بعد))، أي: بعد أن
جاء الولد ((ينسب إلى أمه)).
ذكر استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه الاستعداد للوقائع قبل وقوعها
ليعلم أحكامها. الثاني: فيه الرجوع إلى من له الأمر. الثالث: فيه أداء الأحكام على الظاهر،
والله يتولى السرائر. الرابع: فيه كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها لا سيما ما كان فيه هتك
سيرة مسلم أو مسلمة أو إشاعة فاحشة على مسلم أو مسلمة. الخامس: فيه أن العالم يقصد
في منزله للسؤال ولا ينتظر به عند تصادفه في المسجد أو الطريق. السادس: اختلف العلماء
فيمن قتل رجلاً وزعم أنه وجده قد زنا بامرأته، فقال جمهورهم: لا يقتل بل يلزمه القصاص
إلاَّ أن تقوم بذلك بينة أو تعترف به ورثة القتيل، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على
نفس الزنا ويكون القتيل محصناً، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان صادقاً فلا شيء
عليه، وقال بعض الشافعية: يجب على كل من قتل زانياً محصناً القصاص. السابع: فيه
مشروعية اللعان وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين﴾ [النور: ٧]. وقال أصحابنا: اللعان شهادة مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن والغضب،
وأنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف، وفي جانبها قائم مقام حد الزنا، وقال الشافعي:
اللعان إنما كان بلفظ الشهادة مقرونة بالغضب أو اللعن، فكل من كان من أهل الشهادة
واليمين كان من أهل اللعان، ومن لا فلا، عندنا وكل من كان من أهل اليمين فهو من أهل

١٠٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ/ سورة النور
اللعان عنده، سواء كان من أهل الشهادة أو لم يكن، ومن لم يكن من أهل الشهادة ولا من
أهل اليمين لا يكون من أهل اللعان بالإجماع. الثامن: أن اللعان يكون بحضرة الإمام أو
القاضي وبمجمع من الناس، وهو أحد أنواع تغليظ اللعان، وقال النووي: يغلظ اللعان بالزمان
والمكان والمجمع، فأما الزمان فبعد العصر، والمكان في أشرف موضع في ذلك البلد،
والمجمع طائفة من الناس وأقلهم أربعة، وهل هذه التغليظات واجبة أم مستحبة؟ فيه خلاف
عندنا، الأصح الاستحباب.
التاسع: فيه أن بمجرد اللعان لا تقع الفرقة بل تقع بحكم الحاكم عند أبي حنيفة.
كقوله عَّلّهِ: ((فطلقها)) ولما في حديث ابن عمر أخرجه مسلم، ثم فرق بينهما، وبه قال
الثوري وأحمد، وفي مذهب مالك: أربعة أقوال. أحدها: أن الفرقة لا تقع إلا بالتعانهما
جميعاً. والثاني: وهو ظاهر قول مالك في (الموطأ): أنها تقع بلعان الزوج وهو رواية إصبغ.
والثالث: قول سحنون: يتم بلعان الزوج مع نكول المرأة. والرابع: قول ابن القاسم: يتم
بالتعان الزوج إن التعنت، فحاصل مذهب مالك أنها تقع بينهما بغير حكم حاكم ولا تطليق.
وبه قال الليث والأوزاعي وأبو عبيد وزفر بن هزيل، وعند الشافعي: تقع بالتعان الزوج، واتفق
أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والليث والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور:
أن اللعان حكمه وسنته الفرقة بين المتلاعنين، إما باللعان وإما بتفريق الحاكم، على ما ذكرنا
من مذاهبهم، وهو مذهب أهل المدينة ومكة وكوفة والشام ومصر، وقال عثمان البتي وطائفة
من أهل البصرة: إذا تلاء! لم ينقص اللعان شيئاً من العصمة حتى يطلق الزوج، قال: وأحب
إلي أن يطلق، وقال الإشبيلي: هذا قول لم يتقدمه أحد إليه. قلت: حكى ابن جرير هذا القول
أيضاً عن أبي الشعثاء جابر بن زيد، ثم اختلفوا أن الفرقة بين المتلاعنين فسخ أو تطليقة؟ فعند
أبي حنيفة وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب: هي طلقة واحدة، وقال مالك والشافعي: هي
فسخ.
العاشر: فيه أنهما لا يجتمعان أصلاً لقوله: ((فكانت سنة لمن كان بعدهما)).
الحادي عشر: فيه الاعتبار بالشبه لأنه عَّ ◌ُلّه، اعتبر الشبه ولكن لم يحكم به لأجل ما هو
أقوى من الشبه، فلذلك قال في ولد وليدة زمعة لما رأى الشبه بعينه احتجبي منه يا سودة،
وقضى بالولد للفراش لأنه أقوى من الشبه، وحكم بالشبه في حكم القافة إذ لم يكن هناك
شيء أقوى من الشبه. الثاني عشر: فيه إثبات التوارث بينها وبين ولدها، يفهم ذلك من قوله:
فكان بعد ينسب إلى أمه. وجاء في حديث يأتي أصرح منه، وهو قوله: ثم جرت السنة في
الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها، وهذا إجماع فيما بينه وبين الأم، وكذا بينه
وبين أصحاب الفروض من جهة أمه، وبه قال الزهري ومالك وأبو ثور، وقال أحمد: إذا
انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة، وقال أبو حنيفة: إذا انفردت أخذت الجميع لكن
الثلث فرضاً والباقي رداً على قاعدته في إثبات الرد. الثالث عشر: فيه أن شرط اللعان أن
يكون بين الزوجين لأن الله خصه بالأزواج بقوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦] فعلى

١١٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النور
هذا إذا تزوج امرأة نكاحاً فاسداً ثم قذفها لم يلاعنها لعدم الزوجية، وقال الشافعي: يلاعنها إذا
كان القذف ينفي الولد وكذا لو طلق امرأته طلاقاً بائناً أو ثلاثاً ثم قذفها بالزنا لا يجب اللعان،
ولو طلقها طلاقاً رجعياً ثم قذفها يجب اللعان، ولو قذفها بزنا كان قبل الزوجية فعليه اللعان
عندنا لعموم الآية، خلافاً للشافعي، ولو قذف امرأته بعد موتها لم يلاعن عندنا، وعند الشافعي
يلاعن على قبرها. الرابع عشر: فيه سقوط الحد عن الرجل وذلك لأجل أيمانه سقط الحد.
الخامس عشر: فيه أن شرط وجوب اللعان عدم إقامة البينة لقوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة
شهداء﴾ حتى لو أقامهم الزوج عليها بالزنا لا يجب اللعان ويقام عليها الحد. السادس عشر:
فيه إشارة إلى أن شرط وجوب اللعان إنكار المرأة وجود الزنا، حتى لو أقرت بذلك لا يجب
اللعان ويلزمها حد الزنا الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إذا كانت محصنة، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
٢ - بابٌ: ﴿والخامِسَةُ أَنَّ لَغْنَةَ الله عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿والخامسة﴾ ... الآية. قوله: ((والخامسة)) أي:
الشهادة الخامسة، وهي بعد أربع شهادات كما هي معروفة في موضعها، وقرىء: أن لعنة الله
و: أن غضب الله، على تخفيف: أن، ورفع ما بعدها. وقرىء: أن غضب الله، بكسر الضاد
وعلى فعل الغضب، وقرىء بنصب الخامستين على معنى: ويشهد الخامسة.
٤٧٤٦/٢٦٧ - حدّثني سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ حدثنا فُلَيْحٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ
سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ رَجُلاً أتَى رَسُولَ الله عَِّ فقال يا رسولَ الله أَرَأْيِتَ رَجُلاً رأى مَعَ امْرَأْتِهِ
رجلاً أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أُمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَأَنْزَلَ الله فِيهِما ما ذُكِرَ في القُرْآنِ مِنَ التّلاَعُنِ فقال لَهُ
رسولُ اللهِ عَ لَِّ قَدْ قُضِيَ فِيكَ وفي امْرَأْتِكَ قال فَتَلاعَنا وأنا شاهِدٌ عِنْدَ رسولِ الله عَ لَّه
فَفارَقَها فَكَانَتْ سُنَّةً أَنْ يُفَوَّقَ بَيْنَ المُتَلاَعِنَيْنِ وكانَتْ حامِلاً فأنْكَرَ حَمْلَها وكانَ ابْنَها يُدْعَى
إِلَيْها ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ في المِيرَاثِ أنْ يَرِئَها وتَرِثَ مِنْهُ ما فَرَضَ الله لَها. [انظر الحديث ٤٢٣
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من قوله: ((فأنزل الله فيها)). وفليح، بضم الفاء وفتح
اللام: ابن سليمان أبو يحيى الخزاعي وكان اسمه عبد الملك ولقبه فليح.
· والحديث روي عن سهل بطريقين: أحدهما: عن إسحاق عن محمد بن يوسف، وقد
مر. والآخر: عن سليمان بن داود وقد مر الكلام فيه في الباب الذي قبله، ولنذكر ما لم
یذ کر فیه.
فقوله: ((أن رجلاً)) هو: عويمر العجلاني. قوله: ((قد قضي فيك وفي امرأتك)) القضاء
فيهما هو بآية اللعان التي نزلت. قوله: ((فتلاعنا))، فيه حذف كما ذكرناه في الحديث
الماضي تقديره: قذف امرأته وأنكرت هي الزنا وأصر كل واحد منهما على قوله ثم تلاعنا.
قوله: ((ففارقها))، وفي رواية: فطلقها ثلاثاً، قبل أن يأمره رسول الله عَ لّةٍ ففارقها عند النبي

١١١
٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
عَّهِ، وفي رواية: لاعن ثم لاعنت ثم فرق بينهما، وفي رواية قال: لا سبيل لك عليها. قوله:
((فكانت))، أي: الملاعنة ((سنة التفريق بينهما)) وكلمة: أن، مصدرية وقد تأوله ابن نافع
المالكي على أن معناه استحباب ظهور الطلاق بعد اللعان. وقال النووي: قال الجمهور: معناه
حصول الفرقة بنفس اللعان، قلنا: معنى الجواب عن هذا فيما مضى أنلا بد من حكم
الحاكم لقوله عَّ له لعويمر بعد اللعان: فطلقها. قوله: ((وكانت حسا فأنكر)) أي: الرجل أنكر
((حملها)) فيه دليل على جواز الملاعنة بالحمل، وإليه ذهب ابن أبي ليلى ومالك وأبو عبيدة
وأبو يوسف في رواية، فافهم. قالوا: من نفى حمل امرأته لاعن بينهما القاضي، وألحق الولد
بأمه. وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف - في المشهور عنه - ومحمد وأحمد في رواية،
وابن الماجشون من أصحاب مالك وزفر بن الهذيل: لا تلاعن بالحمل، وسواء عند أبي
حنيفة وزفر ولدت بعد النفي لتمام ستة أشهر أو قبلها، وعند أبي يوسف ومحمد وأحمد: إن
ولدت لأقل من ستة أشهر منذ نفاه وجب عليه اللعان لأنه حينئذٍ يتيقن بوجوده عند النفي
ولأكثر منها احتمل أن يكون حمل حادث، وبه قال مالك، إلاّ أنه يشترط عدم وطئها بعد
النفي، وأجابوا عن الحديث: أن اللعان فيه كان بالقذف لا بالحمل ولأنه يجوز أن يكون
حملاً لأن ما يظهر من المرأة مما يتوهم به أنها حامل ليس يعلم أنه حمل على حقيقته إنما
هو توهم، فنفي المتوهم لا يوجب اللعان. قوله: ((ثم جرت السنة)) ... إلى آخره، قد مر
حاصله في الباب الذي قبله، وقد أجمع العلماء على جريان التوارث بينه وبين أصحاب
الفروض من جهة أمه وهم: إخوته وأخواته من أمه وجداته من أمه، ثم إذا دفع إلى أمه فرضها
أو إلى أصحاب الفروض ويبقى شيء فهو لموالي أمه إن كان عليها ولاء، وإن لم يكن يكون
لبيت المال عند من لا يرى بالرد ولا بتوريث ذوي الأرحام، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَيَدْرَأْ عَنْها العَذَابَ أنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهادَاتٍ بالله إنّهُ لَمِنَ
الکاذِبِينَ﴾ [النور: ٨]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ أي: ويدفع عن الزوجة الحد
بأن تشهد أربع شهادات بالله وإنه أي: أن الزوج.
٢٦٨ / ٤٧٤٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بِنُ بَشَّارِ حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيّ عنْ هِشام بنِ حَسَّانَ
حدّثنا عِكْرَمَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ هِلاَلَ بنَ أَمَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ عَ لّهِ بِشَرِيكِ بنِ سَحْمَاءَ
فقال النبيُّ عَ لَّهِ البَيَِّةَ أَوْ حَدٍّ في ظَهْرِكَ فقال يا رسولَ الله إذا رَأَى أَحَدُنا عَلَى امْرَأْتِهِ رَجُلاً
يَنْطَلِقُ يَلْتَمِشُ البَيِّنَةَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ عَِّ يَقُولُ البَيْئَةَ وإلاَّ حَدٌّ في ظَهْرِكَ فقال هِلاَلٌ وَالَّذِي
بَعَثَكَ بالحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ فِليْزِلَنَّ الله ما يُبرِّي ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ فَنَزَّلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فَقَرَأْ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَانْصَرَفَ النبيُّ عَّهُ
فَأَرْسَلَ إِلَيْها فَجاءَ هِلاَلٌ فَشَهِدَ والنبيُّ عَِّ يَقولُ إِنَّ اللّه يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُما
تائِبٌ ثُمَّ قامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وقّفُوها وقالُوا إِنّها مُوجِبَةٌ. قال ابنُ عَبّاسٍ

١١٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
فَتَلَكّأتْ ونَكَصَتْ حَتّى ظَنَّا أَنّها تَرْجِعُ ثُمَّ قالَتْ لا أَفْضَحُ قَوْمِي سِائِرَ اليَوْمِ فَمَضَتْ فقال النبيُّ
عَّهِ أَبْصِرُوها فإِنْ جاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ سابِغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَّيْنِ فَهْوَ لِشَرِيكِ بِنِ
سَحْمَاءَ فَجَاءَتْ بِهِ كَذْلِكَ فقال النبيُّ عََّلّهِ لَوْلاً ما مَضَى مِنْ كِتابِ الله لَكَانَ لِي ولَهَا شَأَنّ.
[انظر الحديث ٢٦٧٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من الآية وهي: ﴿والذين يرمون﴾ [النور: ٦] وابن عدي محمد،
واسم أبي عدي إبراهيم البصري. والحديث بعينه إسناداً ومتناً قد مر في كتاب الشهادة في:
باب إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة، ولكن إلى قوله: أو حد في ظهرك، فذكر حديث
اللعان، ولنذكر هنا تفسير بعض شيء لبعد المسافة، ولنذكر أيضاً بعض معاني ما زاد على ما
هنالك.
فقوله: ((أن هلال بن أمية))، بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف:
الواقفي، بكسر القاف وبالفاء: الأنصاري، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله عَ ليه
في غزوة تبوك وتيب عليهم. قوله: ((بشريك ابن سحماء))، وهو إسم أمه، وأما أبوه فهو عبدة
ضد الحرة العجلاني وهو ابن عاصم بن عدي، وامرأته وامرأة هلال خولة بنت عاصم. قوله:
((البينة))، بالنصب والرفع، أما النصب فعلى تقدير: أحضر البينة، وأما الرفع فعلى تقدير: إما
البينة وإما حد، وقيل: التقدير. وإن لم تحضر البينة فجزاؤك حد في ظهرك، ومثل هذا الحذف
لم يذكره النحاة إلاّ في ضرورة الشعر، ويرد عليهم ما روي في هذا الحديث الصحيح. قوله:
((ما يبرىء))، بضم الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المكسورة وهي في
محل النصب على المفعولية. قوله: ((فشهد))، أي: بالشهادات اللعانية. أي: لاعن الزوج.
قوله: ((وشهدت))، أي: المرأة أربع شهادات. قوله: ((عند الخامسة))، أي: المرة الخامسة.
قوله: ((إنها موجبة)) أي: للعذاب الأليم إن كانت كاذبة. قوله: ((فتلكأت))، على وزن: تفعلت،
يقال: تلكأ الرجل عن الأمر أي تبطأ عنه وتوقف، ومادته: لام وكاف وهمزة. قوله:
((ونكصت))، من النكوص وهو الإحجام عن الشيء. قوله: ((فمضت))، أي: في تمام اللعان.
قوله: ((أكحل العينين)) هو أن يعلو جفون العين سواد مثل الكحل من غير اكتحال. قوله:
((سابغ الأليتين)) السابغ التام الضخم. قوله: ((خدلج الساقين)) أي: عظيمهما، وقد مر الكلام
فيه عن قريب. قوله: ((شأن))، يريد به الرجم أي: لولا أن الشرع أسقط الرجم عنها لحكمت
بمقتضى المشابهة ولرجمتها، وبقية الكلام من الأحكام والسؤال والجواب قد مضت عن
قريب، والله أعلم.
٤ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿والخامسَةُ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْها إنْ كانَ منَ الصَّادِقِينَ﴾
[النور: ٩]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿والخامسة﴾ أي: الشهادة الخامسة، والكلام فيه قد مر
في قوله: ﴿والخامسة أن لعنة الله﴾ [النور: ٧].

١١٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النور
٢٦٩ / ٤٧٤٨ - حدّثنا مُقَدَّمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى حدثنا عَمِّ القاسِمُ بنُ يَحْيَى عَنْ
عُبَيْدِ الله وقَدْ سَمِعَ مِنْهُ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ رجُلاً رَمَى امْرَأْتَهُ فَانْتَفَى
مِنْ وَلَدِها في زَمانِ رسولِ اللهِعَّهِ فَأمَرَ بِهِما رسولُ الله عَ لِّ فَتَلاَعَنَا كَما قال الله ثمَّ قَضي
بالوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ المُتلاَعِنَيْنِ. [انظر الحديث ٤٧٤٨ - أطرافه في:
٥٣١٣،٥٣٠٦، ٦٧٤٨،٥٣١٥،٥٣١٤].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فتلاعنا))، كما قال الله ومقدم، بضم الميم وفتح
القاف وتشديد الدال المفتوحة وبالميم: ابن محمد بن يحيى الهلالي الواسطي، وليس له في
البخاري إلاَّ هذا وآخر في التوحيد، يروي عن عمه القاسم بن يحيى وهو ثقة وليس له عند
البخاري سوى الحديثين المذكورين، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه. والحديث من افراده.
قوله: ((وقد سمع منه)) من كلام البخاري. قوله: ((أن رجلاً)، هو العجلاني، وفيه من
زيادة الأحكام: نفي الولد، وقد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: ((وفرق بين المتلاعنين))
احتج به أبو حنيفة أن بمجرد اللعان لا يحصل التفريق ولا بد من حكم حاكم وهو حجة على
من يقول: تحصل الفرقة بمجرد اللعان.
٥ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَخْسِبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ
هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١].
أي: هذا باب في قوله: عز وجل: ((إن الذين جاؤوا)) ... الآية، واقتصر أبو ذر في هذا
على قوله: ((باب إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم))، وغيره ساق الآية كلها، أجمع
المفسرون على أن هذه الآية، وما يتعلق بها بعدها نزلت في قصة عائشة رضي الله عنها،
قوله: ((بالإفك)) أي: بالكذب، ويقال: الإفك أسوأ الكذب وأقبحه مأخوذ من أفك الشيء إذا
قلبه عن وجهه، فالإفك هو الحديث المقلوب عن وجهه، ومعنى القلب هنا أن عائشة رضي
الله عنها، كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف النسب لا القذف، فالذين
رموا بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه فهو إفك قبيح وكذب ظاهر. قوله: ((عصبة))، أي: جماعة،
قال الفراء: الجماعة من الواحد إلى الأربعين، ويقال: من العشرة إلى الأربعين. قوله: ((منكم))،
خطاب للمسلمين وهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت
ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. قوله: ((لا تحسبوه شراً لكم))، أي: لا
تحسبوا الإفك أو القذف أو المجيء بالإفك أو ما نالكم من الغم، والخطاب للمؤمنين الذين
ساءهم ذلك وخاصة رسول الله عَ ليه، وأبو بكر وعائشة وصفوان بن المعطل ﴿شراً لكم بل
هو خير لكم﴾ لأن الله يأجركم على ذلك الأجر العظيم وتظهر براءتكم وينزل فيكم ثمانية
عشر آية كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لرسول الله عَّله، وتسلية له وتبرئة لأم المؤمنين
عمدة القاري/ ج١٩ م٨

١١٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ/ سورة النور
وتطهير لأهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك. قوله: ((لكل امرىء منهم))، أي: من الذين
جاؤوا بالإفك ((ما اكتسب من الإثم)) جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية. قوله: ((الذي
تولى كبره)) أي: عظمه وبدأ به وهو عبد الله بن أبي، وقيل: حسان بن ثابت، وقال الثعلبي:
حسان ومسطح وحمنة هم الذين تولوا كبره ثم فشى ذلك في الناس.
أَقَّكٌ كَذَّابٌ
أفاك على وزن فعال للمبالغة، وفسره بقوله: ((كذاب))، وكذا فسره أبو عبيدة.
٢٧٠/ ٤٧٤٩ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم حدثنا سُفْيانُ عَنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُزْوَةً عَنْ
عائِشَةَ رضي الله عنها، ﴿وَالَّذِي تَوَلِّى كِبْرَةِ﴾ قَالَتْ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبَيّ ابنُ سَلُولَ. [انظر
الحديث ٢٥٩٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري، وقد صرح به
ابن مردويه من وجه آخر عن أبي نعيم شيخ البخاري وفيه معمر، بفتح الميمين: هو ابن راشد
وهو من أفراده. قوله: ((كبره)) بضم الكاف وكسرها أي: كبر الإفك، وقد مر تفسيره. قوله:
((ابن سلول))، برفع الابن لأنه صفة لعبد الله لا: لأبي، وسلول غير منصرف لأنه إسم أم عبد
الله للتأنيث والعلمية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٦ - بابٌ: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ إلى
قوله: ﴿الكاذِبونَ﴾ [النور: ١١-١٢]. ﴿ولولا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ
بِهَذَا سُبْحانَكَ لهِذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] ﴿لَوْلاً جاؤُوا عَلَيْهِ بأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ
يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولِّئِكَ عِنْدَ اللّه هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣].
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿لولا إذ سمعتموه﴾ إلى آخر ما ذكره، ووقع عند
أبي ذر الآية الأولى هكذا: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً﴾ إلى
قوله: ﴿الكاذبون﴾ وعند غيره وقع الآيتان المذكورتان غير متواليتين الأولى. قوله: ﴿ولولا إذ
سمعتموه قلتم﴾ [النور: ١٦] الآية. والثانية قوله: ﴿لولا جاؤوا عليه﴾ [النور: ١٣] إلى آخر
الآية، ووقع عند النسفي الآية الأخيرة فقط، وتمام الآية الأولى: ﴿بأنفسهم خيراً وقالوا هذا
إفك مبين لولا جاؤوا عليه﴾ إلى قوله: ﴿الكاذبون﴾ [النور: ١٢-١٣]. قوله: («لولا إذ
سمعتموه)) أي: هلا، للتحريض أي: حين سمعتم الإفك. قوله: ((ظن المؤمنون)) فيه التفات
من الخطاب إلى الغيبة لأن الأصل: لولا إذ سمعتم ظننتم وقلتم، وذلك للتوبيخ، وقيل: تقدير
الآية: هلا ظننتم كما ظن المؤمنون والمؤمنات؟ قوله: ((بأنفسهم)) وقيل: بأهلهم وأزواجهم
وقيل: هلا ظنوا بها ما يظن بالرجل لو خلا بأمه والمرأة لو خلت بابنها، لأن أزواج النبي عَ ليه
أمهات المؤمنين. قوله: ((وقالوا)) أي: هلا قلتم هذا إفك مبين أي: كذب ظاهر. قوله: ((ولولا
إذ سمعتموه قلتم)) أي: هلا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا أي لا يحل لنا أن

:
١١٥
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
نخوض في هذا الحديث وما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا سبحانك، للتعجب من عظم الأمر.
قوله: ((بهتان)) هو كذب يواجه به المؤمن فيتحير منه قوله: ((لولا جاؤوا عليه)) أي: هلا
جاؤوا، ولو كانوا صادقين ((بأربعة شهداء)) فإذا لم يأتوا بالشهداء ((فأولئك عند الله)) أي في
حكمه ((هم الكاذبون)) فيما قالوه.
٢٧١ / ٤٧٥٠ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قال
أخبرَني ◌ُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ بنُ وقّاصٍ وعُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنٍ عُتْبَةً
ابنِ مَسْعُودٍ عن حدِيثٍ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النبيِّ عَّالِ حِينَ قال لَها أهْلُ الإنْكِ ما
قالَّوا فَبَوْأها الله مِمَّا قالُوا وكلِّ حِدّثني طائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضاً وإنْ
كانَ بَعْضُهُمْ أوْعَى لَهُ مِنْ بَغْضِ الَّذِي حدّثني ◌ُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ عَائِشَةَ رضي
الله عنها زَوْجَ النبيِّ عَّ له قالتْ كانَ رَسُولُ اللهِ عَ ◌ِّ إِذَا أَرَادَ أنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأْيَّتُهُنَّ
خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بها رسولُ اللهِ عَّلِ مَعَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَأقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزاها فَخَرَجَ
سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ رسولِ اللهِ عَ لَه بَعْدَ ما نَزَلَ الحِجَابُ فأنا أحْمَلُ في مَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ
فَسِرْنا حَتَّى إذا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ ودَنَوْنا مِنَ المَدِينَةِ قافِلِينَ آذنَ لَيْلَةٌ
بالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتِ حَتَّى جاوَزْتُ الجَيْشَ فَلَمّا قَضَيْتُ شأْنِي أَقْبَلْتُ
إلى رَخْلِي فَإِذَا ◌ِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفارٍ قَدِ انْقَطَعَ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي وِحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ وَأَقْبَلَ
الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَاخَتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ وهُمْ
يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وكانَ النِّساءُ إِذ ذَاك خِفافاً لَمْ يُنْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ إَّا تَأْكُلُ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعامِ فَلَمْ
يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وكُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السّنِّ فَبَعَثُوا الجَمَلَ وسارُوا
فوجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فجِئْتُ مَنازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاع ولا مُجِيبٌ فأمَمْتُ
مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِليَّ فَبَيْنا أنا جالِسَةٌ في مَنْزِلِي غَبَتْنِي
عَيْنِي فَنِمْتُ وكانَ صَفْوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السلَمِيُّ ثُمَّ الذكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ فَأُذْلَجَ فَأَصْبَحَ
عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسانٍ نائِمٍ فأتاني فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وكانَ يَرَانِي قَبْلَ الحجابِ
فاسْتَثْقَظْتُ باسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَتَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبابي والله ما كَلَّمَنِي كَلِمَةً ولا سَمِعْتُ
مِنْهُ كَلِمَةٌ غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أناخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطىءَ عَلَى يَدَيْها فَرَكِبْتُها فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ
حَتَّى أَتَّيْنا الجَيْشَ بَعْدَ ما نَزَّلُوا مُوغِرِينَ في نَخرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ مِنْ هَلَكَ وكَانَ الَّذِي تَوَلَّى
الإِفْكَ عَبْدَ الله بنَ أَتَبِيّ ابنَ سَلُولَ فَقَدِمْنا المَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْراً والنّاسُ يُفِيضُونَ
في قَوْلِ أَصْحابِ الإِفْكِ لا أُشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعي أَنِّي لا أعْرِفُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ اللَّطَفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أُشْتَكِي إِنما يَدْخُلُ عَليَّ رَسُولُ اللهِعَم
فَيْسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذَاكَ الَّذِي تَرِيثني ولا أشْعُرُ بالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ
ما نَقَهْتُ فَخَرَجَتْ معيٍ أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصعِ وَهُوَ مُتَوَُّنا وكُتّا لا نَخْرُجُ آلا لَيْلاً إلى لَيْلِ
وذلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُتُفَ قَرِيباً مِنْ بُيُوتِنا وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأول في التََّرُّرِ قِبَلَ الغَائِطِ فَكْثَّا
نَتَأْذَّى بالكُتُفِ أن نَتَّخِذَها عِنْدَ بُيُوتِنا فانْطَلَقْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحِ وهْيَ بِنْتُ أبي رُهْمِ ابنِ عَبْدِ

١١٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
مَنافٍ وأُمُّها بِئْتُ صَخْرٍ بنٍ عامِرٍ خالَةُ أبي بَكْرِ الصِّدِّيق وابنُها مسطَحُ بنُ أثاثةَ فأقْبَلْتُ أنا وأُ
مِسْطَحِ قِبَلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنا مِنْ شَأْنِنا فَعَثَرَتْ أُمّ مسطحِ في مِرْطِها فقالَتْ تَعِسَ مِسْطَحْ فَقُلْتُ
لَها بِئْسَ ما قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْراً قَالَتْ أَيْ هَتْتَاهْ أَوَ لَمْ تَسْمَعِي ما قال قالَتْ قُلْتُ وما
قال قالَتْ فأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإِفْكِ فازْدَدْتُ مَرَضاً عَلَى مَرَضِي فَلَمَّا رَجعْتُ إلى بَيْتِي
ودَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِعَلِ تَغَنِي سَلَّمَ ثُمَّ قال كَيْفَ تِيكُمْ فَقُلْتُ أَتَأْذَنُ لي أنْ آتِيَ أَبَوَيَّ
قَالَتْ وأنا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أنْ أُسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلهِما قالَتْ فأذِنَ لي رسولُ اللهِعَ لِ فِجِئْتُ أَبَوَيَّ
فَقُلْتُ لِأَمِّي يا أُمَّتَاهُ ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ قَالَتْ يَا بُنَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فوَالله لقَلَّمَا كانَتِ امْرَأَةٌ قَطُ
وضِيئَةً عِنْدَ رَبجلٍ يُحِبُّها وَلَها ضَرَائِرُ إِلَّ كَثَّرْنَ عَلَيْها قالَتْ فَقُلْتُ سُبْحانَ الله وَلَقَدْ تَحَدَّثَ
النّاسُ بِهِذا قالَتْ فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لا يَرْقأُ لِي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتَّى
أَصْبَحْتُ أَبْكِي فَدَعا رَسُولُ اللهِ عَمِ عَلَيَّ بنَ أبي طالِبٍ وَأَسامَةَ بنَ زَيْدٍ رضيَ الله عنهما حِينَ
اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُما في فِرَاقِ أهلِهِ قالَتْ فَأُمَّا أَسامَةُ بنُ زَيْدٍ فأشارَ عَلى رسولِ اللهِ عَ له
بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أهْلِهِ وبالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ فقال يا رسولَ الله أَهْلُكَ وما
نَعْلَمُ إلاّ خَيْراً وأمَّا عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ فقال يا رسولَ الله لَمْ يضَيِّقِ الله عَلَيْكَ والنِّساءِ سِوَاها
كَثِيرٌ وإنْ تَسْألِ الجارِيَةَ تَصْدُقْكَ قالَتْ فَدَعا رسولُ الله عَ لِّ بَرِيرَةَ فقال أَيْ برِيرَةُ هَلْ رأيْتِ
مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قالَتْ بَرِيرَةُ لا والّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْها أمْراً أغْمصُهُ عَلَيْها أكْثَرَ مِنْ
أنّها جارِيةٌ حَدِيثَةُ السّنِّ تَنامُ عنْ عچِينِ أهْلِها فَتَأْتِي الدَّاجنُ فَتَأْكُلُهُ فقامَ رسُولُ اللهِ عَّ
فاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبَيّ ابنٍ سَلولَ قالَتْ فقال رسولُ الله عَّمِ وهْوَ عَلَى المِنْبَرِ يا
مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مِنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ في أَهْلِ بَيْتِي فوالله ما عَلِمْتُ
عَلَى أَهْلِي إلاّ خَيْراً وَلَقَدْ ذَكَّرُوا رجلاً ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاّ خَيْرَاً وما كانَ يَدْخُلُ عَلَى
أُهْلِي إلاّ مَعِي فَقامَ سَعْدُ بنُ مُعاذٍ الأنصارِيُّ فقال يا رسولُ الله أنا أعْذِرُكَ مِنْهُ إنْ كانَ مِنَ
الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِنْ إِخْوَانِنا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنا أمْرَكَ قالَتْ فقامَ سَعْدُ بنُ
عُبادَةَ وَهْوَ سَيِّدُ الخَزْرَج وكانَ قَبْلَ ذُلِكَ رَجُلاً صالحاً ولُكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فقال لِسَعْدٍ
كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لاَ تَقْتُلُهُ ولاَ تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ مُضَيْرٍ وَهُوَ ابنُ عَمِّ سَعْدٍ فقال
لِسَعْدِ بنِ عُبَادَةَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فإِنَّكَ مُنافقٌ تُجادِلُ عَنِ المُناقِقِينَ فَتَنَاوَرِ الحَيَّانِ الأَوْسُ
والخَزْرَجُ حَتّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللهِعَالِ قَائِمٌ عَلَى المِنْبَرِ فَلَمْ يَزَّلْ رسولُ اللهِ صَله
يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَثُوا وَسَكَتَ قَالَتْ فَمَكُنْتُ يَوْمِي ذُلِكَ لا يَزْقَأْ لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ
قالَتْ فَأَصْبَحَ أَبُوَايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْماً لا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَلاَ يَرْقاً لِي دَمْعٌ يَظُنَّانِ أنَّ
البُكاءَ فَالِقٌّ كَبِدِي قالَتْ فَبَيْنَما هُما جالِسان عِنْدِي وأنا أَبْكِي فاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأنْصارِ
فأذِنْتُ لَها فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قَالَتْ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذُلِكَ دَخَلَ عَلَيْنا رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فَسَلَّمَ
ثُمَّ جَلَسَ قالتْ ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ ما قِيلَ قَبْلَها وَقَدْ لَبِثَ شَهْراً لاَ يُوحَى إِلَيْهِ في
شَأْنِي قالَتْ فَتَشْهَّدَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قال أمّا بَعْدُ يا عائِشَةُ فإنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ
كَذَا وَكَذَا فإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرَّتُكِ الله وإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي الله وتُوبِي

١١٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ/ سورة النور
إِلَيْهِ فإِنَّ العَبْدَ إِذَا اغْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ إلى الله تابَ الله عَلَيْهِ قالَتْ فَلَمَّا قَضَى رسولُ الله
عَّلِ مِقالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى ما أُحِسُ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لأَبِي أجِبْ رسولَ الله عَُّلِّ فِيما قال
قال والله ما أذْرِي ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ عَ لَّهِ فَقُلْتُ لأمِّي أَجِيبِي رسولَ الله عَ لَّه قالَتْ ما أدْرِي
ما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ عَلِ قَالَتْ فَقُلْتُ وأنا جارِيَّةٌ حَدِيثَةُ السَّنِّ لا أقْرَأْ كَثِيراً مِنَ القُرْآنِ إِنِّي والله
لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ لهذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ في أَنْفسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلِيْنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي
بَرِيئَةٌ والله يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ وَلِقَنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأمْرٍ والله يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ
لَتُصَدِّقُنِي والله ما أَجِدُ لَكُمْ مَثَلاً إلاّ قَوْلَ أبي يُوسُفَ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المُسْتَعَانُ عَلَى
ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي قَالَتْ وِأنا حِينَئِذٍ أُعْلَمُ
أَنِّي بَرِيئَةٌ وأنَّ الله ◌ُيَرِّثُنِي بِبَرَاءَتِي وَلَكِنْ والله ما كُنْتُ أَظُنَّ أَنَّ الله مُنْزِلٌ فِي شأْنِي وَحْياً يُثْلَى
ولَشَأْنِي في نَفْسي كانَ أحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهِ فِيَّ بأمر يُثْلَى ولَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى
رسولُ الله عَلِ فِي النَّوْمِ رُؤْيا بُيَرِّثُنِي الله بِها قالَتْ فَوَالله ما رَامَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ وَلاَ خَرَجَ أحَدٌ
مِنْ أَهْلِ البَيْتِ حَتَّى أَنْزِلَ عليهِ فَأَخَذَهُ ما كانَ يأْخُذُهُ مِنَ البُرَحاءِ حَتَّى إِنّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ
الجُمانِ مِنَ العَرَقِ وهوَ في يَوْمِ شاتٍ مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ قالتْ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ
رسولِ الله عَ لَه سُرِّي عَنْهُ وَهْوَ يَضْحَكُ فَكَانَتْ أوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها يا عَائِشَةُ أَمَّا الله عَزَّ
وجَلَّ فَقَدْ بَرَّاكِ فقالَتْ أُمِّي قُومِي إِلَيْهِ قَالَتْ فَقُلْتُ والله لا أَقُومُ إلَيْهِ ولاَ أَخْمَدُ إلَّ الله عَزَّ وجَلَّ
وأَنْزَلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جاؤُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَخْسَبُوهُ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآياتِ
كُلَّها فَلَمَّا أَنْزَلَ الله لهذَا فِي بَرَاءَتِي قالٍ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه وكانَ يُنْفِقُ عَلَى
مِسْطَحِ بنِ أَثاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وِفَقْرِهِ والله لا أَتْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ شَيْئاً أَبَداً بَعْدَ الَّذِي قال لِعَائِشَةَ ما
قال فَأَنْزَلَّ الله: ﴿ولا يأْتَلِ أُولُوَ الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ أَنْ يُؤْتوا أُولى القُرْبى والمَساكِينَ
والمُهاجِرينَ في سَبِيلِ الله ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[النور: ٢٢]. قال أبُو بَكْرٍ: بَلَى والله إنِّي أُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ الله ◌ِي، فَرَجَعَ إِلى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ الَّتِي
كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وقال والله لا أَنْزِعُها مِنْهُ أَبَداً قالَتْ عَائِشَةُ وكانَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ يَسألُ زَيْنَبَ
بِنْتَ جَخْشٍ عنْ أَمْرِي فقال يا زَيْتَبُ ماذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ فقالَتْ يار سولَ الله أخْمِي سَمْعِي
وبَصَرِي مَا عَلِمْتُ إلاّ خَيْراً قَالَتْ وهيَ الّتي كانَتْ تُسامِينِي مِنْ أزواج رسولِ الله عَليه
فَعَصَمَها الله بالوَرَعِ وطَفِقَتْ أُخْتُها حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَها فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلُكَ مِنْ أصْحاب
الإفْكِ. [انظر الحديث ٢٥٩٣ وأطرافه].
هذا الحديث أخرجه البخاري مطولاً ومختصراً في عدة مواضع ذكرناها في كتاب
الشهادات في: باب تعديل النساء بعضهن بعضاً وذكرنا أيضاً ما يتعلق بالمعاني وغيرها هناك
ولنذكر هنا بعض شيء.
قوله: ((وكل حدثني طائفة)) أي: بعضاً، قال عياض: انتقدوا على الزهري ما صنعه من
روايته لهذا الحديث ملفقاً عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد
منهم عن الآخر. انتهى. قد ذكرنا هناك ما فيه جواب عما قالوه. قوله: ((عن عروة عن عائشة

١١٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النور
أن عائشة قالت)) ليس المراد أن عائشة تروي عن نفسها، بل معنى قوله: عن عائشة، أي: عن
حديث عائشة في قصة الإفك، ثم شرع يحدث عن عائشة، فقال: إن عائشة قالت ... ووقع
في رواية فليح: أن عائشة قالت ... والزعم قد يقع موقع القول. قوله: ((في غزوة غزاها)) هي
غزوة بني المصطلق. قوله: ((فخرج سهمي)) هذا يشعر بأنها كانت في تلك الغزوة وحدها،
ويروى عن الواقدي أن أم سلمة أيضاً كانت في تلك الغزوة وهو ضعيف. قوله: ((بعدما نزل
الحجاب))، أي: بعدما نزل الأمر بالحجاب، والمراد حجاب النساء عن رؤية الرجال لهن
وكن قبل ذلك لا يمنعن. قوله: ((فسرنا، حتى إذا فرغ)) فيه حذف تقديره: فسرنا وغنمنا
أموالهم وأنفسهم إلى أن فرغ. قوله: ((لم يثقلن))، من التثقيل، وفي رواية فليح: لم يغشهن
اللحم، وفي رواية معمر: لم يهبلهن، وحكى ابن الجوزي أن ابن الخشاب ضبطه بفتح أوله
وسكون الهاء وكسر الباء الموحدة، وقال القرطبي بضمها، وقال النووي: المشهور في ضبطه
ضم أوله وفتح الهاء وتشديد الموحدة وبفتح أوله وثالثه أيضاً وبضم أوله وكسر ثالثه من
الرباعي، يقال: هبله اللحم وأهبله إذا أثقله وأصبح فلان مهبلاً أي كثير اللحم. قوله: ((إنما
نأكل))، بنون المتكلم مع الغير وهي رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: إنما يأكلن. قوله:
((خفة الهودج))، ووقع في رواية فليح ومعمر: ثقل الهودج، والأول أوضح. قوله: ((حديثة
السن))، لأنها حينئذٍ لم تكمل خمس عشرة سنة. قوله: ((فأممت))، أي: قصدت، وفي رواية
أبي ذر هنا بتشديد الميم الأولى.
قوله: ((بعدما استمر الجيش))، أي: بعدما مر الجيش أي ذهبوا ماضين السين فيه
زائدة. قوله: ((سيفقدوني)) هذا في رواية فليح بنون واحدة، وفي رواية غيره بنونين لعدم
الجازم والناصب، والأولى لغة. قوله: ((فيرجعون إلي))، ووقع في رواية معمر: فيرجعوا، بغير
نون وقد قلنا: إنه لغة. قوله: ((غير استرجاعه))، وهو قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. قوله:
((موغرين))، بالغين المعجمة وبالراء أي: داخلين في شدة الحر، من أوغر من الوغرة، وهي
شدة الحر، ويروى: مغورين، بتقديم الغين المعجمة وتشديد الواو من التغوير وهو النزول وقت
القائلة، وفي رواية فليح: معرسين، من التعريس، وهو نزول المسافر في آخر الليل. قوله: ((في
نحر الظهيرة))، بالنون أي: في أولها. قوله: (فاشتكيت))، أي: مرضت. قوله: ((شهراً)) أي:
مدة شهر. قوله: ((فهلك))، أي: بسبب الإفك ومن فاعله، وزاد صالح في روايته: في شأني.
قوله: ((والناس يفيضون))، بضم الياء من الإفاضة أي: يخوضون في القول، يقال: أفاض في
القول إذا أكثر منه. قوله: ((وهو يريبني))، بفتح الياء من الريب وبضمها من الإرابة وهو
التشكيك، يقال: رابه وأرابه. قوله: ((اللطف))، وفيه لغة بفتحتين. قوله: ((كيف تيكم)) بكسر
التاء المثناة من فوق وهي للمؤنث مثل: ذاكم للمذكر. قوله: ((نقهت))، بفتح القاف وقد
تكسر من نقه من مرضه يعني أفاق ولم تتكامل صحته. قوله: ((قبل المناصع))، بكسر القاف
وفتح الباء أي: جهة المناصع وهي المواضع الخارجة عن المدينة يتبرزون فيها. قوله:
((متبرزنا))، بفتح الراء قبل الزاي وهو موضع التبرز. قوله: ((الكنف))، بضمنتين جمع: كنيف.

١١٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ/ سورة النور
قوله: ((الأول))، بضم الهمزة وفتح الواو صفة العرب، وبفتح الهمزة وتشديد الواو صفة الأمر.
وقال النووي: وكلاهما صحيح. قوله: ((في التبرز)) وفي رواية فليح: في البرية، بفتح الباء
الموحدة وتشديد الراء المكسورة أو: في التنزه، بالشك وهو بفتح التاء المثناة من فوق والزاي
المشددة وهو طلب النزاهة والمراد البعد عن البيوت. قوله: ((أم مسطح))، اسمها. قوله: ((بنت
أبي رهم))، بضم الراء واسم أبي رهم أنيس. قوله: ((أثاثة))، بضم الهمزة وبثاءين مثلثتين
مخففتين: ابن عباد بن عبد المطلب وهو مطلبي من أبيه وأمه، والمسطح عود من أعواد
الخباء وهو لقب واسمه عوف، وقيل: عامر، والأول أصح. قوله: ((أي هنتاه))، بفتح الهاء
وسكون النون وقد تفتح بعدها تاء مثناة من فوق وآخرها ساكنة، وقد تضم أي: يا هذه،
وقيل: يا امرأة، وقيل: بلهاء كأنها نسبتها إلى قلة المعرفة بمكائد الناس، وهذه اللفظة تختص
بالنداء وإذا خوطب المذكر قيل: ياهنة، وحكي تشديد النون وأنكره الأزهري.
قوله: ((ودخل علي))، وفي رواية: فدخل، قيل الفاء زائدة والأولى أن يقال فيه
:
حذف تقديره: فلما رجعت إلى بيتي واستقررت فيه فدخل. قوله: ((وضيئة))، على وزن:
عظيمة، أي: جميلة حسناء من الوضاءة وهي الحسن، وفي رواية مسلم: حظيئة من الحظوة
بالظاء المعجمة أي: رفيعة المنزلة. قوله: ((ضرائر)) جمع ضرة، وقيل للزوجات، ضرائر، لأن
كل واحدة يحصل لها الضرر من الأخرى بالغيرة. قوله: ((إلاَّ كثرن)) بالتشديد من التكثير وفي
رواية الكشميهني وفي رواية غيره: أكثرن، أي: أكثرن القول في عيبها. قوله: ((لا يرقأ))، بفتح
القاف وبالهمزة أي: لا يسكن ولا ينقطع. قوله: ((ولا أكتحل بنوم)» إستعارة عن السهر. قوله:
((حين استلبث الوحي))، والوحي بالرفع فاعل: استلبث، ويحوز بالنصب على معنى استبطاء
النبي عَّهِ نزوله. قوله: ((يستأمرهما))، أي: يشتشيرهما. قوله: ((في فراق أهله))، ولم يقل في
فراقها لكراهة إضافة التفريق إليها صريحاً. قوله: ((أهلك)) ذكر بالرفع أي: هي أهلك، وعلم
من هذا جواز إطلاق الأهل على الزوجة، وفي رواية معمر: ((هم أهلك))، ذكر بلفظ الجمع
للتعظيم ويجوز النصب أي: إلزم أهلك. قوله: ((لم يضيق الله عليك))، لم يقصد علي رضي
الله عنه، بهذا الكلام إلا إسكان ما عند النبي عَّهِ من القلق بسببها وإلاَّ لم يكن في قلبه منها
شيء. قوله: ((أغمصه))، بغين معجمة وصاد مهملة أي: أعيبه. قوله: ((الداجن))، بالجيم: هي
الشاة التي تقتنى في البيت ولا تخرج إلى المرعى، وقيل: كل ما يقتنى في البيت من شاة أو
طير فهو داجن. قوله: ((فاستعذر يومئذٍ من عبد الله)) أي: طلب من يعذره منه، أي: ينصفه.
قوله: ((ضربت عنقه)) هذا في رواية صالح بن كيسان، وفي رواية غيره، ((ضربنا)) بنون الجمع،
قوله: ((وإن كان من إخواننا من الخزرج)). كلمة: من. الأولى تبعيضية، والثانية بيانية. قوله:
((وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً))، أي: كامل الصلاح ولكنه تغير، يدل عليه رواية الواقدي:
((وكان صالحاً لكن الغضب بلغ منه، ومع ذلك لم يغمص عليه في دينه))، قوله: ((لعمر
الله))، بفتح العين لأنه لا يستعمل في القسم إلاّ بالفتح. قوله: ((ولكن احتملته الحمية))، أي:
أغضبته، وفي رواية مسلم: ((اجتهلته))، بالجيم أي: حملته على الجهل. قوله: ((أسيد بن

١٢٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة النور
حضير)) بالتصغير فيهما. قوله: ((فتشاور))، تفاعل من الثورة، يقال: ثار يثور إذا ارتفع وأراد به
النهوض للنزاع والعصبية، ((والحيان)) تثنية حي، وهي كالقبيلة، ووقع في حديث ابن عمر قام
سعد بن معاذ: فسل سيفه، قوله: ((يخفضهم))، أي: يسكنهم، وفي رواية ابن حاطب: ((فلم
يزل يومىء بيده إلى الناس ههنا حتى هدأ الصوت)). وفي رواية فليح: ((فنزل يخفضهم
حتى سكتوا، وفي رواية عن الزهري: ((فحجز بينهم)). قوله: ((فمكثت))، من المكث وفي
رواية الكشميهني: ((فبكيت))، من البكاء. قوله: ((ليلتين ويوماً)) أي: الليلة التي أخبرتها فيها أم
مسطح الخبر، واليوم الذي خطب فيه النبي عَّةٍ، للناس، والليلة التي تليها. قوله:
((فاستأذنت علي)) تقديره: جاءت فاستأذنت علي، بتشديد الياء. قوله: ((فبينا نحن كذلك))
رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: فبينا نحن على ذلك. قوله: ((فتشهد))، وفي رواية هشام
ابن عروة: فحمد الله وأثنى عليه. قوله: ((عنك كذا وكذا)) كناية عما رميت به من الإفك.
انتهى. قوله: ((وإن كنت ألممت)) أي: وقع منك على خلاف العادة.
قوله: ((قلص)) بفتح القاف واللام وبالصاد المهملة أي: ارتفع دمعي لاستعظام ما
بغتني من الكلام، وتخلف بالكلية. قوله: ((وأنا جارية حديثة السن)) ... إلى آخره، ذكرت
هذه الأشياء توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر إسم يعقوب عليه السلام. قوله: ((وصدقتم
به)»، وفي رواية هشام بن عروة: لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم. قوله: ((لا تصدقوني بذلك))،
ويروى: لا تصدقونني، بنونين على الأصل، أي: لا تقطعون بصدقي، وفي رواية هشام بن
عروة: ما ذاك بنافعي عندكم. قوله: ((لا تصدقوني))، فأدغمت إحدى النونين في الأخرى.
قوله: ((وإن الله بيرءني))، والرواية المشهورة وأن الله يبرىء، بغير نون، وقال ابن التين: إنه وقع
عندي: مبرثني، بنون وزعم أنه هو الصحيح، ولكن المشهور بغير نون فافهم. قوله: ((ما رام))،
أي: ما فارق ((رسول الله عَّه)) وهذا من الريم، وأما رام، بمعنى: طلب فمن الروم. قوله: ((من
البرجاء»، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وتخفيف الحاء المهملة، وبالمد وهي: شدة
الحمى، وقيل: شدة الكرب، ووقع في رواية إسحاق بن راشد: وهو العرق، وبه جزم
الدوادي، وهي رواية ابن حاطب وشخص بصره إلى السقف، وفي رواية عمر ابن أبي سلمة
عن أبيه عن عائشة: فأتاه الوحي، وكان إذا أتاه الوحي أخذه السبل، أخرجه الحاكم وفي
رواية أبي إسحاق: فسجي بثوب، ووضعت تحت رأسه وسادة من أدم. قوله: ((الجمان))،
بضم الجيم وتخفيف الميم: اللؤلؤ، وقيل: حب يعمل من الفضة كاللؤلؤ، وقال الداودي:
خرز أبيض. قوله: ((فلما سري))، بضم السين المهملة وكسر الراء المشددة أي: كشف.
قوله: ((العشر الآيات)) آخرها: ((والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) فإن قلت: وقع في رواية عطاء
الخرساني عن الزهري، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين جاؤوا﴾ [النور: ١٩] إلى قوله: ﴿أن يغفر
الله لكم والله غفور رحيم﴾ [النور: ١١-٢٢]. وعدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشرة آية،
ووقع في رواية الحكم بن عتيبة مرسلاً: فأنزل الله خمس عشرة آية من سورة النور حتى بلغ
﴿الخبيثات للخبيثين﴾ [النور: ٢٦] أخرجه الطبري، وعدد الآي إلى هذا الموضع ست