Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
٨ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ الله اثْنَا عِشَرَ شَهْراً في كتابِ الله يَوْمَ
خَلَقَ السَّمْوَاتِ والأَرْضَ مِنْها أزْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿إن عدة الشهور﴾ إلى آخره، وليس في بعض
النسخ لفظ: باب.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] الفَيِّمُ هُوَ القائِمُ
أي: هذا هو الشرع المستقيم من امتثال أمر الله - عز وجل - فيما جعل من الأشهر
الحرم والحذو بها على ما سبق في كتاب الله تعالى، وقال الزمخشري: ﴿ذلك الدين القيم﴾
يعني: أن تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
قوله: ((القيم)) على وزن فعل بتشديد العين مبالغة في معنى القائم، وفي بعض التفاسير:
﴿ذلك الدين القيم﴾ أي: الحساب المستقيم الصحيح والعدد المستوي، قاله الجمهور.
﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكَمْ﴾ [التوبة: ٣٦]
أي: في الأربعة الأشهر، وقيل في الإثني عشر بالقتال، ثم نسخ وقيل: بارتكاب الآثام.
٤٦٦٢/١٨٢ - حدَثْنَا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عنْ
مُحَمَّدٍ عنْ ابْنِ أَبِي بَكرَةَ عنْ أبِي بَكْرَةَ عنِ النبيِّ عَلَّلِ قال إنَّ الزمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَھَيْئَتِهِ يَوْم
خَلَقَ الله السَّمْوَاتِ والأَرْضَ السَّنَةُ الْنا عَشرَ شَهْراً مِنْها أزْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاَثٌ مِتَوَالِياتٌ ذُو
القَعْدَةِ وذو الحَجّةِ والمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الّذِي بَيْنَ جمادَى وَشَعْبانَ. [انظر الحديث ٦٧
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي البصري،
وأيوب هو السختياني ومحمد هو ابن سيرين وابن أبي بكرة هو عبد الرحمن يروي عن أبيه
أبي بكرة نفيع بن الحارث.
والحديث مضى في أوائل بدء الخلق، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن المثنى عن
عبد الوهاب عن أيوب عن محمد بن سيرين إلى آخره.
قوله: ((إن الزمان)) المراد به السنة ((قد استدار)) المراد بالاستدارة انتقال الزمان إلى
هيئته الأولى، وذلك أن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر وهو النسيء ليقاتلوا فيه
ويفعلون ذلك سنة بعد سنة، فينتقل المحرم من شهر إلى شهر حتى يجعلوه في جميع شهور
السنة. قوله: ((كهيئته)) أي: على الوضع الذي كان قبل النسىء لا زائداً في العدد ولا مغيراً
كل شهر عن موضعه. قوله: ((متواليات)) أي: متتابعات. قوله: ((ورجب مضر)) إنما أضيف
رجب إلى مضر التي هي القبيلة لأنهم كانوا يعظمونه ولم يغيروه عن مكانه، ورجب من
الترجيب وهو التعظيم ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات. قوله: ((بين جمادى وشعبان))

٣٦٢
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
تأكيد، والمراد بجمادى جمادى الآخرة، وقد يذكر ويؤنث فيقال: جمادى الأول والأولى
وجمادى الآخر والآخرة، ويجمع على جمادات كحبارى وحباريات، وسمي بذلك لجمود
الماء فيه. قلت: كأنه حين وضع أولاً اتفق جمود الماء فيه وإلاَّ فالشهور تدور.
٩ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ الله
مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] أي: ناصِرُنا
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ثاني اثنين﴾ إلى آخره، وليس في بعض النسخ لفظ:
باب، وقيل: ثاني اثنين ﴿إِلاَّ تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما
في الغار﴾ الآية. قوله: ((إلا تنصروه) أي إلاَّ تنصروا رسوله محمداً عَّ له، فإن الله ناصره
ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى نصره ((إذ أخرجه الذين كفروا)) أي حين أخرجه مشركو
مكة وذلك عام الهجرة حين هموا بقتله أو حبسه أو نفيه. قوله: ((ثاني اثنين)) أي: أحد
الإثنين، كقولك: ثالث ثلاثة، وهما رسول الله عَ ليه، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وانتصابه على الحال، وقرىء: ثاني اثنين، بالسكون قوله: (إذ هما)) بدل من قوله: ((إذ
أخرجه الذين كفروا)) والغار ثقب في أعلى ثور وهو جبل مشهور بالمفجر من خلف مكة من
طريق اليمن، وهو المعروف بثور أطحل، وقال الزمخشري: وهو جبل في يمنى مكة على
مسيرة ساعة. قوله: ((إذ يقول:)) بدلٌ ثانٍ. قوله: ((لصاحبه)) هو أبو بكر رضي الله عنه. قوله:
((أي ناصرنا)) هذا تفسير قوله: ((معنا)).
السكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ
أشار به إلى قوله: ﴿فأنزل الله سكينته عليه وأيده﴾ الآية، ثم أشار إلى أن وزن
السكينة: فعيلة، وأنه مشتق من السكون، وفي التفسير: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ أي: تأييده،
ونصره عليه أي: على رسوله في أشهر القولين، وقيل: على أبي بكر رضي الله عنه، وروي
عن ابن عباس وغيره، قالوا: لأن الرسول لم تزل معه سكينة، وهذا لا ينافي تجديد سكينته
خاصة بتلك الحال، ولهذا قال: ﴿أيده بجنود لم تروها﴾ أي: الملائكة.
٤٦٦٣/١٨٣ - حدثنا عبدُ الله بن مُحَمَّدٍ حدثنا حَبَّانُ حدثنا هَمَّامٌ حدثنا ثابتٌ
حدثنا أنّسٌ قال حدثني أَبُو بَكرٍ رضي الله عنه قال كُنْتُ مَعَ النبيِّ عَ لَّه فِي الْغَارِ فَرَأيْتُ آثارَ
المُشْرِكِينَ قُلْتُ يارِ سُولَ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَّآنا قال ما ظَنُّكَ بإِقْنَيْنِ الله ثَالِثُهُما.
[انظر الحديث ٣٦٥٣ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله بن محمد أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف
بالسندي، وحبان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن هلال الباهلي، وهمام -
بتشديد الميم الأولى - ابن يحيى العوذي، بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذال
المعجمة، وثابت بن أسلم البناني ولم يأت إسناد إلى هنا مثل هذا الإسناد، فإن رواته كلهم

٣٦٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
بالتدحيث الصرف، والحديث مضى في مناقب أبي بكر رضي الله عنه، فإنه أخرجه هناك عن
محمد بن سنان عن همام ... إلى آخره. ومضى الكلام فيه هناك.
٤٦٦٤/١٨٤ - حدَثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ ابنِ جُرَيْج عن ابن أبي
مُلَيْكَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّهُ قال حِينَ وقَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ابنِ الزُّبَيْرِ قُلْتُ أَبُوهُ الزُّبَيْرُ
وأُّهُ أسْماءُ وخَالَتُهُ عَائِشَةُ وجَدَّهُ أَبُو بَكْرٍ وجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ إِسْنادُهُ فقال حدّثنا فَشَغَلَهُ
إنسانٌ ولَمْ يَقلِ ابنُ لُجُرَيْجٍ.
عبد الله بن محمد هذا هو المذكور فيما قبله فإنه أخرج عنه في هذا الباب ثلاثة
أحاديث متواليات كما تراه، ويمكن أن يكون وجه المطابقة في هذا الحديث للترجمة وفي
الحديث الذي بعده من حيث كونهم من رواية عبد الله بن محمد، ويكتفي بهذا المقدار
على أن في هذا الحديث ذكر أسماء وعائشة في معرض فضيلتهما المستلزمة لفضل أبي
بكر، رضي الله تعالى عنه، وفي الترجمة الإشعار بفضل أبي بكر.
وابن عيينة هو سفيان، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وابن أبي
مليكة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة، وقد تكرر ذكرهم.
قوله: ((حين وقع بينه وبين ابن الزبير)) أي: حين وقع بين ابن عباس وبين عبد الله بن
الزبير رضي الله تعالى عنهم، وذلك بسبب البيعة، وملخص ذلك أن معاوية لما مات امتنع
ابن الزبير من البيعة ليزيد بن معاوية وأصر على ذلك، ولما بلغه خبر موت يزيد بن معاوية دعا
ابن الزبير إلى نفسه فبويع بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز ومصر وعراق وخراسان وكثير من
أهل الشام، ثم جرت أمور حتى آلت الخلافة إلى عبد الملك، وذلك كله في سنة أربع
وستين، وكان محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية وعبد الله بن عباس
مقيمين بمكة منذ قتل الحسين، رضي الله تعالى عنه، فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له فامتنعا
وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة، وتبعهما على ذلك جماعة فشدد عليهم ابن
الزبير وحصرهم فبلغ الخبر المختار بن أبي عبيد وكان قد غلب على الكوفة وكان فر منه
من كان من قبل ابن الزبير، فجهز إليهم جيشاً فأخرجوهما واستأذنوهما في قتال ابن الزبير
فامتنعا، وخرجا إلى الطائف فأقاما بها حتى مات ابن عباس في سنة ثمان وستين، ورحل ابن
الحنفية بعده إلى جهة رضوى جبل ينبع فأقام هناك، ثم أراد دخول الشام فتوجه إلى نحو أيلة
فمات في آخر سنة ثلاثة أو أول سنة أربع وسبعين، وذلك عقيب قتل ابن الزبير على
الصحيح.
قوله: ((قلت أبوه الزبير))، القائل هو ابن أبي مليكة يعدد بهذا إلى آخره شرف ابن
الزبير وفضله واستحقاقه الخلافة مثل الذي ينكر على ابن عباس على امتناعه من البيعة له،
يقول: أبوه عبد الله هو الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرة بالجنة. وأمه أسماء بنت أبي بكر
الصديق، وخالته عائشة لأنها أخت أسماء، وجدته صفية بنت عبد المطلب وهي أم الزبير.

٣٦٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
قوله: ((فقلت لسفيان))، القائل هو عبد الله بن محمد شيخ البخاري. قوله: ((إسناده))، أي:
اذكر إسناده، ويجوز بالرفع على تقدير: ما هو إسناده. قوله: ((فقال: حدثنا))، أي: قال سفيان:
حدثنا فشغله إنسان بكلام أو نحوه ولم يقل حدثنا ابن جريج، وقال الكرماني: قد ذكر
الإسناد أولاً فما معنى السؤال عنه؟ ثم أجاب عن كيفية العنعنة بأنها بالواسطة وبدونها. قلت:
فلذلك أخرج البخاري الحديث من وجهين آخرين على ما يجيء الآن لأجل الاستظهار.
٤٦٦٥/١٨٥ - حدثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَثني يَحْتَى بنُ مُعِينٍ حدَّثنا حَجَّاجٌ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قال ابنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أَتُرِيدُ أنْ
تُقَاتِلَ ابنَ الزُّبَيْرِ فَتُحِلُّ حَرَمَ اللهِ فَقَال مَعاذَ الله إنَّ الله كَتَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَيَنِي أَمَيَّةَ مُحِلِّينَ وَإِنِّي
وَالله لا أَحِلُّهُ أَبَداً قَالَ قَالَ النَّاسُ بَايِع لابْنِ الزُّبَيْرِ فَقُلْتُ وَأَيْنَ بِهَذا الأمْرِ عَنْهُ أمّا أَبُوهُ فَحَوَارِيُّ
النبي عَّهِ يُرِيدُ الزُّبَيْرَ وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الغَارِ يُرِيدُ أَبًا بَكْرٍ وَأَمَّا أَمُّهُ فَذَاتُ النِّطاق يُرِيدُ
أَسْمَاءَ وَأَمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ المُؤْمِنِينَ يُرِيدُ عَائِشَةَ وَأمّا عَمَّتُهُ فَوْجُ النبيِّ عَ لَّه يُرِيدُ خَدِيجَةَ وَأَمَّا عَمَّةُ
النبيِّ عَِّ فَجَدَّتُهُ يُرِيدُ صَفِيَّةً ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الإسْلامِ قَارِىءٌ لِلْقُرْآنِ وَالله إنْ وَصَلُونِي
وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ وَإِنْ رَبُّونِي رَبُّونِي أَكْفَاءٌ كِرَامٌ فَثَرَ الْتُّوَيْتَاتِ وَالأصاماتِ وَالحُمِيدَاتِ ثُرِيدُ
أَبْطُنا مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَنِي تُوَيْتٍ وَبَنِي أَسَامَةَ وَبَنِي حُمَيْدٍ إِنَّ ابْنَ أَبِي العَاصِ بَرَزَ يَمْشِي القُدَمِيَّةَ
يَعْنِي عَبْدَ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ وَأَنَّهُ لَوَّى ذَنَتَهُ يَعْنِي ابنَ الزُّبَيْرِ. [الحديث ٤٦٦٤ - أطرافه في
٤٦٦٥، ٤٦٦٦].
هذا الحديث الثالث من الأحاديث الثلاثة التي أخرجها عن عبد الله بن محمد
المذكور، وهو يرويه عن يحيى بن معين، بضم الميم، ابن عون أبي زكريا البغدادي عن
حجاج بن محمد المصيصي إلى آخره.
قوله: ((وكان بينهما)) أي: بين ابن عباس وابن الزبير، ولكن لم يجر ذكرهما فأعاد
الضمير إليهما اختصاراً. قوله: ((شيء)) يعني: مما يصدر بين المتخاصمين، وقيل: الذي وقع
بينه وبين ابن الزبير كان فى بعض قراءة القرآن. قوله: ((فغدوت)»، من الغدو وهو الذهاب.
قوله: ((فقلت: أتريد))؟ الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار يخاطب به ابن أبي مليكة ابن
عباس. قوله: ((فتحل))، بالنصب من الإحلال. قوله: ((حرم الله)) بالنصب على المفعولية،
ويروى: ((فتحل ما حرم الله)) أي: من القتال في الحرم. قوله: ((فقال: معاذ الله)) أي: فقال ابن
عباس: العوذ بالله على إحلال الحرم. قوله: ((إن الله كتب ابن الزبير)) أي: قدر ابن الزبير
وبني أمية محلين بكسر اللام، أراد أنهم كانوا محلين يعني مبيحين القتال في الحرم، وكان
ابن الزبير يسمى المحل. قوله: ((وإني والله لا أحله))، من كلام ابن عباس، أي: لا أحل
الحرم أبداً. وهذا مذهب ابن عباس أنه لا يقاتل في الحرم وإن قوتل فيه. قوله: ((قال: قال
الناس))، القائل هو ابن عباس، وناقل ذلك عنه هو ابن أبي مليكة، والمراد بالناس من كان من
جهة ابن الزبير. قوله: ((بايع)) أمر من المبايعة. قوله: ((فقلت))، قائله ابن عباس. قوله: ((وأين

٣٦٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسير القُرْآنِ / سورة التوبة
بهذا الأمر عنه))؟ أراد بالأمر الخلافة، يعني: ليست بعيدة عنه لما له من الشرف من قوله: أما
أبوه إلى آخره، أي: أما أبو عبد الله وهو الزبير بن العوام فحواري النبي عَّةِ، وقد مضى في
مناقب الزبير عن جابر. قال: قال النبي عَّهِ: ((إن لكل نبي حوارياً وإن حواري الزبير بن
العوام)» والحواري الناصر الخالص.
قوله: ((يريد الزبير)) أي: يريد ابن عباس بقوله: فحواري النبي عَّهِ. الزبير بن العوام،
قوله: ((وأمه)) أي: وأم عبد الله بن الزبير. قوله: ((فذات النطاق)) وسميت أمه بذات النطاق
لأنها شقت نطاقها لسفرة رسول الله عَّ الله وسقائه عند الهجرة. قوله: ((يريد أسماء))، يعني:
يريد ابن عباس بقوله: ذات النطاق أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. قوله:
((وأما خالته))، أي خالة عبد الله فهي أم المؤمنين عائشة أخت أسماء. قوله: ((وأما عمته)) فهي:
أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد، وهي أخت العوام بن خويلد، وأطلق عليها عمته
تجوزاً لأنها عمة أبيه على ما لا يخفى. قوله: ((وأما عمة النبي عَِّ، فجدته)) أي: جدة عبد
الله بن الزبير. وهي صفية بنت عبد المطلب. قوله: ((ثم عفيف)) أي: ثم هو يعني عبد الله
عفيف، وانتقل من بيان نسبه الشريف إلى بيان صفاته الذاتية الحميدة بكلمة ثم التي هي
للتعقيب، وأراد بالعفة في الإسلام النزاهة عن الأشياء التي تشين الرجل، والعفة أيضاً الكف
عن الحرم والسؤال من الناس. قوله: ((والله إن وصلوني))، إلى آخره من كلام ابن عباس أيضاً
فيه عتب على ابن الزبير وشكر بني أمية، وأراد بقوله: ((إن وصلوني)) بني أمية من صلة
الرحم. وفسره بقوله: ((وصلوني من قريب)) أي: من أجل القرابة، وذلك أن ابن عباس هو عبد
الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
قوله: ((وإن ربوني)) بفتح الراء وتشديد الباء الموحدة المضمومة من التربية. قوله: ((ربوني
أكفاء))، من قبيل: أكلوني البراغيث. وأصله: ربني أكفاء، وكذا وقع في رواية الكشميهني
على الأصل، وارتفاع أكفاء بقوله: ربوني أو ربى، على الروايتين، والأكفاء جمع كفء من
الكفاءة في النكاح، وهو في الأصل بمعنى النظير والمساوي. قوله: ((كرام))، جمع كريم وهو
الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، وروى ابن مخنف الأنصاري بإسناده أن ابن عباس
لما حضرته الوفاة بالطائف جمع بنيه فقال: يا بني إن ابن الزبير لما خرج بمكة شددت أزره
ودعوت الناس إلى بيعته وتركت بني عمنا من بني أمية الذين إن قتلونا قتلونا أكفاء وإن ربونا
ربونا كراماً فلما أصاب ما أصاب جفاني. قوله: ((فآثر التويتات)) أي: اختار التويتات
والأسلعات والحميدات علي ورضي بهم وأخذهم، وفي رواية ابن قتيبة: فشددت على عضده
فآثر علي فلم أرض بالهوان، وآثر بالمد، ووقع في رواية الكشميهني: فأين، بسكون الياء آخر
الحروف وبالنون وهو تصحيف، والتويتات، بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو وسكون الياء
آخر الحروف بعدها تاء مثناة من فوق أُخرى جمع تويت وهو ابن الحارث بن عبد العزى ابن
قصي، والأسامات، جمع أسامة نسبة إلى بني أسامة بن أسد بن عبد العزى، والحميدات، نسبة
إلى بني حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، فهؤلاء الثلاثة من بني عبد العزى.

٣٦٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
قوله: ((يريد أبطنا)، يعني: ابن عباس من هذه الثلاثة أبطناً جمع بطن وهو ما دون
القبيلة وفوق الفخذ، ويجمع على بطون أيضاً. قوله: ((من بني أسد بن تويت))، قال عياض:
وصوابه يريد أبطناً من بني أسد بن تويت، وكذا وقع في (مستخرج) أبي نعيم. قوله: ((وبني
أسامة))، أي: ومن بني أسامة. قوله: ((وبني حميد))، أي: ومن بني حميد، وذكر ابن عباس
هؤلاء الثلاثة على سبيل التحقير والتقليل، فلذلك جمعهم بجمع القلة حيث قال أبطناً. قوله:
((أن ابن أبي العاص برز))، أي: ظهر، وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص
نسبة إلى جد أبيه. قوله: ((يمشي القدمية))، بفتح القاف وفتح الدال وضمها وسكونها وكسر
الميم وتشديد الياء آخر الحروف. قال عبيد: يعني يمشي التبختر، ضربه مثلاً لركوبه معالي
الأمور وسعى فيها وعمل بها، وقال ابن قتيبة: القدمية هي التقدمة، وقال ابن الأثير: الذي عند
البخاري: القدمية، معناه: تقدمه في الشرف والفضل، والذي جاء في كتب الغريب، والتقدمية
والقدمية. بالتاء والياء، يعني: التقدم، وعند الأزهري بالياء أخت الواو، وعند الجوهري بالتاء
المثناة من فوق، وقيل: إن اليقدمية بالياء أخت الواو وهو التقدم بالهمة، وفي (المطالع) رواه
بعض اليقدمية: بفتح الدال وضمها والضم صح عن شيخنا أبي الحسن. قوله: ((وأنه)) أي:
وأن ابن الزبير. قوله: ((لوى ذنبه)) أي: ثناه وصرفه، يقال: لوى فلان ذنبه ورأسه وعطفه إذا ثناه
وصرفه، ويروى بالتشديد للمبالغة، وهو مثل لترك المكارم والزوغان عن المعروف وإيلاء
الجميل، وقيل: هو كناية عنّ التأخر والتخلف، ويقال: هو كناية عن الجبن وإيثار الدعة، وقال
الداودي: المعنى أنه وقف فلم يتقدم ولم يتأخر ولا وضع الأشياء فأدنى الكاشح وأقصى
الناصح وقال ابن التين: معنى: لوى ذنبه، لم يتم له ما أراده وكان الأمر كما ذكر، والآن عبد
الملك لم يزل في تقدم من أمره إلى أن استنفذ العراق من ابن الزبير وقتل أخاه مصعباً، ثم
جهر العساكر إلى ابن الزبير فكان من الأمر ما وقع، وكان ولم يزل ابن الزبير في تأخر إلى
أن قتل.
٤٦٦٦/١٨٦ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدٍ بنِ مَيْمُونٍ حدَّثنا ◌ِيسَى بنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ
بنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِيِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ دَخَلْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَلا تَعْجَبُونَ لابِنِ الزُّبَيْرِ قَامَ
فِي أَمْرِهِ هَذَا فَقُلْتُ لأَحَاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُها لأُبِي بَكْرٍ وَلا لِعُمَرَ وَلَهُمَا كَانَا أَوْلَى بِكُلِّ
خَيْرٍ مِنْهُ وَقُلْتُ ابْنِ عَمَّةِ النّبِيِّ عَّهِ وابنُ الزَّبَيْرِ وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ وَابْنُ أُخْتِ
عَائِشَةَ فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي وَلا يُرِيدُ ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعْرِضُ هَذَا مِنْ نَفْسِي
فَيَدَعُهُ وَمَا أُرَاهُ يُرِيدُ خَيْراً لو إنْ كَانَ لا بُدَّ لأنْ يَرْبَّنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُ بَّنِي
غَيْرُهُمْ.
هذا طريق آخر في الحديث المذكور أخرجه عن محمد بن عبيد بن ميمون المديني،
ويقال له: محمد بن أبي عباد عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني الكوفي عن عمر
ابن سعيد بن أبي حسين النوفلي القرشي المكي عن عبد الله بن أبي مليكة إلى آخره.

٣٦٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
قوله: ((قام في أمره) أي: في الخلافة. قوله: ((لأحاسبن نفسي)) أي: لأناقشنها له.
أي: لابن الزبير، وقيل: لأطالبن نفسي بمراعاته وحفظ حقه ولأنافس في معونته ولاستقصين
عليها في النصح له والذب عنه. قوله: (ما حاسبتها)) كلمة ما للنفي، أي: ما حاسبت نفسي
لأبي بكر ولا لعمر. قوله: ((ولهما كان أولى بكل خير» اللام فيه لام الابتداء، والواو فيه
يصلح أن يكون للحال. وهما يرجع إلى أبي بكر وعمر، قوله: ((منه)) أي: من ابن الزبير.
قوله: ((وقلت: ابن عمة النبي عَّه)) تجوز، وإنما هي عمة أبي النبي عَّله، وهي صفية بنت
عبد المطلب. وكذلك قوله: ((وابن أبي بكر)) تجوز لأنه ابن بنت أبي بكر، وكذلك قوله:
وابن أخي خديجة تجوز لأنه ابن ابن أخيها العوام. قوله: ((فإذا هو)) أي: ابن الزبير: ((يتعلى
عني)) أي: يترفع متنحياً عني. قوله: ((ولا يريد ذلك)) أي: لا يريد أن أكون من خاصته.
قوله: ((ما كنت أظن أني أعرض هذا)) أي: أظهر وأبذل هذا من نفسي وأرضى به فيدعه.
أي: فإن يدعه أي يتركه ولا يرضى هو بذلك. قوله: ((وما أراه يريد خيراً)) أي: وما أظنه يريد
خيراً يعني في الرغبة عني. قوله: ((وإن كان لا بد)) أي: وإن كان هذا الذي صدر منه لا
فراق له منه لأن يربني بنو عمي أي بنو أمية ويربني من التربية ومعناه: يكون بنو أمية أمراء
علي وقائمين بأمري قوله: ((أحب إليّ)) خبر إن. قوله: ((غيرهم)) أي: غير بني عمي. وهم
الأمويون. وقال الحافظ إسماعيل في كتاب (التخيير) يعني: بقوله لأن يربني بنو عمي إلى
آخره، لأن أكون في طاعة بني أمية وهم أقرب إلي قرابة من بني أسد أحب إليّ.
١٠ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالمُؤْلَفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ وليس في بعض النسخ لفظ باب.
وقبله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب﴾
[التوبة: ٦٠] الآية. وهذه الآية في بيان قسمة الصدقات ويبين الله عز وجل حكمها وتولى
قسمتها بنفسه ومصرفها ثمانية أصناف، وسقطت المؤلفة قلوبهم لأن الله تعالى أعز الإسلام
وأغنى عنهم، وكان يعطي لهم لتتألف قلوبهم أو ليدفع ضررهم عن المسلمين، وهل تعطى
المؤلفة على الإسلام بعد النبي عَّ فه؟ فيه خلاف، فروي عن عمر والشعبي وجماعة: أنهم لا
يعطون بعده، وقال آخرون: بل يعطون، لأنه عَّ له قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن،
وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصير إليهم، واختلف في الوقت الذي تألفهم فيه فقيل: قبل
إسلامهم، وقيل: بعد واختلف متى قطع ذلك عنهم؟ فقيل: في خلافة الصديق، وقيل: في
خلافة الفاروق، وكان المؤلفة قلوبهم نحو الخمسين منهم أبو سفيان وابنه معاوية وحكيم بن
حرام وعباس بن مرداس.
قَالَ مُجَاهِدٌ يَتَأَلَّفُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ
هذا وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
٤٦٦٧/١٨٧ - حدَثْنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ أبِي نُعَيْمٍ عَنْ
١

٣٦٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
أبِي سَعِيدٍ رَضِي الله تعالى عنه قال بُعِثَ إلَى النبيِّ عَ لّهِ بِشَيْءٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ وَقَالَ
أَتْأَلَّفُهُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مَا عَدَلْتَ فَقَالَ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِيءَ هذا قَوْمٌ يَجْرَفُونَ مِنَ الدِّينِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وكثير ضد القليل وسفيان هو الثوري يروي عن أبيه سعيد بن
مسروق وهو يروي عن عبد الرحمن بن أبي نعم، بضم النون وسكون العين المهملة، ومضى
هذا الحديث بهذا الإسناد في كتاب الأنبياء في قصة هود بأتم منه، وأخرجه هنا مختصراً.
قوله: ((بين أربعة)) وهم الأقرع بن حابس وعيينة بن بدر وزيد بن مهلهل وعلقمة بن
علاثة بالثاء المثلثة النجديون. قوله: ((فقال رجل)) هو ذو الخويصرة مصغر الخاصرة بالخاء
المعجمة والصاد المهملة. قوله: ((فقال)) أي: رسول الله عَّله. قوله: ((من ضنضيء)) بكسر
الضادين المعجمتين وسكون الهمزة وبالياء آخر الحروف، وهو الأصل، والمراد به النسل.
قوله: ((يمرقون)) أي: يخرجون.
١١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾
[التوبة: ٧٩]
أي: هذا باب في قوله عز وجل قوله: ﴿الذين يلمزون﴾ الآية. هذه الآية في صفات
المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال حتى ولا المتصدقون لا
يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا هراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن
الله لغني عن صدقة هذا. قوله: ((المطوعين)) أصله المتطوعين فأبدلت التاء طاء وأدغمت الطاء
في الطاء.
يَلْمِزُونَ یَعِیُونِ
أراد أن معنى اللمز العيب، وليس هذا في رواية أبي ذر.
وَجُهْدَهُمْ وَجَهْدَهُمْ طَاقَتَهُمْ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ وفسر الجهد بالطاقة، وهو
بضم الجيم وبالفتح المشقة. وعن الشعبي بالعكس. وقيل: هما لغتان.
٤٦٦٨/١٨٨ - حدَثني بِشْرُ بنُ خَالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ أخبرَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةً
عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ لَمَّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنَّا نَتَحَامَلُ فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ
بِنِصْفِ صَاعٍ وَجَاءَ إِنْسانٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَقَالَ المُنافِقُونَ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةٍ لهذا وَمَا فَعَلَّ
الآخَرُ إلاّ رِيَاءً فَنَزَّلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا
يَجِدُونَ إلاّ ◌ُجُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] الآيَةَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وبشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة وسليمان
هو الأعمش: وأبو وائل شقيق بن سلمة. وأبو مسعود عقبة، بضم العين المهملة وسكون

٣٦٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
القاف ابن عامر البدري والحديث، مضى في كتاب الزكاة في باب اتقوا النار ولو بشق تمرة.
قوله: ((لما أمرنا بالصدقة))، على صيغة المجهول، وفي لفظ كتاب الزكاة: لما نزلت
آية الصدقة. قوله: ((كنا نتحامل)). أي: نتكلف بالحمل. يقال: تحاملت الشيء أي تكلفته.
وقيل: معناه أي يحمل بعضنا لبعض بالأجرة، وفي لفظ كتاب الزكاة: تحامل أي: نؤاجر
أنفسنا في الحمل، وفي (المحكم) نجامل في الأمر أي نتكلفه على مشقة، ومنه تحامل
على فلان أي: كلفه ما لا يطيق. قوله: ((فجاء أبو عقيل))، بفتح العين المهملة وكسر القاف
واسمه حبحاب بحاءين مهملتين بينهما باء موحدة ساكنة وفي آخره ياء أخرى، وذكر
السهيلي أنه رآه بخط بعض الحفاظ مضبوطاً بجيمين، وقال الذهبي في (تجريد الصحابة) أبو
عقيل صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون. قال قتادة اسمه حجاب، وقال ابن عمر في
كتاب (الاستيعاب) قال ابن إسحاق: أبو عقيل صاحب الصاع أخو بني أنيف الرياشي حليف
بني عمرو بن عوف، أتى بصاع تمر فأفرغه في الغرفة فتضاحك به المنافقون، وقالوا: إن الله
لغني عن صاع أبي عقيل، وروى ابن جرير بإسناده عن ابن أبي عقيل عن أبيه. قال: بت آجر
الأجير على صاعين من تمر فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يبلغون به وجئت بالآخر أتقرب إلى
رسول الله عَِّ، فأتيت رسول الله عَّ له، فأخبرته، فقال: انثره في الصدقة، قال فسخر القوم
وقالوا: لقد كان الله غنياً عن صدقة هذا المسكين، فأنزل الله تعالى: ﴿والذين يلمزون
المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾ الآيتين وكذا رواه الطبراني من حديث زيد بن
الحباب به، وقال: اسم أبي عقيل حباب، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة، وروى
أحاديث في هذا الباب يدل على تعدد من جاء بالصاع، وقال الكرماني: تقدم في أوائل
الزكاة أنه جاء بصاع تمر، ثم أجاب: لعل ذلك غير أبي عقيل مع أنه لا منافاة بين الشيء
ونصفه، وهو من قبيل مفهوم العدد. انتهى قلت: هناك: فجاء رجل بصاع، ولم يسم الرجل
فيحتمل أن يكون أبا عقيل، ويحتمل أن يكون غيره، وهنا صريح بأنه أبو عقيل الذي جاء
بنصف صاع، ولا منافاة بينهما.
٤٦٦٩/١٨٩ - حدَثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قُلْتُ لأبِي أُسَامَةَ أحَدَّثَكُمْ زَائِدَةُ عَنْ
سُلَيْمَانَ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأنْصَارِيِّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ عَ لِّ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ فَيَحْتَالُ
أَحَدُنا حَتَّى يَجِيءَ بِالمُدِّ وَإِنَّ لأَحَدِهِمِ اليَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه لأنه مطابق لمعنى الحديث السابق، والمطابق
للمطابق للشيء مطابق لذلك الشيء. وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وأبو أسامة
حماد بن أسامة، وزائدة من الزيادة ابن قدامة أبو الصلت الكوفي وسليمان هو الأعمش،
وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل والحديث مضى في أوائل الزكاة.
قوله: ((أحدثكم) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار قوله: ((فيحتال)) أي:
يجتهد ويسمى. قوله: ((مائة ألف)) بالنصب على أنها اسم. إن، والخبر قوله لأحدهم:
عمدة القاري/ ج١٨ م٢٤

٣٧٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
((مقدماً)) ((واليوم)) نصب على الظرف ((ومائة ألف)) يحتمل الدراهم ويحتمل الدنانير ويحتمل
الأمداد من القمح أو التمر أو نحوهما. قوله: ((كأنه يعرض بنفسه)) من كلام شقيق الراوي،
وقد صرح به إسحاق في مسنده، وقال في آخره: قال شقيق كأنه يعرض بنفسه قلت: كأن أبا
مسعود عرض بنفسه لما صار من أصحاب الأموال الكثيرة.
١٢ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ
يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿استغفر لهم﴾ إلى آخر ما ذكره في رواية أبي ذر،
وعند غيره مختصراً، خبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء المنافقين اللمازين ليسوا
أهلاً للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم ولو سبعين مرة فإن الله لا يغفر لهم، وذكر السبعين بالنص
عليه لحسم مادة الاستغفار لهم لأن العرب في أساليب كلامهم تذكر السبعين في مبالغة
كلامهم ولا يراد بها التحديد ولا أن كون ما زاد عليها بخلافها.
١٩٠/ ٤٦٧٠ - حدثنا عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أبِي أُسَامَةً عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ
ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تعالى عنهما قَالَ لَمَا تُوِفِّيَ عَبْدُ الله بنُ أَتَيِّ جاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله
إِلَى رَسُولِ اللهِ عَ لِ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَةُ يُكَفَّنُ فِيهِ أباهُ فَأَعْطاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يُصَلِّيَّ عَلَيْهِ
فَقَامَ رَسُولُ اللهِ عَ لِّ لِيُصَلِّيَّ فَقَامَ عُمَرُ فَأُخذَ بِثَوْبِ رسولِ اللهِ عَ لَِّ فَقَالَ يا رسول الله
أَتُصَلِي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تصليَ عَليْهِ فقال رسول الله عَلَّهِ: ((إنّا خَيَّرَنِي الله)) فَقَالَ:
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ﴾ [التوبة: ٨٠] وَسأزِيدُهُ عَلَى
السَّبْعِينَ قَالَ إِنَّهُ منافِقٌ قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله عَلِ فَأَنْزَلَ الله: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ
مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في ].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبيد، بضم الباء الموحدة، واسمه في الأصل عبد الله يكنى
أبا محمد الكوفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وعبيد الله بن عمر العمري.
والحديث مضى في كتاب الجنائز في: باب الكفن في القميص أخرجه مسلم في
التوبة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: ((لما توفي عبدالله) يعني: ابن أبي ابن سلول، ووقع في أكثر النسخ اسم أبيه
أبي، وقال الواقدي: إنه مات بعد منصرفهم من تبوك وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت
مدة مرضه عشرين يوماً وابتداؤها من ليال بقيت من شوال، وكذا ذكره الحاكم في
(الإكليل) وقالوا: وكان قد تخلف هو ومن معه عن غزوة تبوك وفيهم نزلت ﴿لو خرجوا
فيكم ما زادوكم إلاَّ خبالاً﴾ [التوبة: ٤٧] قيل: هذا يدفع قول ابن التين، إن هذه القصة كانت
في أول الإسلام قبل تقرير الأحكام. قوله: ((فأعطاه)). أي: النبي عَّ له، قميصه عبد الله. قال
الكرماني: لم أعطى قميصه المنافق؟ ثم أجاب بقوله: أعطى لابنه وما أعطى لأجل أبيه عبد

٣٧١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
الله بن أبي. وقيل: كان ذلك مكافأة له على ما أعطى يوم بدر قميصاً للعباس لئلا يكون
للمنافق منة عليهم. قوله: ((ثم سأله أن يصلي عليه) إنما سأله بناء على أنه حمل أمر أبيه
على ظاهر الإسلام ولدفع العار عنه وعن عشيرته فأظهر الرغبة في صلاة النبي عَّ لّه، ووقعت
إجابته إلى سؤاله على حسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك. قوله:
((فقام رسول الله عٍَّ ليصلي)) عليه. قوله: ((أتصلي عليه)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل
الإنكار قوله: ((وقد)) الواو فيه للحال. قوله: ((نهاك ربك أن تصلي عليه)) قال الكرماني: أين
نهاه ونزول قوله: ﴿لا تصل على أحد منهم﴾ [التوبة: ٨٤] بعد ذلك؟ فأجاب بقوله: لعل عمر
استفاد النهي من قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾
[التوبة: ١١٣] ومن قوله: ﴿أن تستغفر لهم﴾ فإنه إذا لم يكن للاستغفار فائدة المغفرة يكون
عبثاً فيكون منهياً عنه، وقال القرطبي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، رضي الله تعالى عنه،
فيكون من قبيل الإلهام. قوله: ((إنما خيرني الله)) أي: بين الاستغفار وتركه. قوله: ((وسأزيد))
حمل رسول الله عَّ ل عدد السبعين على حقيقته، وحمله عمر، رضي الله تعالى عنه، على
المبالغة. وقال الخطابي: فيه حجة لمن رأى الحكم بالمفهوم لأنه جعل السبعين بمنزلة الشرط
فإذا جاوز هذا العدد كان الحكم بخلافه، وكان رأي عمر التصلب في الدين والشدة على
المنافقين، وقصد، عليه الصلاة والسلام، الشفقة على من تعلق بطرف من الدين والتألف لابنه
ولقومه، فاستعمل أحسن الأمرين وأفضلهما. قوله: ((إنه منافق)) إنما جزم بذلك جرياً على ما
كان اطلع عليه من أحواله ولم يأخذ النبي عَّهِ، بقوله: وصلى عليه إجراء له على ظاهر
حكم الإسلام، وذهب بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبي بصلاة النبي
عَّةٍ، عليه وهذا ليس بصحيح لمخالفته الأحاديث الصحيحة المصرحة بما ينافي ذلك، وقد
أخرج الطبري من طريق سعيد عن قتادة في هذه القصة قال: فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تصل
على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤] قال: فذكر لنا النبي عَ ◌ّه قال: وما
يغني عنه قميصي من الله وإني لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه، قوله: ((فأنزل الله
تعالى)) إلى آخره: زاد مسدد في حديثه عن يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر في آخره:
فترك الصلاة عليهم، وفي حديث ابن عباس: فصلى عليه ثم انصرف فلم يمكث إلاَّ يسيراً
حتى نزلت، وزاد ابن إسحاق في (المغازي) في حديث الباب: فما صلى رسول الله عَ لـ
على منافق بعده حتى قبضه الله تعالى.
٤٦٧١/١٩١ - حدَثنا يَخيِّى بِنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ حدَثني
اللَّيْثُ حدَثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أُخبرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُّ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ
عُمَرَ بنِ الخَطَابِ رَضِيَ الله عنهُ أَنَّهُ قَالَ لمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَتَيِّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لهُ رَسُولُ
اللّهِ بِّهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ عَ لَه وَثَبْتُ إِلَيْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي عَلَى
ابْنِ أَتَيِّ وَقَدْ قَالَّ يَوْمَ كَذَا كَذَا قَالَ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَشَّمَ رَسُولُ اللهِ عَِّ وَقَالَ أَخِّزْ عَنِّي يَا
عُمَرُ فَلمَّا أكْثَوْتُ عَلَيْهِ قَالَ إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمَ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ

٣٧٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
لهُ لَزِذْتُ عَلَيْهَا قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ عَّ ◌َّهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُتْ إلَّ يَسِيراً حَتَّى نَزَّلَتِ
الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ
فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُزْأَتِي عَلَى رَسُولِ الله ◌ِعَّهِ وَالله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
أخرج الحديث المذكور من وجه آخر عن ابن عباس عن عمر، رضي الله تعالى عنه،
ومضى الحديث في الجنائز. وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير أيضاً وأخرجه النسائي
أيضاً في الجنائز.
قوله: ((وقال غيره))، الغير هو عبد الله بن صالح كاتب الليث. قوله: ((سلول))، بفتح
السين المهملة وضم اللام وسكون الواو بعدها لام اسم أم عبد الله، وهي خزاعية، وعبد الله
من الخزرج أحد قبيلة الأنصار. قوله: ((ابن سلول))، بالرفع لأنه صفة عبد الله لا صفة أبي.
قوله: ((فتبسم رسول الله عَّ له)) كان ذلك تعجباً من صلابة عمر، رضي الله تعالى عنه، وبغضه
للمنافقين قيل: لم يكن عَّلّه، يتبسم عند شهود الجنائز وأجيب بأنه كان على وجه الغلبة.
قوله: ((يغفر له)) بجزم الراء لأنه جواب الشرط وفي رواية الكشميهني: فغفر له، بالفاء على
صيغة الماضي. قوله: ((بعد)) بضم الدال لأنه قطع عن الإضافة فبني على الضم. قوله: ((من
جرأتي)) بضم الجيم أي: من إقدامي عليه. ((والله ورسوله أعلم)) قيل: الظاهر أنه من عمر،
رضي الله تعالى عنه، ويحتمل أن يكون من قول ابن عباس.
١٣ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
[التوبة: ٨٤]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ولا تصل﴾ إلى آخره، وظاهر الآية أنها نزلت في
جميع المنافقين لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم. قال الواقدي: أخبرنا
معمر عن الزهري: قال: قال حذيفة، رضي الله تعالى عنه، قال لي رسول الله عَّه إني مسر
إليك سراً فلا تذكره لأحد، إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان، رهط ذوي عدد من
المنافقين، قال: فلذلك كان عمر، رضي الله تعالى عنه، إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع
حذيفة فإن مشى مشى معه، وإلا لم يصل عليه، ومن طريق آخر عن جبير بن مطعم، إنهم اثنا
عشر رجلاً.
١٩٢ / ٤٦٧٢ - حدَثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياض عن عُبَيْدِ الله عَنْ
نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما أنَّهُ قَالَ لَمَا تُؤُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبَيِّ جاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بنُ
عَبْدِ الله إِلَى رَسُولِ اللهِ عَِّ فَأعْطَاهُ قَمِيصَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّ عَلَيْهِ فَأَخَذَ
عُمَرُ بنُ الخَطابِ بِثَوْبِهِ فَقَالَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ مُنافِقٌ وَقَدْ نَهَاكَ الله أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ إِنَّا
خَيَّرَنِي الله أو أُخبرَني الله فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةَ
فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَقَالَ سَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ قَالَ فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّه
وَصَلَيْنَا مَعَهُ ثُمَّ أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ

٣٧٣
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
هذا وجه آخر في الحديث المذكور عن ابن عمر في الباب الذي قبله. قوله: ((إنما
خيرني الله أو أخبرني))، كذا وقع بالشك والأول من التخيير. والثاني من الإخبار، ووقع في
أكثر الروايات: خيرني: يعني بين الاستغفار وتركه، وكذا وقع بغير شك عند الإسماعيلي
أخرجه من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أبي ضمرة وهو أنس بن عياض بلفظ إنما خيرني
الله من التخيير فحسب، وقد استشكل فهم التخيير من الآية حتى إن جماعة من الأكابر
طعنوا في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه، منهم: القاضي أبو بكر فإنه قال لا يجوز أن
يقبل هذا ولا يصح أن رسول الله عَّ له قاله: ومنهم: أبو بكر الباقلاني فإنه قال في (التقريب)
هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها ومنهم: إمام الحرمين. قال في (مختصره)
هذا الحديث غير مخرج في الصحيح، وقال في (البرهان) لا يصححه أهل الحديث. ومنهم:
الغزالي، قال في (المستصفى) الأظهر أن هذا الحديث غير صحيح ومنهم: الداودي، قال:
هذا الحديث غير محفوظ، وأجيب بأنهم ظنوا أن قوله: ((ذلك بأنهم كفروا))، الآية نزل مع
قوله: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم﴾ لم يكن نزوله إلّ متراخياً عن صدر الآية فحينئذ يرتفع
الإشكال وقد قال الزمخشري، ما فيه رفع للإشكال المذكور، وملخص سؤاله أنه قد تلا قوله:
((ذلك بأنهم كفروا)) قوله: ((استغفر لهم أو لا تستغفر لهم)) فبين الصارف عن المغفرة لهم،
وملخص جوابه أنه مثل قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾
[إبراهيم: ٣٦] وذلك أنه تخيل بما قال إظهار الغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، وقد رد
كلام الزمخشري هذا من لا يدانيه ولا يجاريه في مثل هذا الباب، فإنه قال: لا يجوز نسبة ما
قاله إلى الرسول لأن الله أخبر أنه لا يغفر للكفار وإذا كان لا يغفر لهم فطلب المغفرة لهم
مستحيل. وهذا لا يقع من النبي عَ ◌ّله، ورد عليه بأن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركاً لا
يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهراً للإسلام. قوله: ((سأزيد على السبعين))، لاستمالة
قلوب عشيرته لا أنه أراد أنه إذا زاد على السبعين يغفر له، ويؤيد هذا تردده في الحديث الآخر
حيث قال: لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت، وقيل: لما قال سأزيد نزلت
﴿سواء عليهم استغفرت لهم﴾ [المنافقون: ٦] الآية فتركه.
١٤ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِالله لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعرِضُوا عَنْهُمْ فَأَغْرِضُوا
عَنْهُمْ إِنّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُم جَهَنَّمُ جَزَاءٌ بِمَا كَانَوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿سيحلفون بالله﴾ الآية، وسقط في رواية الأصيلي
لفظ: لكم، والصواب إثباتها، وأخبر الله عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة يعتذرون
ويحلفون بالله لتعرضوا عنهم فلا تؤنبوهم فأعرضوا عنهم احتقاراً لهم إنهم رجس، أي: جبناء
نجس بواطنهم واعتقاداتهم ومأواهم في آخرتهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون من الآثام
والخطايا.

٣٧٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
٤٦٧٣/١٩٣ - حدَثْنَا يَحْيَى حدَثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ عَبْدٍ
الرَّحْمنِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ كَعْبٍ بنِ مَالِكِ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ حِينَ
تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ وَالله مَا أَنْعَمَ الله عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ الله
عَ لِ أنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأُهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزِلَ الوَحْيُ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِالله
لَكُمْ إِذَا انْقَلَيْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الفَاسِقِينَ﴾.
مطابقته للترجمة ظاهرة ويحيى هو ابن عبد الله بن بكير المخزومي المصري.
والحديث مضى مطولاً في غزوة تبوك بهذا الإسناد ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((ما أنعم الله علي من نعمة) كذا في رواية الأكثرين. وفي رواية المستملي
وحده على عبد نعمة، والأول هو الصواب. قوله: ((أن لا أكون)) قال عياض: كذا وقع في
نسخ البخاري ومسلم، والمعنى: أن أكون كذبته، ولا زائدة كما قال الله تعالى: ﴿ما منعك
أن لا تسجد﴾ أي: أن تسجد. قوله: ((أن لا أكون)) مستقبل ((وكذبته)) ماض وبينهما منافاة
ظاهراً، ولكن المستقبل في معنى الاستمرار المتناول للماضي فلا منافاة بينهما. قوله: ((إلى
الفاسقين)) تفسير قوله: ((إليهم)).
١٥ - بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرَضْوَا عَنْهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ
﴿الفاسِقِينَ﴾[التوبة: ٩٦]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿يحلفون لكم﴾ إلى آخره، هكذا ثبت هذا الباب لأبي
ذر وحده بغير حديث، وليس بمذكور أصلاً في رواية الباقين نزلت هذه في المنافقين يحلفون
لكم لأجل أن ترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم بحلفانهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين،
أي: الخارجين عن طاعته وطاعة رسول الله
بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّاً عَسَى الله أنْ
يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿وآخرون﴾ الآية وسيقت الآية كلها في رواية
الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ الآية. ولما أخبر الله تعالى عن
حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيباً. شرع في بيان حال الذين تأخروا عن
الجهاد كسلاً وميلاً إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: ﴿وآخرون اعترفوا
بذنوبهم﴾ أي: أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم ولهم أعمال أخر صالحة خلطوا هذه
بتلك فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه. فهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها
عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين وقال مجاهد عن ابن عباس، رضي الله
تعالى عنهما نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن غزوة تبوك. فقال بعضهم:
أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه.

٣٧٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
٤٦٧٤/١٩٤ - حدَثنا مُؤَمَّلٌ هُوَ ابنُ هِشامٍ حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حدَثنَا عَوْفٌ
حدَّثنا أَبُو رَجَاءٍ حدَّثنا سَمُرَةُ بنُ مُجُنْدَبٍ رَضِي الله عنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِعَلَّهِ لَنَا أتاني
اللَّيْلَةَ آتِيانِ فَابْتَعَثَانِي فَانْتَهَيَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ فَتَلقَّانا رِجَالٌ مِنْ
خَلْقِهِمْ كأحسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ وَشَطْرَ كأقْبَحِ مَا أنْتَ رَاءٍ قَالَا لَهُمْ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذُلِكَ
النّهْرِ فَوَقَعُوا فِيهِ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذُلِّكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالا
لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذا مَنْزِلُكَ قَالا أمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌّ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ
قَبِيحٌ فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّاً تَجَاوَزَ الله عَنْهُمْ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً) ومؤمل بضم
الميم وفتح الهمزة وكسر الميم، وفتحها، وإسماعيل ابن إبراهيم هو إسماعيل بن علية،
وعوف هو الأعرابي وأبو رجاء ضد اليأس. عمران العطاردي. والحديث أخرجه البخاري
مقطعاً في الصلاة وفي الجنائز وفي البيوع وفي الجهاد في بدء الخلق وفي صلاة الليل وفي
الأدب وفي الصلاة، وفي أحاديث الأنبياء وفي التفسير وفي التعبير عن مؤمل بن هشام، وقد
ذكرنا في المواضع الماضية ما فيه الكفاية.
قوله: (آتيان))، أي: ملكان. قوله: ((فابتعثاني)) أي: من النوم. قوله: ((شطر)) أي:
نصف. قوله: ((أما القوم)) قسيمه هو قوله: هذا منزلك. قوله: ((الذين)) ويروى: الذي، بالإفراد
ويؤول بما يؤول به. قوله: ﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ [التوبة: ٦٩] قوله: ((كانوا شطر منهم
حسن))، القياس كان شطر منهم حسناً. ولكن كان تامة. وشطر مبتدأ: وحسن، خبره والجملة
حال بدون الواو وهو فصيح كما في قوله تعالى: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾.
١٦ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنبيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾
[التوبة: ١١٣]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي﴾ إلى آخره قال قتادة: في هذه الآية
ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي عََّلَّهِ قالوا: يا نبي الله! إن من آبائنا من كان يحسن
الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم، أفلا تستغفر لهم؟ فقال النبي معَّله: ((بلى.
والله إني لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه)) فأنزل الله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا
أن يستغفروا﴾ حتى بلغ ﴿الجحيم﴾. وقال العوفي عن ابن عباس، في هذه الآية أن رسول
الله عَّله أراد أن يستغفر لأمه فنهاه الله عن ذلك، فقال إن إبراهيم خليل الله استغفر لأبيه
فأنزل الله: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ [التوبة: ١١٤] وقال
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية
فلما أنزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا ثم أنزل
الله: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾ الآية.
٤٦٧٥/١٩٥ - حدَثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ

٣٧٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَا حَضَرَتْ أَبًا طَالِبٍ الوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النِبِيُّ عَلَّه
وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بنُ أبي أمَيَةً فقال النبيُّ عَ لَّهِ أَيْ عَمّ قُلْ لاَ إلهَ إلّ الله أُحَاجُ لَكَ
◌ِها عِنْدَ اللهِ فقال أبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بنُ أَبِي أُمَّةً يَا أَبَا طِالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَةٍ عَبْدِ الْمُطَلِبِ
فَقَال النّبِي عَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أَنْهَ عَنْكَ فَنَزَّلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنبيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ
يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْتَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وقد مضى هذا الحديث في كتاب الجنائز في: باب إذا قال
المشرك عند الموت لا إله إلاَّ الله، فإنه أخرجه هناك عن إسحاق عن يعقوب بن إبراهيم عن
أبيه عن صالح عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه إلى آخره، بأتم منه، ومضى
الكلام فيه هناك عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بفتح الباء وكسرها، وقال النووي:
لم يرو عن المسيب إلاَّ ابنه، وفيه رد على الحاكم أبي عبد الله فيما قاله: إن البخاري لم
يخرج عن أحد ممن لم يرو عنه إلاَّ واحد، ولعله أراد من غير الصحابة. وأبو طالب اسمه:
عبد مناف، وأبو جهل عمرو بن هشام المخزومي، وعبد الله بن أبي أمية المخزومي أسلم عام
الفتح. قوله: ((أي عم))، يعني: يا عمي، حذفت ياء الإضافة للتخفيف. قوله: ((أحاج))، جواب
للأمر، وقال القرطبي: وقد سمعت أن الله أحيى عمه أبا طالب فآمن به، وروى السهيلي في
(الروض) بسنده أن الله أحبى أم النبي عَ لَّه وأباه فآمنا به.
١٧ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النبيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ العُشْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ
رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]
أي: هذا باب في قوله: ﴿لقد تاب﴾ الآية. وفي رواية أبي ذر، هكذا ساق إلى قوله:
﴿اتبعوه﴾ الآية. قال الزمخشري: في قوله: ﴿تاب الله على النبي﴾ كقوله: ﴿وليغفر لك الله
ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢] ﴿فاستغفر لذنبك﴾ [غافر: ٢٥٥] وهو بعث للمؤمنين
على التوبة وأنه ما من مؤمن إلا وهو يحتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرين
والأنصار، وقيل: تاب الله عن إذنه للمنافقين في التخلف عنه. وقيل: معنى التوبة على النبي
عَّ لل أنه مفتاح كلام لأنه لما كان سبب توبة التائبين ذكر معهم كقوله: ﴿فإن الله خمسة
وللرسول﴾ [محمد: ١٩] قوله: ((في ساعة العسرة)) أي: الشدة وضيق الحال. قال جابر:
عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة المال، وقال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك
وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة الحر في سنة مجدبة وعسر من الزاد والماء، وقال: قتادة:
ذكر لنا أن رجلين كانا يشقان التمر بينهما وكان النفر يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم
يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم. قوله: ((من
بعد ما كاد تزيغ))، أي: تميل ((قلوب فريق منهم)) عن الحق وتشك في دين رسول الله عمـ
بالذي نالهم من المشقة والشدة. قوله: ((ثم تاب عليهم))، أي: رزقهم الله الإنابة إليه والرجوع

٣٧٧
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
إلى الثبات على دينه إنه أي: إن الله ﴿بهم رؤوف رحيم﴾.
٤٦٧٦/١٩٦ - حدَثْنا أحمَدُ بنُ صَالُحِ قَالَ حدَثني ابنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ قَالَ
أَحْمَدُ وَحدَّثنا عَنْبَسَةُ حدَّثنا يُونُسُ عَنِ ابنِ شَهابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ كَعْبٍ قَالَ
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله بنُ كَعْبٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ
فِي حَدِيثِهِ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ إِنَّ مِنْ تَوْيَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي
صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَقَالَ النبيُّ عَ لِّ: ((أَمْسِكْ بَغْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)).
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ثم تاب عليهم)) وأحمد بن صالح أبو جعفر
المصري روى عن عبد الله بن وهب المصري وعن عنبسة بفتح العين المهملة وسكون النون
وفتح الباء الموحدة وبالسين المهلمة ابن خالد بن أخي يونس بن يزيد الأيلي يروي عن عمه
يونس عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري
عن أبيه عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، سمع أبا كعب بن مالك الأنصاري، وهذا
طرف من حديث طويل في قصة كعب بن مالك مضى في كتاب المغازي، وهذا القدر
الذي اختصر عليه في كتاب الوصايا. قوله: ((وكان قائد كعب))، أي: كان عبد الله قائد أبيه
من بين أبنائه حين عمي كعب وأبناؤه ثلاثة، عبد الله وعبد الرحمن وعبيد الله، وكلهم رووا
عن أبيهم كعب بن مالك.
١٨ - بَابٌ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا
رِحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُوا أَنْ لا مَلْجَأُ مِنَ الله إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ
لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّه هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٨]
لم يذكر هنا لفط باب، والآية المذكورة بتمامها في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر
إلى قوله: (إنما رحبت) الآية. قوله: ((وعلى الثلاثة))، أي: وتاب الله على الثلاثة، وهم كعب
بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية. قوله: ((خلفوا)) أي: عن الغزو، وقرىء: خالفوا،
بفتح الخاء واللام المخففة. أي: خلفوا المغازين بالمدينة وفسدوا من الخالفة وخلوف الفم،
وقرأ جعفر الصادق: خالفوا وقرأ الأعمش: وعلى الثلاثة المخلفين. قوله: ((بما رحبت)) أي:
برحبها أي: بسعتها وهو مثل للحيرة في أمرهم كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرون فيها قلقاً
وجزعاً مما هم فيه. قوله: ((أنفسهم)) أي: قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور. قوله: ((وظنوا))
أي: علموا أن لا ملجأ من سخط الله إلاّ إلى الله بالاستغفار قوله: ((ثم تاب عليهم)) أي: ثم
رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى. ((ليتوبوا)) أي: ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا
وليتوبوا أيضاً في المستقبل إن حصلت منهم خطيئة.
٤٦٧٧/١٩٧ - حدَثنا مُحَمَّدٌ حدَثنا أحْمَدُ بنُ أَبِي شُعَيْبٍ حدَثنا مُوسَى بِنُ أَعْيَنَ
حدَّثنا إسْحَاقُ ابنُ رَاشِدٍ أنَّ الزُّهْرِي حدَّثَهُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ بنِ

٣٧٨
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أبِي كَعْبَ بنَ مَالِكٍ وَهُوَّ أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ
يَتَخَلَفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَ لَّه فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ غَزْوَةِ العُسْرَةِ وَغَزْوَةٍ بَدْرٍ قَالَ
فَأَجْمَعْتُ صِدْقَ رَسِولِ اللهِ عَِّ ضُحَى وَكَانَ قَلَمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِ سَافَرَهُ إلاَّ ضُحَى وَكَانَ
يَبْدَأُ بِالمَسْجِدِ فَيَرْكَغُ رَكْعَتَيْنِ وَنَهَى النّبِيُّ عَّه عَنْ كَلاَمِي وَكَلامٍ صَاحِبَيَّ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ
كَلامٍ أحَدٍ مِنَ المُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنا فَاجْتَتَبَ النَّاسُ كَلامَنَا فَلَبْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأُمْرُ
وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ النبي عَلَّ أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللهِ عَّه
فَأْكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ المَنْزِلَةِ فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ مِنْهُمْ وَلا يُصَلِّي عَلَيَّ فَأَنْزَلَ الله تَوْبَتَنَا عَلَى
نِّهِ عَّهِ حِينَ بَقِيَ التِّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ وَرَسُولُ اللهِ عَلَّهِ عِنْدَ أُمَّ سَلَمَةٍ وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ
مُخْسِنَةٌ فِي شأْنِي مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَ لِّ يَا أُمُّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ قَالَتْ
أَفَلا أَرْسِلُ إِلَيْهِ فَأَبَشِّرُهُ قَالَ إِذَاً يَخْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْتَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ حَتَّى إِذَا صَلَّى
رَسُولُ اللهِ عَ ◌ّهِ صَلاةَ الفَجْرِ آذَنَ بِتَوْبَةِ الله عَلَيْنَا وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ
قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ وَكُنَّا أَيُّها الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِقُوا عَنِ الأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هُؤُلاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ
أَنْزَلَ الله لَنَا التَّوْبَةَ فَلمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللهِ عَ لَه مِنَ المُتَخَلِّفِينَ وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ
ذُكِرُوا بِشَرّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ قَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلّ لا تَعْتَذِرُوا
لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَكَأْنا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٤] الآيَةَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد شيخ البخاري مختلف فيه، فقال الحاكم: هو محمد
ابن النضر النيسابوري وقد مر في تفسير سورة الأنفال، وقال مرة: هو محمد بن إبراهيم
البوشنجي، وقال أبو علي الغساني: هو محمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن أبي شهيب هو
أحمد بن عبد الله بن مسلم وأبو شعيب كنية مسلم لا كنية عبد الله وكنية أحمد أبو
الحسن، وقد وقع في رواية أبي علي بن السكن، حدثني أحمد بن أبي شعيب، بلا ذكر
محمد، والأول هو قول الأكثرين، وإن كان أحمد بن أبي شعيب من مشايخه، وهو ثقة
باتفاق، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وموسى بن أعين، بفتح الهمزة والياء آخر
الحروف وسكون العين المهملة بينهما الجزري، بالجيم والزاي والراء، وقد مر في الصوم،
وإسحاق بن راشد الجزري أيضاً والزهري محمد بن مسلم.
وهذا الحديث قطعة من قصة كعب بن مالك. وقد تقدمت بكمالها في المغازي في
غزوة تبوك.
قوله: ((تيب)) بكسر التاء المثناة وسكون الياء آخر الحروف، مجهول تاب توبة. قوله:
((غزوة العسرة))، ضد اليسرة، وهي غزوة تبوك. قوله: ((فأجمعت)) أي: عزمت قوله:
((صاحبي)) وهما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية. قوله: ((أهم)) من: أهمني الأمر إذا أقلقك
وأحزنك. قوله: ((ولا يصلي))، على صيغة المجهول وفي وراية الكشميهني: ولا يعلم،
وحكى عياض أنه وقع لبعض الرواة. فلا يكلمني أحد منهم ولا يسلمني. واستبعده لأن
المعروف أن السلام إنما يتعدى بحرف الجر، وقد وجهه بعضهم بأن يكون اتباعاً أو يرجع إلى

٣٧٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
قول من فسر السلام، أنت مسلم مني. قلت: هذا توجيه لا طائل تحته. قوله: ((ورسول الله
عَ لَه، عند أم سلمة))، الواو فيه للحال. وأم سلمة هند. قوله: ((معنية))، بفتح الميم وسكون
العين المهملة وكسر النون وبالياء آخر الحروف المشددة من الاعتناء، وهذه رواية الأكثرين
وفي رواية الكشميهني: معينة، بضم الميم وكسر العين وسكون الياء وفتح النون من الإعانة،
وليست بمشتقة من العون. كما قاله بعضهم: قوله: ((إذاً يحطمكم)) من الحطم وهو الدوس،
وفي رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني: إذا يخطفكم، بالخاء المعجمة وبالفاء من
الخطف وهو مجاز عن الازدحام. قوله: ((آذن)) أي: اعلم. قوله: ((كذبوا)) بتخفيف الذال
ورسول الله بالنصب لأن كذب يتعدى بدون الصلة. قوله: ((يعتذرون إليكم)) يعني:
المنافقين إذا رجعوا إلى المدينة يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم. قوله: ((لن نؤمن لكم)) أي:
لن نصدقكم. قوله: ((قد نبأنا الله)) أي: قد أخبرنا الله من سرائركم وما تخفي صدوركم
وسيرى الله عملكم ورسوله فيما بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه وتردون بعد الموت
إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم فيخبركم بما كنت تعملون في السر والعلانية ويجزيكم
عليها.
١٩ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
هذا باب في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الآية، وهذه الآية عقيب قوله:
﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ [التوبة: ١١٨] الآية، ولما جرى على هؤلاء الثلاثة من
الضيق والکرب وهجر المسلمين إياهم نحواً من خمسين ليلة فصبروا على ذلك واستكانوا
لأمر الله فرج الله عنهم بسبب صدقهم جميع ذلك وتاب عليهم، وكان عاقبة صدقهم وتقواهم
نجاة لهم وخيراً، وأعقب ذلك بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الآية. قوله: («اتقوا الله)) أي:
خافوه. قوله: ((وكونوا مع الصادقين)) يعني: إلزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من
المهالك ويجعل لكم فرجاً من أموركم ومخرجاً.
٤٦٧٨/١٩٨ - حدَثنا يَحْيَى بِنُ بُكَيْرِ حدثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابن شهابٍ عن
عبدِ الرَّحْمنِ بن عبدِ الله بنِ كَغْبِ بنِ مالِكِ أنَّ عبدَ الله بنَ کَعْبِ بنِ مالِكٍ وكانَ قائِدَ
كَغْبِ بنِ مالِكِ قال سَمِعْتُ كَغْبَ بنَ مالِكِ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلّفَ عنْ قِصّةٍ تَبُوكَ فَوَالله ما
أَعْلَمُ أحَداً أبْلاَهُ الله في صِدْقِ الحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَوْتُ ذُلِكَ
لرَسُولِ اللهِ عَّهِ إِلَى يَوْمِي لهذَا كَذَّاباً وأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ عَ لَّهِ ﴿لَقَدْ تَابَ الله
عَلَى النبيِّ والمُهاجِرِين﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. [انظر الحديث ٢٧٥٧
وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من حيث إن الله فرج عن كعب وتاب عليه بحسن صدقه كما
في متن الحديث، وأنزل الله تعالى هذه الآية وأمر المؤمنين بالتقوى والصدق. ورجال إسناده
قد ذكروا عن قريب وفيما قبله غير مرة، والحديث قطعة من حديث كعب الطويل، وتكلمنا

٣٨٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة التوبة
فيه فيما مضى.
٢٠ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِثُمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿لقد جاءكم﴾ الآية، كذا ثبت إلى آخر الآية في
رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر إلى قوله: ((ما عنتم)) وقد من الله تعالى بهذه الآية على
المؤمنين بما أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم
عليه الصلاة والسلام: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾ [البقرة: ١٢٩] وقرىء: من أنفسكم،
من النفاسة أي: من أشرفكم وأفضلكم، وقيل: هي قراءة رسول الله عَّةٍ، وفاطمة وعائشة
رضي الله عنهما. قوله: ((عزيز عليه ما عنتم)) أي: يعز عليه ما يشق عليكم، ولهذا جاء في
الحديث: بعثت بالحنفية السمحة، وعنتم من العنت وهو المشقة، وقال ابن الأنباري: أصله
التشديد، وقال الضحاك: الإثم، وقال ابن أبي عروبة: الضلال، وقيل: الهلاك. وحاصل
المعنى: يعز عليه أن تدخلوا النار، وجمعت هذه الآية ست صفات لسيدنا رسول الله عنه:
الرسالة والنفاسة والعزة وحرصه على إيصال الخيرات إلى أمته في الدنيا والآخرة والرأفة
والرحمة. قال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لنبي من الأنبياء إسمين من أسمائه إلاَّ لسيدنا
رسول الله عَّ حيث قال: ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ وقال عز وجل: ﴿إن الله بالناس
لرؤوف رحيم﴾ [البقرة: ١٤٣ والحج: ٦٥].
مِنَ الرَّافَةِ
يعني: رؤوف من الرأفة وهي الحنو والعطف وهي أشد الرحمة، ولم يثبت هذا في
رواية أبي ذر.
٤٦٧٩/١٩٩ - حدَثنا أبو اليَمانِ أَخْبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني ابنُ السَّبّاقِ
أنَّ زَيْدَ ابنَ ثابتِ الأنْصارِيَّ رضي الله عنهُ وكانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ قال أرْسَلَ إلَيَّ أَبُو بَكْرٍ
مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ فَقال أَبُو بَكْرٍ إِنَّ عُمَرَ أتاني فقال إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحْرَّ يَوْمَ
اليَمامَةِ بِالنَّاسِ وإنِّي أَخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بَالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِنِ فِيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إلاّ
أنْ تَجْمَعُوهُ وإِنِّي لأَرَى أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ قال أبو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئاً لَم يَفْعَلْهُ
رسولُ اللهِ عَّلَه فقال عُمَرُ هُوَ والله خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عمَرُ يُّرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَعَ اللهِ لِذْلِكَ
صَدْرِي ورَأْيِتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قال زَيْدُ بنُ ثابِتٍ وعُمَرُ عِنْدَهُ جالِسٌ لا يَتَكَلَّمُ فقال أَبُو بَكْر
إِنَّكَ رِجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ ولا نَتَّهِمُك كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لرسُولِ اللهِ عَ لَّهِ فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ
فَوَ الله لوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ ما كانَ أَتْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَّنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قَلْتُ
كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ النبيُّ عَ لَه فقال أَبُو بَكْرِ هُوَ والله خَيْرٌ فلمْ أزَلْ أَرَاجِعُهُ حَتَّى
شَرَعَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَعَ الله لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ