Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأَعْرَاف وفسر قوله: أخلد بقوله: أقعد من الإقعاد وهو أن يلازم القعود إلى الأرض وهو كناية عن شدة ميله إلى الدنيا، وقد فسر أبو عبيدة قوله: أخلد إلى الأرض بقوله: لزمها، وأصل الإخلاد اللزوم، ويقال معناه: مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهراتها وأقبل على لذاتها ونعيمها وغرته كما غرت غيره، قوله: وتقاعس، أي: تأخر وأبطأ، والضمير في قوله: ولكنه، يرجع إلى بلعام بن باعورا من علماء بني إسرائيل وكان مجاب الدعوة ولكنه اتبع هواه فانسلخ من الإيمان واتبعه الشيطان، وقصته مشهورة، وقيل: المراد به أمية بن أبي الصلت أدرك زمن النبي معَ له ولم يتبعه وصار إلى موالاة المشركين، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه وله أشعار ربانية وحكم وفصاحة ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام. ((سنَسْتَدْرِجُهُمْ) أَيْ نأتِيهِمْ مِنْ مأمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أَتاهُمُ الله مِنْ حَيْثِ لمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢] وفسر قوله: سنستدرجهم، بقوله: نأتيهم من مأمنهم، أي: من موضع أمنهم، وأصل الاستدراج التقريب منزلة من الدرج لأن الصاعد يترقى درجة درجة. قوله: كقوله تعالى: ﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ [الحشر: ٢] وجه التشبيه فيه هو أخذ الله إياهم بغتة، كما قال في آية أخرى: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة﴾ [الأنعام: ٤٤]. مِنْ جِنَّةٍ مِنْ جُنُوٍ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾ [الأعراف: ١٨٤] ثم قال: من جنون، وكانوا يقولون: محمد شاعر أو مجنون، والمراد بالصاحب هو محمد عليه الصلاة والسلام. فمَرَّتْ بِهِ فاسْتَمَرَّ بِهَا الحمْلُ فَأَتَّتْهُ لم يقع هذا في رواية أبي ذر، وتقدم هذا في أول كتاب الأنبياء، وأشار به إلى قوله تعالى: ﴿فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به﴾ [الأعراف: ١٨٩] وفسر قوله: فمرت به، بقوله: فاستمر بها الحمل فأتمته، والضمير في قوله: فمرت، يرجع إلى حواء عليها السلام، لأن قبل هذا قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها﴾ الآية. وأراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام، وأراد بقوله: زوجها، حواء عليها السلام، وفي التفسير: اختلفوا في معنى قوله: فمرت، فقال مجاهد: استمرت بحمله، وكذا روي عن الحسن والنخعي والسدي، وقال ميمون بن مهران عن أبيه: استخفته، وقال قتادة: استبان حملها، وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به فشكّت أحبلت أم لا. يَنْزَغَنَّكَ يَسْتَخِفِئَّكَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] الآية. عمدة القاري/ ج١٨ م٢١ ٣٢٢ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأَعْرَافَ وفسر ينزغنك بقوله: يستخفنك، وكذا فسره أبو عبيدة، وقال ابن جرير فى معنى هذا: وأما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل ويحملك على مجازاته فاستعذ بالله، أي: فاستجر بالله. طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمْ ويُقالُ طائِفٌ وهوَ واحِدٌ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان﴾ وفسر قوله: طيف بقوله: ملم به لمم، وقال أبو عبيدة: طيف أي لمم، واللمم يطلق على ضرب من الجنون وعلى صغار الذنوب، وفي التفسير: منهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب. قوله: ((ويقال طائف)) أشار به إلى أن طيفاً وطائفاً واحد في المعنى، وهما قراءتان مشهورتان. يُدُّونَهُمْ يُزَيُِّونَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ [الأعراف: ٢٠٢] وفسر يمدونهم بقوله: ((يزينون))، وقال أبو عبيدة: أي يزينون لهم الغي والكفر. وخِيفَةً خَوْفاً وخُفْيَةً مِنَ الإِخْفاءِ أشار بقوله خيفة إلى قوله تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وفسر قوله: ((خيفة))، بقوله: «خوفاً»، وكذا فسره أبو عبيدة، ويقال: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة﴾ أي: رغبة ورهبة وأشار بقوله وخيفة إلى قوله: ((واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة)) وأي: سراً. قوله: ((من الإخفاء)) أراد به أن الخفية مأخوذة من الإخفاء وفيه تأمل، لأن القاعدة أن المزيد فيه يكون مشتقاً من الثلاثي دون العكس، ولكن يمكن أن يوجه كلامه باعتبار انتظام اشتقاق الصيغتين في معنى واحد. والآصالُ واحِدُها أَصِيلٌ ما بَيْنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ كَقَوْلِكَ بُكْرَةُ وأَصِيلاً أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ودون الجهر من القول بالغدو والآصال﴾ وذكر أن واحد الآصال أصيل، كذا قاله أبو عبيدة، وقال ابن فارس الأصيل: بعد العشار وجمعه أصل وجمع أصل آصال فيكون الآصال جمع الجمع، وقال الأصال لعله أن يكون جمع أصيلة. قوله: ((كقولك بكرة وأصيلاً) أشار به إلى أن الأصيل واحد الآصال. ١ - بابُ قولِهِ عَزِ وجَلَّ: ﴿قُلْ إِنما حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَّنَ﴾ [الأعراف: ٣٣ ] أي: هذا باب في قول الله عز وجل: ﴿قل إنما﴾ الآية. وليس في بعض النسخ لفظ: باب. واختف في المراد بالفواحش: فمنهم من حملها على العموم، فعن قتادة: المراد سر L. ٣٢٣ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأغْرَاف الفواحش وعلانيتها، ومنهم من حملها على نوع خاص، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر ويستقبحونه في العلانية فحرم الله الزنا في السر والعلانية، وعن سعيد بن جبير ومجاهد: ما ظهر نكاح الأمهات وما بطن الزنا. ٤٦٣٧/١٥٩ - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَزْبٍ حدثنا شعبةُ عنْ عَمروِ بنِ مُرَّةَ عن أبي وائِلٍ عنْ عبْدِ الله رضي الله عنه قال قُلْتُ أَنْتَ سَمِعتَ لهذَا مِنْ عَبْدِ الله قال نَعَمْ ورَفَعَهُ قال لا أحَدَ أَغْيَرُ مِنَ الله فلِذلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ ولاَ أَحَدَ أُحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللهِ فَلِذْلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ. [انظر الحديث ٤٦٣٤ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود. والحديث مضى عن قريب في: باب ﴿لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ [الأنعام: ١٥١] فإنه أخرجه هناك عن حفص بن عمر عن شعبة إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((قال: قلت))، القائل هو عمرو بن مرة، والمخاطب أبو وائل. قوله: ((ورفعه))، أي: رفع الحديث إلى النبي معَ له. ٢ - باب: ﴿ولما جاءَ مُوسَى لمِياقتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبَّهُ قَالَ رَبِّ أرني أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال لَنْ تَرَاني ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فِسَوْفَ تَرَاني فَلمَّا تَجَلَّى رَبَّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أفاقَ قال سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وأنا أولُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾ إلى آخره. قوله: ((الآية)، أي: الآية بتمامها، وقد ساق في بعض النسخ بتمامها: ((قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)). قوله: ((لميقاتنا))، قال الثعلبي: الميقات مفعال من الوقت كالميعاد والميلاد انقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. قلت: أصله: موقات، لأنه من الوقت وإنما انقلبت ياء لأن الياء أخت الكسرة. قوله: (وكلمه ربه))، حتى سمع صرير الأقلام، وكان على طور سيناء ولما دناه ربه وناجاه اشتاق إلى رؤيته، وقال: ﴿رب أرني أنظر إليك) فقال الله عز وجل: ﴿لن تراني﴾ يعني: ليس لبشر أن يطيق النظر إلي في الدنيا (من نظر إلي في الدنيا مات))، قال موسى: إلهي قد سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك فأرني أنظر إليك، فلأن أنظر إليك ثم أموت أحب إليَّ من أن أعيش فلا أراك، قال الله تعالى: ﴿أنظر إلى الجبل﴾ وهو أعظم جبل بمدين يقال له: زبير ﴿فإن استقر﴾ أي: ثبت بمكانه ﴿فسوف تراني فلما تجلى ربه﴾، قال ابن عباس: تجليه ظهور نوره، وقال كعب الأحبار وعبد الله بن سلام: ما تجلى من عظمة الله إلا مثل سم الخياط، وقال السدي: قدر الخنصر، وروى أحمد في (مسنده) عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ٣٢٤ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأَعْرَاف عَّله، في قوله: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ قال: هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر الحديث، ورواه الترمذي أيضاً، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وعن سهل بن سعد: أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر الدرهم فجعل الجبل كأقواله ((جعله دكا)) قال ابن عباس: تراباً، وقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب معه، وعن أبي بكر الهذلي: «كا انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، وقال ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي مالك عن النبي عَ لّ قال: ((لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء وثبير وثور)). قال ابن كثير: هذا حديث غريب بل منكر، وقال عطية العوفي: دكاً صار رملاً هائلاً، واختلف القراء في دكاً فقرأ أهل المدينة والبصرة بالقصر والتنوين وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد القاسم بن سلام، وقرأ أهل الكوفة بالمد أي جعله مثل الأرض وهي الناتئة لا تبلغ أن تكون جبلاً. قوله: ((وخر موسى صعقاً)) أي: خر مغشياً عليه يوم الخميس وكان يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة، وهو يوم النحر، وفي (التلويح): وصعق موسى موته، نظيرها قوله في سورة النساء: ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ [النساء: ١٥٣] يعني: الموت، وفي الزمر: ﴿فصعق من في السموات﴾ يعني: مات، وفي تفسير ابن كثير: والمعروف أن الصعق هو الغشي ههنا كما فسره ابن عباس وغيره لا كما فسره قتادة بالموت وإن كان ذلك صحيحاً في اللغة. قوله: ((فلما أفاق)) أي: من الغشي، قال محمد بن جعفر: شغله الجبل حين تجلى ولولا ذلك لمات صعقاً بلا إفاقة. قوله: ((قال سبحانك)) تنزيهاً وتعظيماً وإجلالاً أن يراه أحد في الدنيا إلاَّ مات. قوله: ((تبت إليك)) يعني عن سؤال الرؤية في الدنيا، وقيل: تبت إليك من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها، وقيل: من اعتقاد جواز الرؤية في الدنيا، وقيل: المراد بالتوبة هنا الرجوع إلى الله تعالى لا على ذنب سبق، وقيل: إنما قال ذلك على جهة التسبيح وهو عادة المؤمنين عند ظهور الآيات الدالة على عظم قدرته. قوله: ((وأنا أول المؤمنين))، أي: بأنك لا ترى في الدنيا، قال مجاهد: وأنا أول المؤمنين من بني إسرائيل، واختاره ابن جرير، وعن ابن عباس: وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك أحد، وكذا قال أبو العالية. وتعلقت نفاة رواة الرؤية بهذه الآية، فقال الزمخشري: لن، لتأكيد النفي الذي تعطيه: لا، وذلك أن: لا تنفي المستقبل، تقول: لا أفعل غداً، فإن أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً، وقال ابن كثير: وقد أشكل حرف: لن، ههنا على كثير لأنها موضوعة للنفي للتأبيد، فاستدلت به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وأجيب: بأن الأحاديث قد تواترت عن رسول الله عَ ◌ٍّ، بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة. وقيل إنها لنفي التأبيد في الدنيا جمعاً بين هذه وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الآخرة، وقيل: إن لن لا توجب التأبيد لكن توجب التوقيت، كقوله عز وجل: ﴿ولن يتمنوه أبداً﴾ [البقرة: ٩٥] يعني: الموت، وقال علي بن مهدي: لو كان سؤال موسى عليه السلام، مستحيلاً لما أقدم عليه مع كمال معرفته بالله عز وجل، وقال المتكلمون من أهل السنة: لما علق الله الرؤية باستقرار ٣٢٥ ٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأُغْرَاف الجبل دل على جواز الرؤية لأن استقراره غير مستحيل، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما كان مستحيلاً علقه بشيء مستحيل فقال: ﴿لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] أي: في خرق الإبرة. قال ابنُ عِبَّاسٍ أُرِني أعْطِني هذا التعليق وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال أعطني. ١٦٠/ ٤٦٣٨ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدثنا سُفْيانُ عنْ عَمْروِ بنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ عنْ أبِيهِ عنْ أبي سَعيد الخذْرِيِّ رضيَ الله عنهُ قال جاءَ رَجُلٌ منَ اليَّهُودِ إلى النبيِّ عَ لِّ قَدْ لُطِمَ وجْهُهُ وقال يا مُحَمَّدُ إِنَّ رجلاً منْ أصْحابِكَ منَ الأنْصارِ لَطَمَ في وَجْهِي قال اذْعُوهُ فَدَعَوْهُ قال لِم لَطَّمْتَ وْهَهُ قال يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي مَرَرْتُ بالْيَهُودِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ والَّذِي اصْطَفَى موسى عَلَى البَشَرِ فَقُلْتُ وعَلَى مُحَمَّدٍ فقال وعَلَى مُحَمَّدٍ فأخذَتْني غضْبَةٌ فَلَطَمْتَهُ قال: لا تُخَيِّرُوني مِنْ بَيْنِ الأَنْبِياءِ فإنَّ النَّاسَ يَضْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فأكونُ أوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فإِذَا أنا بُوسى آخِذٌ بِقائِمَةٍ منْ قَوَائِم العَرْشِ فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أمْ جُوزِيَ بِصَغْفَةِ الطورِ. [انظر الحديث ٢٤١٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: أم جوزي بصعقة الطور، والحديث قد مضى في: باب الأشخاص فإنه أخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((لا تخيروني))، أي: لا تفضلوني بحيث يلزم نقص أو غضاضة على غيره أو يؤدي إلى الخصومة، أو قاله تواضعاً، وقيل: قال ذلك قبل أن يعلم تفضيله على الكل، وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: أن الذي لطم اليهودي في هذه القصة هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وما ذكره البخاري هو الأصح. قوله: ((فإن الناس يصعقون يوم القيامة)) الظاهر أن هذا الصعق يكون يوم القيامة حين يأتي الرب عز وجل لفصل القضاء ويتجلى فيصعقون حينئذٍ أي: يغشى عليهم، وليس المراد من الصعق الموت. قوله: ((أم جوزي)) كذا في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي، وفي رواية الأكثرين: جزي، والأول هو المشهور في غير هذا الموضع. ٣- باب المَنُّ والسَّلْوَى أي: هذا في ذكر المن والسلوى وليس في الحديث ذكر السلوى، وإنما ذكره رعاية للفظ القرآن، وفي بعض النسخ: ﴿وأنزلنا عليهم المن والسلوى﴾ [البقرة: ٥٧] قال الله تعالى: ﴿وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى﴾ [الأعراف: ١٦٠] وقد مر تفسير ذلك في سورة البقرة. ٣٢٦ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأَعْرَاف ٤٦٣٩/١٦١ - حدَثنا مُسْلِمٌ حدثنا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ المَلِكِ عنْ عَمروِ بنِ حُرَيْثٍ عنْ سَعِيدِ بنِ زَيْد عنِ النبيِّ عَ لَّه قال الكَمِأَةُ مِنَ المَنِّ وماؤُها شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ. [انظر الحديث ٤٤٧٨ وطرفه]. مطابقته للترجمة في ذكر المن، ومسلم كذا مجرداً وقع في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره ذكر أبوه وهو ابن إبراهيم الأزدي الفراهدي القصاب البصري، وعبد الملك هو ابن عمير القرشي الكوفي. والحديث يأتي في الطب عن محمد بن المثنى وفيه أيضاً عن أبي نعيم، وأخرجه مسلم في الأطعمة عن محمد بن المثنى وغيره. وأخرجه الترمذي في الطب عن أبي كريب وغيره. وأخرجه ابن ماجه أيضاً في الطب عن محمد بن الصباح عن سفيان به. قوله: ((شفاء للعين) كذا هو رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: شفاء من العين، أي: من وجع العين، قيل: هو نفس الماء مجرداً، وقيل: معناه أن يخلط ماؤها بدواء يعالج به العين، وقيل: إن كان لبرودة ما في العين أو الحرارة فماؤها مجرد إشفاء، وإن كان لغير ذلك فمركب مع غيره. وقال النووي: الأصح والصواب أن ماءها مجرد إشفاء للعين مطلقاً، فيعصر ماؤها ويجعل في العين. ٤ - بابّ: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رسولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لهُ مُلْكُ السَّمْوَاتِ والأَرْضِ لا إلهَ إلاَّ هُوَ يُخْيِي وِيُمِيتُ فَآمِنُوا بالله ورسُولِهِ النبيِّ الأَمِّيِّ الَّذِي يُؤْمنُ بالله وكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] أي: هذا باب في قول الله عز وجل: ﴿قل يا أيها الناس) قوله: ((الآية))، أي الآية بتمامها، وهو قوله: ﴿لا إله إلاّ هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ وفي بعض النسخ جميع هذه مذكور. قوله: ((قل يا أيها الناس))، يقول الله لنبيه ورسوله محمد عَ له: قل يا محمد: يا أيها الناس وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي: ((إني رسول الله إليكم جميعاً)) أي: جميعكم. قوله: ((الذي له ملك السموات والأرض))، صفة الله في قوله: ((إني رسول الله)) أي الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الملك والإحياء والإماتة. قوله: ((فآمنوا بالله)) لما خبرهم بأنه رسول الله عَةٍ، أمرهم بالإيمان به وباتباع رسوله النبي الأمي الذي وعدتم به وبشرتم به في الكتب القديمة فإنه منعوت بذلك في كتبهم. قوله: ((واتبعوه)) أي: اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ((لعلكم تهتدون) إلى الصراط المستقيم. ١٦٢/ ٤٦٤٠ - حدَثنا عبدُ الله حدثنا سُلَيْمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ ومُوسى بنُ هارُونَ قَالاً حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ العَلاَءِ بنِ زَبْرٍ قال حدثني بُشْرُ بنُّ عُبَيْدِ الله قال حدثني أبُو إذْرِيسَ الخَوْلاَنِيُّ قال سَمِعْتُ أبا الدَّزْدَاءِ يَقُولُ كانَتْ بَيْنَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ مُحاوَرَةٌ ٣٢٧ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأعْرَاف فأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فانْصَرَفَ عنهُ عُمَرُ مُغْضَباً فاتَبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتّى أَغْلَقَ بابَهُ في وَجْهِهِ فأقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إلى رسُولِ اللهِ عَ لِ فقال أبو الدَّرْدَاءِ ونَحْنُ عِنْدَهُ فقال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ أَمَّا صاحِبْكُمْ هُذَا فَقَدْ غامَرَ قال ونَدِمَ عُمَرُ عَلَى ما كانَ مِنْهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وجَلَسَ إلى النبيِّ عَ لّهِ وِقَصَّ عَلَى رسولِ اللهِ عَِّ الخَبَرَ قال أبُو الدَّرْدَاءِ وَغَضِبَ رَسُولُ الله عَ لَه وجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ والله يا رسولَ اللهِ لاَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ فقال رسولُ اللهِ عَلَّ هَلْ أنْتُمْ تارِكُو لِي صاحبِي هَلْ أَنْتُمْ تارِكُو لِي صاحِبِيٍ إِنِّي قُلْتُ يا أيُّها النَّاسُ إِنِّي رسُولُ الله إلَيْكُمْ جَمِيعاً فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وقال أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ. [انظر الحديث ٣٦٦١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ﴿يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨] وعبد الله وقع كذا غير منسوب في رواية الأكثرين، ووقع عند ابن السكن عن الفربري عن البخاري: حدثني عبد الله بن حماد، وبذلك جزم الكلاباذي وطائفة وهو عبد الله بن حماد بن الطفيل أبو عبد الرحمن الآملي، بالمد وضم الميم الخفيفة، آمل جيحون. قال الأصيلي: هو من تلامذة البخاري، وكان يورق بين يديه، وقيل: شارك البخاري في كثير من شيوخه وكان من الحفاظ، قال المنذري: ذكر ابن يونس أنه مات يوم الأربعاء لتسع خلون من المحرم سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وقيل: مات بآمل حين خرج من سمرقند، وسليمان ابن عبد الرحمن ابن إبنة شرحبيل بن أيوب الدمشقي، روى عنه البخاري في مواضع، مات سنة ثلاثين ومائتين، وموسى بن هارون البني، بضم الباء الموحدة وتشديد النون، من أفراد البخاري، والوليد بن مسلم الدمشقي أبو العباس، مات سنة خمس وتسعين ومائة، وعبد الله ابن العلاء بن زبر، بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة وبالراء الربعي بفتح الباء الموحدة وبالعين المهملة وبسر، بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة وبالراء: ابن عبيد الله الحضرمي الشامي، وأبو إدريس عائذ الله إسم فاعل من العوذ، بالعين المهملة والذال المعجمة: الخولاني، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبالنون. وأبو الدرداء عويمر الأنصاري، وهؤلاء الخمسة كلهم شامیون. والحديث مضى في: باب مناقب أبي بكر رضي الله عنه، فإنه أخرجه هناك عن هشام ابن عمار عن صدقة بن خالد عن زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((غامر)) بالغين المعجمة من باب المفاعلة، أي: سبق بالخير أو وقع في أمر أو زاحم وخاصم والمغامر الذي يرمي نفسه في الأمور المهلكة، وقيل: هو من الغمر بالكسر، وهو الحقد الذي حاقد غيره. قوله: ((تاركو لي صاحبي)) بحذف النون من: تاركون لأنه مضاف إلى قوله: صاحبي، لكن وقع الجار والمجرور أعني قوله: ((لي)) فاصلاً بين المضاف. قال أبُو عَبْدِ الله غامَرَ سَبَقَ بِالخَيْرِ هذا ليس بموجود في بعض النسخ. وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، فسر قوله: ((غامر)) ٣٢٨ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأَعْرَاف بقوله: سبق بالخير، وقد ذكرناه الآن. ٥ - بابٌ قوله وقُولُوا حِطَّةٌ أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً﴾ [الأعراف: ١٦١] وليس لفظ: باب، مذكوراً في بعض النسخ. ٤٦٤١/١٦٣ - حدَثنا إسْحاقُ أخبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ قال رسُولُ اللهِ عَِّ قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿اذَخُلُوا البابَ سُجَّداً وَقُولوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وقالُوا حبَّةٌ في شَعَرَةٍ. [انظر الحديث ٣٤٠٢ وطرفه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسحاق هو ابن إبراهيم الحنظلي بن راهويه، ومعمر، بفتح الميمين: ابن راشد، وهمام بتشديد الميم الأولى ابن منبه على وزن اسم الفاعل من التنبيه. والحديث مضى في أوائل تفسير سورة البقرة فإنه أخرجه هناك عن محمد عن عبد الرحمن ابن مهدي عن ابن المبارك عن معمر إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((فبدلوا))، أي، غيروا. قوله: ((في شعرة))، بفتحتين في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: في شعيرة، بكسر العين وسكون الياء آخرِ الحروف. ٦ - بابٌ: ﴿خُذِ العَقْوَ وأمُزْ بالْعُرْفِ وأغْرضْ عنِ الجاهِلِينَ﴾[الأعراف: ١٩٩] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ وقد أمر الله نبيه عَ لَّه بثلاثة أشياء: الأخذ بالعفو والأمر بالعرف والإعراض عن الجاهلين، وروى الطبري عن مجاهد: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسيس عليهم، وقال ابن الزبير: ما أنزل الله تعالى هذه الآية إلاَّ في أخلاق الناس، وعن ابن عباس والضحاك والسدي: خذ العفو من أموال المسلمين وهو الفضل، وقال ابن جرير: أمر بذلك قبل نزول الزكاة، وقال ابن الجوزي: صدقة كانت تؤخذ قبل الزكاة ثم نسخت بها، وقيل: هذا أمر من الله تعالى لنبيه عّ لّه بالعفو عن المشركين وترك الغلظة عليهم، وذلك قبل فرض القتال. وتفسير العرف يأتي الآن. قوله: ((وأعرض عن الجاهلين)) أي: عن أبي جهل وأصحابه، وقال ابن زيد: نسختها آية السيف، وقيل: ليست بمنسوخة إنما أمر باحتمال من ظلم. العُرْفُ المَعْرُوفُ أراد أن العرف، المأمور به في الآية الكريمة هو المعروف، ووصله عبد الرزاق من طريق همام بن عروة عن أبيه، وكذا أخرجه الطبري من طريق السدي وقتادة، وفي المعروف صلة الرحم وإعطاء من حرم والعفو عمن ظلم، وقال ابن الجوزي: العرف والمعروف ما عرف من ٣٢٩ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأَعْرَاف طاعة الله عز وجل، وقال الثعلبي: العرف والمعروف والعرافة كل خصلة حميدة، وقال عطاء: الأمر بالعرف بلا إله إلاَّ الله. ١٦٤ / ٤٦٤٢ - حدَثنا أَبُو اليَمانِ أُخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال قَدِمَ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ بنِ حُذَيْفَةً فَنَزَلَ عَلَى ابنٍ أَخِيهِ الحُرِّ بنِ قَيْسٍ وكانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ وكانَ القُرّاءُ أَصْحابَ مجالِسٍ عُمِّرَ ومُشاوَرَتِهِ كُهُولاً كانُوا أَوْ شُكَّاناً فقال عُيَيْنَةُ لاِبْنِ أَخِيهِ يا ابنَ أَخِي لَكَ وجْهٌ عِنْدَ لهَذَا الأَمِيرِ فاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قال سأُسْتَأذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قال ابنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَأْذِنَ الحُوْ لِعُبَيْنَةً فَأَذِنَ لَهُ عمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قال هِيْ يا ابنَ الخَطَّابِ فَوَالله ما تُعْطِينا الجَزْلَ ولا تَحْكُمُ بَيْتَنَا بالْعِدْلِ فَغَضِب عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِهِ فقال لهُ الحُرُّ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ الله تعالى قال لِنَبِيِّهِ عَّهِ: ﴿حُذِ العَفْوِ وَأُمُرْ بالعُرْفِ وأغْرِضْ عنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإنَّ لهذَا مِنَ الجاهِلِين والله ما جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاَها عَلَيْهِ وكانَ وقَّافاً عِنْدَ كِتابِ الله. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو اليمان الحكم بن نافع، وهذا الإسناد على هذا النمط قد سبق كثيراً. والحديث من أفراده. وأخرجه أيضاً في الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس. قوله: ((مشاورته))، بلفظ المصدر عطفاً على مجالس، وبلفظ المفعول والفاعل عطفاً على أصحاب. قوله: ((كهولا))، بضم الكاف: جمع كهل وهو الذي وخطه الشيب، قاله ابن فارس: وقال المبرد هو ابن ثلاث وثلاثين سنة. قوله: ((أو شبانا))، بضم الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة: جمع شاب، هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: شباباً، بفتح الشين وبالباءين الموحدتين أولاهما مخففة. قوله: ((هي)) بكسر الهاء وسكون الياء كلمة التهديد، ويقال: هو ضمير وثمة محذوف أي: هي داهية أو القصة هذه، ويروى: هيه، بهاء أخرى في آخره، ويروى إيه من أسماء الأفعال تقول للرجل: إذا استزدته من حديث أو عمل: إيه، بكسر الهمزة وسكون الياء وكسر الهاء. قوله: ((ما تعطينا الجزل))، بفتح الجيم وسكون الزاي، أي: ما تعطينا العطاء الكثير، وأصل الجزل ما عظم من الحطب ثم استعير منه: أجزل له في العطاء، أي أكثره. قوله: ((ما جاوزها))، أي: ما جاوز الآية المذكورة يعني لم يتعد عن العمل بها. قوله: ((وكان)) أي: عمر وقَّافاً مبالغة في واقف، ومعناه أنه إذا سمع كتاب الله يقف عنده ولا يتجاوز عن حكمه. ٤٦٤٣/١٦٥ - حدَثنا يَحْيِى حدثنا وكيعُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ خُذِ العَفْوِ وأَمُرْ بالْعُرِفِ قال ما أَنْزَلَ الله إلاَّ في أُخْلاَقِ النَّاسِ. [الحديث - ٤٦٤٣ طرفه في: ٤٦٤٤] مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ ويحيى شيخ البخاري مختلف فيه، فقال أبو علي بن السكن: هو يحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكريا السختياني ٣٣٠ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ الأغْرَاف البلخي، يقال له خت، وقال المستملي: هو يحيى بن جعفر بن أعين أبو زكريا البخاري البيكندي، رحمه الله، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة وعروة يروي عن أخيه عبد الله ابن الزبير، وهذا موقوف. قوله: ((خذ العفو))، يعني هذه الآية ما أنزلها الله إلاَّ في أخلاق الناس. وقوله: ((قال)) معترض بين الجملتين، والضمير المنصوب مقدر في ما أنزل كما قدرناه، ورواه محمد بن جرير عن ابن وكيع عن أبيه بلفظ: ما أنزل الله هذه الآية إلاَّ في أخلاق الناس، والأخلاق جمع خلق بالضم وهو ملكة تصدر بها الأفعال بلا روية، وقال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، ولعل ذلك لأن المعاملة إما مع نفسه أو مع غيره، والغير إما عالم أو جاهل أو لأن أمهات الأخلاق ثلاث لأن القوى الإنسانية ثلاث: العقلية والشهوية والغضبية، ولكل قوة فضيلة هي وسطها، للعقلية الحكمة وبها الأمر بالمعروف، وللشهوية العفة ومنها أخذ العفو، وللغضبية الشجاعة ومنها: الإعراض عن الجهال. ٤٦٤٤ _ وقال عبدُ الله بنُ بَوَادٍ حدَّثنا أبو أُسامَةَ حدثنا هِشامٌ عنْ أبِيهِ عنْ عبْدِ الله ابْنِ الزُّبَيْرِ قال أَمَرَ الله نَبِّهِ عَلَّمِ أنْ يأخُذَ العَفْوَ مِنْ أَخْلاَقِ النَّاسِ أَوْ كما قال. [انظر الحديث ٤٦٤٣ وأطرافه]. هذا تعليق أخرجه عن عبد الله بن براد، وفي (التوضيح): لم يرو عنه غير هذا التعليق ولعله أخذه عنه مذاكرة وأكثر عنه مسلم، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين بالكوفة، وبراد، بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء: وهو إسم جده وهو عبد الله بن عامر ابن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وأبو أسامة حماد بن أسامة وقد تكرر ذكره، قيل: اختلف في هذا عن هشام فمنهم من وصله، منهم الإسماعيلي رواه من حديث الطفاوي عن هشام، ومنهم من وقفه منهم معمر وابن أبي الزناد وحماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه من قوله موقوفاً. ٣٣١ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأَنْفَالِ سورَةُ الأَنْفالِ أي: هذا بعض تفسير سورة الأنفال وهي مدنية إلاَّ خمس آيات مكية، وهي قوله: ﴿إِن شر الدواب عند الله﴾ [الأنفال: ٢٢ و٥٥] إلى آخر الآيتين، وقوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ إلى قوله: ﴿بعذاب أليم﴾ [الأنفال: ٣٣]، وفيها آية أخرى اختلف فيها، وهي قوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [الأنفال: ٣٠] وقال الحصار في كتابه: ﴿الناسخ والمنسوخ﴾: مدنية باتفاق، وحكى القرطبي عن ابن عباس: مدنية إلاّ سبع آيات من قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ إلى آخر سبع آيات، وقال مقاتل: مدنية وفيها من المكي: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ إلى آخر الآية، وقال السخاوي: نزلت قبل آل عمران وبعد البقرة وآياتها سبعون وخمس آيات، وكلماتها ألف كلمة وستمائة كلمة وإحدى وثلاثون كلمة، وحروفها خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفاً. بسم الله الرحمن الرحيم لم تثبت البسملة إلاَّ في رواية أبي ذر. ١ - بابٌ قولُهُ: ﴿يَسألُونَكَ عنِ الأنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ لله والرَّسولِ فاتِقُوا الله وأصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنفال: ١] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ إلى آخره، وليس في كثير من النسخ لفظ: باب. قوله: ((يسألونك))، يعني: يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غنمتها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي، فقيل: هي الله ورسوله، وقيل: هي أنفال السرايا، وقيل: هي ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابة وما أشبه ذلك، وقيل: هي ما أخذ مما يسقط من المتاع بعد ما تقسم الغنائم فهو نفل لله ورسوله، وقيل: النفل الخمس الذي جعله الله تعالى لأهل الخمس، وقال النحاس: في هذه الآية أقوال فأكثرهم على أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] وقال بعضهم: هي محكمة وللأئمة أن يعملوا بها فينفلوا من شاؤوا إذا كان ذلك صلاح المسلمين، وفي تفسير مكي: أكثر الناس على أنها محكمة، وممن قاله أيضاً ابن عباس. قوله: ((فاتقوا الله))، الآية أي: خافوا من الله بترك مخالفة رسوله. قوله: ((وأصلحوا ذات بينكم))، أي: أحوال بينكم حتى تكون أحوال ألفة ومحبة، والبين: الوصل كقوله: لقد تقطع بينكم. قال ابنُ عبّاسٍ: الأنْفَالُ المَغَائِمُ هذا التعليق وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: الأنفال المغانم كانت لرسول الله عَ ليه خالصة ليس لأحد فيها شيء. ٣٣٢ ٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرآنِ / سورَةُ الأَنْفالِ قال قَتَادَةُ زیحُكُمْ الحَزِبُ أشار إلى قوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٨] وفسر قتادة الريح بالحرب، وروى هذا التعليق عبد الرزاق في (تفسيره) عن معمر عنه، وفي التفسير: وتذهب ريحكم أي قوتكم وحدتكم وما كنتم من الاقبال. يُقالُ نافِلَةٌ عَطِيَّةٌ إنما ذكر هذا استطراداً لأن في معنى الأنفال التي هي المغانم معنى العطية. قال الجوهري: النفل والنافلة عطية التطوع من حيث لا تجب، ومنه نافلة الصلاة، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة﴾ [الإسراء: ٧٩] أي: غنيمة. ١٦٦/ ٤٦٤٥ - حدَثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حدّثنا سعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ أُخبرَنا هُشَيْمٌ أخبرنا أبو بِشْرٍ عنْ سعِيدِ بنِ مُجُبَيْرٍ قال قُلْتُ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما سورَةُ الأنْفَالِ قال نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ. [انظر الحديث ٤٠٢٩ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد بن عبد الرحيم أبو يحيى كان يقال له صاعقة، وسعيد ابن سليمان البغدادي المشهور بسعدويه، وهشيم مصغر الهشم بن بشير الواسطي، وأبو بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس الواسطي. قوله: ((سورة الأنفال)) أي: ما سبب نزول سورة الأنفال؟ قوله: ((قال نزلت في بدر)) أي: قال ابن عباس: نزلت سورة الأنفال في قضية بدر، وهذا أحد الأقوال وهو ما رواه أحمد بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر وقتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكثيفة، فأتيت به نبي الله عَّ له، فقال: إذهب فاطرحه في القبضٍ. قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلاَّ الله من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت إلاَّ يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله عَ له: إذهب فخذ سيفك، قلت: الكثيفة، بضم الكاف وفتح الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء، والقبض، بفتحتين: بمعنى المقبوض وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن يقسم، وقيل: إنها نزلت هذه الآية لأن بعض الصحابة سأل النبي عَّه من المغنم شيئاً قبل قسمته فلم يعطه إياه إذ كان شركاً بين الجيش، وقال مقاتل: نزلت في أبي اليسر إذ قال للنبي عَ لَّه: أعطنا ما وعدتنا من الغنيمة، وكان قتل رجلين وأسر رجلين: العباس بن عبد المطلب وآخر يقال له سعد بن معاذ، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله عَّهِ، عن الخمس بعد الأربعة أخماس، فنزلت ﴿يسألونك﴾ [الأنفال: ١]. الشَّرْكَةُ الحَدُّ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ [الأنفال: ٧] وفسر الشوكة بقوله: ((الحد)) وفي التفسير: أي ٣٣٣ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأُنْفالِ تحبون أن الطائفة التي لا حد لها ولا منعة ولا قتال تكون لكم وهي العير، وهذه اللفظة أعني قوله: «الشو کة الحد)) لم تثبت لأبي ذر. مُزْدَفِينَ فْجاً بعْدَ فَوْجِ رَدِفَتِي وَأَزْدَفَني جاءَ بَعْدِي أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إِني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ [الأنفال: ٩] وفسر مردفين بقوله: فوجاً بعد فوج، وعن ابن عباس: مردفين متتابعين، وعنه: المردفون المدد، وعنه: وراء كل ملك ملك، وعنه: بعضهم على إثر بعض، وكذا قال الضحاك وقتادة، وقال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا إسحاق حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثني عبد العزيز ابن عمران عن الزمعي عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير عن علي رضي الله عنه، قال: نزل جبريل عليه السلام، في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي عَ ◌ّه وفيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيل عليه السلام، في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي عَّه، وأنا في الميسرة، وقال ابن كثير: وهذا يقتضي، لو صح إسناده، أن الألف مردوفة بمثلها، ولهذا قرأ بعضهم مردفين، بفتح الدال. قوله: ((ردفني وأردفني))، أشار بهذا إلى أن ردف - بكسر الدال ـ وأردف بمعنى واحد، قال الطبري: العرب تقول: أردفته وردفته بمعنى، وقال الجوهري: ردفه بالكسر أي تبعه، والردف المرتدف وهو الذي يركب خلف الراكب، وأردفته أنا إذا أركبته معك، وذلك الموضع الذي يركبه رداف، فكل شيء تبع شيئاً فهو ردفه، والترادف التتابع. ذُوقُوا باشِرُوا وجَرِّبُوا ولَيْسَ هَذا مِنْ ذَوْقِ الفَم أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ذلكم فذوقوه وإن للكافرين عذاب النار﴾ [الأنفال: ١٤] وفسر: ذوقوا، بقوله: باشروا وجربوا وهذا من المجاز أن يستعمل الذوق وهو مما يتعلق بالأجسام في المعاني، كما في قوله تعالى: ﴿فذاقوا وبال أمرهم﴾ [الحشر: ١٥ والتغابن: ٥] ولهذا قيد بقوله: وليس هذا من ذوق الفم، والضمير المنصوب في: فذوقوه، يرجع إلى العقاب المذكور قبله، وهو قوله: ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ [البقرة: ٢١١ والأنفال: ١٣]. فِيَرْكُمُهُ يَجْمَعُهُ أشار به إلى قوله: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه﴾ [الأنفال: ٣٧] وفسر: يركمه، بقوله: يجمعه، وكذا فسره أبو عبيدة، فقال: يجمعه بعضه فوق بعض، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يزيد القراطيسي عن إصبغ عن ابن زيد، والركم جمع الشيء بعضه على بعض، كما قال في السحاب: ثم يجعله ركاماً أي: متراكباً، والمعنى: ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً حتى يتراكبوا فيجعله في جهنم، والضمير المنصوب في: فيركمه، يرجع إلى الفريق الخبيث. ٣٣٤ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَة الأَنْفالِ شَرّدْ فَرَّقْ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون﴾ [الأنفال: ٥٧] وفسر لفظ: شرد بقوله: فرق، وكذا فسره أبو عبيدة، وقال الزجاج: تفعل بهم فعلاً من القتل والتفريق، قال: وهو بذاك معجمة ومهملة لغتان، وفي التفسير: أي نكل بهم، كذا فسره ابن عيينة، وقال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي وعطاء الخراساني: معناه غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلاً ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم. وإِنْ جَنَحُوا طَلَبُوا أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ [الأنفال: ٦١] وفسر: جنحوا، بقوله: طلبوا، وقال أبو عبيدة: أي إن رجعوا إلى المسالمة وطلبوا .... الصلح، وفي التفسير: أي وإن مالوا إلى المسالمة والمهادنة فاجنح لها أي، مل إليها واقبل منهم ذلك. ◌ُقْخِنَ يَغْلِبَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] وفسر قوله: يثخن، بقوله: يغلب، وكذا فسره أبو عبيدة، وروى ابن أبي حاتم عن منجاب بن الحارث عن بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس بلفظ: يظهر على الأرض. وقال مجاهِدٌ مُكاءً إدخالُ أصابِعِهِمْ في أفْوَاهِهِمْ: وَقَصْدِيَةَ الصَّفِيرُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلاَّ مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ [الأنفال: ٣٥] وفسر: المكاء، بقوله: إدخال أصابعهم في أفواههم، قاله عبد الله بن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو رجاء العطاردي ومحمد بن كعب القرظي وحجر بن عنبس ونبيط بن شريط وقتادة بن زيد بن أسلم: المكاء، الصغير وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم، والتصدية فسرها البخاري بقوله: الصفير، وكذا فسرها مجاهد رواه عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه، وفسره أبو عبيدة بالتصفيق حيث قال: التصدیة صفق الأکف، وقال ابن جرير بإسناده عن ابن عمر: المكاء الصفير والتصدية التصفيق، وقال ابن أبي حاتم بإسناده إلى ابن عباس في هذه الآية: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق. لِيْنِتُوكَ ليَخْبِسوكَ أشار به إلى قوله عز وجل: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ٣٣٥ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأَنْفالِ يخرجوك﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية وفسر قوله: ((ليثبتوك)) بقوله: ليحبسوك، وبه فسر عطاء وابن زيد، وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ليثبتوك ليقيدوك، وقاله سنيد عن حجاج عن ابن جريج، قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: ائتمروا بالنبي عَ له ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمر بك؟ قال: يريدون أن يسجروني أو يقتلوني أو يخرجوني، قال: من خبرك بهذا؟ قال: ربي، قال: نعم الرب ربك استوص به خيراً، قال: أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي. ورواه ابن جرير أيضاً بإسناده إلى عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة نحوه، وقال ابن كثير: ذكر أبي طالب هنا غريب جداً بل منكر لأن هذه الآية مدنية ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترؤوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، واعلم أن هذه الألفاظ وقعت في كثير من النسخ مختلفة بحسب تقديم بعضها على بعض وتأخير بعضها عن بعض. ٢ - باب ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابٌ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ هذا يعم جميع من أشرك بالله عز وجل من حيث الظاهر وإن كان سبب نزوله خاصاً على ما روي عن مجاهد أن المراد بهؤلاء نفر من بني عبد الدار من قريش، وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون، وأخبر الله تعالى عنهم أن هذا الضرب من بني آدم سيء الخلق والخليقة، فقال: إن شر الدواب الصم أي عن سماع الحق إليكم عن فهمه ولهذا قال: لا يعقلون، فهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله تعالى فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلاً﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ٤٦٤٦/١٦٧ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ يوسُفَ حدثنا وزقاءُ عنِ ابنِ نَجِيحِ عنْ مُجاهِدٍ عنِ ابنِ عبّاسٍ إِنَّ شَرَّ الدَّوابٌ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ قالْ هُمْ نَفَرٌّ منْ بَنِي عَبْدِ الدَّار. مطابقته للترجمة ظاهرة وهذا من أفراده وورقاء مؤنث الاورق ابن عمرو وابن أبي نجيح هو عبد اللّه واسم أبي نجيح يسار الثقفي المكي قال يحيى القطان كان قدرياً. ٣ - باب: ﴿يا أيُّها الّذِينَ آمنُوا اسْتَجِيبُوا لله ولِلرَّسولِ إِذَا دَعاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ واعْلَمُوا أَنَّ اللّه يَحُولُ بَيْنَ المَزْءِ وَقَلْبِهِ وأنّهُ إِلَيْه تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] (استجيبوا)) بمعنى: أجيبوا لله تعالى، يقال: استجبت له وأجبته، والاستجابة هنا بمعنى الإجابة. قوله: (إذا دعاكم)) أي: إذا طلبكم. قوله: الآية أي: الآية بتمامها، وهي قوله: ((واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنكم إليه تحشرون))، وفي بعض النسخ ذكر من ٣٣٦ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأُنْفالِ قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ إلى قوله: ﴿تحشرون﴾. قوله: ((يحول بين المرء وقلبه)) قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان، رواه الحاكم في: (مستدركه) موقوفاً، وقال: صحيح ولم يخرجاه، ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعاً ولا يصح لضعف إسناده، والموقوف أصح، وعن مجاهد: يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل، وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلاَّ بإذنه. اسْتَجِئُوا أُجِئُوا لِمَا يُخپِيكُمْ يُصْلِحُگُمْ قد مر الآن أن: استجيبو، بمعنى أجيبوا، وكذا قال أبو عبيدة. قوله: ((لما يحييكم)) فسره بقوله: يصلحكم، وكذا فسره أبو عبيدة، وقال مجاهد: لما يحييكم للحق، وقال قتادة: هو هذا القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة، وقال السدي: لما يحييكم في الإسلام بعد موتهم بالكفر، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير: إذا دعاكم لما يحييكم، أي: للحرب التي أعزكم بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم. ١٦٨ / ٤٦٤٧ - حدَثني إسحاقُ أخبرَنَا رَوْعٌ حدثنا شُعْبَةُ عنْ خُبَيْبٍ بنِ عِبْدِ الرَّحْمنِ سَمِعتُ حَفْصَ بنَ عاصِمٍ يُحَدِّثُ عنْ أبي سَعِيدٍ بنِ المُعَلَّى رضي الله عنهُ قالَ كُنْتُ أُصَلِّي فَمَّ بِي رسولُ اللهِ عَّ ◌َلَّهِ فِّدَعاني فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فقال ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتَي أَلَمْ يَقُلِ الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله ولِلَّسُولِ إِذَا دَعاكُمْ﴾، ثُمَّ قال لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ فَذَهَبَ رسولُ اللهِ عَّهُ ليَخْرُج فذَكَرتُ لهُ. [انظر الحديث ٤٤٧٤ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسحاق كذا وقع في غالب النسخ غير منسوب، وفي نسخة مروية عن طريق أبي ذر: إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، وذكر أبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي أنه إسحاق بن منصور، وكذا نص عليه الحافظ المزي في (الأطراف)، روح، بفتح الراء ابن عبادة بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة، وخبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة الأولى وسكون الياء آخر الحروف الخزرجي، وأبو سعيد اسمه حارث أو رافع أو أوس بن المعلى بلفظ إسم المفعول من التعلية بالمهملة الأنصاري. والحديث مضى في تفسير سورة الفاتحة فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن يحيى عن شعبة إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((أعظم سورة)) أي في الثواب على قراءتها وذلك لما يجمع هذه السورة من الثناء والدعاء والسؤال. قوله: ((قبل أن أخرج))، أي: من المسجد، وبه صرح في الحديث الذي مضى في تفسير الفاتحة. قوله: ((فذكرت له))، أي: لرسول الله عٍَّ وهو قوله: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، وفي الذي مضى في تفسير الفاتحة قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ((الحمد لله رب العالمين هي السبع ٣٣٧ ٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأَنْفالِ المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)). وقال مُعاذٌ حدثنا شُعْبَةُ عنْ خُبَيْبٍ سَمِعَ حفْصاً سَمِعَ أبا سَعِيدٍ رَجُلاً منْ أصْحاب النبيِّ عَّهِ بِهِذَا وقال هِيَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ السَّبْعُ المَثانِي. هذا تعليق رواه معاذ بن معاذ العنبري بسكون النون وفتح الباء الموحدة عن شعبة بن الحجاج عن خبيب بن عبد الرحمن المذكور في الحديث الماضي عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبي سعيد بن المعلى، ووصله الحسن بن سفيان في مسنده عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة إلى آخره، وفائدة إيراد هذا التعليق ما وقع فيه من تصريح سماع حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى. قوله: ((رجلاً))، بدل من أبي سعيد. قوله: ((بهذا))، أي: بهذا الحديث المذكور. قوله: ((وقال)) أي: النبي عَّه هي أعظم سورة في القرآن الحمد لله رب العالمين السبع المثاني بدل قوله: ((رب العالمين))، أو عطف بيان وهي سبع آيات وسميت بالمثاني لأنها تثني في الصلاة، والمثاني من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة تتكرر في الصلاة، أو من الثناء لاشتمالها على الثناء على الله تعالى. ٤ - بابٌ: ﴿وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ لهُذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِزْ عَلَيْنَا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ الْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿وإذا قالوا اللهم﴾ الآية، وليس في بعض النسخ ذكر لفظ: باب، وفي رواية أبي ذر: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر﴾ الآية. قوله: ((وإذا قالوا)) أي: ذكر حين ما قالوا، والقائلون هم كفار قريش مثل النضر ابن الحارث وأبي جهل وأضرابهما من الكفرة الجهلة وذلك من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم وشدة تكذيبهم. قوله: ((هذا هو الحق)) أرادوا به القرآن، وقيل: أرادوا به نبوة النبي عَّ هِ. قوله: ((فأمطر علينا حجارة من السماء»، إنما قالوا هذا القول لشبهة تمكنت في قلوبهم ولو عرفوا بطلانها ما قالوا مثل هذا القول مع علمهم بأن الله قادر على ذلك، فطلبوا إمطار الحجارة إعلاماً بأنهم على غاية الثقة في أن أمره عَّله ليس بحق، وإذا لم يكن حقاً لم يصبهم هذا البلاء الذي طلبوه. قال ابنُ غُيَيْنَةَ ما سَمَّى الله تعالى مَطَراً في القُرْآنِ إِلاَّ عَذَاباً وتُسَمِّيهِ العَرَبُ الغَيْثَ وهُوَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿يُنْزِلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قنطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] أي: قال سفيان بن عيينة إلى آخره، وهكذا هو في تفسيره رواه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه. قوله: ((إلا عذاباً))، فيه نظر لأن المطر جاء في القرآن بمعنى الغيث في قوله تعالى: ﴿إن كان بكم أذى من مطر﴾ [النساء: ١٠٢] فالمراد به هنا المطر قطعاً ومعنى التأذي به البلل الحاصل منه والوحل وغير ذلك. قوله: ((وتسميه العرب)) إلى آخره، من كلام ابن عيينة، وقال الجوهري: المطر واحد الأمطار، ومطرت السماء تمطر مطراً، وأمطرها الله عمدة القاري/ج١٨ م٢٢ ٣٣٨ ٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأُنْفالِ وقد مطرنا، وناس يقولون: مطرت السماء وأمطرت بمعنى، وقال أبو عبيدة: إذا كان من العذاب فهو أمطرت، وإن كان من الرحمة فهو مطرت. ١٦٩ / ٤٦٤٨ - حدَثني أُحْمَدُ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ حدثنا أبي حدثنا شُعْبَةُ عنْ عبْدِ الحَمِيدِ هُوَ ابنُ كُرْدِيدٍ صاحِبُ الزِّيادِيِّ سَمِعَ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله عنْهُ قال أبُو جَهْلِ الَّهُمَّ إنْ كان لهذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فأمْطِرْ عَلَيْنَا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اثْتِنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. فَتَزَلَتْ: ﴿وما كانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وما لَهُمَ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمُ الله وهُمْ يَصُدُّونَ عنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٣-٣٤]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأحمد هذا ذكر كذا غير منسوب في جميع الروايات، وقد جزم الحاكم أبو أحمد والحاكم أبو عبد الله أنه ابن النضر بن عبد الوهاب النيسابوري، وقال الحافظ المزي أيضاً هو أحمد بن النضر أخو محمد وهما من نيسابور. قلت: الآن يأتي في عقيب الحديث المذكور رواية البخاري عن محمد بن النضر هذا وهما من تلامذة البخاري وإن شاركوه في بعض شيوخه وليس لهما في البخاري إلاَّ هذا الموضع، وعبيد الله بن معاذ يروي عن أبيه معاذ بن معاذ بن حسان أبو عمر العنبري التميمي البصري، وعبد الحميد بن دينار البصري. وقال عمرو بن علي هو عبد الحميد بن واصل وهو تابعي صغير وقد وقع في نسختنا عبد الحميد بن كرديد، بضم الكاف وكسرها وسكون الراء وكسر الدال المهملة وسكون الباء آخر الحروف وفي آخره دال أخرى، ولم أر أحداً ذكره ولا التزم أنا بصحته، والزيادي، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف نسبة إلى زياد بن أبي سفيان. والحديث أخرجه مسلم في ذكر المنافقين والكفار عن عبيد الله نفسه عن أبيه عن شعبة، والبخاري أنزل درجة منه. قوله: ((قال أبو جهل))، اسمه عمرو بن هشام المخزومي وظاهر الكلام أن القائل بقوله اللهم إلى آخره هو أبو جهل، وروى الطبراني من طريق ابن عباس أن القائل بهذا هو النضر بن الحارث، وكذا قاله مجاهد وعطاء والسدي، ولا منافاة في ذلك لاحتمال أن يكون الاثنان قد قالاه، وقال بعضهم: نسبته إلى أبي جهل أولى. قلت: لا دليل على دعوى الأولوية بل لقائل أن يقول: نسبته إلى النضر بن الحارث أولى، ويؤيده أنه كان ذهب إلى بلاد فارس وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار لما وجد رسول الله عَّ له. قد بعثه الله وهو يتلو على الناس القرآن. فكان إذا قام رسول الله عَّله من مجلس جلس فيه النضر فيحدثهم من أخبار أولئك ثم يقول: أينا أحسن قصصاً أنا لو محمد، ولهذا لما أمكن الله عَ لله منه يوم بدر ووقع في الأسارى أمر رسول الله عَ لّه أن تضرب رقبته صبراً بين يديه ففعل ذلك، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه. قوله: ((إن كان هذا هو الحق)) اختلف أهل العربية في وجه دخول هو في الكلام فقال بعض البصريين: هو صلة في الكلام للتوكيد، والحق، منصوب لأنه خبر كان، وقال بعضهم: الحق مرفوع لأنه خبر هو وقال الزمخشري: وقرأ ٣٣٩ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأُنْفالِ الأعمش: هو الحق، بالرفع على أن هو مبتدأ غير فصل، وهو في القراءة الأولى فصل. قوله: ((فنزلت)) ﴿وما كان الله ليعذبهم) الآية إنما قال: فنزلت، بالفاء لأنها نزلت عقيب قولهم: إن كان هذا هو الحق وذلك أنهم لما قالوا ذلك ندموا على ما قالوا، فقالوا غفرانك اللهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ الآية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: في هذه الآية ما كان الله ليعذب قوماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، وقال ابن عباس: كان فيهم أمانان النبي عَّله، والاستغفار، فذهب النبي عَّم وبقي الاستغفار. قوله: (يعذبهم) أي: لأن يعذبهم. قوله: ((وأنت فيهم). الواو فيه للحال وكذا الواو في: وهم يستغفرون. قوله: ((وما لهم أن لا يعذبهم الله)) الآية. قال ابن جرير بإسناده إلى أن ابن أبزى قال: كان النبي عَ ◌ّله، بمكة فأنزل الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ قال: فخرج النبي عَ لِّ، إلى المدينة فأنزل الله: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ قال وكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها مستضعفين يعني بمكة ولما خرجوا أنزل الله: ﴿وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾. وروى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عطاء عن ابن عباس: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ ثم استثنى أهل الشرك. فقال: ﴿وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ [الأنفال: ٣٣] أي: وكيف لا يعذبهم الله أي الذين بمكة وهم يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة عنده والطواف؟ ولهذا قال: ﴿وما كانوا أولياءه﴾ [الأنفال: ٣٤] أي: هم ليسوا أهل المسجد الحرام وإنما أهله النبي عَّله، وأصحابه قوله: ﴿إِن أولياؤه إلاَّ المتقون﴾ [الأنفال: ٣٤] أي: إلاَّ الذين اتقوا. قال عروة والسدي ومحمد بن إسحاق هم النبي عَ له، وأصحابه، رضي الله تعالى عنهم. وقال مجاهد: المتقون من كانوا وحيث كانوا. ٥ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ الآية. وذكر هذا الباب مع ذكر هذا الحديث ترجمة ليس لها زيادة فائدة لأن الآية بعينها مذكورة فيما قبلها، وكذلك الحديث بعينه مذكور بالإسناد المذكور بعينه غير أن شيخه هناك أحمد بن النضر، وشيخه هنا أخوه محمد بن النضر، وإنما وضع الباب للترجمة وذكر الحديث بعينه ليعلم أنه روى هذا الحديث عن شيخين وهما أخوان، وبدون هذا كان يعلم ما قصده، وقال الحاكم: بلغني أن البخاري كان ينزل عليهما أو يكثر السكون عندهما إذا قدم نيسابور. ٤٦٤٩/١٧٠ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ النضْرِ حَدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُعاذٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا شُعْبَةً عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ صَاحِبِ الزّيادِيِّ سَمِعَ أنَسَ بنِ مَالِكِ قَالَ قَالَ أَبُو جَهْلِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لهذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوْ اْتَنَا بِعَذَابٍ ألِيمٍ فَتَزَلَتْ ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبُهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ ٣٤٠ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورَةُ الأُنْفَالِ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ الآية. مر الكلام فيه عن قريب. ٦ - بابٌّ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلَّهُ لله﴾ [الأنفال: ٣٩] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم﴾ الآية. ولم يثبت لفظ: باب: إلا في رواية أبي ذر، وقد أمر الله المؤمنين بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة، وقال الضحاك عن ابن عباس: حتى لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم. وقال محمد بن إسحاق بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا حتى لا يفتن مسلم عن دينه. قوله: ((ويكون الدين كله لله)) أي: يخلص التوحيد لله وقال الحسن وقتادة وابن جريج أن يقول لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: يكون التوحيد خالصاً لله ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لا يكون مع دينكم کفر. ٤٦٥٠/١٧١ - حدَثنا الحَسَنُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَحْتَى حدَّثنا حَيْوَةُ عَنْ بَكْرِ بنِ عَمْروٍ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما أنَّ رَجُلاً جَاءَهُ فقالَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمنِ ألا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللّه فِي كتابِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَلُوا﴾ إِلَى آخِرٍ الآيَةِ فَمَا يَمْتَعُكَ أنْ لا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ الله فِي كِتابِهِ فقال يا ابْنَ أخِي أَغْتَرُ بِهِذِهِ الآيَةِ وَلا أُقَاتِلُ أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْتَرَّ بِهذِهِ الآيَةِ الَّتِي يَقُولُ الله تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً إلى آخِرِهَا قَالَ فإِنَّ اللهَ يَقُولُ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ عَ لَّهِ إِذْ كَانَ الإسْلامُ قَلِيلاً فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمّا يَقْتُلُوهُ وَإِمّا يوثِقُوهُ حَتَّى كَثُرَ الإِسْلامُ فَلمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَلمَّا رَأَى أَنَّهُ لا يُؤَافِقْهُ فِيما يُرِيدُ قَال فما قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ قَالَ ابنُّ عُمَرَ مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللهِ قَدْ عَفَا عَنْهُ فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُو عَنْهُ وَأُمّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ عَّ ◌َلِ وَخَتَتُهُ وأشارَ بِيَدِهِ وَهذِهِ ابْنَتُهُ أَوْ بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ . مطابقته للترجمة في قوله: ((فإن الله يقول: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾)) [الأنفال: ٣٩] والحسن بن عبد العزيز الجروي، بفتح الجيم وسكون الراء وبالواو، وقد مر في الجنائز، وعبد الله بن يحيى المعافري، بفتح الميم والعين المهملة وكسر الفاء وبالراء البراحي يكنى أبا يحيى صدوق أدركه البخاري ولكن روى عنه هنا بالواسطة وفي تفسير سورة الفتح فقط، وحيوة بن شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء وفي آخره حاء مهملة، وقد أمعن الكرماني في ضبطه، فقال: شريح مصغر الشرح بالمعجمة والراء بالمهملة، وبكر بفتح الباء الموحدة ابن عمرو المعافري من أهل مصر، وبكير بضم الباء الموحدة مصغر بكر ابن عبد الله الأشج، والحديث مر بوجه آخر في تفسير سورة البقرة في: باب: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ ومضى الكلام فيه هنالك. قوله: ((أن رجلاً))، هو حبان صاحب الدثنية. قاله سعيد بن منصور، وقال أبو بكر