Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ صلىالله عليشة أحد أن عبد الله بن أبي سلول رجع يومئذ بثلث الجيش. ورجع بثلاثمائة وبقي النبي في سبعمائة. قوله: ((طيبة)) بفتح الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وهو اسم من أسماء مدينة رسول الله عَّ ل. قوله: ((الخبث))، بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة، وخبث الفضة والحديد ما نفاه الكير، وفي رواية الحموي: خبث الحديد، وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة. قالت فئة من المؤمنين اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أُخرى من المؤمنين: سبحان الله، أو كما قالوا: أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم أتستحل دماؤهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهي واحداً من الفريقين عن شيء. فنزلت: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨] رواه ابن أبي حاتم، وقال زيد ابن أسلم عن ابن سعد بن معاذ أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي حين استعذر منه رسول الله عَّ له على المنبر في قضية الإفك، وهذا غريب، وقيل غير ذلك. ١٥ - بابٌ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] أيْ أَفْشَوْهُ أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿وإذا جاءهم﴾ إلى آخره. قال الزمخشري: وإذا جاءهم قوم من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة الأحوال ولا استنباط الأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله عَّلَّهِ من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به، وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله عَ ◌ّةٍ وإلى أولي الأمر وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور والذين كانوا يوقرون منهم (لعلمه الذين يستنبطونه)) أي: لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه أي: يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكائدها. ثم إن تفسير البخاري. قوله: ((أذاعوا به)) بقوله: أي: ((أفشوه)) نقله ابن المنذر عن ابن عباس. قال: حدثنا زكريا حدثنا إسحاق قرأت على أبي قرة في تفسير عن ابن جريج: أذاعوا به، أي: أفشوه، أي: أعلنوه، عن ابن عباس، وقال ابن أبي حاتم، روي عن عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والضحاك نحوه. يَسْتَنبِطُونَهُ يَسْتَخْرِ جُونَهُ أشار به إلى أن معنى قوله تعالى في الآية المترجم بها. يستنبطونه، يستخرجونه من الاستنباط، يقال: استنبط الماء من البئر إذا استخرجه. حَسِيباً كافياً أشار به إلى أن لفظ حسيباً في قوله تعالى: ﴿إن الله كان على كل شيء حسیباً﴾ عمدة القاري/ ج١٨ م١٦ ٢٤٢ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ [النساء: ٨٦] كافياً. إلَّ إناثاً يَعْنِي الَمَوَاتَ حَجَراً أَوْ مَدَرَا وَمَا أَشْبَهَهُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إِن يدعون من دون إلاَّ إناثاً﴾ [النساء: ١١٧] وفسره بقوله: ((يعني الموات)) والمراد بالموات ضد الحيوان، ولهذا قال: ((حجراً أو مدراً وما أشبه ذلك)) على طريق عطف البيان أو البدل، ويقال: المراد منه اللات والعزى ومناة وهي أصنامهم، وكانوا يقولون: هي بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وقال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه يسمى: أنثى بني فلان، وهذا التفسير الذي ذكره منقول عن أبي عبيدة نحوه. مَرِيداً مُتَمَرّداً أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإن يدعون إلاَّ شيطاناً مريداً﴾ [النساء: ١١٧] وفسر قوله: ((مريداً) بقوله: ((متمرداً)) وهو تفسير أبي عبيدة بلفظه. وروى ابن أبي حاتم من طريق قتادة. قال: متمرداً على معصية الله تعالى، وهذا لم يقع إلاَّ للمستملي وحده. فَلْيَتَّكُنَّ بَتْكَهُ قَطَّعَهُ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فليبتكن آذان الأنعام﴾ [النساء: ١١٩] وقال: إنه من بتكه، بفتح الباء الموحدة وتشديد التاء المثناة من فوق، وفسره بقطعه، بالتشديد وهو تفسير أبي عبيدة. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، كانوا يبتكون آذان الأنعام لطواغيتهم. قِيلاً وَقَوْلاً وَاحِدٌ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ومن أصدق من الله قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] قوله: «وقولاً واحد))، يعني: كلاهما مصدران بمعنى واحد، وأصل قيلاً قولاً قلبت الواو ياء لوقوعها بعد الكسرة. طبعَ خُتِمَ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿طبع الله على قلوبهم﴾ [النساء: ١٥٥] فسر طبع بقوله: ختم، وهكذا فسره أبو عبيدة. ١٦ - بابٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ٩٣] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً﴾ [النساء: ٩٣] الآية. قال الواحدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: إن مقيس بن صبابة الليثي وجد أخاه هشام بن صبابة قتيلاً في بني النجار، وكان مسلماً فأتى مقيس رسول الله ٢٤٣ ٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ فأخبره، فأرسل معه رسولاً من بني فهر النجار يأمرهم إن علموا قاتله يدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم يعلموا له قاتلاً أن يدفعوا إليه الدية. فقالوا: سمعاً وطاعة. والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته، فأعطوه مائة من الإبل فوسوس إليه الشيطان فقتل الفهري، ورجع إلى مكة كافراً، فنزلت فيه هذه الآية ثم أهدر النبي عَّلِ دمه يوم الفتح، فقتل بأسياف المسلمين بالسوق. وذكر مقاتل أن الفهري اسمه: عمرو، قلت: قيس، بفتح الميم وكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة وصبابة، بضم الصاد المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى، وقال أبو عمر: وهشام بن صبابة أخو مقيس بن صبابة قتل في غزوة ذي قرد مسلماً، وذلك في سنة ست من الهجرة أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ، وقال الذهبي: هشام بن صبابة الكناني الليثي أخو مقيس، أسلم ووجد قتيلاً في بني النجار، وقال ابن إسحاق وغيره قتل في غزوة المريسيع قتله أنصاري فظنه من العدو. ١١٢/ ٤٥٩٠ - حدَثنا آدَمُ بنُ إياسِ حدَثنا شُعْبَةُ حدَّثنا المُغِيرَةُ بنُ الثَّعْمَانِ قَالَ سِمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ قَالَ آيَّةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الكُوفَةِ فَدَخَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ نَزَلَتْ لهذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمَنْ يَقْتُلُ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ٩٣] هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ. مطابقته للترجمة ظاهرة. والمغيرة، بضم الميم وكسرها ابن النعمان بضم النون النخعي الكوفى. والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن أبي موسى وبندار. وأخرجه أبو داود في الفتن عن أحمد بن حنبل. وأخرجه النسائي في القصاص وفي المحاربة وفي التفسير عن أزهر ابن جميل. قوله: ((آية اختلف فيها أهل الكوفة فدخلت فيها)) وفي تفسير سورة الفرقان عن غندر عن شعبة بلفظ: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت فيه إلى ابن عباس، وفي رواية الكشميهني: فرحلت، بالراء والحاء المهملة، وهذه أصوب، والوجه في رواية، فدخلت بالدال والخاء المعجمة أن يقدر شيء تقديره، فدخلت بعد رحلتي إلى ابن عباس، وكلمة إلى، يجوز أن تكون بمعنى: عند، وعلى أصل بابها والمعنى: انتهى دخولي إليه. قوله: ((فيها))، أي: في حكمها، وقال الكرماني، رحمه الله في قوله: اختلف فيها أهل الكوفة، ويروى: اختلف فيها فقهاء أهل الكوفة، جمع فقيه، قال: ولفظ، فيها حينئذ مقدر قوله: ((متعمداً) أي: قاصداً قتله بعمد، وصورة العمد أن يقتله بالسيف، أو بغيره مما يفرق الأجزاء من الآلات التي يقصد بها القتل. وانتصابه على الحال. قوله: ((فجزاؤه)) خبر قوله: ((ومن يقتل)) ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. قوله: ((هي آخر ما نزل)) أي: الآية المذكورة آخر ما نزل في هذا الباب ((وما نسخها شيء)) أي: من آخر ما نزل وذكر أبو جعفر ٢٤٤ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساء النحاس أن للعلماء في هذه الآية الكريمة المذكورة أقوالاً الأول: لا توبة له، روي ذلك عن ابن عباس وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن البصري الضحاك. فقالوا: الآية محكمة. الثاني: أنه له توبة، قاله جماعة من العلماء، وروي أيضاً عن ابن عمر وابن عباس وزيد ابن ثابت. الثالث: أن أمره إلى الله تعالى تاب أو لم يتب، وعليه الفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن إدريس يقوله في كثير من هذا إلاَّ أن يعفو الله تعالى عنه. أو معنى هذا. الرابع: قال أبو مجلز لاحق بن حميد المعنى جزاؤه إن جازاه، وروى عاصم بن أبي النجود عن ابن جبير عن ابن عباس، أنه قال: هو جزاؤه إن جازاه، وروى ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي عَّ لله، أنه قال في الآية: ((هو جزاؤه إن جازاه)). وذكر أبو عبد الله الموصلي الحنبلي في كتابه (الناسخ والمنسوخ) ذهب كثير من العلماء إلى أن آية النساء منسوخة. ثم اختلفوا في الناسخ. فقال بعضهم: نسختها آية الفرقان. لأنه قال: ((إلاَّ من تاب)) بعد ذكر الشرك والزنى والقتل، وقال أكثرهم: نسخت بقوله: ﴿إِن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ١١٦] وقد اختلف عن ابن عباس أيضاً فروي عنه أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك وعنه نسختها التي في النساء، وقال أبو الحسن ابن الحصار في كتابه (الناسخ والمنسوخ) الآيتان لم يتواردا على حكم واحد لأن التي في الفرقان نزلت في الكفار، والتي في النساء نزلت فيمن عقل الإيمان ودخل فيه، فلا تعارض بينهما أو إنما نزلت آية النساء فيمن قتل مؤمناً مستحلاً لقتله متعمداً للتكذيب من غير جهالة فتكذيبه كتكذيب إبليس، ولذلك قال ابن عباس لا توبة له كما لا توبة لإبليس، وكيف يشكل حكم هذه الآية على عالم قد بينه الله عز وجل غاية البيان، وأخبر بأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك؟ انتهى. وأما الذين قالوا: إن هذه الآية محكمة فاختلفوا في وجه أحكامها، فذهب عكرمة إلى أن المعنى مستحلاً لقتله فيستحق التخليد لاستحلاله، وذهب بعضهم إلى أنها لم يلحقها ناسخ وهي باقية على أحكامها، وقد روى عبد بن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير عن يحيى الجابري عن سالم بن أبي الجعد قال: ((كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنَّى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم عَّ له، يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمداً جاء يوم القيامة أخذه بيمينه. أو بشماله تشخب أوداجه دماً قبل عرش الرحمن يلزمه قاتله بيده الأخرى. يقول: سل هذا فيم قتلني؟ وأيم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم عَّ له، وما نزل بعدها من برهان. وقال الثعلبي: قالت الخوارج والمعتزلة، المؤمن إذا ٢٤٥ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساء قتل مؤمناً إن هذا الوعيد لاحق به، وقالت المرجئة: نزلت هذه الآية الكريمة في كافر قتل مؤمناً، فأما مؤمن قتل مؤمناً فلا يدخل النار، وقالت طائفة من أصحاب الحديث: نزلت في مؤمن قتل مؤمناً والوعيد عليه ثابت، إلاَّ أن يتوب ويستغفر، وقالت طائفة: كل مؤمن قتل مؤمناً فهو خالد في النار غير مؤبد ويخرج منها بشفاعة الشافعين، وعندنا. أن المؤمن إذا قتل مؤمناً لا يكفر بفعله ولا يخرج به من الإيمان إلاَّ أن يقتله استحلالاً فإن أقيد بمن قتله فذلك كفارة له، وإن كان تائباً من ذلك ولم يكن مقاداً بمن قتل كانت التوبة أيضاً كفارة له فإن خرج من الدنيا بلا توبة ولا قود فأمره إلى الله تعالى، والعذاب قد يكون ناراً وقد يكون غيرها في الدنيا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يعذبهم الله بأيديكم﴾ [التوبة: ١٤] يعني: بالقتل والأسر. ويجاب عن قول الخوارج ومن معهم، بأن المراد من التخليد المكث بطول المدة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ [الأنبياء: ٣٤] ومن المعلوم أن الدنيا تفنى، وعن قول المرجئة بأن كلمة من في الآية عامة، فإن قالوا: إن الله لا يغضب إلاَّ على كافر أو خارج من الإيمان، فالجواب: أن الآية لا توجب غضباً عليه، لأن معناه فجزاؤه جهنم وجزاؤه أن يغضب عليه ويلعنه، ما ذكر الله تعالى من شيء وجعله جزاء لشيء فليس ذلك واجباً. كقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة: ٣٣] ورب محارب الله ورسوله لم يحل عليه شيء من هذه المعاني حتى فارق الدنيا، وإن قالوا: قوله تعالى: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾ [النساء: ٩٣] من الأفعال الماضية، فالجواب أنه قد يرد الخطاب بلفظ الماضي. والمراد به المستقبل. كقوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾ [الكهف: ٩٩] ﴿وحشرناهم﴾ [الكهف: ٤٧] وقد يرد المستقبل بمعنى الماضي كقوله: ﴿وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله﴾ [البروج: ٨] أي: إلاَّ أن آمنوا. فإن قلت: رويت أخبار بأن القاتل لا توبة له. قلت: إن صحت فتأويلها إذا لم ير القتل ذنباً ولم يستغفر الله تعالى منه. قال صاحب (التلويح): ما رواه أبو الدرداء، سمعت النبي عَّه يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلاَّ من مات مشركاً، أو مؤمن قتل مؤمناً متعمداً. فعسى للترجي وانتفاء الترجي في هاتين الصورتين لا ينفي وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل انتهى. فهذا كما رأيت ذكره عن معاوية. ولم يذكر لفظ لم يتب. وأوله بهذا المعنى، والله أعلم، وأجمع المسلمون على صحة توبة القاتل عمداً وكيف لا تصح توبته وتصح توبة الكافر وتوبة من ارتد عن الإسلام ثم قتل المؤمن عمداً ثم رجع إلى الإسلام؟ وقال عبد الله بن عمر: كنا معشر أصحاب رسول الله عَّ اللّه لا نشك في قاتل المؤمن وآكل مال اليتيم وشاهد الزور وقاطع الرحم، يعني: لا نشك في الشهادة لهم بالنار حتى نزلت: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] فأمسكنا عن الشهادة لهم. فإن قلت: ما تقول في الرجل الذي سأل أبا هريرة وابن عمر وابن عباس عن قتل العمد، فكلهم قال: هل يستطيع أن يجيبه؟ قلت: هذا على وجه تعظيم القتل والزجر، أما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهو لا يسقط بالتوبة فلا بد من أدائه وإلاّ فلا بد من المطالبة يوم القيامة، ولكن لا ٢٤٦ ٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / شُورَةُ النِّساءِ يلزم من وقوع المطالبة المجازاة، وقد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها. ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض اله المقتول من فضله بما يشاء من قصور الجنة ونعيمها ورفع درجته ونحو ذلك، والله أعلم. ١٧ - بابٌ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنَا﴾ [النساء: ٩٤] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾ وأوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا﴾ الآية قوله: ((إذا ضربتم)) أي: سرتم قوله: ((فتبينوا)) أي: الأمر قبل الإقدام عليه، وقرىء فتثبتوا من الثبات وترك الاستعجال، أي: قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر، ويجيء الآن تفسير السلم. قوله: ((مؤمناً) قرأ الجمهور بضم الميم الأولى وكسر الثانية. وقرأ علي وابن عباس وعكرمة وأبو العالية ويحيى بن معمر وأبو جعفر بفتح الميم الثانية وتشديدها، اسم مفعول من أمنه. السّلْمُ والسَّلَمُ وَالسَّلامُ وَاحِدٌ السلم بكسر السين وسكون اللام، والسلم بفتح السين. قوله: ((واحد)) يعني في المعنى، وقراءة نافع وحمزة السلم بغير ألف، وقراءة الباقين بثبوتها. ٤٥٩١/١١٣ - حدَثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمروٍ عنْ عَطَاءِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لهُ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكُمْ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلُ الله فِي ذُلِكَ إِلَى قَوْلِهِ عَرَض الحَيَاةِ الدُّنْيَا تِلْكَ الغُنَيْمَةُ قَالَ قَرَأْ ابْنُ عَبَّاسِ السلامَ. مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو الذي يقال له ابن المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، وعطاء هو ابن أبي رباح. والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره. وأخرجه أبو داود في الحروف عن محمد بن عيسى وأخرجه النسائي في السير وفي التفسير عن محمد ابن عبد الله بن یزید. قوله: ((في غنيمة))، بضم الغين المعجمة وفتح النون تصغير غنم، لأن الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور وعلى الإناث فإذا صغرتها ألحقتها الهاء فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وفي رواية أحمد ومن طريق عكرمة عن ابن عباس. قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب رسول الله عَّ له، وهو يسوق غنمائه، فسلم عليهم فقالوا: ما سلم علينا إلاّ ليعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه إلى النبي عَّهِ، فنزلت الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً﴾[النساء: ٩٤] ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبد العزيز بن أبي رزمة عن إسرائيل به. ٢٤٧ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ وفي سبب نزول هذه الآية اختلاف، فذكر الواحدي عن سعيد بن جبير، أن المقداد ابن الأسود خرج في سرية فمروا برجل في غنيمة له، فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاَّ الله، فقتله المقداد. وعن ابن أبي حدرد، قال: بعثنا رسول الله عَّه، في سرية إلى أضم، قبل مخرجه إلى مكة، فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فحيانا بتحية الإسلام، فرعبنا منه، فحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه في الجاهلية فقتله واستلبه، وانتهينا إلى رسول الله عَّ اله، فأخبرناه بخبره، فنزلت وقال الواحدي: وذكر السدي أن رسول الله عَ لَه، بعث أسامة ابن زيد على سرية فلقي مرداس بن نهيك الضمري فقتله، وكان من أهل فدك ولم يسلم من قومه غيره، فقال له رسول الله عَّةٍ: ((هلا شققت عن قلبه))؟ فنزلت وقال ابن جرير: حدثنا وكيع حدثنا جرير عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله عَ ◌ّهِ، محلم ابن جثامة معنا فلقيهم عامر بن الأضبط الحديث، إلى أن قال: فرماه بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله عَلّة، الحديث إلى أن قال: فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله عَ لِ ليستغفر له فقال رسول الله عَ لَّه: ((لأستغفر الله لك))، فقام وهو يتلقى دموعه بيرديه، فما مضت له ساعة حتى مات ودفنوه ولفظته الأرض، فجاؤوا النبي عَّهِ، فذكروا له ذلك فقال: إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم من جريمتكم. ثم طرحوه في جبل وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ [النساء: ٩٤] الآية. وقال السهيلي: ثم مات محلم بإثر ذلك فلم تقبله الأرض مراراً. فألقي بين جبلين. قال: وكان أمير السرية أبا الدرداء، وقيل رجل اسمه فديك، وقال أبو عمر: مرداس ابن نهيك الفزاري. فيه نزلت: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً﴾ كان يرعى غنماً له، فهجمت عليه سرية رسول الله عَ ليه، وفيها أسامة بن زيد وأميرها سلمة بن الأكوع، فلقيه أسامة فألقى إليه السلام، وقال: السلام عليك يا مؤمن، فحسب أسامة أنه ألقى إليه السلام متعوذاً، فقتله فأنزل الله تعالى فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ الآية. وقال أبو عمر: الاختلاف في المراد بهذه الآية كثير مضطرب فيه جداً، قيل: نزلت في المقداد، وقيل: نزلت في أسامة بن زيد، وقيل: في محلم بن جثامة، وقال ابن عباس: نزلت في سرية ولم يسم أحداً، وقيل: نزلت في غالب الليثي، وقيل: نزلت في رجل من بني الليث يقال له: فليت كان على السرية، وقيل: نزلت في أبي الدرداء، وهذا اضطراب شديد جداً. ومعلوم أن قتله كان خطأ لا عمداً لأن قاتله لم يصدقه في قوله: أنا مؤمن، وقال أبو بكر الرازي الحنفي رحمه الله، في هذه الآية حكم الله تعالى بصحة إسلام من أظهر الإسلام وأمرنا بإجرائه على أحكام المسلمين وإن كان في الغيب بخلافه، وهذا مما يحتج به على توبة الزنديق إذا أظهر الإسلام فهو مسلم. قال: واقتضى ذلك أيضاً أن من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عَّ له، أو قال أنا مسلم، يحكم له بالإسلام. قال قَرَأَ ابنُ عَبَّاسِ السَّلامَ أي: قال عطاء المذكور في الحديث. قرأ ابن عباس قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ٢٤٨ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساء ألقى إليكم السلام﴾ وهو موصول بالإسناد المذكور، وروى عبد بن حميد في (تفسيره) عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يحيى بن عبيد عن محمد عن ابن عباس: أنه كان يقرأ السلام بالألف. ١٨ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلٍ [ النساء: ٩٥] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿لا يستوي﴾ إلى آخره وهذا المقدار المذكور من الآية هو رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: باب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) الآية. ١١٤/ ٤٥٩٢ - حدثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ حدَّثني سَهْلُ بنُ سَعدِ السَّاعِدِيَّ أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بنَ الحَكَمْ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَتْبِهِ فَأُخْبَرَنَا أنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهَ عَّه أَمْلَى عَلَيْهِ ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ و﴿المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ فَجَاءَهُ ابْنُ أُمّ مَكْثُومٍ وَهُوَ مُمِلُّهَا عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ وَالله لَوْ أُسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أُعْمَى فَأَنْزَلَ الله عَلَّى رَسُولِهِ عَ لَ﴾ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَتَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرْضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ فَأَنْزَلَ الله غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة. والحديث قد مر في الجهاد في: باب قول الله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز بن عبد الله عن إبراهيم بن سعد الزهري عن صالح بن كيسان إلى آخره. وفيه رواية التابعي عن الصحابي وهو صالح بن كيسان فإنه تابعي رأى عبد الله بن عمرو أنه يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري وهو يروي عن سهل بن سعد وهو صحابي، قال الكرماني: وفيه: رواية الصحابي عن التابعي لأن سهلاً صحابي ومروان تابعي، وقال الترمذي. في هذا الحديث رواية رجل من الصحابة، وهو سهل بن سعد عن رجل من التابعين وهو مروان بن الحكم، ولم يسمع من النبي عَّه، وقال بعضهم: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحبة. وقد ذكره ابن عبد البر في الصحابة انتهى. قلت: ولو ذكره في كتاب (الاستيعاب) في: باب مروان، ولكنه قال: لم ير النبي عَّهِ، لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل، وقد ثبت عنه أنه قال لما طلب الخلافة فذكروا له ابن عمر، فقال: ليس ابن عمر بأفقه مني، ولكنه أسنّ مني، وكانت له صحبة. فهذا اعتراف منه بعدم الصحبة. قوله: ((ابن أم مكتوم))، واسمه عبد الله، وقيل: عمرو، وجاء في رواية قبيصة عن زيد بن ثابت، ((فجاء عبد الله بن أم مكتوم))، وفي رواية الترمذي من حديث البراء ((جاء عمرو بن أم مكتوم)). واسم أبيه: زائدة، وأم مكتوم أمه واسمها: عاتكة. قوله: ((وهو يملها))، بضم الياء ٢٤٩ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساء وكسر الميم وتشديد اللام، وأصلها يمللها كما في قوله: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢] فنقلت كسرة اللام إلى الميم وأدغمت في اللام الثانية، وقال ابن الأثير: وفي حديث زيد أنه أملى عليه ﴿ولا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥] فيقال: أمللت الكتاب وأمليته إذا ألقيته على الكاتب ليكتبه. قوله: ((أن ترض))، بتشديد الضاد المعجمة وهو الدق. قوله: ((ثم سري)) بضم السين المهملة وكسر الراء المشددة أي: انكشف عنه. قوله: ﴿غير أولي الضرر﴾ [النساء: ٩٥]، وهو العمى، واختلف القراء في إعراب، غير، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالرفع على البدل من القاعدون، وقرأ الأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء. ١١٥/ ٤٥٩٣ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أَبِي إسْحاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عنهُ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللهِ عَ لَِّ زَيْداً فَكَتَبَها فَجَاءَ ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ فَشَكًا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ الله ﴿غَيْرَ أُوْلِي الضَرَرِ﴾. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، والبراء بن عازب رضي الله تعالى عنه. والحديث مضى في الجهاد في: باب قول الله ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥] فإنه أخرجه هناك عن أبي الوليد عن شعبة عن البراء إلى آخره ووقع في رواية الطبراني من طريق أبي سنان الشيباني عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقم، والمحفوظ عن أبي إسحاق عن البراء في رواية الشيخين، وأبو سنان اسمه: ضرار بن مرة، وهو أيضاً ثقة. ١١٦ / ٤٥٩٤ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ إِسْرَائِيلَ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أَوَلِي الضَّرَرِ﴾ قَال النبيُّ عَ لَّهِ ادْعُوا فُلاناً فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوْ الكَتِفَ فَقَال اكْتُبُ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ و ﴿المُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وَخَلْفَ النبيِّ عَ لّهِ ابْنُ أَمَّ مَكْثُومٍ فَقَالَ يَا رَسُولِ اللهِأَنَا ضَرِيرٌ فَتَزَّلَتْ مَكَانَها ﴿لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرَ أَوَلِي الضَّرَرِ وَالمجاهدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾. هذا طريق آخر في حديث البراء أخرجه عن محمد بن يوسف الفريابي عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق المذكور فيما قبله. قوله: ((فلاناً))، هو زيد بن ثابت، وقد صرح به في الرواية الماضية. قوله: ((أو الكتف)»، شك من الراوي وكانوا يكتبون على الألواح والأكتاف. قوله: ((وخلف النبي عَّ، ابن أم مكتوم)) معناه: جلس خلف النبي عَّه، أو بالعكس. وقال الكرماني: الحديث الأول: مشعر بأن ابن أم مكتوم جاء حالة الإملال، والثاني: بأنه جاء بعد الكتابة. والثالث: أنه كان جالساً خلف النبي عَّ له، ثم أجاب بقوله: لا منافاة إذ معنى كتبها، كتب بعض الآية، وهو نحو: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ مثلاً. وأما جاء يعني قوله: جاء فهو إما حقيقة، ٢٥٠ ٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساء والمراد .جاء وجلس خلف النبي عَّ له أو بالعكس، وإما مجاز عن تكلم ودخل في البحث. قوله: ((فنزلت مكانها)) أي: في مكان الكتابة، والمقصود نزلت في تلك الحالة ((لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر)) وقال ابن التين: يقال: إن جبريل عليه السلام، هبط ورجع قبل أن يجف القلم. ١١٧/ ٤٥٩٥ - حدَثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أَخبرَنا هِشامٌ أنَّ ابنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ ح وحدثني إسْحَاقُ أخبرَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أخبرنا ابنُ جُرَيْجِ أخبرَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ أنَّ مَقْسَماً مَوْلى عَبْدِ الله بن الحارِثِ أُخبرَهُ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما أخْبَرَهُ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرِ والخَارِجُونَ إلَى بَدْرٍ. مطابقته للترجمة ظاهرة. غير أن سبب النزول هنا خلاف سبب النزول في الأحاديث المذكورة. فإن قلت: ما وجه التوفيق بين السببين؟ قلت: القرآن إذا نزل في الشيء يستعمل في معنى ذلك الشيء وأخرجه من طريقين. الأول: عن إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء عن هشام بن يوسف عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. الثاني: عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق بن همام عن ابن جريج عن عبد الكريم بن مالك الجزري، بالجيم والزاي والراء، عن مقسم، بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، لأبيه ولجده صحبة، وله رؤية، وكان يلقب بيّيَّه بياءين موحدتين مفتوحتين الثانية مشددة. والحديث مضى في الجهاد، وأخرجه الترمذي: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا الحجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم سمع مقسماً مولى عبد الله بن الحارث يحدث عن ابن عباس أنه قال: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر. وقال عبد الله بن جحش وابن أم مكتومٍ: إنا أعميان يا رسول الله! فهل لنا رخصة؟ فنزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين ... درجه﴾ فهؤلاء القاعدون غير أُولي الضرر ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً﴾ درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولى الضرر. وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه حديث ابن عباس. قوله: ((عبد الله بن جحش))، قيل: أبو أحمد بن جحش، كما ذكره الطبري في روايته من طريق الحجاج نحو ما أخرجه الترمذي وذلك لأن عبد الله بن جحش هو أخو أبي أحمد بن جحش واسم أبي أحمد عبد بدون إضافة، وهو مشهور بكنيته وأيضاً إن عبد الله بن جحش لم ينقل أن له عذراً إنما المعذور أخوه أبو أحمد بن جحش، وذكره الثعلبي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه ابن جحش وليس بالأسدي، وكان أعمى، وأنه جاء هو وابن أم مكتوم فذكرا رغبتهما في الجهاد مع ضررهما، فنزلت: ﴿غير أَولي الضرر﴾ فجعل لهما من الأجر ما للمجاهدين. ٢٥١ ٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ ١٩ - بابٌ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾ الآية، وليس عند جميع الرواة لفظ: باب إلاّ أنه وقع في بعض النسخ وعند الأكثرين: ﴿أن الذين توفاهم الملائكة﴾ إلى قوله: ﴿فتهاجروا فيها﴾ كما هو هنا كذلك، وعند أبي ذر إلى ﴿فيم كنتم﴾ الآية. وقال الواحدي: نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا، وأظهروا الإيمان وأسرُّوا النفاق، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين فقتلوا فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم. وقال مقاتل: كانوا نفراً أسلموا بمكة منهم: الوليد بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة وعمرو بن أمية بن سفيان بن أمية بن عبد شمس والعلاء بن أمية بن خلف ثم إنهم أقاموا عن الهجرة وخرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المؤمنين شكوا إلى سيدنا رسول الله عَّةٍ، فقالوا غر هؤلاء دينهم وكان بعضهم نافق بمكة، فلما قتلوا ببدر قالت لهم الملائكة وهو ملك الموت وحده فيم كنتم؟ يقول: في أي شيء كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض يعني: كنا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان، فقال ملك الموت: ألم تكون أرض الله واسعة؟ يعني المدينة، فتهاجروا فيها؟ يعني: إليها قوله: ((إن الذين توفاهم الملائكة)) ذكر في (تفسير ابن النقيب) التوفي هنا بمعنى قبض الروح، وقال الحسن: هو الحشر إلى النار، والملائكة هنا ملك الموت وأعوانه وهم ستة: ثلاثة لأرواح المؤمنين، وثلاثة لأرواح الكافرين، وظلم النفس هنا ترك الهجرة وخروجهم مع قومهم إلى بدر، وقيل: ظلموا أنفسهم برجوعهم إلى الكفر، وقيل: ظلموا أنفسهم بالشك الذي حصل في قلوبهم حين رأوا قلة المسلمين، وقال الثعلبي: الملائكة هنا ملك الموت وحده لأنه مجمل يحتمل أن يراد هو ويحتمل غيره في قلوبهم حين رأوا قلة المسلمين، وقال الثعلبي: الملائكة هنا ملك الموت وحده، لأنه مجمل يحتمل أن يراد هو ويحتمل غيره فحمل المجمل على المفسر، وهو قوله تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت﴾ [النساء: ٩٧] وجمع كقوله تعالى: ﴿إنا نحن نحيي ونميت﴾ [ق: ٤٣] والله واحد. قوله: ((ظالمي أنفسهم)) نصب على الحال. قوله: ((قالوا: فيم کنتم»؟ سؤال توبيخ وتقریع أي: أکنتم في أصحاب محمد أم کنتم مشر کین؟ قوله: «کنا مستضعفين))، أي: كنا لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض. قوله: ((في الأرض)) أرادوا بها مكة، والأرض اسم لبلد الرجل وموضعه. قوله: ((قالوا)) أي: الملائكة ((ألم تكن أرض الله واسعة))؟ محاججة الملائكة. قوله: ((فتهاجروا فيها)) أي: إليها. أي: المدينة مع المسلمين؟. ١١٨ /٤٥٩٦ - حدَثنا عَبْدُ الله بنُ تَزِيدَ المُقْرِىءُ حدَّثنا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالا حدَّثنَا مُحَمَّدُ ٢٥٢ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ ابن عَبْدِ الرَّحْمنِ أبُو الأسْوَدِ قَالَ قُطِعَ عَلَى أهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرَمَةَ مَوْلَى ابنِ عباسٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْي ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍٍ أَنَّ ناساً مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ الله ◌ِعَ لَّه يَأْتِي السَّهِمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الحديث ٤٥٩٦ - طرفه في ٧٠٨٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله بن يزيد من الزيادة المقرىء من الإقراء، وحيوة، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف ابن شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبحاء مهملة يكنى بأبي زرعة النجيبي، بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالياء الموحدة. قوله: ((وغيره)) أي: حدثني غير حيوة وهو عبد الله بن لهيعة المصري وأبو الأسود ضد الأبيض، الأسدي المدني. والحديث رواه البخاري أيضاً في الفتن عن عبد الله بن يزيد المذكور. وأخرجه النسائي في التفسير عن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن إبراهيم عن المقرىء عن حيوة به، ورواية ابن لهيعة أخرجها الطبراني وابن أبي حاتم رواه عن يونس بن عبد الأعلى، أن عبد الله ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود فذكره. قوله: ((قطع))، على صيغة المجهول. قوله: ((بعث)) بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وبالتاء المثلثة وهو الجيش، والمعنى أنهم ألزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام، وكان ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة. قوله: ((فاكتتبت))، على صيغة المجهول من الاكتتاب، وهو من باب الافتعال. قوله: ((أن ناساً من المسلمين))، وهم الذين ذكرناهم عن مقاتل عن قريب. قوله: ((يكثرون)) من التكثير. قوله: ((فيصيب)) عطف على قوله: ((يأتي السهم)) وكان غرض عكرمة من نهيه أبا الأسود أن الله تعالى ذمهم بتكثير سوادهم مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، فكذلك أنت لأنك تكثر سواد هذا الجيش المأمور بذهابهم لقتال أهل الشام ولا تريد موافقتهم لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله. قوله: ((فأنزل الله تعالى)) هكذا جاء هنا في سبب نزول هذه الآية، وقد ذكرنا عن قريب وجوهاً أخرى في ذلك مع تفسير الآية. رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أبِي الأَسْوَدِ أي: روى الحديث المذكور الليث بن سعد عن أبي الأسود المذكور، ورواه الإسماعيلي عن أحمد بن منصور الرمادي. قال: حدثنا أبو صالح. قال: حدثني الليث عن أبي الأسود، ورواه الطبراني في الأوسط، وقال: ولم يروه عن أبي الأسود إلّ الليث وابن لهيعة انتهى، ورواية البخاري من طريق حيوة بن شريح ترد عليه. ٢٥٣ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ ٢٠ - بابُ: ﴿إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٩٨] في بعض النسخ: باب ﴿إِلا المستضعفين﴾ الآية. فإن صح هذا عن أحد من رواة البخاري فالتقدير: هذا باب في قوله تعالى: ﴿إِلا المستضعفين﴾ الآية وهذا الاستثناء من أهل الوعيد، المذكور قبله وهو قوله تعالى: ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾ [النساء: ٩٧] وهذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك لأنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق وهو معنى قوله: ﴿ولا يهتدون سبيلاً﴾ وقال عكرمة: في قوله: ﴿ولا يهتدون﴾ يعني: نهوضاً إلى المدينة، وقال السدي: يعني مالاً. وقال مجاهد: يعني طريقاً. ١١٩ / ٤٥٩٧ - حدَثنا أَبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابنِ مُلَيْكَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما إلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ قَالَ كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ الله. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو النعمان، بضم النون: محمد بن الفضل السدوسي وحماد هو ابن زيد وأيوب هو السختياني يروي عن عبد الله بن أبي مليكة، وقد مضى الكلام فيه فيما قبله بستة أبواب. قوله: ((ممن عذر الله)) أي: جعلها الله من المستثنين بقوله: (إلا المستضعفين) واسم أم ابن عباس: لبابة بنت الحارث، تكنى بأم الفضل. ٢١ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿فَأَوْلَئِكَ عَسَى الله أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: ٩٩] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿فأولئك﴾ الآية. كذا وقع في كثير من النسخ على لفظ القرآن، ووقع بلفظ: فعسى الله أن يعفو عنهم وكان الله غفوراً رحيماً، في رواية الأكثرين والصواب ما وقع بلفظ القرآن، وكذا وقع في رواية أبي ذر: فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، الآية ووقع في جمع بعض من عاصرناه ممن تصدى لشرح البخاري، وكان الله غفوراً رحيماً، وهو أيضاً غير صواب على ما لا يخفى. قوله: ((فأولئك))، إشارة إلى قوم أسلموا ولكن تباطؤوا في الهجرة، وهذا بخلاف قوله: ((فأولئك مأواهم جهنم)) قوله: ((عسى الله أن يعفو عنهم))، يعني: لا يستقصي عليهم في المحاسبة، وفي (تفسير ابن كثير) أي: يتجاوز عنهم ترك الهجرة، وعسى من الله موجبة، وفي (تفسير ابن الجوزي) قال مجاهد: هم قوم أسلموا وثبتوا على الإسلام ولم يكن لهم عجلة في الهجرة، فعذرهم الله تعالى بقوله: ﴿عسى الله أن يعفو عنهم ١٢٠ / ٤٥٩٨ - حدَثنا أَبُو نُعَيْمِ حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَخْتَى عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه قال بَيْنا النبيُّ عَّلِ يُصَلِّي العِشاءَ إِذْ قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمْدِهِ ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بِنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بنَ هِشامِ اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بنَ ٢٥٤ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيِرِ القُرآنِ / سُورَةُ النِّساءِ الوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُذْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها مِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ . مطابقته للترجمة من حيث إن الذين عذرهم الله في الآية المترجم بها هم المستضعفون، وقد دعا لهم النبي عَّ في هذا الحديث، ودعا على من عوقهم عن الهجرة، وأبو نعيم الفضل بن دكين، شيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي، ويحيى بن أبي كثير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وقد مر الحديث في كتاب الاستسقاء في: باب دعاء النبي عَّه، ولكن أخرجه من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وقد مر الكلام فيه هنالك. قوله: ((وطأتك)) الوطأة الدوسة والضغطة. يعني: الأخذة الشديدة. قوله: ((اجعلها سنين))، أي: اجعل وطأنك أعواماً مجدبة كسني يوسف، وهي التي ذكرها الله تعالى في كتابه: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ [يوسف: ٤٨] أي: سبع سنين فيها قحط وجدب. وقوله: ((سنين)) جمع سنة وهي الجدب، يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا، وهي من الأسماء الغالبة نحو: الدابة في الفرس، والمال في الإبل، وأصل السنة: سنهة، بوزن: جبهة، فحذفت لامها ونقلت حركتها إلى النون، وقيل: أصلها سنوة بالواو فحذفت، وتجمع على: سنهات، فإذا جمعتها جمع الصحة كسرت السين، فقلت: سنون وسنين، وبعضهم يضمها، ومنهم من يقول: سنون على كل حال في الرفع والنصب والجر، وتجعل الإعراب على النون الأخيرة فإذا أضفتها على الأول حذفت نون الجمع للإضافة، وعلى الثاني لا تحذفها فتقول: سني زيد وسنين زيد. ٢٢ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أُسْلِحَتَكَمْ﴾ [النساء: ١٠٢] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم﴾ وليس في رواية المستملي لفظ: باب، وفي رواية أبي ذر: ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذىّ من مطر﴾ الآية وقيل قوله: ﴿ولا جناح عليكم﴾ أول الآية قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿ولا جناح﴾ وتمام الآية بعد قوله أسلحتكم ﴿وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً﴾ وهذه الآية الطويلة نزلت في صلاة الخوف، وأنواعها كثيرة، ومحل ذكرها في الفروع، وسبب نزولها ما ذكره ابن جرير بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه. قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله عَّهِ. فقالوا: يا رسول الله! إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله عز وجل أولاً: ﴿وإذا ضريتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] الحديث. ثم بين صفتها بقوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿عذاباً مهيناً﴾. قوله: ((ولا جناح عليكم)) أي: لا إثم عليكم (إن كان بكم أذىّ من مطر) أي: بسبب ما يبلكم من مطر أو يضعفكم من جهة مرض. قوله: ((أن ٢٥٥ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ تضعوا)) أي: بأن تضعوا. أي: بوضع الأسلحة لثقلها، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو. ٤٥٩٩/١٢١ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنا حَجَّاجٌ عنِ ابنِ مجرَيْجٍ قَالَ أُخْبَرَنِي يَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ بِنِ بُجُبَيْرٍ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تعالى عنهما ﴿إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىّ مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ كَانَ جَرِيحاً. مطابقته للترجمة ظاهرة. وحجاج هو ابن محمد الأعور أصله مدني سكن المصيصة، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ويعلى، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة. وفتح اللام مقصوراً. ابن مسلم بن هرمز. والحديث أخرجه النسائي أيضاً في التفسير عن أحمد بن الخليل العباسي، ابن محمد، ولم يقل كان جريحاً. قوله: ((عن ابن عباس: إن كان بكم)) يعني: ذكر ابن عباس قوله تعالى: ﴿إن كان بكم أذّى من مطر أو كنتم مرضى﴾ قال: عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً فنزلت الآية فيه، وفاعل: قال: هو ابن عباس، وقوله: عبد الرحمن، مبتدأ وخبره هو قوله: كان جريحاً. والجملة مقول ابن عباس، ولا قول فيه لعبد الرحمن، وقد غمض أكثر الشراح أعينهم في هذا الموضع، وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد. ٢٣ - بابٌّ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُثْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ فِي يَتَامَى النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم﴾ الذي ذكر هنا إلى قوله: ((في يتامى النساء)) كذا هو في رواية أبي ذر، وفي روايته عن غير المستملي. ذكر لفظ باب، وليس لغيره لفظ: باب. قوله: ((ويستفتونك)) أي: يطلبون منك الفتوى في النساء. أي: في أمر النساء، والفتيا والفتوى بمعنى واحد، وهو جواب الحادثة، وقيل: تبيين المشكل من الكلام، وأصله من فتي وهو الشاب القوي، فالمفتي يقوي كلامه فيما أشكل فيه فيصير فتياً قوياً. قوله: ﴿قل الله يفتيكم فيهن﴾ [النساء: ١٢٧]، أي: في توريثهن، وكانت العرب لا تورث النساء والصبيان. قوله: ((وما يتلى عليكم في الكتاب))، أريد به ما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] الآية. والذي كتب في النساء هو قوله تعالى: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾ [النساء: ١٢٧] الآية. ١٢٢/ ٤٦٠٠ - حدَثنا ◌ُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ حدَثنا أبُو أُسَامَةَ حدَّثنا هِشامُ بنُ عُزْوَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها ﴿وَيَسْتَغْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ٢٥٦ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساء ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قَالَتْ عَائِشَةُ هُوَ الَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِمِيَةُ هُوَ وَلِيُّها وَوَارِثُها فَأُشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي العِذْقِ فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجِهَا رَجُلاً فَيَشْرَكَهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلَها فَزِلَتْ هَذِهِ الآيَةَ. مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة، وقد تكرر ذكره. الحدیث قد مر في تفسير أول السورة، وهو: باب: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء: ٣] إلى قوله: ﴿ومن كان فقيراً﴾ [النساء: ٦] ومر الكلام فيه مستوفىّ! قوله: ((في العذق)) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة، وهو النخلة، وبكسر العين الكباسة، وهو عنقود التمر. قوله: ((فيعضلها)) أي: يمنعها من التزوج، وأصله من عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها وعسر خروجه، ويقال: أعضل الأمر إذا اشتد. قوله: ((فنزلت هذه الآية)) أي: الآية المذكورة، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي، قال: كان لجابر بنت عم ذميمة ولها مال ورثته من أبيها، وكان جابر يرغب في نكاحها ولا ينكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي ◌َّ عن ذلك، فنزلت. ٢٤ - باب: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلَها نُشُوزاً أَوْ إِغْراضا﴾ [النساء: ١٢٨] كذا وقع عند جميع الرواة بغير ذكر لفظ: باب، ووقع في بعض النسخ، فالظاهر أنه من بعض النسخ. قوله: ((وإن امرأة خافت)) أي: إن خافت امرأة من بعلها أي: من زوجها. قوله: ((نشوزاً) وهو الترفع عنها ومنع النفقة وترك المودة التي بين الرجل والمرأة وإيذاؤها بسب أو ضرب أو نحو ذلك، قوله: ((وإعراضاً)) أي: وخافت إعراضاً، وهو أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن أو سيء في خلق أو خلق أو دمامة أو ملال أو طموح عين إلى أخرى أو غير ذلك، وجوابه قوله: ((فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا)) والصلح بينهما أن يتصالحا على أن تطيب له نفعاً عن القسمة أو عن بعضها كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله عَ لَّةٍ، وعرفت مكان عائشة، رضي الله تعالى عنها، عنده، فوهبت لها يومها. وقال الزمخشري: وقرىء: ((تصالحا)) وتصالحا، بمعنى يتصالحا ويصطلحا. ثم قال الله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ أي: من الفراق. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ شِقَاقٌ تَفَاسُدٌ أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إِن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥] أي: بين الزوجين، وذكر عن ابن عباس بالتعليق أنه فسر الشقاق المذكور في الآية بالمفاسد، ووصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: الشقاق العداوة لأن كلاً من المتعاديين في شق خلاف صاحبه، وكان موضع ذكر هذا فيما قبل، على ما لا يخفى. وَأَخْضِرَتِ الأَنْفَسُ الشُعَّ هَوَاهُ فِي الشَيْءٍ يَخْرِصُ عَلَيْهِ كَالمُعَلَقَةِ لَا هِيَ أَيُّ وَلَا ذَاتَ زَوْجٍ. ٢٥٧ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيِرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساء أشار بقوله: ((وأحضرت الأنفس الشح)) إلى أنه هو المذكور بعد قوله تعالى: ﴿الصلح خير﴾ ثم فسره بقوله: هواه، في الشيء يحرص عليه، وهو المروي أيضاً عن ابن عباس رواه عنه ابن أبي حاتم من طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ويقال: الشح البخل مع الحرص، وقيل: الإفراط في الحرص. قوله: ((كالمعلقة))، أشار به إلى قوله تعالى: ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ٢٩] أي: كالمرأة المعلقة ثم فسره بقوله: ((لا هي أيم)) الأيم، بفتح الهمزة وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة. وهي امرأة لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً ويقال أيضاً رجل أيم، ووصل هذا ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩] قال: لا هي أيم ولا ذات زوج. نُشُوزاً بُغْضاً أشار به إلى ما فيه قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً﴾ [النساء: ١٢٨] وفسره بقوله: ((بغضاً) وكذا رواه ابن أبي حاتم، من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال فيه: يعني بغضاً. وقال الفراء: النشوز يكون من قبل المرأة والرجل، وهو هنا من قبل الرجل. ٤٦٠١/١٢٣ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أُخْبَرنا عَبْدُ الله أخبرنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عنها ﴿وَإِن امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ قَالَتِ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرَّةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْها يُرِيدُ أنْ يُفَارِقَها فَتَقُولُ أَجْعَلُكَ مِنْ شأنِي فِي حِلِّ فَزَلَتْ لهَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِك. مطابقته للترجمة ظاهرة. وعبد الله هو ابن المبارك، وعروة هو ابن الزبير بن العوام. والحديث مضى في الصلح عن محمد ولم ينسبه عن ابن المبارك به، وفيه أيضاً عن قتيبة عن سفيان به. قوله: ((ليس بمستكثر منها)) أي: من المرأة في المحبة والمعاشرة والملازمة. قوله: ((يريد)) أي: الرجل. قوله: ((فتقول)) أي: المرأة. قوله: ((من شأني)) أي: مما يتعلق بأمري من النفقة والكسوة والصداق تجعله في حل ليفارقها. قوله: ((فنزلت الآية)) أي: المذكورة، وزاد أبو ذر عن غير المستملي: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً﴾ الآية. وعن علي رضي الله تعالى عنه، نزلت في المرأة تكون عند الرجل تكره مفارقته فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام أو أربعة، ورواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى علي رضي الله تعالى عنه، بأطول منه، وروى الحاكم من طريق ابن المسيب عن رافع بن خديج أنه كانت تحته امرأة فتزوج عليها شابة فآثر البكر عليها فنازعته وطلقها، ثم قال لها: إن شئت راجعتك وصبرت. فقالت: راجعني، فراجعها ثم لم تصبر فطلقها. قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله تعالى أنزل فيه هذه الآية، وروى الترمذي من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله عَّله، فقالت: يا رسول الله: لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل عمدة القاري/ ج١٨ م١٧ ٢٥٨ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ ونزلت هذه الآية. وقال: حسن غريب. وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول معجمه، حدثنا محمد بن يحيى حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الدستوائي حدثنا القاسم ابن أبي بردة. قال: بعث النبي عَ لِ إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أتاها جلست له على طريق عائشة، فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال، أَبعث مع نسائك يوم القيامة، فراجعها، فقالت: إني قد جعلت يومي وليلتي لحبة رسول الله عَ له، قلت: هذا غريب ومرسل. ٢٥ - بابٌ: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ وليس لغير أبي ذر لفظة: باب. قوله: ﴿إِن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ يعني: يوم القيامة جزاءً على كفرهم الغليظ. وقال سفيان الثوري عن عاصم عن ذكوان أبي صالح عن أبي هريرة ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار النار﴾ قال: في تواتبيت ترتج عليهم كذا رواه ابن جريج عن وكيع عن يحيى بن یمان عن سفيان به، ويقال: النار دركات كما أن الجنة درجات، والدرك بفتح الراء وإسكانها لغتان، وقرأ حمزة بالسكون. واختار الزجاج الفتح، قال: وعليه المحدثون، والدركات للنار والدرجات للجنة، والنار سبعة أطباق طبق فوق طبق، ويقال معنى: في الدرك الأسفل، أسفل درج جهنم، وعبارة مقاتل يعني: الهاوية. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْفَلِ النَّارِ هذا تعليق وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. قال: الدرك الأسفل أسفل النار، وقال ابن عباس: يجعلون في توابيت من حديد تغلق عليهم، وروي من نار تطبق عليهم، وعن إسرائيل: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها فتوقد من تحتهم ومن فوقهم. نَفَقَاً سَرَباً أشار به إلى ما في قوله عز وجل: ﴿إن استطعت أن تبتغي نفقاً﴾ [الأنعام: ٣٥] وهذا في سورة الأنعام ولا مناسبة لذكره هنا، وقال الكرماني: غرضه بيان اشتقاق المنافقين، وفيه نظر لا يخفى. قوله: ((سرباً) أي: في الأرض، وهو صفة نفقاً، ونفقاً منصوب بقوله: أن تبتغي، وفي (المغرب) السرب بالفتح الطريق، ويقال: السرب البيت في الأرض، ويقال للماء الذي يسيل من القربة: سرب، والسرب المسلك ولا يقال: نفق إلاّ إذا كان له منفذ. ٤٦٠٢/١٢٤ - حدثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَثني إبْرَاهِيمُ عَنْ الأسْوَدِ قَالَ كُنّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللهِ فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفاقُ عَلَى قَومِ خَيْرٍ مِنْكُمْ قال الأسوَدُ سُبْحَانَ الله إنَّ الله يَقُولُ: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللهَ وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ ٢٥٩ ٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساءِ الله فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فَرَمَانِى بالحَصا فَجِثْتُهُ فقال حُذَيْفَةُ عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أَنْزِلَ النَّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْراً مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ الله عَلَيْهِمْ. مطابقته للترجمة ظاهرة، وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث النخعي الكوفي قاضيها عن سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي عن خاله الأسود بن يزيد النخعي، وعبد الله هو ابن مسعود، وحذيفة هو ابن اليمان. والحديث أخرجه النسائي أيضاً في التفسير عن عمرو بن علي وغيره. قوله: ((لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم))، أي: ابتلوا به، وأما الخيرية فلأنهم كانوا طبقة الصحابة فهم خير من طبقة التابعين، لكن الله ابتلاهم فارتدوا ونافقوا فذهبت الخيرية عنهم، ومنهم من تاب فعادت إليه الخيرية. وقال ابن الجوزي: مقصود حذيفة أن جماعة من المنافقين صلحوا واستقاموا فكانوا خيراً من أولئك التابعين لمكان الصحبة والصلاح كمجمع ويزيد بن حارثة بن عامر كانا منافقين فصلحت حالهما واستقامت، وكأنه أشار بالحديث إلى تقلب القلوب، وقال ابن التين: كان حذيفة حذرهم أن ينزع منهم الإيمان لأن الأعمال بالخواتيم. قوله: ((قال الأسود))، هو الراوي (سبحان الله)) تعجباً من كلام حذيفة. قوله: ((فتبسم عبد الله))، أي: ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. إنما كان تبسمه تعجباً بحذيفة وبما قام به من قول الحق وما حذر منه. قوله: ((فرماني))، أي: قال الأسود رماني حذيفة بن اليمان يستدعيه إليه. قوله: ((قال فجئته))، أي: فجئت إلى حذيفة. فقال: ((عجبت من ضحكه)) أي: من ضحك عبد الله بن مسعود، يعني من اقتصاره على الضحك، والحال أنه قد عرف ما قلته من الحق. قوله: ((لقد أنزل النفاق))، أي: لقد أنزل الله النفاق على قوم: هذا يدل على أن النفاق والكفر والإيمان والإخلاص بخلق الله تعالى وتقديره وإرادته ولا يخرج شيء من إرادته، والمنافق من أبطن الكفر وأظهر الإسلام، ويقال: النفاق إظهار خلاف ما بطن، مأخوذ من النافقاء وهو الموضع الذي يدخل منه اليربوع، فإذا طلبه الصياد منه خرج من القاصعاء، فيشبه المنافق به لخروجه من الإيمان، وسمي الفاسق منافقاً تغليظاً، كما يسمى كافراً في قوله: من ترك الصلاة فقد كفر، قوله: ((ثم تابوا فتاب الله عليهم)) أي: ثم رجعوا عن النفاق فتابوا فتاب الله عليهم. ((ويستفاد منه)) قبول توبة الزنديق وصحتها على ما عليه الجمهور، ومن هذا قال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه إذا أتيت بزنديق فاستتبه. فإن تاب قبلت توبته، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِلاّ الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصو دينهم الله فأولئك مع المؤمنين﴾ [النساء: ١٤٦] الآية تدل على صحة توبة الزنديق وقبولها. وقال الثعلبي: قوله: ﴿فأولئك مع المؤمنين﴾ ولم يقل: فأولئك هم المؤمنون، حاد عن كلامهم تغليظاً عليهم. ٢٦٠ ٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ النِّساء ٢٦ - بابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣] أي: هذا باب في قوله تعالى إلى آخره، ولم يذكر لفظ: باب، إلاَّ في رواية أبي ذر، وذكر المذكور إلى ﴿وسليمان﴾ في رواية أبي ذر. وفي رواية أبي الوقت إلى ﴿نوح والنبيين من بعده﴾ وتمام الآية. (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً) قوله: ((إنا أوحينا إليك))، أي: إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى نوح، وقدم نوحاً عليه السلام، لأنه أول أنبياء الشرائع وأكبرهم سناً ولأنه لم يبالغ أحد من الأنبياء عليهم السلام، في الدعوة مثل ما بالغ هو عليه السلام، وجعله الله ثاني المصطفى في موضعين من كتابه، فقال: ﴿ومنك من نوح﴾ [الأحزاب: ٧] وفي هذه الآية، وهو أول من تنشق عنه الأرض بعد النبي عَّلّه، ثم ذكر جميع الأنبياء. بقوله: ﴿والنبيين من بعده﴾ وخص منهم جماعة بالذكر صريحاً تشريفاً لهم. ثم قال: ﴿والأسباط﴾ وهم أولاد يعقوب و ﴿عيسى وأيوب﴾ وقدم عيسى على من قبله لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وفي تخصيصه أيضاً رد على اليهود. قوله: ((زبوراً)) وهو اسم الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود. ١٢٥/ ٤٦٠٣ - حدثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَخيِى عنْ سُفْيَانَ قَالَ حدَثني الأعْمَشُ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله عن النبيِّ عَِّ قَالَ مَا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى. مطابقته للترجمة في قوله: ﴿يونس﴾ ويحيى هو القطان، وسفيان هو الثوري، والأعمش هو سليمان، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود. والحديث قد مر في كتاب الأنبياء في: باب قول الله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ [الصافات: ١٣٩] بهذا الإسناد. قوله: ((ما ينبغي لأحد)) وفي رواية الحموي والمستملي: (ما ينبغي لعبد)). قوله: ((أنا)) قال الكرماني: أنا أي: العبد أو رسول الله عَلَّهِ، قلت: إن كان المراد من لفظ: أنا هو العبد فمعناه أن العبد القائل به لا ينبغي له أن يقول: أنا خير من يونس، وإن كان المراد رسول الله عَ ليه فيكون المعنى: قال ذلك تواضعاً وهضماً للنفس. قوله: ((متى))، بفتح الميم وتشديد المثناة من فوق مقصوراً والصحيح أنه اسم أبيه. ١٢٦/ ٤٦٠٤ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدَّثنا فُلَيْحَ حدَّثنا هِلالٌ عنْ عَطاءٍ بِنِ يَسارٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه عن النبيِّ عَّلِ قَالَ مَنْ قَالَ أنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ . مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث الذي مضى قبله. ومحمد بن سنان، بكسر السين المهملة وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى، وفليح، بضم الفاء: ابن سليمان،