Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سورة آل عمران
وفي رواية النسفي بضم الجيم والراء.
تُوِّيءُ تَتَّخِذُ مُعَسْكَراً
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال﴾
[آل عمران: ١٢١] وفسره بقوله: تتخذ معسكراً. وفسره أبو عبيدة كذلك، والمقاعد جمع
مقعد وهو موضع القعود.
المُسَوِّمُ الَّذِي لَهُ سِيما بِعَلامَةٍ أوْ بِصُوفَةٍ أوْ بِمَا كَان
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿والخيل المسومة والأنعام والحرث﴾ [آل عمران: ١٤١].
قال الزمخشري: الخيل المسومة المعلمة من السومة وهي العلامة أو المطهمة أو المرعية من
أسام الدابة وسومها وعن ابن عباس: المسومة الراعية المطهمة الحسان، وكذا روي عن
مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان
وغيرهم، وقال مكحول: المسومة الغرة والتحجيل. قوله: ((المسوم الذي له سيما))، بكسر
السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالميم المخففة هو العلامة قوله: ((أو بما كان))
أي: أو بأي شيء كان من العلامات.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالخَيْلُ المُسَوَّمَةُ المُطَهَّمَةُ الحِسانُ
هذا التعليق رواه عبد بن حميد عن روح عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. قال
الأصمعي المطهم التام كل شيء منه على حدته فهو رباع الجمال، يقال: رجل مطهم وفرس
مطهم.
رِبُِّّونَ الجمِيعُ وَالوَاحدُ رِبِيٌّ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون﴾ [آل عمران: ١٤٦] قال
المفسرون الربيون الربانيون، وقرىء بالحركات الثلاث الفتح، على القياس، والضم والكسر
من تغييرات النسب. قوله: ((الجميع)) ويروى الجمع أي جمع الربيون ربى، وقال سفيان
الثوري عن عاصم عن زر عن ابن مسعود، ربيون كثير أي: ألوف وقال ابن عباس ومجاهد
وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي والربيع وعطاء الخراساني: الربيون الجموع
الكثير، وقال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن ربيون كثير أي: علماء كثيرون، وعنه أيضاً:
علماء صبراء أبرار أتقياء، وحكى ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين
يعبدون الرب، عز وجل قال: وقد رد بعضهم عليه فقال: لو كان كذلك لقيل، ربيون، بالفتح
انتهى. قلت: لا وجه للرد لأنا قلنا: إن الكسرة من تغييرات النسب.
تحسُونَهَمْ تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلاً
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذا تحسونهم بإذنه﴾ [آل

١٨٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرآنِ / سورة آل عمران
عمران: ١٥٦] وفسر: تحسونهم بقوله: تستأصلونهم: من الاستئصال وهو القلع من الأصل،
وفي التفسير: إذ تحسونهم أي: تقتلونهم قتلاً ذريعاً.
غُزّاً وَاحِدُها غَازٍ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزاً لو كانوا
عندنا ما ماتوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآية. وغزّاً، بضم الغين وتشديد الزاي جمع غاز كعفى
جمع عاف. وقال بعضهم: غزا واحدها غاز. تفسير أبي عبيدة. قلت: مثل هذا لا يسمى
تفسيراً في اصطلاح أهل التفسير، غاية ما في الباب أنه قال جمع غاز. وأصل غاز غازى فأعل
إعلال قاض. وقرأ الحسن غزا بالتخفيف. وقيل: أصله غزاة فحذف الهاء، وفيه نظر.
سَتَكْتُبُ سَنَحْفَظُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء
سنكتب ما قالوا﴾ [آل عمران: ١٨١] الآية. وفسر: سنكتب، بقوله سنحفظ. أي: سنحفظه
ونثبته في علمنا، وفي التفسير: (سنكتب ما قالوا) في صحائف الحفظة، وقرأ حمزة:
(سيكتب). بضم الياء آخر الحروف على البناء للمجهول، وتفسير البخاري تفسير باللازم لأن
الكتابة تستلزم الحفظ.
نُزُلاً ثَوَاباً وَيَجُوزُ وَهُنَزّلٌ مِنْ عِنْدِ الله كَقَوْلِكَ أَنْزَلْتُهُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها نزلاً من عند الله وما عند الله خير للأبرار﴾ [آل عمران: ١٩٨] وفسر: نزلاً،
بقوله: ثواباً. وفسره في التفسير. بقوله: أي ضيافة من الله، والنزل: بسكون الزاي وضمها ما
يقدم للنازل. وقال الزمخشري: وانتصابه إما على الحال من: جنات، لتخصصها بالوصف،
والعامل اللام، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، من عند الله.
قوله: ((ويجوز: ومنزل من عند الله)) أراد به أن نزلاً الذي هو المصدر يكون بمعنى منزلاً على
صيغة اسم المفعول من قولك: أنزلته. ويكون المعنى: لهم جنات تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها منزلة، يعني: معطى لهم منزلاً من عند الله كما يعطى الضيف النزل وقت قدومه.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وَحَصُوراً لا يَأْتِيِ النِّسَاءَ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿إن الله يبشرك بیحیی مصدقاً بكلمة من الله وسیداً وحصوراً
ونبياً من الصالحين﴾ [آل عمران: ٣٩] وقال سعيد بن جبير معنى حصوراً لا يأتي النساء،
ووصل هذا المعلق عبد فقال: حدثنا جعفر بن عبد الله السلمي عن أبي بكر الهذلي عن
الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وأبي الشعثاء أنهم قالوا: السيد الذي يغلب غضبه، والحصور
الذي لا يغشى النساء، وأصل الحصر الحبس والمنع يقال لمن لا يأتي النساء وهو أعم من

١٨٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل ◌ِمْرَانَ
أن يكون بطبعه كالعنين أو المجاهدة نفسه وهو الممدوح وهو المراد في وصف السيد
يحيى، عليه الصلاة والسلام.
وَقَالَ عِكْرَمَةُ مِنْ فَوْرِهِمْ مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا﴾ [آل
عمران: ١٢٥] الآية، وفسر عكرمة مولى ابن عباس: من فورهم، بقوله: من غضبهم، وهذا
التعليق وصله الطبري من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، قال: فورهم، ذلك كان يوم
أحد غضبوا ليوم بدر مما لقوا.
وَقَال مُجَاهِدٌ يُخْرِجُ الحَيَّ النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيَّةٌ وَيُخْرِجُ مِنْها الحَيُّ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق
من تشاء بغير حساب﴾ [آل عمران: ٢٧] قال مجاهد: تخرج الحي، معناه النطفة تخرج حال
كونها ميتة. ويخرج من تلك الميتة الحي، وهذا التعليق وصله محمد بن جرير عن القاسم.
حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد، وحكاه أيضاً عن ابن مسعود والضحاك والسدي
وإسماعيل بن أبي خالد وقتادة وسعيد بن جبير، وفي (تفسير ابن كثير) يخرج الحبة من الزرع
والزرع من الحبة والنخلة من النواة والنواة من النخلة والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن
والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة. وقال الحسن: يخرج المؤمن من الحي من الكافر
الميت. قوله: ((النطفة)) مبتدأ وتخرج، جملة في محل الرفع خبره، وميتة نصب على الحال
من الضمير الذي في تخرج.
الإِبْكَارُ أوَّلُ الفَجْرِ وَالعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أَرَاهُ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ
أشار به إلى قوله: ﴿واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والأبكار﴾ [آل عمران: ٤١].
وقال الزمخشري: العشي من حين تزول الشمس إلى أن تغيب والأبكار من طلوع الفجر إلى
وقت الضحى، بفتح الهمزة جمع بكر كشجر وأشجار.
١ - بابٌ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُخْكَمَاتٌ﴾. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الحَلالُ وَالحَرَامُ: ﴿وَأُخَرُ
مُتشابِهاتٌ﴾ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّ الفَاسِقِينَ﴾
وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَيَجْعَلُ الرَّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدِّى﴾ وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ
هذا الكلام كله كلام مجاهد رواه عبد بن حميد عن روح عن شبل عن ابن نجيح
عنه: رواه ابن المنذر عن علي بن المبارك عن زيد بن المبارك عن محمد بن ثور عن ابن
جريج عنه. قوله: ((منه). أي: من الكتاب، يعني: القرآن قال: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب
منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: ٧] قال الزمخشري:

١٨٤
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / شُورَةُ آل عِمْرَانَ
محكمات أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه. هن أم الكتاب أي: أصل
الكتاب. متشابهات مشتبهات محتملات وقال الكرماني: أما المحكم هو الذي يعرف بظاهر
بيانه تأويله وبواضح أدلته باطن معناه، والمتشابه ما اشتبه منها فلم يتلق معناه من لفظه ولم
يدرك حكمه من تلاوته، وهو على ضربين: أحدهما: ما إذا رد إلى المحكم واعتبر به علم
معناه. والآخر: ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيبطلون تأويله
ولا يبلغون فيرتابون فيه فيفتنون به، وذلك كالإيمان بالقدر ونحوه، ويقال: المحكم ما
اتضحت دلالته، والمتشابه ما يحتاج إلى نظر وتخريج، وقيل: المحكم ما لم ينسخ،
والمتشابه ما نسخ، وقيل: المحكم آيات الحلال والحرام، والمتشابه آيات الصفات والقدر،
وقيل: المحكم آيات الأحكام، والمتشابه الحروف المقطعة. قوله: ((وأخر)) جمع أخرى،
واختلف في عدم صرفها. فقيل: لأنها نعت، كما لا تصرف كتع وجمع لأنهن نعوت، وقيل:
لم تصرف لزيادة الياء في واحدتها وأن جمعها مبني على واحدها في ترك الصرف: كحمراء
وبيضاء في النكرة والمعرفة لزيادة المدة والهمزة فيهما. قوله: ((يصدق)) تفسير للمتشابه.
قوله: كقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] إشارة إلى أن المفهوم منه أن
الفاسقين أي الضالين إنما ضلالتهم من جهة اتباعهم المتشابه بما لا يطابق المحكم طلب
افتتان الناس عن دينهم وإرادة إضلالهم. قوله: وكقوله تعالى: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا
يعقلون﴾ [يونس: ١٠٠] إنما ذكر هذا تصديقاً لما تتضمنه الآية التي قبلها حيث يجعل الرجس
على الذين لا يعقلون، وقيل: الرجس السخط. وقيل: الإثم، وقيل: العذاب. وقيل: الفتن
والنجاسة، أي: يحكم عليهم بأنهم أنجاس غير طاهرة، وقرأ الأعمش: الرجز: بالزاي وبه فسر
الرجس أيضاً. وقال الزمخشري: الرجس الخذلان وهو العذاب وهو شبيه قوله: ﴿على الذين
لا يعقلون﴾ أي أمر الله ولا أمر رسوله لأنهم مصرون على الكفر. وهذا أيضاً راجع إلى معنى
الذين يتبعون ما تشابه بما لا يطابق علم الراسخين. قوله: وكقوله: ﴿والذين اهتدوا﴾
[محمد: ١٧] إلى آخره، راجع في الحقيقة إلى معنى الذين صدرهم مجاهد في كلامه
المذكور لأن مراده من ذلك في نفس الأمر الراسخون في العلم الذين اهتدوا وزادهم الله
هدى، فافهم، فإني لم أر أحداً من الشراح أتى ساحل هذا فضلاً أن يغوص فيه. والله
أعلم.
زَيْغٌ شَكِّ. ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ
أشار إلى قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ وفسر الزيغ بالشك. قال
الزمخشري: هم أهل البدع، ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ [آل عمران: ٧] أي: من الكتاب الذي
هو القرآن، ويقال: هم أهل الضلال والباطل والخروج عن الحق (يتبعون ما تشابه منه) الذي
يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها. قوله: ((ابتغاء الفتنة))، أي: طلباً أن
يفتنوا الناس عن دينهم.

١٨٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
والراسِخُونَ يَعْلَمُونَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
قال ابن نجيح عن مجاهد: ﴿الراسخون في العلم﴾ يعلمون تأويله ﴿يقولون آمنا به﴾
[آل عمران: ٧] وكذا قال الربيع بن أنس. وقال الزمخشري: الراسخون في العلم الذين رسخوا
أي: ثبتوا فيه وتمكنوا، ويقولون كلام مستأنف يوضح حال الراسخين، يعني: هؤلاء العالمون
بالتأويل يقولون: آمنا به أي: بالتشابه كل من عند ربنا أي كل واحد من المتشابه والمحكم
من عند الله، ويجوز أن يكون: يقولون، حالاً من الراسخين. وقرأ عبد الله أن تأويله إلاَّ عند
الله، وقرأ أبي: ويقول الراسخون.
٦٩ / ٤٥٤٧ - حدَثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ التُّشْتَرِيُّ عنِ ابنِ أبِي
مُلَيْكَةَ عنِ القاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عنها قَالَتْ تَلَا رَسُولُ اللهِ عَ لِّ هَذِهِ الآيَةَ:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكتابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وَأُخَرُ مُتشابهاتٌ فَأمّا
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتْبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولُوا
الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قَالَتْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّ لهُ: فَإِذَا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى الله فَاحْذَرُوهُمْ.
عبد الله بن مسلمة، بفتح الميمين: ابن قعنب القعنبي شيخ مسلم أيضاً ويزيد من الزيادة.
ابن إبراهيم أبو سعيد التستري، بضم التاء المثناة من فوق وسكون السين المهملة وفتح التاء
الأخرى وبالراء نسبة إلى تستر مدينة من كور الأهواز وبها قبر البراء بن مالك، وتسميها العامة
ششتر، بشينين معجمتين الأولى مضمومة والثانية ساكنة، وابن أبي مليكة هو عبد الله ابن عبيد
الله بن أبي مليكة، واسمه زهير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه.
والحديث أخرجه مسلم في القدر عن القعنبي أيضاً وأخرجه أبو داود أيضاً عن القعنبي
في السنة. وأخرجه الترمذي في التفسير. وقال: روى هذا الحديث غير واحد عن ابن أبي
مليكة عن عائشة. ولم يذكروا القاسم، وإنما ذكره يزيد بن إبراهيم عن القاسم في هذا
الحديث، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة سمع من عائشة أيضاً انتهى. وفيه نظر لأن
غير يزيد ذكر فيه القاسم وهو حماد بن سلمة قال الإسماعيلي: أنبأنا الحسن بن علي
الشطوي حدثنا ابن المديني حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ابن أبي مليكة. قال:
حدثني القاسم بن محمد عن عائشة، فذكره. قال الإسماعيلي ذكر حماد في هذا الحديث
للاستشهاد على موافقته يزيد بن إبراهيم في الإسناد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الوليد
الطيالسي حدثنا يزيد بن إبراهيم وحماد بن سلمة عن ابن أبي مليكة عن القاسم، ورواه حماد
ابن سلمة أيضاً عند الطبري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة.
قوله: ((تلا رسول الله عَ لَّه))، أي: قرأ رسول الله عَ لَّل هذه الآية: وهي قوله: (هو الذي
أنزل عليك الكتاب) الآية. قوله: ((فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه))، قال الطبري: قيل:
إن هذه الآية نزلت في الذين جادلوا رسول الله عَّ له في أمر عيسى، عليه السلام، وقيل: في

١٨٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
أمر هذه الأمة. وهذا أقرب لأن أمر عيسى عليه السلام، أعلمه الله نبيه محمداً عَ لّه وأمته
وبينه لهم بخلاف أمر هذه الأمة فإن علم أمرهم خفي على العباد. قوله: ((فأولئك الذين
سمى الله))، قال ابن عباس: هم الخوارج، قيل: أول بدعة وقعت في الإسلام بدعة الخوارج،
ثم كان ظهورهم في أيام علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، ثم تشعبت منهم شعوب
وقبائل وآراء وأهواء ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية ثم المعتزلة ثم الجهمية وغيرهم
من أهل البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: وستفترق هذه الأمة على ثلاث
وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه
وأصحابي: أخرجه الحاكم في (مستدركه). قوله: ((فاحذروهم))، بصيغة الجمع والخطاب
للأمة، وفي رواية الكشميهني فاحذرهم، بالإقرار أي: احذرهم أيها المخاطب.
٢ - بابٌ: ﴿وَإِنِّي أَعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [آل عمران: ٣٦]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿إِني أعيذها﴾ الآية هذا إخبار من الله عز وجل عن
امرأة عمران أم مريم، عليها السلام، وهي حنة بنت فاقوذا أنها قالت: إني أعيذها. أي: عوذتها
بالله عز وجل وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى، عليه السلام، فاستجاب الله لها ذلك، كما
يأتي الآن في حديث الباب.
٧٠ / ٤٥٤٨ - حدَثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا عَبْدُ الرزَّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ
عِنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنه أنَّ النبيَّ عَلَّ قَالَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ
إِلّ وَالشَّيْطَانُ يِّسُهُ حِينَ يُولَدُ فَيَشْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسٌّ الشَّيْطَانِ إِيَّهُ إلاّ مَرْيَمَ وَابْتَها ثُمَّ يَقُولُ
أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنِّي أَعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
عبد الله بن محمد المعروف بالمسندي. والحديث قد مر في أحاديث الأنبياء، عليهم
السلام في: باب قول الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان
عن شعيب عن الزهري إلى آخره، ومر الكلام فيه.
٣ - بابٌّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ
لَهُمْ﴾ لا خَيْرَ [آل عمران: ٧٧]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿إِن الذين يشترون﴾ الآية. أي: يستبدلون (بعهد الله)
بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم. قوله: (أيمانهم) أي: بما حلفوا به من
قولهم، والله لنؤمنن به ولننصرنه. قوله: (ثمناً قليلاً) هو عرض هذه الحياة الدنيا الزائلة الفانية.
قوله: (لا خلاق لهم) فسره البخاري قوله: لا خير لهم في الآخرة، ويقال: لا نصيب لهم.
أُلِيمٌ مُؤْلِمٌ مُوجِعْ مِنَ الأَلَمِ وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ مُفْعِلٍ
أشار بأن لفظ أليم الذي وزنه فعيل بمعنى مؤلم على وزن مفعل. وهو معنى قوله: هو

١٨٧
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
في موضع مفعل بكسر العين، كقول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع
فإن السميع بمعنى المسمع. وقوله: موجع، تفسير قوله مؤلم.
٤٥٤٩/٧١ _ ٤٥٥٠ - حدَثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حدَّثنا أبُو عَوَانَةً عنِ الأَعْمَشِ عنْ
أَبِي وَائِلٍ عِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِعَلَّهِ مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ
لِيَقْتَطِعَ بِها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ الله تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمِّناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَ
فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بنُ قَيْسٍ وَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ قُلْنَا كَذَا وَكَذَا قَالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ
كَانَتْ لِي بِثْرٌ فِي أَرْض ابنٍ عَمٌّ لِي قَالَ النبيُّ عَلَّهِ بَيْنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ فَقُلْتُ إذاً يَخْلِفَ يَا رَسُولَ
الله فقال النبيُّ عَّهِ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ
لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ [الحديث ٢٣٥٦ - أطرافه في ٢٣٥٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري والأعمش سليمان،
وأبو وائل شقيق بن سلمة.
والحديث قد مر في كتاب الشهادات في باب مجرد بعد: باب اليمين على المدعى
عليه فإنه أخرجه هناك عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن أبي وائل إلى آخره،
ومر الكلام فيه هناك مستقصى.
قوله: ((من حلف يمين صبر)) بإضافة يمين إلى صبر، وفي آخر الحديث على يمين صبر
ويروى، من حلف يميناً صبراً، أي: يميناً ألزم بها وحبس عليها، وأصل الصبر الحبس أو يحبس
نفسه ليحلف. قوله: ((غضبان)) إطلاق الغضب على الله مجاز، والمراد لازمه وهو إيصال
العقاب. قوله: ((فدخل الأشعث)) بالشين المعجمة والتاء المثلثة ابن قيس الكندي. قوله: ((ما
يحدثكم)) أي: أي شيء يحدثكم أبو عبد الرحمن، وهو كنية عبد الله بن مسعود. قوله:
((بكسر الفاء وتشديد الياء) قوله: ((فاجر)) أي: كاذب.
٤٥٥١/٧٢ - حدثنا عَلِيٍّ هُوَ ابْنُ أَبِي هَاشِمٍ سَمِعَ هُشَيْماً أُخْبَرَنَا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ
عنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي أَوْنَى رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلاً أَقَامَ سِلْعَةٌ
فِي السُّوقِ فَحَلَفَ فِيهَا لَقَدْ أعْطِيَ بها مَا لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إلَى آخِرِ الآيَةِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة وعلي بن أبي هاشم البغدادي من أفراده: وهشيم: مصغر هشم
ابن بشير مصغر بشر الواسطي والعوام بتشديد الواو بن حوشب: بفتح المهملة وسكون الواو
وفتح الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة. والحديث قد مر في كتاب البيوع في: باب ما
يكره من الحلف في البيع.

١٨٨
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
قوله: ((لقد أعطي)) على صيغة المجهول وكذا قوله: ((ما لم يعطه)) ولا منافاة بين هذا
الحديث والحديث السابق من حيث أن ذاك في البئر وهذا في السلعة لأن الآية نزلت
بالسببين جميعاً. ولفظ الآية عام يتناولهما وغيرهما، وقيل: لعل الآية لم تبلغ عبد الله بن أبي
أوفى، إلا عند إقامة السلعة. فظن أنها نزلت في ذلك.
٧٣/ ٤٥٥٢ - حدَثنا نَصْرُ بنُ عَلِيٍّ بنِ نَصْرٍ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ دَاودِ عنِ ابنِ جُرَیْجِ
عن ابنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ أنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَخْرِزانِ فِي بَيْتٍ أوْ فِي حُجْرَةٍ فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَّذْ
أَنْفِذَ بِإِشْفَى فِي كَفِّها فَادَّعَتْ عَلَى الأَخْرَى فَرُفِعَ إِلَى ابِنِ عَبَّاس فَقَالَ ابْنُ عَّاسٍ قَالَ رَسُولٍ
الله عٍَّ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَغْوَاهُمُ لَذَهَب دِماءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ ذَكِّرُوها بِاللهِ وَاقْرَؤُوا عَلَيها
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله﴾ [آل عمران: ٧٧] فَذَكَرُوها فَاعْتَرَفَتْ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النبيُّ
عَلِّ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ونصر بن الجهضمي، وعبد الله بن داود بن عامر المعروف
بالخريبي كوفي الأصل سكن الخريبة. محلة بالبصرة. وهو من أصحاب أبي حنيفة. رضي
الله تعالى عنه. وكان ثقة زاهداً يروي عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وهو يروي عن
عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة.
والحديث مضى مختصراً في الرهن والشركة عن أبي نعيم وأخرجه بقية الجماعة، وقد
ذ کرناه.
قوله: ((إن امرأتين كانتا تخرزان)) من خرز الخف ونحوه يخرز بضم الراء وكسرها.
قوله: ((في بيت أو في حجرة))، كذا بالشك في رواية الأصيلي وحده، والحجرة بضم
الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء، قال ابن الأثير وهي الموضع المنفرد، وفي المطالع،
وكل موضع حجر عليه بالحجارة فهو حجرة، وقال الجوهري: الحجرة حظيرة الإبل ومنه
حجرة الدار تقول: أحجرت حجرة أي: اتخذتها وفي رواية الأكثرين، في بيت وفي حجرة
بالواو دون أو التي للتشكيك، قال بعضهم: والأول هو الصواب، يعني الذي بالواو، وإنما قال
الأول: لأن الذي في نسخته ذكر بالواو أولاً ثم ذكر بأو، ونسب رواية أو التي للشك إلى
الخطأ. ثم قال: وسبب الخطأ أن في السياق حذفاً بينه ابن السكن في روايته جاء فيها في
بيت وفي حجرة حداث، فالواو عاطفة لكن المبتدأ محذوف، وحداث، بضم المهملة
والتشديد وآخره مثلثة. أي: يتحدثون وحاصله أن المرأتين كانتا في البيت وكان في الحجرة
المجاورة للبيت ناس يتحدثون، فسقط المبتدأ من الرواية فصار مشكلاً فعدل الراوي عن
الواو إلى أو التي للشك فراراً من استحالة كون المرأتين في البيت وفي الحجرة معاً. انتهى.
قلت: هذا تصرف عجيب وفيه تعسف من وجوه لا يحتاج إلى ارتكابها (الأول): أن
نسبته رواية. أو للشك إلى الخطأ خطأ لأن كون أو للشك مشهور في كلام العرب وليس فيه
مانع هنا لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى. (الثاني): أن قوله: فالواو للعطف غير مسلم

١٨٩
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
هنا لفساد المعنى. (الثالث): دعواه أن المبتدأ محذوف لا دليل عليه لأن حذف المبتدأ إنما
يكون وجوباً وجوازاً فلا مقتضى لواحد منهما هنا يعرفه من له يد في العربية. (الرابع): أنه
ادعى أن الواو، للعطف ثم قال: وحاصله أن المرأتين كانتا في البيت وكان في الحجرة
المجاورة للبيت ناس يتحدثون، فهذا ينادي بأعلى صوته أن الواو هنا ليست للعطف، بل هي
واو الحال. (الخامس): أن قوله الحجرة المجاورة للبيت يحتاج إلى بيان أن تلك الحجرة
كانت مجاورة للبيت، فلم لا يجوز أن تكون الحجرة نفس البيت، لأنا قد ذكرنا أن الحجرة
موضع منفرد. فلا مانع من أن يكون في البيت موضع منفرد. (السادس): أنه ادعى استحالة
كون المرأتين في البيت وفي الحجرة، فلا استحالة هنا لجواز كون من كان في الحجرة
وهي في البيت كونه في الحجرة والبيت، ودعوى استحالة مثل هذا هو المحال. قوله: ((وقد
أنفذ بأشفى))، الواو فيه للحال، وقد للتحقيق، وأنفذ من النفاذ بالذال المعجمة على صيغة
المجهول، والإشفى: بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وبالفاء مقصوراً وهو مثل المسلة
له مقبض يخرز بها الإسكاف. قوله: ((فذكروها))، الضمير المنصوب فيه يرجع إلى لفظ
الأخرى وهي المدعى عليها وهو بصيغة الأمر للجماعة وأراد بالتذكير تخويفها من اليمين لأن
فيها هتك حرمة اسم الله عند الحلف الباطل، كذلك الضمير في قوله: ((عليها)) وفي قوله:
((فذكروها)) وهو بفتح الكاف لأنه جملة ماضية. قوله: ((اليمين على المدعى عليه))، يعني:
عند عدم بينة المدعي. وقال صاحب (التوضيح). قوله: ((اليمين على المدعى عليه)) أي:
فإن نكل حلف المدعي. قلت: هذا الذي قاله ليس معنى قول ابن عباس، بل المعنى فيه أن
المدعى عليه إذا رد اليمين على المدعي لا يصح لأن اليمين وظيفة المدعى عليه فإذا نكل
عن اليمين يلزمه ما يدعيه المدعي.
٤ - بابٌ: ﴿قُلْ يَا أَهْلِ الكِتابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ
إلا الله﴾ [آل عمران: ٦٤]
أي: هذا باب في قوله عز وجل: ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ الآية. وهذا المقدار وقع من
الآية المذكورة في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر هكذا ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى
كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية. قوله: ((قل)) أي: يا محمد ((يا أهل الكتاب)) قيل: هم أهل
الكتابين، وقيل: وفد نجران، وقيل: يهود المدينة. قوله: ((إلى كلمة)) أراد بها الجملة
المفيدة ثم وصفها بقوله: ((سواء بيننا وبينكم)) نستوي نحن وأنتم فيها وفسرها بقوله: ((أن
لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً) لا وثناً ولا صنماً ولا صليباً ولا طاغوتاً ولا ناراً بل نعبد
الله وحده لا شريك له. ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فلا نقول عزير ابن الله. ولا
المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بشر مثلنا ﴿فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [آل
عمران: ٦٤].

١٩٠
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / شُورَةُ آل عِمْرَانَ
سَوَاءٌ قَضْداً
هكذا وقع بالنصب في رواية أبي، وفي رواية غيره بالجر فيهما على الحكاية، والنصب
قراءة الحسن البصري. وقيل: وجه النصب على أنه مصدر تقديره: استوت استواءً. قوله: ((قصداً))،
تفسير استواء أي: عدلاً. وكذا فسر أبو عبيدة في قوله: سواء. أي: عدل، وكذا أخرجه
الطبري وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس وأخرج الطبري أيضاً عن قتادة نحوه.
٧٤ / ٤٥٥٣ - حدَثني إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى عنْ هِشَامٍ عنْ مَعْمَرٍ وحدَثني عَبْدُ الله بنُ
مُحَمَّدٍ حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيَّ قَال أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الله بنِ
عُتَيْبَةَ قَالَ حدَثني ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَثني أبُو سُفْيَانَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ قَالَ انْطَلَقْتُ فِي المُدَّةِ
الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِعَّ ◌ُلِّ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بكتابٍ مِنَ النبيِّ عَله
إِلَى هَوْقَلَ قَالَ وَكَانَ دَخْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ إلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بَصْرَى إلَى هِرَقْلِ
قَال فَقَال هِرَقْلُ هَلْ هُهُنَا أحدٌ مِنْ قَوْمِ لهذا الرَّجُلِ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ فَدُعِيتُ فِي
نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأَجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أقْرَبُ نَسَباً مِنْ لهَذَا الرَّجُلِ
الَّذِي يَزْعَمُ أَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أصْحَابِي خَلْفِي
ثُمّ دَعَا بِتَرْجُمانِهِ فَقَالَ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ لهذا عَنْ لهذا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَإِنْ كَذَبَيِي
فَكَذِّبُوهُ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وائِمُ اللهِ لَوْلا أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ سَلْه
كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ قَال قُلْتُ هُوَ فِينا ذُو حَسَبٍ قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قَال قُلْتُ لا
قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكِذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لا قَالَ أَيَتَّبِعُهُ أَشَرَافُ النَّاسِ أَمْ
ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ قُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ قَال قُلْتُ لا بَلْ يَزِيدُونَ قَال هَلْ
يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةٌ لَهُ قَالَ قُلْتُ لا قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قَال
قُلْتُ نَعَمْ قَال فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّهُ قال قُلْتُ تَكُونُ الحَرْبُ بَيْتَنَا وَبَيْنَهُ سِجالاً يُصِيبُ مِنا
وَنُصِيبُ مِنْهُ قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قَالَ قُلْتُ لا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ المُدَّةِ لا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ
فِيهَا قَالَ وَالله مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيها شَيْئاً غَيْرَ هذِهِ قَالَ فَهَلْ قَالَ لهذَا القَوْلَ أُحَدٌ
قَبْلَهُ قُلْتُ لا ثُمَّ قَالَ لَتَرْ جُمَانِهِ قُلْ لَهُ إِنِّي سَألْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو
حَسَبٍ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِها وَسأُلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ فَزَعَمْتَ أنْ
لا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ وَسألْتُكَ عنْ أَتْبَاعِهِ أَضْعَفَاؤُهُمْ أَمْ
أَشْرَافُهُمْ فَقُلْت بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسألْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أنْ
يَقُولَ مَا قَالَ فَزَعَمْتَ أَنْ لا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ
عَلَى اللهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لا
وَكَذَلِكَ الإِيمانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلُوبِ وَسألْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أنَّهُمْ
يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الإِيمانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ فَتَكُونُ الحَرْبُ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً يَنَالُ وَتَنَالُونَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ العاقِبَةُ وَسأَلْتُكَ هَلْ
يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لا يَغْدِرُ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ وَسأَلَتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ

١٩١
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
فَعَمْتَ أنْ لا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ قَال هذا الْقَوْلِ أحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ اقْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ قَال ثُمَّ
قال بِمَ يَأْمُرُكُمْ قَال قُلْتُ يَأْمُوْنَا بِالصَّلاةِ وَالزكاةِ وَالصِّلَةِ وَالعَفَافِ قال إنْ يَك ما تقول فِيه
حَقاً فَإِنَّهُ نَبِي وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَمْ أَكُ أظُنَّهُ مِنْكُمْ وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ
لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلِيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ قَالَ ثُمَّ دَعَا
بِكتابٍ رَسُولِ اللهِ عَّهِ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ الله الرّحمنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى
هِرِقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىَ أما بَعْدُ فَإِنِّي أدعُوٌ بِدِعَايَةِ الإسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ
وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهَ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ ﴿وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوا
إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أنْ لا نَعْبُدَ إلاَّ الله إلَى قَوْلِهِ ﴿اشْهَدُوا بأنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل
عمران: ٦٤] فَلَمَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغْطُ وَأُمِرَ بِنا فَأُخْرِجْنَا
قَال فَقُلْتُ لأصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابنُ أبِي كَبْشَةَ أَنَّهُ لَيخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ فَمَا
زِلْتُ مُوقِناً بأمرٍ رَسُولِ اللهِ عَ لِّ سَيَظْهَرُ حَتَّى أُدْخَلَ الله عَلَيَّ الإِسْلامَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ فَدَعَا هَرَقْلُ
عُظَمَاءَ الرُّومِ فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ آخِرَ الأبَدِ
وأنْ يَنْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ قَالَ فَخَاصُوا خَيْصَةَ مُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَثْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِقَتْ
فَقَال عَلَيَّ بِهِمْ فدعا بِهِمْ فَقال إِنِّي إِثْنَ خْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأيْتُ مِنْكُمْ الَّذِي
أُحْبَبْتَ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأخرجه من طريقين. (الأول): عن إبراهيم بن موسى أبو
إسحاق الفراء عن هشام بن يوسف عن معمر بن راشد عن الزهري. الخ (والآخر): عن عبد
الله بن محمد المعروف بالمسندي عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري إلى آخره، وقد مر
الحديث في أول الكتاب، فإنه أخرجه هناك بأتم منه عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن
شعيب بن أبي حمزة عن الزهري إلى آخره، ومضى الكلام فيه مطولاً ولنذكر بعض شيء
لطول المسافة.
قوله: ((من فيه إلى في)) أي: حدثني حال كونه من فمه إلى فمي وأراد به شدة تمكنه
من الإصغاء إليه. وغاية قربه من تحديثه، وإلّ فهو في الحقيقة أن يقال إلى أذني. قوله: ((في
المدة)) أي: في مدة المصالحة. قوله: ((فدعيت))، على صيغة المجهول. قوله: ((في نفر))
كلمة في بمعنى: مع نحو ادخلوا في أمم أي: معهم، ويجوز أن يكون التقدير: فدعيت في
جملة نفر، والنفر اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا
واحد له من لفظه. قوله: ((فدخلنا)) الفاء فيه تسمى فاء الفصيحة لأنها تفصح عن محذوف
قبلها لأن التقدير: فجاءنا رسول هرقل فطلبنا فتوجهنا معه حتى وصلنا إليه فاستأذن لنا فأذن
فدخلنا. قوله: ((فأجلسنا)) بفتح اللام جملة من الفعل والفاعل والمفعول. قوله: ((إني سائل
هذا)) أي: أبا سفيان. قوله: ((بترجمانه)) هو الذي يترجم لغة بلغة ويفسرها. قيل إنه عربي.
وقيل: معرب وهو الأشهر فعلى الأول النون زائدة. قوله: ((فإن كذبني)) بتخفيف الذال
(((فكذبوه)) بالتشديد. ويقال: كذب. بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين مثل: صدق تقول كذبني

١٩٢
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل ◌ِمْرَانَ
الحديث وصدقني الحديث. قال الله: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾ [الفتح: ٢٧] وكذب
بالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد، وهذا من الغرائب قوله: ((لولا أن يؤثروا علي))، بصيغة
الجمع وصيغة المعلوم، ويروي: ويؤثر، بفتح الثاء المثلثة بصيغة الإفراد على بناء المجهول.
وقال ابن الأثير: لولا أن يؤثروا عني. أي: لولا أن يرووا عني ويحكوا. قوله: ((كيف حسبه))؟
والحسب ما يعده المرء من مفاخر آبائه. فإن قلت: ذكر في كتاب الوحي، كيف نسبه؟
قلت: الحسب مستلزم للنسب الذي يحصل به الإدلاء إلى جهة الآباء. قوله: ((فهل كان من
آبائه ملك)) وفي رواية غير الكشميهني ((في آبائه ملك))؟. قوله: ((يزيدون أو ينقصون))؟ كذا
فيه بإسقاط همزة الاستفهام. وأصله أيزيدون أو ينقصون، ويروى: ((أم ينقصون)). وقال ابن
مالك: يجوز حذف همزة الاستفهام مطلقاً. وقال بعضهم: لا يجوز إلا في الشعر. قوله: ((هل
يرتد))؟ إلى آخره. فإن قلت:؟ لَم لم يستغن هرقل عن هذا السؤال يقول أبي سفيان: بل
يزيدون؟ قلت: لا ملازمة بين الارتداد والنقص. فقد يرتد بعضهم ولا يظهر فيهم النقص
باعتبار كثرة من يدخل وقلة من يرتد، مثلاً. قوله: ((سخطة له))، يريد أن من دخل في الشيء
على بصيرة يبعد رجوعه عنه بخلاف من لم يكن ذلك من صميم قلبه فإنه يتزلزل بسرعة،
وعلى هذا يحمل حال من ارتد من قريش، ولهذا لم يعرج أبو سفيان على ذكرهم وفيهم
صهره زوج ابنته أم حبيبة وهو عبد الله بن جحش فإنه كان أسلم وهاجر إلى الحبشة ومات
على نصرانيته وتزوج النبي عَّمِ أم حبيبة بعده، وكأنه لم يكن دخل في الإسلام على
بصيرة. وكان أبو سفيان وغيره من قريش يعرفون ذلك منه فلذلك لم يعرج عليه خشية أن
يكذبوه قوله: ((قال: فهل قاتلتموه))؟ إنما نسب ابتداء القتال إليهم ولم يقل هل قاتلكم؟
لاطلاعه على أن النبي لا يبدأ قومه حتى يبدؤوا. قوله: ((يصيب منا ونصيب منه))، الأول بالياء
بالإفراد والثاني بالنون علامة الجمع. قوله: ((إني سألتك عن حسبه فيكم)) ذكر الأسئلة
والأجوبة المذكورتين على ترتيب ما وقعت وحاصل الجميع ثبوت علامات النبوة في الكل
فالبعض ما تلقفه من الكتب والبعض مما استقرأه بالعادة ولم تقع في كتاب بدء الوحي
الأجوبة بترتيب. والظاهر أنه من الراوي بدليل أنه حذف منها واحدة. وهي قوله: ((هل
قاتلتموه)؟ ووقع في رواية الجهاد مخالفة في الموضعين فإنه أضاف قوله: بم يأمركم؟ إلى بقية
الأسئلة، فكملت بها عشرة. وأما هنا فإنه أخر قوله: بم يأمركم؟ إلى ما بعد إعادة الأسئلة
والأجوبة وما رتب عليها. قوله: ((وقال لترجمانه: قل له))، أي: قال هرقل لترجمانه: قل لأبي
سفيان. قوله: ((فإنه نبي))، ووقع في رواية الجهاد ((وهذه صفة نبي)) وفي مرسل سعيد بن
المسيب عند ابن أبي شيبة فقال: ((هو نبي)). قوله: ((لأحببت لقاءه))، وفي كتاب الوحي:
(لتشجعت)). أي: لتكلفت، ورجح عياض هذه لكن نسبها إلى مسلم خاصة وهي عند
البخاري أيضاً.
قوله: ((ثم دعا بكتاب رسول الله عٍَّ، فقرأه))، قيل: ظاهره أن هرقل هو الذي قرأ
الكتاب، ويحتمل أن يكون الترجمان قرأه فنسبت إلى هرقل مجازاً لكونه آمراً بها. قلت: ظاهر

١٩٣
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
العبارة يقتضي أن يكون فاعل: دعا، هو هرقل، ويحتمل أن يكون الفاعل الترجمان لكون
هرقل آمراً بطلبه وقراءته فلا يرتكب فيه المجاز. وعند ابن أبي شيبة في مرسل سعيد بن
المسيب: أن هرقل لما قرأ الكتاب قال: هذا لم أسمعه بعد سليمان. عليه السلام، فكأنه يريد
الابتداء: ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يدل على أن هرقل كان عالماً بأخبار أهل الكتاب.
قوله: ((من محمد رسول الله عَّةٍ)) ذكر المدايني أن القارىء لما قرأ بسم الله الرحمن
الرحيم. من محمد رسول الله، غضب أخو هرقل واجتذب الكتاب. فقال هرقل: ما لك؟
فقال: بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم. وقال: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل
أن أعلم ما فيه؟ لئن كان رسول الله فهو حق أن يبدأ بنفسه. ولقد صدق أنا صاحب الروح،
والله مالكي ومالكهم. قوله: ((عظيم الروم)) بالجر على أنه بدل من هرقل، ويجوز بالرفع على
أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز بالنصب أيضاً على الاختصاص ومعناه: من تعظمه الروم،
وتقدمه للرياسة. قوله: ((ثم الأريسيين))، قد مضى ضبطه مشروحاً وجزم ابن التين أن المراد هنا
بالأريسيين أتباع عبد الله بن أريس كان في الزمن الأول بعث إليهم نبي فاتفقوا كلهم على
مخالفة نبيهم. فكأنه قال: عليك إن خالفت إثم الذين خالفوا نبيهم، وقيل: الأريسيون الملوك
وقيل: العلماء، وقال ابن فارس: الزراعون، وهي شامية الواحد أويس وقد مر الكلام فيه
مستقصىّ في أول الكتاب. قوله: ((فلما فرغ)) أي: قارىء الكتاب. وقال بعضهم: يحتمل أن
يكون هرقل ونسب إليه ذلك مجازاً لكونه الآمر به. قلت: الذي يظهر أن الضمير في: فرغ،
يرجع إلى هرقل ويؤيد. قوله: عنده بعد قوله: فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات
عنده. أي: عند هرقل، فحينئذ يكون حقيقة لا مجازاً. قوله: ((لقد أُمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة))
بفتح الهمزة وكسر الميم وفتح الراء على وزن علم ومعناه، عظم وقوي أمر ابن أبي كبشة،
وهذا بسكون الميم وضم الراء لأنه فاعل أمر الأول. وقال الكرماني: ابن أبي كبشة كناية عن
رسول الله عٍَّ، شبهوه به في مخالفته دين آبائه. قلت: هذا توجيه بعيد. وقد مر في بدء
الوحي بيان ذلك مبسوطاً. قوله: ((قال الزهري)) أي: أحد الرواة المذكورين في الحديث:
هذه قطعة من الرواية التي وقعت في بدء الوحي عقيب القصة التي حكاها ابن الناطور، وقد
بين هناك أن هرقل دعاهم في دسكرة له بحمص وذلك بعد أن رجع من بيت المقدس، فعاد
جوابه يوافقه على خروج النبي عَّةٍ، وعلى هذا فالفاء في قوله: فدعا فاء فصيحة، والتقدير:
قال الزهري: فسار هرقل إلى حمص فكتب إلى صاحبه ضغاط الأسقف برومية فجاءه جوابه،
فدعا الروم. قوله: ((آخر الأبد)) أي: إلى آخر الزمان. قوله: ((فحاصوا)) بالمهملتين أي: نفروا.
قوله: ((فقال: عليّ بهم) أي: هاتوهم لي، يقال: علي يزيد. أي: أحضروه لي. قوله:
((اختبرت)) أي: جربت. قوله: ((الذي أحببت)) أي: الشيء الذي أحببته.
٥ - بابٌّ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ إِلَى ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾[آل
عمران: ٩٢]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر﴾ إلى آخر الآية قوله: إلى ((به عليم))
عمدة القاري/ ج١٨ م١٣

١٩٤
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل ◌ِمْرَانَ
هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. الآية قوله:
((لن تنالوا البر)) أي: لن تبلغوا حقيقة البر ولن تكونوا أبراراً ((حتى تنفقوا)) أي: حتى تكون
نفقتكم من أموالكم التي تحبونها. فإن الله عليم بكل شيء تنفقونه فيجازيكم بحسبه.
٧٥/ ٤٥٥٤ - حدَثْنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حدَثني مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ الله بنِ أبِي
طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أنَسَ بنِ مَالِكِ رَضِيَ الله عنه يَقُولُ كانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيِّ بِالمَدِينَةِ
نَخْلاً وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرَحاءٍ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَ لِّ يَدْخُلُها
وَيَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فِيها طَيْبٍ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل
عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا
تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِليَّ بَيْرَحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةُ الله أَرْجُو برَّها وَذُخْرَها عِنْدَ اللهِ فَضَعْها يَا
رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهَ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَلِ بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِعٌ وَقَدْ
سَمِعْت ما قُلْت وَإِنّي أَرَى أنْ تَجْعَلَها فِي الأَقْرَبِينَ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله
فَقَسَمَها أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. قَالَ عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ وَرَوْحُ بنُ عُبَادَةَ ذَلِكَ مَالٌ
رابخٌ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسماعيل هو ابن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس
والحديث قد مضى في كتاب الزكاة: باب الزكاة على الأقارب، فإنه أخرجه هناك عن عبد
الله بن يوسف عن مالك إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((أبو طلحة)) اسمه زيد بن سهل زوج أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((بيرحاء)) أشهر الوجوه فيه فتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء
وبالحاء المهملة مقصوراً وهو بستان بالمدينة فيه ماء. قوله: ((طيب)) بالجر لأنه صفة من ماء
قوله: ((بخ)) بفتح الباء الموحدة وتشديد الخاء المعجمة وهي كلمة تقال عند المدح والرضا
بالشيء، والتكرار للمبالغة. قوله: ((رابح)) بالباء الموحدة. أي: يربح صاحبه فيه في الآخرة.
قوله: ((قال عبد الله بن يوسف)) هو أحد رواة الحديث عن مالك، وروح، بفتح الراء ابن
عبادة: بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة أراد أن المذكورين رويا الحديث المذكور
عن مالك بإسناديهما فوافقا فيه إلاَّ في هذه اللفظة يعني: ((رايح)) أنها بالياء آخر الحروف من
الرواح، أي: من شأنه الذهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير فهو أولى.
حدَثني يَخْتِى بِنُ يَخْتِى قال قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ مالٌ رَابِعٌ
ذكره هنا مختصراً، وساقه بتمامه من هذا الوجه في كتاب الوكالة في: باب إذا قال
الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله.
٧٦ / ٤٥٥٥ - حدَثْنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ حدَثني أبِي عَنْ ثُمامَةً عنْ
أَنَسٍ رَضِيَ الله عنه قال فَجَعَلَها لِحَشَّانَ وَأَبِيّ وَأَنا أَقْرَبُ إِلَّيْهِ وَلَمْ يَجْعَلَ لِي مِنْها شَيئاً.

١٩٥
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
هذا لم يقع لأبي ذر، وهذا قطعة من حديث أخرجه بتمامه في كتاب الوقف في:
باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه، فإنه أخرجه هناك حيث قال: وقال الأنصاري، وهو محمد بن
عبد الله الأنصاري: حدثني أبي وهو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك عن
ثمامة، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم: ابن عبد الله بن أنس قاضي البصرة، وهو يروي عن
جده أنس بن مالك.
قوله: ((فجعلها)) أي: فجعل أبو طلحة بيرحاء المذكورة في الحديث السابق لحسان
ابن ثابت وأبي بن كعب، رضي الله تعالى عنهما. قوله: ((وأنا أقرب إليه، منهما)) ((ولم
يجعل لي منها شيئاً).
٦ - باب: ﴿قُلْ فَتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿قل فأتوا﴾ الآية. وقبلها﴿كل الطعام كان حلاً لبني
إسرائيل إلاَّ ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم
صادقين﴾ [آل عمران: ٩٣] قوله: ((كل الطعام)) أي: كل المطعومات ((كان حلاً لبني
إسرائيل)) وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام ((إلا ما حرم إسرائيل
على نفسه)) وهو لحوم الإبل وألبانها. وقيل: العروق، وكان به عرق النساء فنذر إن شفي أن
يحرم على نفسه أحب الطعام إليه وكان ذلك أحب إليه فحرمه، وأنكر اليهود ذلك فأنزل الله
((قل فأتوا)) أي: قل يا محمد لليهود: ((فاتلوها إن كنتم صادقين)) فيما تنكرون من ذلك.
٧٧ /٤٥٥٦ - حدَثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَثنا أَبُو ضَمَرَةَ حدَّثنَا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ
نافعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله عنهما أنَّ الْيَهُودَ جاؤُوا إِلَى النّبِيِّ عَ لَّهِ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ
وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَا مِنْكُمْ قَالُوا نُحَمِّمُهُما وَنَضْرِبُهُما فقال لا
تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ فقالُوا لا نَجِدُ فِيهَا شَيْئاً فَقَال لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بنُ سَلامٍ كَذَبْتُمْ فَأَتُّوا
بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَوَضَعَ مِدْرَاسُها الَّذِي يُدَرِّسُها مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَّى آيَةِ الرَّجْمِ
فَقَال مَا لهذِهِ فَلَمَا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ فَأُمَرَ بِهِما فَرُجِمَا قَرِيباً مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ
الجَنِائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ فَرَأيِتُ صَاحِبها يَجْنَأُ عَلَيْهَا يَقِيها الحِجَارَةَ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)) وإبراهيم
بن المنذر أبو إسحاق الحزامي المديني، وأبو ضمرة، بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم
واسمه أنس بن عياش الليثي والحديث قد مضى مختصراً في الجنائز في: باب الصلاة على
الجنازة في المصلى والمسجد.
قوله: ((إن اليهود جاؤوا إلى النبي عَّهِ برجل وامرأة زنيا)) قال ابن بطال: قيل:
إنهما لم يكونا أهل ذمة وإنما كانا أهل حرب، ذكره الطبري، وفي رواية عيسى عن ابن
القاسم: كانا من أهل فدك وخيبر حرباً لرسول الله عَ لَّه يوم ذاك، وعن أبي هريرة: كان هذا
حين قدم سيدنا رسول الله عَ لِ المدينة. وقال مالك إنما كانا أهل حرب ولو كانا أهل ذمة لم

١٩٦
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
يسألهم كيف الحكم فيهم؟ وقال النووي: وعند مالك لا يصح إحصان الكافر وإنما رجمهما
لأنهما لم يكونا أهل ذمة. قيل: هذا غير جيد لأنهما كانا من أهل العهد، ولأنه رجم المرأة
والنساء الحربيات لا يجوز قتلهن مطلقاً. وقال السهيلي: اسم المرأة المرجومة: بسرة. قوله:
((كيف تفعلون))؟ لم يرد به عَّلم تقليدهم ولا معرفة الحكم به منهم، وإنما أراد إلزامهم بما
يعتقدونه في كتابهم، ولعله عَّهِ قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم
يغيروه كما غيروا غيره، أو أنه أخبره من أسلم منهم. قوله: ((نحممهما)) من التحميم يعني:
نسود وجوههما بالحمم، بضم الحاء المهملة وفتح الميم، وهو الفحم، وفي رواية تحملهما:
بالحاء المهملة واللام يعني: تحملهما على شيء ليظهرا. وفي رواية: نحملهما: بالجيم
واللام أي: نجعلهما جميعاً على شيء ليظهرا قوله: ((فوضع مدراسها))، بكسر الميم يريد به
صاحب دراسة كتبهم، والمفعال من أبنية المبالغة، وهو عبد الله بن صوريا، بضم الصاد
المهملة وسكون الواو وكسر الراء وفتحها. وفي رواية أبي داود: ائتوني بأعلم رجلين منكم،
فأتوه بابني صوريا، قال المنذري: لعله عبد الله بن صوريا وكنانة بن صوريا، وكان عبد الله
أعلم من بقي من الأحبار بالتوراة ثم كفر بعد ذلك، وزعم السهيلي أنه أسلم. قوله: ((فطفق))
أي: فجعل ((يقرأ ما دون يده)) أي: ما قبلها. قوله: ((فنزع يده)) أي: نزع عبد الله بن سلام يد
المدراس عن آية الرجم. قوله: ((فرجما)) على صيغة المجهول، وفي (سنن أبي داود) أنه عَّ.
رجمهما بالبينة وقال الخطابي: إنما رجمهما رسول الله عَّمه بما أوحي إليه من أمره، وإنما
احتج عليهم بالتوراة استظهاراً للحجة وإحياءً لحكم الله تعالى الذي كانوا يكتمونه. قوله:
((من حيث موضع الجنائز عند المسجد))، وفي رواية: عند البلاط، وهما متقاربان. قوله:
((يجنا)) بالجيم. قال ابن الأثير: يعني أكب عليها. وقيل: هو مهموز. وقيل: الأصل فيه الهمز
من جناً يجنأ إذا مال عليه وعطف ثم خفف وهو لغة، وقال المنذري: ياؤه مفتوحة وجيمه
ساكنة، يقال: جنى الرجل على الشيء إذا أكب عليه. ورواه بعضهم بضم الياء، وروي:
يجاني من جانى يجاني. وقيل: روي بجيم ثم باء موحدة ثم همزة، أي: يركع. وقال
الخطابي: المحفوظ بالحاء والنون، يقال: حنا يحنو وحنوا وروي بالحاء وتشديد النون، وقال
يحيى بن يحيى: بحاء ونون مكسورة بغير همزة وقال البيهقي: عند أهل الحديث يحني
بالحاء، وعند أهل اللغة بالجيم. قوله: ((يقيها)) أي: يحفظها من وقى يقي وقاية، وفي
الحديث الحكم بين أهل الذمة، وفي (التوضيح) الأصح عندنا وجوبه وفاقاً لأبي حنيفة. وهو
قول الزهري وعمر بن عبد العزيز والثوري والحكم. وروي عن ابن عباس: وقال القرطبي: إن
كان ما رفعوه إلى الإمام ظلماً كالقتل والغصب بينهم فلا خلاف في منعهم منه، ونقل عن
مالك والشافعي أنه بالخيار بين الحكم بينهم وتركه غير أن مالكاً يرى الإعراض أولى، ونقل
عن الشافعي أنه لا يحكم بينهم في الحدود، وفيه أن أنكحة الكفار صحيحة ولذلك رجمهما
وهو الأصح عند الشافعية وفيه دليل على أنه لا يحفر لمن رجم إذ لو حفر له لما استطاع أن
يجنا عليها، لكن في (صحيح مسلم) من حديث بريدة أنه حفر لما عز والغامدية إلى

١٩٧
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
صدرها. وقيل: يحفر لمن قامت عليه البينة دون المقر.
٧ - بابٌّ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
أي: هذا باب في قوله تعالى: (كنتم خير أمة) أي: وجدتم خير أمة وقيل: كنتم في
علم الله خير أمة. وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به وروى
عبد بن حميد عن ابن عباس: هم الذين هاجروا مع النبي عَّهِ. وروى الطبري عن السدي،
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو شاء الله عز وجل لقال: أنتم خير أمة، ولو قال لكنا
كلنا ولكن هذا خاص بالصحابة ومن صنع مثل ما صنعوا كانوا خير أمة وقال الواحدي: إن
رؤوس اليهود، وعدَّد منهم جماعة منهم ابن صوريا، عمدوا إلى مؤمنيهم، عبد الله بن سلام
وأصحابه، فآذوهم لإسلامهم، فنزلت. وقال مقاتل: نزلت في أبي ومعاذ وابن مسعود وسالم
مولى أبي حذيفة وذلك أن مالك بن الضيف ووهب بن يهودا قالا للمسلمين ديننا خير مما
تدعوننا إليه ونحن خير، وأوصل منكم فنزلت. ويقال: هذا الخطاب للصحابة وهو يعم سائر
الأمة قوله: ((أخرجت)) قال الزمخشري أي: أظهرت. قوله: (للناس)) يعني: خير الناس للناس،
والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن
المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠] وهذا هو الشرط في هذه الخيرية وقال الزمخشري: تأمرون،
كلام مستأنف بيَّن به كونهم خير أمة.
٧٨/ ٤٥٥٧ - حدَثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عِنْ سُفْيَانَ عنْ مَيْسَرَةَ عنْ أَبِي حَازِمٍ عنْ
أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال خَيْرَ
النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإسْلامِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي، وسفيان هو
الثوري، وميسرة ضد الميمنة ابن عمار الأشجعي الكوفي، وما له في البخاري سوى هذا
الحديث وآخر تقدم في بدء الخلق، وأبو حازم بالحاء المهملة والزاي هو سلمان الأشجعي.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في التفسير عن محمد بن عبد الله المخزومي.
قوله: ((خير الناس))، أي: خير بعض الناس لبعضهم وأنفعهم لهم من يأتي بأسير مقيد
في السلسلة إلى دار الإسلام فيسلم، وإنما كان خيراً لأنه بسببه صار مسلماً، وحصل أصل
جميع السعادات الدنياوية والأخراوية.
٨ - بابٌ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران: ١٢٢]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿إِذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ قوله: ((إذ همت))
بدل من قوله: إذ غدوت. والعامل فيه. قوله: ((والله سميع عليم)) والطائفتان حيان من الأنصار
بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وهما الجناحان، خرج رسول الله عَ ليه في غزوة
أحد في ألف، وقيل: في تسعمائة وخمسين، والمشركون في ثلاثة آلاف ووعدهم الفتح إن

١٩٨
٦٥ - كِتَابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
صبروا فانخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم
عمرو بن حزم الأنصاري. فقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم. فقال عبد الله: لو نعلم
قتالاً لاتبعناكم، فهمَّ الحيان باتباع عبد الله فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله عَلَّهِ. قوله:
((أن تفشلا))، كلمة أن مصدرية، والفشل الجبن والخور.
٧٩/ ٤٥٥٨ - حدَثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عَمْرُو سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ
عَبْدِ الله رَضِي الله عنهما يَقُولُ فِينَا نَزَلتْ ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانٍ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَالله وَلِيُّهُمَا﴾:
قَالَ نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَة وَمَا نُحبٍ: وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّها لَمْ
تُنْزَلْ لِقَوْلِ الله ﴿وَالله وَلِئَّهُمَا﴾.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعلي بن عبد الله هو المعروف بابن المديني، وسفيان هو
ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار. والحديث مضى بعينه متناً وإسناداً في المغازي في: باب:
﴿إِذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ مضى الكلام فيه هناك. قوله: ((والله وليهما))، قرأ ابن
مسعود رضي الله تعالى عنه. والله وليهم.
٩ - باب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ولم يذكر لفظ: باب هنا
إلّ في رواية أبي ذر. وقال ابن إسحاق. أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلاَّ ما
أمرتك به فيهم، ويقال: ليس لك من الأمر شيء بل الأمر كله إليّ كما قال: فإنما عليك
البلاغ وعلينا الحساب.
٤٥٥٩/٨٠ - حدَثنا حِبَّنُ بنُ مُوسَى أَخْبَرَنا عَبْدُ الله أخبرَنا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ قال
حدَّثَنَي سَالِمٌ عِنْ أَبِيهِ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله عَلَّهِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الوُكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ
مِنَ الفَجْرِ يَقُولُ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاناً وَفُلاناً بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمْدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ
فَأَنْزَلَ الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة وحبان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء: ابن موسى أبو
محمد السلمي المروزي، روى عنه مسلم أيضاً وعبد الله هو ابن المبارك المروزي:
والحديث قد مر بترجمته في غزوة أحد في: باب ((ليس لك من الأمر شيء أو يتوب
عليهم)) فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن عبد الله السلمي عن عبد الله عن معمر عن الزهري
إلى آخره ومضى الكلام فيه هناك.
رَوَاهُ إِسْحَاقُ بنُ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
٠٠
أي: روى الحديث المذكور إسحاق بن راشد الحراني عن محمد بن مسلم الزهري
بالإسناد المذكور، ووصله الطبراني في (المعجم الكبير) من طريق إسحاق.

١٩٩
٦٥ - كِتابُ تَفْسيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
٤٥٦٠/٨١ - حدَثنا مُوسَى بنُ إِسْماعِيلَ حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ
عنْ سعيد بنِ الْمَسَّيبِ وأبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّخطنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ
الله عَّهِ إِذَ أَرَادَ أَنْ يَدْعُو عَلَى أَحَدٍ أوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرََّا قَالَ إِذَا قَالَ سَمِعَ
الله لِمَنْ حَمْدِهِ اللَّهُمَّ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بِنَ الوَّلِيدِ وَسَلَمَةَ بنِ هِشامٍ
وَعِيَّاشَ بنِ أبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ اشْدُذْ وَطْأَتَكَ عَلَى مَضَّرَ وَاجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ يَجْهَرُ
بِذَلِكَ وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلاتِهِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاناً وَفُلاناً لأحياءٍ مِنَ العَرَبِ
حَتَّى أَنْزَلَ الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة وموسى بن إسماعيل المنقري البصري المعروف بالتبوذكي،
وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف، وابن شهاب هو محمد بن
مسلم الزهري.
والحديث من أفراده، وزاد ابن حبان: ((وأصبح ذات يوم فلم يدع لهم))، وروى النسائي
من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق بإسنادهما عن معمر مثل الحديث السابق.
قوله: ((وكان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد))، أي: في الصلاة. قوله:
((الوليد بن الوليد))، أي: ابن المغيرة، وهو أخو خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، وكان
ممن شهد بدراً مع المشركين وأسر وأفدى نفسه ثم أسلم فحبس بمكة، ثم تواعد هو وسلمة
وعياش المذكورون وهربوا من المشركين، فعلم النبي عَّةِ، بمخرجهم فدعا لهم، أخرجه عبد
الرزاق بسند مرسل، ومات الوليد في حياة النبي عَّهِ. قوله: ((وسلمة بن هشام)) أي: ابن
المغيرة، وهو ابن عم الذي قبله، وكان من السابقين إلى الإسلام أيضاً خدعه أبو جهل فرجع
إلى مكة فحبس بها ثم فر مع رفيقيه المذكورين وعاش إلى خلافة عمر، رضي الله تعالى
عنه، فمات سنة خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك. قوله: ((وطأتك)) الوطأة كالضغطة لفظاً
ومعنى، وقيل: هي الأخذة واليأس، وقيل: معناه خذهم أخذاً شديداً. قوله: ((كسني يوسف»
بنون واحدة وهو الأصح، وروي: ((كسنين))، بنونين وهي لغة قليلة أراد سبعاً شداداً ذات قحط
وغلاه. قوله: ((الآية)) النصب أي: اقرأ الآية، ويجوز الرفع على تقدير: الآية بتمامها، ويجوز
النصب أي: خذ الآية أو كملها.
١٠ - بابٌ: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أَخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]
أي: هذا باب في قوله تعالى: ﴿والرسول يدعوكم﴾ وفي بعض النسخ باب قوله:
﴿والرسول يدعوكم﴾ وأول الآية. ﴿إِذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم
في أخراكم فأثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما
تعملون﴾ [آل عمران: ١٥٣] قوله: ((إذ تصعدون)) يعني: أذكر يا محمد حين تصعدون من
الإصعاد، وهو الذهاب في الأرض، وقرأ الحسن: تصعدون بفتح التاء يعني في الجبل. قوله:
((لا تلوون على أحد)). أي: والحال أنكم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب،

٢٠٠
٦٥ - كِتابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / سُورَةُ آل عِمْرَانَ
وقرأ الحسن: ولا تلؤون أي: لا تعطفون ولما نبذ المشركون على المسلمين يوم أحد
فهزموهم دخل بعضهم المدينة وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل
رسول الله عٍَّ يدعو الناس ((إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله))، وهو معنى قوله: (الرسول
يدعوكم في أخراكم) يعني: في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة. قوله:
((فأثابكم)) أي: فجازاكم ((غماً بغم) أي: بسبب غم أذقتموه رسول الله عَّه ويقال غماً على
غم، قال ابن عباس: الغم (الأول): بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد عَّهِ. (والثاني):
حين علاهم المشركون فوق الجبل، وعن عبد الرحمن بن عوف الغم (الأول): بسبب
الهزيمة. (والثاني): حين قيل: قتل محمد، عليه السلام، وكان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة.
رواهما ابن مردويه، وروى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه نحو ذلك، وروى ابن أبي
حاتم عن قتادة ذلك أيضاً. وقال السدي: الغم (الأول): بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح.
(والثاني): إشراف العدو عليهم، وقال مجاهد وقتادة: الغم. (الأول): سماعهم قتل محمد
عَّهِ. (والثاني): ما أصابهم من القتل والجرح. قوله: ((لكيلا تحزنوا على ما فاتكم)) أي:
من الغنيمة والظفر بعدوكم. قوله: ((ولا ما أصابكم)) من القتل والجرح. قاله ابن عباس وعبد
الرحمن بن عوف والحسن وقتادة والسدي.
وَهُوَ تأنيثُ آخرِكُمْ
أي: (أُخْراكم)) الذي في الآية، وهو: ﴿والرسول يدعوكم﴾ [آل عمران: ١٥٣] تأنيث
آخركم بكسر الراء وليس كذلك، وإنما آخركم بالكسر ضد الأول، وأما الأخرى فهو تأنيث
الآخر، بفتح الخاء لا بكسرها، والبخاري تبع في هذا أبا عبيدة فإنه قال أخراكم آخركم،
وذهل فيه، وقد حكى الفراء أن من العرب من يقول: في أخراتكم، بزيادة التاء المثناة من
فوق.
وَقَالَ ابْنُ عَّاسٍ: إحْدَى الحُسْنَيَيْنِ فَتْحاً أَوْ شَهَادَةً
ليس لذكر هذا هنا وجه، ومحله في سورة براءة، وقال بعضهم، ولعله أورد هنا للإشارة
إلى أن إحدى الحسنيين وقعت في أحد. قلت: هذا اعتذار فيه بعد لا يخفى، وأما هذا
التعليق فقد وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
٤٥٦١/٨٢ - حدَثنا عَمْرُ بنُ خَالِدٍ حدَثنا زُهَيْرٌ حَدَّثنا أبُو إِسْحَاقَ قَال سَمِعْتُ البَرَاءَ
بن عَازِبٍ رضي الله عنهما قَال ◌َجَعَلَ النبيُّ ◌َّلِ عَلَى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أَحَدٍ عَبْدَ الله بنَ جُبَيْرٍ
وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوكُمْ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاكُمْ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ عَلّهِ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ
رَجُلاً.
مطابقته للترجمة ظاهرة. وعمرو، بفتح العين ابن خالد بن فروخ الحراني الجزري
سكن مصر، وزهير بن معاوية وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. والحديث قد مضى