Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٣٨)
الحديث ١٣١٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي عَّه، صلى على النجاشي بعد إخباره بموته،
وسعيد هو ابن أبي عروبة. والحديث مضى في كتاب الجنائز في: باب من صف صفين أو
ثلاثة على الجنازة. قوله: ((فصفنا)) بفتح الصاد وتشديد الفاء المفتوحة، والضمير المرفوع فيه
يرجع إلى رسول الله، ◌َّێ.
٣٦٢/ ٣٨٧٩ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ أبِي شيبَةَ حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عنْ سَلِيمٍ بِنِ
حَيَّانَ حدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ مِنَاءَ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما أَنَّ النَّبِيَّ عَّه صَلَّى
على أصْحَمَةِ النَّجَاشي فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أرْبَعاً. [انظر الحديث ١٣١٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة مثل مطابقة ما قبله. ويزيد هو ابن هارون، وسليم، بفتح السين
المهملة وكسر اللام: ابن حيان - من الحياة ضد الموت - وسعيد بن ميناء، بكسر الميم
وسكون الياء آخر الحروف وبالنون مدوداً ومقصوراً. والحديث مضى في الجنائز في: باب
التكبير على الجنازة أربعاً فإنه أخرجه هناك: عن محمد بن سنان عن سليم بن حيان ... الخ.
تابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ
أي: تابع يزيد بن هارون عبد الصمد بن عبد الوارث في روايته إياه عن سليم بن
حيان، وقد مضى في الجنائز بيان من وصله.
٣٨٨٠/٣٦٣ _ حدَّثنا زهَيْرُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ حدَّثنا أبي عنْ
صالِحٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قال حدَّثني أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وابنُ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
رضي الله تعالى عنهُ أَخْبَرَهُمَا أنَّ رسولَ الله عَّ ◌ُلَّهِ نعَى لَهُمْ النَّجَاشِيَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ في
اليَوْمِ الَّذِي ماتَ فيهِ وقال اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ. [انظر الحديث ١٢٤٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ويعقوب بن إبراهيم يروي عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف، أصله مدني كان بالعراق، وصالح هو ابن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز،
رضي الله تعالى عنه، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وابن المسيب هو سعيد بن
المسيب، والحديث مضى في الجنائز في: باب الصلاة على الجنازة بالمصلى، فإنه أخرجه
هناك: عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب ... إلخ. قوله: ((نعى))، من نعى
الميت ينعاه نعياً، إذا أذاع موته وأخبر به وإذا ندبه.
٣٨٨١ _ وعَنْ صالِحِ عنِ ابنِ شِهابٍ قال حدَّثني سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
رضي الله تعالى عنهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ الله عَّهِ صَفَّ بِهِمْ في المُصَلَّى فَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ
أَرْبَعَاً. [انظر الحديث ١٢٤٥ وأطرافه].
أي: عن صالح بن كيسان المذكور، وهو معطوف على الإسناد الأول الموصوف.
قوله: ((حدثني أبو سلمة وسعيد بن المسيب))، هكذا هو في رواية الكشميهني وحده، وفي

٢٢
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٣٩ و٤٠)
رواية غيره: حدثني سعيد، هو ابن المسيب وذكر أبي سلمة زائداً لم يتابع عليه.
٣٩ - بابُ تَقَاسُمِ المُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ عَله
أي: هذا باب في بيان تقاسم المشركين، أي: تحالفهم على أن يجتمعوا ويقتلوا النبي
عَّ ◌ُلِّ، على ما ذكره أصحاب السير، فحماه الله تعالى ونصره عليهم.
٣٦٤/ ٣٨٨٢ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدِ عنِ ابنٍ
شِهابٍ عنْ أَبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمِنِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسُولُ
اللهِ عَ لَِّ حِينَ أرَادَ حُنَيْناً مَنزِلنا غداً إنْ شاءَ الله بِخَيْفِ بَنِي كِنانَةَ حِيْثُ تَقاسَمُوا عَلَى
الكُفْرِ. [انظر الحديث ١٥٨٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((حيث تقاسموا على الكفر)) وتقاسمهم على الكفر هو
تقاسمهم على قتل النبي عَّهِ، وهو من أعظم الكفر وأشده. والحديث مضى في: باب نزول
النبي عَّلِ بمكة، فإنه أخرجه هناك: عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري ... إلخ. فإن قلت:
لفظه هناك: حين أراد قدوم مكة، وهنا: حين أراد حنيناً، أي: حين قصد غزوة حنين، والحيف
ما انحدر من غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء، وفيه مسجد الخيف. قلت: لا معارضة
بينهما لأنه يحمل على أنه قال: حين أراد دخول مكة في غزوة الفتح، وفي ذلك القدوم غزا
حنيناً. فإن قلت: قد تقدم أيضاً من طريق الأوزاعي عن الزهري بلفظ: قال رسول الله، عَ ◌ّه
من الغد يوم النحر وهو بمنى: نحن نازلون غداً ... الحديث، وهذا يدل على أنه قاله في حجة
الوداع. قلت: يحمل على التعدد، والله أعلم.
٤٠ - بابُ قِصةٍ أبي طالِبٍ
أي: هذا باب في بيان قصة أبي طالب واسمه عبد مناف واشتهر بكنيته، وهو شقيق
والد النبي عَّ ◌ُّه، ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته إليه فكفله إلى أن كبر واستمر على
نصره بعد أن بعث إلى أن مات قبل الهجرة، وله عَّهِ، خمسون سنة إلاَّ ثلاثة أشهر وأياماً،
ويقال: مات بعد خروجهم من الشعب وذلك في آخر السنة العاشرة.
٣٨٨٣/٣٦٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَخْتِى عنْ سُفْيانَ حدَّثنا عَبْدُ المَلِكِ حدَّثنا عبْدُ
الله بنُ الحَارِثِ حدَّثنا العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله تعالى عنهُ قال لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ ما
أَغْنَيْتَ عنْ عَمِّكَ فإِنَّهُ كانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لكَ قال هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ ولَوْلاً أنَا
لكانَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ. [الحديث ٣٨٨٣ - طرفاه في: ٦٢٠٨، ٦٥٧٢].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه بعض قصة أبي طالب، ويحيى هو ابن سعيد
القطان، وسفيان هو الثوري، وعبد الملك هو ابن عمير، وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن
الحارث ابن عبد المطلب، وعباس عم جده.
والحديث أخرجه أيضاً في الأدب عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الإيمان

٢٣
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٠)
عن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عمر ومحمد بن عبد الملك وعن محمد بن حاتم وعن
أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن يحيى.
قوله: ((ما أغنيت عن عمك))، أي: أي شيء دفعته عنه وماذا نفعته؟ قوله: ((يحوطك))،
من حاطه إذا صانه وحفظه وذب عنه وتوفر على مصالحه. قوله: ((في ضحضاح))، بفتح
الضادين المعجمتين وسكون الحاء المهملة الأولى، وهو قريب القعر، وضحضح الشراب إذا
دق، ويقال: هو استعارة، فإن الضحضاح من الماء ما يبلغ الكعب، ويقال أيضاً لما قرب من
الماء، والمعنى أنه خفف عنه العذاب. وروى البزار من حديث جابر، قيل للنبي عَ له: هل
نفعت أبا طالب؟ قال: أخرجته من النار إلى ضحضاح منها. قوله: ((في الدرك))، بفتح الراء
وسكونها وفيه التصريح بتفاوت عذاب أهل النار، فإن قلت: أعمال الكفرة هباء منثوراً لا فائدة
فيها. قلت: هذا النفع من بركة رسول الله، عٍَّ وخصائصه. فإن قلت: روى ابن إسحاق من
حديث ابن عباس أن أبا طالب لما تقارب منه الموت بعد أن عرض عليه النبي عَ ◌ّهِ، أن
يقول: لا إله إلاّ الله، فأبى، فنظر العباس إليه وهو يحرك شفتيه فأصغى إليه، فقال: يا ابن
أخي! والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها. قلت: في سنده من لم يسم، ولو كان
صحيحاً لعارضه حديث الباب لأنه أصح منه، فضلاً عن أنه لم يصح.
٣٨٨٤/٣٦٦ - حدَّثنا مَحْمُودٌ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنا معمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ
المُسَيَّبِ عنْ أبِيهِ أنَّ أبا طالِبٍ لَّما حِضَرَتْهُ الوَّفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهُ النَّبِيُّ عَّه وعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ
فَقالَ أيْ عَمّ قُلْ لا إله إلاَّ الله كَلِمَةٌ أُحَاجُ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله فقال أَبُو جَهْلٍ وعَبْدُ الله بنُ أبِي
أُمَيَّةَ يا أبا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَلَمْ يَزِالا يُكَلِّمَانِهِ حتَّى قال آخِرَ شَيْءٍ كُلَّهُمْ
بِهِ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فقال النَّبِيُّ عَ لَّمِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أَنْهَ عنْهُ فَتَزَلَتْ ﴿ما كانَ
لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
أصْحَابُ الجَحِيم﴾ [التوبة: ١١٣]. ونَزَلَتْ ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
[انظر الحديث ١٣٦٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمود هو ابن غيلان أبو أحمد العدوي المروزي، وابن
المسيب هو سعيد يروي عن أبيه المسيب ابن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، وقيل:
قال الحفاظ: لم يرو عن المسيب إلاَّ سعيد، والمشهور من شرط البخاري أنه لا يروي عمن
له راوٍ واحد. وأجيب: بأنه لعله أراد من غير الصحابة، رضي الله تعالى عنهم.
قوله: ((لما حضرته الوفاة))، أي: قربت وفاته وظهرت علاماتها وذلك قبل النزع
والغرغرة. قوله: ((وعنده أبو جهل))، الواو فيه للحال، وأبو جهل هو عمرو بن هشام بن
المغيرة المخزومي، عدو الله فرعون هذه الأمة. قوله: ((أي عم))، أي: يا عمي. قوله:
((كلمة))، منصوب لأنه بدل من مقول القول الذي هو: لا إله إلاَّ الله. قوله: ((أحاتج))، بتشديد
الجيم، وأصله: أحاجج، وقد تقدم في آخر الجنائز بلفظ: أشهد لك بها عند الله. قوله: ((بها))

٢٤
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٠)
أي: بهذه الكلمة. قوله: ((وعبد الله بن أبي أمية))، هو ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن
مخزوم، وهو أخو أم سلمة التي تزوجها النبي عَّ له، بعد ذلك، وقد أسلم عبد الله هذا يوم
الفتح، وقيل: قبل الفتح، واستشهد في تلك السنة في غزوة حنين. قوله: ((أترغب؟)) الهمزة
فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((فلم يزالا)) أي: أبو جهل وعبد الله المذكور.
قوله: ((يكلمانه))، ويروى: يكلماه، بإسقاط النون على لغة قليلة قوله: ((على ملة)) خبر مبتدأ
محذوف أي: أنا على ملة عبد المطلب أي: على ما كان يعتقده من غير دين الإسلام. قوله:
((ما لم أُنْهَ)) بضم الهمزة وسكون النون على صيغة المجهول أي: ما لم ينهني الله عنه، أي:
عن الاستغفار المذكور الذي دل عليه. قوله: ((لأستغفرن لك)) قوله: ونزلت: ﴿إنك لا تهدي
من أحببت﴾ [القصص: ٥٦]. هذا ظاهر أنه نزل في قصة أبي طالب، وروى أحمد من طريق
أبي حازم عن أبي هريرة في قصة أبي طالب، قال: فأنزل الله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾
[القصص: ٥٦]. وهذا كله ظاهر على أنه مات على غير الإسلام. فإن قلت: ذكر السهيلي
أنه رأى في بعض كتب المسعودي أنه أسلم. قلت: مثل هذا لا يعارض ما في الصحيح،
والله أعلم.
٣٨٨٥/٣٦٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ حدَّثنا اللَّيْثُ حدَّثنا ابنُ الْهادِ عنْ عَبْدِ
اللهِ بنِ خَبَّابٍ عنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ عَ لَّهِ وَذُكِرَ عِنْدَهُ
عَنَّهُ فَقَال لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُجْعَلُ في ضَخْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلي
مِنْهُ دِماغُهُ. [الحديث ٣٨٨٥ - طرفه في: ٦٥٦٤].
مطابقته للترجمة من حيث إنه من جملة قصة ما أخبر النبي عٍَّ في هذا الحديث،
وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد الليثي، وعبد الله بن خباب، بفتح الخاء
المعجمة وتشديد الباء الموحدة الأولى: الأنصاري التابعي، وأبو سعيد الخدري سعد بن مالك
ابن سنان الخدري.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الأيمان عن قتيبة عن الليث به. قوله: ((وذكر عنده))
على صيغة المجهول، والواو فيه للحال، وقال بعضهم: يؤخذ من الحديث الأول أن الذاكر
هو العباس بن عبد المطلب، لأنه الذي سأل عن ذلك. قلت: لا يلزم من ذلك أن يكون
الذاكر هو العباس لاحتمال أن يكون الذاكر غيره. قوله: ((يبلغ كعبيه)) قال السهيلي: الحكمة
فيه أن أبا طالب كان تابعاً لرسول الله، عَ لَّه، بجملته إلاّ أنه استمر ثابت القدم على دين
قومه، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على دين قومه.
٣٦٨ _ حدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ حدَّثنا ابنُ حازِمٍ والدَّرَاوَزْدِيُّ عنْ يَزِيدَ بِهذَا
وقال تَغْلِي مِنْهُ أَمَّ دِماغِهِ
هذا طريق آخر عن إبراهيم بن حمزة أبي إسحاق الزبيري الأُسدي المديني، وهو من

٢٥
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤١)
أفراده، وابن أبي حازم هو عبد العزيز بن أبي حازم واسمه: سلمة بن دينار، والدراوردي هو
عبد العزيز بن محمد، روى له البخاري مقروناً بغيره هنا وفي مواضع، وروى له مسلم
وكلاهما يرويان عن يزيد بن الهاد المذكور في الحديث السابق.
قوله: ((بهذا)) أي: بالحديث المذكور ولفظه: ((تغلي منه أم دماغه)) أي: أصل دماغه،
وقال الدراوردي: المراد أم رأسه، وأطلق على الرأس الدماغ من تسمية الشيء بما يقاربه، وجاء
في (الرقاقَ) من حديث النعمان بن بشير نحوه، وفي آخره: ما يغلي المرجل بالقمقم،
والمرجل، بكسر الميم وفتح الجيم: الإناء الذي يغلي فيه الماء وغيره، و: القمقم، بضم
القافين وسكون الجيم الأولى معروف، وهو الذي يسخن فيه الماء، قال ابن الأثير: كذا وقع:
كما يغلي المرجل والقمقم، وهذا أوضح إن صحت الرواية، وقيل: يحتمل أن تكون: الباء،
بمعنى: مع، وقيل القمقم هو البسر، كانوا يغلونه على النار استعجالاً لنضجه فإن ثبت هذا فلا
يبقى إشكال. وفيه: دليل على أن العذاب متفاوت، وجاء في رواية إبن إسحاق: أهون أهل
النار عذاباً من ينتعل نعلين من نار يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه.
٤١ - بابُ حَدِيثِ الإِسْرَاءِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء في حديث الإسراء من القرآن والحديث.
وقَوْلِ الله تعالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى
المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
وقول الله، بالجر عطف على حديث الإسراء. قوله: سبحان، علم للتسبيح، كعثمان
علم للرجل، وأصله للتنزيه والمعنى: أسبح الله الذي أسرى بعبده، أي: أنزهه من جميع
النقائص والعيوب. قوله: بعبده، والمراد به النبي عَّه، وإنما لم يقل: برسوله أو نبيه، إشارة
إلى أنه مع هذا الإكرام الذي أكرمه الله تعالى وهذا التعظيم الذي عظمه الله به هو عبده
ومخلوقه، لئلا يتغالوا فيه كما تغالت النصارى في المسيح، حيث قالوا: إنه ابن الله، وكما
تغالى طائفة من اليهود في عزير، عليه الصلاة والسلام، حيث قالوا: إنه ابن الله، تعالى وتعظم
أن يكون له ابن، بل هو واحد أحد فرد صمد ليس بأب ولا بابن. قوله: أسرى، مأخوذ من
السرى، وهو سير الليل، يقال: أسرى وسرى إذا سار ليلاً وكلاهما بمعنى واحد عند الأكثرين،
وقال الحوفي: أسری سار ليلاً، وسرى سار نهاراً، وقيل: أسرى سار من أول الليل، وسرى
سار من آخره، ومعنى: أسرى به، أي: جعل البراق سارياً به من المسجد الحرام وهو مسجد
مكة إلى المسجد الأقصى وهو مسجد بيت المقدس. قوله: ((ليلاً) ظرف للإسراء وهو
للتأكيد، وفائدته دفع توهم المجاز، لأن الإسراء قد يطلق على سير النهار كما ذكرناه، ويقال:
هو إشارة إلى أن ذلك وقع في بعض الليل لا في جميعه والعرب تقول: أسرى فلان ليلاً إذا
سار بعضه، وسرى ليله إذا سار جميعه. فإن قلت: ما الحكمة في إسرائه إلى بيت المقدس

٢٦
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤١)
ثم إلى السموات؟ فهلا أسرى به من المسجد الحرام إلى السموات؟ قلت: ليجمع عَّه في
تلك الليلة بين رؤية القبلتين، أو لأن بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله، فرحل إليه
ليجمع بين أشتات الفضائل، أو لأنه محل المحشر، وغالب ما اتفق له في تلك الليلة يناسب
الأحوال الأخروية، وكان الإسراء إليه. فإن قلت: هل كانت ليلة الإسراء هي ليلة المعراج
أيضاً، أو هما متغايران؟ قلت: قال ابن دحية: مال البخاري إلى أنهما متغايرتان لأنه أفرد لكل
منهما ترجمة، ورد عليه بأنه: لا دلالة في ذلك على التغاير عنده، بل كلامه في أول الصلاة
ظاهر في اتحادهما، لأنه ترجم: باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء، والصلاة إنما فرضت
في المعراج، فدل على اتحادهما عنده. قلت: فيه تأمل، واختلف السلف في هذا، فمنهم من
ذهب إلى أنهما وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه عَّ ظلّه بعد المبعث، وهذا
مذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين. ومنهم: من ذهب إلى أن الإسراء
كان في ليلة والمعراج في ليلة. ومنهم: من ذهب إلى أن ذلك كله وقع مرتين، مرة في
المنام توطئة وتمهيداً. ومرة ثانية في اليقظة، فقالوا: الإسراء في اليقظة والمعراج في المنام،
والذين قالوا: الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة أخرى، وأنهما في اليقظة قالوا: في الأول
رجع من بيت المقدس وفي صبيحته أخبر قريشاً بما وقع، وفي الثاني أسري به إلى بيت
المقدس ثم عرج به من ليلته إلى السماء ... إلى آخر ما وقع. ومنهم: من قال بوقوع المعراج
مراراً منهم الإمام أبو شامة، واستندوا في ذلك إلى ما أخرجه البزار وسعيد بن المنصور من
طريق أبي عمران الجوني عن أنس رفعه، قال: بينا أنا جالس إذ جاء جبريل، عليه الصلاة
والسلام، فوكز بين كتفي، فقمنا إلى صخرة مثل وكري الطائر، فقعدت في أحدهما وقعد
جبريل في الآخر فارتفعت حتى سدت الخافقين .. الحديث، وفيه: فتح لي باب من السماء
ورأيت النور الأعظم، قيل: الظاهر أنها وقعت في المدينة.
٣٦٩ / ٣٨٨٦ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ
حدَّثني أَبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ سَمِعْتُ جَابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما أنَّهُ سَمِعَ
رسُولَ اللهِ عَ لَّهِ يَقُولُ لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشّ قُمْتُ في الحِجْرِ فجَلاَ الله لِي بَيْتَ المَقْدِسِ
فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عِنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ. [الحديث ٣٨٨٦ - طرفه في: ٤٧١٠].
مطابقته للترجمة من حيث إنه مشتمل على بعض ما وقع في الإسراء، ورجاله قد تكرر
ذكرهم. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن أحمد بن صالح، وأخرجه مسلم في
الإيمان عن قتيبة عن ليث به. وأخرجه الترمذي والنسائي جميعاً في التفسير عن قتيبة به.
قوله: ((أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله)) كذا هو في رواية الزهري عن أبي
سلمة، وخالفه عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة فقال: عن أبي هريرة، أخرجه مسلم وهو
محمول على أن لأبي سلمة فيه شيخين، لأن في رواية عبد الله بن الفضل زيادة ليست في
رواية الزهري. قوله: ((لما كذبني)) وفي رواية الكشميهني: كذبتني، بزيادة تاء التأنيث، أي:
كذبتني في الإسراء: ﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]. قوله:

٢٧
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
((قمت في الحجر))، بكسر الحاء وهو ما تحت ميزاب الرحمة وهو من جهة الشام. قوله:
((فجلا لي الله بيت المقدس)) أي: كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته، ووقع في رواية
عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عند مسلم، قال: فسألوني عن أشياء لم أثبتها، فكربت
كرباً لم أكرب مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلاّ أنبأتهم به، قال
بعضهم: يحتمل أنه حمل إلى موضع بحيث يراه ثم أعيد. قلت: لا طائل في ذكر الاحتمال،
بل قوله: فرفعه الله، يدل قطعاً على أن الله رفعه ووضعه بين يديه قطعاً، والدليل عليه ما روي
عن ابن عباس، فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعتُه وأنا أنظر إليه،
وهذا أبلغ في المعجزة ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين. وفي حديث
أم هانىء عند ابن سعد: أنهم قالوا له: كم للمسجد من باب؟ قال: ولم أكن عددتها،
فجعلت أنظر إليه وأعدها باباً باباً، وفيه عند أبي يعلى: أن الذي سأله عن صفة بيت المقدس
هو المطعم بن عدي والد جبير بن مطعم. قوله: ((فطفقت أخبرهم)) بكسر الفاء وسكون
القاف وهو من أفعال المقاربة ومعناه: الأخذ في الفعل. قوله: ((عن آياته)) أي: علاماته
وأوضاعه وأحواله. قوله: ((وأنا أنظر إليه)) أي: إلى بيت المقدس، والواو فيه للحال.
٤٢ - بابُ المِغْرَاجِ
أي: هذا باب في بيان المعراج، هكذا وقع في رواية الأكثرين، وفي رواية النسفي:
قصة المعراج، أي: هذه قصة المعراج، بكسر الميم. قال بعضهم: وحكي ضمها. قلت: هذا
غير صحيح، وهو من عرج يعرج عروجاً إذا صعد، قال ابن الأثير: المعراج، بالكسر شبه السلم
مفعال من العروج: كأنه آلة له، واختلف في وقت المعراج، فقيل: إنه كان قبل المبعث، وهو
شاذ إلاَّ إذا حمل على أنه وقع في المنام فله وجه، وقيل: كان قبل الهجرة بسنة، في ربيع
الأول، وهو قول الأكثرين، حتى بالغ ابن حزم فنقل الإجماع على ذلك، وقال السدي: قبل
الهجرة بسنة وخمسة أشهر، وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي فعلى هذا كان في شوال،
وحكى ابن عبد البر: أنه كان في رجب، وجزم به النووي، وقيل: بثمانية عشر شهراً، حكاه
عبد البر أيضاً، وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، فعلى هذا يكون في ذي الحجة،
وبه جزم ابن فارس، وقيل: كان قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير، وحكى عياض
عن الزهري: أنه كان بعد المبعث بخمس سنين، وروى ابن أبي شيبة من حديث جابر وابن
عباس، رضي الله تعالى عنهم، قالا: ولد رسول الله، عَ ليه يوم الإثنين، وفيه بعث، وفيه عرج
به إلى السماء، وفيه مات.
٣٧٠/ ٣٨٨٧ _ حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالِدٍ حدَّثنا هَمَّامُ بنُ يَحْيَى حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أَنَسٍ
ابنِ مالِكِ عنْ مالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ رضي الله تعالى عنهُما أخبرنَا أَنَّ النَّبِيَّ عَ ◌ِّ حدَّثَهُمْ عنْ
لَيْلَّةِ أَسْرِيَ بِهِ بَيْنَما أنَا في الحَطِيمِ ورُّمَا قال في الحِجْرِ مُضْطَجِعَاً إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ قال
وسَمِعْتُهُ يَقُولُ فشَقَّ ما بَيْنَ هَذِهِ إلَى هَذِهِ فقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهْوَ إِلَى جَنْبِي ما يَعْنِي بِهِ قَالَ مِنْ

٢٨
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
ثُغْرَةِ نَخْرِهِ إلى شِعْرَتِهِ وسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي ثُمَّ أُتِيتُ بِطُْتٍ
مِنْ ذَهَبِ مَمْلُوءَةٍ إِمَانَاً فِغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ ثُمَّ أَتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ
الحِمارِ أَبْيَضَ فقا لهُ الجَارُودُ هُوَ البُرَاقُ يا أبًا حَمْزَةَ قال أنَسْ نَعَمْ يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى
طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ فَانْطَلقَ بِي جِبرِيلُ حتَّىٍ أَتَى السَّماءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ مَنْ هَذَا قال
جِبْرِيلُ قِيلَ ومَنْ مِعَك قال مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ قال نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجيءُ
جاءَ فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فإذَا فِيهَا آدَمُ فقال لهذَا أَبُوكَ آدَمُ فسَلَّمَ عَلَيهِ فسَلَّمْتُ علَيْهِ فَرَدَّ
السَّلاَمَ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالابْنِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعَدَ حتَّى أَتَى السَّماءَ الثَّانِيَةَ
فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هُذَا قال جِبْرِيلُ قِيلُ ومَنْ معَك قالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وقَدْ أُرْسِل إلَيْهِ قال نَعَمْ
قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْتَى وعِيسَى وَهُمَّا ابنا الخَالَةِ قال
هَذا يَخْيى وعِيسى فسَلِّمْ عَلَيْهِما فسَلَّمْتُ فرَدَّا ثُمَّ قالا مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ
ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السّماءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قال جِبْرِيلُ قِيَلَ وَمَنْ مَعَكَ قال مُحَمَّدٌ
قِيلَ وَقَدْ أَرُسِلَ إِلَيْهِ قال نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إذَا يُوسُف
قال هَذَا يُوسُفُ فسَلِّمْ عَلَيْهِ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ والنَِّيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ
صَعِدَ بِي حتَّى أَتَّى السَّماءَ الرَّابِعَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذَا قال جِبِرِيلُ قِيلَ ومَنْ معَكَ قال
مُحَمَّدٌ قِيلَ أوَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ قال نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ
إلى إذْرِيسَ قال هَذَا إذْرِيسُ فسَلَّمَ عَلَيْهِ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ
والنَّبِيَّ الصَّالِحِ ثُمَّ صعِدَ بِي حتَّى أَتَى السَّماءَ الخامِسَةَ فاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذا قال جِبْرِيلُ قِيلً
ومَنْ معَكَ قَلَ مُحَمَّدٌ عَ لَّ قِيلَ وقد أُرْسِلَ إِلَيْهِ قال نَعَمْ قيل مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ
فَلَمَّا خَلَصْتُ فإذَا هَارُونَ قال لهذَا لهارُونُ فسَلِّمْ عَلَيْهُ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخ
الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حتَّى أَتَّى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ مَنْ هَذا قالَ
جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قَال مُحَمَّدٌ قِيلَ وقدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قال نعَمْ قال مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجيءُ
جاءَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فِإذَا مُؤُسى فسَلِّمْ عَلَيْهِ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قالَ مَرْحَبَاً بالأخِ الصَّالِحِ
والنَّبِيِّ الصَّالِحِ فَلَمَّا تَجاوَزْتُ بَكى قِيلَ لَهُ ما يُبْكِيكَ قال أبْكِي لأَنَّ غُلامَاً بُعِثَ مِنْ بَعْدِي
يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أكْثَرْ مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّماءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ
جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ هذَا قالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ معَكَ قال مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ بُعِثِ إلَيْهِ قال نعَمْ قال
مَرْحَبَاً بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ فَلَمَّا خَلَصْتُ فإذَا إِبْرَاهِيمُ قال هذَا أَبُوَ فسَلِّمْ عَلَيْهِ قال
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ قال مَرْحَبَاً بالإِبْنِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ رُفِعْتُ إلى سِدْرَةِ
المُنْتَهَى فإذَا نَبِقُها مثْلُ قِلالِ هَجَرَ وإذَا وَرَقُها مِثْلُ آذَّانِ الْفِيَلَةِ قال هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى وإذَا
أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرانِ بَاطِنَانِ ونَهْرَانٍ ظاهران فَقُلْتُ ما هَذانِ يا جِبِرِيلُ قال أمَّا البَاطِنانِ فَتَهْرَانِ في
الجَنَّةِ وأمَّا الظَّاهِرَانِ فالثِّيلُ والْغُرَاتُ ثُمَّ رُفِعَ لي البَيْتُ المَعمُورُ ثُمَّ أَتِيتُ بإنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وإِنَاءٍ
مِنْ لَبَنٍ وإناءٍ منْ عَسَلٍ فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَقالَ هِيَ الفِطْرَةُ أَنْتَ عَلَيْها وأُمَّتُكَ ثُمَّ فُرِضَتْ عِلَيَّ
الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ فمَرَرْتُ عَلَى مُوسى فقالَ بِمَا أُمِرْتَ قَال أُمِرْثٌ

٢٩
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
بِخَمْسِينَ صلاَةٍ كُلَّ يَوْم قال إنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ وإِنِّي والله قَدْ
جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعالَجْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَأَسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ
لأَمَّتِكَ فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرَاً فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرَاً
فرَجَعْتُ إِلى مُوسى فَقال مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فوَضَعَ عَنِّي عَشْرَاً فَرَجَعْتُ إِلى مُوسى فَقالَ مِثْلَهُ
فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ فِرَجَعْتُ فقالَ مِثْلَهُ فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسٍ صَلَوَاتٍ
كلَّ يَوْمٍ فَرَجَعْتُ إلى مُوسى فَقالٍ بِماً أُمِرْتَ قُلْتُ أُمِرْتُ بِخَمْسٍ صلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ قال إنَّ
أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ
أَشَدَّ المُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ النَّحْفِيفَ لِأَمَّتِكَ قال سألْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ
ولَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ قال فلَمَّا جاوَزْتُ نادَى مُنادٍ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي.
[انظر الحديث ٣٢٠٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والكلام فيه على أنواع.
الأول: في رجاله: وهم خمسة: الأول: هدية، بضم الهاء وسكون الدال المهملة
وبالباء الموحدة: ابن خالد القيسي المصري أخو أمية، ويقال: هداب، وروى عنه مسلم أيضاً
مات سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان وثلاثين ومائتين. الثاني: همام، بتشديد الميم
الأولى: ابن يحيى بن دينار العوذي البصري، مات سنة ثلاث وستين ومائة في رمضان.
الثالث: قتادة بن دعامة السدوسي الأعمى البصري التابعي. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله
تعالى عنه. الخامس: مالك بن صعصعة، بفتح الصادين المهملتين وسكون العين المهملة
الأولى: المدني الأنصاري البصري.
النوع الثاني في لطائف إسناده: منها: أن هؤلاء كلهم بصريون. ومنها: أن فيه رواية
الصحابي عن الصحابي. ومنها: أن مالك بن صعصعة ليس له في البخاري ولا في غيره
سوى هذا الحديث، ولا يعرف روى عنه إلاَّ أنس بن مالك. ومنها: أن قوله: عن أنس،
بالعنعنة، وقد مضى في أول بدء الخلق من وجه آخر عن قتادة: حدثنا أنس، رضي الله تعالى
عنه.
النوع الثالث: أنه روى ما يتعلق بالإسراء في مواضع. منها: في أول كتاب الصلاة من
حديث ابن شهاب عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه عن أبي ذر. ومنها: في بدء
الخلق في: باب ذكر الملائكة، من حديث هدبة عن همام عن قتادة عن أنس ومن حديث
خليفة عن يزيد بن زريع عن سعيد وهشام كلاهما عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة.
ومنها: ههنا عن هدية أيضاً، فانظر إلى تفاوت ما بين روايتي هدية من زيادة ونقصان.
النوع الرابع: في أن مسلماً أخرجه في الإيمان عن موسى، وأخرجه الترمذي في
التفسير عن محمد بن بشار وعن ابن أبي عدي ببعضه، وقال: وفي الحديث قصة. وأخرجه
النسائي في الصلاة عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي بطوله وعن إسماعيل بن مسعود وطول فيه.

٣٠
..
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
النوع الخامس: في معناه: فقوله: ((أن نبي الله)) ويروى: أن النبي عَّهِ. قوله:
((حدثهم))، ويروى: حدثني، بإفراد الضمير المنصوب. قوله: ((عن ليلة أسري به))، على صيغة
المجهول وهي صفة لليلة، والضمير فيه يرجع إلى النبي عَ ◌ّه، وهذا رواية الكشميهني بزيادة
لفظة: به، وفي رواية غيره: أسري، دون لفظ: به. قوله: ((بينا أنا))، قد ذكرنا غير مرة أن:
بين، ظرف زيدت فيه الألف وربما تزاد فيه الميم أيضاً، ويضاف إلى جملة وهي مبتدأ، ((وفي
الحطيم)) خبره أي: كائن أو مستقر فيه، والمراد بالحطيم الحجر هنا على الأصح، واستبعد
قول من قال: المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحجر، وسمي الحطيم لأنه
حطم من جداره فلم يسو ببناء الكعبة وترك خارجاً منه. وقال النضر: إنما سمي الحجر حطيماً
لأن البيت رفع وترك ذلك محطوماً، وكذلك قال الخطابي. قوله: ((وربما قال في الحجر))،
هو شك من قتادة. قوله: ((مضطجعاً)) نصب على الحال من قوله: ((أنا)) وفي رواية: بين النائم
واليقظان. فإن قلت: في رواية شريك التي تأتي في التوحيد في آخر الحديث: فلما
استيقظت، قلت: إن كانت القصة متعددة فلا إشكال، وإلاّ فالمعنى: أفقت مما كنت فيه من
شغل البال بمشاهدة الملكوت. فإن قلت: قد تقدم في أول بدء الخلق: بينا أنا عند البيت،
ووقع في رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر فرج سقف بيتي وأنا بمكة، وفي رواية الواقدي
بأسانيده: أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانىء عند الطبراني: أنه بات
في بيتها، قالت: ففقدته من الليل، فقال: إن جبريل، عليه الصلاة والسلام أتاني. قلت:
الجمع بين هذه الأقوال أنه عَّه، نام في بيت أم هانىء، و،بيتها عند شعب أبي طالب، ففرج
سقف بيته، وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى
المسجد فكان به مضطجعاً وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد فأركبه
البراق. قوله: ((إذا أتاني))، جواب: بينا، قوله: ((آت))، هو جبريل، عليه الصلاة والسلام،
وأصله: أتى فاعل إعلال قاضٍ. قوله: ((فقد))، بالقاف وتشديد الدال أي: فشق، وهو المستفاد
من قوله: قال: وسمعته يقول: فشق، وفاعل: قال، قتادة، والمقول عنه أنس، وتوضحه رواية
أحمد، قال قتادة: وربما سمعت أنساً يقول: فشق.
قوله: ((فقلت للجارود))، القائل قتادة، والجارود بالجيم وضم الراء وبالدال المهملة:
ابن أبي سبرة، بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وبالراء: الهذلي التابعي، صاحب
أنس، وقد أخرج ه أبو داود من روايته عن أنس حديثاً غير هذا. قوله: ((من ثغرة))، بضم الثاء
المثلثة وسكون الغين المعجمة، وهي ثغرة النحر التي بين الترقوتين. قوله: ((إلى شعرته))،
بكسر الشين المعجمة: وهو شعر العانة، قوله: ((من قصه)) بفتح القاف وتشديد الصاد
المهملة، وهو رأس الصدر. قوله: ((إلى شعرته)) وقال الكرماني: ويروى بدل الشعرة: الثنة،
بضم الثاء المثلثة وتشديد النون وهي ما بين السرة والعانة، وقد استنكر بعضهم وقوع شق
الصدر ليلة المعراج، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد ورد بأنه ثبت شق الصدر
أيضاً عند البعثة، ثم وقع أيضا عند إرادة العروج إلى السماء، ولا إنكار في ذلك لكونه من

٣١
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
الأمور الخارقة للعادة لصلاحية القدرة وإظهار المعجزة، ثم الحكمة في الأول وهو في حال
الطفولية لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ولهذا قال في حديث أنس عند
مسلم: هذا حظ الشيطان منك وذلك العلقة التي أخرجها، وفي الثاني: أعني: عند البعث
ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال. وفي الثالث: أعني: عند العروج إلى
السماء ليتأهب للمناجاة. قوله: ((بطست)) بفتح الطاء وكسرها وسكون السين المهملة وبالتاء
المثناة من فوق، وقد تحذف وهو الأكثر، وقد يؤنث باعتبار الآنية وإنما خص الطست لكونه
أشهر آلات الغسل عرفاً، وخص الذهب لكونه الأعلى أواني الحسية وأصفاها، ولأن للذهب
خواص ليست لغيره وهي أنه لا تأكله النار ولا يبليه التراب ولا يلحقه الصدى وهو أثقل
الجواهر، فناسب ثقل الوحي. فإن قلت: استعمال الذهب حرام للرجال؟ قلت: لعل ذلك قبل
التحريم، وقيل: إنه مخصوص بأحوال الدنيا وما وقع في تلك الليلة يلحق بأحكام الآخرة،
لأن الغالب أنه من أحوال الغيب. قوله: ((مملوءة)) صفة الطست، وقد ذكرنا أنه يؤنث باعتبار
الآنية. قوله: ((إيماناً) نصب على التمييز، وزاد في بدء الخلق: وحكمة، وقال النووي: معناه
أن الطست كان فيه شيء تحصل به زيادة في كمال الإيمان وكمال الحكمة. فإن قلت:
الماء المذكور حقيقة أم مجاز؟ قلت: يجوز أن يكون حقيقة، لأن تجسد المعاني جائز
كما جاء في وزن الأعمال يوم القيامة، وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل
المعاني قد وقع كثيراً كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته كشف المعنوي
بالمحسوس. قوله: ((فغسل قلبي))، وفي رواية لمسلم: فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم، وفيه
فضيلة ماء زمزم على جميع المياه فإن قلت: لِمَ لم يغسله بماء الجنة؟ قلت: لما اجتمع في
زمزم من كون أصل مائها من الجنة ثم استقر في الأرض فأريد بذلك بقاء بركة النبي عد له،
في الأرض، ويقال: لبقاء بركة إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، فإنه ركضه. قوله: ((حشي))،
على صيغة المجهول أيضاً. فإن قلت: ما الحكمة في أنه أتى بدابة فلم لَم تطو له الأرض؟
قلت: إنما فعل ذلك تأنيساً له بالعادة في مقام خرق العادة، وأيضاً أن الملك إذا طلب من
يحبه يبعث إليه مركوباً، ووقع في خاطري من الفيض الإلهي أن طي الأرض يشترك فيه
الأولياء بخلاف المركوب الذي يقطع المساقاة البعيدة براكبه أسرع من طرفة العين، فإنه
مخصوص بالأنبياء، عليهم السلام. قوله: ((دون البغل وفوق الحمار))، الحكمة في كون
هذه الدابة بهذه الصفة الإشارة إلى الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة، أو
باعتبار أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف. قوله: ((أبيض)» صفة دابة
والتذكير باعتبار أنها البراق أو باعتبار أنها المركوب وكونه أبيض باعتبار أنه أصل الألوان، أو
باعتبار أنه، عَّله، كان يحب البياض. قوله: ((فقال له)) أي: لأنس، والجارود فاعل. قال.
قوله: ((هو البراق)) أي: الدابة المذكورة المتصفة بالصفة المذكورة هو البراق، بهمزة مقدرة
وتذكير الضمير باعتبار لفظ البراق، وإنما قال الجارود: هو البراق لأن أنساً، رضي الله تعالى
عنه، لم يتلفظ بلفظ البراق في رواية قتادة عنه، قوله: يا أبا حمزة، خطاب لأنس لأنه كنيته.

٣٢
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
قوله: ((يضع خطوه)) بفتح الخاء المعجمة وهو المرة، وبالضم بعدما بين القدمين في المشي.
قوله: ((طرفه)) بفتح الطاء المهملة وسكون الراء وبالفاء وهو نظر عينه فإنه يضع خطوه عند
منتهى ما يرى يبصره، وهذا يدل على أنه كان يمشي على وجه الأرض، ولكن بالمشي
الموصوف.
وروى ابن سعد عن الواقدي بأسانيده: له جناحان، فهذا يدل على أنه يطير بين السماء
والأرض، ويدل على وصفه بالمشي ما روي عن ابن مسعود عند أبي يعلى، والبزار: إذا أتى
على جبل ارتفعت رجلاه فإذا هبط ارتفعت يداه، وعن ابن عباس رواه الثعلبي بسند ضعيف:
له خد كخد الإنسان وعرف كالفرس وقوائم كالإبل وأظلاف وذنب كالبقر وكان صدره
ياقوتة حمراء. قلت: البراق، بضم الباء الموحدة مشتق من البريق وهو اللمعان سمي به لنصوع
لونه وشدة بريقه، أو هو مشتق من البرق، سمي به لشدة حركته وسرعة مشيه كالبرق، وقال
ابن أبي حمزة: خص البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به لأنه لم ينقل أن أحداً ملكه
بخلاف غير جنسه من الدواب. قلت: هذا يدل على أن غير نبينا، عَّه، لم يركب البراق وبه
قال ابن دحية أيضاً، ولكن رد هذا بما رواه الترمذي من رواية قتادة عن أنس، رضي الله تعالى
عنه، أن رسول الله، عَّه، ليلة أسري به أتى بالبراق مسرجاً ملجماً فاستصعب عليه فقال له
جبريل، عليه الصلاة والسلام: ما حملك على هذا؟ فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله
منه. قال: فارفض عرقاً. وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه ابن حبان، وفي رواية النسائي
وابن مردويه: وكانت تسخر للأنبياء، عليهم السلام، قبله، أي: كانت الدابة التي تسمى
بالبراق تسخر للأنبياء قبل النبي عَّ له، ونحوه في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق، وهذا
يصرح على أن البراق كان معداً لركوب الأنبياء، وجاء أن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لما
كان يريد زيارة هاجر وإسماعيل، عليهما السلام، وهما في مكة كان يركب البراق، ثم
الحكمة في نفرته مختلف فيها، فقال ابن بطال: بعد عهده بالأنبياء وطول الفترة بين عيسى
ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، وقال غيره: قال جبريل، عليه السلام، للنبي عَّ له، حين
شمس به البراق: لعلك يا محمد مسست الصفراء اليوم؟ يعني: الذهب، فأخبر النبي عَّ ◌ُلِّ، أنه
ما مسها إلاَّ أنه مرّ بها. فقال: تباً لمن يعبدك من دون الله، وما شمس إلاَّ لذلك. وقال ابن
التين: إنما استصعب البراق تيهاً وزهواً بركوب النبي عَّلّه، وأراد جبريل استنطاقه، فلذلك
خجل وارفضَّ عرقاً من ذلك، وقريب من ذلك رجفة الجبل به حتى قال له: اثبت، فإنما
عليك نبي وصديق وشهيد، فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب، وسمع العبد الضعيف من
مشايخه الثقاة أنه إنما شمس به ليعده الرسول عّ لّه، بالركوب عليه يوم القيامة، فلما وعده
بذلك قر. وذلك لأنه جاء في التفسير في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾
[الضحى: ٦]. أن الله أعد له في الجنة أربعين ألف براق ترتع في مروج الجنة.
قوله: ((فحملت عليه)) على صيغة المجهول، أي: على البراق، وذكر في (شرف
المصطفى): كان الذي أمسك بركابه جبريل، عليه الصلاة والسلام، وبزمام البراق ميكائيل،

٣٣
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
عليه الصلاة والسلام، فإن قلت: لما ركب النبي عَّةٍ، البراق ما فعل جبريل، عليه السلام؟
قلت: وقع في حديث حذيفة عند أحمد، قال: أتى رسول الله، عَّ له، بالبراق فلم يزال ظهره
هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس، قيل: هذا لم يسنده حذيفة إلى النبي عَّةٍ،
فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد، ويحتمل أن يكون جبريل رافقه في السير لا في الركوب، وقال
ابن دحية وغيره: معناه: وجبريل قائد أو سائق أو دليل، قال: وإنما جزمنا بذلك لأن قصة
المعراج كانت كرامة للنبي، عَّ له، فلا مدخل لغيره فيها، ورد عليه ما قاله بما روى ابن حبان
في (صحيحه) من حديث ابن مسعود أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، فسار بهما، فهذا
صريح في ركوبه معه، والله أعلم. قوله: ((فانطلق بي جبريل)) وفي روايته المتقدمة:
((فانطلقت مع جبريل، عليه السلام)) ولا مغايرة بينهما، وفي حديث أبي ذر في أول الصلاة:
((ثم أخذ بيدي فعرج بي)) وظاهر هذا يدل على أن جبريل كان دليلاً له فيما قصد له. قلت:
كونه دليلاً لا ينافي ركوبه معه. قوله: ((حتى أتى السماء الدنيا))، ظاهره يدل على أنه
استمر على البراق حتى عرج إلى السماء وتمسك به من زعم أن المعراج كان في ليلة غير
ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، وكان في ليلة المعراج على معراج وهو سلم ويدل عليه ما
رواه ابن إسحاق والبيهقي في (الدلائل) من حديث طويل، وفيه: فإذا أنا بدابة كالبغل
مضطرب الأذنين يقال له: البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، فركبته ثم دخلت أنا وجبريل
بيت المقدس فصليت ثم أتيت بالمعراج، وفي رواية ابن إسحاق: فأصعدني صاحبي فيه
حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء ... الحديث، وفي رواية كعب: فوضعت له مرقاة
من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج هو وجبريل، وفي (شرف المصطفى) في حديث أبي
سعيد: أنه أتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه منضد باللؤلؤ وعن يمينه ملائكة وعن يساره
ملائكة، وفي رواية ثابت عن أنس عن النبي عَّ له، قال: أتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت
المقدس فربطته بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء، عليهم السلام، ثم دخلت المسجد
فصليت فيه ركعتين ثم خرجت ... فذكر القصة.
قال: ثم عرج بي إلى السماء. فإن قلت: أنكر حذيفة رواية ثابت: فربطته بالحلقة،
فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة، قال: تحدثون أنه ربطه، أخافَ أن يفر منه وقد
سخر له عالم الغيب والشهادة؟ قلت: قال البيهقي: المثبت مقدم على النافي لأن المثبت له
زيادة علم على من نفى فهو أولى بالقبول، وروى البزار من حديث بريدة: لما كان ليلة
أسري به جاء جبريل الصخرة التي ببيت المقدس فوضع إصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق.
فإن قلت: هل للباب الذي دخل منه جبريل والنبي عَ لّه، من أبواب سماء الدنيا اسم؟ قلت:
نعم، وروى البيهقي: حتى أتى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة وعليه ملك
يقال له: إسماعيل، تحت يده إثنا عشر ألف ملك. قوله: ((فاستفتح))، أي: طلب فتح الباب.
قوله: ((فقيل: من هذا؟)) أي: قال قائل من داخل الباب: من هذا الذي يستفتح الباب؟ قوله:
((قيل: جبريل)) أي: قال قائل من خارج الباب ممن كان مع جبريل والنبي عليهما السلام: هو
عمدة القاري/ ج١٧ م٣

٣٤
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
جبريل، عليه السلام. قوله: ((من معك)) يدل على أنهم أحسوا معه برفيق وإلاَّ لكان السؤال
بلفظ أمعك أحد؟ فإن قلت: من أين لهم هذا الإحساس؟ قلت: قال بعضهم: يحتمل أن
يكون بمشاهدة لكون السماء شفافة، وفيه نظر، لأن الأمر لو كان كذلك لما قالوا: من هذا،
حين استفتح جبريل، عليه السلام، والأوجه أن يقال: إن إحساسهم بذلك كان بزيادة أنوار
ظهرت لهم دلت على أن جبريل لم يكن وحده. قوله: ((قال محمد» أي: قال جبريل: معي
محمد، وفيه دليل على أن الاسم أولى وأوضح في التوضيح من الكنية. قوله: ((قيل: وقد
أرسل إليه؟)) أي: هل أرسل إليه ليعرج به إلى السماء؟ الحكمة في قولهم هذا هي أن الله
أراد إطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى لأنهم قالوا: أرسل إليه، فدل على أنهم
كانوا يعرفون أن ذلك سيقع، وإلاَّ لكانوا يقولون: من محمد؟ مثلا. قوله: ((مرحباً به)) أي:
أصاب رحباً وسعة، وكنى بذلك عن الانشراح، واستنبط منه بعضهم جواز رد السلام بغير لفظ
السلام، ورد عليه بأن هذا لم يكن رداً للسلام، فإنه كان قبل أن يفتح الباب والسلام ورده
بعد ذلك. قوله: ((فنعم المجيء جاء)) كلمة: نعم، للمدح والمخصوص بالمدح محذوف
وفيه تقديم وتأخير تقديره: جاء فنعم المجيء مجيئه في خير وقت إلى خير أمة.
قوله: ((فلما خلصت)) بفتح اللام، أي: وصلت. قوله: ((فإذا فيها آدم)) كلمة: إذا،
المفاجأة، والضمير في: فيها، يرجع إلى السماء الدنيا. قوله: ((بالابن الصالح)) ذكر الابن
لافتخاره بأبوة النبي عَ ◌ّهِ، ووصفه بالصالح لأن الصالح صفة تشمل خلال الخير، ولذلك
ذكره كل من الأنبياء الذين لاقاهم في السموات، والصالح هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق
الله وحقوق العبادة. قوله: ((وهما ابنا)) خالة أي: يحيى وعيسى، لأن أم يحيى إيشاع بنت
فاقوذا، أخت حنة أم مريم، وبيان ذلك أن زكريا، عليه الصلاة والسلام، وعمران بن ماثان كانا
متزوجين بأختين، إحداهما عند زكريا وهي إيشاع بنت فاقوذا، والأخرى عند عمران وهي حنة
بنت فاقوذا أم مريم، فولدت إيشاع يحيى وولدت حنة مريم، فتكون إيشاع خالة مريم، وتكون
حنة خالة يحيى، فيطلق عليهما أنهما ابنا خالة بهذا الاعتبار. ويروى: إبنا الخالة، بالألف
واللام، وفي رواية مسلم مثل رواية البخاري في منازل الأنبياء المذكورين فيه، غير أن في
رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر: أنه لم يثبت أسماءهم، وقال فيه: وإبراهيم في السماء
السادسة، ووقع في رواية شريك عن أنس: أن إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة، ورواية من
ضبط أولى ولا سيما مع اتفاق قتادة وثابت، فقتادة عند البخاري، وثابت عند مسلم،
ووافقهما يزيد بن أبي مالك عن أنس إلاَّ أنه خالف في إدريس وهارون. فقال: هارون في
الرابعة وإدريس في الخامسة ووافقهم أبو سعيد إلاَّ أن في روايته: يوسف في الثانية وعيسى
ويحيى في الثالثة، والأول أثبت.
فإن قلت: كيف رأى عَّلَِّ هؤلاء الأنبياء، عليهم السلام، في السموات مع أن
أجسادهم هي في قبورهم في الأرض؟ قلت: أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، ويقال:
أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي عَّدٍ، تلك الليلة تشريفاً وتكريماً، ويؤيده حديث عبد

٣٥
٦٣ - كتاب مناقب الآنصار / باب (٤٢)
الرحمن بن هاشم عن أنس، وفيه: وبعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمهم. قوله: ((فإذا
يوسف)) وزاد مسلم في روايته عن ثابت عن أنس: فإذا هو قد أعطي شطر الحسن، وفي
حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند ابن عائذ والطبري: فإذا أنا برجل أحسن ما
خلق الله قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، فإن قلت: هدا يدل
على أن يوسف كان أحسن من جميع الناس. قلت: روى الترمذي من حديث أنس: ما بعث
الله نبياً إلاَّ حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم صوتاً وأحسنهم وجهاً، فعلى
هذا حمل ما في حديث المعراج على غير النبي عَ لّه، وحمله بعضهم على أن المراد: أن
يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا عَّ له، وفيه ما فيه. قوله: ((هذا إدريس، فسلم
عليه))، فإن قلت: قال بعضهم: إن إدريس في الجنة يدل عليه قوله تعالى: ﴿ورفعناه مكاناً
علياً﴾ [مريم: ٥٧]. قيل: المكان العلي هو الجنة. قلت: سمعت بعض مشايخي الثقاة أن
إدريس لما أخبر بعروج النبي عَِّ، استأذن ربه أن يستقبله فأذن له، فاستقبله ولقيه في السماء
الرابعة. فإن قلت: كيف قال إدريس: مرحباً بالأخ الصالح؟ والحال أنه أب من آباء النبي
عَِّ، وأنه جدّ أعلى لنوح، عليه السلام، لأن نوحاً هو ابن لامك ابن متوشلخ بن أخنوخ وهو
إدريس، عليه السلام؟ قلت: قد قيل عن إدريس أنه إلياس وأنه ليس بجد لنوح، عليه السلام،
وقيل: ليس فيه ما يمنع أن يكون إدريس أباً للنبي عَّهِ، وإنما قال له: بالأخ الصالح، تأدباً،
وهو أخ وإن كان أباً فالأنبياء أخوة. قوله: ((فلما تجاوزت))، أي: عديت موسى، عليه
السلام. قوله: ((بكى))، أي: عديت موسى، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((بكى)) أي: موسى،
وكان بكاؤه حزناً على قومه وقصور عددهم وعلى فوات الفضل العظيم منهم، ويقال: لم
يكن بكاء موسى حسداً، معاذ الله! فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين،
فكيف بمن اصطفاه الله؟ بل كان آسفاً على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة
بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزمة لتنقيص أجره،
لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا عَّه
مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة. قوله: ((لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من
أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي)) قوله: ((غلاماً)) ليس للتحقير والاستصغار به، بل إنما هو
لتعظيم منة الله على رسول الله، عَّ له، من غير طول العمر، ويقال: بل قال ذلك على سبيل
التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحداً قبله ممن
هو أسن منه.
وفي هذا الموضع عبارات وقعت في أحاديث، ففي رواية شريك عن أنس: لم أظن
أحداً يرفع علي، وفي حديث أبي سعيد، قال موسى: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم على الله
وهذا أكرم على الله مني، زاد الأموي في روايته: ولو كان هذا وحده هان علي ولكن معه
أمته وهم أفضل الأمم عند الله، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أنه مر
بموسى، عليه الصلاة والسلام، يرفع صوته فيقول: أكرمته وفضلته؟ فقال جبريل، عليه الصلاة

٣٦
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
والسلام: هذا موسى قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك. قلت: ويرفع صوته على ربه؟
قال: إن الله قد عرف له حدته. وفي حديث ابن مسعود عند الحارث وأبي يعلى والبزار:
سمعت صوتاً وتذمراً، فسألت جبريل، عليه السلام، فقال: هذا موسى. قلت: على من تذمره؟
قال: على ربه. قلت: على ربه؟ قال: إنه يعرف ذلك منه. فإن قلت: ما وجه قوله: لما أتى
السماء السادسة فإذا موسى؟ وقد قال في حديث آخر: رأيت موسى ليلة الإسراء وهو يصلي
في قبره؟ قلت: لا إشكال في ذلك على قول من يقول بتعدد الإسراء، وعلى قول من يقول:
بأن الإسراء مرة واحدة، فالجواب: أن موسى، عليه الصلاة والسلام، صعد إلى السماء
السادسة بعد أن رآه النبي عَ ليه، في قبره حتى اجتمع به هناك، وما ذلك على الله بعزيز. ولا
علی موسی بکثیر.
قوله: ((فإذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام)) وهو في السماء السابعة على رواية
البخاري، وعلى رواية مسلم: في السماء السادسة، في رواية الزهري عن أنس حيث قال:
وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة، وكذا في رواية البخاري في أول
كتاب الصلاة: في السماء السادسة. وأجيب: بأنه لا منافاة لاحتمال أن يكون في السادسة
وصعد قبل رسول الله، عَّه، إلى السابعة، وقيل: يحتمل أنه جاء إلى السماء السادسة استقبالاً
وهو في السابعة على سبيل التوطن، وعلى تعدد الإسراء لا إشكال. فإن قلت: ما الحكمة في
الاقتصار على هؤلاء الأنبياء المذكورين فيه دون غيرهم منهم؟ قلت: للإشارة إلى ما سيقع له
عَّله، مع قومه مع نظير ما وقع لكل منهم، ففي آدم ما وقع له من الخروج من الجنة،
فكذلك في النبي ◌َّهِ، وقع له من الخروج من مكة. وفي عيسى ويحيى على ما وقع له أول
الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم في البغي عليه، وفي يوسف على ما وقع له مع إخوته،
فكذلك النبي عَ لّه، ما وقع له من قريش في نصبهم الحرب له، وفي إدريس على رفيع منزلته
عند الله فكذلك النبي عَّ له، وفي هارون على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه فكذلك
النبي عَّ ◌ُلّه، فأكثر قومه رجعوا إليه بعد العداوة، وفي موسى على ما وقع له من معالجة قومه
فكذلك النبي عَّلّه، عالج قريشاً وغيرهم أشد المعالجة، وفي إبراهيم، عليه الصلاة والسلام،
في استناده إلى البيت المعمور بما ختم الله له في آخر عمره من إقامة مناسك الحج وتعظيم
البيت فكذلك النبي عَّ له، أقام مناسك الحج وعظم البيت وأمر بتعظيمه، وقيل: الحكمة فيه
أن الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، أمروا بملاقاة النبي عَ لّه ليلة المعراج، فمنهم من أدركه
في أول الوهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته.
فإن قلت: ما الحكمة في كون كل منهم في مكانه المذكور فيه؟ قلت: أما آدم فإنه
أول الأنبياء وأول الآباء وهو الأصل فكان أولاً في السماء الأولى، وأما عيسى، عليه السلام،
فإنه أقرب الأنبياء عهداً من نبينا عَّلَّهِ، ويليه يوسف، عليه السلام، لأن أمة محمد تدخل
الجنة على صورته، وأما إدريس فلقوله تعالى: ﴿ورفعناه مكاناً عليّاً﴾ [مريم: ٥٧]. والسماء
الرابعة من السبع وسط معتدل. وأما هارون فلقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع منه لفضل

٣٧
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
كلام الله، وأما إبراهيم فلأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبي عَّ له يلقيه أنس لتوجهه
بعده إلى عالم آخر. والله أعلم. قوله: ((ثم رفعت إلى سدرة المنتهى))، الرفع تقريبك الشيء،
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾ [الواقعة: ٣٤]. أي: مقربة لهم، وكأنه أراد أن
سدرة المنتهى استبينت له كل الاستبانة حتى اطلع عليها كل الاطلاع بمثابة الشيء المقرب
إليه، وفي معناه: رفع لي البيت المعمور، ورفع لي بيت المقدس، وسميت سدرة المنتهى
لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يتجاوزها أحد إلاّ رسول الله، عَّله، و: رفعت السدرة لي
أي لأجلي، وفي رواية الأكثرين صلة: رفعت، كلمة إلى، وفي رواية الكشميهني حرف
الجر، وهو اللام. قوله: ((فإذا نبقها)) كلمة: إذا، للمفاجأة، و: النبق، بفتح النون وكسر الباء
الموحدة وبسكونها أيضاً: وهو جمع نبقة وهو حمل السدر. فإن قلت: لم اختيرت السدرة
دون غيرها؟ قلت: لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظل مسدود وطعام لذيذ ورائحة زكية. قوله: ((مثل
قلال هجر)) قال الخطابي: القلال، بكسر القاف جمع قلة بالضم وتشديد اللام، وهي الجرار،
يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها.
قال: وهي التي وقع حد الماء الكثير بها في قوله: ((إذا بلغ الماء قلتين)). ويقال: القلة جرة
كبيرة تسع قربتين وأكثر، و: هجر، بفتح الهاء والجيم وهو اسم بلد بقرب مدينة النبي عد ◌ّ.
مذكر منصرف وهو غير هجر البحرين، وقيل: غير منصرف للعلمية والتأنيث. قلت: إذا جعل
علماً للبلدة يكون غير منصرف. قوله: ((الفيلة))، بكسر الفاء وفتح الياء: جمع الفيل، ووقع
في بدء الخلق: مثل آذان الفيول، وهو جمع فيل أيضاً. قوله: ((وإذا أربعة أنهار)) وفي بدء
الخلق: فإذا في أصلها، أي في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار، وفي رواية مسلم: يخرج من
أصلها. فإن قلت: وقع في (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة: أربعة أنهار من الجنة:
النيل والفرات وسيحان وجيحان قلت: أجيب بأنه يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة
في الجنة والأنهار تخرج من أصلها فيصح أنها من الجنة. قوله: ((نهران باطنان))، قال مقاتل:
هو السلسبيل والكوثر، والباطن أجلَّ من الظاهر لأن الباطن جعل في دار البقاء والظاهر جعل
في دار الفناء. قوله: ((وأما الظاهران: فالنيل والفرات)) النيل نهر مصر، والفرات نهر بغداد
بالجانب الغربي منها، كذا قاله الكرماني، وليس كذلك على ما نذكره الآن، وهو بالتاء
الممدودة في الخط في حالتي الوصل والوقف، وقال الطيبي: النيل والفرات يخرجان من
أصلها ثم يسيران حيث أراد الله تعالى ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها، وهذا لا يمنعه
شرع ولا عقل، وهو ظاهر الحديث، فوجب المصير إليه.
1
قال القاضي: يدل هذا على أن أصل السدرة في الأرض لخروج النيل والفرات من
أصلها. قلت: لا يلزم من خروجهما من أصلها أن يكون أصلها في الأرض، بل الأوجه ما
ذكرناه. قلت: اتفقوا على أن مبدأ النيل من جبال القمر بالإضافة، وبضم القاف وسكون
الميم، ويقال: بفتح القاف والميم: تشبيهاً للقمر في بياضه ينبع من اثني عشر عيناً ثم ينبعث
منها عشرة أنهار أحدها نيل مصر وهو أول العيون يجري على بلاد الحبشة في قفار ومفاوز،

٣٨
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
وقال ابن الأثير: ليس في الدنيا نهر أطول منه لأنه مسيرة شهرين في الإسلام وشهرين في
النوبة وأربعة أشهر في الخراب، والفرات اسم نهر بالكوفة قاله الجوهري، واختلفوا في مخرجه
على قولين: أحدهما: أنه من جبل ببلد الروم يقال له أفردخش، بينه وبين قاليقلا مسيرة يوم.
والثاني: أنه من أطراف أرمينية. قوله: ((ثم رفع لي البيت المعمور))، وزاد الكشميهني:
يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، وقد مر معنى رفع عن قريب، قال الله تعالى: والبيت
المعمور، وروي عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: اسمه الضراح، بضم الضاد المعجمة وفي
آخره حاء مهملة. قال الصغاني: ويقال له: الضريح أيضاً. واختلف العلماء في أي موضع هو؟
فقيل: في السماء الدنيا، وهو قول ابن عباس ومجاهد والربيع، وقيل: في السماء السادسة،
روي عن علي، رضي الله تعالى عنه، وقيل: في السماء السابعة، قاله مجاهد والضحاك وهو
قول البخاري أيضاً، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه، ولا تنافي في هذه
الأقوال لأنه يحتمل أن الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة ثم إلى السابعة تعظيماً
للنبي، عَّةِ، حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا.
قوله: ((ثم أتيت بإناء)) على صيغة المجهول. قوله: ((هي الفطرة أنت عليها))،
ويروى: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، قال القرطبي: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن
فطرة لكونه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه، والسر في ميل النبي عَ ◌ّهِ، إليه دون
غيره لكونه كان مألوفاً. فإن قلت: وقع في حديث أبي هريرة عند ابن عائذ في حديث
المعراج بعد ذكر إبراهيم. قال: ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال لي جبريل: يا
محمد أَلاَ تَشرب مما سقاك ربك؟ فتناولت أحدها فإذا هو عسل، فشربت منه قليلاً ثم
تناولت الآخر فإذا هو لبن فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد
رويت. قال: وفقك الله، وفي رواية البزار من هذا الوجه: أن الثالث كان خمراً، لكن وقع
عنده أن ذلك كان ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء ولم يذكر العسل. وفي حديث ابن
عباس عند أحمد: فلما أتى المسجد الأقصى قام يصلي، فلما انصرف جيء بقدحين في
أحدهما لبن وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن ... الحديث، ووقع في رواية مسلم من طريق ثابت
عن أنس أيضاً إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج ولفظه: ثم دخلت المسجد
فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل، عليه الصلاة والسلام، بإناء من خمر وإناء
من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة، ثم عرج إلى السماء، وفي حديث شداد
بن أوس: فصليت في المسجد حيث شاء الله وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت
بإناءين أحدهما لبن والآخر عسل، فعدلت بينهما، ثم هداني الله فأخذت اللبن، فقال شيخ بين
يدي، يعني لجبريل: أخذ صاحبك الفطرة، وفي حديث أبي سعيد عند إبن إسحاق في قصة
الإسراء: فصلى بهم، يعني الأنبياء، ثم أتى بثلاثة آنية: إناء فيه لبن وإناء فيه خمر وإناء فيه ماء
فأخذت اللبن ... الحديث.
وفي رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند البخاري في الأشربة: أتى رسول الله،

٣٩
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
عَ لِّ، ليلة أسري به بإناء فيه خمر وإناء فيه لبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن، فقال له جبريل، عليه
الصلاة والسلام: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك، وفي رواية عبد
الرحمن بن هاشم بن عتبة عن أنس عن البيهقي: فعرض عليه الماء والخمر واللبن فأخذ اللبن،
فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر
لغويت وغوت أمتك، قلت: قالوا بالجمع بين هذا الاختلاف إما بحمل: ثم، على غير بابها
من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين: مرة عند فراغه من
الصلاة ببيت المقدس بسبب ما وقع له من العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى
ورؤية الأنهار الأربعة، وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها فيحمل على أن بعض الرواة
ذكر ما لم يذكره الآخر ومجموعها أربعة آنية فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها
تخرج من أصل سدرة المنتهى، ولعله عرض عليه من كل نهر إناء، والله أعلم.
قوله: ((وبما أمرت))، على صيغة المجهول، ويروى: بم أمرت، بدون الألف. قوله:
((وعالجت بني إسرائيل))، أي: مارستهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم من الطاعة،
والمعالجة مثل المجادلة ((ولكني أرضى وأسلم)) فيه حذف تقديره: حتى استحييت فلا
أرجع فإني إذا رجعت كنت غير راضٍ ولا مسلم، ولكني أرضى وأسلم، وبهذا يجاب عما
قيل، لكن حقها أن تقع بين كلامين متغايرين معنًى، فما وجهه هنا؟ وقال الطيبي: ومراجعة
النبي عَ ◌ّه، في باب الصلاة إنما جازت من رسولنا محمد وموسى، عليهما السلام، لأنهما
عرفا أن الأمر الأول غير واجب قطعاً، فلو كان واجباً قطعاً لا يقبل التخفيف: وقيل: في
الأول فرض خمسين ثم رحم عباده ونسخها بخمس، كآية الرضاع وعدة المتوفى عنها
زوجها، وفيه دليل على أنه يجوز نسخ الشيء قبل وقوعه. قوله: ((أمضيت فريضتي وخففت
عن عبادي))، وفي رواية أنس عن أبي ذر التي تقدمت في أول الصلاة: هن خمس
وخمسون، وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم: حتى قال: يا محمد خمس صلوات في
كل يوم وليلة كل صلاة عشرة فتلك خمسون صلاة، وفي رواية يزيد بن أبي مالك عند
النسائي: وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة فخررت ساجداً. فقيل لي: إني يوم خلقت
السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، فذكر
مراجعته مع موسى، عليه الصلاة والسلام، وفيه: أنه فرض على بني إسرائيل فما قاموا بها،
وقال في آخره: خمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك، فعرفت أنها عزمة من الله، فرجعت إلى
موسى فقال لي: إرجع، فلم أرجع. فإن قلت: ما الحكمة في وقوع المراجعة مع موسى، عليه
السلام، دون غيره من الأنبياء؟ قلت: لأن ابتداء المراجعة كان موسى، عليه الصلاة والسلام،
فلذلك وقعت معه، وقيل: قد قال موسى من كلامه أنه عالج بني إسرائيل على أقل من ذلك
فما قبلوه وما وافقوه، ويستفاد منه: أن مقام الخلة مقام الرضا والتسليم، ومقام التكليم مقام
الإدلال والانبساط، ومن ثمة استبد موسى بأمر النبي عَّه، بطلب التخفيف دون إبراهيم،
عليه السلام، مع أن للنبي عَّه من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى لمقام الأبوة

٤٠
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٤٢)
ورفعة المنزلة والاتباع في الملة.
٣٨٨٨/٣٧١ - حدَّثْنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيانُ حدَّثنا عَمْرٌو عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ
عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما في قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وما جَعَلْنَا الرُّؤْيِاِ الَِّي أَرَيْنَاكَ إلاَّ فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾
[الإسراء: ٦٠]. قال هِيَ رُؤيَا عَيْنٍ أَرِيهَا رَسُولُ اللهِ عَلَّهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
[الحديث ٣٨٨٨ - طرفاه في: ٤٧١٦، ٦٦١٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحميدي عبد الله بن الزبير، وقد تكرر ذكره، وسفيان هو
ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار. والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن الحميدي في القدر وفي
التفسير عن علي بن عبد الله. وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن يحيى. وأخرجه
النسائي فيه عن محمد بن منصور.
قوله: (في قوله تعالى)) أي: في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاَّ فتنة﴾ [الإسراء: ٦٠] أي:
بلاء، قاله سعيد بن المسيب. قوله: ((رؤيا عين))، قيد به للإشعار بأن الرؤيا بمعنى الرؤية في
اليقظة. وقال الزمخشري: تعلق بهذه الآية من قال: كان الإسراء في المنام، ومن قال كان
الإسراء في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية، ويقال: قد أثبت الله تعالى في القرآن رؤيا القلب، فقال:
﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ [النجم: ١١]. ورؤيا العين، فقال: ﴿ما زاغ البصر وما طغى لقد
رأى﴾ [النجم: ١٧]. الآية، وروى الطبراني في (الأوسط) بإسناد قوي عن ابن عباس، قال:
رأى محمد ربه مرتين، ومن وجه آخر، قال: نظر محمد إلى ربه، جعل الكلام لموسى،
والخلة لإبراهيم، والنظر لمحمد عَّه، فظهر من ذلك أن مراد ابن عباس ههنا رؤيا العين،
وفيه رد لمن قال: المراد بالرؤيا في هذه الآية رؤياه، عَّ، أنه دخل المسجد الحرام المشار
إليها بقوله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ [الفتح: ٢٧]. قال هذا القائل:
والمراد بقوله: فتنة للناس، ما وقع من صد المشركين له في الحديبية عن دخول المسجد
الحرام. انتهى. قيل: هذا، وإن كان ممكناً أن يكون المراد، لكن الاعتماد في تفسيرها على
ترجمان القرآن أولى، والله أعلم.
قالَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ قال هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُوم
أرادَ بهذا تفسير الشجرة المذكورة في بقية الآية المذكورة، وهذا التفسير مروي عن
سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك، وقالوا أيضاً: ما جعل رؤياه التي رآها عَ لِّ إلاّ
فتنة للناس، لأن جماعة ارتدوا وقالوا: كيف يسري به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة؟
وقالوا: في الشجرة: كيف تكون في النار ولا تأكلها النار؟ فكان في ذلك فتنة لقوم وانتصاراً
لقوم منهم الصديق، رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنما سمي الصديق حينئذ، ومعنى كونها
ملعونة للعن أكلها، وقيل: العرب تقول لكل طعام ضار مكروه: ملعون، والزقوم ما وصفه الله
تعالى في كتابه العزيز، فقال: ﴿إنها شجرة نخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس
الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥،٦٤]. وهو فعول من الزقم وهو اللقم الشديد والشرب المفرط،