Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٠)
وهو الخادم الصغير غلاماً كان أو جارية، ومن طريق معاذ بن معاذ المذكور روى مسلم
الحديث المذكور، فقال: حدثنا محمد بن المثنى معاذ حدثنا ابن عون ... إلى آخره نحوه،
ورواه مسلم أيضاً عن قتيبة من حديث خرشة بن الحر مطولاً بألفاظ غير ما في الرواية
الأولى.
٣٠٢ / ٣٨١٤ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي بُرْدَةَ عِنْ أبِيهِ
قال أتَيْثُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ عبْدَ الله بنَ سَلاَمِ رضي الله تعالى عنه فقال أَلاَ تَجيءُ فَأُطْعِمَكَ
سَوِيقاً وَمْرَاً وتَدْخُلُ في بَيْتٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّكَ بِأَرْضِ الرِّبَا بِها فاشٍ إِذَا كانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ
فَأُهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أَوْ حِمْلَ قَتْ فَلاَ تَأْخُذُهُ فإِنَّهُ رِبَاً وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وأَبُو
دَاوُدَ ووَهْبٌ عِنْ شُعْبَةَ الْبَيْتَ. [الحديث ٣٨١٤ - طرفه في: ٧٣٤٢].
مطابقته للترجمة من وجهين: أحدهما: من حيث إنه علم منه أن النبي عَّ ◌ُّه، دخل في
بيت عبد الله وفيه تعظيم له. والآخر: من حيث إنه أمر بترك قبول هدية المستقرض، وهذا
من غاية الورع، وفيه منقبة عظيمة.
وسعيد بن أبي بردة يروي عن أبيه أبي بردة، بضم الباء الموحدة: عامر بن أبي موسى
الأشعري قاضي الكوفة مات سنة ثلاث ومائة وهو ابن نيف وثمانين سنة.
قوله: ((وتدخل في بيت))، التنوين فيه للتعظيم أي: بيت عظيم مشرف بدخول رسول
الله، عَّه، فيه وهو أحد وجهي المطابقة على ما ذكرنا. قوله: ((بأرض)) أي: أرض العراق أي:
إنك مقيم بأرض. قوله: ((الربا بها فاشٍ))، جملة إسمية من المبتدأ والخبر في محل الجر
لأنها صفة الأرض، ومعنى: فاشٍ ظاهر وشاسع كثير من الفشو. قوله: ((حمل تبن))، بكسر
الحاء. قوله: ((أو)) في الموضعين للتنويع. قوله: ((قت))، بفتح القاف وتشديد التاء المثناة من
فوق وهو نوع من علف الدواب. قوله: ((فإنه ربا)) أي: فإن قبول هدية المستقرض جار مجرى
الربا من حيث إنه زائف على ما أخذه من المستقرض، ويمكن أن يكون رأى عبد الله بن
سلام أنه عنده حقيقة الربا، وعلى كل حال الورع والزهد والتقوى ينفي ذلك. قوله: ((ولم
يذكر النضر))، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هو ابن شميل، وأشار بهذا إلى أن النضر
ابن شميل وأبا داود سليمان الطيالسي ووهب بن جرير لما رووا الحديث المذكور عن شعبة
لم يذكروا فيه لفظ: ((وتدخل في بيت)).
٢٠ _ بابُ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ عَّهِ خِدِيجَةَ وفَضْلِهَا رضي الله تعالى عنهَا
أي: هذا باب في بيان تزويج النبي عَّ، خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى
ابن قصي، تجتمع مع رسول اللهِ، عَّله، في قصي وهي من أقرب نسائه إليه في النسب، ولم
يتزوج من ذرية قصي غيرها إلاّ أم حبيبة. قال الزبير: كانت خديجة تدعى في الجاهلية
الطاهرة، أمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم، والأصم اسمه: جندب بن هرم بن رواحة بن حجر
ابن عبد معيص بن عامر بن لؤي، تزوجها رسول الله، عَّه، في سنة خمس وعشرين من

٣٨٢
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٠)
مولده في قول الجمهور، وقال أبو عمر: كانت إذ تزوجها رسول الله، معَّ له، بنت أربعين سنة،
وأقامت معه أربعاً وعشرين سنة وتوفيت وهي بنت أربع وستين سنة، وستة أشهر، وكان رسول
الله، عَّله، إذ تزوجها ابن إحدى وعشرين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين، وهو الأكثر،
وقيل: ابن ثلاثين وتوفيت قبل الهجرة بخمس سنين. وقيل: بأربع، وقال قتادة: قبل الهجرة
بثلاث سنين، قال أبو عمر: قول قتادة عندنا أصح، وقال أبو عمر: يقال: إنها توفيت بعد موت
أبي طالب بثلاثة أيام، توفيت في شهر رمضان ودفنت في الحجون، وذكر البيهقي: أن أباها
خويلد هو الذي زوجه إياها، وذكر ابن الكلبي أنه زوجها إياه عمها عمرو بن أسد، وذكر ابن
إسحاق أن الذي زوجه إياها أخوها عمرو بن خويلد، وكانت قبل النبي عَّهِ عند أبي هالة بن
النباش بن زرارة التميمي حليف بني عبد الدار، قال الزبير: اسمه مالك، وقال ابن منده:
زرارة، وقال العسكري: هند، وقال أبو عبيدة: اسمه النباش وابنه هند، ومات أبو هالة في
الجاهلية، وكانت خديجة قبله عند عتيق بن عائذ المخزومي، ثم خلف عليها رسول الله،
عَّله، ولم يختلفوا أنه ولد له منها أولاده كلهم إلاَّ إبراهيم، وقال إبن إسحاق، ولدت خديجة
له زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة والقاسم، وبه كان يكنى، والطاهر والطيب، فالثلاثة هلكوا
في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه عَّ الِ. فإن قلت: كيف
قال: باب تزويج النبي عَ ◌ّ خديجة، وكان يقتضي الكلام أن يقال: باب تزوج النبي عَّه من
باب التفعل لا من باب التفعيل؟ وهذا يقتضي أن يكون التزويج لغيره؟ قلت: قد وقع في بعض
النسخ: باب تزوج النبي "معَّم خديجة على الأصل، ولكن في أكثر النسخ بلفظ: تزويج،
فوجهه أن يقال: إن التفعيل يجيء بمعنى التفعل، ولهذا يقال: بمعنى التقدمة، أو المراد: تزويج
النبي عَِّ خديجة من نفسه. قوله: ((وفضلها)) أي: وفي بيان فضل خديجة، رضي الله تعالى
عنها.
٣٠٣ / ٣٨١٥ - حدَّثني مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ بنِ عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ قال سَمِعْتُ
عَبْدَ الله بنَ جَعْفَرٍ قال سَمِعْتُ عَلِيَّاً رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله عَ له
يُقُولُ .. ح وحدَّثني صَدَقَةُ أخبرنَا عَبْدَةُ عنْ هِشَامٍ بِنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ قال سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ
جَعْفَر عَنْ عَلِيّ رضي الله تعالى عنهُمْ عنِ النَّبِيِّ عَلِه قال خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وخَيْرُ نِسائِهَا
خَدِيجَةُ. [انظر الحديث ٣٤٣٢].
مطابقته للجزء الثاني من الترجمة ظاهرة. وأخرجه من طريقين الأول: عن محمد بن
سلام البخاري البيكندي وهو من أفراده عن عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه
عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى
عنه، عن النبي عَّ له. الثاني: عن صدقة بن الفضل المروزي عن عبدة ... إلى آخره.
وفيه: رواية تابعي عن تابعي، هشام عن أبيه، ورواية صحابي عن صحابي: عبد الله بن
جعفر عن عمه علي بن أبي طالب.

٣٨٣
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٠)
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، في
باب: ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك﴾ [آل عمران: ٤٢]. ومضى الكلام فيه
هناك. قال القرطبي: الضمير يعني في: نسائها، عائد على غير مذكور، لكنه يفسره الحال
والشأن، يعني به نساء الدنيا. وقال الطيبي: الضمير الأول يرجع إلى الأمة التي كانت فيها
مريم، عليها الصلاة والسلام، والثاني إلى هذه الأمة، ولهذا كرر الكلام تنبيهاً على أن حكم
كل واحدة منهما غير حكم الأخرى، ووقع في رواية مسلم عن وكيع عن هشام في هذا
الحديث، وأشار وكيع إلى السماء والأرض، فكأنه أراد أن يبين أن المراد نساء الدنيا، وأن
الضميرين يرجعان إلى الدنيا، وبهذا جزم القرطبي أيضاً. وقال الكرماني: والضمير يرجع إلى
الأرض، وقال بعضهم: والذي يظهر لي أن قوله: ((خير نسائها)) خبر مقدم، والضمير لمريم،
وكأنه قال: مريم خير نسائها، أي: نساء زمانها، وكذا في خديجة: قلت: هذا فيه تعسف من
وجوه: الأول: تقديم الخبر لغير نكتة غير طائل. والثاني: إضافة النساء إلى مريم غير صحيحة.
والثالث: فيه الحذف وهو غير الأصل.
٣٠٤ / ٣٨١٦ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرِ حدَّثنا اللَّيْثُ قال كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عنْ أَبِيهِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ ما غِرْتُ علَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ عَ لِّ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ
هَلَكَتْ قَبْلِ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي لِمَا كُنْتُ أُسْمَعُهُ يَذْكُرُها وأَمَرَهُ الله أنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ وإنْ
كانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي في خَلَائِلِهَا مِنْهَا ما يَسَعُهُنَّ. [الحديث ٣٨١٦ - أطرافه في:
٣٨١٧، ٣٨١٨، ٥٢٢٩، ٦٠٠٤، ٧٤٨٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وسعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء
آخر الحروف: وهو سعيد بن كثير بن عفير أبو عثمان المصري، وقد نسب إلى جده،
والحديث من أفراده.
قوله: ((كتب إلي هشام)) يعني: هشام بن عروة بن الزبير، ووقع عند الإسماعيلي من
وجه آخر عن الليث: حدثني هشام بن عروة، قيل: لعل الليث لقي هشاماً بعد أن كتب إليه
بهذا الحديث فحدثه به. وقيل: كان مذهب الليث أن الكتابة والتحديث سواء، ونقل عنه
الخطيب ذلك. قوله: ((ما غرت)) بكسر الغين المعجمة من الغيرة وهي الحمية والأنفة، يقال:
رجل غيور وامرأة غيور بلا: هاء، لأن فعولاً يشترك فيه الذكر والأنثى، وجاء في حديث: أن
امرأة غيرى، على وزن فعلى، من الغيرة يقال: غرت على أهلي أغار غيرة فأنا غائر وغيور
للمبالغة، وفيه ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء، فضلاً عمن دونهن،
وكانت عائشة تغار من نساء النبي عَّه، ولكن تغار من خديجة أكثر، وذلك لكثرة ذكر
رسول الله، عَّ له، إياها. وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها وكثرة الذكر تدل
على كثرة المحبة، وقال القرطبي: مرادها بالذكر لها مدحها والثناء عليها. قوله: ((هلكت قبل
أن يتزوجني)) أي: ماتت خديجة قبل أن يتزوج النبي عَّلّه، بعائشة، ويأتي عن قريب بيان
المدة إن شاء الله تعالى. وأشارت عائشة بذلك إلى أن خديجة لو كانت حية في زمانها

٣٨٤
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٠)
لكانت غيرتها منها أكثر وأشد. قوله: ((وأمره الله أن يبشرها))، أي: أمر الله تعالى النبي عَّه،
أن يبشر خديجة ((ببيت من قصب)) بفتحتين، قال الجوهري: هو أنابيب من جوهر، وقال
النووي: المراد به قصب اللؤلؤ المجوف، وقيل: قصب من ذهب منظوم بالجواهر، ويقال:
القصب هنا اللؤلؤ المجوف الواسع كالقصر المنيف، وقد جاء في رواية عبد الله بن وهب:
قال أبو هريرة قلت: يا رسول الله! وما بيت من قصب؟ قال: بيت من لؤلؤة مجوفة، رواه
السمرقندي في (صحيح مسلم): مجوبة، وروى الخطابي: مجوبة، بضم الجيم، أي: قطع
داخلها فتفرغ، وخلا من قولهم: جبت الشيء إذا قطعته، وروى أبو القاسم بن مطير بإسناده
عن فاطمة، رضي الله تعالى عنها، سيدة نساء العالمين أنها قالت: ((يا رسول الله أين أمي
خديجة؟ قال: في بيت من قصب، لا لغو فيه ولا نصب، بين مريم وآسية امرأة فرعون. قالت:
يا رسول الله! أمن هذا القصب؟ قال: لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت. فإن
قلت: قال: من قصب، ولم يقل: من لؤلؤ ونحوه؟ قلت: هذا من باب المشاكلة لأنها لما
أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنساء ذكر الجزاء بلفظ العمل،
والعرب تسمي السابق محرز القصب. فإن قلت: كيف بشرها ببيت وأدنى أهل الجنة منزلة
من يعطى مسيرة ألف عام في الجنة، كما في حديث ابن عمر عند الترمذي؟ قلت: قيل:
ببيت زائد على ما أعده الله لها من ثواب أعمالها. وقال الخطابي: البيت هنا عبارة عن قصر،
ألا يرى قد يقال لمنزل الرجل: بيته، ويقال في القوم: هل هو أهل بيت شرف وعز؟ وقال
السهيلي ما ملخصه: أنه من باب المشاكلة لأنها كانت ربة بيت في الإسلام ولم يكن على
وجه الأرض بيت إسلام إلاَّ بيتها حين آمنت، وجزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل، وإن كان أشرف
منه، كما قيل: من بنى لله مسجداً بنى الله له مثله في الجنة، لم يرد مثله في كونه مسجداً
ولا في صفته، ولكنه قابل البنيان بالبنيان أي: كما بنى بني له. قوله: ((وإن كان))، كلمة: إن،
مخففة من المثقلة ويراد بها تأكيد الكلام ولهذا أتت باللام في قولها ((ليذبح)). قوله:
((فيهدي)) في خلائلها، بالخاء المعجمة جمع خليلة، وهي الصديقة وهذا أيضاً من أسباب
الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد صواحباتها. قوله: ((منها)) أي:
من الشاة. قوله: ((ما يسعهن)) أي: ما يسع لهن، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية
المستملي والحموي: ((ما يتسعهن))، أي: ما يتسع لهن، وفي رواية النسفي: ((ما يشبعهن)) من
الإشباع، قيل: ليس في روايته كلمة ما.
٣٠٥/ ٣٨١٧ - حدَّثْنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ هِشَامٍ بِنِ
عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ عائشةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتْ ما غِرْتُ عَلَى خَدِيجةً مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ
رَسُولِ اللهِ إِيَّهَا قَالَتْ وتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا بِثَلاثِ سِنينَ وأَمَرَهُ رَبُّهُ عزَّ وجلَّ أَوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ
أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ. [انظر الحديث ٣٨١٦ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث عائشة المذكور عن قتيبة عن حميد بن عبد الرحمن
الرؤاسي، بضم الراء وهمزة بعد الراء وسين مهملة، وليس له فى البخاري سوى هذا الحديث،

٣٨٥
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٠)
وحديث آخر في الحدود، وفيه زيادة قوله: ((وتزوجني بعدها)) أي: بعد موت خديجة بثلاث
سنين. قال النووي: أرادت بذلك زمن دخولها عليه، وأما العقد فتقدم على ذلك بمدة سنة
ونصف. قوله: ((أو جبريل))، شك من الراوي.
٣٠٦ /٣٨١٨ - حدّثني عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَسَنٍ حدَّثنا أبي حدَّثنا حَفْصٌ عنْ
هِشامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتْ ما غِرْتُ علَى أَحَدٍ مِنْ نِساءِ النَّبِيِّ
عَّلَّهِ مَا غِرْتُ عَلَى خدِيجَةَ وما رأيتُها ولَكِنْ كانَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا ورُّمَا ذَبحَ الشَّاةَ ثُمَّ
يُقَطِّعُها أعْضاءً ثُمَّ يبْعَثُهَا في صدَائِقِ خدِيجَةَ فؤُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امرأةٌ إلاَّ
خدِيجَةُ فِيَقُولُ إِنَّهَا كانَتْ وكانَتْ وكانَ لِي مِنْها ولَدٌ. [انظر الحديث ٣٨١٦ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث عائشة المذكور أخرجه عن عمر بن محمد بن حسن
المعروف بابن التل، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد اللام الأسدي الكوفي، مات في شوال
سنة خمسين ومائتين، يروي عن أبيه محمد بن حسن بن الزبير أبي جعفر الأسدي الكوفي
هو وابنه من أفراد البخاري، وهو يروي عن حفص بن غياث النخعي الكوفي قاضيها عن هشام
ابن عروة عن أبيه عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، وهذا الإسناد نازل لأنه يروي عنٍ
حفص بن غياص بواسطة شخص، وهنا روى عنه بواسطة اثنين، وليس في البخاري لعمر إلاّ
هذا الحديث، وآخر في الزكاة، وقد مر، وهو من صغار شيوخه.
والحديث أخرجه مسلم في فضل خديجة أيضاً عن سهل بن عثمان. وأخرجه الترمذي
في البر عن أبي هشام الرفاعي.
قوله: ((وما رأيتها)) جملة حالية، وفي رواية مسلم: ((ولم أدركها))، والمعنى: ما رأيتها
عند النبي عَّ ◌ُلّه، ولا أدركتها عنده، ورؤيتها إياها كانت ممكنة، وكذلك إدراكها إياها لأنها
كانت عند موت خديجة بنت ست ستين، ولكن نفيها الرؤية والإدراك بالقيد المذكور. قوله:
((كأنه لم يكن))، وفي رواية الكشميهني: ((كأن لم يكن))، بحذف الهاء. قوله: ((أنها كانت))،
أي: أن خديجة كانت، وكانت أي: كانت فاضلة، وكانت عاملة وكانت تقية ونحوها ذلك،
قوله: ((وكان لي منها)) أي: من خديجة: ((ولد)) وقد ذكرنا أن جميع أولاده من خديجة إلاَّ
ابنه إبراهيم فإنه من مارية القبطية.
وقال النووي: وفي هذا الحديث ونحوه دلالة لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة
الصاحب والمعاشر حياً وميتاً، وإكرام معارف ذلك الصاحب.
٣٨١٩/٣٠٧ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إِسْمَاعِيلَ قالَ قُلْتُ لِعَبْدِ الله بنِ
أبِي أُوْفَى رضي الله تعالى عنهُما بَشَّرَ النَّبِيُّ عَ لِّ خدِيجَةَ قالَ نَعَمْ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لاَ
صَخَبَ فِيهِ ولاَ نصَبَ. [انظر الحديث ١٧٩٢].
يحيى هو القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وعبد الله بن أبي أوفى، واسم أبي
أوفى: علقمة الأسلمي، لهما صحبة.
عمدة القاري /ج١٦ /م٢٥

٣٨٦
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٠)
قوله: ((بشر النبي عَّه، خديجة)) أي: هل بشر النبي عَ لّهِ؟ وأداة الاستفهام محذوفة.
قوله: ((قال نعم)) أي: قال عبد الله: نعم بشرها ببيت من قصب، وقد مضى في أبواب العمرة
في: باب متى يحل المعتمر، في رواية جرير عن إسماعيل أنهم قالوا لعبد الله بن أبي أوفى:
حدثنا ما قال لخديجة. قال: قال: بشروا خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه
ولا نصب، وقد مر الكلام فيه هناك، والقصب قد مر تفسيره، والصخب بالمهملة والمعجمة
المفتوحتين: الصوت المختلط المرتفع، والنصب: المشقة والتعب، وذكر الصخب والنصب
أيضاً من باب المشاكلة لأنه معَّه، لما دعاها إلى الإيمان أجابته سريعاً ولم تحوجه إلى أن
يصخب الرجل إذا تعصت عليه امرأته، ولا أن ينصب، بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من
كل وحشة وهونت عليه كل مكروه وأزاحت بمالها كل كدر ونصب، فوصف منزلها الذي
بشرت به بالصفة المقابلة لفعلها وصورة حالها.
٣٠٨ / ٣٨٢٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلِ عنْ عُمَارَةَ عنْ
أبِي زُرْعَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال أَتَّى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ عَّ ◌ُلِّ فَقَالَ يا رسولَ الله
هذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدامٌ أو طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فإذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ
مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ ولاَ نَصَبَ. [الحديث
٣٨٢٠ - طرفه في: ٧٤٩٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث من مراسيل الصحابة، لأن أبا هريرة لم يدرك
خديجة ولا أيامها، وعمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم: ابن قعقاع، وأبو زرعة بن
عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: غير ذلك.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن زهير بن حرب. وأخرجه مسلم في
الفضائل عن أبي بكر، وأبي كريب وابن نمير. وأخرجه النسائي في المناقب عن عمرو بن
علي.
قوله: ((عن أبي هريرة)) وفي رواية مسلم: سمعت أبا هريرة. قوله: ((أتى جبريل)) وعند
الطبراني أن ذلك كان وهو بحراء. قوله: ((قد أتت)) وفي رواية مسلم: قد أتتك، أي: توجهت
إليك، قوله: ((فيه إدام أو طعام أو شراب)) شك من الراوي، وعند الطبراني أنه كان حيساً.
قوله: ((فإذا هي أتتك)) أي: وصلت إليك. قوله: ((فاقرأ عليها السلام)) أي: سلم عليها من
ربها ومني. فإن قلت: كيف ردت الجواب؟ قلت: بين ذلك الطبراني في روايته، فقالت: هو
السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام. وللنسائي من رواية أنس، قال: قال جبريل للنبي
عَّ الرّ: إن الله يقرىء خديجة السلام، يعني: فأخبرها فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل
السلام وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، وفي رواية ابن السني زيادة وهي
قولها: وعلى من سمع السلام إلاّ الشيطان. فإن قلت: فلم ما قالت: وعلى الله السلام؟ كما
قالت: وعلى جبريل وعليك يا رسول الله؟ قلت: لأن الله هو السلام، وهو إسم من أسمائه فلا

٣٨٧
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٠)
يرد عليه السلام كما يرد على المخلوقين، ألا يرى أن بعض الصحابة لما قالوا في التشهد:
السلام على الله؟ نهاهم النبي عَ لّم عن ذلك، وقال: إن الله هو السلام؟ فقولوا بالتحيات لله،
ولأن السلام دعاء أيضاً بالسلامة فلا يصحل أن يرد به على الله، ففيه دلالة على صحة فهم
خديجة وقوة إدراكها مثل هذا. فإن قلت: لما ردت الجواب بما ذكرنا، هل كان جبريل، عليه
الصلاة والسلام، حاضراً؟ قلت: بلى، كان حاضراً فردت عليه وردت على النبي عَّهِ، مرتين،
ثم أخرجت الشيطان ممن سمع لأنه لا يستحق الدعاء بذلك.
٣٨٢١ _ وقَالَ إِسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ قالَ أخبَرَنا عِلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ عنْ هِشَام عنْ أبِيهِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتِ اسْتَأْذَنَتْ هالَهُ بِنْتُ خُوَيْلِد أحْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ الله
عَّهِ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ حَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ قالَتْ فَغِرْتُ فَقُلْتُ ما تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ
مِنْ عَجَائِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ في الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَكَ الله خَيْرَاً مِنْهَا.
مطابقته للجزء الأول من الترجمة من حيث دلالته على التزويج بطريق اللزوم. وقال
الكرماني: المراد من الترجمة لفظ: وفضلها، كما تقول: أعجبني زيد وكرمه، وتريد أعجبني
كرم زيد. قلت: على قوله لا يوجد في الباب للجزء الأول من الترجمة حديث يطابقها.
وإسماعيل بن خالد أبو عبد الله الخزاز الكوفي، روى عنه البخاري ومسلم، وقال
البخاري: جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومائتين. قوله: ((وقال إسماعيل)) صورته صورة
التعليق في النسخ كلها، لكن الحافظ المزي قال: حديث استأذنت هالة ... وذكر الحديث،
ثم قال حينئذ في فضل خديجة: عن إسماعيل بن خليل، فهذه العبارة تدل على أنه روى
عنه، فتقتضي اتصاله. وأخرجه مسلم في الفضائل عن سويد بن سعيد. وأخرجه أبو عوانة عن
محمد بن يحيى الذهلي عن إسماعيل المذكور.
قوله: ((استأذنت هالة))، بالهاء وتخفيف اللام، وهي أخت خديجة وكلتاهما بنتا خويلد
ابن أسد، وكانت زوج الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس والد أبي العاص زوج زينب بنت
النبي عَّةٍ، وذكرت في الصحابة، وقد هاجرت إلى المدينة لأن استيذانها كان بالمدينة.
قوله: ((فعرف استئذان خديجة))، أي: تذكر استئذانها لشبه صوتها بصوت خديجة. قوله:
((فارتاع لذلك)) من الروع أي: فزع، ولكن المراد لازمه وهو التغير، ويروى: فارتاح، بالحاء
المهملة أي: اهتز لذلك سروراً. قوله: ((فقال: أللهم هالة)) بالنصب تقديره: يا الله إجعلها
هالة، فتكون هالة منصوباً على المفعولية، ويجوز رفعها على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذه
هالة، وروى المستغفري من طريق حماد بن سلمة عن هشام بهذا السند. قدم ابن لخديجة
يقال له هالة، فسمع النبي عَّ لّه في قابلته كلام هالة فانتبه وقال: هالة هالة، ثم قال
المستغفري: الصواب هالة أخت خديجة. قوله: ((قالت))، أي: عائشة ((فغرت)) من الغيرة.
((فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش؟)) أرادت به خديجة. قوله: ((حمراء الشدقين))
بالحاء المهملة والراء، والشدق بالكسر جانب الفم، أرادت أنها عجوز كبيرة جداً قد سقطت

٣٨٨
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢١)
أسنانها من الكبر ولم يبق بشدقها بياض من الأسنان إنما بقيت فيه حمرة اللثات. وقال
القرطبي: قيل: معنى حمراء الشدقين بيضاء الشدقين، والعرب تطلق الأحمر على الأبيض
كراهة لاسم البياض لكونه يشبه البرص، وفيه نظر لا يخفى، وحكى ابن التين أنه روي
بالجيم والزاي ولم يذكر له معنًى، وهو تصحيف، قاله بعضهم. وقال صاحب (التوضيح):
روى كلاهما ولم يذكر المعنى أيضاً. قوله: ((خيراً منها))، أي: من خديجة، وقال ابن التين:
في سكوت النبيِ مَّهِ، على هذه المقالة دليل على أفضلية عائشة على خديجة، رضي الله
تعالى عنهما، إلاّ أن يكون المراد بالخيرية هنا حسن الصورة وصغر السن، وقال الطبري
وغيره: الغيرة تسامح للنساء ما يقع منهن ولا عقوبة عليهن في تلك الحالة لما جبلن عليها،
ولهذا لم يزجر، عَّ له، عائشة عن ذلك. قلت: فعلى هذا سكوته عَّله على المقالة المذكورة
لا يدل على أفضلية عائشة على خديجة، على أنه جاءت رواية بالرد لهذه المقالة، وهي ما
رواه أحمد والطبراني من رواة ابن أبي نجيح عن عائشة، أنها قالت: قد أبدلك الله بكبيرة
السن حديثة السن، فغضب حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلاَّ بخير.
٢١ - بابُ ذِكْرِ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله البَجَليِّ رضي الله تعالى عنه
أي: هذا باب فيه ذكر جرير بن عبد الله بن جابر، وهو الشليل، بفتح الشين المعجمة
وبلامين بينهما ياء آخر الحروف: ابن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عوف البجلي،
نسبة إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة أم ولد أنمار بن أراش أحد أجداد جرير، وكنيته
أبو عمرو، نزل الكوفة ثم نزل قرقيسيا وبها مات سنة إحدى وخمسين، وكان سيداً مطاعاً
مليحاً طوالاً بديع الجمال صحيح الإسلام كبير القد، قال عَّ: على وجهه مسحة ملك.
وعن عمر، رضي الله تعالى عنه، قال: إنه يوسف هذه الأمة، ولما دخل على رسول الله،
عَ خله، أكرمه وبسط له رداءه، وقال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. رواه الطبراني في (الأوسط)
من حديث قيس عنه، وقال أبو عمر: كان إسلامه في العام الذي توفي فيه رسول الله، عَلّ،
قال جرير: أسلمت قبل موت النبي عَّ له بأربعين يوماً، وفيه نظر، لأنه ثبت في (الصحيح): أن
النبي عَّ ◌ُله، قال له: استنصت الناس في حجة الوداع وذلك قبل موته بأكثر من ثمانين يوماً،
قيل: الصحيح أن إسلامه كان في سنة الوفود سنة تسع أو سنة عشر.
٣٠٩/ ٣٨٢٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ قالَ حدَّثنا خالِدٌ عنْ بَيان عنْ قَيْسٍ قالَ
سَمِعْتُهُ يَقُولُ قال جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ ما حَجَبَتِي رَسُولُ اللهِ عَ لَه مُنْذُ
أُسْلَمْتُ ولاَ رآنِي إلاَّ ضَحِكَ. [انظر الحديث ٣٠٣٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ذكر جرير وإكرام النبي عَّه، إياه، وإسحاق هو ابن
شاهين الواسطي ابن بشر وهو من أفراد البخاري، وخالد هو ابن عبد الله بن عبد الرحمن
الطحان الواسطي من الصالحين، وبيان، بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف: ابن
بشر، بالباء الموحدة المكسورة: الأحمسي المعلم، وقيس هو ابن أبي حازم، بالحاء المهملة

٣٨٩
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٢)
والزاي، والحديث مضى في الجهاد في: باب من لا يثبت على الخيل، بأتم منه.
٣٨٢٣ _ وعَنْ قَيْسِ عنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله قال كانَ في الجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقالُ لَهُ
ذُو الخَلَصَةِ وكانَ يُقالُ لَهُ الكَعْبَةُ الْيَمانِيَّةُ أَوِ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ فقالَ لِي رَسُولُ اللهِعَلِ هَلْ
أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ قالَ فَتَفَرْتُ إِلَيْهِ في خَمْسِينَ وَمَائَةٍ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ قالَ
فَكَسَرْنَاهُ وقَتلْنَا مَنْ وجَدْنا عِنْدَهُ فَأَتَيْنَاهُ فأخْبَرْنَاهُ فَدَعَا لَنَا وَلأُخْمَسَ. [انظر الحديث ٣٠٢٠
وأطرافه].
فيه أيضاً ذكر جرير وخبره، وفيه المطابقة وفيه إكرام النبي عَّ له، له حيث دعا له
ولأحمس، وهو بالمهملتين اسم قبيلة، وهو أحمس بن غوث، وغوث هذا ابن بجيلة بنت
مصعب المذكور آنفاً.
قوله: ((وعن قيس))، هو موصول بالإسناد المذكور، وهو قيس بن أبي حازم.
والحديث مضى بأتم منه في الجهاد في: باب البشارة في الفتوح، ومضى الكلام فيه
هناك، ولكن نتكلم ببعض شيء لطول العهد من هناك فنقول.
قوله: ((بيت)) وكان لخثعم وكان باليمن وكان فيه صنم يدعى بالخلصة، بالخاء
المعجمة المفتوحة وباللام المفتوحة، وحكي سكونها، واليمانية بتخفيف الياء على الأصح.
وقال النووي: فيه إشكال، إذ كانوا يسمونها بالكعبة اليمانية فقط، وأما الكعبة الشامية فهي
الكعبة المكرمة التي بمكة، شرفها الله تعالى، وفرقوا بينهما بالوصف للتمييز، فلا بد من تأويل
اللفظ بأن يقال: كان يقال لها الكعبة اليمانية، والتي بمكة الكعبة الشامية، وقد يروى بدون:
الواو، فمعناه: كان يقال هذان اللفظان أحدهما لموضع والآخر لآخر، وقال القاضي: ذكر
الشامية غلط من الرواة والصواب حذفه، وقال الكرماني: الضمير في: له، راجع إلى البيت،
والمراد به: بيت للصنم، كان يقال لبيت الصنم: الكعبة اليمانية، والكعبة الشامية فلا غلط
ولا حاجة إلى التأويل بالعدول عن الظاهر. قوله: ((مريحي)) من الإراحة، بالراء المهملة.
٢٢ - بابُ ذكْرِ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ العَبْسِيِّ رضي الله تعالى عنهُ
أي: هذا باب فيه ذكر حذيفة بن اليمان، واليمان لقب واسمه: حسيل، وقيل: حسل،
وإنما قيل له اليمان لأنه حالف اليمانية، وحسل بن جابر بن أسد بن عمرو بن مالك أبو عبد
الله العبسي حليف بني الأشهل صاحب سر رسول الله، عَّله، له ولأبيه صحبة، قتل أبوه يوم
أحد وكان حذيفة أميراً على المدائن، استعمله عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، ومات
بعد قتل عثمان بأربعين يوماً، سكن الكوفة. وقال الذهبي: مات بدمشق، وقد ذكره البخاري
فيما مضى فى مناقب عمار وحذيفة، رضى الله تعالى عنهما. قوله: ((العبسي))، بفتح العين
المهملة وسكون الباء الموحدة وبالسين المهملة: نسبة إلى عبس بن بغيض بن ريث بن
غطفان.

٣٩٠
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٣)
٣٨٢٤/٣١٠ _ حِدَّثني إِسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ قالَ أخبرَنَا سلَمَةُ بنُ رَجَاءٍ عنْ هِشَامِ بنِ
عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ لَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ
هَزِيْمَةً بَيْنَةً فَصاحَ إِبْلِيسُ أَيْ عَبَادَ الله أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُوْلاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ فاجْتَلَدَتْ أُخْرَاهُمْ
فَتَظَرِ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ فَنَادِى أَيْ عِبَادَ الله أبي أبي فَقالَتْ فَوَالله ما احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ
فقالَ حُذَيْفَةُ غَفَرَ الله لَكُمْ قال أبِي فَوَاللهِ ما زَالَتْ في حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حتَّى لَقِيَ اللَه
عَزَّ وجَلَّ. [انظر الحديث ٣٢٩٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وإسماعيل بن خليل عن قريب مضى، وسلمة بن رجاء، بفتح
اللام: أبو عبد الرحمن الكوفي، والحديث من أفراده.
قوله: ((هزم) على صيغة المجهول. قوله: ((بينة)) أي: ظاهرة. قوله: ((أخراكم)) أي:
اقتلوا أخراكم أو انصروا أخراكم» قال ذلك إبليس تغليطاً وتلبيساً، والخطاب للمسلمين أو
للمشركين. ((فاجتلدت)) يقال: تجالد القوم بالسيوف، وكذلك: اجتلدوا. قوله: ((أبي أبي))
بالتكرار، يعني: هذا أبي، يحذر المسلمين عن قتله ولم يسمعوه فقتلوه يظنونه من المشركين
ولا يدرون، فتصدق حذيفة بديته على من أصابه. قوله: ((فقالت)» أي: عائشة. قوله: «ما
احتجزوا)) أي: ما انفصلوا من القتال وما امتنع بعضهم من بعض ((حتى قتلوه)) أي: أبا حذيفة
قوله: ((قال))، أي: هشام بن عروة، ((قال: أبي)) أي: عروة، وفصل هذا من حديث عائشة
فصار مرسلاً. قوله: ((منها)) أي: من هذه الكلمة أي بسببها وهي قول حذيفة: غفر الله لكم.
قوله: ((بقية خير حتى لقي الله عز وجل))، يؤخذ منه أن فعل الخير تعود بركته على صاحبه
في طول حياته، وهذا الباب والذي قبله وقعا في بعض النسخ قبل: باب تزويج النبي عَّه
خديجة، رضي الله تعالى عنها.
٢٣ _ بابُ ذِكْرِ هِنْدٍ بِنْتِ عُثْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ رضي الله تعالى عنهَا
أي: هذا باب فيه ذكر هند - يجوز فيه الصرف ومنعه - بنت عتبة، بضم العين
وسكون التاء المثناة من فوق: ابن ربيعة بن عبد شمس وهي والدة معاوية بن أبي سفيان قتل
أبوها ببدر كما سيأتي وشهدت هي مع زوجها أبي سفيان أحداً وحرضت على قتل حمزة،
رضي الله تعالى عنه، عم النبي عَّ لكونه قتل عمها شيبة، فقتله وحشي بن حرب، ثم
أسلمت هند يوم الفتح وكانت من عقلاء النساء وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن
المغيرة المخزومي، ثم طلقها في قصة جرت، ثم تزوجها أبو سفيان فأنجبت عنده، وماتت
في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه.
٣١١/ ٣٨٢٥ _ وقالَ عَبْدَانُ أخبرَنَا عَبْدُ الله أخبرَنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ حدَّثني ◌ُرْوَةُ أَنَّ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالتْ جاءَتْ هِنْدُ بنْتُ عُثْبَةَ قالَتْ يا رسول الله ما كانَ على
ظَهْرِ الأرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءِ أحَبُّ إِلَيَّ أنْ يَذِلُّوا منْ أهْلِ خِبَائِكَ ثُمَّ ما أصْبَحَ اليَوْمَ عِلَى ظَهْرِ
الأَرْضِ أَهْلُ حِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يعِزُو مَنْ أَهْلِ خِبائِكَ قَالَتْ وأيضاً والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ قالَتْ يا
.

٣٩١
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٤)
رسُولَ اللهِ إِنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسْيكٌ فَهِلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَّالَنَا قَالَ لا أُرَاهُ
إلاَّ بالمَعْرُوفِ. [انظر الحديث ٢٢١١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه ذكر هند، وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي،
وقد مر غير مرة، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في النفقات عن محمد بن مقاتل وفي الأيمان والنذور
عن يحيى بن بكير، وأخرجه هنا معلقاً وكلام أبي نعيم في (المستخرج) يقتضي أن البخاري
أخرجه موصولاً ووصله البيهقي عن عبدان.
قوله: ((خباء))، هي الخيمة التي من الوبر أو الصوف على عمودين أو ثلاثة. وقال
الكرماني: يحتمل أن تريد به نفسه عَُّلّ فكنت عنه بذلك إجلالاً له، وأهل بيته، والخباء يعبر
به عن مسكن الرجل وداره. قوله: ((قال: وأيضاً والذي نفسي بيده))، هذا جواب لهند
بتصديق ما ذكرته يعني: وأنا أيضاً بالنسبة إليك مثل ذلك، وقيل: معناه وأيضاً ستزيد في ذلك
ويتمكن الإيمان في قلبك فيزيد حبك لرسول الله، عٍَّ ويقوى رجوعك عن غضبه، وهذا
المعنى أولى وأوجه من الأول، بيان ذلك من جهة طرف الحب والبغض، فقد كان في
المشركين من هو أشد أذِّى للنبي عَّلِ من هند وأهلها، وكان في المسلمين بعد أن أسلمت
من هو أحب إلى النبي عَّةٍ منها ومن أهلها، فلا يمكن حمل الخبر على ظاهره فيفسر بما
ذكرناه أولاً. قوله: ((قالت: يا رسول الله!)) أي: قالت هند: يا رسول الله ((إن أبا سفيان))
تعني زوجها والد معاوية. ((رجل مسيك)) بكسر الميم وتشديد السين المهملة، وهي صيغة
مبالغة أي: بخيل جداً شحيح. قوله: ((هل علي؟))، بتشديد الياء استفهام على سبيل
الاستعلام، أي: هل علي حرج أو إثم ((أن أطعم) أي: بأن أطعم من الإطعام؟ قوله: ((من الذي
له)) أي: من المال الذي لأبي سفيان. قوله: ((عيالنا)) بالنصب لأنه مفعول: أطعم، بضم
الهمزة. قوله: ((قال: لا)) أي: قال النبي عَّله: لا أرى ذلك، أي: الإطعام. ((إلاَّ بالمعروف))
أي: بقدر الحاجة والضرورة دون الزيادة عليها.
وفيه: وجوب النفقة للأولاد الصغار الفقراء، ومنهم من احتج به على جواز الحكم
للغائب، ورد ذلك بأن هذا كان إفتاءً لا حكماً.
٢٤ - بابُ حَدِيثٍ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ
أي: هذا باب في بيان حديث زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد
الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر العدوي، وهو والد سعيد
ابن زيد أحد العشرة المبشرة، وابن عم عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، لأن عمر هو
ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى وعمرو الذي هو والد زيد أخو خطاب والد عمر بن
الخطاب، فيكون زيد هذا ابن عم عمر بن الخطاب، وكان زيد هذا ممن طلب التوحيد،
وخلع الأوثان وجانب الشرك ولكنه مات قبل مبعث النبي عَّ له، وقال سعيد بن المسيب:

٣٩٢
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٤)
مات وقريش تبني الكعبة قبل نزول الوحي على رسول الله، عَّ ◌ُله، بخمس سنين، وعن زكريا
السعدي: أنه لما مات دفن بأصل حراء، وعند ابن إسحاق: أنه لما توسط بلاد لحم عدوا
عليه فقتلوه، وعند الزبير: بلغنا أن زيداً كان بالشام فلما بلغه خروج سيدنا رسول الله، عَ ◌ّهِ،
أقبل يريده فقتله أهل ميفعة. وقال البكري، وهي قرية من أرض البلقاء بالشام، ويقال: كان زيد
سكن حراء وكان يدخل مكة سرّاً ثم سار إلى الشام يسأل عن الدين فسمته النصارى فمات.
فإن قلت: ما حكمه من جهة الدين؟ قلت: ذكره الذهبي في (تجريد الصحابة) وقال: قال
النبي عَّ له: يبعث أمة وحده، وعن جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: سئل رسول الله، عَ لَّه
عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية، ويقول: إلهي إله إبراهيم
وديني دين إبراهيم ويسجد، فقال رسول الله، عَّ له: يحشر ذاك أمة وحده بيني وبين عيسى
ابن مريم، عليهما السلام، رواه ابن أبي شيبة، وروى محمد بن سعد من حديث عامر بن
ربيعة حليف بني عدي بن كعب، قال: قال لي زيد بن عمرو: إني خالفت قومي واتبعت ملة
إبراهيم وإسماعيل، وما كانا يعبدان، وإن كانا يصليان إلى هذه القبلة وأنا أنتظر نبياً من بني
إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة
فأقرئه مني السلام. قال عامر فلما أسلمت أعلمت النبي عَّه بخبره، قال: فرد عليه السلام،
وترحم عليه، وقال: لقد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً، وروى البزار والطبراني من حديث
سعيد بن زيد، وفيه قال: سألت أنا وعمر، رسول الله، عَُّلِّ عن زيد، فقال: غفر الله له،
ورحمه. فإنه مات على دين إبراهيم، عليه الصلاة والسلام. وقال الباغندي عن أبي سعيد
الأشج عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول
الله، عَّل: ((دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين))، وقال ابن كثير: وهذا
إسناد جيد وليس في شيء من الكتب. فإن قلت: لم ذكر البخاري هذا الباب في كتابه؟
قلت: أشار به إلى أن النبي عَ لّهِ لقيه قبل أن يبعث، وذكر في شأنه ما ذكره حتى إن الذهبي
وغيره ذكروه في الصحابة، وقال صاحب (التوضيح) ميل البخاري إليه، قلت: فلذلك ذكره
بين ذكر الصحابة.
٣٨٢٦/٣١٢ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ أَبِي بَكْرِ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ حدَّثنا مُوسى
حدَّثنا سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ عَّهِ لَقِيَ زَيْدَ
ابنَ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ بِأسْفَلٍ بِلْدَحَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عِلَى النَّبِيِّعَ لَّهِ فَقُدِّمَتْ إلى النَّبِيِّ عَ لَّه سُفْرَةٌ
فَأَتَّى أَنْ يأْكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قال زَيْدٌ إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ ولاَ آكُلُ إِلاَّ ما
ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ وأنَّ زَيْدَ بنَ عَمْرٍو كانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبائِحَهُمْ وَيَقُولُ الشَّةُ خَلَقَهَا
الله وأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّماءِ المَاءَ وأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأرْضِ ثُمَّ تَذْبَحُونَها علَى غيْرِ اسْمِ اللهِ إِنْكَارَاً
لِذَلِكَ وَإِعْظَاماً لَهُ. [الحديث ٣٨٢٦ - طرفه في: ٥٤٩٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه حديث زيد المذكور. ومحمد بن أبي بكر بن علي
ابن عطاء بن مقدم أبو عبد الله المعروف بالمقدمي البصري، يروي عن فضيل بن سليمان

٣٩٣
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٤)
النميري البصري، يروي عن موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي المديني عن سالم بن عبد
الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه عبد الله.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الذبائح عن معلى بن أسد. وأخرجه النسائي في
المناقب عن أحمد بن سليمان.
قوله: ((بلدح)) بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الدال المهملة وفي آخره حاء
مهملة، قال البكري: هو موضع في ديار بني فزارة، وهو واد في طريق التنعيم إلى مكة. قوله:
((فقدمت)) على صيغة المجهول: قوله: ((سفرة)) قال ابن الأثير: السفرة طعام يتخذه المسافر
وأكثر ما يحمل في جلد مستدير فنقل اسم الطعام إلى الجلد وسمي به، كما سميت المزادة
راوية، وغير ذلك من الأسماء المنقولة. قوله: ((فأبى)) أي: أبى زيد، أي: امتنع أن يأكل منها.
وقال ابن بطال: كانت السفرة لقريش فقدموها للنبي عَّه، فأبى أن يأكل منها، فقدمها النبي
عَ ظله، لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها. وقال مخاطباً لقريش الذين قدموها أولاً: إنا لا نأكل
كل ما ذبح على أنصابكم. انتهى. والأنصاب جمع النصب، قال الكرماني: وهو ما نصب
فعبد من دون الله، عز وجل. قلت: هي أحجار كانت حول الكعبة يذبحون عليها للأصنام.
وقال الكرماني: هل أكل رسول الله، عَّ منها؟ قلت: جعله في سفرة رسول الله، عَ له لا
يدل على أنه كان يأكله، وكم شيء يوضع في سفرة المسافر مما لا يأكله هو بل يأكل من
معه، وإنما لم ينه الرسول عَّله من معه عن أكله لأنه لم يوح إليه إذ ذاك ولم يؤمر بتبليغ شيء
تحريماً وتحليلاً حينئذ. انتهى. قلت: لو اطلع الكرماني على كلام القوم لما احتاج إلى هذا
السؤال، والجواب، وقد ذكرنا الآن عن ابن بطال ما يغني عن ذلك. وقوله أيضاً: في سفرة
رسول الله، عَّهِ، غير صحيح، لأن السفرة كانت لقريش كما مر الآن، وقال السهيلي: إن
قلت: كيف وفق زيد إلى ترك أكل ذلك وسيدنا أولى بالفضيلة في الجاهلية لما ثبت من
عصمته؟ قلت: عنه جوابان: أحدهما: أنه ليس في الحديث أنه عَّالم أكل منها، وإنما فيه: أن
زيداً لما قدمت إليه أبى. ثانيهما: أن زيداً إنما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع متقدم، وإنما تقدم
شرع إبراهيم، عليه السلام، بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذبح لغير الله، وإنما نزل تحريم ذلك في
الإسلام. وقال الخطابي: امتناع زيد من أكل ما في السفرة إنما هو من أجل خوفه أن يكون
اللحم الذي فيهما مما ذبح على الأنصاب، وقد كان رسول الله، عَّله أيضاً لا يأكل من
ذبائحهم التي كانوا يذبحونها لأصنامهم، فأما ذبائحهم لمأكلهم فلم نجد في الحديث أنه
كان يتنزه عنها، وقد كان بين ظهرانيهم مقيماً، ولم يذكر أنه كان يتميز عنهم إلاَّ في أكل
الميتة، لأن قريشاً كانوا يتنزهون أيضاً في الجاهلية عن الميتة مع أنه أباح الله لنا طعام أهل
الكتاب والنصارى يذبحون ويشركون في ذلك الله تعالى. قوله: ((وإن كان زيد بن عمرو))
هو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((كان يعيب)) بفتح الياء. قوله: ((إنكاراً)، نصب على
التعليل ((وإعظاماً)) عطف عليه.
٣٨٢٧ - قَالَ مُوسى حدَّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله ولاَ أَعْلَمُهُ إلاَّ يُحَدِّثُ بِهِ عنِ ابنِ

٣٩٤
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٤)
عُمَرَ أَنَّ زَيْدَ بنَ عَمْرو بنِ نُفَيْلٍ خَرَجَّ إلَى الشَّامِ يَسأَلُ عنِ الدِّينِ وَيَتَّبِعُهُ فَلَقِيَ عالِمَاً مِنَ
اليَّهُودِ فسألَهُ عنْ دِينِهِمْ فَقالَ إِنَّ لعَلِّي أنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فأخبرني فقالَ لاَ تَكُونُ علَى دِينِنَا
حتَّى تأخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللهِ قال زَيْدٌ ما أَفِرُّ إلاَّ مِنْ غَضَبِ الله ولاَ أحْمِلُ مِنْ غَضَبٍ
الله شَيْئاً أبَدَاً وأنَا أسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قال مَا أعْلَمُهُ إلاَّ أنْ يَكُونَ حَنِيفاً قال زَيْدٌ
وما الحَنِيفُ قال دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيّاً ولاَ نَصْرَانِيَّاً ولاَ يَعْبُدُ إلَّ الله فخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ
عالِمَاً مِنَ النَّصارى فَذَكَرَ مِثْلَهُ فقالَ لَنْ تَكُونَ عَلَى دينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَغْنَةِ الله قال
ما أَفِرُ إلاَّ مِنْ لَغْنَةِ الله ولاَ أحْمِلُ مِنْ لَغْنَةِ الله ولا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئاً أَبَدَاً وَأَنَا أَسْتَطِيعُ فَهَلْ
تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ قالَ ما أعْلَمُهُ إلاَّ أنْ يَكُونَ حَنِيفاً قال وما الحَنِيفُ؟ قالَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ
يَكُنْ تَهُودِيَّاً ولاَّ نَصْرَانِيَّاً ولاَ يَعْبُدُ إِلاَّ الله فلَمَّا رأى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ في إبرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ
فَلَمَّا بِرَزَ رفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
موسى هو ابن عقبة المذكور الذي روى عن سالم، وظاهره التعليق، ولهذا قال
الإسماعيلي: ما أدري هذه القصة الثانية من رواية الفضيل عن موسى أم لا. وقيل: هو موصول
بالإسناد المذكور وفيه نظر لا يخفى.
قوله: ((ويتبعه)) بالتشديد من الاتباع، ويروى عن الكشميهني: يبتغيه من الابتغاء بالغين
المعجمة، وهو الطلب. قوله: ((لعلِّي)) كلمة: لعل، للترجي تنصب الإسم وترفع الخبر واسمها
هنا: ياء المتكلم وخبرها. قوله: ((أن أدين)) قوله: ((فأخبرني)) أي: عن حال دينكم وكيفيته.
قوله: ((من غضب الله)) المراد من غضب الله هو إيصال العذاب. قوله: ((فذكر مثله)) أي: مثل
ما ذكر لعالم اليهود، قوله: ((من لعنة الله)) المراد من اللعنة إبعاد الله عبده من رحمته وطرده
عن بابه، لأن اللعنة في اللغة الطرد، وإنما خص الغضب باليهود واللعنة بالنصارى لأن الغضب
أردى من اللعنة، فكان اليهود أحق به لأنه أشد عداوة لأهل الحق. قوله: ((وأنا أستطيع)) أي:
والحال أن لي قدرة على عدم حمل ذلك. قوله: ((فلما برز))، أي: لما ظهر خارجاً عن
أرضهم. قوله: ((إني أشهدك)) بكسر الهمزة. قوله: ((أني على دين إبراهيم، عليه السلام))
بفتح الهمزة. وفي حديث سعد بن زيد: فانطلق زيد وهو يقول: لبيك حقاً حقاً، تعبداً ورقاً،
ثم یخر فیسجد لله عز وجل.
٣٨٢٨ _ وقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ عنْ أَبِيهِ عنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رضي الله
تعالى عنهُما قالَتْ رَأيْتُ زَيْدَ بنَ عَمْرِو بِنِ نُفَيْلِ قائِمَاً مُسْنِدَاً ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ يَقُولُ يا مَعَاشِرَ
قُرَيْشٍ والله ما مِنْكُمْ على دِينِ إِبْرَاهِيمٌ غَيْرِي وَكانَ يُخبِي المَوؤُودَةَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ
يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لاَ تَقْتُلْهَا أَنَّا أْفِيكَها مَؤُونَتها فيَأْخُذُها فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قالَ لأَبِيهَا إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُ
إِلَيْكَ وإنْ شِئْتَ كَفَتُكَ مَؤُونَتها.
أي: قال الليث بن سعد: كتب إلي هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، وهذا
تعليق وصله أبو بكر بن أبي داود عن عيسى بن حماد المعروف بزغبة عن الليث ... إلى

٣٩٥
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٥)
آخره.
وأخرجه النسائي في المناقب عن الحسين بن منصور بن جعفر عن أبي أسامة عن
هشام بن عروة.
قوله: ((ما منكم على دين إبراهيم عليه السلام غيري)) وفي رواية أبي أسامة كان
يقول: إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم، ورواية ابن أبي الزناد: وكان قد ترك عبادة الأوثان
وترك أكل ما يذبح على النصب، وفي رواية ابن إسحاق: وكان يقول: أللهم لو أعلم حب
الوجود إليك لعبدتك به، ولكن لا أعلمه ثم يسجد على راحتيه. قوله: ((وكان يحيي
الموؤودة)) الإحياء هنا مجاز عن الإبقاء، وهو على وزن مفعولة من الوأد وهو القتل، كان إذا
ولد لأحدهم في الجاهلية بنت دفنها في التراب وهي حية، يقال: وأدها بئدها وأداً فهي
موؤودة، وهي التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، وفي الحديث: الوئيد في الجنة، أي:
الموؤودة، فعيل بمعنى مفعول، وزعم بعض العرب: أنهم كانوا يفعلون ذلك غيرة على البنات،
وقول الله عز وجل هو الحق: ولا تقتلوا أولادكم من إملاق أي: خشية إملاق، أي: فقر وقلة،
وذكر النقاش في تفسيره أنهم كانوا يشدون من البنات من كانت منهن زرقاء أو هرشاء أو
شيماء أو كشحاء تشاؤماً منهم بهذه الصفات. قلت: هرشاء من التهريش وهو مقاتلة الكلاب،
والشيماء من التشاؤم، والكشحاء من الكشاحة وهو إضمار العداوة. قوله: ((أنا أكفيكها
مؤونتها)) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: أنا أكفيك مؤونتها. قوله: ((فإذا
ترعرعت))، براءين وعينين مهملتين أولاهما مفتوحة أي: تحركت ونشأت.
٢٥ - بابُ بُنْيَانِ الكَعْبَةِ
أي: هذا باب في بيان بنيان الكعبة على يد قريش في حياة النبي عَُّلّه، قبل بعثته.
وذكر ابن إسحاق وغيره: إن قريشاً لما بنت الكعة كان عمر النبي عَّه، خمساً وعشرين
سنة، وروى إسحاق بن راهويه من طريق خالد بن عرعرة عن علي، رضي الله تعالى عنه، في
قصة بناء إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، البيت، قال: فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة
فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته جرهم فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته قريش ورسول الله، عَ اله
يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: يحكم بيننا أول من
يخرج من هذه السكة، فكان النبي عَّ ◌ُلّه، أول من خرج منها، فحكم بينهم أن يجعلوه في
ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل، وذكر أبو داود الطيالسي في الحديث: أنهم قالوا: نحكم
أول من يدخل من باب بني شيبة، فكان النبي عَِّ، أول من دخل منه، فأخبروه فأمر بثوب
فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذ بطائفة من الثوب فرفعوه، ثم أخذه فوضعه
بيده. وذكر الفاكهي: أن الذى أشار عليهم أن يحكموا أول داخل أبو أمية بن المغيرة
المخزومي أخو الوليد.
واختلفوا في أول من بنى الكعبة، فقيل: أول من بناها الملائكة ليطوفوا خوفاً من الله

٣٩٦
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٥)
حين قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآية، وقيل: أول من بناها آدم، عليه
الصلاة والسلام، ذكره ابن إسحاق، وقيل: أول من بناها شيث، عليه الصلاة والسلام، وكان
في عهد آدم البيت المعمور فرفع، وقيل: رفع وقت الطوفان، وقيل: كانت تسعة أذرع من
عهد إبراهيم، عليه السلام، ولم يكن لها سقف، ولما بناها قريش قبل الإسلام زادوا فيها
تسعة أذرع فكانت ثمان عشرة ذراعاً، ورفعوا بابها من الأرض لا يصعد إليها إلا بدرج أو
سلم، وذلك حين سرق دويك مولى بني مليح مال الكعبة، وأول من عمل لها غلقان تبع، ثم
لما بناها ابن الزبير زاد فيها تسعة أذرع أخرى فكانت سبعاً وعشرين ذراعاً، وعلى ذلك هي
إلى الآن.
٣٨٢٩/٣١٣ _ حدَّثني مَحمُودٌ حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبَرَني ابنُ جُرَيْج قال
أُخْبرَنِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ
ذَهَبَ النَّبِيُّ عَ لَه وعبَّاسٌ يَنْقُلانِ الحِجَارَةَ فقال عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ عَّلَه إِجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ
يَقِيكَ مِنَ الحِجَارَةِ فَخَرَّ إلى الأرْضِ وطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلى السَّمَاءِ ثُمَّ أفَاقَ فقال إِزَارِي إِزَارِي
فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ. [انظر الحديث ٣٦٤ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((لما بنيت الكعبة)) ومن قوله: ((ينقلان الحجارة))
لأن نقلها كان للبناء. ومحمود هو ابن غيلان، بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر
الحروف، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي.
والحديث من مراسيل الصحابة مضى في كتاب الحج في: باب فضل مكة وبنيانها،
فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد عن أبي عاصم عن ابن جريج ... إلخ نحوه.
قوله: ((لما بنيت))، على صيغة المجهول يعني: لما بناها قريش في عهد النبي عَّه.
قوله: ((يقيك))، أي: يحفظك من الوقاية. قوله: ((فخر))، فيه حذف تقديره: ففعل ما قاله
عباس فخر، أي: فسقط إلى الأرض، وفي حديث أبي الطفيل الذي تقدم في الحج: فبينما
رسول الله، عَ له، ينقل الحجارة معهم إذ انكشفت عورته، فنودي: يا محمد غطّ عورتك،
فذلك أول ما نودي فما رؤيت له عورة بعد ولا قبل. قوله: ((طمحت عيناه)) أي: ارتفعت.
قوله: ((إزاري إزاري)»، هكذا هو مكرر أي: ناولوني إزاري.
٣١٤/ ٣٨٣٠ - حدّثنا أبو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرِو بنِ دِينارٍ وعُبَيْدِ الله
ابنِ أبِي يَزِيدَ قالَاً لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النبي ◌َِّ حَوْلَ الْبَيْتِ حائِطٌ كانُوا يُصَلُّونَ حَوْلَ الْبَيْتِ
حَتَّى كانَ عُمَرُ فبَنَى حَوْلَهُ حائِطَاً قال عُبَيْدُ الله جدْرُهُ قَصِيرٌ فَبَنَاهُ ابنُ الزُّبَيْرِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: ((فبنى حوله حائطاً)) الخ. وأبو النعمان محمد بن
الفضل السدوسي، وعبيد الله بن أبي يزيد - من الزيادة - مولى أهل الكوفة المكي، وهو
عمرو بن دينار تابعيان لم يدركا النبي عَّهِ، فهو من باب الإرسال وقيل: منقطع. قوله:
((على عهد النبي ◌َّ)) أي: على زمنه. قوله: ((حتى كان عمر)) أي: زمان خلافته، وهو

٣٩٧
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٦)
أيضاً منقطع لأنهما لم يدركا عمر، رضي الله تعالى عنه، أيضاً. قوله: ((جدره))، بفتح الجيم
أي: جداره وهو مبتدأ. وقوله: ((قصير)) خبره والجملة صفة لقوله: ((حائطاً)) وأغرب الكرماني
بقوله: جدره، بفتح الجيم بلفظ المفرد منصوباً، وقصيراً حال أي: بنى عمر جدره قصيراً،
والذي قلنا أوجه. قوله: ((فبناه ابن الزبير))، أي: بنى البيت عبد الله بن الزبير مرتفعاً طويلاً،
وهذا المقدار من الحديث موصول، وقد مضى عن قريب طول البيت وكيف كان أولاً.
٢٦ - بابُ أَيَّامِ الجاهِلِيَّةِ
أي: هذا باب في بيان أيام الجاهلية وهي الأيام التي كانت قبل الإسلام، قال بعضهم:
أي ما كان بين مولد النبي عَّه والمبعث، وفيه نظر، وقال الكرماني: أيام الجاهلية هي مدة
الفطرة التي كانت بين عيسى ورسول الله، عليهما الصلاة والسلام، وسميت بها لكثرة
جهالاتهم. قلت: هذا هو الصواب.
٣٨٣١/٣١٥ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدَّثنا يَحْيَى قال هِشَامٌ حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ رضي
الله تعالى عنهَا قالَتْ كانَ عَاشُورَاءُ يَوْمَاً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الجَاهِلِيَّةِ وكَانَ النَّبِيُّ عَّ ◌َلَّه يَصُومُهُ
فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صامَهُ وأَمَرَ بِصِيامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كانَ مَنْ شَاءَ صامَهُ ومنْ شاءَ لا
يَصُومُهُ. [انظر الحديث ١٥٩٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((تصومه قريش في الجاهلية)). ويحيى قو القطان وهشام
هو ابن عروة بن الزبير. والحديث مضى في كتاب الصوم في: باب صيام عاشوراء، فإنه
أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام بن عروة، ومضى الكلام فيه هناك.
٣١٦ /٣٨٣٢ - حدَّثنا مُسْلِمٌ حدَّثنا وُهَيْبٌ حدَّثنا ابنُ طاؤُسٍ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عِبَّاسٍ
رضي الله تعالى عنهُما قال كانُوا يَرَوْنَ أنَّ العُمْرَةَ في أَشْهُرِ الحَجّ منَ الفُجُورِ في الأرْضِ
وكانُوا يُسَمُّونَ المُحَرَّمَ صِفَرَاً وَيَقُولُونَ إِذَا برَا الدَّبَرُ وعَفَا الأَثَرْ حَلَّتْ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ قال
فَقَدمَ رسُولُ اللهِ عَ لَه وأصْحَابُهُ رابِعَةً مُهِلِّينَ بالحَجِّ وأمرَهُمُ النَّبيُّ عَّمِ أنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً قَالُوا
يا رسولَ الله أيُّ الحِلِّ قال الحِلُّ كُلُّهُ. [انظر الحديث ١٠٨٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((كانوا يرون أن العمرة)) إلى قوله: ((قال: فقدم)) لأن
ما ذكر فيه كله من أفعال الجاهلية، ومسلم هو ابن إبراهيم، ووهيب - بالتصغير - هو ابن
خالد، وابن طاوس هو عبد الله يروي عن أبيه.
والحديث مضى في كتاب الحج في: باب التمتع والإفراد، فإنه أخرجه هناك عن
موسى بن إسماعيل عن وهيب الخ، ومضى الكلام فيه هناك.
قوله: ((يسمون المحرم صفراً) أي: يجعلونه مكانه في الحرمة، وذلك هو النسيء
المشهور بينهم كانوا يؤخرون ذا الحجة إلى المحرم، والمحرم إلى صفر وهلم جراً. قوله:
((الدبر))، بالدال المهملة وفتح الباء الموحدة وهو: الجرح الذي يحصل على ظهر الإبل،

٣٩٨
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٦)
ونحوه. قوله: ((وعفا الأثر)) أي: انمحى أثر الدبر. قوله: ((رابعة))، أي: صبح رابعة من شهر ذي
الحجة أو ليلة رابعة. قوله: ((مهلّين))، حال. قوله: ((أي الحل))، أي: أي شيء من الأشياء
يحل لنا. قوله: ((الحل كله))، أي: يحل فيه جميع ما يحرم على المحرم، حتى الجماع.
٣١٧/ ٣٨٣٣ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ قال كانَ عَمْرٌو يَقُولُ حدَّثنا
سَعِيدُ ابنُ المُسَيَّبِ عنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ قال جاءَ سَيْلٌ في الجَاهِلِيَّةِ فَكَسَا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ قال
سُفْيَانُ ويَقُولُ إِنَّ هَذَا لَحَدِيثٌ لَهُ شأنٌ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((في الجاهلية)) وعلي بن عبد الله هو المعروف بابن
المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار. وفي رواية الإسماعيلي: حدثنا عمرو
ابن دينار عن سعيد بن المسيب التابعي الكبير الفقيه، ومسيب هو ابن حزن بن أبي وهب بن
عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أبو محمد المدني، مات سنة أربع
وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك وهو ابن خمس وسبعين سنة، وهو يروي عن أبيه
المسيب، بتشديد الياء آخر الحروف المفتوحة، وحكي كسرها، وكان المسيب ممن بايع
تحت الشجرة وكان تاجراً. وقال النووي: قال الحفاظ: لم يروٍ عن المسيب إلاَّ ابنه سعيد،
قال: وفيه رد على الحاكم أبي عبد الله الحافظ فيما قال: لم يخرج البخاري عن أحد ممن
لم يروِ عنه إلاَّ راوٍ واحدٍ، قال: ولعله أراد من غير الصحابة، والمسيب هو ابن حزن، بفتح
الحاء المهملة وسكون الزاي وفي آخره نون وكان من المهاجرين ومن أشراف قريش في
الجاهلية، وقال أبو عمر: قال رسول الله، عَّله لحزن: ((ما اسمك؟)) قال: حزن، قال رسول
الله، عَ له: ((أنت سهل؟)) فقال: إسم سماني به أبي. ويروى أنه قال له: إنما السهولة للحمار.
قال سعيد بن المسيب: فما زالت الحزونة تعرف فينا حتى اليوم، وفيه أخرج البخاري أيضاً
في الأدب عن إسحاق بن نصر وعلي بن عبد الله ومحمود، على ما سيجيء إن شاء الله
تعالى ..
قوله: ((قال سفيان))، هو الراوي. قوله: ((ويقول)) أي: عمرو المذكور. قوله: ((شأن))
أي: قصة طويلة، وذكر موسى بن عقبة أن السيل كان يأتي من فوق الردم بأعلى مكة فيخربه،
فتخوفوا أن يدخل الماء الكعبة فأرادوا تشييد بنيانها، فكان أول من طلعها وهدم منها شيئاً
الوليد بن المغيرة، وذكر القصة. قال الكرماني: الحكمة في أن البيت ضبط في طوفان نوح،
عليه الصلاة والسلام من الغرق ورفع إلى السماء، وفي هذا السيل قد غرق أنه لعله كان ذلك
عذاباً وهذا لم يكن عذاباً. انتهى. قلت: هذا تصرف عجيب، لأنه لما جاء الطوفان كان
البيت المعمور موضع البيت، ولما أهبط الله آدم، عليه الصلاة والسلام، إلى الأرض أتى إليه
من الهند، وقيل: لما آل الأمر إلى شيث بنى الكعبة، وذكر ابن هشام: أن الماء لم يعله حين
الطوفان ولكنه قام حوله وبقي في الهواء إلى السماء، وأن نوحاً، عليه الصلاة والسلام، طاف
به هو ومن معه في السفينة، ثم بناها إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام.

٣٩٩
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٦)
٣٨٣٤/٣١٨ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ عن بَيَانٍ أبي بِشْرٍ عِنْ قَيْسٍِ بنِ
أبِي حازم قال دَخَلَ أَبُو بَكْر عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَخْمَسَ يُقالُ لَهَا زَيْنَبُ فِرَآهَا لاَ تَكَلَّمُ فَقَالَ مَا
لَهَا لاَ تَكْلَّمُ قالُوا حَجَّتْ مُضْمِتَةً قال لَهَا تَكَلَّمِي فإنَّ هِذَا لاَ يَحِلُّ لهذَا مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ
فتَكَلَّمَتْ فقالَتْ مَنْ أَنْتَ قال امْرُءٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ قَالَتْ أَيُّ المُهَاجِرِينَ قال مِنْ قُرَيْشٍ قَالَتْ
مِنْ أَيُّ قُرَيْشٍ أَنْتَ قال إِنَّكِ لَسَؤُولٌ أَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَتْ ما بَقاؤنا على هَذَا الأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي
جاءَ الله بهِ بَعْدَ الجاهِلِيَّةِ قال بَقَاؤُكُمْ عَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ بِكُمْ أَئِمَّتُكُمْ قَالَتْ وما الأئِكَةُ قَال أما
كانَ لِقَوْمِكِ رُؤُوسٌ وأَشْرَافٌ يأمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ قالَتْ بَلَى قال فَهُمْ أَولَئِكَ عَلَى النَّاسِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((هذا من عمل الجاهلية)). وأبو النعمان محمد بن الفضل
السدوسي، وأبو عوانة، بفتح العين المهملة: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وبيان، بفتح الباء
الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف: ابن بشر المكنى بأبي بشر الأحمسي المعلم الكوفي،
وابن أبي حازم، بالحاء المهملة وبالزاي: اسمه عوف، قدم إلى المدينة طالباً النبي عَ لَّهِ،
بعدما قبض، وقد مر غير مرة.
قوله: ((دخل أبو بكر)) يعني الصديق، رضي الله تعالى عنه، قوله: ((من أحمس))
بالمهملتين وفتح الميم، وهي قبيلة من بجيلة ورد على ابن التين في قوله: امرأة من الحمس،
وهم من قريش. قوله: ((يقال لها زينب)) هي بنت المهاجر، روى حديثها محمد بن سعد في
(الطبقات) من طريق عبد الله بن جابر الأحمسي عن عمته زينب بنت المهاجر، قالت:
خرجت حاجة ... فذكر هذا الحديث وذكر ابن منده في (تاريخ النساء) له: أن زينب بنت
جابر أدركت النبي عَّهِ، وروت عن أبي بكر، وروى عنها عبد الله بن جابر وهي عمته، قال:
وقيل: هي بنت المهاجر بن جابر، وذكر الدارقطني في العمل أن في رواية شريك وغيره عن
إسماعيل بن أبي خالد في حديث الباب: أنها زينب بنت عوف، قال: وذكر ابن عيينة عن
إسماعيل أنها جدة إبراهيم بن المهاجر، قيل: الجمع بين هذه الأقوال ممكن بأن من قال:
بنت المهاجر، نسبها إلى أبيها، وبنت جابر نسبها إلى جدها الأدنى، أو: بنت عوف نسبها
إلى جدها الأعلى. قوله: ((مصمتة)) بلفظ اسم الفاعل بمعنى: صامتة، يعني: ساكتة يقال:
أصمت إصماتاً وصمت صموتاً وصمتاً وصماتاً، والاسم: الصمت بالضم، قوله: ((فإن هذا))
أي: ترك الكلام ((لا يحل)) قوله: ((هذا)) أي: الصمات من عمل الجاهلية، وقد احتج بهذا
على أن من حلف لا يتكلم استحب له أن يتكلم، ولا كفارة عليه، لأن أبا بكر لم يأمرها
بالكفارة. وقال ابن قدامة في (المغني): ليس من شريعة الإسلام صمت الكلام، وظاهر
الأخبار تحريمه. واحتج بحديث أبي بكر وبحديث علي، رضي الله تعالى عنه. يرفعه: لا يتم
بعد احتلام ولا يصمت يوم إلى الليل، أخرجه أبو داود، وقال: فإن نذر ذلك لم يلزمه الوفاء،
وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافاً.
فإن قلت: روى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: من صمت نجا.
وأخرج ابن أبي الدنيا مرسلاً برجال ثقاة: أيسر العبادة الصمت. قلت: الصمت المباح

٤٠٠
٦٣ - كتاب مناقب الأنصار / باب (٢٦)
المرغوب فيه ترك الكلام الباطل، وكذا المباح الذي يجر إلى شيء من ذلك، والصمت
المنهي عنه ترك الكلام عن الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح الذي يستوي طرفاه. قوله:
((إنكِ)) بكسر الكاف لأنه خطاب لزينب المذكورة. قوله: ((لسؤول)) أي: كثيرة السؤال،
وصيغة فعول يستوي فيها المذكر والمؤنث، واللام فيه للتأكيد. قوله: ((الأمر الصالح)) أي:
دين الإسلام، وما اشتمل عليه من العدل واجتماع الكلمة ونصر المظلوم ووضع كل شيء في
محله. قوله: ((بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم)) وقت البقاء بالاستقامة إذ هم
باستقامتهم تقام الحدود وتؤخذ الحقوق ويوضع كل شيء في موضعه، وفي رواية
الكشميهني: ما استقامت لكم، وقال المغيرة: كنا في بلاء شديد نعبد الشجر والحجر ونمص
الجلد والنوى، فبعث إلينا رب السموات رسولاً منا، فأمرنا بعبادة الله وحده وترك ما يعبد
أباؤنا، وذكر الحديث وما كانوا عليه على عهد أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، من الأمر
واجتماع الكلمة، وأن لا يظلم أحد أحداً.
٣١٩/ ٣٨٣٥ _ حدَّثني فَرْوَةُ بنُ أَبِي المغْرَاءِ أَخْبرَنا علِيُّ بنُ مُشهِرٍ عنْ هِشامٍ عنْ
أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتْ أَسْلَمَتْ امرأةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ العَرَبِ وكانَّ لَهَا
حِفْش في المَسْجِدِ قالَتْ فَكانَتْ تأتِينَا فَتَحَدَّثُ عِنْدَنا فإذَا فَرَغَتْ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ:
ألاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةَ الِكُفْرِ أَنْجَانِي
ويَوْمُ الوشاح مِنْ تَعاجِيبٍ رَبِّنا
فلَمَّا أَكْثَرَتْ قالَتَّ لَهَا عائِشَةٌ وما يَوْمُ الوِشَاحِ قالَتْ خَرَجَتْ جُوَيْرِيَةٌ لِبَعْضَِ أهْلِي
وعلَيْهَا وِشاحٌ مِنْ أَدَم فسَقَطَ مِنْهَا فَانْحَطَّتَ عَلَيْهِ الحُدَيَّا وهْيَ تَحْسِبُهُ لَحْمَاً فأخَذَتْ
فاتَّهَمُونِي بِهِ فَعُذَّبُونِيَ حتَّى بَلَغَ مِنْ أَمْرِي أَنَّهُمْ طَلَبُوا فِي قُبُلِي فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلِي وأنَا في
كَرْبِي إِذْ أَقْبَلَتِ الحُدَيًّا حتَّى وازَتْ بِرُؤُوسِنَا ثُمَّ أَلْقَتْهُ فأخَذُوهُ فِقُلْتُ لَهُمْ هَذَا الَّذِي
أَّهَمْتُمُونِي بِهِ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ. [انظر الحديث ٤٣٩].
مطابقته للترجمة من حيث ما كان عليه أهل الجاهلية من الجفاء في الفعل والقول،
ألا ترى أن الذين اتهموا هذه المرأة السوداء كيف جفوها وعذبوها وبالغوا فيه حتى فتشوا في
قبلها؟ قوله: ((وفروة))، بفتح الفاء وسكون الراء ابن أبي المغراء، بفتح الميم وسكون الغين
المعجمة وبالراء وبالمد: أبو القاسم الكندي الكوفي من أفراد البخاري.
والحديث مضى في أبواب المساجد في: باب نوم المرأة في المسجد، فإنه أخرجه
هناك عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن هشام ... إلخ، بأتم منه، ومضى الكلام فيه
هناك.
قوله: ((حفش)) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء وفي آخرة شين معجمة: وهو البيت
الضيق الصغير. قوله: ((والوشاح)) بكسر الواو. ويقال له: إشاح أيضاً. وهو شيء ينسج عريضاً
من أديم وربما رصع بالجوهر والخرز وتشده المرأة بين عاتقها وكشحها. قوله: ((من تعاجيب
ربنا)) ويروى: من تباريح ربنا، والتعاجيب العجائب لا واحد لها من لفظها، والتباريح جمع