Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١١)
والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن عمر بن حفص بن غياث في: باب قول الله
تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان﴾ [ص: ٣٠]. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي كامل وعن
أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وعن علي بن حجر، وأخرجه النسائي فيه عن بشر بن
خالد وفيه وفي التفسير عن علي بن حجر، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن علي بن محمد
وعن علي بن ميمون.
قوله: ((أول))، بضم اللأَّم ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل: قبل وبعد، ويجوز فتحها
إذا كان غير منصرف، ويجوز بالنصب إذا كان منصرفاً، والمعنى: أي: مسجد وضع أولاً
للصلاة؟ قوله: ((ثم أي))، بالتنوين، أي: ثم أي مسجد بني بعد المسجد الحرام؟ قوله: ((قال))،
أي: النبي عَّله، بني بعده المسجد الأقصى، قيل له: الأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة.
وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، فإنه مقدس أي:
مطهر. قوله: ((كم بينهما؟)) أي: بين بناء المسجد الحرام وبناء المسجد الأقصى. قوله:
((أربعون سنة))، أي: بينهما أربعون سنة. وقال ابن الجوزي: فيه إشكال، لأن إبراهيم بنى
الكعبة وسليمان، عليه الصلاة والسلام، بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة،
والجواب عنه ما قاله القرطبي: إن الآية الكريمة والحديث لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان،
عليهما الصلاة والسلام، ابتدآ وضعهما، بل كان تجديداً لما أسس غيرهما، وقد روي أن أول
من بنى البيت آدم، وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده رفع بيت المقدس بعده بأربعين
عاماً، ويوضحه من ذكره ابن هشام في كتابه (التيجان): إن آدم لما بنى البيت أمره جبريل،
عليه الصلاة والسلام، بالمسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه فبناه ونسك فيه، وقال ابن كثير:
أول ما جعله مسجداً إسرائيل عّ لّهِ، وإنما أمر سليمان بتجديده وإحكامه، لا أنه أول من بنى.
وذكر الثعلبي: أن داود عَّ أمر بني إسرائيل أن يتخذوا مسجداً في صعيد بيت
المقدس، فأخذوا في بنائه لإحدى عشرة سنة مضت من ملك داود، وكان داود ينقل لهم
الحجارة على عاتقه، فأوحى الله إلى داود: إنك لست بانيه ولكن لك ابن أملكه بعدك اسمه
سليمان فأقضي إتمامه على يديه، وروي عن كعب الأحبار: أن سليمان بنى بيت المقدس
على أساس قديم كان أسسه سام بن نوح عَّله، وذكر أبو محمد بن أحمد الواسطي في
(تاريخ بيت المقدس): أن سليمان اشترى أرضه بسبعة قناطير ذهباً، وقال الخطابي: يشبه أن
يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله تعالى قبل داود وسليمان، ثم بناه
داود وسليمان فزادا فيه ووسعاه فأضيف إليهما بناؤه، قال: وقد ينسب هذا المسجد إلى إيلياء
فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره، ولست أحقق لِمَّ أضيف إليه. وفي قوله: فيحتمل أن
يكون هو بانيه نظر، لأن إيليا اسم البلد، فأضيف إلى المسجد كما يقال: مسجد المدينة
ومسجد مكة، وقال أبو عبيد في (معجم البلدان): إيلياء مدينة بيت المقدس فيها ثلاث
لغات: مد آخره وقصره وحذف الياء الأولى. قوله: ((بعد))، بضم الدال، أي: بعد إدراك وقت
الصلاة. قوله: («فصله))، الهاء فيه للسكت، وفي رواية الكشميهني، فصل، بلا هاء. قوله:

٣٦٢
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١١)
((فإن الفضل فيه)) أي: في فعل الصلاة إذا حضر وقتها.
٣٨/ ٣٣٦٧ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ عَمْرِو بنِ أبِي عَمْرٍو مَوْلَى
المُطَلِبِ عنْ أنَسِ بنِ مالك رضي الله تعالىٍ عنهُ أنَّ رِسُولَ الله عَلَّهِ طَلَعَ لَهُ أَحُدٌ فقال هذَا
جَبَلٌ يُحِبَُّا ونُحِبُّهُ أَلَّلَهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكّةَ وإِنِّي أَحَرِّمُ ما بَيْنَ لاَبَتَيْهَا. [انظر الحديث
٣٧١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إن إبراهيم)) وعمرو بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو ميسرة
مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب القرشي المخزومي أبو عثمان المدني. والحديث مضى
في كتاب الجهاد في آخر حديث مطول في: باب من غزا بصبي للخدمة. قوله: ((طلع له))
أي: ظهر له جبل أحد. قوله: ((يحبنا)) أما حقيقة وإما مجازاً، أو من باب الإضمار، أي: يحبنا
أهله. قوله: ((لابتيها)) تثنية لابة بتخفيف الباء الموحدة، وهي: الحرة، وقد تقدم الكلام فيه
هناك.
٠٠
رَوَاهُ عَبْدُ الله بنُ زَيْدِ عنِ النَّبِيِّ حَلّ.
أي: روى الحديث المذكور عبد الله بن زيد الأنصاري، وأخرجه البخاري موصولاً في
كتاب البيوع في: باب بركة صاع النبي معَّم عن موسى عن وهيب عن عمرو بن يحيى عن
عباد بن تميم الأنصاري عن عبد الله بن يزيد عن النبي عَ ◌ّه ... إلى آخره.
٣٨م / ٣٣٦٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أُخْبَرَنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عِنْ سالِمٍ
ابنِ عَبْدِ الله أنَّ ابنِ أبِي بَكْرٍ أُخْبَرَ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهُمْ زَوْجِ
النَّبِيِّ عََّلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّ ◌ُلِ قَالَ أَلَمْ تَرَيْ أنَّ قَوْمَكِ بَنَوا الكَغْبَةَ اقْتَصَرُوا عنْ فَوَاعِدِ
إِبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ يا رسولَ الله ألاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدَ إبْرَاهِيمَ فقال لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بالكُفْرِ فقال
عَبْدُ الله بنُ عُمَّرَ لَئِنْ كانَتْ عائِشَةُ سَمِعَتْ هذَا مِنْ رَسُولِ اللهِعَ لِّ مَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ الله عَّهِ
تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْتَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيانِ الحِجْرَ إلاَّ أنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم. [انظر
الحديث ١٢٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة على الوجه المذكور في الحديث السابق، وابن أبي بكر هو عبد الله
ابن محمد بن أبي بكر أخو القاسم قتل بالحرة. والحديث مضى في كتاب الحج في: باب
فضل مكة وبنيانها، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب ...
إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه هناك.
وقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ بنٍ أپِي بَكْر
إسماعيل بن أبي أويس واسمه عبد الله إبن أخت مالك بن أنس، أشار بهذا إلى أن
إسماعيل روى هذا الحديث وبين أن ابن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، الذي فيه هو عبد
الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وأخرج البخاري حديث إسماعيل

٣٦٣
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١١)
في التفسير.
٣٣٦٩/٣٩ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أَخْبرَنَا مالِكُ بنُ أَنَسِ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي
بَكْرِ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عَمْرِو بنِ سُلَيْمِ الزُّرَقَيِّ قال أخبرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ
السَّاعِدِيُّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُمْ قالوا يا رسولَ الله كيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فَقالَ رسولُ الله
عَ لَّ قُولُوا اللَّهُمَّ صلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كمَا صَلَّيْتَ على آلِ إِبْرَاهِيمَ وبارِكْ
عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. [الحديث
٣٣٦٩ - طرفه في: ٦٣٦٠].
مطابقته للترجمة المذكورة في قوله: ((كما صليت على إبراهيم)) وعمرو بن سليم،
بضم السين: الزرقي، بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف، وأبو حميد، بضم الحاء عبد الرحمن
الساعدي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الدعوات عن القعنبي. وأخرجه مسلم في
الصلوات عن محمد بن عبد الله بن نمير وعن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود فيه عن
القعنبي وعن أبي السرح. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وعن الحارث بن مسكين وفي
التفسير عن محمد بن سلمة. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن عمار بن طالوت.
قوله: ((اللهم صل على محمد))، معناه: عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته
وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: لما أمرنا الله
بالصلاة عليه ولم نبلغ قدر الواجب في ذلك أحلنا على الله وقلنا: اللهم صلِّ على محمد.
قوله: ((كما صليت على إبراهيم)) هذا ليس من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل من باب
بيان حال ما لا يعرف بما يعرف وما عرف من الصلاة على إبراهيم وآله وأنه ليس إلاَّ في قوله
تعالى: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت: إنه حميد مجيد، قيل: سياق الكلام يقتضي أن
يقال: على إبراهيم، بدون لفظ الآل، وأجيب: أن لفظ الآل مقحم. قوله: ((وبارك على
محمد)) أي: أثبت له وأدم ما أعطيته من التشريف والكرامة، وهو من برك البعير إذا ناخ من
موضع ولزمه، وتطلق البركة أيضاً على الزيادة، والأصل الأول.
٤٠/ ٣٣٧٠ - حدّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ ومُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالا حدَّثْنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ
زِيَادٍ حدَّثنا أبُو قُرَّةَ مُسْلِمُ بنُ سالِمِ الهَمْدَانِيُّ قال حدَّثنِي عَبْدُ الله بنُ عِيسَى سَمِعَ عَبْدَ
الرّحْمنِ بنَ أبِي لَيْلَى قال لَقِيَّنِي كَغْبُ بنُ عُجْرَةَ فقالَ أَلاَ أَهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ
عَّهِ فِقُلْتُ بَلَى فأهْدِهَا لي فقال سألَنا رسُولُ اللهِ عَ لِ فِقُلْنَا يا رسولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلاةُ
عَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ فِإِنَّ اللّهِ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ قال قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى
آلٍ مُحَمَّدٍ كما صلَّيْتَ على إبْرَاهِيمَ وعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ أَللَّهُمَّ بَارِكْ على
مُحَمَّدٍ وعلىَ آلٍ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
[الحديث ٣٣٧٠ - طرفاه في: ٤٧٩٧، ٦٣٥٧].

٣٦٤
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١١)
مطابقته للترجمة في قوله: ((على إبراهيم)) في أربعة مواضع، وقيس بن حفص أبو
محمد الدارمي البصري، وموسى بن إسماعيل أبو سلمة البصري التبوذكي، وعبد الله بن
عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واسمه يسار، وكعب بن عجرة، بضم العين المهملة
وسكون الجيم وبالراء: البلوي، حليف الأنصار شهد بيعة الرضوان، مات سنة ثنتين وخمسين
بالمدينة وله خمس وسبعون سنة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الدعوات عن آدم، وفي التفسير عن سعيد بن
يحيى، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي موسى محمد بن المثنى وعن بندار وعن زهير بن
حرب وعن محمد بن بكار. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمرو عن مسدد وعن
محمد بن العلاء. وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان، وأخرجه النسائي فيه عن قاسم
ابن زكرياء وعن سويد بن نصر، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد وعن بندار وقد
عزى الحافظ المزي حديث كعب بن عجرة هذا إلى الصلاة وهو وهم منه وليس له ذكر في
الصلاة، واغتر بذلك صاحب (التلويح) وتبعه فيه وتبع صاحب (التلويح) صاحب (التوضيح)
أيضاً وقد مر تفسير الحديث فيما قبله.
قوله: ((أهل البيت))، منصوب على الاختصاص. قوله: ((فإن الله قد علمنا))، يعني: في
التشهد، وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
٣٣٧١/٤١ - حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنِ المِنْهَالِ عنْ
سَعِيدِ بنِ مُجُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما قال كانَ النَّبِيُّ عَّ ◌ُلَّهِ يُعَوِّذُ الحَسَنَ
والْحُسَيْنَ ويَقُولُ إِنَّ أَباكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِها إِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ
كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةُ ومِنْ كُلِّ عَيْنِ لامَّةٍ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((إن أباكما)) وهو إبراهيم، عليه السلام، وجرير بن عبد
الحميد، ومنصور بن المعتمر، والمنهال، بكسر الميم وسكون النون وباللام، ابن عمرو
الأسدي، وإلى هنا كلهم كوفیون.
والحديث أخرجه أبو داود في السنة عن عثمان بن أبي شيبة أيضاً. وأخرجه الترمذي
في الطب عن محمود بن غيلان وعن الحسن بن علي. وأخرجه النسائي في النعوت وفي
اليوم والليلة عن محمد بن قدامة وعن محمد بن بشار وعن زكريا بن يحيى عن إسحاق بن
إبراهيم عن جرير عن الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث. قال: ((كان النبي عَّم.
يعوذ)) مرسل. وأخرجه ابن ماجه في الطب عن أبي بكر بن خلاد وعن محمد بن سليمان.
ذكر معناه: قوله: ((كان النبي عَّه يعوذ)) إخبار ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما،
بقوله: كان، يدل على أنه معَُّلَّه كان يكثر التعويذ بقوله: أعوذ بكلمات الله التامة ... إلى
آخره. قوله: ((يعوذ، من التعويذ))، يقال: عذت به أعوذ عوذاً وعياذاً ومعاذاً أي: لجأت إليه،
فالتعوذ والاستعاذة والتعويذ كلها بمعنى واحد، يعني: كان النبي عَّمِ يعوذ الحسن والحسين

٣٦٥
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (١٢)
بقوله: أعوذ بكلمات الله التامة إلى آخره، ويقول لهما: إن أباكما كان يعوذ بها، أي: بهذه
الكلمات إسماعيل وإسحاق ابنيه، وبين هذه الكلمات بقوله: أعوذ بكلمات الله ... إلى آخره.
قوله: ((إن أباكما)) أراد به إبراهيم كما ذكرنا، وأضيف إليهما لأنهما من نسله. قوله:
((بكلمات الله)) إما باقية على عمومها فالمقصود ههنا: كل كلمة الله، وإما مخصوصة بنحو
المعوذتين، وقال الهروي: القرآن. والتامة: صفة لازمة، إذ كل كلماته تامة، وقيل: المراد
بالتامة الكاملة، وقيل: النافعة، وقيل: الشافية، وقيل: المباركة، وقيل: القاضية التي تمضي
وتستمر ولا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب، وقال ابن التين: التام فضلها وبركاتها.
قوله: (من كل شيطان)) قال الداودي: يدخل فيه شياطين الإنس والجن.
قوله: ((وهامة))، بتشديد الميم واحدة الهوام ذوات السموم، وقيل: كل ما له سم يقتل،
وأما ما لا يقتل فيقال لها: سوام، وقيل: المراد كل نسمة تهم بسوء، وقال ابن فارس: الهوام
حشرات الأرض. وقال الهروي: الهوام الحيات وكل ذي سم يقتل، وقد تقع الهامة على ما
يدب من الحيوان، ومنه. قوله عَّلّه لكعب بن عجرة: أيؤذيك هوام رأسك، أراد القمل، سماها
هوامٍ لأنها تهم في الرأس وتدب. قوله: ((لامة))، العين اللَّمة هي التي تصيب بسوء، وقيل:
اللَّمة الملمة، وإنما أتى بها على فاعلة للمزاوجة، ويجوز أن تكون على ظاهرها بمعنى: جامعة
للشر على المعيون، من لمه إذا جمعه، وقال أبو عبيد: أصلها من ألممت إلماماً بالشيء:
نزلت به، ولم يقل: ملمة، كأنه أراد بها ذات لمم، وقال الخطابي: اللامة ذات اللمم، وهي
كل داء مر، وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل ونحوه، وقال الداودي: هي كل عين تصيب
الإنسان إذا حلت به.
١٢ - بابٌ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ونَبِّئْهُمْ عنْ ضَيْفِ إِنْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ .. ﴾
[الحجر: ٥١]. الآية: لا تَوْجَلْ لا تَخَفْ
أي: هذا باب في بيان قوله تعالى: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم ... ﴾ [الحجر: ٥١].
الآية وأشار به إلى قصة من قصص إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وهي: دخول الملائكة،
قوله: الذين أرسلوا إلى هلاك قوم لوط عَّ ◌ُلّ عليه حتى حصل له الوجل منهم، وذلك
لامتناعهم من الأكل، وقيل لأنهم دخلوا بغير وقت وبغير إذن، وتمام الآية قوله: ﴿قالوا لا
توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ [الحجر: ٥١]. قوله: ((ونبئهم))، أي: نبىء عبادي عن ضيف
إبراهيم وقصته أن الله تعالى أرسل لوطاً إلى قومه ينهاهم عما يرتكبون من المعاصي والفواحش
فلم ينتهوا بل ازدادوا عتواً وفساداً، وقالوا: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين، فسأل لوط
ربه أن ينصره عليهم فأجاب الله دعاءه وبعث أربعة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل
ودردائيل، - وقيل: رفائيل - لإهلاكهم، وبشارة إبراهيم بالولد، فأقبلوا مشاة في صورة رجال
مرد حسان حتى نزلوا على إبراهيم عَّ ل. وكان الضيف قد حبس عنه خمس عشرة ليلة حتى
شق ذلك عليه، وكان لا يأكل إلاَّ مع الضيف مهما أمكنه، فلما رآهم سُرَّ بهم لأنه رأى ضيفاً
لم يضف مثلهم حسناً وجمالاً، فقال: لا يخدم هؤلاء، إلا أنا فخرج إلى أهله فجاء بعجل

٣٦٦
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٢)
حنيذ، وهو المشوي بالحجارة، فقربه إليهم فأمسكوا أيديهم: ﴿قال: إنا منكم وجلون﴾ أي:
خائفون ﴿قالوا: لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ [الحجر: ٥١]. أي: يكون عليماً بالدين.
وفسر البخاري قوله: ((لا توجل)) بقوله: ((لا تخف)) من وجل ييجل ويوجل فهو وجل، أي:
خائف فزع، وقرأ الحسن: لا توجل، بضم التاء من: أوجله يوجله إذا أخافه، وقرىء لا تأجل
ولا تواجل. من واجله بمعنى أوجله.
﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيٍ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وفي بعض النسخ: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولَمْ تؤمن
قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وهذه رواية أبي ذر، ووقع في رواية كريمة:
﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فقط، وسقط كل ذلك للنسفي، فحديث أبي هريرة
عند تكملة الباب الذي قبله، وأما الكرماني فإنه كذلك لم يذكر منه شيئاً، لا لفظ الباب ولا
لفظ الترجمة.
قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم﴾ [البقرة: ٢٦٠]. يعني: أذكر يا محمد حين: ﴿قال إبراهيم
رب أرني كيف تحيي الموتى؟ ... ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. الآية وذكر المفسرون لسؤال إبراهيم
عليه السلام أسباباً: منها: أنه لما قال لنمرود - لعنه الله - ربي الذي يحيي ويميت أحب أن
يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: ﴿رب أرني كيف
تحيي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. كما أن الإنسان يعلم الشيء ويتيقنه ولكن يحب أن يراه
عياناً. ومنها: كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها واتصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها،
فأراد أن يجمع بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. ومنها: ما روي عن قتادة أنه قال:
ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع، فقال: ﴿رب أرني كيف تحيي
الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ليشاهد ذلك، لأن النفوس متشوقة إلى المعاينة، يصدقه الحديث:
ليس الخبر كالمعاينة. ومنها: ما قاله ابن دريد: مر إبراهيم بحوت نصفه في البر ونصفه في
البحر، والذي في البحر تأكله دواب البحر، والذي في البر تأكله دواب البر، فقال إبليس
الخبيث: يا إبراهيم! متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال ﴿رب أرني كيف تحيي
الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ﴿ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ليسكن ويهتدي باليقين الذي
يستيقنه، وقال ابن الحصار في (شرح القصيدة): إنما سأل الله أن يحيي الموتى على يديه يدل
على ذلك قوله تعالى: ﴿فصرهن إليك﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فأجابه على نحو ما سأل، وعلم أن
أحداً لا يقترح على الله مثل هذا فيجيبه بعين مطلوبه إلا عن رضا واصطفاه بقوله: ﴿أو لم
تؤمن﴾ [البقرة: ٢٦٠]. بأنا اصطفيناك واتخذناك خليلاً؟ قال: بلى. قوله: كيف تحيي
الموتى، لفظ: كيف، اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل نحو قولهم: على كيف تبيع
الأحمرين؟ ويستعمل على وجهين: أحدهما: أن يكون شرطاً نحو: كيف تصنع أصنع،
والآخر: وهو الغالب: أن يكون استفهاماً، وهنا كذلك، وقال ابن عطية: السؤال: بكيف؟ إنما
هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل، فكيف هنا استفهام عن هيئة

٣٦٧
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٢)
الإحياء، وهو متقرر. قوله: ﴿قال أو لم تؤمن﴾ [البقرة: ٢٦٠]. يعني: بإحياء الموتى؟ وإنما
قال: أو لَّمْ تؤمن؟ مع علمه بأنه أثبت الناس إيماناً ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة
الجليلة للسامعين. قوله: قال بلى، أي: بلى آمنت، و: بلى، إيجاب لما بعد النفي. قوله:
﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. أي: ليزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة
علم الاستدلال، لأن ظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، وعن ابن عباس
والحسن وآخرين: ليطمئن قلبي للمشاهدة، كأن نفسه طالبته برؤية ذلك، فإذا رآه اطمأن، وقد
يعلم المرء الشيء من جهة ثم يطلب أن يعلمه من غيرها، وقيل: المعنى: ليطمئن قلبي لأني
إذا سألتك أجبتني، وقيل: كان سؤاله على طريق الأدب يعني: أقدرني على إحياء الموتى
ليطمئن قلبي عن هذه الأمنية، فأجابه الله إلى سؤاله، وقال: فخذ أربعة من الطير وهي:
الغرموق والطاووس والديك والحمامة، كذا روي عن ابن عباس، وعنه: أنه أخذ وزاً ورألاً،
وهو فرخ النعامة - وديكاً وطاووساً. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة وديكاً وطاووساً
وغراباً. وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الطيور كانت طاووساً ونسراً وغرابا وحماماً.
وفيه: إشارة إلى أحوال الدنيا: فالطاووس من الزينة، والنسر من امتداد الأمل، والغراب
من الغربة، والحمام من النياحة. وقيل: موضع النسر: البط، وموضع الحمام: الديك،
والحكمة في اختيار هذه الأربعة هي: أن الطاووس خان آدم، عَّهِ، في الجنة، والبطَّ خان
يونس عَّله حين قطع يقطينه، والغراب خان نوحاً عَّ له حين أرسله ليكشف حال الماء الذي
عم الأرض فاشتغل بالجيفة، والديك خان إلياس فسلب ثوبه، فلا جرم أن الله تعالى غير
صوت الطاووس بدعاء آدم عَّهِ، وسلب السكون على البط بدعاءٍ يونس عَ لّه، وجعل رزق
الغراب الجيفة بدعاء نوح عَّله، وألقى العداوة بين الديك بدعاء الياس عَ لَله، ولما أخذ
إبراهيم هذه الطيور الأربعة، قال الله تعالى له: فصرهن إليك، أي: قطعهن، كذا رواه مجاهد
عن ابن عباس، ثم خلطهن ثم اجعلها أربعة أجزاء، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً، ففعل
إبراهيم مثل ما أمر به، ثم أمره الله أن يدعوهن، فدعاهن فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى
الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طير يقصد بعضها بعضاً حتى
قام كل طير على حدته وأتينه يمشين سعياً ليكون أبلغ في الرؤية التي سألها. قال ابن عباس:
وكان إبراهيم قد أخذ رؤوسهن بيده وجعل كل طير يجيء ليأخذ رأسه من يد إبراهيم، فإذا
قدَّم إبراهيم غير رأسه يأباه، وإذا قدَّم رأسه تركب مع بقية جثته، بحول الله تعالى وقوته، ولهذا
قال الله: واعلم أن الله عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، حكيم في أقواله وأفعاله.
فإن قلت: لِمَ خص الطير من بين سائر الحيوانات؟ قلت: لأن للطير ما لسائر
الحيوانات، وله زيادة: الطيران، ولأن الطير هوائي ومائي وأرضي، فكانت الأعجوبة في إحيائه
أكثر، ولذا قال عيسى عَّ: إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فاختار الخفاش
لاختصاصه بأشياء ليست في الطيور. الحيض والحبل والطيران في الظلمة وعدم الرؤية بالنهار
وله أسنان. فإن قلت: لم خص أربعة من الطير؟ قلت: لأجل الإسطقسات الأربع التي بها قوام

٣٦٨
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٢)
العالم. والجبال كانت أربعة من جبال الشام، وقيل: جبل لبنان وسينين وطور سينين وطور
زینا.
٤٢/ ٣٣٧٢ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ صَالِحِ حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قال أَخْبَرَنِي يُونُسُ عنِ ابنِ
شِهَابٍ عنْ إِبِي سلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ وسَعِيدٍ بِنِ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى
عنه أنَّ رَسُولَ الله عَِّ قَال نَحْنُ أَحَقّ بالشَّكُّ مِنْ إِنْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ
تُخِي المَوْتَى قال أوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلْى ولُكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]: ويَرْحَمُ
الله لُوطَاً لَقَدْ كانَ يأوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ يُوسُفُ
لأجَبْتُ الدَّاعِيَ. [الحديث ٣٣٧٢ - أطرافه في: ٣٣٨٧،٣٣٧٥، ٤٥٣٧، ٤٦٩٤،
٦٩٩٢].
مطابقته للترجمة الأصلية ظاهرة، وأحمد بن صالح أبو جعفر المصري، وابن وهب هو
عبد الله بن وهب المصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم
الزهري.
:
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن أحمد بن صالح وعن سعيد بن تليد،
وأخرجه مسلم في الإيمان وفي الفضائل عن حرملة بن يحيى. وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن
حرملة بن يحيى ويونس بن عبد الأعلى.
ذكر معناه: قوله: ((نحن أحق بالشك))، وسقط في بعض الروايات لفظ: الشك،
ومعناه: نحن أحق بالشك في كيفية الإحياء لا في نفس الإحياء، وعن الشافعي وغيره: أن
الشك مستحيل في حق إبراهيم، عَ لّه، ولو كان الشك متطرقاً إلى الأنبياء، عليهم الصلاة
والسلام، لكنت أنا أحق به من إبراهيم عَ لّه وقد علمتم أن إبراهيم لم يشك، فإذا لم أشك أنا
ولم أرْتَبْ في القدرة على الإحياء فإبراهيم أولى بذلك، وقيل: معناه أن هذا الذي تظنونه شكاً
فليس بشك، فلو كان شكاً لكنت أنا أولى به ولكنه ليس بشك، ولكنه تطلب لمزيد اليقين،
وقال عياض: يحتمل أنه أراد أمته الذين يجوز عليهم الشك، أو أنه قاله تواضعاً مع إبراهيم.
قوله: ((إذا قال)) أي: حين قال. قوله: ((ويرحم الله لوطاً))، ولوط عَّ هو ابن هارن ابن آزر
وهو أخي إبراهيم عَِّ، وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه إلى مصر ثم عاد معه إلى الشام
فنزل إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فلسطين ونزل لوط الأردن ثم أرسله الله إلى أهل سدوم،
وهي عدة قرى، وقال مقاتل: وبلادهم ما بين الشام والحجاز بناحية زغر، وكانت اثنتي عشرة
قرية وتسمى المؤتفكات من الإفك، وكانوا يعبدون الأوثان ويأتون الفواحش ويسافد بعضهم
بعضاً على الطريق، وغير ذلك من المفاسد وذكر الله لوطاً في القرآن في سبعة عشر موضعاً
وهو اسم أعجمي وفيه العلمية والعجمة ولكنه صرف لسكون وسطه، وقيل: اسم عربي من:
لاط، لأن حبه لاط بقلب إبراهيم عَّ له أي: تعلق ولصق. قوله: ((لقد كان يأوي إلى ركن
شديد))، وهو إشارة إلى الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو أوى إلى

٣٦٩
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ / باب (١٣)
ركن شديد﴾ [هود: ٨٠]. وقال الطيبي: قال رسول الله، عَ لّ ذلك لأن كلامه يدل على
إقناط كلي ويأس شديد من أن يكون له نصر ينصره، وكأنه، عَّ له، استغرب ذلك القول وعده
نادراً منه، إذ لا ركن أشد من الركن الذي كان يأوي إليه. وقال الزمخشري: معناه إلى قوي
أستند إليه وأمتنع به فيحميني منكم، شبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته،
وقال النووي، رحمه الله تعالى: يجوز أنه نسي الالتجاء إلى الله في حمايته الأضياف، أو أنه
التجأ إلى الله فيما بينه وبين الله، وأظهر للأضياف العذر وضيق الصدر قوله: ((ولو لبثت في
السجن ما لبث يوسف)) وقد لبث سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات. قوله:
((لأجبت الداعي)) يعني: لأسرعت إلى الإجابة إلى الخروج من السجن ولما قدمت العذر،
قال الله تعالى: ﴿فلما جاءه الرسول قال إرجع إلى ربك﴾ [يوسف: ٥٠]. الآية ... وصفه
رسول الله، عَّه، بالصبر حيث لم يبادر إلى الخروج، وإنما قال عَِّ ذلك تواضعاً، لا أنه كان
في الأمر منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، والتواضع لا يصغر كبيراً، بل يزيده إجلالاً
وقدراً، وقيل: هو من جنس قوله: لا تفضلوني على يونس، وقيل: إنه كان قبل أن يعلم أنه
أفضل من الجميع، والله أعلم وأحكم.
١٣ - بابُ قَوْلِ الله تعَالى ﴿وَاذْكُرْ في الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾
[مريم: ٥٤].
أي: هذا باب في بيان ما جاء في حق إسماعيل من قوله عز وجل: ﴿واذكر في الكتاب﴾
الآية، وتمام الآية ﴿وكان رسولاً نبياً﴾ [مريم: ٥٤]. قوله: ((واذكر)) أي: اذكر يا محمد (في
الكتاب) أي: في القرآن ﴿إسماعيل إنه كان صادق الوعد﴾ قال المفسرون: كان بينه وبين
رجل ميعاد فأقام ينتظره مدة، واختلفوا في تلك المدة، فقيل: حولاً حتى أتاه جبريل عَ لَّهِ،
وقال: إن الفاجر الذي وعدته بالقعود إبليس، عليه اللعنة. قوله: ﴿رسولاً﴾ أي: إلى جرهم.
٤٣/ ٣٣٧٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا حاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سلّمَةَ
.ابنِ الأْوَعِ رضي الله تعالى عنهُ قال مَرَّ النَّبِيُّ عَّه عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فقال رسُولُ
الله عَّةٍ أَزْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فإنَّ أباكُمْ كَانَ رَامِيَاً وأنا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ قال فأمْسَكَ أحَدُ
الفَرِيقَيْنِ بأَيْدِيهِمْ فقال رسُولُ اللهِ عَلَّمِ مَا لَكُمْ لاَ تَزْمُونَ فَقالُوا يا رسولَ اللهِ كَيْفَ نَزْمِي وَأَنْتَ
معَهُمْ قال ازْمُوا وأنا مَعَكُمْ كلِّكُمْ. [انظر الحديث ٢٨٩٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بني إسماعيل)) وحاتم بالحاء المهملة وكسر التاء المثناة
من فوق: ابن إسماعيل الكوفي، مر في الوضوء، ويزيد - من الزيادة - ابن أبي عبيد مولى
سلمة بن الأكوع: والحديث قد مر في كتاب الجهاد في: باب التحريض على الرمي، ومر
الكلام فيه هناك، والله أعلم بالصواب.
١٤ - بابُ قِصَّةِ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ
أي: هذا باب في بيان ذكر قصة إسحاق بن إبراهيم الخليل، وعن إبن إسحاق، بشر
عمدة القارئ/ ٣ ١٥ م٢٤

٣٧٠
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٥)
الله إبراهيم بإسحاق من سارة فحملت وكانت بنت تسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة وعشرين
سنة، وقد كانت هاجر حملت بإسماعيل فوضعتا معاً، وشب الغلامان. ونقل ابن كثير عن
أهل الكتاب أن هاجر ولدت إسماعيل ولإبراهيم من العمر ست وثلاثون سنة قبل مولد إسحاق
بثلاث عشرة سنة، وقال ابن الجوزي في (أعمار الأعيان): إن إسحاق عاش مائة وثمانين سنة،
وفي قول وهب بن منبه: عاش مائة وخمسة وثمانين سنة، ودفن عند قبر أبيه إبراهيم في
مزرعة حبرون.
فيهِ ابْنُ عُمَرَ وأبو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُم عنِ النَّبِيِّ عَله
قال الكرماني: فيه، أي في الباب، يعني: روى ابن عمر في حق إسحاق وقصته حديثاً
فأشار البخاري إليه إجمالاً ولم يذكره بعينه، لأنه لم يكن بشرطه، وقال ابن التين: لم يقف
البخاري على سنده فأرسله، وقال بعضهم: هذا كلام من لم يفهم مقاصد البخاري ونحوه
قول الكرماني، قلت: هذه مناقشة باردة لأن كل من له أدنى فهم يفهم أن ما قاله ابن التين
والكرماني هو الكلام الواقع في محله، وهذا الذي ذكره أوجه من كلامه الذي ذكره بالشك
والتردد حيث قال: كأنه يشير بحديث ابن عمر إلى ما سيأتي في قصة يوسف، وبحديث أبي
هريرة إلى الحديث المذكور في الباب الذي يليه فلينظر المتأمل الحاذق في حديث ابن عمر
الذي في قصة يوسف: هل يجد لما ذكره من الإشارة إليه وجهاً قريباً أو بعيداً وكذلك في
حديث أبي هريرة.
١٥ - بابٌ ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءً إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ونخن لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
أي: هذا باب يذكر فيه: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما
تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له
مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٣]. ذكر الله تعالى وصية إبراهيم لبنيه بقوله: ﴿ووصى بها إبراهيم
بنيه﴾ [البقرة: ١٣٢]. أي: بهذه الملة، وهي الإسلام ووصى يعقوب أيضاً بها ثم قال محتجاً
على المشركين من العرب أبناء إسماعيل وعلى الكفار من بني إسرائيل: إن يعقوب لما
حضرته الوفاة وصى بنيه بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فقال لهم: ما تعبدون من
بعدي؟ فأخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: نعبد إلهك ... والآية هذه من باب التغليب، لأن
إسماعيل عم يعقوب، ونقل القرطبي أن العرب تسمي العم أباً، وقد استدل بهذه الآية من
جعل الجد أباً، وحجب به الأخوة وهو قول الصديق: وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه
يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من علماء السلف
والخلف. وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: إنه يقاسم الإخوة، وحكى مالك
عن عمرو وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن،
رحمهم الله، وقال الزمخشري: ((أم كنتم شهداء)) هي: أم، المنقطعة ومعنى الهمزة فيها

٣٧١
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٦)
الإنكار، والشهداء: جمع شهيد، يعني الحاضر: أي: ما كنتم حاضرين يعقوب إذا حضره
الموت أي: حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى: ما شهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم
به من طريق الوحي، وقيل: الخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلاّ على
اليهودية. وقال الزمخشري أيضاً: لكن الوجه أن تكون: أم، متصلة على أن يقدر قبلهما
محذوف، كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت،
يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام،
وقد علمتم ذلك، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء؟.
٤٤/ ٣٣٧٤ - حدّثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمُ سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ سَعِيدِ بنِ
أبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قِيلَ لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ
قال أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ قالوا يا نَبِيَّ اللّه لَيْسَ عنْ لهَذَا نَسْألُكَ قال فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفَ نَبِيُّ الله
ابنُ نَبِيِّ الله ابنِ نَبِيِّ الله ابنٍ خَلِيلِ الله قالُوا لَيْسَ عَنْ لهذَا نَسْألُكَ قال فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ
تَسْألُونِي قالُوا نَعَمْ قَال فَخِيَارِكُمْ فَي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ في الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا. [انظر
الحديث ٣٣٥٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث موافق للآية في سياق نسب يوسف، والآية
تضمنت أن يعقوب خاطب أولاده عند موته بالوصية المذكورة آنفاً. ومن جملة أولاد يعقوب:
يوسف، وليس في الأنبياء على نسق نسب يوسف فإنه نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي
الله إسحاق ابن نبي الله إبراهيم، وإسحاق ابن إبراهيم الراوي هو ابن راهويه، والمعتمر هو ابن
سليمان بن طرخان، وعبيد الله - مصغراً - ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب، والحديث مر في: باب أوائل قول الله: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ [النساء:
١٦٥]. ومر الكلام فيه مستقصى.
١٦ - بابٌ ﴿وَلُوطَاً إِذْ قال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ أتِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ
قالُوا أخرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأْتَهُ
قَدَّزْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ وأمْطَزْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرَاً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذِرِينَ﴾ [لوط: ٨٤ - ٨٨].
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿ولوطاً إذ قال لقومه﴾ إلى آخره، و: لوطاً،
منصوب بتقدير واذكر لوطاً، أو بتقدير: أرسلنا لوطاً بدلالة قوله فيما قبله: ﴿ولقد أرسلنا إلى
ثمود أخاهم صالحاً﴾ [لوط: ٨٣]. وكلمة: إذ، بدل على الأول ظرف على الثاني. قوله:
﴿أتأتون الفاحشة﴾ أي: الفعلة القبيحة الشنيعة وهي اللواطة. قوله: ﴿وأنتم تبصرون﴾، أي:
والحال أنكم تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، وتبصرون من بصر القلب والله تعالى إنما
خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر ولا الأنثى للأنثى. وقيل: وأنتم تبصرون أي: يبصر
بعضكم بعضاً لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها مجاهرين بها لا يستترون عتواً منهم وتمرداً

٣٧٢
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (١٧)
وخلاعة ومجانة. قوله: ((أئنكم لتأتون الرجال؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار.
قوله: ((شهوة)) أي: لأجل الشهوة. قوله: ((تجهلون)) أي: عاقبة العصيان ويوم الجزاء وقيل:
تجهلون موضع قضاء الشهوة، قال الزمخشري: فإن قلت: فسرت: تبصرون، بالعلم وبعده: بل
أنتم قوم تجهلون، فكيف يكونون علماء جهلاء؟ قلت: أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها
فاحشة مع علمكم بذلك، واجتمعت الغيبة والمخاطبة في قوله تعالى: ﴿بل أنتم قوم
تجهلون﴾ فغلبت المخاطبة، فقيل: تجهلون، لأن المخاطبة أقوى وأرسخ أصلاً من الغيبة.
قوله: ((فما كان جواب قومه)) أي: قوم لوط إلاَّ أن قالوا، كلمة: أن، مصدرية أي: إلاَّ قولهم.
قوله: ((يتطهرون)) من أدبار الرجال يقولونه استهزاء بهم وتهكما. قوله: ((فأنجيناه))، أي: أنجينا
لوطاً من العذاب وأنجينا أهله إلاَّ امرأته قدرناها أي: جعلناها بتقديرنا وقضائنا عليها من
الغابرين أي: الباقين في العذاب. قوله: ((وأمطرنا عليهم مطراً) أي: الحجارة، فساء مطر
المنذرين الذين أنذروا بالعذاب، وقال الداودي: أينما كان المطر في كتاب الله فهو العقاب،
والمذكور في التفسير أنه يقال: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة، وأهل اللغة يقولون:
مطرت السماء وأمطرت.
٣٣٧٥/٤٥ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حدَّثنا أَبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النَّبِيِّ عَّ ◌َِّ قال يَغْفِرُ الله لِلُوطٍ إنْ كانَ لَّيأوي إلى ژُْنِ
شَدِيدٍ. [انظر الحديث ٣٣٧٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب ابن أبي حمزة، وأبو
الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز، وهؤلاء على هذا
النسق مروا مراراً كثيرة. والحديث مضى عن قريب في: باب قوله عز وجل ﴿ونبّئهم عن
ضيف إبراهيم﴾ [الحجر: ٥١]. قوله: ((إن كان)) كلمة: إن، هذه مخففة من المثقلة أي: إنه
كان. قوله: ((إلى ركن شديد)) أي: إلى الله سبحانه وتعالى ويشير بذلك إلى قوله تعالى:
﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠]. أي: إلى عشيرته لكنه لم يأو
إليهم ولكنه آوى إلى الله، وقال النووي: يجوز أنه لما اندهش بحال الأضياف قال ذلك، أو
أنه التجأ إلى الله تعالى في باطنه، وأظهر هذا القول للأضياف اعتذاراً وسمى العشيرة ركناً
لأن الركن يستند إليه ويمتنع به فشبههم بالركن من الجبل لشدتهم ومنعتهم.
١٧ - بابٌ ﴿فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطِ المُرسَلُونَ قال إنَّكُمْ قَوْمٌ
مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢].
أي: هذا باب يذكر فيه قوله تعالى: ﴿فلما جاء﴾ [الحجر: ٦٢]. إلى آخره، وفاعل
جاء هو قوله: المرسلون، وهم الملائكة المرسلون من عند الله لهلاك قوم لوط. قوله: ((آل
لوط)) بالنصب مفعول: جاء. قوله: ((قال) أي: لوط، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((إنكم قوم
منكرون)) أي: لا أعرفكم، قالوا: بل جئناك بالحق، أي: اليقين، وإنا لصادقون في قولنا، ثم

٣٧٣
٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٧)
حكى الله تعالى بقية القصة، بقوله: فأسرٍ بأهلك ... إلى آخرها.
بِرُكْنِهِ بِمَنْ مَعَهُ لِأَنَّهُمْ قُوَّتُهُ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فتولى بركنه وقال ساحراً أو مجنون﴾ [الذاريات:
٣٩]. وأول الآية ﴿وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركته﴾ [الذاريات:
٣٨ - ٣٩]. قوله: ((وفي موسى)) عطف على قوله: ﴿وفي الأرض آيات﴾ [الذاريات:
٢٠]. قوله: ((بركنه)) يعني: بقومه ومن معه يعني: المنعة والعشير، وقال المُورج بجانبه وجميع
بدنه وهو كناية عن المبالغة عن الإعراض والإنكار، والركن ما ركن إليه الإنسان من مال
وجند وقوة. قوله: ﴿وقال ساحر أو مجنون﴾ [الذاريات: ٣٩]. أي: وقال فرعون: موسى
ساحر أو مجنون. وهذا الذي ذكره البخاري ههنا لا وجه له، لأنه في قصة موسى، والترجمة
في قصة لوط، عليها الصلاة والسلام، ومع هذا إن التفاسير التي ذكرها هنا لم توجد إلاَّ في
رواية المستملي وحده.
تَرْكَنُوا تَمِيلُوا
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ [هود: ١١٣]. أي: لا
تميلوا إليهم، وهذا أيضاً لا تعلق له بقصة لوط، وقيل: كأنه ذكره هناك لوجود مادة: ركن.
قلت: هذا بعيد، حيث لم يذكره بمعية ما وقع في قصة لوط.
فأنْكَرَهُمْ ونَكِرَهُمْ واسْتَنْكَرَهُمْ واحِدٌ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ [هود: ٧٠].
وهذا أيضاً لا وجه له، لأن هذا الإنكار في الآية من إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وهو غير
إنكار لوط، عليه الصلاة والسلام، وذلك لأن الملائكة الأربعة الذين ذكرناهم عن قريب، لما
دخلوا على إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، في صور مُردٍ حِسان جاء إليهم بعجل حينئذ
فأمسكوا أيديهم، ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف
إنا أرسلنا إلى قوم لوط﴾ [هود: ٧٠]. وأما إنكار لوط ففي مجيء قومه إليهم كما هو
المذكور في قصته.
يُهْرَعُونَ يُسْرِعُونَ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ [هود: ٧٨]. أي: جاء
لوطاً قومه يهرعون، أي: يسرعون ويهرولون، وذلك أن امرأة لوط هي التي أخبرتهم بمجيء
هؤلاء الملائكة في صورة الرجال المردان، وقصته مشهورة.
دَابِرَ آخِرَ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع﴾
[الحجر: ٦٦]. أي: آخرهم مقطوع مستأصل.

٣٧٤
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (١٨)
صَيْحَةٌ هَلَكَةً
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿إن كانت إلاَّ صيحة واحدة فإذا هم خامدون﴾ [يس:
٢٩]. وهذا أيضاً لا وجه له ههنا لأن هذه الآية لا تعلق لها بقصة لوط.
لِلْمُتَوَسِمِينَ لِلنَّاظِرِينَ
أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين﴾ [الحجر: ٧٥].
وفسره بقوله: للناظرين، وهكذا فسره الضحاك، وقال مجاهد: معناه للمتفرسين، وقال الفراء:
وقال أبو عبيدة: للمتبصرين، وحقيقته من توسمت الشيء: نظرته، نظر تثبت.
لَبِسَبِيلٍ لَبِطَرِيقٍ
· أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وإنها لبسبيل مقيم﴾ [الحجر: ٧٦]. وفسر السبيل
بالطريق، وكذا فسره أبو عبيدة، والضمير في قوله: وإنها، يرجع إلى: مدائن قوم لوط عَ لّهِ،
وقيل: إلى الآيات.
٣٣٧٦/٤٦ ــ حدّثنا مَحْمُودٌ حَدَّثَنا أبو أحْمَدَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنِ
الأَسْوَدِ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه قال قرَّأَ النَّبِيُّ عَُّلّهِ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِّرْ﴾ [القمر:
١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، و٥١]. [انظر الحديث ٣٣٤١ وأطرافه].
هذا قد مر في: باب قوله عز وجل: ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر﴾ [الحاقة: ٦].
ووجه مناسبة ذكره هنا هو أنه ذكر في قصة لوط، وهي قوله تعالى: ﴿كذبت قوم لوط
بالنذر﴾ [القمر: ٣٣]. إلى قوله: ﴿فذوقوا عذابي ونذرٍ﴾ [القمر: ٣٧ و٣٩]. ثم قال:
﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذَّكر﴾ [القمر: ٥١]. وكذلك ذكر عقيب قصة عاد
وقصة ثمود أيضاً، وكلها في سورة القمر. قوله: ﴿فهل من مذكر﴾ بالدال المهملة المشددة،
ومر الكلام فيه هناك ومحمود هو ابن غيلان، بالغين المعجمة، وأبو أحمد هو محمد بن عبد
الله الزبيري، وسفيان هو الثوري وأبو إسحاق السبيعي عمرو، والأسود بن يزيد وعبد الله هو
ابن مسعود.
١٨ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهُمْ صالِحَاً﴾ [الأعراف: ٧٣].
أي: هذا باب يذكر فيه بيان قول الله عز وجل: ﴿وإلى ثمود﴾ أي: أرسلنا إلى ثمود
﴿أخاهم صالحاً﴾ [الأعراف: ٧٣]. وإنما قال: أخاهم، لأن صالحاً، عليه السلام، كان من
قبيلتهم.
واختلفوا في ثمود، فقال الجوهري: ثمود قبيلة من العرب الأولى، وهم قوم صالح،
وكذلك قال الفراء: سميت بذلك لقلة مائهم، وقال الزجاج: الثمد الماء القليل الذي لا مادة
له، وقيل: ثمود اسم رجل، وقال عكرمة: هو ثمود بن جابر بن إرم بن سام بن نوح، وقال
الكلبي: وكانت هذه القبيلة تنزل في وادي القرى إلى البحر والسواحل وأطراف الشام،

٣٧٥
٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (١٨)
وكانت أعمارهم طويلة وكانوا يبنون البنيان والمساكن، فتنهدم، فلما طال ذلك عليهم
اتخذوا من الجبال بيوتاً ينحتونها وعملوها على هيئة الدور، ويقال: كانت منازلهم أولاً بأرض
كوش من بلاد عالج ثم انتقلوا إلى الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وخالفوا أمر
الله وعبدوا غيره، وأفسدوا في الأرض فبعث الله إليهم صالحاً نبياً فدعاهم إلى الله تعالى
حتى شط ولم يتبعه منهم إلاّ قليل يستضعفون، وصالح هو ابن عبيد بن جاثر بن إرم بن
سام بن نوح، عليه الصلاة والسلام، وقيل: صالح بن عبيد بن أنيف بن ماشخ بن جادر بن
جاثر بن ثمود، قاله مقاتل، وقيل: صالح بن كانوه، قاله الربيع، وقيل: صالح بن عبيد بن
يوسف بن شالخ بن عبيد بن جاثر بن ثمود، قاله مجاهد. قال مجاهد: كان بينه وبين ثمود
مائة سنة وكان في قومه بقايا من قوم عاد على طولهم وهيئاتهم، وكان لهم صنم من حديد
يدخل فيه الشيطان في السنة مرة واحدة ويكلمهم، وكان أبو صالح سادنه فغار عَّهِ وهمَّ
بكسره، فناداهم الصنم: اقتلوا كانوه، فقتلوه، ورموه في مغارة، فبكت عليه امرأته مدة، فجاءها
ملك فقال لها: إن زوجك في المغارة الفلانية، فجاءت إليه وهو ميت فأحياه الله تعالى، فقام
إليها فوطئها في الحال فعلقت بصالح من ساعتها، وعاد كانوه ميتاً بإذن الله، ولما شب
صالح بعثه الله إلى قومه قبل البلوغ، ولكنه قد راهق، قاله وهب.
وقال ابن عباس: لما تم له أربعون سنة أرسله إليهم وذكره الله تعالى في القرآن في
خمسة مواضع، وبين قصته مع قومه، فلما أهلك الله قومه نزل صالح بفلسطين وأقام بالرملة،
وقال السدي: أتى صالح ومن معه من المؤمنين إلى مكة وأقاموا يتعبدون حتى ماتوا فقبورهم
غربي الكعبة بين دار الندوة والحجر، وقال ابن قتيبة: أقام صالح في قومه عشرين سنة ومات
وهو ابن مائة وثمان وخمسين سنة، وقيل: ابن ثلاثمائة وست وثلاثين سنة، وحكاه الخطيب
عن ابن عباس، وهو الأظهر، ويقال: إن صالحاً مات في اليمن وقبره بموضع يقال له الشبوه،
وذكر الفربري: أن صالحاً خرج مع المؤمنين إلى الشام فسكنوا فلسطين ومات بها، وكان بين
صالح وبين هود مائة سنة، وبين صالح وبين إبراهيم ستمائة سنة وثلاثون سنة.
﴿كَذَبَ أصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ [الحجر: ٨٠]. الحِجْرُ مَوْضِعُ ثَمُودَ. وأمَّا حَرْثٌ حِجْرٌ
حَرَامٌ وكِلُّ مَمْنُوعٍ فَهْوَ حِجْرٌ مَخْجُورٌ والْحِجْرُ كُلُّ بِناءٍ بَنَيْتَهُ ومَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ
الأَرْضِ فَهُوَ حِجْرٌّ ومِنْهُ سُمِّيَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرَاً كأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَخطُومٍ مِثْلُ قَتِيلٍ
مِنَ مَفْتُولٍ ويُقال لِلأُنْثَى مِنَ الخَيْلِ الْحِجْرُ ويُقالُ لِلْعَقْلِ حِجْرٌ وحِجَّى وأمَّا حَجْرُ
اليَمامَةِ فَهْوَ مَنْزِلٌ
قوله: ((كذب أصحاب الحجر)) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿ولقد كذب أصحاب
الحجر المرسلين﴾ [الحجر: ٨٠]. وفسر الحجر بقوله: موضع ثمود، وهو ما بين المدينة
والشام، وأراد بالمرسلين صالحاً، وهو - وإن كان واحداً - فالمراد هو ومن معه من المؤمنين،
كما قالوا الخبيبيون في ابن الزبير وأصحابه، وقيل: كل من كذب واحداً من الرسل فكأنما
كذبهم جميعاً. قوله: ((وأما حرث حجر حرام)) أشار به إلى ما في قوله تعالى: ﴿وقالوا هذه

٣٧٦
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٨)
أنعام وحرث حجر﴾ [الأنعام: ١٣٨]. وفسر الحجر بقوله: حرام، وكذا فسره أبو عبيدة،
وحذف البخاري الفاء من جواب: أما، وهو قوله: حرام، وهو جائز. قوله: ((وكل ممنوع فهو
حجر محجور)) أي: كل شيء يمنع فهو حجر أي: حرام، ومنه: حجر محجور، وأشار به إلى
ما في قوله تعالى: ﴿ويقولون حجراً محجوراً﴾ [الفرقان: ٢٢]. وقال أبو عبيدة: أي حراماً
محرماً. قوله: ((والحجر كل بناء بنيته))، بتاء الخطاب في آخره، ويروي: ((تبنيه))، بتاء
الخطاب في أوله. قوله: ((فهو حجر))، إنما دخلت الفاء فيه لأن قوله: ((وما حجرت عليه))،
يتضمن معنى الشرط. قوله: ((ومنه سمي الحطيم))، أي: ومن قبيل هذه المادة سمي حطيم
البيت أي الكعبة حجراً، وهو الحائط المستدير إلى جانب الكعبة.
قوله: ((كأنه مشتق من محطوم مثل قتيل من مقتول))، أراد: أن الحطيم بمعنى
المحطوم، كما أن القتيل بمعنى المقتول يعني فعيل، ولكنه بمعنى مفعول، وليس فيه اشتقاق
اصطلاحي، ومعنى: محطوم، مكسور، وكأن الحطيم سمي به لأنه كان في الأصل داخل
الكعبة فانكسر بإخراجه عنها. قوله: ((ويقال للأنثى من الخيل الحجر)) ويجمع على حجورة.
قوله: ((ويقال للعقل حجر))، كما في قوله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ [الفجر:
٥]. أي: لذي عقل، لأنه يمنع صاحبه من الوقوع في المهالك. قوله: ((وحجى)) بكسر الحاء
وفتح الجيم مقصور، وهو أيضاً من أسماء العقل، ومنه: الحجى بمعنى الستر، وفي الحديث:
((من بات على ظهر بيت ليس عليه حجى فقد برئت منه الذمة)) شبهه بالحجى العقل، لأن
العقل يمنع الإنسان من الفساد ويحفظه من التعرض للهلاك، فكذلك الستر الذي على السطح
يمنع الإنسان من التردي والسقوط. قوله: ((وأما حجر اليمامة فهو منزل))، يعني: أما حجر
اليمامة، بفتح الحاء: فهو اسم منزل ثمود بناحية الشام عند وادي القرى، وهذا ليس له تعلق
بما قبله من الألفاظ الستة، ولكنه ذكره استطراداً، ومن مكسور الحاء غير ما ذكره حجر
القميص، وفيه جاء الكسر والفتح أفصح ومنه حجر الإنسان، قال ابن فارس: فيه لغتان ويجمع
على حجور، وجاء في الحجر الذي بمعنى الحرام الكسر والضم والفتح. وقال الجوهري:
الكسر أفصح، والحجر بفتحتين معروف، وهو اسم رجل أيضاً، ومنه أوس بن حجر الشاعر،
والحجر بفتح الحاء وسكون الجيم مصدر حجر القاضي عليه إذا منعه من التصرف في ماله،
وحجر بضم الحاء وسكون الجيم: نبت مر، واسم رجل أيضاً وهو حجر الكندي الذي يقال
له: آكل المرار، وحجر بن عدي الذي يقال له: الأدبر.
واعلم أن في بعض النسخ وقع هذا الباب عقيب قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وإلى
عاد أخاهم هوداً﴾ [الأعراف: ٧٣]. وقال بعضهم: الصواب إثباته هنا، يعني: عقيب قوله:
﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ [الأعراف: ٧٣]. ثم أيد كلامه بما حكاه أبو الوليد الباجي عن
أبي ذر الهروي: أن نسخة الأصل من البخاري كانت ورقاً غير محبوك، فربما وجدت الورقة
في غير موضعها فنسخت على ما وجدت فوقع في بعض التراجم إشكال بحسب ذلك، وإلاَّ
فقد وقع في القرآن ما يدل على أن ثمود كانوا بعد عاد، كما أن عاداً بعد قوم نوح، عليه

٣٧٧
٦٠ - كِتابُ أحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٨)
الصلاة والسلام، قلت: الاعتماد على هذا الكلام مما يستلزم سوء الترتيب بين الأبواب وعدم
المطابقة بين الأحاديث والتراجم مع الاعتناء الشديد في كتب البخاري على ترتيب ما وضعه
المصنف في تلك الأيام، ولا يستلزم وقوع قصة ثمود بعد قصة عاد في القرآن لزوم رعاية
الترتيب فيه.
٤٧ /٣٣٧٧ - حدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ حدثنا سُفْيَانُ حدَّثنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ
عَبْدِ الله بنِ زَمْعَةَ قال سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَ لَّهِ وَذَكَرَ الَّذِي عِقَرَ النَّاقَةَ فقال انْتَدَبَ لَهَا رَجُلٌ ذُو عِزّ
ومَنَعَةٍ في قُوَّةٍ كأبي زَمْعَةَ. [الحديث ٣٣٧٧ - أطرافه في: ٤٩٤٢، ٥٢٠٤، ٦٠٤٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن عقر الناقة في قصة صالح، عليه الصلاة والسلام،
والحميدي، بضم الحاء المهملة: عبد الله بن الزبير بن عيسى وقد مر غير مرة، وسفيان هو
ابن عيينة، وعبيد الله بن زمعة، بفتح الزاي وسكون الميم وفتحها: ابن الأسود بن المطلب
ابن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، أمه قريبة بنت أبي أمية ابنة أم سلمة أم
المؤمنين، وكان من أشراف قريش، وكان يأذن على النبي عَّةِ، يعد في أهل المدينة، وزمعة
وأخوه عقيل قتلا يوم بدر كافرين، وأبوهما الأسود كان من المستهزئين، ذكروا أن جبريل،
عليه الصلاة والسلام، ضرب في وجهه بورقة فعمي، وكان لعبد الله ابن يسمى: يزيد، قتله
مسرف بن عقبة صبراً يوم الحرة، وقتل له بنون أيضاً يوم الحرة، وليس لعبد الله بن زمعة في
البخاري غير هذا الحديث، وقال أبو عمر وروى عنه عروة ثلاثة أحاديث: أحدها: أن رسول
الله، عَّ له، قال: يضرب أحدكم المرأة ضرب العبد ثم يضاجعها من آخر يومه. والثاني: أنه
ذكر الضرطة فوعظهم فيها، فقال: لِمَ يضحك أحدكم مما يفعل؟ والثالث: حديث الباب،
وقد جمع عروة الثلاثة المذكورة في حديث واحد، كما يجيء بيانه عن قريب.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في التفسير أيضاً عن موسى بن
إسماعيل وفي الأدب عن علي بن عبد الله وفي النكاح عن محمد بن يوسف. وأخرجه
البخاري هنا بحديث عقر الناقة وفي الأدب بالحديث الأول والحديث الثاني، وفي النكاح
بالحديث الأول، وأخرجه مسلم في صفة النار عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب.
وأخرجه الترمذي في التفسير عن هارون بن إسحاق وعن عبدة بن سليمان، وأخرجه النسائي
في التفسير أيضاً عن محمد بن رافع وهارون بن إسحاق بحديث الباب وفي عشرة النساء
بالحديث الأول. وأخرجه ابن ماجه في النكاح عن أبي بكر ابن أبي شيبة بالحديث الأول.
ذكر معناه: قوله: ((وذكر الذي عقر الناقة))، أي: ناقة صالح، عليه الصلاة والسلام،
وقصتها هي: أن صالحاً لما دعا قومه إلى الله تعالى اقترحوا عليه ناقة لأنهم كانوا أصحاب
إبل وكانت النوق عندهم عزيزة، فقالوا: لتكن الناقة سوداء حالكة عشراء ذات عرف وناصية
ووبر، فسأل الله فأوحى إليه: أخرج بهم إلى فضاء من الأرض، فخرجوا فقال: من أين
تريدونها، فأشاروا إلى صخرة، فقالوا: من هذه فأشار إليها صالح، عليه الصلاة والسلام، فقال:

٣٧٨
٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٨)
أخرجي بإذن الله، فتمخضت تمخض الحامل وانفجرت عن ناقة كما طلبوا، ثم تلاها فصيل
لها، فآمن خلق ممن حضر منهم ملكهم جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود
أن يؤمنوا فنهاهم دؤاب بن عمرو وصاحب أوثانهم ورئاب بن ضمعر، وكان من أشراف ثمود
وفي (تاريخ الفربري): قالوا لصالح، عليه الصلاة والسلام: لن نؤمن لك حتى تخرج لنا من
هذه الصخرة ناقة ذات ألوان من أحمر ناصع وأصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق، ويكون
نظرها كالبرق الخاطف ورغاؤها كالرعد القاصف، ويكون طولها مائة ذراع وعرضها كذلك،
ذات ضروع أربعة فنحلب منها ماء وعسلاً ولبناً وخمراً، ويكون لها تبيع على صفتها، وليكن
حنينها بتوحيد إلهك والإقرار بنبوتك، فخرجت مثل ما قالوا، فآمن الملك وكذب بعضهم
وكذب أخو الملك صلحاً وملكه ممن لم يؤمن به منهم، والقصة طويلة، فآخر الأمر قالوا: قد
ضايقتنا هذه الناقة في الماء والكلأ، فأجمَعوا على عقرها كما نذكره.
قوله: ((انتدب لها رجل))، من ندبه لأمر فانتدب أي: دعا له فأجاب. قوله: ((ذو عز
ومنعة))، بفتح الميم والنون وبالعين المهملة، وقيل: بسكون النون: وهي القوة وما يمنع به
الخصم. قوله: ((في قوة))، كذا هو في رواية الكشميهني والسرخسي وفي رواية الأكثرين في
قومه. قوله: ((كأبي زمعة))، وهو الأسود بن المطلب وكان ذا عز ومنعة في قومه كعاقر الناقة،
والتشبيه في هذا، وعاقر الناقة هو قدار بن سالف، وذكر السهيلي: أنه كان ولد زنا وهو أحمر
ثمود الذي يضرب به المثل في الشؤم، وكان أحمر أشقر أزرق سناطاً قصيراً، وقال الثعلبي:
اسمه قديرة، وقال الجوهري: اسمه قدار - بالدال المهملة - وهو الأصح وقال وهب: وكان
في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون فانضاف إليهم قدار فصاروا تسعة
وقال وهب: وكانت الثمانية حاكة وكان الذي تولى عقرها قدار بن سالف، ورماها مصدع
· ابن مهرج، وذكرهم ابن دريد في (الوشاح)، فقال: قدار بن سالف بن جدع. ومصدع بن
مهرج بن هزيل بن المحيا. وهزيل بن عنز بن غنم بن ميلع. وسبيع بن مكيف بن سيحان.
وعرام بن نهبى بن لقيط. ومهرب بن زهير بن سبيع. وسبيع بن رغام بن ملدع، وعريد بن
نجد بن مهان، ورعين بن عمر بن داعر.
٣٣٧٨/٤٨ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مِسْكِينٍ أبو الْحَسَنِ حدَّثنا يَحْيِی بنُ حَسَّانَ بنِ
حَيَّانَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ عُمَّرَ رضي الله تعالى عنهُما
أَنَّ رَسُولَ الله عََّلِ لَمَّا نَلَ الحِجْرَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَنْ لا يَشْرَبُوا مِنْ بِثْرِهَا ولاَ يَسْتَقُوا
مِنْهَا فقالُوا قَدْ عَجَنَا مِنْهَا واسْتَقَيْنَا فأمَرَهُمْ أَن يَطْرَحُوا ذُلِكَ العَجِينَ ويُهَرِيقُوا ذُلِكَ المَاءَ.
[الحديث ٣٣٧٨ - طرفه في: ٣٣٧٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ومحمد بن مسكين اليماني شيخ الشیخین، ويحيى بن حسان
منصرفاً وغير منصرف ابن حيان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، التنيسي مر
في الجنائز، وسليمان هو ابن بلال أبو أيوب مولى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق،
رضي الله تعالى عنه، وكان بربرياً.

٣٧٩
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (١٨)
قوله: ((لما نزل الحجر)) أي: منازل ثمود. قوله: ((ويهريقوا))، أي: ويريقوا من الإراقة،
والهاء زائدة، وإنما أمرهم أن لا يشربوا من مائها خوفاً أن يورثهم قسوة أو شيئاً يضرهم.
ويُرْوَى عَنْ سَبْرَةَ بنِ مَعْبَدٍ وَأَبِي الشَّمُوسِ أَنَّ النَّبِيَّ عَ لَّهِ أَمَرَ بإلقَاءِ الطَّعَامِ
سبرة، بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وبالراء: ابن معبد، بفتح الميم
وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة. وقال أبو عمر: سبرة بن معبد الجهني، ويقال: ابن
عوسجة بن حرملة بن سبرة بن خديج بن مالك بن عمرو الجهني، يكنى أبا ثرية، بفتح الثاء
المثلثة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف، وقال أبو عمر: الصواب ضم الثاء، - يعنيٍ
المثلثة - وفتح الراء، سكن المدينة وله بها دار ثم انتقل إلى مرو وليس له في البخاري إلاّ
هذا الحديث، ووصل حديثه أحمد والطبراني من طريق عبد العزيز ابن سبرة بن معبد عن أبيه
عن جده سبرة، قال: قال رسول الله، عَّاللّ لأصحابه حين راح من الحجر: ((من كان عجن
منكم من هذا الماء عجينة أو حاس به حيساً فليلقه))، وأبو الشموس، بفتح الشين المعجمة
وضم الميم وفي آخره سين مهملة: البلوي، بفتح الباء الموحدة واللام، ولا يعرف له اسم،
ووصل حديثه البخاري في (الأدب المفرد) والطبراني وابن منده من طريق سليم بن مطير عن
أبيه عنه، قال: كنا مع رسول الله، عَّله في غزوة تبوك ... فذكر الحديث، وفيه: فألقى ذو
العجين عجينة وذو الحيس حيسه، ورواه ابن أبي عاصم من هذا الوجه، وزاد: فقلت: يا
رسول الله! قد حست حيسة أفألقمها راحلتي؟ قال: نعم.
وقال أبُو ذَرّ عنِ النَّبِيِّ عَلَّ مَنِ اعْتَجَنَ بِمَائِهِ
أبو ذر اسمه جندب بن جنادة. قوله: ((من اعتجن بمائه))، أي: أمر من اعتجن بمائه
بالإلقاء، ووصله البزار من طريق عبد الله بن قدامة عنه: أنهم كانوا مع النبي عَ لَّه في غزوة
تبوك، فأتوا على واد، فقال لهم النبي عَّلّه: إنكم بوادٍ ملعون فأسرعوا، وقال: من اعتجن
عجينة أو طبخ قدراً فليكبها ... الحديث، وقال: لا نعلمه إلاَّ بهذا الإسناد.
٣٣٧٩/٤٩ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاضٍ عنْ عُبَيْدِ الله عنْ
نَافِعِ أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أُخْبَرَةُ أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِصَلَه
أَرْضَّ ثَمُودَ الحِجْرَ فاسْتَقُوا مِنْ بِثْرِهَا واعْتَجَنُوا بِهِ فأمَرَهُمْ رسُولُ اللهِ عَلَّهِ أَنْ يُهَرِيقُوا ما
اسْتَقَوْا مِنْ بِثْرِهَا وأنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ وأمَرَهُمْ أنْ يَسْتَقُوا مِنَ الِثْرِ الَّي كانَتْ تَرِدُها النَّاقَةُ.
[انظر الحديث ٣٣٧٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب، والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن إسحاق بن موسى الأنصاري.
قوله: ((الحجر))، بالنصب على أنه بدل من أرض ثمود. قوله: ((وأن يعلفوا))، بفتح
الياء من: علفت الدابة علفاً، قيل: أمر في الحديث الماضي بالطرح، وههنا قال بالتعليف.
وأجيب: بأن المراد بالطرح ترك الأكل أو الطرح عند الدواب. قوله: ((التي كانت))، هكذا

٣٨٠
٦٠ - كِتَابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (١٨)
رواية الكشميهني وفي رواية غيره التي كان.
وفيه: كراهة الاستقاء من آبار ثمود، قيل: ويلحق بها نظائرها من الآبار والعيون التي
كانت لمن هلك بتعذيب الله تعالى على كفره، واختلف في الكراهة المذكورة، فقيل:
للتحريم، وقيل: للتنزيه، وعلى التحريم هل يمتنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا؟ والظاهر لا
يمتنع.
تابَعَهُ أُسَامَةُ عنْ نافِعٍ
أي: تابع عبيد الله أسامة بن زيد بن حارثة الليثي عن نافع، يعني روى عن نافع عن
ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، ووصل هذه المتابعة حرملة بن يحيى أبو حفص التجيبي
المصري عن عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني أسامة بن زيد فذكر مثل حديث عبيد
الله، وفي آخره: فأمرهم أن ينزلوا على بئر ناقة صالح عَ لّ فيستقوا منها.
٣٣٨٠/٥٠ - حدثني مُحَمَّدٌ أخبَرَنَا عَبْدُ الله عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أُخبرَنِي
سالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ عنْ أَبِيهِ رضي الله تعالى عنهُمْ أنَّ النبي عََِّّ لَمَّا مَرَّ بالحِجْرِ قال لاَ
تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِلَّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِدَائِهِ
وهْوَ عَلَى الرَّحْلِ. [انظر الحديث ٤٣٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد هو ابن مقاتل، وعبد الله هو ابن المبارك، والحديث
أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن عبد الله بن محمد الجعفي. وأخرجه النسائي في
التفسير عن سويد بن نصر.
قوله: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا)) وزاد في رواية: أنفسهم. وقوله: مساكن،
أعم من أن يكون: مساكن ثمود وغيرهم، ممن هو كصفتهم، وإن كان السبب ورد في
ثمود. قوله: ((باكين)) وفي رواية القابسي: باكيين، بياءين. قال ابن التين: وليس بصحيح لأن
الياء الأولى مكسورة في الأصل فاسئقلت وحذفت إحدى اليائين لالتقاء الساكنين. قوله:
((الذين ظلموا)): ثمود ومن في معناهم من سائر الأمم الذين نزلت بهم المثلات. قوله: ((أن
يصيبكم)) أي: حذر أن يصيبكم، كقولك: لا تقرب الأسد أن يفترسك، و: أن مصدرية أي:
كراهة الإصابة، وهذا التقدير عند البصريين، والتقدير عند الكوفيين: لئلا يصيبكم ما أصابهم،
وهذا خطأ عند البصريين لأنهم لا يجوزون إضمار: لا. قوله: ((ثم تقنَّع))، أي تستر. قوله:
((على الرحل))، وهو رحل البعير.
٣٣٨١/٥١ - حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا وهْبٌ حدَّثنا أبِي سَمِعْتُ يُونُسَ عِنِ
الزُّهْرِيِّ عِنْ سالِمٍ أَنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما قال قال رسُولُ الله عَ لِّ لا تَدْخُلُوَاَ
مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أصَابَهُمْ. [انظر
: الحديث ٤٣٣ وأطرافه].