Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٩٥)
بابك الذي ذكره فهو بباءين موحدتين مفتوحتين، وفي آخره كاف يقال له بابك الخرمي،
بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكان قد أظهر الزندقة وتبعه طائفة فقويت
شوكته في أيام المأمون وغلبوا على بلاد كثيرة من بلاد العجم إلى أن قتل في أيام المعتصم
في سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وكان خروجه في سنة إحدى ومائتين. قوله: ((عراض
الوجوه))، قال ابن قرقول: أي: سعتها. قوله: ((المجان))، بفتح الميم وتشديد النون جمع:
مجن، بكسر الميم وهو الترس. قوله: ((المطرقة))، بضم الميم وسكون الطاء المهملة وفتح
الراء. قال الخطابي: هي التي ألبست الأطرقة من الجلود، وهي الأغشية منها شبه عرض
وجوههم ونتوء وجناتهم بظهور الترس، والأطرقة جمع طراق، وهو جلدة تقدر على قدر الدرقة
وتلصق عليها. وقال القاضي البيضاوي: شبه وجوههم بالترس لبسطها وتدويرها، وبالمطرقة
لغلظها وكثرة لحمها. وقال الهروي: المجان المطرقة هي التي أطرقت بالعصب أي ألبست
به. وقيل: المطرقة هي التي ألبست الطراق وهو الجلد الذي يغشاه ويعمل هذا حتى يبقى
كأنه ترس على ترس، وقال ابن قرقول: قال بعضهم الأصوب فيه المطرقة، بتشديد الراء، وهو
ما ركب بعضه فوق بعض.
فإن قلت: هذا الخبر من جملة معجزات النبي عَّ حيث أخبر عن أمر سيكون، فهل
وقع هذا أم سيقع؟ قلت: قد وقع بضع ذلك على ما أخبر به رسول الله، عَّه في سنة سبع
عشرة وستمائة، وقد خرج جيشٍ عظيم من الترك فقتلوا أهل ما وراء النهر وما دونه من جميع
بلاد خراسان، ولم ينج منهم إلاّ من اختفى في المغارات والكهوف، فهتكوا في بلاد الإسلام
إلى أن وصلوا إلى بلاد قهستان، فخربوا مدينة الري وقزوين وأبهر وزنجان وأردبيل ورماغة
كرسي بلاد أذربيجان واستأصلوا شأفة من في هذه البلاد من سائر الطوائف، واستباحوا النساء
وذبحوا الأولاد، ثم وصلوا إلى العراق الثاني، وأعظم مدنه مدينة أصفهان، وقتلوا فيها من
الخلائق ما لا يحصى، وربطوا خيولهم إلى سواري المساجد والجوامع، كما جاء في
الحدیث.
وروى أبو داود الطيالسي من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال رسول
الله، عَله: لينزلن طائفة من أمتي أرضاً يقال لها البصرة، فيجيء بنو قنطوراء عراض الوجوه
صغار العيون حتى ينزلوا على جسر لهم يقال له دجلة، فيفترق المسلمون ثلاث فرق: أما
فرقة فتأخذ بأذناب الإبل فتلحق بالبادية فهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها فكفرت، فهذه
وذلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالاتهم خلف ظهورهم ويقاتلون، فقتلاهم شهيد، ويفتح الله
على بقيتهم.
وروى البيهقي من حديث بريدة: إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه، كأن وجوههم
الجحف، ثلاث مرات حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، قالوا: يا نبي الله! من هم؟ قال: الترك،
والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين.

٢٨٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (٩٦)
٢٩٢٨/١٣٩ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا يَعْقُوبُ قال حدَّثنا أبي عن صالِحٍ
عنِ الأعْرَج قال قال أبو هُرَيْرة رضي الله تعالى عنهُ قال رسولُ الله، عَّ له لا تقُومُ السَّاعَةُ
حتَّى تُقاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ حُمْرَ الوجُوهِ ذُلْفَ الأَنُوفِ كأنَّ وُجُوهَهُمُ المَجانُّ
المُطْرَقَةُ ولاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمَاً نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ. [الحديث ٢٩٢٨ - أطرافه في:
٢٩٢٩، ٣٥٨٧، ٣٥٩٠، ٣٥٩١].
مطابقته للترجمة أظهر من مطابقة الحديث السابق، لأن فيه التصريح بلفظ الترك.
وسيد بن محمد أبو عبد الله الجرمي الكوفي المتشيع، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أصله مدني سكن بالعراق، يروي عن أبيه إبراهيم
المذكور، وصالح هو ابن كيسان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز.
قوله: ((ذلف الأنوف))، بضم الذال المعجمة جمع: الأذلف، وهو صغر الأنف مستوى
الأرنبة، وهو الفطس. وقيل: قصر الأنف وانبطاحه، ورواه بعضهم بدال مهملة، وقال ابن
قرقول: وقيدناه بالوجهين، وبالمعجمة أكثر. وقيل: تشمير الأنف عن الشفة، وعن ابن فارس:
الذلف الاستواء في طرف الأنف، والعرف تقول: أملح النساء الذلف، والأنوف جمع أنف
مثل: فلس وفلوس، ويجمع على أنف وإناف. وفي (المخصص): هو جمع المنخر، وسمي
أنفاً لتقدمه.
٩٦ - بابُ قِتَالِ الَّذِينَ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ
أي: هذا باب في بيان قتال القوم الذين ينتعلون الشعر، وهم أيضاً من الترك، كما
ذكرناه، ولكن لما روي الحديث المذكور في الباب السابق عن أبي هريرة، رضي الله تعالى
عنه، من وجه آخر، عقد له هذه الترجمة، لأن لفظ أبي هريرة في الحديث الماضي: ((لا تقوم
الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر))، وقع في آخر الحديث، وهو في هذا الحديث وقع
في صدره.
١٤٠ / ٢٩٢٩ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال الزُّهْرِيُّ عنْ سَعِيدِ بنِ
الْمُسَيَّبِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌ُلّهِ قال لا تقُومُ السَّاعَةُ حتَّىَ
تُقَاتِلُوا قَوْماً نِعالُهُمْ الشَعَرُ ولاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تُقَاتِلوا قَومَاً كأنَّ وَجُوهَهُمْ المَجَانُّ
المُطْرَقَةُ. [انظر الحديث ٢٩٢٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومعناه قد ذكر عن قريب. وروى الترمذي من حديث
الصديق، رضي الله تعالى عنه: ((أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان، يتبعه
أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة)). وقال: حسن غريب، وهذا يدل على أن خروج الترك
على المسلمين يتكرر، وهكذا وقع كما ذكرنا، وسيقع أيضاً عند ظهور الدجال، والله تعالى
أعلم.

٠
٢٨٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٧)
قال سُفْيَانُ وزَادَ فِيهِ أبُو الزِّنَادِ عن الأعرج عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً صِغارَ الأَغْيُنِ ذُلْفَ
الأَنُوفِ كأنَّ وُجُوهَهُمَ المَجانُّ المُطْرَقَّةُ
أي: قال سفيان بن عيينة: زاد في الحديث المذكور. أبو الزناد، بالزاي والنون: عبد
الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وقال بعضهم: هو موصول بالإسناد
المذكور، وأخطأ من زعم أنه معلق. قلت: القائل بالتعليق هو صاحب (التلويح): فإنه قال:
هذا التعليق رواه البخاري مسنداً في علامات النبوة، ونسبته إلى الخطأ جزماً خطأ، لأن ظاهر
الكلام هو التعليق، والذي ادعاه هذا القائل احتمال قوله: رواية، بالنصب أي: زاد على سبيل
الرواية، لا على طريق المذاكرة، أي قاله عند النقل والتحميل لا عند القال والقيل. قوله:
((صغار الأعين))، بالنصب لأنه مفعول زاد.
٩٧ - بابُ مَنْ صَفَّ أصْحَابَهُ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ ونَزلَ عنْ دَابَّتِهِ وَاسْتَنْصَرَ
أي: هذا باب في ذكر من صف أصحابه عند هزيمتهم وثبت هو ونزل عن دابته
واستنصر الله تعالى، وهذا كان يوم حنين حيث انقلب أصحاب النبي عَِّ، منهزمين من
عدوهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [التوبة: ٢٥]. وثبت النبي عَ ◌ّ، وذلك
لما خصه الله تعالى من الشجاعة والنجدة، فنزل عن بغلته واستنصر، يعني دعا الله بالنصرة
فنصره الله تعالى، إذ رماهم بالتراب كما يأتي بيانه مستقصىّ في المغازي، ونزوله كان بسبب
الرجالة الباقين معه ليتأسوا به.
١٤١/ ٢٩٣٠ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قال حدَّثنا زُهَيْرٌ قال حدَّثنا أبُو إِسْحَاقَ قال
سَمِعْتُ البَرَاءَ وسَأْلَهُ رَجَلٌ أكثْتُمْ فَرَرْتُمْ يا أبا عُمارَةَ يَوْمَ حُنَيْنِ قال لاَ والله ما وَلَّى رسولُ الله،
عَّلله ولَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرَاً لَيْسَ بِسِلاحِ فَأَتَوْا قَوْماً رُماةٌ جَمْعَ هَوَازِنَ
وبَنِي نَصْرِ ما يَكادُ يَسْقُطُ لَهُمُ سَهْمٌ فَرَشَقُوهُمْ رَشْقَاً ما يَكَادُوَّنَ يُخْطِئُونَ فَأَقْبَلُوا هُنالِكَ إلى
النَّبِيِّ عَ لّهِ وَهْوَ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ وابنُ عَمِّهِ أبو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقودُ
بِهِ فَتَزَلَ واسْتَنْصَرَ ثُمَّ قال أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب ثُمَّ صَفَّ أصْحَابَهُ. [انظر
الحديث ٢٨٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فنزل واستنصر)).
وعمرو بن خالد بن فروخ الحراني الجزري سكن مصر وهو من أفراده، وزهير هو ابن
معاوية، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله.
والحديث قد مضى في: باب من قاد دابة غيره في كتاب الجهاد، فإنه أخرجه هناك:
عن قتيبة عن سهل بن يوسف عن شعبة عن سهل بن أبي إسحاق ... إلى آخره.
قوله: ((يا أبا عمارة))، بضم العين وتخفيف الميم، كنية أبي الدرداء. قوله:
((وأخفاؤهم))، وجمع خف بمعنى الخفيف، وهم الذين ليس معهم سلاح يثقلهم. قوله:
((حسراً))، بضم الحاء وتشديد السين المهملتين وبالراء: جمع حاسر، وهو الذي لا سلاح معه،

٢٨٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٨)
وقيل: هو الذي لا درع له ولا مغفر، وانتصابه على الحال من: شبان أصحابه. قوله: «ليس
بسلاح))، اسم: لیس، مضمر، والتقدير: ليس أحدهم ملتبساً بسلاح، ویروی لیس سلاح،
بدون الباء، وسلاح مرفوع على أنه اسم: ليس، والخبر محذوف، أي: ليس سلاح لهم. قوله:
((رماة)، جمع رام، وانتصابه على أنه صفة: قوماً، وانتصاب قوماً على المفعولية. قوله: ((جمع
هوازن))، منصوب على أنه بدل من: قوماً، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم
جمع هوازن، وجمع بني نصر وهما قبيلتان. قال الجوهري: نصر أبو قبيلة من بني أسد وهو
نصر بن قعين. قوله: ((فرشقوهم))، الرشق الرمي، وقال الداودي: معناه يرمي الجميع سهامهم.
قوله: ((وابن عمه))، مبتدأ، والواو للحال، وخبره قوله: ((يقود به)).
٩٨ - بابُ الدُّعَاءِ علَى المُشْرِكِينَ بِالْهَزِيمَةِ وَالزَّلْزَلَةِ
أي: هذا باب في بيان دعاء الإمام على المشركين عند قيام الحرب بالهزيمة والزلزلة
اقتداء بالنبي عَّة، والهزيمة من الهزم. وهو الكسر، والزلزلة من زلزلت الشيء إذا حركته
تحريكاً شديداً، ومنه: زلزلة الأرض، وهي اضطرابها.
٢٩٣١/١٤٢ - حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا عِيسَى قال حدَّثنا هشامٌ عنْ
مُحَمَّدٍ عنْ عَبِيدَةَ عنْ عَلِيّ رضي الله تعالى عنهُ قال لَمَّا كانَ يَوْمُ الأَخْزَابِ قال رسولُ الله
عَِّ مَلأ الله بيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نارَاً شَغَلُونَا عنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى حِينَ غابَتِ الشَّمْسُ.
[الحديث ٢٩٣١ - أطرافه في: ٤١١١، ٤٥٣٣، ٦٣٩٦].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً) لأن في إحراق
بيوتهم غاية التزلزل لأنفسهم ..
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي،
يعرف بالصغير. الثاني: عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. الثالث: هشام، قال
بعضهم: هو الدستوائي، قال: وزعم الأصيلي أنه هشام بن حسان، ورام بذلك تضعيف
الحديث، فأخطأ من وجهين، وتجاسر الكرماني فقال: المناسب أنه هشام بن عروة. قلت: هو
الذي تجاسر حيث قال: إنه هشام الدستوائي، وليس هو بالدسوائي، وإنما هو هشام بن حسان
مثل ما قال الأصيلي، وكذا نص عليه الحافظ المزي في (الأطراف) في موضعين، كما
نذكره عن قريب، والكرماني أيضاً قال: وهشام الظاهر أنه ابن حسان، ثم قال: لكن المناسب
لما مر في: باب شهادة الأعمى، هشام بن عروة، ولم يظهر منه تجاسر لأنه لم يجزم أنه
هشام بن عروة، وإنما غرته رواية عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عروة في الباب المذكور،
فظن أن ههنا أيضاً كذلك. الرابع: محمد بن سيرين. الخامس: عبيدة، بفتح العين المهملة
وكسر الباء الموحدة: ابن عمرو السلماني أبو مسلم الكوفي. السادس: علي بن أبي طالب،
رضي الله تعالى عنه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن إسحاق

٢٨٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (٩٨)
وفي الدعوات عن محمد بن المثنى، وفي التفسير عن عبد الله بن محمد، وعن عبد الرحمن
ابن بشر، قال الحافظ المزي: خمستهم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين. وأخرجه
مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن أبي بكر وعن إسحاق بن
إبراهيم، وقال الحافظ المزي: ثلاثتهم عن هشام بن حسان، وعن محمد بن المثنى وبندار
كلاهما عن غندر، وعن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي. وأخرجه أبو داود فيه عن
عثمان بن أبي شيبة: وعن يزيد بن هارون. وأخرجه الترمذي في التفسير عن هناد بن السري،
وأخرجه النسائي في الصلاة عن محمد بن عبد الأعلى.
قوله: ((ملأ الله بيوتهم)) أي: أحياء. ((وقبورهم)) أي: أمواتاً. قوله: ((شغلونا)) أي:
الأحزاب بقتالهم مع المسلمين، فلما اشتد الأمر على المسلمين دعا رسول الله، عَ اهِ، عليهم
فأجيبت دعوته فيهم، وكان عَّه يدعو على قوم ويدعو لآخرين على حسب ما كانت ذنوبهم
في نفسه، فكان يدعو على من اشتد أذاه للمسلمين وكان يدعو لمن يرجو بَوَّ دعوته ورجوعه
إليهم كما دعا لدوس حين قيل له: إن دوساً قد عصت، ولم يكن لهم نكاية ولا أذىّ، فقال:
((أللهم إهدٍ دوساً وائت بهم)). قوله: ((حتى غابت الشمس) فيه دلالة على أن الصلاة
الوسطى هي العصر، وهو الذي صحت به الأحاديث، وإن كان الشافعي نص على أنها
الصبح، وفيه أقوال قد ذكرناها في كتاب الصلاة، فإن قلت: لِمَ لَمْ يصلوا صلاة الخوف؟
قلت: قالوا: إن هذا كان قبل نزول صلاة الخوف.
١٤٣/ ٢٩٣٢ - حدّثنا قَبِيصَةُ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ ابنِ ذَكْوَانَ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي
هُرَيْرَةَ رضِي الله تعالى عنه قال كانَ النَّبِيُّ عَِّ يَدْعُو في القُنُوتِ اللَّهُمَّ أَنجِ سَلَمَةَ بنِ
هِشَامٍ أُللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ ابنَ الوَلِيدِ اللَّهُمَ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمْ أَنْجِ
المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُذْ وَطَأْتَكَ علَّى مُضَرَ اللَّهُمَّ سِنينَ كَسِنِي يُوسُفَ.
[انظر الحديث ٧٩٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((اللهم اشدد وطأتك ... )) إلى آخره، لأن شدة الوطأة
أعم من أن تكون بالهزيمة والزلزلة أو بغير ذلك من الشداشد، مثل: الغلاء العظيم والموت
الذريع ونحوهما.
وسفيان هو ابن عيينة، وابن ذكوان هو عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن
هرمز.
والحديث مضى في أول كتاب الاستسقاء في: باب دعاء النبي عَّم: إجعلها كسني
يوسف، فإنه أخرجه هناك: عن قتيبة عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن
أبي هريرة ... إلى آخره.
ومعنى قوله: ((اشدد وطأتك)) بأسك وعقوبتك أو أخذتك الشديدة. قوله: ((على مضر))
بضم الميم، غير منصرف لأنه علم للقبيلة. قوله: ((سنين)) منصوب بتقدير: اشدد، أو: قدر، أو

٢٨٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٨)
إجعل عليهم سنين أو نحو ذلك، وهو جمع: سنة، وهي: الغلاء، ويوسف هو ابن يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليهم أجمعين.
١٤٤/ ٢٩٣٣ - حدَّثنا أحمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عبْدُ الله قال أخبرَنَا إسْمَاعِيلُ بنُ
أبي خالِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عبْدَ الله بنَ أبِي أوْفَى رضي الله تعالى عنهما يَقولُ دعَا رسولُ اللهِ عَه
يَوْمَ الأُخْزَابِ علَى المُشْرِكِينَ فقال أللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ سَرِيعَ الحِسَابِ اللَّهُمَّ اهْزِم
الأخْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وزَلْزِلْهُمْ. [الحديث ٢٩٣٣ - أطرافه في: ٢٩٦٥، ٣٠٢٥، ٤١١٥،
٦٣٩٢، ٧٤٨٩].
مطابقته للترجمة في قوله: ((اللهم اهزمهم وزلزلهم)). وأحمد بن موسى أبو العباس،
يقال له مردويه السمسار الرازي،، وعبد الله هو ابن المبارك الرازي، وإسماعيل بن أبي خالد
الأحمسي البجلي الكوفي، واسم أبي خالد: سعد، ويقال: هرمز، ويقال: كثير، وعبد الله بن
أبي أوفى الأسلمي، وأبو أوفى اسمه علقمة بن خالد.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن قتيبة وفي الدعوات عن محمد بن
سلام وفي المغازي عن محمد عن مروان بن معاوية. وأخرجه مسلم في المغازي عن سعيد
ابن منصور وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر. وأخرجه
الترمذي في الجهاد عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي في السير وفي اليوم والليلة عن
محمد بن منصور. وأخرجه ابن ماجه في الجهاد عن محمد بن عبد الله بن نمير.
قوله: ((اللهم))، يعني: يا الله يا منزل الكتاب، أي: القرآن. قوله: ((سريع الحساب))
يعني: يا سريع الحساب، إما أن يراد به أنه سريع حسابه بمجيء وقته، وإما أنه سريع في
الحساب. قوله: ((إهزمهم))، أي: إكسرهم وبدد شملهم، ويقال: قوله: إهزمهم وزلزلهم دعاء
عليهم أن لا يسكنوا ولا يستقروا ولا يأخذهم قرار، وقال الداودي: أراد أن تطيش عقولهم
وترعد أقدامهم عند اللقاء، فلا يثبتون. قيل: قد نهى رسول الله، عَّه عن سجع كسجع
الكهان. وأجيب: بأن تلك أسجاع متكلفة، وهذا اتفق اتفاقاً بدون التكلف والقصد إليه.
٢٩٣٤/١٤٥ - حدَّثنا عبْدُ اللهِ بنُ أبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ قال حدَّثنا
سُفْيَانُ عنْ أَبِي إِسْحاقَ عِنْ عَمْرٍو بنِ مَيْمُونٍ عنْ عبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ
النَّبِيُّ عَّهُ يُصَلِّي فِي ظِلَّ الْكَعْبَةِ فقال أبُو جَهْلٍ وناسٌ مِنْ قُرَيْشٍ ونُحِرَتْ جَزُورٌ بِناحِيَّةً مَكَّةَ
فأرْسَلُوا فَجَاؤُوا مِنْ سَلاَهَا وطَرَحُوهُ عَيْهِ فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَلْقَتْهُ عنْهُ فقال اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ لأَبِي جَهْلِ بنِ هِشَامٍ وعُثْبَةً بِنِ رَبِيعَة وَشَيْئَةَ بنِ رَبِيعَةَ
والوَلِيدِ ابْنِ عُثْبَةً وَأَبَيِّ بنِ خَلَف وعُقْبَةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ قال عبدُ الله فَلَقَدْ رَأيْتُهُمْ فِي قَلِيبٍ بَدْرٍ
قَتْلَى. [انظر الحديث ٢٤٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((اللهم عليك بقريش)) ووجهه ظاهر.
وعبد الله بن أبي شيبة هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان

٢٨٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٨)
العبسي الكوفي أبو بكر أخو عثمان. وجعفر بن عون، بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي
آخره نون: ابن جعفر بن عمرو بن حريث القرشي الكوفي، وسفيان هو الثوري، وأبو إسحاق
عمرو السبيعي، وعمرو بن ميمون الأزدي أبو عبد الله الكوفي أدرك الجاهلية وكان بالشام ثم
سكن الكوفة، وهؤلاء كلهم كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وهو عبد
الله بن مسعود.
والحديث قد مضى في كتاب الصلاة في: باب المرأة تطرح على المصلي شيئاً من
الأذى بأتم منه.
قوله: ((قال أبو جهل))، اسمه عمرو. قوله: ((وناس من قريش))، وهم الذين ذكرهم في
الدعاء عليهم. فإن قلت: ما مقول أبي جهل؟ قلت: محذوف، تقديره: هاتوا من سلا الجزور
التي نحرت. وقوله: ((نحرت جزور))، جملة معترضة حالية. قوله: ((من سلاها))، السلا، بفتح
السين المهملة وتخفيف اللام، مقصور، وهي الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من
المواشي. واستدل به مالك على طهارة روث المأكول لحمه، ومن قال بنجاسته قال: لم
يكن في ذلك الوقت تعبد به، وأيضاً ليس في السلا دم فهو كعضو منها. فإن قلت: هو ميتة.
قلت: كان ذلك قبل تحريم ذبائح أهل الأوثان، كما كانت تجوز مناكحتهم، وروي أيضاً أنه
كان مع الفرث والدم، ولكنه كان قبل التعبد بتحريمه. قوله: ((لأبي جهل))، اللام للبيان، نحو:
هيت لك، أي: هذا الدعاء مختص به أو للتعليل أي: دعا، أو قال: لأجل أبي جهل. قوله:
((قال عبد الله))، هو ابن مسعود. قوله: ((في قليب بدر)) القليب، بفتح القاف وكسر اللام:
البئر قبل أن تطوى، تذكر وتؤنث، فإذا طويت فهي الطِوَى. قوله: ((قتلى))، جمع قتيل نصب
على أنه مفعول ثان لقوله: رأيتهم.
قال أبو إسْحَاقَ ونَسِيتُ السَّابِعَ
أي: قال أبو إسحاق الراوي عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بالإسناد المذكور، وكأن
أبا إسحاق لما حدث سفيان الثوري بهذا الحديث كان نسي السابع، وهو عمارة بن الوليد.
قال أبُو عَبْدِ الله قال يُوسُفُ بنُ إسْحَاقَ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ وقال شُعْبَةُ
أُمَيَّةُ أَوْ أُبَيِّ وَالصَّحِيحُ أُمَيَّةُ
أبو عبد الله هو البخاري، ويوسف بن إسحاق يروي عن جده أبي إسحاق عمرو
السبيعي، وأراد البخاري أن أبا إسحاق حدث به مرة فقال: أبي بن خلف، وهكذا رواية
سفيان الثوري عنه هنا، وحدث به أخرى فقال: أمية أو أبي، وهي رواية شعبة، فشك فيه،
وقال البخاري: والصحيح أمية بن خلف لا أبي لأن أبي بن خلف قتله الشارع بيده يوم أحد
بعد يوم بدر، وحديث يوسف بن إسحاق مضى موصولاً في كتاب الطهارة في: باب إذا ألقي
على ظهر المصلي قذر، وطريق شعبة وصلها البخاري أيضاً في كتاب المبعث عن محمد بن
بشار عن غندر عن شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: بينا النبي

٢٨٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٨)
ساجد ... الحديث، وفيه: وأمية بن خلف أو أبي بن خلف، شعبة الشاك. فافهم.
٢٩٣٥/١٤٦ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنِ ابنِ مُلَيْكَةً
عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ اليَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النبيِ عَُّلِّ فقالوا السَّام عَلَيْكَ
فَلَعَنْتُهُمْ فقال مَالَكِ قُلْتُ أَوَلَمْ تَسْمَعْ ما قالوا قال فَلَمْ تَسْمَعِي ما قُلْتُ وعَلَيْكُمْ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وعليكم)) لأن معناه: وعليكم السام، أي: الموت،
وهو دعاء من النبي معَّه، وقد جاء في الحديث: يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا.
وحماد هو ابن زيد، وأيوب هو السختياني، وابن أبي مليكة بضم الميم اسمه عبد الله،
واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي الأحول المكي القاضي على عهد ابن
الزبير، رضي الله تعالى عنهم.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن محمد بن سلام وفي الدعوات عن
قتيبة وذكر في الاستيذان حديث ابن عمر وأنس رضي الله تعالى عنهم، وعند النسائي من
حديث أبي بصرة. قال عَّ: إني راكب إلى اليهود فمن انطلق معي، فإن سلموا عليكم
فقولوا: وعليكم. وعند ابن ماجه من حديث أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن الجهني،
وصحبته مختلف فيها، مثله. وعند ابن حبان من حديث أنس قال: قال، عَّ له: أتدرون ما
قال؟ قالوا: سلم. قال: لا، إنما قال: السام عليكم، أي: تسامون دينكم، فإذا سلم عليكم رجل
من أهل الكتاب فقولوا: وعليك.
قوله: ((السام عليك))، بتخفيف الميم، أي: الموت. قوله: فلعنتهم أي: قالت عائشة:
فلعنت هؤلاء اليهود. قوله: ((فقال مالك))، أي: فقال رسول الله، عَّهِ، لعائشة: أي شيء
حصل لك حتى لعنت هؤلاء؟ فأجابت عائشة بقولها: قلت: يا رسول الله! أوَلَمْ تَشْمع ما قال
هؤلاء؟ فقال، عَ لٍ: فلم تسمعي ما قلت؟ وعليكم. يعني: السام عليكم، فرديت ما قالوا.
وفي قوله: ((وعليكم)) قال الخطابي: رواية عامة المحدثين بإثبات الواو، وكان ابن عيينة
يرويه بحذفها، وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذفها صار قولهم الذي قالوه بعينه مردوداً عليهم،
وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه، لأن الواو حرف العطف والاجتماع
بين الشيئين، وفي رواية يحيى عن مالك عن ابن دينار: عليك، بلفظ الواحد، وقال القرطبي:
الواو هنا زائدة، وقيل: للاستئناف، وحذفها أحسن في المعنى، وإثباتها أصح رواية وأشهر.
وقال أبو محمد المنذري: من فسر السام بالموت فلا يبعد الواو، ومن فسره بالسأمة فإسقاطها
هو الوجه. قال ابن الجوزي: وكان قتادة يمد ألف السآمة.
فوائد: ذهب عامة السلف وجماعة الفقهاء أن أهل الكتاب لا يبدأون بالسلام، حاشى
ابن عباس، وصدي ابن عجلان وابن محيريز فإنهم جوزوه ابتداء. وقال النووي: وهو وجه
لبعض أصحابنا، حكاه الماوردي، ولكنه قال: يقول: عليك، ولا يقول: عليكم، بالجمع،
وحكى أيضاً أن بعض أصحابنا جوز أن يقول: وعليكم السلام، فقط ولا يقول: ورحمة الله

٢٨٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (٩٩)
وبركاته، وهو ضعيف مخالف للأحاديث. وذهب آخرون إلى جواز الابتداء للضرورة أو
لحاجة تعن له إليه أو لذمام أو نسب، وروى ذلك عن إبراهيم وعلقمة، وقال الأوزاعي: إن
سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون، وتؤول لهم قولهم: لا
تبتدؤوهم بالسلام، أي: لا تبتدؤوهم كصنيعكم بالمسلمين. واختلفوا في رد السلام عليهم
فقالت طائفة: رد السلام فريضة على المسلمين والكفار، قالوا: وهذا تأويل قوله تعالى:
﴿فحيوا بأحسن منها وردوها﴾ [النساء: ٨٦]. قال ابن عباس وقتادة في آخرين: هي عامة في
الرد على المسلمين والكفار. وقوله: ﴿أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦]. يقول للكافر: وعليكم. قال
ابن عباس: من سلم عليك من خلق الله تعالى فاردد عليه، وإن كان مجوسیاً. وروى ابن عبد
البر عن أبي أمامة الباهلي أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلّ بدأه بالسلام. وعن
ابن مسعود وأبي الدرداء وفضالة بن عبيد أنهم كانوا يبدأون أهل الكتاب بالسلام، وكتب ابن
عباس إلى كتابي: السلام عليك. وقال: لو قال لي فرعون خيراً لرددت عليه، وقيل لمحمد
ابن كعب: إن عمر بن عبد العزيز يرد عليهم ولا يبدأوهم، بالسلام، لقول الله تعالى:
﴿فاصفح عنهم وقل سلام﴾ [الزخرف: ٨٩]. وقالت طائفة: لا يرد السلام على الكتابي،
والآية مخصوصة بالمسلمين، وهو قول الأكثرين، وعن ابن طاوس، يقول: علاك السلام،
واختار بعضهم أن يرد عليهم السلام بكسر السين، أي: الحجارة، وعن مالك: إن بدأت ذمياً
على أنه مسلم ثم عرفت أنه ذمي فلا تسترد منه السلام، وقال ابن العربي: وكان ابن عمر،
رضي الله تعالى عنهما، يسترده منه فيقول: اردد علي سلامي.
٩٩ - بابّ هَلْ يُرْشِدُ المُسْلِمُ أهْلَ الكِتَابِ أَوْ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يرشد المسلم أهل الكتاب، ومعنى إرشادهم ما قاله ابن
بطال: إرشاد أهل الكتاب ودعاؤهم إلى الإسلام على الإمام، يعني: واجب عليه، هذا هو
معناه لا ما قاله بعضهم: المراد بالكتاب الأول التوراة والإنجيل، وبالكتاب الثاني ما هو أعم
منهما ومن القرآن وغير ذلك. انتهى. وهذا مستبعد من كل وجه، ولو تأمل هذا أن المعنى:
هل يرشد المسلم أهل الكتاب إلى طريق الهدى ويعرفه بمحاسن الإسلام حتى يرجع إليه لما
أقدم على ما قاله. قوله: ((أو يعلمهم الكتاب))، أي: أو هل يعلمهم المسلم الكتاب أي
القرآن، وفيه خلاف، فقال أبو حنيفة: لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن والعلم والفقه
رجاء أن يرغبوا في الإسلام، وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك: لا يعلمهم الكتاب ولا
القرآن، وهو أحد قولي الشافعي، واحتج الطحاوي لأبي حنيفة بكتاب هرقل، وبقوله عز
وجل: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]. وروى
أسامة بن زيد: مر النبي ◌َّهِ، على ابن أبي قبل أن يسلم، وفي المجلس أخلاط من
المسلمين والمشركين واليهود فقرأ عليهم القرآن.
٢٩٣٦/١٤٧ _ حدَّثنا إسحاقُ قال أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ إبرَاهِيمَ قال حدَّثنا ابنُ أخِي ابنِ
عمدة القاري/ ج١٤ م١٩

٢٩٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٠٠)
شِهَابٍ عنْ عَمِّهِ قال أخبرني عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ
رضي الله تعالى عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ رسولَ الله عَّ ◌ُلِ كتَبَ إلى قَيْصَرَ وقال فإنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ
عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيّينَ .. [الحديث ٢٩٣٦ - طرفه في: ٢٩٤٠].
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي عٍَّ، كتب إلى قيصر آية من القرآن وهي قوله
تعالى: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤]. الآية
بتمامها، ووجهه أن فيه مطابقة لكل واحد من جزئي الترجمة، أما مطابقته للجزء الأول
فتؤخذ من قوله: ((فإن توليت ... )) إلى آخره، لأن فيه إرشاداً إلى طريق الهدى والحق، وأما
مطابقته للجزء الثاني فتؤخذ من كتابه إليه على ما لا يخفى على المتأمل. وإسحاق شيخه
هو ابن منصور بن كوسج أبو يعقوب المروزي، يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، وابن أخي ابن شهاب هو محمد بن عبد الله ابن أخي
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وهذا الذي ذكره هنا قطعة من حديث طويل قد مر في
أول الكتاب.
١٠٠ - بابُ الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بالْهُدَى لَيَأْلَّفَهُمْ
أي: هذا باب في بيان دعاء النبي عَِّ للمشركين، بأن الله يهديهم إلى دين الإسلام.
قوله: ((ليتألفهم)) تعليل لدعائه بالهداية لهم، وذلك أنه يدعو لهم إذا رجا منهم الإلفة والرجوع
إلى دين الإسلام، وقد ذكرنا أن دعاء النبي عَّ له على حالتين: إحداهما أنه يدعو لهم إذا أمن
غائلتهم ورجا هدايتهم، والأخرى: أنه يدعو عليهم إذا اشتدت شوكتهم وكثر أذاهم ولم يأمن
من شرهم على المسلمين.
١٤٨ / ٢٩٣٧ _ حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبو الزِّنادِ أنَّ عَبْدَ
الرَّحْمنِ قال قال أبو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قَدِمَ طُفَيْلُ بنُ عَمْرو الدَّوْسِيُّ وأصْحَابُهُ عَلَى
النِبِي عَ لّهِ فقالوا يا رسولَ الله إنَّ دَوْساً عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ الله عَلَيْهَا فَقِيلَ هَلَكَتْ دَوْسٌ قال
اللَّهُمَّ اهدِ دَوْساً وائْتِ بِهِمْ. [الحديث ٢٩٣٧ - طرفاه في: ٤٣٩٢، ٦٣٩٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((اللهم اهد دوساً وائت بهم)).
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان
وعبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج.
قوله: ((قدم طفيل بن عمر)) وبضم الطاء، وفتح الفاء: ابن طريف بن العاصي بن ثعلبة
ابن سليم بن غنم بن دوس الدوسي من دوس، أسلم وصدق النبي عَ له بمكة ثم رجع إلى
بلاد قومه من أرض دوس فلم يزل مقيماً بها حتى هاجر رسول الله، عَّه، ثم قدم على
رسول الله، عَّله وهو بخيبر بمن تبعه من قومه، فلم يزل مقيماً مع رسول الله، عَ لّ حتى قبض
عَّ له، ثم كان مع المسلمين حتى قتل باليمامة شهيداً، وروى إبراهيم بن سعد عن ابن عباس.
قال: قتل الطفيل بن عمرو الدوسي عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى

٢٩١
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠١)
عنه، ذكره ابن عبد البر في (الاستيعاب) وقال أيضاً: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يقال له:
ذو النور ثم ذكر بإسناده إلى هشام الكلبي: أنه إنما سمي بذلك لأنه وفد على النبي عَّهِ،
فقال: يا رسول الله! إن دوساً قد غلب عليهم الزنا، فادع الله عليهم. فقال رسول الله، عَذله:
اللهم اهد دوساً، ثم قال: يا رسول الله ابعثني إليهم واجعل لي آية يهتدون بها، فقال: أللهم
نوّر له، فسطع نور بين عينيه، فقال: يا رب أخاف أن يقولوا، مثلة فتحولت إلى طرف سوطه،
فكانت تضيء في الليلة المظلمة، فسمي: ذو النور. وقوله: قدم الطفيل وأصحابه، هذا قدومه
الثاني مع أصحابه، ورسول الله، عَّلَّه، بخيبر كما ذكرنا، وكان أصحابه ثمانين أو تسعين،
وهم الذين قدموا معه، وهم أهل بيت من دوس. قوله: ((إن دوساً قد عصت)) أي: على الله
تعالى، ولم تسمع من كلام الطفيل حين دعاهم إلى الإسلام وأبت من سماع كلامه، وقال
الطفيل: يا رسول الله! غلب على دوس الزنا والربا، فادع الله عليهم بالهلاك، فقال عٍَّ:
أللهم إهد دوساً وائت بهم، أي: مسلمين أو كناية عن الإسلام. وقال الكرماني: هم طلبوا
الدعاء عليهم ورسول الله، عَّم دعا لهم، وذلك من كمال خلقه العظيم ورحمته على
العالمين. قلت: لا شك أن رسول الله، عَّه رحمة للعالمين ومع هذا، كان يحب دخول
الناس في الإسلام، فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام، بل
كان يدعو لمن يرجو منه الإنابة، ومن لا يرجوه، ويخشى ضرره وشوكته يدعو عليه كما دعا
على قريش كما مر. ودوس هو ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن
كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وينسب إليه الدوسي قال الرشاطي الدوسي في
الأزد: ينسب إلى دوس فذكر نسبه مثل ما ذكرنا. فإن قلت: كيف انصرف دوس وفيه
علتان: العلمية والتأنيث؟ قلت: قد علم أن سكون حشوه يقاوم أحد السببين فيبقى على علة
واحدة کما في هند ودعد.
١٠١ - بابُ دَعْوَةِ اليَهُودِيِّ والنصرَانِيِّ وعلَى ما يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ وَمَا كَتَبَ عَُّلِّ
إلى كِسْرَى وقَيْصَرَ والدَّغْوَةِ قَبْلَ القِتَالِ
أي: هذا باب في بيان دعوة اليهودي والنصراني إلى الإسلام. قوله: ((وعلى ما
يقاتلون عليه))، أي: وفي بيان أي شيء يقاتلون عليه، ويقاتلون على صيغة المجهول. قوله:
((وما كتب)) أي: في بيان ما كتب النبي عَّله، إلى كسرى وقيصر قد ذكرنا أن كل من ملك
الفرس يقال له: كسرى، وقيصر لقب هرقل الذي أرسل إليه النبي معَّ له كتاباً ومعنى: قيصر،
في لغتهم البقير، وذلك أن أمه لما أتاها الطلق به ماتت، فبقر بطنها عنه، فخرج حياً وكان
يفخر بذلك لأنه لم يخرج من فرج. قوله: ((والدعوة)) أي: وفي بيان الدعوة قبل القتال، وهو
بفتح الدال في ((القتال)) وبالضم في الوليمة، وبالكسر في النسب.
١٤٩/ ٢٩٣٨ - حدَّثنا علِيُّ بنُ الجعدِ قال أخبرَنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ أنَساً
رضي الله تعالى عنه يَقُولُ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ عَّهِ أن يَكْتُبَ إلى الرُّومِ قِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَؤُونَ

٢٩٢
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٠١)
كِتَاباً إلاَّ أن يَكُونَ مَخْتُوماً فاتَّخَذَ خاِماً مِنْ فِضَّةٍ فَكَانِّي أَنْظُرُ إلى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ ونَقْشَ فِيهِ
مُحَمَّدٌّ رسُولُ الله. [انظر الحديث ٦٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ منه لأن قول أنس، رضي الله تعالى عنه، لما أراد
رسول الله، عَ لله أن يكتب إلى الروم كتاباً يدل على أنه قد كتب، وهو الذي ذكره ابن عباس
في حديث طويل، وقد مر في أول الكتاب في بدء الوحي، ولا يستبعد هذا، لأن هذا
الحديث مذكور في الكتاب، وهذا أوجه وأقرب إلى القبول من قول بعضهم في بيان
المطابقة في بعض المواضع بين الحديث والترجمة أنه أشار بهذا إلى حديث خرجه فلان
ولم يذكره في كتابه، ووجه ذلك أن للترجمة أربعة أجزاء. الجزء الأول: هو قوله دعوة
اليهودي والنصراني، ووجه المطابقة فيه أنه عَِّ دعا هرقل إلى الإسلام، وهو على دين
النصارى واليهودي، ملحق به. الجزء الثاني: هو قوله: على ما يقاتلون عليه، ووجه
المطابقة فيه أنه عَّلل أشار في كتابه أن مراده أن يكونوا مثلنا، وإلاَّ يقاتلون عليه، كما في
حديث علي، رضي الله تعالى عنه الآتي بعد هذا الباب، فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا.
الجزء الثالث: هو قوله: وما كتب إلى كسرى وقيصر، وهذا ظاهر. الجزء الرابع: هو قوله:
والدعوة قبل القتال، فإنه عَّم دعاهم إلى الإيمان بالله، وتصديق رسوله ولم يكن بينه وبينهم
قبل ذلك قتال، فافهم، فإنه فتح لي من الفيض الإلَهِي، ولم يسبقني إلى ذلك أحد.
ذكر معناه: قوله: ((قيل له)) أي: قيل للنبي عَّهِ. قوله: ((لا يقرأون كتاباً إلاَّ أن يكون
مختوماً)، وذلك لأنهم كانوا يكرهون أن يقرأ الكتاب لهم غيرهم، وقد قيل في قوله تعالى:
كتاب كريم، إنه مختوم. وروي عن النبي عَّ له أنه قال كرامة الكتاب ختمه. وعن ابن المقنع
من كتب إلى أخيه كتاباً ولم يختمه، فقد استخف به، قوله: ((فاتخذ خاتماً من فضة)) وكان
اتخاذه الخاتم سنة ست، وأيضاً كان إرساله بكتاب إلى هرقل في سنة ست، وكان بعث عَّة.
ستة نفر إلى الملوك في يوم واحد، منهم: دحية بن خليفة أرسله إلى قيصر ملك الروم ومعه
كتاب، قاله الواقدي، وذكر البيهقي أنه كان في سنة ثمان. قوله: ((خاتماً)) فيه أربع لغات:
بفتح التاء وكسرها وخيتام وخاتام، والجمع: خواتيم. قوله: ((من فضة))، يدل على أنه لا
يجوز: من ذهب، لما روي من حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة: أنه عَ لِّ نهى عن خاتم
الذهب، ولما روى البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب: أمرنا رسول الله، عَ له بسبع
ونهانا عن سبع، وفيه: نهانا عن خواتيم الذهب أو عن أن نتختم بالذهب.
فإن قلت: روى الطحاوي وأحمد في (مسنده) من حديث محمد بن مالك الأنصاري
مولى البراء بن عازب قال رأيت على البراء خاتماً من ذهب، فقيل له: قال: قسم رسول الله،
عَّ غنيمة فألبسنيه. وقال: إليس ما كساك الله ورسوله، فقال الطحاوي: فذهب إلى قوم إلى
إباحة لبس خواتيم الذهب للرجال، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وأراد بالقوم هؤلاء:
عكرمة والأعمش وأبا القاسم الأزدري، وروي ذلك عن البراء وحذيفة وسعد وجابر بن سمرة
وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم. قلت: خالفهم في ذلك آخرون منهم: سعيد بن جبير

٢٩٣
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠١)
والنخعي والثوري والأوزاعي وعلقمة ومكحول وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد
وإسحاق، فإنهم قالوا: يكره ذلك للرجال. واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة المذكور،
وبحديث علي، رضي الله تعالى عنه، أخرجه مسلم: أن رسول الله، عَّمِ نهى عن لبس القسي
والمعصفر وعن تختم الذهب ... الحديث. والحديث رواه أبو داود في كتاب الخاتم،
والترمذي في اللباس، والنسائي في الزينة عن زيد بن الخباب عن عبد الله بن مسلم السلمي
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبي عَ لّه، وعليه خاتم من حديد، ((فقال:
ما لي أرِى عليك حلية أهل النار)) ثم جاء وعليه خاتم من شبه، فقال: ((ما لي أجد منك
رائحة الأصنام؟)) فقال: يا رسول الله! من أي شيء أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق ولا تتمه
مثقالاً، زاد الترمذي: ثم جاء وعليه خاتم من ذهب، فقال: ((ما لي أرى عليك حلية أهل
الجنة؟)) وقال: صفر، موضع شبه، وقال: حديث غريب. قلت: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى
الموصلي في (مسانيدهم) وأبو حبان في (صحيحه) فإن قلت: كيف التوفيق بين حديثي
البراء وهما متعارضان ظاهراً؟ قلت: إذا خالف الراوي ما رواه يكون العمل بما رآه لا بما رواه،
لأنه لا يخالف ما رواه إلاَّ بدليل ما عنده، وكان فص خاتم النبي عٍَّ، حبشياً. وقال ابن
الأثير: قوله: ((حبشياً)، يحتمل أنه أراد من الجدع أو العقيق، لأن معدنهما اليمن والحبشة، أو
نوعاً آخر ينسب إليه.
قوله: ((إلى بياضه)) أي: إلى بياض الخاتم في يد رسول الله، عَّ له، وقيل: كان
عقيقاً. وفي (الصحيح) من رواية حميد عن أنس: كان فصه منه، ولا تعارض لأنه لا مانع أن
يكون له خاتمان أو أكثر. قوله: ((ونفش فيه محمد رسول الله))، وروى ابن أبي شيبة في
(مصنفه): وقال: حدثنا ابن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر، قال: اتخذ
النبي، عَّ لله، خاتماً من ورق ثم نقش عليه: محمد رسول الله، ثم قال: لا ينقش أحد على
خاتمي هذا. وأخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، وروى الترمذي من حديث أنس بن مالك: أن
النبي عَّله، صنع خاتماً من ورق، فنقش فيه: محمد رسول الله، ثم قال: لا تنقشوا عليه. قال
الترمذي: هذا حديث صحيح، ومعناه أنه نهى أن ينقش أحد على خاتمه: محمد رسول الله،
وروى الترمذي أيضاً من حديث أنس: كان نقش خاتم النبي عَّلَِّ، ثلاثة أسطر: محمد سطر،
ورسول سطر، والله سطر. وأخرجه البخاري أيضاً على ما سيأتي، وقال شيخنا، رحمه الله:
نهيه، عَّله، أن ينقش أحد على نقش خاتمه خاص بحياته، ويدل عليه لبس الخلفاء الخاتم
بعده، ثم تجديد عثمان، رضي الله تعالى عنه، خاتماً آخر بعد فَقْدٍ ذلك الخاتم في بئر أريس،
ونقش عليه ذلك النقش.
٢٩٣٩/١٥٠ - حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثنِي عُفَيْلٌ عنٍ
ابنِ شِهِابٍ قال أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله بنُ عُنْبَةَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أنَّ رسولَ
الله عَ لَّ بعَثَ بِكِتَابِهِ إلى كِسْرَى فأمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ يَدْفَعُهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ
إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرأْهُ خَرَّقَهُ فِحَسِبْتُ أنَّ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ قال فدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ عَ لّهِ أَنْ

٢٩٤
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَرِ / باب (١٠٢)
يُمَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. [انظر الحديث ٦٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بعث بكتابه إلى كسرى)) ورجاله قد ذكروا غير مرة،
وعقيل، بضم العين وفتح القاف: ابن خالد الأيلي، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري.
والحديث قد مر في كتاب العلم في: باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم،
إلى البلدان، وقد مر الكلام فيه هناك.
قوله: ((بعث بكتابه))، كان حامل الكتاب عبد الله بن حذاقة السهمي. قوله: ((عظيم
البحرين))، كان من تحت يد كسرى والبحرين تثنية بحر، موضع بين البصرة وعمان. قوله:
(خرقة))، بتشديد الراء من التخريق، ((فدعا عليهم أن يمزَّقُوا) أي: بأن يمزقوا، من التمزيق،
يقال: مزقت الثوب وغيره أمزقه تمزيقاً: إذا قطعته خرقاً، ومنه يقال: تمزق القوم: إذا افترقوا ولما
دعا النبي عَّله بذلك مات منهم أربعة عشر ملكاً في سنة، حتى وليت أمرهم امرأة فقال
عَ له: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)).
١٠٢ - بابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ عَلَّهِ إلى الإسْلاَمِ والنُّبُوَّةِ وأَنْ لا يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ أَزْبَابَاً مِنْ
دُونِ اللّه
أي: هذا باب في بيان دعوة النبي عَّه، الناس إلى الإسلام. قوله: والنبوة، أي
وبالدعاء أيضاً إلى الاعتراف بنبوته، عَّهِ. قوله: وأن لا يتخذ، أي: الدعاء أيضاً بأن لا يتخذ
بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، يعني: لا يقولون عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، لأن
كل واحد منهما بشر مثلكم فلا يصلحان أن يكونا في مسلك الربوبية.
وقَوْلِهِ تَعَالى ﴿ما كانَ لِبَشَرِ أَنْ يُؤْتِيَّهُ اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٩]. إلى آخِرِ الآيَةِ
وقوله، بالجر عطف على قوله: دعاء، أي: في بيان قوله تعالى ... إلى آخره.
٢٩٤٠/١٥١ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عنْ صالِحِ ابنِ کَیْسانَ
عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى
عنهُمَا أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أنَّ رسولَ الله عَّلَّهِ كتَبَ إلى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إلى الإسلاَمِ وبِعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ
مَعَ دَخْيَةَ الْكَلْبِيِّ وأمَرَهُ رسولُ الله عَلَّهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمَ بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلى قَيْصَرَ وكانَ
فَيْصَرُ لَمَّا كشَفَ الله عنْهُ جُنُودَ فارِسَ مَشَى مِنْ حِمْصَ إلَى إيلياءَ شُكْراً لِمَا أَبْلَاهُ اللهِ فلَمَّا
جاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رسولِ الله عَّ له قال حِينَ قَرَأْهُ الْتَمِسُوا لِي هُهُنَّ أحَداً مِنْ قَوْمِهِ لأَسْأَلَهُمْ عنْ
رَسُولِ اللهِ عَِّ. [انظر الحديث ٢٩٣٦].
... /٢٩٤١ _ قالَ ابنُ عَّاسٍ فأخبرني أبو سُفْيَانَ أنَّهُ كانَ بالشَّأْمِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ
قَدِمُوا تِجَاراً في المُدَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ رَسولِ اللهِ عََّهُ وبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ قال أبو سُفْيَانَ
فَوَجَدَنَا رَسُولُ قَيْصَر بِبَعْضِ الشَّأَمِ فانطُلِقَ بِي وبِأَصْحَابِي حَتَّى قَدِمْنَا إيلِيَاءَ فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ فِإِذَا
هُوَ جَالِسٌ في مَجْلِسٍ مُلْكِهِ وعلَّيْهِ التَّائجُ وإِذَا حوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ

٢٩٥
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠٢)
أَقْرَبُ نَسَباً إلى لهذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ قال أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أنا أقْرَبُهُمْ إلَيْهِ نَسَباً قال
ما قَرَابَةُ ما بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فَقُلَّتُ هُوَ ابْنُ عَمِّي ولَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ
غَيْرِي فَقال قَتْصَرُ أُذْنُوهُ وَأمَرَ بِأَصْحَابِي فَجَعَلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفِي ثُمَّ قال لِتَرْجُمانِهِ قُلْ
لأَصْحَابِهِ إِنِّي سائِلٌ هَذا الرَّجُلَ عنِ الَّذِي يَرْعُمُ أنَّهُ نَبِي فإِنْ كَذَبَ فَكَذِّبُوهُ قال أَبُو سُفْيَانَ
والله لَوْلاَ الحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَن يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الكَذِبَ لَكَذَّبْتُهُ حِينَ سألَنِي عنْهُ ولَكِنِّي
اسْتَحْيَيْتُ أنْ يَأْتُرُوا الكَذِبَ عَنِّي فَصَدَقْتُهُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمانِهِ قَلْ لَهُ كَيْفَ نَسَبُ هذَا الرَّجُلِ
فِيكُمْ قَلْتُ هُوَ فِينا ذُو نَسَبٍ قال فَهَلْ قال لهذَا القَوْلَ أحَدٌ مِنْكُمْ قَبْلَهُ قُلْتُ لاَ فقالَ كُنْتُمَ
تَتْهِمُونَهُ علَى الكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قال قُلْتُ لا قال فَهَلْ كانَ مِنِ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ قُلْتُ لاَ
قال فأشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضعَفَاؤُهُمْ قُلْتُ بَلُ ضُعَفَاؤُهُمْ قال فَيَزِيدُونَ أَوْ يُنْقِصُونَ قُلْتُ بَلْ
يَزِيدُونَ قال فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لاَ قال فَهَلْ يَغْدُرُ قُلْتُ لاَ
ونَحْنُ الآنَ مِنْهُ في مُدَّةٍ نَحْنُ نَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ قال أبو سُفْيَانَ ولَمْ يُمكِّنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيها
شَيْئاً أَنْتَقِصُهُ بِهِ لاَ أخافُ أنْ تُؤْثَرَ عَنِّي غَيْرُهَا قال فَهَلْ قاتلْتُمُوهُ أوْ قاتَلَكُمْ قُلْتُ نَعَمْ قال
فَكَيْفَ كانَتْ حَرْبُهُ وحَرْبُكُمْ قُلْتُ كَانَتْ دُولاً وسِجَالاً يُدَالُ عَلَيْنَا المَرَّةَ ونُدَالُ عَلَيْهِ الأَخْرَى
قال فَماذَا يأمُرُكُمْ قال يَأْمُنَا أَنْ نَعْبُدَ الله وحدَهُ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
ويأْمُنَا بالصَّلاةِ والصَّدَقَةِ والعَفَافِ والوَفَاءِ بالعَهْدِ وأَدَاءِ الأمانَة فَقال لِتُرْجِمَانِهِ حِينَ قُلْتُ ذُلِكَ
لَهُ قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكَ عنْ نَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ وكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَتثُ فِي نَسَبٍ
قَوْمِهَا وسألْتُكَ هَلْ قال أحَدٌ مِنْكُمْ هذَا القَوْلَ قَبْلَهُ فَزَعَمْتَ أنْ لاَ فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ
قال هَذَا قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ يَأْتُمُّ بِقَوْلٍ قَدْ قَبِلَ قَبْلَهُ وسألْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أنْ
يَقُولَ ما قال فَزَعَمْتُ أَنْ لاَ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى الله
وسألْتُكَ هَلْ كانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكِ فَزَعَمْتَ أنْ لا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قَلْتُ يَطْلُبُ
مُلْكَ آبَائِهِ وسألْتُكَ أُشْرَافَ النَّاسِ يَتَبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَزَعَمْتِ أنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وهُمْ أَتْبَاعُ
الرّسُلِ وسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وكَذَئِكَ الإِيمانُ حتَّى يَتِمَّ
وسألْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ سَخْطَةٌ لِدِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَرَعَمْتَ أنْ لاَ فَكَذَلِكَ الإِيمانُ حِينَ
تَخْلِط بَشَاشَتُهُ القلوبَ لاَ يَسْخُطُهُ أحَدٌ وسألْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَرَعَمْتَ أنْ لا وكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ
يَغْدِرُونَ وسألْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وقاتلَكُمْ فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ وأنَّ حَرْبَكُمْ وحَرْبَهُ تَكُونُ دُولاً
ويُدَالُ عَلَيْكُمْ المَرَّةَ وتُدَالُونَ عَلَيْهِ الأُخْرَى وكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لَها العاقِبَةُ وسألْتُكَ
بِماذَا يأمُرُكُمْ فَعَمْتَ أَنَّهُ يَأْمُؤُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ويَنْهَاكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبِدُ
آبَاؤُكُمْ ويأمُرُكُمْ بالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفافِ والوَفاءِ بالْعَهْدِ وأَدَاءِ الأمانَةِ قال وهَذِهِ صِفَةُ النَّبِيّ
قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أنَّهُ خَارِجٌ ولَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أنَّهُ مِنْكُمْ وإِنْ يَكُ ما قُلْتَ حَقّاً فَيُوشِكُ أنْ يَمْلِكَ
مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ ولَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لُقِيَّهُ ولَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ.
قال أَبُو سُفْيانَ ثُمَّ دَعا بِكِتَابٍ رَسُولِ الله عَلَّهِ فَقُرِيءَ فإذَا فِيهِ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مِنْ
مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلاَمٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي

٢٩٦
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٠٢)
أَدْعُوكَ بِدَاعِيَّةِ الإسْلامِ أُسْلِمْ تَسْلَمْ وأسْلِمْ يُؤْتِكَ الله أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فإنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ
الأَرِيسِييََّ ﴿وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْتَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لا نَعْبُدَ إلاَّ الله ولاَ نُشْرِكَ
بِهِ شَيْئاً ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله فإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بأنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل
عمران: ٦٤]. قال أبو سُفْيانَ فَلَمَّا أنْ قَضَى مَقالَتَهُ عَلَتْ أصْواتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ
وكَثُرَ لَغَطُهُمْ فَلاَ أَدْرِي ماذَا قَالُوا وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وخَلَوْتُ بِهِمْ
قُلْتُ لَهُمْ لَقَدْ أُمِرَ أمْرُ ابنٍ أَبِي كَبْشَةَ هَذا مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ يُخَافِتُهُ. قال أَبُو سُفْيَانَ والله ما
زِلْتُ ذَلِيلاً مُسْتَئِقِنَاً بأنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ حتى أدْخَلَ الله قَلْبِي الإسْلاَمَ وأنَا كَارِةٌ. [انظر الحديث
٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من ألفاظ الحديث. وإبراهيم بن حمزة، بالحاء المهملة
والزاي: أبو إسحاق الزبيري الأسدي المديني، وهو من أفراده، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري القرشي المديني، كان على قضاء بغداد، والحديث
بطوله قد تقدم في أول الكتاب في بدء الوحي ومضى الكلام فيه مستقصىّ، ولكن انظر
واعتبر جداً. فإن بين الطريقين والمتنين اختلافاً في الألفاظ كثيراً من زيادة ونقصان، فلنتكلم
هنا على ما يقتضي الكلام.
فقوله: ((لما أبلاه الله)) قال القتيبي، يقال: من الخير: أبليته أبليه إبلاءً، ومن الشر:
بلوته بلاء، والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معاً من غير فرق بين فعليهما. ومنه
قوله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وإنما مشى قيصر شكراً لاندفاع
فارس عنه، ومنه الحديث: من أبلى فذكر فقد شكر، والإبلاء الإنعام والإحسان، يقال: بلوت
الرجل وأبليت عنده بلاءً حسناً، والابتلاء في الأصل: الاختيار والامتحان، يقال: بلوته وابتليته
وأبليته. قوله: ((قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان)) هكذا، ويروى أبو سفيان بن حرب.
قوله: ((فوجدنا))، بفتح الدال فعل ومفعول. وقوله: ((رسول قيصر» بالرفع فاعله، وقيل: یروی
بالعكس. قوله: ((ببعض الشام))، قيل: غزة المدينة المشهورة. قوله: ((فأدخلنا عليه))، على
صيغة المجهول. قوله: ((أدنوه))، بفتح الهمزة أمر من الادناء أي قربوه. قوله: ((عند كنفي))،
بتشديد الياء قوله: ((من أن يأثر)) بسكون الهمزة وضم الثاء المثلثة، معناه: من أن يروى
ويحكى، وقال ابن فارس: أثرت الحديث إذا ذكرته عن غيرك. قوله: ((فصدقته))، كذا بالضمير
المنصوب، ويروى: ((فصدقت))، بدون الضمير.
قوله: ((من ملك))، بكسر اللام ويروى: ((من ملك))، بفتح اللام على صورة الفعل
الماضي، وكلمة: من، حرف الجر في الأول، وفي الثاني: اسم موصول. قوله: ((دولاً)) بضم
الدال، وهو ما يتداول بينهم فتارة يكون لبعض وتارة يكون الآخرين. قوله: ((وسجالاً))، بكسر
السين قد مر معناه مستقصىّ. قوله: ((يدال علينا))، بضم الياء على صيغة المجهول. قوله:
((وندال))، بضم النون على صيغة المجهول أيضاً معناه يغلبنا مرة ونغلبه أخرى. قوله: ((يأتم
بقوله)) أي: يقتدي به، وهناك يأتسي بقول، ويروى: ((يتأسى). قوله: ((لم يكن ليدع

٢٩٧
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيّرِ / باب (١٠٢)
الكذب))، بكسر اللام أي: ليترك. قوله: ((وكذلك الرسل تبتلى))، أي: تختبر بالغلبة عليهم
ليعلم صبرهم. قوله: ((فتكون لها العاقبة))، ويروى: ((له))، والضمير في: له، يرجع إلى قوله:
إلى هذا الرجل، فيما مضى، وكذلك الضمائر التي في قوله: منه، وقاتلتموه، وحربه، ونسبه،
وأنه، وقبله، وتتهمونه، وآبائه، ويتبعونه، واتبعوه، ولدينه، وعليه، وأنه، وإليه، ولقيه، وعنده،
وقدميه، ونخافه، وأمره، قوله: ((فيوشك))، أي: يسرع في ذلك.
١٥٢/ ٢٩٤٢ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ قال حدَّثنا عبدُ العَزِيزِ بنُ أبيٍ حازِمٍ
عنْ أَبِيهِ عنْ سَهْلٍ بنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنه قال سَمِعَ النَّبِيَّ عَ لّه يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ لَأَعْطِيَنَّ
الرَّايَةَ رَجُلاً يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى
فقالَ أيْنَ عِلِيٌّ فَقِيلَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ فَبَصَقَ في عَيْنَيْهِ فَرأْ مَكانَهُ حتَّى كَأَنَّهُ لَمْ
يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ فقال نُقاتِلُهُمْ حتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فقال عَلَى رِسْلِكَ حتَّى تَنْزِلَ بِساحَتِهِمْ ثُمَّ
اذْعُهُمْ إلى الإسْلاَمِ وأُخْبِرْهُمْ بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَ اللهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ واحِدٌ خَيْرٌ لَكَ
مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ. [الحديث ٢٩٤٢ - أطرافه في: ٣٠٠٩، ٣٧٠١، ٤٢١٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم ادعهم إلى الإسلام)). وعبد العزيز يروي عن أبيه أبي
حازم سلمة بن دينار.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في فضل علي، رضي الله تعالى عنه، عن قتيبة.
وأخرجه مسلم أيضاً عن قتيبة في الفضائل.
قوله: ((يوم خيبر))، ويوم خيبر كان في أول سنة سبع. وقال موسى بن عقبة: لما رجع
رسول الله، عَّم من الحديبية مكث بالمدينة عشرين يوماً، أو قريباً من ذلك، ثم خرج إلى
خيبر وهي التي وعدها الله تعالى إياه، وحكى موسى عن الزهري أن افتتاح خيبر في سنة
ست، والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع. قوله: ((لأعطين الراية))، أي: العلم، وقال ابن
إسحاق عن عمرو بن الأكوع، قال: بعث النبي عَّهِ أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، إلى بعض
حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهدهم، ثم بعث الغد عمر، رضي الله تعالى
عنه، فقاتل عمر ثم رجع ولم يكن فتح، فقال رسول الله، عَّلَّهِ: ((لأعطين الراية غداً رجلاً
يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار))، قال سلمة: فدعا
رسول الله، عَّ علي بن أبي طالب، وهو يومئذ أمرد، فتفل في عينيه، ثم قال: خذ هذه
الراية وامضٍ بها حتى يفتح الله عليك بها، فخرج وهو يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى
ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن، فقال من
أنت. قال: أنا علي بن أبي طالب، قال: يقول اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى، أو كما
قال، فما رجع حتى فتح الله على يديه. وقال ابن إسحاق: كان أول حصون خيبر فتحاً
حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن سلمة، ألقيت عليه رحى منه فقتلته.
قوله: ((فقاموا يرجون لذلك))، أي: قام أصحاب رسول الله، عَ لِّ الذين معه حال

٢٩٨
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيَّرِ / باب (١٠٢)
كونهم راجين لإعطاء الراية له حتى يفتح الله على يديه. قوله: ((أيهم يعطى)) على صيغة
المجهول. قوله: ((فغدوا وكلهم يرجو))، أي: كل واحد منهم يرجو أن يعطى، وكلمة: أن،
مصدرية، أي: يرجو إعطاء الراية له. قوله: ((فقال)) أي: فقال النبي عَّه: أين علي بن أبي
طالب؟ فقيل: يشتكي عينيه، من اشتكى عضواً من أعضائه فاشتكى عينيه من الرمد. قوله:
((فأمر)) أي: النبي عَّ بإحضار علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فدعي))،
على صيغة المجهول أي: دعي علي، رضي الله تعالى عنه له، أي: للنبي عَِّ. قوله:
((فبصق))، بالصاد والسين والزاي. قوله: ((فقال: فقاتلهم)) القائل علي، رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((حتى يكونوا مثلنا)) أي: حتى يكونوا مسلمين مثلنا. قوله: ((فقال: على رسلك))، أي:
فقال النبي ◌َّم لعلي: على رسلك، بكسر الراء، يقال: إفعل هذا على رسلك، أي: اتئد فيه
وكن فيه على الهيئة. وقال ابن التين: ضبط بكسر الراء وفتحها. قوله: ((لأن يهدى بك))،
على صيغة المجهول. قوله: ((خير لك من حمر النعم))، حمر النعم، بضم الحاء: أعزها
وأحسنها، يريد خير لك من أن تكون فتتصدق بها، ولكون الحمرة أشرف الألوان عندهم،
قال: حمر النعم والنعم، بفتحتين إذا أطلق يراد به الإبل وحدها، وإن كان غيرها من الإبل
والبقر والغنم، دخل في الإسم معها.
١٥٣/ ٢٩٤٣ _ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو حدَّثنا أبو
إِسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ قال سَمِعْتُ أنَساً رضي الله تعالى عنه يَقولُ كانَ رسولُ اللهِ عَ لِّ إذَا غَزا
قَوْماً لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ فَإنْ سَمِعَ أَذَاناً أُمْسكَ وإنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَاناً أغارَ بَعْدَما يُصْبِحُ فَتَزَلْنا
خَيْبَرَ لَيْلاً. [انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((إذا سمع أذاناً أمسك))، لأن الترجمة: الدعاء إلى
الإسلام قبل القتال، والأذان يبين حالهم، وعبد الله بن محمد هو المسندي وأبو إسحاق هو
الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث. قوله: ((لم يغر))، بضم الياء: من الإغارة وذلك
لأنه إذا لم يعلم حال القوم هل بلغتهم الدعوة أم لا فينتظر بهم الصباح ليستبين حالهم بالأذان
وغيره من شعائر الإسلام. قوله: ((ليلاً)) نصب على الظرف أي: في الليل.
١٥٤/ ٢٩٤٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ مُمَيْدٍ عنْ أَنَسٍ أنَّ
النبيَّ عَ لِ كَانَ إِذَا غَزَا بِنا. [انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه].
هذا طريق آخر لحديث أنس أخرجه عن قتيبة بن سعيد عن إسماعيل بن جعفر بن أبي
كثير عن حميد عن أنس، وبتمامه أخرجه البخاري عن قتيبة أيضاً في الصلاة في: باب ما
يحقن بالأذان من الدماء، وقال: حدثني قتيبة قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن
أنس عن النبي ◌َّلَّهِ: أنه كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع
أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم ... الحديث.
... / ٢٩٤٥ - وحدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنَسٍ رضي الله

٢٩٩
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيِّ / باب (١٠٢)
تعالى عنهُ أنَّ الْنَبِيَّ عَّ له خِرَجَ إِلى خَيْبَرَ فَجاءَها لَيْلاً وكانَ إِذَا جاءَ قَومَاً بِلَيْلٍ لاَ يُغِيرُ عَلَيْهِمْ
حَتَّى يُصْبِحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَساحِيهِمْ ومَكاتِلِهِمْ فَلمَّا رأوْهُ قالوا مُحَمَّدٌ والله
مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ فقال النَّبِيُّ عَ لَّهِ الله أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ
المُنْذِرِينَ. [انظر الحديث ٣٧١ وأطرافه].
هذا طريق آخر لحديث أنس أخرجه عن عبد الله بن مسلمة القعنبي ... إلى آخره،
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن عبد الله بن يوسف. وأخرجه الترمذي في
السير عن إسحاق بن موسى. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين.
قوله: ((حتى يصبح))، المراد به دخول وقت الصبح وهو طلوع الفجر، فإن قلت: روى
مسلم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس فما
الجمع بين الحديثين؟ قلت: قال شيخنا: الجواب أنهم صلوا الصبح بغلس قبل أن يدخوا
زقاق خيبر الذي أجرى فيه رسول الله، عٍَّ، كما ثبت في (الصحيحين) وأنهم وصلوا إلى
القرية حين بزغت الشمس. قوله: ((بمساحيهم))، بتخفيف الياء، جمع: مسحاة بكسر الميم،
والميم زائدة لأنه مأخوذ من سحوت الطين عن وجه الأرض وسحيته إذا جرفته. وقال
الجوهري: المسحاة كالمجرفة إلاَّ أنها من حديد، والمكاتل: جمع، مكتل بكسر الميم،
والميم فيه أيضاً زائدة، وقال ابن عبد البر: المكاتل القفاف، وقال الجوهري: المكتل شبه
الزنبيل يسع خمسة عشر صاعاً. قوله: ((محمد))، أي: جاء محمد. قوله: ((والخميس))،
عطف عليه وهو: الجيش، والسبب في تسميته بالخميس أنه خمس فرق: المقدمة والقلب
والميمنة والميسرة والساق. قوله: ((الله أكبر)) المشهور في الرواية: التكبير مرة، وفي رواية
الطبراني من حديث أبي طلحة تكراره ثلاثاً وهو حسن.
قوله: ((خربت خيبر)) فيه سجع، ولا بأس به إذا لم يكن في ذلك تكلف وقوله:
((خربت خيبر)) يحتمل أن يكون عَّ له قاله بوحي من الله في أنه عَّ يغلب عليها ويخربها،
ويحتمل أن يكون تفاؤلاً بذلك على عادة العرب في جزمهم بالأمور والإخبار عن وقوعها
بصيغة الماضي قبل وقوعها إذا كان ذلك متوقعاً قريباً، وقيل: سبب تفاؤله مَّ بذلك لما
رأى من آلات الحراب معهم من المساحي والمكاتل. قوله: ((إنا إذا نزلنا ... )) إلى آخره،
وفيه: الاستشهاد بالقرآن فيما يحسن ويجمل. وفي هذا الحديث: الحكم بالدليل لكونه
كف عن القتال بمجرد سماع الأذان.
٢٩٤٦/١٥٥ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثْنَا سَعيدُ بنُ
المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ الله عَّهُ أُمِزْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ
حتَّى يَقُولُوا لا إِلَه إلاَّ اللهَ فَمَنْ قال لا إله إلاَّ اللّه فَقَدْ عصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ ومالَهُ إلاَّ بِحَقٌّهِ
وحِسابُهُ علَى الله.
مطابقته للترجمة من حيث إن في قتاله معهم إلى أن يقولوا: لا إله إلاّ الله، دعوته إياهم

٣٠٠
٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسيرِ / باب (١٠٣)
إلى الإسلام حتى إذا قالوا: لا إله إلاَّ الله، يرفع القتال لكنه، عَ لَّه قال هذا الحديث في حال
قتاله لأهل الأوثان الذين كانوا لا يقرون بالتوحيد، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿إنهم
كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلاَّ الله يستكبرون﴾ [الصافات: ٣٥]. فدعاهم إلى الإقرار بالوحدانية
وخلع ما دونه من الأوثان، فمن أقر بذلك منهم كان في الظاهر داخلاً في صفة الإسلام، وأما
الآخرون من أهل الكفر الذين كانوا يوحدون الله تعالى غير أنهم ينكرون نبوة محمد عَّه في
هؤلاء: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله ويشهدوا أن محمداً رسول الله،
فإسلام هؤلاء الإقرار بما كانوا به جاحدين، كما كان إسلام أولئك إقرارهم بالله أنه واحد لا
شريك له وعلى هذا تحمل الأحاديث، وقد مر الكلام فيه في حديث ابن عمر في كتاب
الإيمان في: باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ [التوبة: ٥ و١١].
وأبو اليمان الحكم بن نافع، وهذا السند بعين هؤلاء الرجال قد مر غير مرة على نسق
واحد.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الجهاد عن عمرو بن عثمان وعن أحمد بن محمد
ابن المغيرة.
:
قوله: ((أمرت))، على صيغة المجهول، يدل على أن الله تعالى أمره، وإذا قال الصحابي
ذلك فهم أن رسول الله، عَّلِ أمره. قوله: ((حتى يقولوا))، كلمة: حتى، للغاية، وقد جعل
رسول الله، عَّ له، غاية المقاتلة القول بقول: لا إله إلّ الله، وفي حديث ابن عمر بالشهادتين
والتوفيق بينهما ما ذكرناه الآن. قوله: لا إله إلاَّ الله الذي هو الإسلام في حق المشركين عبدة
الأوثان، وحقه ثلاثة أشياء: قتل النفس المحرمة، والزنا بعد الإحصان، والارتداد عن الدين.
قوله: ((وحسابه على الله))، أي: فيما يسر به من الكفر والمعاصي، والمعنى: إنا نحكم عليه
بالإسلام؛ ونؤاخذه بحقوقه بحسب ما يقتضيه ظاهر حاله، والله - سبحانه وتعالى - يتولى
حسابه فيثيب المخلص ويعاقب المنافق ويجازي المصر بفسقه أو يعفو عنه.
رَوَاهُ عُمَرُ وابْنُ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ عَلّه
أي: روى مثل حديث أبي هريرة عبد الله بن عمر وأبوه عمر بن الخطاب، رضي الله
تعالى عنهما، أما رواية ابن عمر فوصلها البخاري في الإيمان، وأما رواية عمر فوصلها في
الزكاة.
١٠٣ - بابُ مَنْ أَرَادَ غَزْوَةً فَوَرَّى بِغَيْرِهَا
ومنْ أحَبَّ الخُرُوجَ يَوْمَ الخَمِيس
أي: هذا باب في بيان ما جاء من أمر من أراد غزوة فورى بغيرها، أي: بغير
تلك الغزوة التي أرادها، يريد بذلك غيرة العدو، ولئلا تسبقه الجواسيس ويحذروهم،
وأصله من الوراء لأنه ألقى البيان وراء ظهره، كأنه قال: سأبينه، وأصحاب الحديث لا