Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٥) بالشين المعجمة، قال الدارقطني: لا يعرف شمعان بالمعجمة إلا مؤمن آل فرعون. الثاني: يوشع بن نون، وبه جزم ابن التين، وهو بعيد لأن يوشع من ذرية يوسف، عليه الصلاة والسلام، ولم يكن من آل فرعون. الثالث: حزقيل بن برحايا، وعليه أكثر العلماء. الرابع: حابوت، وهو الذي التقطه إذ كان في التابوت. الخامس: حبيب ابن عم فرعون، قاله ابن إسحاق. السادس: حيزور قاله الطبري، وقال مقاتل: كان قبطياً يكتم إيمانه مائة سنة من فرعون، وكان له الملك بعد فرعون، وكان على بقية من دين إبراهيم عَ له، وقال ابن خالويه في (كتاب ليس): لم يؤمن من أهل مصر إلاَّ أربعة: آسية، وحزقيل مؤمن آل فرعون، ومريم بنت لابوس الملك التي دلت على عظام يوسف، والماشطة. قوله: ((أتقتلون)) الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري. قوله: ((أن يقول)) أي: لأن يقول، وهذا إنكار منه عظيم وتبكيت شديد، وهذا كان منه نصح عظيم لهم ولم يقتصر على بينة واحدة وهي قوله: ربي الله، حتى قال: ﴿وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ [غافر: ٢٨]. وحكى الله تعالى عنه: ثم أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً ﴿فإن يك كاذباً فعليه كذبه﴾ [غافر: ٢٨]. أي: يعود عليه كذبه ولا يتخطاه ضرره. ﴿وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ [غافر: ٢٨]. إن تعرضتم. قوله: ((مسرف)) أي: مشرك، قال السدي: أي الكذاب على الله، والله أعلم بالصواب. ٢٥ - بابُ قَوْلِ الله عِزَّ وَجَلَّ ﴿وهَلْ أتاكَ حِديثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩ - ١٠]. ﴿وكلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤]. أي: هذا باب في ذكر قول الله عز وجل، وهو قوله: ﴿وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى﴾ [طه: ٩ - ١٠]. وقد مر الكلام فيه عن قريب قبل الباب الذي قبله. قوله: ﴿و کلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤]. وقبله: ﴿ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤]. وقبله: ﴿ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤]. قوله: ((ورسلاً) منصوب على تقدير: قصصنا رسلاً. وقوله: ﴿قد قصصناهم﴾ مفسر له فحذف الناصب حتى لا يجمع بين المفسِر والمفسر. قوله: ((من قبل)»، أي: من قبل هذه الآية يعني في السور المكية وغيرها. قوله: ((ورسلاً لم نقصصهم عليك))، أي: لم نسمهم لك. قوله: ((وكلم الله موسى تلكيماً)، قال ابن عباس: لما بين الله لمحمد، عَّ له أمر النبيين ولم يبين أمر موسى، عليه الصلاة والسلام، شكوا في نبوته، فأنزل الله تعالى: ﴿منهم من كلم الله﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وكلم الله موسى حقيقةً لا كما زعمت القدرية: أن الله تعالى خلق كلاماً في شجرة فسمعه موسى، عَّ له، لأنه لا يكون ذلك كلام الله، ولو كان من غير التأكيد لاحتمل ما قالوا، لأن أفعال المجاز لا تؤكد بذكر المصادر، لا يقال: أراد الجدار أن يسقط إرادة، وعلم موسى أنه كلام الله لأنه كلام يعجز الخلق أن يأتوا بمثله، قال ابن مردويه، عمدة القاري/ج١٥ م٢٦ ٤٠٢ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٥) بإسناده عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: إن الله ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، كلها وصايا فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب، وجويير ضعيف. والضحاك لم يدرك ابن عباس. ٦٣ / ٣٣٩٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشامُ بنُ يُوسُفَ أخبرَنا مَعْمَرٌ عنٍ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسُولُ الله عَلَّه لَيْلَةَ أَسْرِيَ بِي رأيْتُ مُوسَى وإِذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ رَجِلٌ كأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَئُوءَة ورَأيْتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَة أحْمَرُ كأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسَ وأنا أشْبَهُ ولَدِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ في أحَدِهِمَا لَبَنّ وفي الآخَرِ خَمْرٌ فقال اشْرَبْ أَيُّهُمَا شِئْتَ فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقِيلَ أَخَذْتَ الفِطْرَةَ إِمَّا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. [الحديث ٣٣٩٤ - أطرافه في: ٣٤٣٧، ٤٧٠٩، ٥٥٧٦، ٥٦٠٣]. مطابقته للترجمة في قوله: ((رأيت موسى، عليه الصلاة والسلام)). والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن رافع، وعبد بن حميد: وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمود بن غیلان به. قوله: ((ورأيت))، قال الطيبي: لعل أرواحهم مثلت له عَّه بهذه الصور، ولعل صورهم كانت كذلك أو صور أبدانهم كوشفت له في نوم أو يقظة. قوله: ((ضرب))، بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء وبالباء الموحدة أي: نحيف خفيف اللحم. قوله: ((شنوءة)) بفتح الشين المعجمة وضم النون وفتح الهمزة: وهو حي من اليمن والنسبة إليها: شنائي، وقال ابن السكيت: أزد شنوة، بالتشديد غير مهموز وينسب إليها: شنوى. قوله: ((ربعة))، بفتح الراء وسكون الباء الموحدة، ويجوز فتحها لا طويل ولا قصير، وأنث بتأويل النفس. قوله: ((من ديماس)) بكسر الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، قال الكرماني: السرب، وقيل: الكن أي: كأنه مخدر لم ير شمساً وهو في غاية الإشراق والنضارة. انتهى. وقيل: لم يكن لهم يومئذ ديماس، وإنما هو من علامات نبوته. قوله: ((إبراهيم)) أي: الخليل، عليه السلام، والمعنى: أنا أشبه بإبراهيم ... كذا قاله الكرماني. قلت: كان معناه: أنا أشبه ولد إبراهيم بإبراهيم، عليه السلام، وههنا ثلاث تشبيهات كلها للبيان، ولكن الأول لمجرد البيان، والأخيران للبيان مع تعظيم المشبه في مقام المدح، وقال الداودي في تشبيه موسى عليه السلام: يعني في الطول. وقال القزاز: ما أدري ما أراد البخاري بذلك، على أنه روى في صفته بعد هذا خلاف هذا، فقال: وأما موسى فآدم جسيم كأنه من رجال الزط. قلت: روى البخاري هذا من حديث مجاهد عن ابن عمر، قال: قال رسول الله، عَّةٍ رأيت موسى وعيسى وإبراهيم، عليهم الصلاة والسلام، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط، كأنه من رجل الزط. قلت: هذا ليس فيه إشكال لأنه عَّلِ شبه موسى في حديث الباب وهو حديث أبي هريرة، بقوله: كأنه من رجال ٤٠٣ ٦٠ - كِتَابُ أحَادِيثِ الأُنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ / باب (٢٥) شنوءة، يعني: في الطول وشبهه في حديث ابن عمر، بقوله: كأنه من رجال الزط، يعني: في الطول أيضاً لأن الزط جنس من السودان والهنود الطوال. قوله: ((ثم أتيت))، على صيغة المجهول. قوله: ((أخذت الفطرة))، أي: الاستقامة أي: اخترت علامة الإسلام وجعل اللبن علامة لكونه سهلاً طيباً طاهراً نافعاً للشاربين، سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم الخبائث وحاملة لأنواع الشر في الحال، والمآل، ويروى: هديت الفطرة، قال الطيبي: أي: الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، وجعل اللبن علامة لذلك لأنه من أصلح الأغذية وأول ما به حصلت التربية. ٦٤ / ٣٣٩٥ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارِ حدَّثنا غُنْدَرٌّ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ أبا العَالِيَةِ حدَّثنا ابنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَغْنِي ابنَ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ عَ لِّ قال لاَ يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ أنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى ونَسَبَهُ إلى أبيهِ. [الحديث ٣٣٩٥ - أطرافه في: ٣٤١٣، ٤٦٣٠، ٧٥٣٩]. ... /٣٣٩٦ _ وذَكَّرَ النَّبِيُّ عَ لَلِ لَيْلَةً أُسْرِيَ بِهِ فَقالَ مُوسَى آدَمُ طُوَال كأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وقال عيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعُ وذَكَّرَ مالِكاً خازِنَ النَّارِ وذَكَرَ الدَّجَالَ. [انظر الحديث ٣٢٣٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وغندر، بضم الغين المعجمة وسكون النون، قد تكرر ذكره، وهو محمد بن جعفر، وأبو العالية اسمه رفيع، بضم الراء وفتح الفاء: الرياحي، بكسر الراء وتخفيف الياء آخر الحروف، وروى عن ابن عباس أبو العالية آخر واسمه: زياد بن فيروز، ويعرف: بالبراء، بالتشديد نسبة إلى بري السهام. والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن حفص بن عمر في: باب قول الله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ [الصافات: ١٣٩]. ويأتي عن قريب وفي التفسير عن بندار وفي التوحيد قال لي خليفة بن خياط: وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء عن أبي موسى وبندار. وأخرجه أبو داود في السنة عن حفص بن عمر به، وقال: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلاَّ ثلاثة أحاديث، وهذا أحدها، وقال في موضع آخر: قال شعبة أيضاً: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون. قوله: ((لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى))، ويونس فيه ستة أوجه، ومتى، بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوق وبالألف: وهو اسم أبيه، وفي (جامع الأصول): وقيل: هو اسم أمه، ويقال: لم يشتهر نبي بأمه غير يونس والمسيح، عليهما السلام. وقال الفربري: وكان متى رجلاً صالحاً من أهل بيت النبوة فلم يكن له ولد ذكر، فقام إلى العين التي اغتسل منها أيوب فاغتسل هو وزوجته منها وصليا ودعوا الله أن يرزقهما رجلاً مباركاً يبعثه الله في بني إسرائيل، فاستجاب الله دعاءهما ورزقهما ٤٠٤ ٦٠ - كِتابُ أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلاَمُ / باب (٢٥) يونس، وتوفي متى ويونس في بطن أمه وله أربعة أشهر، وقد قيل: إنه من بني إسرائيل وإنه من سبط بنيامين، وقال الكرماني: وهو ذو النون أرسله الله إلى أهل الموصل، وذهب قوم إلى أن نبوته بعد خروجه من بطن الحوت. وقالت العلماء بأخبار القدماء: كان يونس من أهل القرية من قرى الموصل يقال لها: نينوى، وكان قومه يعبدون الأصنام، وعن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، بعث الله يونس بن متى إلى قوم وهو ابن ثلاثين سنة، فأقام فيهم يدعوهم إلى الله ثلاثاً وثلاثين سنة فلم يؤمن به إلاَّ رجلان أحدهما: روبيل وكان عالماً حكيماً، والآخر: تنوخا، وكان زاهداً عابداً. وقال الخطابي: معنى قوله: ((لا ينبغي لأحد ... )) إلى آخره، ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس، ويحتمل أن يراد: ليس لأحد أن يفضلني عليه، قال: هذا منه عَّ على مذهب التواضع والهضم من النفس وليس مخالفاً لقوله عَ لّج: أنا سيد ولد آدم، لأنه لم يقل ذلك مفتخراً ولا متطاولاً به على الخلق، وإنما قال ذلك ذاكراً للنعمة ومعترفاً بالمنة. وأراد بالسيادة: ما يكرم به في القيامة، وقيل: قال ذلك قبل الوحي بأنه سيد الكل وخيرهم وأفضلهم، وقيل: قاله زجراً عن توهم حط مرتبته لما في القرآن من قوله: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم: ٤٨]. هذا هو السبب في تخصيص يونس بالذكر من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قوله: ((ليلة أسري به))، وفي رواية الكشميهني: ليلة أسري بي، على الحكاية. قوله: ((طوال))، بضم الطاء. قوله: ((جعد الشعر))، الجعد خلاف السبط، لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. قوله: ((وذكر مالكاً)) أي: وذكر النبي ◌َِّ ليلة أسري به مالكاً خازن النار، وذكر أيضاً الدجال. وهذا الحديث واحد عند أكثر الرواة، فجعله بعضهم حديثين: أحدهما متعلق بيونس، والآخر، بالبقية المذكورة. ٦٥ /٣٣٩٧ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيانُ حدَّثَنَا أُيُوبُ السِّخْتْيَانِي عنِ ابنِ سَعيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أَبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ النَّبِيَّ عَلَِّ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ وجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْماً يَعْنِي عاشُورَاءَ فَقالوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وهْوَ يَوْمٌ نَجَّى الله فِيهِ مُوسَى وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصامُ مُوسَى شُكْرَاً لله فقال أنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصامَهُ وأَمَرَ بِصِيَامِهِ. [انظر الحديث ٢٠٠٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((نجى الله فيه موسى)) وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان بن عيينة، وابن سعيد هو عبد الله بن سعيد بن جبير يروي عن أبيه، وهذا الحديث مضى في كتاب الصوم في: باب صيام عاشوراء أخرجه عن أبي معمر عن عبد الوارث عن أيوب ... إلى آخره، ومضى الكلام فيه هناك، والله أعلم بالصواب. ٤٠٥ ٥٣ - كِتَابُ الصُّلْحِ / باب (١٠) وقال أبو عَبْدُ الله قال لِي عَلِيُّ بنُ عبدِ الله إنَّا ثَبَتَ لَنَا سَماعُ الْحَسَنِ مِنْ أبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الحَدِيثِ أبو عبد الله هو البخاري، وعلي بن عبد الله هو المعروف بابن المديني. قوله: ((سماع الحسن))، أي: البصري من أبي بكرة نفيع المذكور، لأنه صرح بالسماع منه والحديث المذكور روي عن جابر أيضاً، قال البزار: وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسناداً، وحديث جابر أعرف، وذكر ابن بطال أنه روى أيضاً عن المغيرة بن شعبة، وزعم الدارقطني أن الحسن رواه أيضاً عن أم سلمة. قال: وهذه الرواية وهم، ورواه أبو داود عن ابن أزهر وعوف الأعرابي عن الحسن مرسلاً، والله أعلم بحقيقة الحال، وإليه المرجع والمآل. ١٠ - بابٌ هَلْ يُشيرُ الإِمَامُ بالصُّلْحِ أي: هذا باب يذكر فيه هل يشير الإمام لأحد الخصمين، أو لهما جميعاً، بالصلح، وإن اتجه الحق لأحدهما، وفيه خلاف، فلذلك لم يذكر جواب الاستفهام، فالجمهور استحبوا ذلك ومنعه المالكية، وقال ابن التين: ليس في حديثي الباب ما ترجم به، وإنما فيه الحض على ترك بعض الحق، ورد عليه بأن إشارته عَ لله بحط بعض الحق بمعنى الصلح. ١٤/ ٢٧٠٥ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ أبِي أوَيْسٍ قال حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ عنْ يَحْيِى ابنِ سَعِيدٍ عن أبي الرِّجَالِ مُحَمَّدٍ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أنَّ أَمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمنِ قالتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها تقولُ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّه صَوْتَ خُصُومِ بالبابِ عالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ ويَسْتَرْفِقُهُ في شَيْءٍ وهْوَ يَقُولُ والله لا أفْعَلُ فخَرَجَ عَلَيْهِمَا رسولُ اللهِ عَ لِّ فقال أيْنَ المُتَأَلَّى على الله لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ فقال أنا يا رسولَ الله ولهُ أيُّ ذُلِكَ أُحَبَّ. مطابقته للترجمة من حيث إن في قوله: ((وله أي ذلك أحب)) معنى الصلح، وأخو إسماعيل هو عبد الحميد بن أبي أويس واسمه عبد الله بن أبي بكر الأصبحي المدني، وسليمان هو ابن بلال أبو أيوب، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري وكني بأبي الرجال لما كان له أولاد عشرة كلهم صاروا رجالاً كاملين، وأمه عمرة، بفتح العين المهملة: بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، ماتت سنة ست ومائة. ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون. وفيه: ثلاثة من التابعين في نسق واحد. والحديث أخرجه مسلم في الشركة، وقال: حدثنا غير واحد عن إسماعيل بن أبي أويس، قال عياض: إن قول الراوي: حدثنا غير واحد، أو حدثنا الثقة، أو بعض أصحابنا، ليس من المقطوع ولا من المرسل ولا من المعضل عند أهل هذا الفن، بل هو من باب الرواية عن المجهول، قال: ولعل مسلماً أراد بقوله: غير واحد، البخاري وغيره، وأبو داود عد هذا النوع : ٤٠٦ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (١٠) مرسلاً وعند أبي عمر والخطيب هو منقطع. ذكر معناه: قوله: ((صوت خصوم))، الخصوم، بضم الخاء: جمع خصم، قال الجوهري: الخصم يستوي فيه الجمع والمؤنث لأنه في الأصل مصدر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول: خصمان وخصوم، والخصم، بفتح الخاء وكسر الصاد أيضاً: الخصم، والجمع: خصماء، ويقال: الخصم، بكسر الصاد: شديد الخصومة والخصومة الإسم. قوله: ((عالية أصواتهما))، ويروى ((أصواتهم))، أي: أصوات الخصوم، وهو ظاهر، لأن الخصوم جمع، وأما وجه: أصواتهما، بتثنية الضمير فباعتبار الخصمين المتنازعين. وقال الكرماني: هذا على قول من قال: أقل الجمع اثنان، وقال بعضهم: وليس فيه حجة لمن يجوز صيغة الجمع بالإثنين، كما زعم بعض الشراح، قلت: إن كان مراده من بعض الشراح الكرماني: فليس كذلك، لأنه لم يزعم ذلك، بل ذكر أنه: على قول من قال أقل الجمع إثنان، ويروى: أصواتها، بإفراد الضمير للمؤنث، ووجهه أن يكون بالنظر إلى لفظ الخصوم الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث، كما قلنا. قوله: ((عالية))، يجوز فيه الجر والنصب، أما الجر فعلى أنه صفة، وأما النصب فعلى الحال. وقوله: ((أصواتهما))، بالرفع بقوله: عالية، لأن اسم الفاعل يعمل عمل فعله. قوله: ((وإذا أحدهما))، كلمة: إذا، للمفاجأة و: أحدهما، مرفوع بالابتداء. ((ويستوضع)) خبره، وإنما قال: أحدهما، بتثنية الضمير لما قلنا: إنه اعتبار الخصمين، ومعنى: يستوضع، يطلب أن يضع من دينه شيئاً. قوله: ((ويسترفقه))، أي: يطلب منه أن يرفق به في الاستيفاء والمطالبة، قوله: ((في شيء))، أي: لا أحط شيئا. قوله: ((فخرج عليهما))، أي: على المتخاصمين اللذين بالباب. قوله: ((أين المتألي؟))، بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوق والهمزة وتشديد اللام المكسورة، أي: الحالف المبالغ في اليمين، مأخوذ من: الآلية، بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء آخر الحروف، وهي اليمين. قوله: ((فله أي ذلك أحب))، أي: فلخصمي أي شيء من الحط أو الرفق أحب، وفي رواية ابن حبان: دخلت امرأة على النبي، عَّله، فقالت: ((إني ابتعت أنا وابني من فلان تمراً، فأحصيناه . - لا والذي أكرمك بالحق - ما أحصينا منه إلاّ ما نأكله في بطوننا، أو نطعمه مسكيناً، وجئنا نستوضعه ما نقصنا، فقال: إن شئت وضعت ما نقصوا وإن شئت من رأس المال)). فوضع ما نقصوا، وقال بعضهم: هذا يشعر بأن المراد بالوضع: الحط من رأس المال، وبالرفْق: الاقتصار عليه، وترك الزيادة، لا كما زعم بعض الشراح: أنه يريد بالرفق الإمهال. قلت: قد فسر الشيخ محي الدين الرفق: بالرفق في المطالبة وهو الإمهال. ذكر ما يستفاد منه: فيه: الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع عنه. وفيه: الزجر عن الحلف على ترك فعل الخير، وقال الداودي: إنما كره ذلك لكونه حلف على ترك أمر عسى أن يكون قد قدر الله وقوعه، واعترض عليه ابن التين بأنه: لو كان كذلك لكره الحلف لمن حلف: ليفعلن خيراً، وليس كذلك، بل الذي يظهر أنه كره له قطع نفسه عن فعل الخير، قال: ويشكل على هذا قوله علّمه للأعرابي الذي قال: والله لا أزيد على هذا ولا ٤٠٧ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (١١) أنقص، فقال: أفلح إن صدق، ولم ينكر عليه حلفه على ترك الزيادة، وهي من فعل الخير. وأجيب: بأن في قصة الأعرابي كان في مقام الدعاء إلى الإسلام والاستمالة إلى الدخول فيه، بخلاف من تمكن في الإسلام، فيحضه على الازدياد من نوافل الخير. وفيه: سرعة فهم الصحابة لمراد الشارع وطواعيتهم لما يشير إليه وحرصهم على فعل الخير. وفيه: الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط ورفع الصوت عند الحاكم. وفيه: جواز سؤال المديون الحطيطة من صاحب الدين، خلافاً لمن كرهه من المالكية، واعتل بما فيه من تحمل المنة، وقال القرطبي: لعل من أطلق كراهته أنه أراد أنه خلاف الأولى. قلت: ينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة أيضاً هكذا لأنه علل في جواز تيمم المسافر الذي عدم الماء، ومع رفيقه ماء، بقوله: لأن في السؤال ذلاً. وقال النووي: وفيه: أنه لا بأس بالسؤال بالوضع والرفق لكن بشرط أن لا ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النفس أو الإيذاء، ونحو ذلك إلاَّ من ضرورة. وفيه: الشفاعة إلى أصحاب الحقوق وقبول الشفاعة في الخير. فإن قلت: هل كانت في يمين المتألي المذكور كفارة أم لا؟ قلت: قال صاحب (التوضيح): إن كانت يمينه بعد نزول الكفارة ففيها الكفارة، وقال النووي: ويستحب لمن حلف أن لا يفعل خيراً أن يحنث فيكفر عن يمينه. ٢٧٠٦/١٥ - حدّثنا يَحْتَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ جَعْفَرِ بنِ رَبِيعَةَ عنِ الأَعْرَجِ قال حدثني عبْدُ الله بنُّ كعبٍ بنِ مالِكِ عنْ كعبِ بنِ مالِكِ أنَّهُ كانَ لَهُ على عَبْدِ الله بنِ أبِي حَدْرَدِ الأسْلَمِيّ مالٌ فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ حتى ارْتَفَعَتْ أَضْواتُهُمَا فَمَرَّ بِهِمَا النبيُّ عَِّ فقال يا كعبُ فأشارَ بِيَدِهِ كأَنَّهُ يقولُ النَّصفَ فأخذَ نِصْفَ ما لَهُ عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفَاً. [انظر الحديث ٤٥٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق. والحديث مضى في كتاب الصلاة في: باب التقاضي والملازمة في المسجد عن عبد الله بن محمد ... إلى آخره. والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، وروى ابن أبي شيبة أن الدين المذكور كان أوقيتين. وقال ابن بطال: هذا الحديث أصل لقول الناس: ((خير الصلح على الشطر)). قوله: ((النصف))، منصوب بتقدير: اترك النصف، أو نحوه. ١١ - بابُ فَضْلِ الإِصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ والعَدْلِ بَيْنَهُمْ أي: هذا باب في بيان فضيلة الإصلاح إلى آخره. ١٦/ ٢٧٠٧ - حدّثنا إسْحَاقُ قال أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا معْمَرٌ عنْ هَمَّامِ عنْ أبِيٍ هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ اللهِ، عَلِ كلُّ سُلامى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقةٌ. [الحديث ٢٧٠٧ - طرفاه في: ٢٨٩١، ٢٩٨٩]. ٤٠٨ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (١٢) مطابقته للترجمة في قوله: ((يعدل بين اثنين صدقة)) وفيه الإصلاح أيضاً على ما لا يخفى، وعطف العدل على الإصلاح من عطف العام على الخاص، وإسحاق هو ابن منصور، وهكذا وقع في رواية أبي ذر: ووقع في جميع الروايات غير روايته غير منسوب. ومعمر، بفتح المیمین: ابن راشد، وهمام، بالتشدید: ابن منبه. : والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن إسحاق بن نصر، وفي موضع آخر منه عن إسحاق: وأخرجه مسلم في الزكاة عن محمد بن رافع. قوله: ((كل سلامى)) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم مقصوراً، أي: كل مفصل. وقال ابن الأعرابي: هي عظام أصابع اليد والقدم، وسلامى البعير عظام فرسنه. قال: وهي عظام صغار على طول الإصبع أو قريب منها، في كل يد ورجل أربع سلاميات أو ثلاث، وفي (الجامع): هي عظام الأصابع والأشاجع والأكارع، كأنها كعاب، والجمع: السلاميات. يقال: آخر ما يبقى المخ في السلامى والعين، وقيل: السلاميات فصوص على القدمين، وهي من الإبل في داخل الأخفاف، ومن الخيل في الحوافر. وفي (الصحاح) واحده وجمعه سواء. وقال ابن الجوزي: وربما شدده إحداث طلبة الحديث لقلة علمهم، ومعنى هذا الحديث: أن عظام الإنسان هي من أصل وجوده، وبها حصول منافعه، إذ لا يتأتى الحركة والسكون إلاَّ بها، فهي من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان، وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصها، فيعطي صدقة كما أعطي منفعة. لكن الله، عز وجل، لطف وخفف بأن جعل العدل بين الناس وشبهه صدقة. وفي مسلم: السلامى مفاصل الإنسان، وهي ثلاثمائة وستون مفصلاً، قال القرطبي: ظاهر هذا يقتضي الوجوب، ولكن خففه الله تعالى حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطاً له. قوله: ((كل يوم))، بالنصب ظرف لما قبله، وبالرفع مبتدأ، والجملة بعده خبره، والعائد يجوز حذفه. فافهم. قوله: ((یعدل بین اثنین»، فاعل: يعدل، الشخص أو المكلف، وهو مبتدأ على تقدير: أن يعدل، أي: عدله، وخبره: صدقة. وهذا كقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، والتقدير: أن تسمع، أي: سماعك. ١٢ - بابٌ إذَا أشارَ الإِمامُ بالصُّلْحِ فَأَبِى حَكَمَ عَلَيْهِ بالحُكْمِ البَيِِّ أي: هذا باب يذكر فيه: إذا أشار الإمام إلى آخره. قوله: ((فأبى))، أي: الخصم امتنع من الصلح. قوله: ((بالحكم البين))، أي: الظاهر، أراد الحكم عليه بما ظهر له من الحق البيّ. ١٧/ ٢٧٠٨ - حدَّثنا أَبُو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يُحَدِّثُ أنَّهُ خاصَمَ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بدْراً إلى رسول الله، عَله في شِرَاجِ منَ الحَرَّةِ كانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلاهُمَا فقال رسولُ اللهِ، عَّه لِلْزُّبَيْرِ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أزْسِلْ إلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الأنْصَارِيُّ فقالَ يا رسولَ الله أَنْ كانَ ابنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رسولٍ الله عَّهِ ثمّ قالَ اسْقِ ثُمَّ اخْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الجَدْرَ فَاسْتَوْغِى رسولُ اللهِ عَ لَّهِ حِينَئِذٍ حَقَّهُ للزُّبَيْرِ وكانَ رسولُ اللهِ، عَّهِ قَبْلَ ذُلِكَ أشارَ على الزُّبَيْرِ بِرَأي سَعَةً لَهُ ولِلْأَنْصَارِيِّ فَلَمَّا أَخْفَظَ ٤٠٩ ٥٣ - كِتَابُ الصُّلْحِ / باب (١٣) الأنْصَارِيُّ رسولَ الله، عَُّلَّهِ اسْتَوْعَى للزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحُكْمِ قال عُرْوَةُ قال الزُّبَيرُ والله ما أحْسِبُ لهذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلاَّ في ذُلِكَ ﴿فَلا ورَبُّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَّجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. الآية. [انظر الحديث ٢٣٦٠ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث. وهذا الإسناد بهؤلاء الرجال على نسق، قد مر غير مرة. وأبو اليمان: الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، والحديث قد مضى في الشرب في ثلاثة أبواب متوالية. قوله: ((في شراج)) بالشين المعجمة وبالجيم: وهو مسيل الماء. قوله: ((من الحرة))، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: أرض ذات حجارة سود. قوله: ((كلاهما)) تأكيد، ويروى: كلاهما، بفتح الكاف واللام. قوله: ((أن كان)) بفتح الهمزة وكسرها. قوله: ((الجدر)) بفتح الجيم وسكون الدال: أي: الجدار. قوله: ((فاستوعى)) أي: استوفى. قوله: ((سعة له) بالنصب أي: للسعة، يعني مسامحةً لهما، وتوسيعاً عليهما على سبيل الصلح والمجاملة. قوله: ((احفظ)) أي: أغضب، ومادته: حاء مهملة وفاء وظاء معجمة، وقال الخطابي: يشبه أن يكون قوله: ((فلما أحفظ ... )) إلى آخره، من كلام الزهري. وقد كان من عادته أن يصل بعض كلامه بالحديث إذا رواه، فلذلك قال له موسى بن عقبة: ميَّز بين قولك وقول رسول الله، مباللحم ١٣ - بابُ الصُّلْحِ بَيْنَ الغُرَمَاءِ وَأَصْحَابِ المِيرَاثِ والْمُجَازَفَةِ فِي ذَلِكَ أي: هذا باب في بيان حكم الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث، وهم الورثة. وقال الكرماني: لفظ: بين، يقتضي طرفين: الغرماء وأصحاب الميراث. قلت: كلامه يشعر أن الصلح بين الغرماء وبين أصحاب الميراث، فقط، وليس كذلك، بل كلامه أعم من أن يكون بينهم وبينهم، ومن أين يكون بين كل من الغرماء وأصحاب الميراث. قوله: والمجازفة في ذلك، يعني عند المعاوضة، أراد أن المجازفة في الاعتياض عن الدين جائزة. وقال ابنُ عبَّاسٍ لا بأس أنْ يَتَخَارَجَ الشَّرِيكَانِ فِيَأْخُذَ هَذَا دَيْناً وَهَذَا عَيْناً فإنْ تَوِيَ لِأحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ علَى صاحِبِهِ هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة، واختلف العلماء فيه، فقال الحسن البصري: إذا اقتسم الشريكان الغرماء فأخذ هذا بعضهم وهذا بعضهم، فتوى نصيب أحدهما وخرج نصيب آخر، قال: إذا أبرأه منه فهو جائز، وقال النخعي: ليس بشيء وما توى أو خرج فهو بينهما نصفان، وهو قول مالك والشافعي والكوفيين، وقال سحنون: إذا قبض أحد الشريكين من دينه عرضاً، فإن صاحبه بالخيار، إن شاء جوز له ما أخذ وأتبع الغريم بنصيبه، وإن شاء رجع على شريكه بنصف ما قبض وأتبعا الغريم جميعاً بنصف الدين فاقتسماه بينهما نصفين، وهذا قول ٤١٠ ٥٣ - كِتَابُ الصُّلْحِ / باب (١٣) ابن القاسم. قوله: ((فإن توى)) بفتح التاء المثناة من فوق والواو: أي هلك واضمحل، وضبطه بعضهم بكسر الواو على وزن: علم، قال ابن التين: وليس هذا بيين، واللغة هو الأول. ٢٧٠٩/١٨ _ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ قال حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنٍ وهْبٍ بنِ كَيْسَانَ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُما قال تُؤُفِّيَ أبي وعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَرَضْتُ عَلى غُرَمَائِهِ أنْ يَأْخُذُوا الثَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ فَأبَوْا وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ فِيهِ وفاءً فَأَتَيْتُ النبيِّ عَ له فَذَكَوْتُ ذُلِكَ لَهُ فقالَ إِذَا جَدَدْتَهُ فَوَضَعْتَهُ في المِرْبَدِ آذَنْتُ رسولَ اللهِ، عَّ له فَجاءَ ومعَهُ أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ فِجَلَسَ عَلَيْهِ ودَعَا بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قالَ ادْعُ غُرَمَاءَكَ فَأوْفِهِمْ فَمَا تَرَكْتُ أَحَدَاً لَهُ على أبِي دَيْنٌ إلاَّ قَضَيْتُهُ وفَضَلَ ثلاثَةَ عَشَرَ وسْقاً سَبْعَةٌ عَجْوَةٌ وسِنَّة لَوْنٌ أَوْ سِنَّةٌ عَجْوَةٌ وَسَبْعَة لَوْنٌ فَوَافَيْتُ معَ رسولِ اللهِ، عَ طَلَّهِ المَغْرِبَ فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لَهُ فَضَحِكَ فقال اثْتِ أَبًا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَخْبِرْهُمَا فَقَالاً لَقَدْ عَلِمْنَا إِذْ صَنَعَ رسولُ اللهِ، عَّلِ ما صنَعَ أَنْ سَيَكُونُ ذَلِكَ. وقال هِشَامٌ عنْ وهْبٍ عنْ جابِرِ صلاةَ العَصْرِ ولَمْ يَذْكُرْ أبا بَكْرٍ ولاَ ضَحِكَ وقال وَتَرَكَ أبي عَلَيْهِ ثَلاثِينَ وسقاً دَيْناً وقال ابنُ إِسْحَاقَ عنْ وَهْبٍ عنْ جابِرٍ صلاةَ الظَّهْرِ. [انظر الحديث ٢١٢٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه صلح الوارث مع الغرماء يشعر بذلك. قوله: ((فما تركت أحداً له على أبي دين إلاَّ قضيته)) التحديث بصيغة الجمع في لأن فيهم من لا يخلو عن الصلح في قبض دينه. وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبيد الله بن عمر، وقد مضى الحديث في الاستقراض في: باب إذا قاص أو جازفه في الدين. وقد مر الكلام فيه هناك مستوفيّ، ولنتكلم هنا بعض شيء. قوله: ((إذا جددته))، بالدال المهملة والمعجمة أي: إذا قطعته. قوله: ((في المربد))، بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وبالدال المهملة. وهو الموضع الذي يحبس فيه الإبل وغيره، وأهل المدينة يسمون الموضع الذي يجفف فيه التمر مربداً، والجرين في لغة أهل نجد. قوله: ((أذنت))، أي: أعلمت، وضع المظهر موضع المضمر لتقوية الداعي وللإشعار بطلب البركة منه، أو نحوه. قوله: ((وفضل))، من باب دخل يدخل، وجاء من باب حذر يحذر، ومن باب فضل بالكسر يفضل بالضم، وهو شاذ. قوله: ((عجوة))، وهو ضرب من أجود تمور المدينة. قوله: ((لون))، قال ابن الأثير: اللون نوع من النخل، وقيل: هو الدقل، وقيل: النخل كله ما خلا البرني، والعجوة يسميه أهل المدينة الألوان، واحدته لينة، وأصله: لونة، قلبت الواء ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. قوله: ((إذ صنع))، أي: حين صنع. قوله: ((أن سيكون))، بفتح الهمزة، لأنه مفعول لقوله: علمنا، قوله: ((وقال هشام))، أي: ابن عروة، ورواية هشام هذه قد تقدمت موصولة في الاستقراض. قوله: ((وقال ابن إسحاق)) أي: روى محمد ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عن جابر صلاة الظهر. ٤١١ ٥٣ - كِتَابُ الصَّلْحِ / باب (١٤) واعلم أن هذا الاختلاف، في رواية عبيد الله بن عمر: «صلاة المغرب، وفي رواية هشام، صلاة العصر))، وفي رواية ابن إسحاق: ((صلاة الظهر)) غير قادح في صحة أصل الحديث، لأن تعيين الصلاة بعينها لا يترتب عليه كبير معنىّ. ١٤ - بابُ الصُّلْحِ بالدَّيْنِ والْعَيْنِ أي: هذا باب في بيان حكم الصلح بالدين والعين، وقال ابن بطال: اتفق العلماء على أنه إن صالح غريمة عن دراهمه بدراهم أقل منها أنه جائز إذا حل الأجل، فإذا لم يحل الأجل لم يجزِ أن يحط عنه شيئاً، وإذا صالحه بعد حلول الأجل عن دراهم بدنانير أو عكسه لم يجز إلاَّ بالقبض، لأنه صرف، فإن قبض بعضاً وبقي بعضاً جاز فيما قبض وانتقض فيما لم یقبض. ٢٧١٠/١٩ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قال أخبرَنَا يونُسُ. وقال اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عنْ ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَعْبٍ أَنَّ كَعْبَ بنَ مالِكٍ أُخبرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدِ دَيْناً كانَ لَهُ عَلَيْهِ في عَهْدِ رسولِ اللهِ مَّهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُما حتَّى سَمِعَهَا رسولُ الله عَّهِ وَهْوَ فِي بَيْتٍ فَخَرَجَ رسولُ الله عَلِ إلَيْهِمَا حتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى كَعْبَ بنَ مالِكِ فقال يا كَعْبُ فقال لَيْكَ يا رسولَ الله فأشارَ بِيَدِهِ أن ضَع الشَّطْرَ فقال كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ الله فقال رسولُ اللهِ عَ لَِّ قُمْ فَاقْضِهِ. [انظر الحديث ٤٥٧ وأطرافه]. قال ابن التين: ليس فيه ما ترجم به. وأجيب: بأن فيه الصلح فيما يتعلق بالدين، وقال الكرماني. فإن قلت: ليس في الحديث ذكر العين، فكيف دل على الترجمة؟ قلت: بالقياس على الدين، وهذا الحديث قد تقدم قبل ثلاثة أبواب، وفي كتاب الصلاة كما ذكرناه، وأخرجه هنا من طريقين: الثاني معلق وهو قوله: وقال الليث، ووصله الذهلي في الزهريات. -- بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ ٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الشروط، وهو جمع شرط، وهو العلامة. وفي الاصطلاح: الشرط ما يتوقف عليه وجود الشيء ولم يكن داخلاً فيه. وقيل: ما يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، والمراد هنا بيان ما يصح من الشروط وما لا يصح. ١ - بابُ ما يَجُوزُ مِنَ الشُّرُوطِ في الإِسْلامِ والأحْكَامِ والمُبَايَعَةِ أي: هذا باب في بيان ما يجوز من الشروط في الإسلام، يعني الدخول فيه، وهذا كما اشترط النبي، عَّه، على جرير حين بايعه على الإسلام: ((النصح لكل مسلم))، وفي لفظ: ((على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم))، ولا يجوز أن يشترط من يدخل في الإسلام أن لا يصلي أو لا يزكي عند القدرة. ونحو ذلك. قوله: ((والأحكام))، أي: العقود والفسوخ والمعاملات. قوله: ((والمبايعة))، من عطف الخاص على العام، وهذا الباب، وقبله: كتاب الشروط، رواية أبي ذر، وليس في رواية غيره لفظ: كتاب الشروط. ٢٧١١/١ - ٢٧١٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْر قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قال أخبرني عُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ رضي الله تعالى عنهُما يُخْبِرَانِ عِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللهِ، عَّله قال لَبَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ كانَ فيما اشْتَرَطَ شُهَيْلُ بنُ عَمْرو عَلى النَّبِيِّ عَ لَّلِ أَنَّهُ لا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وإنْ كانَ على دِينِكَ إلاَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا وَخَلَّيْتَ بَيْتَنَا وَبَيْنَهُ فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ وامْتَعَضُوا مِنْهُ وأبى سُهَيْلٌ إلاَّ ذلِكَ فَكَاتَبَهُ النبيُّ عَّه عَلَى ذَلِكَ فَرَدَّ يَوْمَئِذٍ أبَا جَنْدَلٍ إلى أَبِيهِ سُهَيْلٍ بِنِ عَمْرٍو ولَمْ يَأْتِهِ أحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّ رَدَّهُ في تِلْكَ الْمُدَّةِ وإنْ كانَ مُسْلِماً وجاءَ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ وكانَتْ أُمَّ كَلْثُومٍ بِئْتُ عُقْبَةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ عَِّ يَوْمَئِذٍ وهْيَ عاتِقٌ فَجاءَ أهْلُهَا يَسْأَلُونَ النبيَّ عَ لِّ أَنْ يَرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لِمَا أَنْزَلَ الله فِيهِنَّ ﴿إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مِهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللهَ أعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. إلى قوله: ﴿ولاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال ◌ُزْوَةُ فأخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رسولَ الله عَّ ◌ُلِّ كَانَ يَمْتَحِثُهُنَّ بِهَذِهِ الآيةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. إلى ﴿غَفُورٌ رَحِمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢]. [انظر الحديثين ١٦٩٤ و١٦٩٥ وأطرافهما]. ٢٧١٣ - قالَ عُرْوَةُ قالَتْ عَائِشَةُ فَمَنْ أَقَرَّ بِهِذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَال لَهَا رسولُ اللهِ عَ له قَدْ بايَعْتُكَ كَلاَماً يُكَلِّمُها بِهِ والله ما مَسَتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُ في الْمُبَايَعَةِ وما بَايَعَهُنَّ إلاَّ بِقَوْلِهِ .. [الحديث ٢٧١٣ - أطرافه في: ٢٧٣٣، ٤١٨٢، ٤٨٩١، ٥٢٨٨، ٧٢١٤]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((كان فيما اشترط سهيل بن عمرو)) إلى قوله: ٤١٢ ٤١٣ ٥٤ - كِتَابُ الشَّرُوطِ / باب (١) ((وجاء المؤمنات)). ورجاله قد ذكروا غير مرة. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق، ومروان هو ابن الحكم ومسور، بكسر الميم: ابن مخرمة، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، له ولأبيه صحبة. قوله: ((يخبران عن أصحاب النبي عٍَّ)) هكذا قال عقيل عن الزهري، وهو مرسل عنهما لأنهما لم يحضرا القصة، فعلى هذا فالحديث من مسند من لم يسم من الصحابة، ولم يصب من أخرجه من أصحاب الأطراف في مسند المسور أو مروان، أما مروان، فإنه لا يصح له سماع من النبي عَّهِ ولا صحبة لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل لما نفى النبي، عَّلِ أباه الحكم، وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان فردهما، وقد روى حديث الحديبية بطوله عن النبي عَ ◌ّه. وأما المسور فصح سماعه من النبي عَ له لكنه إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح، وكانت هذه القصة قبل ذلك بسنتين، ولا يقال: إنه رواية عن المجهول، لأن الصحابة كلهم عدول فلا قدح فيه بسبب عدم معرفة أسمائهم. قوله: ((لما كاتب سهيل بن عمرو))، قد ذكرنا ترجمته فيما مضى عن قريب، وكان أحد أشراف قريش وخطيبهم، أسر يوم بدر، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: ((انزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيباً)، فقال رسول الله، عَّلِ: ((دعه، فعسى أن يقوم مقاماً تحمده)). أسلم يوم الفتح وكان رقيقاً كثير البكاء عند قراءة القرآن، فمات رسول الله، عَّهِ، واختلف الناس بمكة، وارتد كثيرون، فقام سهيل خطيباً. وسكن الناس ومنعهم من الاختلاف، وهذا هو المقام الذي أشار إليه رسول الله، عَّله. قوله: ((يومئذ)) أي: يوم صلح الحديبية. قوله: ((فامتعضوا منه))، بعين مهملة وضاد معجمة، وقال ابن الأثير: معناه: شق عليهم وعظم، يقال: معض من شيء سمعه وامتعض إذا غضب وشق عليه، وقال القاضي: لا أصل لهذا من كلام العرب، وأحسبه: فكرهوا ذلك وامتعضوا منه أي: شق عليهم. وقال ابن قرقول: ((امتعظوا))، كذا للأصيلي والهمداني، وفسروه: كرهوه، وهو غير صحيح، وفي الخط والهجاء وإنما يصح لو كان امتعضوا بضاد غير مشالة، كما عند أبي ذر هنا وعبدوس، بمعنى: ((كرهوا وأنفوا)) وقد وقع مفسراً كذلك في بعض الروايات في (الأم) وعند القابسي أيضاً في (المغازي): ((امَّعظوا)) بتشديد الميم وبالظاء المعجمة، وكذا لعبدوس، وعند بعضهم: ((اتغظوا))، من الغيظ، وعند بعضهم عن النسفي، واتغضوا، بغين معجمة وضاد معجمة غير مشالة، قال: وكل هذه الروايات إحالات وتغييرات، ولا وجه لشيء من ذلك إلاَّ: امتعضوا، ومعنى: انغضوا في رواية النسفي: تفرقوا من الإنغاض، قال الله تعالى: ﴿فسينغضون إليك﴾ [الإسراء: ٥١]. قوله: ((مهاجرات) نصب على الحال من ((المؤمنات)). قوله: ((أم كلثوم))، بضم الكاف وسكون اللام وضم الثاء المثلثة بنت عقبة، بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة: ابن أبي معيط، بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره طاء مهملة: أم حميد بن عبد الرحمن. قوله: ((وهي عاتق))، جملة حالية، والعاتق بالتاء المثناة من فوق: الجارية الشابة أول ما أدركت. قوله: ((أن يرجعها))، بفتح الياء، ٤١٤ ٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (١) ورجع يتعدى ولا يتعدى. قوله: ﴿إذا جاءكم المؤمنات﴾ وأولها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهم مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن، ولا تمسكوا بعصم الكوافر، واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلك حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم، وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون، يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١٢]. قوله: ﴿إِذَا جاءكم المؤمنات﴾ سماهن: مؤمنات لتصديقهن بألسنتهن ونطقهن بكلمة الشهادة، ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك. قوله: ((مهاجرات)) يعني: من دار الكفر إلى دار الإسلام. قوله: ﴿فامتحنوهن﴾ أي: فاختبروهن بالحلف والنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن. وقال ابن عباس: معنى امتحانهن أن يستحلفن ما خرجن من بغض زوج وما خرجن عن أرض إلى أرض، وما خرجن التماس دنيا، وما خرجن إلاَّ حباً لله ورسوله. قوله: ﴿الله أعلم بإيمانهن﴾ أي: أعلم منكم لأنكم تكسبون فيه علماً يطمئن معه نفوسكم إذا استحلفتموهن، وعند الله حقيقة العلم به ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات. ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾، ولا تردوهن إلى أزواجهن المشركين ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ لأنه لا حل بين المؤمنة والمشرك. قوله: ﴿وآتوهم﴾ أي: أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا مثل ما دفعوا إليهن من المهر، سمي الظن الغالب علماً في قوله: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ إيذاناً بأن الظن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس بشرائطها جار مجرى العلم، وأن صاحبه غير داخل في قوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦]. قوله: ﴿ولا جناح عليكم﴾ يعني: ﴿أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ وإن كان لهن أزواج كفار لأنه فرق بينهما الإسلام إذا استبرئت أرحامهن بالحيض، والمراد من الأجور: مهورهن، لأن المهر أجر البضع. قوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ العصم: جمع العصمة، وهي ما يعتصم به من عقد وسبب، والكوافر جمع كافرة، ونهى الله تعالى المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، وأمرهم بفراقهن، وقال ابن عباس: يقول: لا نأخذ بعقد الكوافر، فمن كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يتقيدن بها، فقد انقطعت عصمتها منه. قال الزهري: فلما نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة. والأخرى أم كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافة، رجل من قومها وهما على شركهما. قوله: ﴿واسألوا ما أنفقتم﴾ أي: اسألوا أيها المؤمنون ﴿الذين ذهبت أزواجهم﴾ ٤١٥ ٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (١) فلحقن بالمشركين ما أنفقتم عليهن من الصداق من تزوجهن منهم ﴿وليسألوا﴾ يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن منكم من تزوجها منكم ما أنفقوا أي: أزواجهن المشركين من المهر. قوله: ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى جميع ما ذكر في هذه الآية. قوله: ﴿حكم الله يحكم بينكم﴾ كلام مستأنف، وقيل: حال من حكم الله على حذف الضمير، أي: يحكم الله بينكم ﴿والله عليم حكيم﴾. قوله: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم﴾ أي: وإن سبقكم وانفلت منكم من أزواجكم ﴿إلى الكفار فعاقبتم﴾ يعني: فظفرتم وأصبتم من الكفار عقبى، وهي الغنيمة، وظفرتم وكانت العاقبة لكم ﴿فآتوا الذين ذهبت أزواجهم﴾ إلى الكفار منكم ﴿مثل ما أنفقوا عليهن﴾ من الغنيمة التي صارت في أيديكم من أموال الكفار. وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: وكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة: أم الحكيم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض بن شداد الفهري. وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة، أخت أم سلمة، كانت تحت عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت. وبروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى، وزوجها عمرو بن ود. وهند بنت أبي جهل بن هشام، وكانت تحت هشام بن العاص. وكلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر بن الخطاب، فأعطاهم رسول الله، عٍَّ مهور نسائهم من الغنيمة. قوله: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات ... ﴾ [الممتحنة: ١٠]. الآية، لما فتح رسول الله، عَّه، وفرغ من بيعة الرجال جاءت النساء يبايعنه. فنزلت هذه الآية. قوله: ((يفترينه بين أيديهن وأرجلهن)) يعني: لا يأتين بولد ليس من أزواجهن، فينسبنه إليهم، وقيل ﴿بين أيديهن﴾ ألسنتهن ﴿وبين أرجلهن﴾ فروجهن، وقيل: هو توكيد. مثل ﴿ما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠]. قوله: ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ قيل: هذا في النوح. وقيل: ((لا يخلون بغير ذي محرم)) وقيل: ((في كل حق معروف لله تعالى)). قوله: (عروة فأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها))، هو متصل بالإسناد المذكور أو لا، قوله: (كلاماً)): هو كلام عائشة، وقع حالاً. قوله: ((والله ما مست يده)) إلى آخره، وكانت عائشة تقول: كان عَّهِ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية وما مست يد رسول الله، عَّ لهيد امرأة قط، إلاّ يد امرأة يملكها. وعن الشعبي: كان رسول الله، عَّم يبايع النساء وعلى يده ثوب قطري، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي، عَّةِ، كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمس يده فيه ثم غمس أيديهن فيه. واختلف العلماء في صلح المشركين على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلماً، فقال قوم: لا يجوز هذا، وهو منسوخ بقوله، عليه السلام: أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب، وقد أجمع المسلمون أن هجرة دار الحرب فريضة على الرجال والنساء، وذلك الذي بقي من فرض الهجرة، هذا قول الكوفيين، وقول أصحاب مالك وقال الشافعي: هذا الحكم في الرجال غير منسوخ، وليس لأحد هذا العقد إلاَّ للخليفة أو لرجل يأمره، فمن ٤١٦ ٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (٢ و٣) عقد غير الخليفة فهو مردود، وفي (التوضيح): وقول الشافعي، وهذا الحكم في الرجال غير منسوخ يدل أن مذهبه أنه في النساء منسوخ. ٢ /٢٧١٤ _ حدَّثنا أَبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ زِيَادِ بنِ عِلَاقَةَ قالِ سَمِعْتُ جَرِيراً رضي الله تعالى عنه يَقُولُ بايَعْتُ رَسُولَ اللهِ، عَ له فاشْتَرَطَ عَلَيَّ والنَّصْحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ. [انظر الحديث ٥٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري، والحديث مضى في آخر كتاب الإيمان بأتم منه. قوله: والنصح لكل مسلم عطف على مقدر يعلم من الحديث الذي بعده. ٢٧١٥/٣ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثني قَيْسُ بنُ أبِي حازِمٍ عنْ جَرِيرٍ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ قال بايَعْتُ رسولَ الله، عَ لّهِ عَلَى إِقَامٍ الصَّلاةِ وإِيتَاءِ الزَّكاةِ والنَّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر الحديث ٥٧ وأطرافه]. هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن مسدد عن يحيى بن سعيد القطان عن إسماعيل بن أبي خالد البجلي عن قيس بن أبي حازم، بالحاء المهملة والزاي: واسمه عبد عوف، وإسماعيل وقيس وجرير ثلاثتهم بجليون كوفيون مكنون بأبي عبد الله، قوله: ((على إقام الصلاة)) أصله: إقامة الصلاة، وإنما جاز حذف التاء فيها لأن المضاف إليه عوض عنها. وقد مر الكلام في الحديثين المذكورين في آخر كتاب الإيمان مستوفىّ. ٢ - بابٌ إِذَا باعَ نَخْلاً قَدْ أُبْرَتْ أي: هذا باب يذكر فيه إذا باع شخص نخلاً حال كونها قد أبرت، على صيغة المجهول، من التأبير، وهو تلقيح النخل وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني بعد قوله: ((أبرت ولم يشترط الثمر))، أي: والحال أيضاً أن المشتري لم يشترط الثمر وجواب إذا محذوف، وهو قوله: ((فالثمرة للبائع)) إلاّ أن يشترط المشتري، ولم يذكره لدلالة ما في الحديث عليه. ٤ /٢٧١٦ - حدّثنا عبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عبدِ الله بنِ عُمَّرَ رضي الله تعالى عنهُما أنَّ رَسُولَ الله عَلَّلِ قال مَنْ باعَ نَخْلاً قَدْ أَبَّرَتْ فَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلاَّ أن يَشْتَرِطَ الْمُجَاعُ. [انظر الحديث ٢٢٠٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث قد مضى في كتاب البيوع في: باب من باع نخلاً قد أبرت، ومضى الكلام فيه هناك. قوله: ((المبتاع)) أي: المشتري. ٣ - بابُ الشُّرُوطِ في البَئِعِ أي: هذا باب في بيان حكم الشروط في البيع. ٥/ ٢٧١٧ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ ٤١٧ ٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (٤) عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا أُخْبَرَتْهُ أنَّ بَرِيرَةَ جاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا في كِتَابَتِها وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئاً قَالَتْ لَهَا عائِشَةُ إِرْجِعِي إلى أهلِكِ فإنْ أَحَبوا أنْ أَقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ ويَكُونَ ولاَؤْكِ لِي فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إلى أَهْلِهَا فَأَبَوْا وقالوا إنْ شاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ لَنا وَلَاؤُكِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ عَّهِ فَقَال لَهَا ابْتَاعِي فأعْتِقِي فإِنَّا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. [انظر الحديث ٤٥٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن هذا الحديث روي بوجوه مختلفة: منها ما رواه ابن أبي ليلى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله، عَّ الله ((قال: اشترى بريرة واشترطي لهم الولاء)). فهذا فيه عند البيع، وفيه شرط. وفيه وجه المطابقة، وبهذا استدل ابن أبي ليلى: أن من اشترى شيئاً واشترط شرطاً فالبيع جائز والشرط باطل، وفيه مذهب أبي حنيفة: أن البيع والشرط كلاهما باطلان، ومذهب ابن شبرمة كلاهما جائزان، وقد ذكرنا هذا في كتاب البيوع في: باب إذا اشترط شروطاً في البيع لا تحل، ومضى الحديث أيضاً فيه، وفي كتاب العتق أيضاً وغيره، والترجمة المذكورة مطلقة يحتمل جواز الاشتراط في البيوع، ويحتمل عدم جوازها، ولم يوضحه البخاري لمكان الاختلاف فيه، ولم أرَ أحداً من الشراح ذكر هنا شيئاً حتى إن منهم من لم يذكر الباب ولا الترجمة، ومنهم من ذكر الترجمة، وقال: فيه حديث عائشة، وأحاله إلى ما سبق، وهذا مما لا يفيد الناظرين، والشارح إن لم يتبع كلام المصنف كلمة كلمة، ولم يذكر المقصود فيه، فليس بشرح. ٤ - بابٌ إذا اشتَرَطَ الْبَائِعُ ظَهْرَ الدَّابَّةِ إلى مكانٍ مُسَمَّى جازَ أي: هذا باب يذكر فيه إذا اشترط البائع ظهر الدابة التي باعها - يعني: اشترط ركوبها إلى مكان مسمى معين - جاز هذا البيع، وإنما أطلقه مع أن فيه الخلاف، لأنه يرى بصحة هذا البيع لصحة الدليل وقوته عنده، وبه قال أيضاً جماعة وهم: الأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، فإنهم قالوا: إذا باع من رجل دابة بثمن معلوم على أن يركبها البائع. أن البيع جائز، والشرط جائز، واحتجوا في ذلك بحديث جابر، هذا وقال فرقة: ((البيع جائز والشرط باطل)) وهم: ابن أبي ليلى وأحمد في رواية وأشهب من المالكية، وقال آخرون: البيع فاسد، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي، وقد بسطنا الكلام فيه في كتاب البيوع. ٢٧١٨/٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قال سَمِعْتُ عامِرَاً يَقُولُ حدَّثني جابِرٌ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ كانَ يَسِيزٌ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أعْيَا فَمَرَّ النبيُّ عَُّلِّ فَضَرَبَهُ فَدَعَا لَهُ فَسارَ بِسَيْر لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ ثُمَّ قالَ بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٌ قَلْتُ لا ثُمَّ قال بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ فَبِعْتُهُ فاسْتَنْنَيْتُ حُمْلانَهُ إلى أَهْلِي فَلَمَّا قَدِمْنَا أَتَيْتُهُ بِالجَمَلِ ونَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثمَّ انْصَرَفْتُ فأرسَلَ عَلَى إِثْرِي قال ما كُنْتُ لِآَخُذَ جَمَلَّكَ فَخُذْ جَمَّلَكَ ذُلِكَ فَهَوَ مالُكَ. [انظر الحديث ٤٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي))، فإنه بيع فيه شرط عمدة القاري /ج١٣ /م٢٧ ٤١٨ ٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (٤) ركوب الدابة إلى مكان مسمى، وهو المدينة، وكان بينه وبين المدينة ثلاثة أيام، ومن هذا قال مالك: إن كان الاشتراط في الركوب إلى مكان قريب: كاليوم واليومين والثلاثة، فالبيع جائز، وإن كان أكثر من ذلك فلا يجوز. وأبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين، وزكرياء هو ابن أبي زائدة الكوفي، وعامر هو الشعبي. والحديث مضى في الاستقراض وغيره، ومضى الكلام فيه هناك، ولنتكلم أيضاً لزيادة الفائدة، وإن وقع مكرراً. قوله: ((قد أعيى)) أي: تعب. قوله: ((فضربه فدعا له)) كذا بالفاء فيهما، كأنه عقب الدعاء له بضربه، وفي رواية مسلم وأحمد من هذا الوجه: فضربه برجله ودعا له، وفي رواية يونس بن بكير عن زكرياء عند الإسماعيلي، فضربه ودعا له فمشى مشية ما مشى قبل ذلك مثلها، وفي رواية مغيرة: فزجره ودعا له، وفي رواية عطاء وغيره عن جابر التي تقدمت في الوكالة: فمر بين النبي، عَّ فقال: من هذا؟ قلت: جابر بن عبد الله. قال: مالك؟ قلت: إني على جمل ثقال، فقال: أمعك قضيب؟ قلت: نعم. قال: أعطنيه. فأعطيته فضربه فزجره، فكان من ذلك المكان من أول القوم. وفي رواية النسائي، من هذا الوجه: فأزحف، فزجره النبي، عَّالله، فانبسط حتى كان أمام الجيش، وفي رواية وهب بن كيسان عن جابر التي تقدمت في البيوع: ((فتخلف فنزل فحجنه بمحجنه))، ثم قال لي: إركب، فركبته فقد رأيته أكفه عن رسول الله، عَّله، وعند أحمد، من هذا الوجه: قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: أنخه، وأناخ رسول الله، عَّله، ثم قال: أعطني هذه العصا، أو إقطع لي عصاً من هذه الشجرة، فقطعت، فأخذها فنخسه بها نخسات، ثم قال: إركب، فركبت. وفي رواية الطبراني من حديث زيد بن أسلم عن جابر: فأبطأ علي جملي حتى ذهب الناس، فجعلت أرقبه ويهمني شأنه، فإذا النبي، عَّه، فقال: أجابر؟ قلت: نعم. قال: ما شأنك؟ قلت: أبطأ علي جملي، فنفث فيها، أي: في العصا. ثم مج من الماء في نحره، ثم ضربه بالعصا، فانبعث فما كدت أمسكه، وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم، فكنت بعد ذلك أحبس خطامه لأسمع حديثه، وله من طريق أبي نضرة عن جابر: فنخسه ثم قال: إركب بسم الله، زاد في رواية مغيرة، فقال: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك. قوله: ((فسار بسير)»، سار ماضٍ، وبسير: جار ومجرور، ومصدر ليس يسير بلفظ فعل المضارع. قوله: ((بعنيه بوقية))، بفتح الواو وحذف الألف فيه، لغة، قال الجوهري: وهي أربعون درهماً. قلت: كان هذا في عرفهم في ذلك الزمان، وفي عرف الناس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عرف أهل مصر اليوم اثني عشر درهماً، وفي عرف أهل الشام: خمسون درهماً، وفي عرف أهل حلب: ستون درهماً، وفي عرف أهل عينتاب: مائة درهم، وفي عرف بعض أهل الروم: مائة وخمسون درهماً، وفي مواضع أكثر من ذلك، حتى إن موضعاً فيه الوقية ألف درهم. قوله: ((قلت: لا)) أي: لا أبيعه. قال ابن التين: قوله: لا، ليس بمحفوظ إلاَّ أن يزيد: لا أبيعكه، هو لك بغير ثمن. قلت: كأن ابن التين نزه جابراً عن قوله: لا، لسؤال النبي، ◌َّے، ::. ٤١٩ ٥٤ - كِتابُ الشُّرُوطِ / باب (٤) والدليل عليه رواية وهب بن كيسان عن جابر عند أحمد: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: بل أهبه لك. فإن قلت: جاء في رواية أحمد: فكرهت أن أبيعه. قلت: كراهته لوقوع صورة البيع بينه وبين رسول الله، عَلَّهِ. ولكنه لما سأله ثانياً أجاب بالبيع امتثالاً لكلامه، ومع هذا أخذ الثمن، والجمل على ما دل عليه الحديث. قوله: ((فاستثنيت حملانه)) بضم الحاء أي: حمله، أي: اشترطت أن يكون لي حق الحمل عليه إلى المدينة، كأنه استثنى هذا الحق من حقوق البيع، وفي رواية الإسماعيلي بلفظ: واستثنيت ظهره إلى أن تقدم. قوله: ((فلما قدمنا)) أي: المدينة، وفي رواية مغيرة عن الشعبي المتقدمة في الاستقراض: فلما دنونا من المدينة استأذنته، فقال: تزوجت بكراً أم ثيباً. وسيأتي في النكاح، فقدمت المدينة فأخبرت خالي ببيع الجمل، فلامني، وفي رواية أحمد من رواية نبيح: أتيت عمتي بالمدينة فقلت لها: ألم تري أني بعت ناضحنا؟ فما رأيتها أعجبها. قلت: نبيح، بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة: واسم خال جابر، جد، بفتح الجيم وتشديد الدال. ابن قيس، واسم عمته. هند بنت عمر. وقوله: ((على إثري)) بكسر الهمزة أي: ورائي. قوله: ((ما كنت لآخذ جملك)) ووقع في رواية أبي نعيم، شيخ البخاري بلفظ: أتراني إنما ماكستك لآخذ جملك ودراهمك؟ هما لك. قوله: ((ماكستك)) من المماكسة أي: المناقصة في الثمن، ووقع في رواية البزار، من طريق أبي المتوكل عن جابر: أن الجمل كان أحمر. قال شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ عنْ عامِرٍ عنْ جابِرٍ أَفْقَرني رسولُ اللهِ، عَِّ ظَهْرَهُ إلى المَدِينَةِ أشار البخاري بهذا، وبما بعده إلى اختلاف ألفاظ جابر، رضي الله تعالى عنه، مغيرة هو ابن مقسم الكوفي، وعامر هو الشعبي وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق يحيى بن كثير عنه. قوله: أفقرني، بتقديم الفاء على القاف، أي: حملني على فقاره، وهو عظام الظهر. وقال إسْحَاقُ عنْ جَرِيرٍ عِنْ مُغيرَةَ فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لي فَقَارَ ظَهْرِهِ حتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ إسحاق هو ابن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وجرير هو ابن عبد الحميد، وهذا التعليق يأتي موصولاً في الجهاد. وقال عَطَاءٌ وغيْرُهُ لَكَ ظَهْرُهُ إِلى المَدِينَةِ عطاء هو ابن أبي رباح يعني: روى عطاء عن جابر وغيره أيضاً بهذا اللفظ، وهذا التعليق تقدم موصولاً في الوكالة. وقالَ مُحَمَّدُ بنُ الْمُنكَدِرِ عنْ جَابِرٍ شَرَطَ ظَهْرَهُ إلى المَدِينَةِ هذا التعليق وصله البيهقي من طريق المنكدر عن أبيه به، ووصله الطبراني من طريق عثمان ابن محمد الأخنسي عن محمد بن المنكدر، بلفظ: فبعته إياه وشرطت إلى ركوبه إلى المدينة. ٤٢٠ ٥٤ - كِتَابُ الشُّرُوطِ / باب (٤) وقالَ زَيْدُ بنُ أُسْلَمَ عِنْ جَابِرٍ وَلَكَ ظَهْرُهُ حتَّى تَرْجِعَ هذا التعليق وصله الطبراني والبيهقي من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه بتمامه. وقال أبُو الزُّبَيْرِ عنْ جَابِرِ أَفْقزْنَاكَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبي الزبير به، وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: فبعته منه بخمس أواق. قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة. قال: ولك ظهره إلى المدينة. وللنسائي من طريق ابن عيينة عن أيوب. قال: أخذته بكذا وكذا، وقد أعرتك ظهره إلى المدينة. وقال الأغْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ جابِرِ تَبلَّغْ عَلَيْهِ إلى أهْلِكَ الأعمش هو سليمان. وسالم هو ابن أبي الجعد، وهذا التعليق وصله أحمد ومسلم وعبد بن حميد من طريق الأعمش. فلفظ أحمد: قد أخذته بوقية أركبه فإذا قدمت فأتنا به، ولفظ مسلم: فتبلغ عليه إلى المدينة، ولفظ عبد بن حميد: تبلغ عليه إلى إهلك، وكذا لفظ ابن سعد والبيهقي. قال أبُو عُبَيْدِ الله الاشتراطُ أكْثَرُ وأَصَحُّ عِنْدِي أبو عبد الله هو البخاري نفسه، أشار بذلك إلى أن الرواة اختلفوا في قضية جابر هذه: هل وقع الشرط في العقد عند البيع أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحة من النبي، عَ ◌ّه بعد شرائه على طريق العارية؟ وقال: وقوع الاشتراط فيه أكثر طرقاً وأصح عندي مخرجاً، وهذا وجه من وجوه الترجيح، ومن جملة من صحح الاشتراط الإمام الحافظ الطحاوي، رحمه الله، ولكنه تأول بأن البيع المذكور لم يكن على الحقيقة، لقوله في آخره: ((أتراني ماكستك ... )) إلى آخره، قال: إنه يشعر بأن القول المتقدم لم يكن على التبايع حقيقة. قيل: رده القرطبي، ((بأنه دعوى مجردة وتغيير وتجريف))، لا تأويل، ((وكيف يصنع قائله في قوله: بعته منك بأوقية بعد المساومة)). وقوله: ((قد أخذته))، وغير ذلك من الألفاظ المنصوصة في ذلك، انتهى. قلت: لا نسلم أنه دعوى مجردة، بل أثبت ما قاله بقوله: ((أتراني ماكستك؟)) وبقوله أيضاً لجابر: ((ترى إني إنما حبستك لأذهب ببعيرك، يا بلال! أعطه أوقية، وخذ بعيرك، فهما، لك)). فهذا صريح أنه: أَلَمْ يكن ثمة عقد حقيقة؟فضلا عن أن يكون فيه شرط، وقال ابن حزم: أخبر عليه الصلاة والسلام: ((أنه لم يماكسه ليأخذ جمله))، فصح أن البيع لم يتم فيه، فقط، فإنما اشترط جابر ركوب جمل نفسه فقط، وقول القرطبي، وكيف يصنع قائله في قوله: (بعته منك))، لا يرد على الطحاوي، لأنه لا ينكر صورة البيع، وإنما ينكر حقيقة البيع لما ذكرنا، والقرطبي كيف يصنع بقوله: ((ترى إني حبستك لأذهب ببعيرك؟)) فإذا تأمل من له قريحة حادة، يعلم أن التغيير والتحريف منه لا من الطحاوي، وقد ذكر الإسماعيلي أيضاً أن