Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٤)
مطابقته للترجمة في قوله: ((فما كانت امرأة ... )) إلى آخره.
ذكر رجاله: وهم أربعة: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الواحد بن أيمن المخزومي
مولى أبي عمرو المكي، يكنى أبا القاسم، وأبوه أيمن - ضد الأيسر - الحبشي المخزومي
المكي، وهو من أفراد البخاري، وعائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، والحديث تفرد
به البخاري.
ذكر معناه: قوله: ((وعليها درع قطر))، جملة حالية، ودرع، مضاف إلى: قطر، والدرع
قميص المرأة، وهو مذكر، ودرع الحديد مؤنثة. وحكى أبو عبيد أنه يذكر ويؤنث، والقطر،
بكسر القاف وسكون الطاء المهملة وفي آخره راء، قال ابن فارس: هو جنس من البرود. وقال
الخطابي: ضرب من المروط غليظ، وقيل: ثياب من غليظ القطن وغيره، وقيل: من القطن
خاصة، وفي رواية أبي الحسن القابسي وابن السكن بالفاء، كذا قاله ابن قرقول، ثم قال:
وهي ضرب من ثياب اليمن يعرف بالقطرية فيها حمرة. وقال البنالسي: الصواب بالقاف،
وقال الأزهري: الثياب القطرية منسوبة إلى قطر، قرية في البحرين، فكسروا القاف للنسبة
وخففوا. وفي رواية المستملي والسرخسي: درع قطن، بضم القاف وفي آخره نون، وقيل:
الأشهر والصواب بالقاف والنون. قوله: ((ثمن خمسة دراهم))، بضم الثاء المثلثة وتشديد الميم
المكسورة على صيغة المجهول من الماضي من التثمين، وهو التقويم. وخمسة بالنصب بنزع
الخافض أي: قوم بخمسة دراهم، ويروى: ثمن، بلفظ الإسم منصوباً بنزع الخافض أي: بثمن
خمسة دراهم فيكون مضافاً إلى خمسة دراهم، فيكون لفظ خمسة مجروراً بالإضافة.
ويروى: ثمن، بالرفع على الابتداء وخمسة بالرفع أيضاً خبره، ولكن بحذف الضمير تقديره:
ثمنه خمسة دراهم، ووقع في رواية ابن شبويه وحده: خمسه الدراهم.
قوله: ((أنظر))، بلفظ الأمر. قوله: ((إليها)) أي: إلى الجارية. قوله: ((فإنها تزهى)) بضم
أوله أي: تتكبر أو تأنف. وقال ثعلب في باب فعل، بضم الفاء، وقد زهيت علينا يا رجل
وأنت مزهو، وعن التدميري مأخوذ من التيه والعجب، وأصله من البسر إذا حسن منظره،
وراقت ألوانه، وقال ابن درستويه: العامة تقول: زهى علينا، فيحصل الفعل له، وإنما هو مفعول
لم يسم فاعله، وقال ابن دريد: يقال: زهى زهواً إذا تكبر، ومنه قولهم: ما أزهاه، وليس هو
من زهى، لأن ما لم يسم فاعله لا يتعجب منه، ورد عليه بما روي عن ابن عصفور وغيره:
يجيء التعجب مما لم يسم فاعله في ألفاظ معدودة، منها: ما أجنه. وقال الجوهري: قال
الشاعر:
كثير الخطأ قليل الصواب
لنا صاحب مولع بالخلافِ
ألج لجاجاً من الخنفساء
وأزهى إذا ما مشى من غراب
قوله: ((منهن)) أي: من الدروع أو من بين النساء. قوله: ((على عهد رسول الله، عَ لَّم))
أي: في زمنه وأيامه. قوله: ((تقين)) بضم التاء المثناة من فوق وفتح القاف وتشديد الياء آخر

٢٦٢
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٥)
الحروف وفي آخره نون، على صيغة المجهول، من التقيين وهو التزيين، والمعنى: ما كانت
امرأة بالمدينة تتزين لزفافها، إلاَّ أرسلت تستعير ذلك الدرع، وقال ابن الجوزي: أرادت عائشة،
رضي الله تعالى عنها، أنهم كانوا أولاً في حال ضيق، فكان الشيء المحتقر عندهم إذ ذاك
عظيم القدر، وقال صاحب (الأفعال) فإن الشيء يقينه قيناً إذا أصلحه. يقال: قن إناءك، وقال
الجوهري: قنت الشيء أقينه قيناً، لممته، واقتانت الروضة: أخذت زخرفها، ومنه قيل
للماشطة: مقينة، لأنها تزين النساء، وشبهت بالأمة لأنها تصلح البيت وتزينه، والقنية المغينة،
والقينة الأمة مطلقاً، والقين وكل صانع عند العرب قين. وقال المهلب: عارية الثياب للعرس
من فعل المعروف والعمل الجاري عندهم لأنه مرغب في أجره، لأن عائشة، رضي الله تعالى
عنها، لم تمنع منه أحداً.
وفيه: أن المرأة قد تلبس في بيتها ما حسن من الثياب وما يلبسه بعض الخدم. وفيه:
تواضع عائشة، رضي الله تعالى عنها، وأخذها بالبلغة في حال اليسار، وقد أعانت المنكدر
في كتابته بعشرة آلاف درهم، وذكرت ما كانوا عليه ليتذكر ذلك ..
٣٥ - بابُ فَضْلِ الْمَنِيحَةِ
أي: هذا باب في بيان فضل المنيحة وليس في رواية أبي ذر لفظ: باب، والمنيحة،
بفتح الميم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفتح الحاء المهملة، على وزن عظيمة،
وهي الناقة، والشاة ذات الدر يعار لبنها ثم ترد إلى أهلها، وقال ابن الأثير: ومنيحة اللبن أن
يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زماناً ثم
يردها، قال القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلاَّ ناقة أو شاة وقال أبو عبيد: المنيحة عند العرب
على وجهين: أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فيكون له. والآخر: أن يعطيه ناقة أو شاة
ينتفع بحلبها ووبرها زمناً ثم يردها. قلت: المنيحة في الأصل العطية من منح إذا أعطى
وكذلك المنحة، بالكسر.
٢٦٣٩/٥ _ حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا مالكٌ عنْ أَبِي الزِّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ
أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَّله قال نِعْمَ المَنِيحَةُ اللَّقْحَةُ الصَّفيُّ مِنْحَةً
والشَّاةُ الصَّفيُّ تَغْدُو بإناءٍ وتَرُوحُ بإنَاءِ. [الحديث ٢٦٢٩ - طرفه في: ٥٦٠٨].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَِّ ذكر المنيحة بالمدح، ولا يمدح النبي، عَ لّه، شيئاً
إلاَّ وفي العمل به فضل. وأبو الزناد، بالزاي والنون: وعبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد
الرحمن بن هرمز.
قوله: ((نعم المنيحة))، بفتح الميم وكسر النون. وقد ذكرناها الآن، قوله: ((اللقحة))،
بكسر اللام: بمعنى الملقوحة، أي: الحلوب من الناقة. وفي (التلويح): اللقحة، بكسر اللام:
الشاة التي لها لبن، وبفتحها المرة الواحدة من الحلب، وقيل فيها الفتح والكسر، واللقحة
مرفوع لأنه صفة المنيحة. وقوله: ((الصفي))، صفة بعد صفة، ومعناها: الكثيرة اللبن. قال

٢٦٣
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيض عَلَيْها / باب (٣٥)
الكرماني: فإن قلت: الصفي صفة للقحة، فلم ما دخل عليها التاء؟ قلت: لأنه إما فعيل أو
فعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث. فإن قلت: فَلِمَ دَخل على المنيحة؟ قلت: لنقل اللفظ
من الوصفية إلى الإسمية، أو لأن استواء التذكير والتأنيث إنما هو فيما كان موصوفه مذكوراً.
انتهى. قلت: روي أيضاً: الصفية، بتاء التأنيث، فلا حاجة إلى قوله: لأنه إما فعيل أو فعول،
على أن قوله: إما فعيل، غير صحيح، لأنه من معتل اللام الواوي دون اليائي. قوله: ((منحة))،
نصب على التمييز. وقال ابن مالك: فيه وقوع التمييز بعد فاعل: نعم، ظاهراً وقد منعه سيبويه
إلاَّ مع الإضمار، مثل: ((بئس للظالمين بدلاً))، وجوزه المبرد وهو الصحيح. قوله: ((والشاة
الصفي))، صفة وموصوف عطف على ما قبله، وقد مضى معنى: الصفي، قوله: ((تغدو بإناء
وتروح بإناء)) أي: من اللبن، أي: تحلب إناء بالغدو وإناء بالعشي، وقيل: تغدو بأجر حلبها في
الغدو والرواح. ووقع هذا الحديث في رواية مسلم من طريق سفيان عن أبي الزناد بلفظ: ((إلاّ
رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بإناء وتروح بإناء، إن أجرها لعظيم)).
حدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ واسْمَاعِيلُ عنْ مالِكِ قال نِعْمَ الصَّدَقَةِ
أشار بهذا إلى أن عبد الله بن يوسف التنيسي وإسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك
ابن أنس رويا عن مالك، قال: ((نعم الصدقة اللقحة الصفي منحة))، وهذا هو المشهور عن
مالك، وكذا رواه شعيب عن أبي الزناد كما سيأتي في الأشربة، وقال ابن التين: من روى:
((نعم الصدقة))، روى بالمعنى، لأن المنحة العطية، والصدقة أيضاً عطية. وقال بعضهم: لا
تلازم بينهما، فكل صدقة عطية، وليس كل عطية صدقة. وإطلاق الصدقة على المنيحة
مجاز، ولو كانت المنيحة صدقة لما حلت للنبي عَّ ئله، بل هي من جنس الهدية والهبة.
انتهى. قلت: أراد ابن التين بقوله: روى بالمعنى، المعنى اللغوي، ولا فرق في اللغة بين العطية
والمنحة والصدقة والهبة والهدية، لأن معنى العطية موجود في الكل بحسب اللغة، وإنما الفرق
بينهما في الاستعمال، ألا ترى أنه لو تصدق على غني تكون هبة، ولو وهب لفقير تكون
صدقة، وقال ابن بطال: المنحة تمليك المنافع لا تمليك الرقاب والسنة أن ترد المنيحة إلى
أهلها إذا استغنى عنها، كما رد رسول الله، عَّله إلى أم أنس، ولما فتح الله على رسوله غنائم
خيبر رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، وثمارهم كما سيجيء الآن.
٦/ ٢٦٣٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا ابنُ وَهْبٍ قالِ حدَّثنا يونُسُ عِنِ
ابنِ شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ
وليْسَ بِأَيْدِيهِمْ يَعْنِي شَيْئاً وكانَتِ الأنْصِارُ أهْلَ الأرْضِ والعَقَارِ فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ على أنْ
يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عامٍ وَيَكْفُوهُمْ العَمَلَ والمَؤُونَةَ وكانَتْ أُمُّهُ أُمَّ أَنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ كانَتْ
أُمُ عَبْدِ الله بنِ أبِيٍ طَلْحَةَ فَكَانَتْ أعْطَتْ أُمّ أنَسٍ رسولَ اللهِ عَهِ عذاقاً فَأَعْطَاهُنَّ النبيُّ عَ له
أَمَّ أَيْمَنَ مَوْلاتَهُ أَمُّ أَسَامَةَ بنِ زَيْدٍ قال ابنُ شِهَابٍ فأخبرنِي أَنَسُ بنُ مالِكِ أنَّ النبيَّ عَلَّ لَمَّا
فَرِغَ مِنْ قَتْلِ أهْلِ خَيْبَرَ فَانْصَرَفَ إِلى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلى الأَنْصَارِ مَنائِحَهُمُ الَّتي كانُوا

٢٦٤
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٥)
مَنحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ فَرَدَّ النَّبِيُّ عَ لِّ إِلى أَمِّهِ عِذَاقَها وأعْطِى رسولُ اللهِ عَّلِ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ
مِنْ حائِطِهِ. وقال أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ أُخْبَرَنا أبي عنْ يونُسَ بِهِذَا وقال مَكانَهُنَّ مِنْ خالِصِهِ.
[الحديث ٢٦٣٠ - أطرافه في: ٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة تعرف من قوله: ((فقاسمهم الأنصار)) إلى قوله: ((قال ابن
شهاب)). وابن وهب هو: عبد الله بن وهب البصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي وابن شهاب
هو محمد بن مسلم الزهري.
والحديث أخرجه مسلم في المغازي عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى.
وأخرجه النسائي في المناقب عن عمرو بن سواد ثلاثتهم عن ابن وهب به.
قوله: ((وليس بأيديهم)) يعني شيئاً هذا هكذا في رواية الأصيلي وكريمة، وفي رواية
الباقين: ((وليس بأيديهم)) بدون، يعني شيئاً، وقال الكرماني: يعني وليس بأيديهم مال،
والتفسير الأول أعم منه. قوله: ((فقاسمهم الأنصار)) جواب: لما. فإن قلت: ظاهر هذا يغاير
حديث أبي هريرة الذي مضى في المزارعة، قالت الأنصار للنبي عَ له: ((إقسم بيننا وبين
إخواننا النخيل، قال: لا، فقال: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا)).
قلت: لا مغايرة بينهما لأن المنفي هناك مقاسمة الأصول والمراد هنا مقاسمة الثمار، وزعم
الداودي، رحمه الله أن المراد من قوله: فقاسمهم، هنا أي خالفهم، وجعله من: القَسَم،
بفتحتين لا من: القسم، بسكون السين، وفيه نظر لا يخفى. قوله: ((وكانت أمه)) أي: أم أنس
بن مالك. وقوله: أم أنس، بدل منه، وقوله: أم سليم، بضم السين المهملة بدل عن أم أنس،
وفي رواية مسلم: وكانت أم أنس بن مالك وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله ابن أبي
طلحة كان أخا أنس لأمه. قوله: ((كانت)) تأكيد: لكانت، الأولى فهي أم أنس وأم عبد الله
واسمها: سهلة أو مليكة بنت ملحان الأنصارية. وقوله: ((وكانت أمه .. إلى قوله: أبي طلحة،
من كلام الزهري الراوي عن أنس، كذا قال بعضهم، ولكن ظاهر السياق أنه يقتضي أنه من
رواية الزهري عن أنس، فيكون من باب التجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة أمر آخر مثل
الأمر الأول في تلك الصفة وإنما يفعل ذلك مبالغة في كمال الصفة في الأمر الأول والتجريد
على أقسام منها مخاطبة الإنسان نفسه، كأنه ينتزع من نفسه شخصاً فيخاطبه، والتجريد هنا
من هذا القسم. قوله: ((فكانت أعطت)) أي: كانت أم أنس، أعطت رسول الله، عَ لِّ عذاقاً،
بكسر العين المهملة وبذال معجمة خفيفة، جمع: عذق، بفتح العين وسكون الذال، كحبل
وحبال، والعذق: النخلة، وقيل: إنما يقال لها ذلك: إذا كان حملها موجوداً. والمعنى: أنها
وهبت للنبي عَ لِ تمرها. قوله: ((أم أيمن))، بالنصب لأنه مفعول ثان لأعطى، واسمها بركة،
بالباء الموحدة والراء والكاف المفتوحات، وكنيت به لأنها كانت أولاً تحت عبيد - مصغر
عبد - الحبشي فولدت له أيمن. وفي (صحيح مسلم) أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد
المطلب وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله، عَّلله كانت أم أيمن تحضنه حتى
كبر عَّ فأعتقها وزوجها مولاه زيد بن حارثة. قوله: ((أم أسامة بن زيد)) بن شراحيل بن

٢٦٥
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وَفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٥)
كعب مولى النبي، عَِّ، من أبويه، وكان أسود أفطس، توفي في آخر أيام معاوية سنة ثمان
أوتسع وخمسين، ومات النبي، عَّةٍ وهو ابن عشرين سنة، فأسامة وأيمن أخوان لأم، واستشهد
أيمن يوم حنين، وكان عَّه يقول: ((بركة أمي بعد أمي))، وماتت بعد رسول الله، عَ لَّه بخمسة
أشهر. قوله: ((قال ابن شهاب، هو الزهري الراوي: وهو موصول بالإسناد المذكور، وكذا هو
عند مسلم. قوله: ((منائحهم))، جمع منيحة. قوله: ((وقال أحمد بن شبيب))، بفتح الشين
المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى: ابن سعيد أبو عبد الله الحبطي البصري، روى عنه
البخاري في (مناقب عثمان) وفي الاستقراض مفرداً، وفي غير موضع مقروناً بإسناده بإسناد
آخر، وهو من أفراده، روى عن أبيه شبيب عن يونس بن يزيد. قوله: ((بهذا))، أي: بهذا المتن
والإسناد، وطريق أحمد بن شبيب وصله البرقاني عنه مثله. قوله: ((وقال مكانهن من خالصه))،
أي: من خالص ماله، وقال ابن التين: المعنى واحد، لأن حائطه صار له خالصاً.
٢٦٣١/٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عيسى بنُ يُونُسَ قال حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ عنْ
حَسَّانِ بنِ عَطِيَّةَ عنْ أَبِي كِبْشَةَ السَّلُولِيِّ قال سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ عَمْرٍو رضي الله تعالى
عنهما يقُولُ قال رسولُ الله عَِّ أو بَعُونَ خَصْلَةً أعْلاهُنَّ مَنيحَةُ العَنْزِ مَا منْ عامِلٍ يَعْمَلُ
بِخَصْلَةٍ منها رجاءَ ثَوابِها وتَصْدِيقَ مَوْعُودِها إلاَّ أدْخَلَهُ الله بها الجَنَّةَ قال حَسَّانُ فَعَدَدْنَا ما
دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلاَمِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ وإِمَاطَةِ الأذى عنِ الطَّرِيقِ ونَحُوِهِ فَما
اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَضَّلَةٌ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((أعلاهن منيحة العنز)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: مسدد بن مسرهد، وقد تكرر ذكره. الثاني: عيسى بن
يونس بن أبي إسحاق الهمداني. الثالث: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. الرابع: حسان بن
عطية الشامي أبي بكر. الخامس: أبو كبشة، بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة وبالشين
المعجمة: اسمه كنيته، والسلولي، بفتح السين المهملة وضم اللام الأولى: نسبة إلى سلول
قبيلة من هوازن. السادس: عبد الله بن عمرو بن العاص.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن شيخه بصري وعيسى كوفي والأوزاعي وحسان شاميان،
وحسان إما من الحسن فالنون أصلية، وإما من الحس فالنون زائدة، وليس لحسان هذا ولا
لأبي كبشة في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة
والسلام، وقد ذكرنا أن أبا كبشة اسمه وكنيته سواء، وزعم الحاكم أن اسمه البراء بن قيس،
ورد عليه عبد الغني بن سعيد وبيّن أنه غيره.
والحديث أخرجه أبو داود في الزكاة عن إبراهيم بن موسى ومسدد، كلاهما عن
عیسی بن یونس إلى آخره.
ذكر معناه: قوله: ((عن حسان بن عطية)) وفي رواية أحمد: عن الوليد حدثنا الأوزاعي

٢٦٦
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٥)
حدثني حسان بن عطية. قوله: ((عن أبي كبشة))، وفي رواية أحمد: حدثني أبو كبشة. قوله:
((قال رسول الله، عَّله))، وفي رواية أحمد: سمعت رسول الله، عَّله. قوله: ((أربعون خصلة))،
مبتدأ. وقوله: ((أعلاهن))، مبتدأ ثان. وقوله: ((منيحة العنز))، خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول،
والعنز: هي الأنثى من المعز، وكذلك العنز من الظباء والأوعال. قوله: ((منها))، أي: من
الأربعين. قوله: ((رجاء))، نصب على التعليل، وكذلك قوله: ((تصديق موعودها)) فإن قلت: من
المعلوم قطعاً أنه معَّ الله كان عالماً بها أجمع، لأنه لا ينطق عن الهوى فلمَ لم يذكرها؟ قلت:
لمعنى، وهو أنفع لنا من ذكرها، وذلك، - والله أعلم - خشية أن يكون التعيين لها زهداً عن
غيرها من أبواب البر. قوله: ((قال حسان ... )) إلى آخره، قال ابن بطال: وليس قول حسان
مانعاً أن يستطيعها غيره، قال: وقد بلغني عن بعض أهل عصرنا أنه طلبها فوجد ما يبلغ أزيد
من أربعين خصلة.
فمنها: أن رجلاً سأل رسول الله، عَّلٍ عن عمل يدخل الجنة فذكر له أشياء، ثم قال:
والمنيحة والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن لم تطق فأطعم الجائع واسق الظمآن، هذه
ثلاث خصال أعلاهن المنيحة وليس الفيء منها لأنه أفضل من المنيحة والسلام. وفي
الحديث: من قال السلام عليك، كتب له عشر حسنات، ومن زاد: ورحمة الله، كتب له
عشرون، ومن زاد: وبركاته، كتب له ثلاثون، وتشميت العاطس ... الحديث، وهو ثلاث تثبت
لك الود في صدر أخيك: إحداها تشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق وإعانة الضائع
والصنعة للأخرق وإعطاء صلة الرحم الحبل، وإعطاء شسع النعل وأن يؤنس الوحشان - أي
تلقاه بما يؤنسه من القول الجميل أو يبلغ من أرض الفلاة إلى مكان الأنس - وكشف الكربة،
قال تعَ الى: ((من كشف كربة عن أخيه كشف الله عنه كربة يوم القيامة)). وكون المرء في
حاجة أخيه وستر المسلم للحديث، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن ستر
مسلماً ستره الله يوم القيامة والتفسح في المجالس وإدخال السرور على المسلم ونصر
المظلوم والأخذ على يد الظالم. ((قال: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))، والدلالة على الخير،
قال: الدال على الخير كفاعله، والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس، والقول الطيب يرد به
المسكين، قال تعالى: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾ [البقرة: ٢٦٣].
وفي الحديث: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة، وإن تفرغ من دلوك في
إناء المستقي وغرس المسلم وزرعه)) قال عَّ: ((ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً
فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلاَّ كان له صدقة)). والهدية إلى الجار، قال، عَ لِ: ((لا
تحقرن إحداكن لجارتها ولو فرسن شاة»، والشفاعة للمسلم ورحمة عزيز ذل وغني افتقر
وعالم بين جهال: إرحموا ثلاثة: غني قوم افتقر، وعزيز قوم ذل، وعالماً يلعب به الجهال))،
وعيادة المريض للحديث: ((عائد المريض على مخارف الجنة)) والرد على من يغتاب. قال:
من حمى مؤمناً من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكاً يوم القيامة يحمي لحمه من النار،
ومصافحة المسلم. قال: ((لا يصافح مسلم مسلماً فتزول يده عن يده حتى يغفر لهما))،

٢٦٧
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٥)
والتحاب في الله والتجالس إلى الله والتزاور في الله والتباذل في الله، قال الله تعالى: ((وجبت
محبتي لأصحاب هذه الأعمال الصالحة)) وعون الرجل في دابته يحمل عليها متاعه صدقة،
روي ذلك عن رسول الله، عَّ. انتهى. وقال الكرماني: أقول: هذا الكلام رجم بالغيب،
لاحتمال أن يكون المراد غير المذكورات من سائر أعمال الخير ثم إنه من أين علم أن هذه
أدنى من المنيحة لجواز أن يكون مثلها أو أعلى منها؟ ثم فيه تحكم حيث جعل السلام منه
ولم يجعل رد السلام منه، مع أنه صرح في هذا الحديث الذي نحن فيه به، وكذا جعل الأمر
بالمعروف منه بخلاف النهي عن المنكر، وفيه: أيضاً: تكرار لدخول الأخير وهو الأربعون
تحت بعض ما تقدم، فتأمل.
٢٦٣٢/٨ - حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ يوسُفَ قال حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قال حذَّثني عَطاءٌ عنْ
جابر رضي الله تعالى عنهُ قال كانَتْ لرجالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضينَ فقالوا نُؤَاجِرُها بالقُّلُثِ والرُّبْعِ
والنِّصْفِ فقال النبيُّ عَّهِ مِنْ كانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَغْها أوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ فإِنْ أَبِى فَلْيُمْسِكَ
أَرْضَهُ. [انظر الحديث ٢٣٤٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أو ليمنحها أخاه)) وقد مضى الحديث في كتاب
المزارعة، في: باب ما كان من أصحاب النبي، عَّه، يواسي بعضهم بعضاً في الزراعة، فإنه
أخرجه هناك عن عبيد الله بن موسى عن الأوزاعي إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه هناك.
... / ٢٦٣٣ _ وقال مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا الأوْزَاعِيُّ قال حدَّثني الزُّهْرِيُّ قال
حدَّثني عطاءُ بنُ يَزِيدَ قال حدَّثني أَبُو سَعِيدٍ قال جاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى النبيِّ عَِّ فَسَأَلَهُ عنِ
الهِجْرَةِ فقال ويْحَكَ إِنَّ الْهِجْرَةِ شَأَتُهَا شَدِيدٌ فَهِلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قال نعَمْ قال فَتُعْطِي صدَقَتَهَا
قال نعَمْ قال فَهَلْ تَمْتَحُ منها شَيْئاً قال نعَمْ قال فَتَخْلُبُهَا يوم وِزْدِهَا قال نعَمْ قال فَاعْمَلْ مِنْ
ورَاءِ الْبِحَارِ فإِنَّ اللّه لَنْ يَتْرِكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيئاً. [انظر الحديث ٤٥٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فهل تمنح منها شيئاً ... )) إلى قوله. قال: ((فاعمل من وراء
البحار))، وقد مضى الحديث في كتاب الزكاة في: باب زكاة الإبل، فإنه أخرجه هناك عن
علي بن عبد الله عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله:
(قال محمد بن يوسف))، ظاهره التعليق، ويحتمل أن يكون معطوفاً على الذي قبله، فيكون
موصولاً ووصله الإسماعيلي وأبو نعيم من طريق محمد بن يوسف المذكور. قوله: ((يوم
وردها))، أي: يوم نوبة شربها، وذلك لأن الحلب يومئذ أوفق للناقة وأرفق للمحتاجين. قوله:
((لن يترك))، أي: لن ينقصك من الوتر، ويروى: لن يترك من الترك، من باب الافتعال.
٢٦٣٤/٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشِّارٍ قال حدَّثنا عبْدُ الوَهَّابِ قال حدَّثنا أَيُّوبُ عنْ
عَمْرٍو عنْ طَاؤُسٍ قال حدَّثني أَعْلَمُهُم بِذَاكَ يَعْنِي ابنَ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ
عَّلَّهِ خِرَجَ إلى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعاً فقال لِمَنْ هذِهِ فقالُوا اكتراها فُلانٌ فقال أمَّا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا
إِيَّاهُ كانَ خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يأخُذَ عَلَيْهَا أجْراً مَعْلُوماً. [انظر الحديث ٢٣٣٠ وطرفيه].

٢٦٨
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وَفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٦)
مطابقته للترجمة في قوله: ((أما أنه لو منحها إياه ... )) إلى آخره، لأنه يدل على فضل
المنيحة، وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد البصري، وأيوب هو السختياني، وعمرو هو ابن
دينار المكي، وقد مر الحديث في المزارعة. قوله: ((يهتز))، من الهز وهو الحركة، والمعنى
إلى أرض تتحرك وترتاج لأجل الزرع الذي عليها، وكل من خف لأمر وارتاح له، فقد اهتز
له. قوله: ((لو منحها))، أي: لو أعطاها المالك، فلاناً المكترى على طريق المنحة، لكان خيراً
له، لأنها أكثر ثواباً، ولأنهم كانوا يتنازعون في كراء الأرض أو لأنه كره لهم الافتتان بالزراعة.
لئلا يقعدوا بها عن الجهاد.
٣٦ - بابٌ إِذَا قال أُخْدَمْتُكَ هَذِهِ الجَارِيَةَ على ما يَتَعَارَفُ النَّاسُ فَهْوَ جائزٌ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا قال رجل لآخر: أخدمتك هذه الجارية. قوله: ((على ما
يتعارف الناس)) أي: على عرفهم في صدور هذا القول منهم، أو على عرفهم في كون
الأخدام هبة أو عارية. قوله: ((فهو جائز)) جواب: إذا، وحاصله أن عرفهم في قوله: أخدمتك
هذه الجارية إن كان هبة تكون هبة، وإن كان عرفهم أن هذا عارية تكون عارية. وقال ابن
بطال: لا أعلم خلافاً بين العلماء أنه إذا قال: أخدمتك هذه الجارية أو هذا العبد، أنه قد
وهب له خدمته لا رقبته، وأن الإخدام لا يقتضي تمليك الرقبة عند العرب، كما أن الإسكان
لا يقتضي تمليك رقبة الدار. انتهى. وقال أصحابنا: إذا قال: أخدمتك هذا العبد، يكون عارية
لأنه أذن في استخدامه، وإذا كان عارية، فله أن يرجع فيها متى شاء.
وقال بعضُ النَّاسِ هذِهِ عارِيَّةٌ
قال الكرماني: قيل: أراد به الحنفية وغرضه أنهم يقولون: لا إنه إذا قال: أخدمتك هذا
العبد، فهو عارية، وقصة هاجر تدل على أنه هبة. انتهى. قلت: ليس في قصة هاجر ما يدل
على الهبة إلاَّ قوله: ((فأعطوها هاجر))، وقوله: ((وأخدمها هاجر))، لا يدل على الهبة.
وإنْ قال كسَوْتُكَ هذَا الثَّوْبَ فَهْوَ هِبَةٌ
قال ابن بطال: لم يختلف العلماء أنه إذا قال: كسوتك هذا الثوب، مدة يسميها، فله
شرطه، وإن لم يذكر أجلاً فهو هبة، لأن لفظ الكسوة يقتضي الهبة، لقوله تعالى: ﴿فكفارته
إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩]. ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليك الطعام
والثياب.
٢٦٣٥/١٠ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ عَّلِ قال هاجَرَ إبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ فَأَعْطُوهَا
آجَرَ فَرَجِعَتْ فقالتْ أَشَعَرْتَ أَنَّ الله كبَتَ الكافِرَ وأخْدَمَ وليدَةً وقال ابنُ سِيرِينَ عنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌ُلِّ فَأَخْدَمَها هاجَرَ. [انظر الحديث ٢٢١٧ وأطرافه].
هذا قطعة من حديث في قصة إبراهيم وهاجر، سلخها من الحديث الذي ذكره بتمامه

٢٦٩
٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وَفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣٧)
في كتاب البيوع في: باب شراء المملوك من الحربي، وذكر أيضاً قطعة منه، معلقة في: باب
قبول الهدية من المشركين، وذكر هذه القطعة هنا موصولة عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن
شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن
هرمز عن الأعرج، عن أبي هريرة وأراد بها الاستدلال على الحنفية في قولهم: إن قول الرجل:
أخدمتك هذا العبد عارية، ولكن لا يصح استدلاله بهذا لما ذكرنا الآن، وكذلك قال ابن
بطال: واستدلال البخاري بقوله: فأخدمها هاجر على الهبة، لا يصح، وإنما صحت الهبة في
هذه القصة من قوله: ((فأعطوها هاجر)) أي: أعطوا سارة الوليدة التي تسمى: هاجر، وقد مر
الكلام فيه مستوفىّ في: باب شراء المملوك من الحربي.
٣٧ - بابٌ إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ على فَرَسِ فَهْوَ كالعُمْرِى وَالصَّدَقَةِ
أي: هذا باب يذكر فيه: إذا حمل رجل على فرس أي: تصدق به، ووهبه بأن يقاتل
عليه في سبيل الله، ونذكر الآن: هل المراد من الحمل التمليك أو التحبيس. قوله: ((فهو
كالعمرى))، أي: فحكمه كحكم العمرى، وحكم الصدقة يعني: لا رجوع فيه كما لا رجوع
في العمرى والصدقة، أما العمرى فلقوله عَّ له: ((من أعمر عمرى فهي للمعمَر له ولورثته من
بعده))، وأما الصدقة فإنه يراد بها وجه الله تعالى فتقع جميع العين لله تعالى، وإنما تصير للفقير
نيابة عن الله تعالى، بحكم الرزق الموعود فلا يبقى محل للرجوع، ولكن إطلاق الترجمة لا
يساعد ما ذهب إليه البخاري، لأن المراد بالحمل على الفرس إن كان بقوله: هو لك، يكون
تمليكاً. قال ابن بطال: فهو كالصدقة، فإذا قبضها لم يجز الرجوع فيها، وإن كان مراده
التحبيس في سبيل الله قال ابن بطال: هو كالوقف لا يجوز الرجوع فيه عند الجمهور، وعن
أبي حنيفة: إن الحبس باطل في كل شيء، قال الداودي قول البخاري: هو كالعمرى
والصدقة تحكم بغير تأمل، وقول من ذكر من الناس أصح لأنهم يقولون: المسلمون على
شروطهم. قلت: عند الحنفية قول الرجل: حملتك على هذا الفرس لا يكون هبة إلاَّ بالنية،
لأن الحمل هو الإركاب حقيقة فيكون عارية، ولكنه يحتمل الهبة، يقال: حمل الأمير فلاناً
على الفرس معناه ملكه إياه، فيحمل على التمليك عند نيته لأنه نوى ما يحتمله لفظه، وفيه
تشديد عليه، فتعتبر نيته. وأما قول أبي حنيفة: أن الحبس باطل ليس في شيء معين، وإنما هو
عام، كما قال ابن بطال ناقلاً عنه: إن الحبس باطل في كل شيء، وليس هو منفرداً بهذا
القول، وقد قال شريح القاضي بذلك قبله.
وقال بعضُ النَّاسِ لَّهُ أنْ يَرْجِعَ فِيها
أراد بهذا البعض أبا حنيفة، وإنما قال له أن يرجع فيها لأنا قد ذكرنا أنه إن أراد بالحمل
التحبيس يكون وقفاً، والوقف غير لازم عنده، وإطلاق البخاري كلامه، ونسبة جواز الرجوع
إلى أبي حنيفة في هذه الصورة خاصة ليس واقعاً في محله لأنه يرى ببطلان الوقف الغير
المحكوم به، ويرى جواز رجوع الواهب عن هبته إلاّ في مواضع معينة، كما عرف في كتب

٢٧٠
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيض عَلَيْها / باب (٣٧)
الفقه. وقال الكرماني: خالف فيه أي: في حكم حمل الرجل على فرس وجعل الحبس باطلاً،
ولهذا قال البخاري: وقال بعض الناس له أن يرجع فيها، والحديث يرد عليه. قلت: لا نسلم
أن الحديث يرد عليه، لأن معنى الحمل عنده ما ذكرناه عن قريب أنه عارية، والخصم أيضاً
يقول: إن للمعير أن يرجع في عاريته.
٢٦٣٦/١١ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ قال سَمِعْتُ مالِكاً يَسْأَلُ زَيْدَ بنَ
أُسْلَمَ قال سَمِعْتُ أبي يقُولُ قال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ حَمَلْتُ على فَرَسٍ في سَبيلِ الله
فِرَأَيْتُهُ يباعُ فَسأَلْتُ رسولَ الله عَلَلِ فقال لاَ تَشْتَرٍ ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ. [انظر الحديث
١٤٩٠ وأطرافه].
قيل مطابقته للترجمة في قوله: ((حملت على فرس في سبيل الله)) ورد عليه بأن هذا
بعيد، والمراد من الحديث عدم عود الرجل إلى صدقته، والحديث مضى عن قريب في: باب
لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، وقد مر الكلام فيه هناك، وقال الخطابي: يحتمل
أن يكون فيه أنه قد أخرجه من ملكه لوجه الله تعالى، وكان في نفسه منه شيء فأشفق،
◌َّالر، أن يفسد نيته ويحبط أجره، فنهاه عنه وشبهه بالعود في صدقته، وإن كان بالثمن، وهذا
كتحريمه على المهاجرين معاودة دارهم بمكة، قال: وأما إذا تصدق بالشيء - لا على سبيل
الإحباس على أصله، بل على سبيل البر والصدقة - فإنه يجري مجرى الهبة، ولا بأس عليه
في ابتياعه من صاحبه، والله أعلم.

بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٥٢ _ كتابُ الشَّهاَداتِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الشهادات، وهو جمع شهادة، وهو مصدر من: شهد
يشهد. قال الجوهري: خبر قاطع والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود أي الحضور، لأن
الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقال أصحابنا: معنى الشهادة الحضور، وقال، عَ له:
((الغنيمة لمن شهد الواقعة))، أي: حضرها والشاهد أيضاً يحضر مجلس القاضي ومجلس
الواقعة، ومعناها شرعاً: إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان، وفي (التوضيح):
هذا الكتاب أخره ابن بطال إلى ما بعد النفقات، وقدم عليه الأنكحة، والذي في الأصول
والشروح (كشرح ابن التين) وشيوخنا ما فعلناه، يعني ذكرهم هذا الكتاب ههنا.
١ - بابُ ما جاءَ في البَيَِّةِ على المُدَّعِي
أي: هذا باب في بيان ما جاء من نص القرآن أن البينة تتعين على المدعي، وهذه
الترجمة هكذا وقع في رواية الأكثرين، وسقط لبعضهم لفظ: باب، وفي رواية النسفي وابن
شبويه: بسم الله الرحمن الرحيم موجودة قبل لفظ الكتاب، وفي بعض النسخ، باب ما جاء
في البينة على المدعي.
لِقَوْلِهِ تَعَالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَىٍ أجَلِ مُسَمَّى فاكْتُوهُ ولْيَكْتُبْ
بَيْتَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي
عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ الله ربَّهُ ولاَ يَبْخَسِ مِنْهُ شَيْئاً فإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أوْ
ضَعِيفاً أوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنٍ
رِجَالِكُمْ فإنْ لَمْ يَكونا رجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَ أْتَانِ مَمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أنْ تَضِلّ
إجْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِخْدَاهُمَا الأخرى وِلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا ما دُعُوا ولا تَسْأَمُوا أَنْ
تكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوٍْ كَبِيراً إلى أجَلِهِ ذَلِكُمْ أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وِأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأذْنَى أنْ لاَ
تَزْتَابُوا إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جِناحٍ أنْ لا
تَكْتُبُوها وأَشْهِدُوا إِذَا تَنَايَعْتُمْ ولإِ يُضَارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فِإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكَمْ
وَاتَّقُوا الله ويُعَلْمُكَمْ الله والله بكَلُ شَيْءٍ عِلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقَوْلِهِ تعَالى: ﴿يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لله ولَوْ عَلَى أَنْفُسِكَمْ أَوِ الوالِدَيْنِ
والأَقْرَبِينَ إِنْ يَكْنْ غَنِيّاً أو فقِيراً فالله أولى بهما فَلا تَتَبِعُوا الهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وأنَّ
تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فإِنَّ اللّه كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
لم يذكر في هذا الباب حديثاً اكتفاء بذكر الآيتين، وقال بعضهم: أما، إشارة إلى
الحديث الماضي قريباً من ذلك في آخر: باب الرهن. قلت: الذي في آخر: باب الرهن، هو
٢٧١

٢٧١
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١)
حديث ابن عباس أن النبي، عَّلِ قضى أن اليمين على المدعى عليه، وحديث عبد الله فيه:
شاهداك أو يمينه، وهذا الوجه فيه بعد لا يخفى. ثم وجه الاستدلال بالآية للترجمة أنه لو كان
القول قول المدعي من غير بينة لما احتيج إلى الكتابة والإملاء، والإشهاد عليه، فلما احتيج
إليه دل على أن البينة على المدعي، وقال ابن بطال: الأمر بالإملاء يدل على أن القول قول
من عليه الشيء، وأيضاً أنه يقتضي تصديقه فيما عليه، فالبينة على مدعي تكذيبه، وأما الآية
الأخرى فوجه الدلالة: أن الله تعالى قد أخذ عليه أن يقر بالحق على نفسه، فالقول قول
المدعى عليه فإذا كذبه المدعي فعليه البينة، وآية المداينة أطول آية في القرآن العظيم، وهي
بتمامها مكتوبة في الكتاب في رواية أبي ذر، وفي رواية ابن شبويه إلى قوله ﴿إلى أجل
مسمى فاكتبوه﴾. وقال سفيان الثوري: عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال:
نزلت في السلم إلى أجل معلوم.
قوله: ﴿إِذا تداينتم بدين﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: إذا تبايعتم بدين: الدين ما كان
مؤجلاً، والعين ما كانت حاضرة، يقال: دان فلان يدين ديناً: استقرض وصار عليه دين، ورجل
مديون: كثر ما عليه من الدين، ومديان، بكسر الميم: إذا كان عادته أن يأخذ بالدين، وقال
ابن الأثير المديان: الكثير الدين الذي عليه الديون، وهو مفعال من الدين للمبالغة، ويقال
للمديون، مدين أيضاً. قوله: ﴿إِلى أجل﴾ [البقرة: ٢٨٢]. الأجل الوقت المسمى المعلوم.
قوله: ﴿فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: أثبتوه في كتاب بين فيه قدر الحق والأجل ليرجع
إليه وقت التنازع والنسيان، ولأنه يحصل منه الحفظ والتوثقة.
فإن قلت: ﴿فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أمر من الله تعالى، وثبت في (الصحيحين) عن
ابن عمر، قال: قال رسول الله، عَّ له: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب))، فما الجمع
بينهما؟ قلت: إن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلاً لأن كتاب الله قد سهل الله
حفظه على الناس والسنن أيضاً محفوظة عن رسول الله، عَّ له، والذي أمر بكتابه إنما هو أشياء
جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه، وهو مذهب الجمهور،
فإن كتب فحسن، وإن ترك فلا بأس. وقال أبو سعيد والشعبي والربيع بن أنس والحسن وابن
جريج وابن زيد وآخرون: كان ذلك واجباً ثم نسخ بقوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد
الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وذهب بعضهم إلى أنه محكم. قوله: ﴿وليكتب بينكم
كاتب بالعدل﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: بالحق والإنصاف لا يزيد فيه ولا ينقص ولا يقدم
الأجل ولا يؤخره، وينبغي أن يكون الكاتب فقيهاً عالماً باختلاف العلماء، أديباً مميزاً بين
الألفاظ المتشابهة
قوله: ﴿ولا يأبَ كاتب﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: لا يمتنع كما أمر الله تعالى من العدل،
ويقال: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما

٢٧٣
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١)
علمه الله ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، كما جاء في
الحديث: ((إن الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق)). وفي الحديث الآخر: ((من كتم علماً
يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)). وقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب.
قوله: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢]. الإملال والإملاء لغتان جاء بهما القرآن،
قال تعالى: ﴿فهي تملي عليه﴾ [الفرقان: ٥]. وقال: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة:
٢٨٢]. يقر على نفسه بما عليه ولا ينقص من الحق شيئاً. قال القاضي إسماعيل بن إسحاق:
ظاهر قوله عز وجل: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة: ٢٨٢]. يدل على أن القول قول
من عليه الشيء، وقال غيره: لأن الله تعالى حين أمره بالإملاء اقتضى تصديقه فيما عليه، فإذا
كان مصدقاً فالبينة على من يدعي تكذيبه. قوله: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً﴾
[البقرة: ٢٨٢] أي: محجوراً عليه بتبذير ونحوه، وقيل: سفيهاً: أي: جاهلاً بالإملاء أو طفلاً
صغيراً. قوله: ﴿أو ضعيفاً﴾ أي: عاجزاً عن مصالحه، ويقال: أي: صغيراً أو مجنوناً. قوله:
﴿أو لا يستطيع أن يمل هو﴾ [البقرة: ٢٨٢]. إما بالعي أو الخرص أو العجمة أو الجهل
بموضع صواب ذلك من خطئه.
قوله: ﴿فليملل وليه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: من يقوم مقامه، وقيل: هو صاحب الدين
يملي دينه، والأول أصح لأن في الثاني ريبة. قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾
[البقرة: ٢٨٢]. أي: من أهل ملتكم من الأحرار البالغين، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة
والشافعي وسفيان، وأكثر الفقهاء، وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبد، وهذا قول أنس بن
مالك، وأجاز بعضهم شهادته في الشيء التافه، وإنما أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة.
قوله: ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: فإن لم يكن الشاهدان رجلين. قوله:
﴿فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: فالشاهد رجل، أو الذي يشهد رجل وامرأتان معه،
وأقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما جاء ذلك في (الصحيح). قوله:
﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: ممن كان مرضياً في دينه وأمانته
وكفايته، وفيه كلام كثير موضعه غير هذا. قوله: ﴿أن تضل إحداهما﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال
الزمخشري: وانتصابه على أنه مفعول له أي: إرادة أن تضل، وقرأ حمزة أن تضل إحداهما،
على الشرط، ومعنى الضلال هنا عبارة عن النسيان، وقابل النسيان بالتذكر لأنه يعادله، وقرىء:
فتذكر، بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. قوله: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة:
٢٨٢]. أي: لا يمتنع الشهود إذا ما طلبوا لتحمل الشهادة، وإثباتها في الكتاب، وقيل: لإقامتها
وأدائها عند الحاكم، وقيل: للتحمل والأداء جميعاً، وهذا أمر ندب، وقيل: فرض كفاية،
وقيل: فرض عين، وهو قول قتادة والربيع، وقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد: إذا دعيت
لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب.
قوله: ﴿ولا تسأموا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: ولا تضجروا ﴿أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً﴾
أي: قليلاً كان المال أو كثيراً. قوله: ﴿ذلكم﴾ [البقرة: ٢٨٢]. إشارة إلى أن تكتبوه، لأنه
عمدة القاري /ج١٣ /١٨٣

٢٧٤
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (١)
في معنى المصدر أي: ذلكم الكتب. قوله: ﴿أقسط﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: أعدل ﴿وأقوم
للشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: أعون على إقامة الشهادة. قوله: ﴿وأدنى أن لا ترتابوا﴾
[البقرة: ٢٨٢]. أي: أقرب من انتفاء الريب في مبلغ الحق والأجل. قوله: ﴿إِلاَّ أن تكون
تجارة﴾ [البقرة: ٢٨٢]. استثناء من الاستشهاد والكتابة و﴿تجارة حاضرة﴾ [البقرة: ٢٨٢].
بالرفع على أن: كان، التامة. وقيل: هي الناقصة على أن الاسم: تجارة حاضرة، والخبر:
((تديرونها)) وقرىء بالنصب على أن تكون التجارة تجارة حاضرة، ومعنى: حاضرة يداً بيد
تديرونها بينكم، وليس فيها أجل، ولا نسيئة. وأباح الله ترك الكتابة فيها لعدم الخوف فيه من
التأجيل. قوله: ﴿جناح﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: حرج. قوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة:
٢٨٢]. إذا كان فيه أجل أو لم يكن فأشهدوا على حقكم على كل حال، وروي عن جابر
ابن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك. وقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ
بقوله: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهذا الأمر محمول عند الجمهور على
الإرشاد والندب لا على الوجوب. قوله: ﴿ولا يضار كاتب﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهو أن يزيد أو
ينقص أو يحرف أو يشهد بما لم يستشهد، أو يمتنع عن إقامة الشهادة، وقيل: أن يمتنع الكاتب
أن يكتب والشاهد أن يشهد، وقيل: أن يدعوهما وهما مشغولان، وقيل: أن يدعى الكاتب أن
يكتب الباطل والشاهد أن يشهد بالزور.
قوله: ﴿وإن تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. يعني: ما نهيتم عنه. قوله: ﴿فإنه فسوق بكم﴾
[البقرة: ٢٨٢]. أي: خروج عن الأمر. قوله: ﴿واتقوا الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: خافوه
وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زواجره. قوله: ﴿ويعلمكم الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: بشرائع دينه
﴿والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أي: عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها ولا
يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات. قوله: ((وقول الله عز وجل))،
بالجر عطف على قوله: لقولِ الله تعالى. قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط﴾
[النساء: ١٣٥]. الآية في سورة النساء، قوله: ﴿بالقسط﴾ [النساء: ١٣٥]. أي: بالعدل، فلا
تعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً وأن لا يأخذكم في الحق لومة لائم. قوله: ﴿شهداء الله﴾ [النساء:
١٣٥]. تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها. قوله: ﴿ولو على أنفسكم﴾ [النساء:
١٣٥]. أي: ولو كانت الشهادة على أنفسكم، أي: إشهد بالحق ولو عاد ضررك عليك، إذا
سئلت عن الأمر قل الحق فيه، وإن كانت مضرة عليك، فإن الله سبحانه سيجعل لمن أطاعه
فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه، وقيل: معنى الشهادة على نفسه هي الإقرار على
نفسه، لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها.
قوله: ﴿أُو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥]. أي: وإن كانت الشهادة عليهم فلا
تراعوهم، بل اشهدوا بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فالحق حاكم عليهم وعلى كل أحد.
قوله: ﴿وإن يكن غنياً﴾ أي: إن يكن المشهود عليه غنياً لا تراعوه لغناه أو يكن فقيراً لا
تشفقوا عليه لفقره، فالله أولى بهما منكم وأعلم بما فيه صلاحهما. قوله: ﴿فلا تتبعوا الهوى

٢٧٥
٥٢ - كتابُ الشَّهاَداتِ / باب (٢)
أن تعدلوا﴾ [النساء: ١٣٥]. أي: كراهة أن تعدلوا، أو إرادة أن تعدلوا، على اعتبار العدل
والعدول. قوله: ﴿وإن تلووا﴾ من اللي، وهو التحريف وتعمد الكذب أي: وإن تلووا ألسنتكم
عن شهادة الحق أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها فإن الله كان بما تعملون خبيراً
بمجازاتكم عليه.
٢ - بابٌ إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ أحَداً فقال لا نَعْلَمُ إلاَّ خيراً أو قال ما عَلِمْتُ إِلاَّ خيراً
أي: هذا باب يذكر فيه إذا عدل رجل أحداً، وقوله: أحداً، هو الكشميهني رواية، وفي
رواية غيره: إذا عدل رجل رجلاً، وعدل، بتشديد الدال: من التعديل. قوله: فقال: أي:
المعدل، لا نعلم إلاَّ خيراً أو: ما علمت إلاَّ خيراً، ولم يذكر جواب إذا الذي هو حكم
المسألة لأجل الخلاف، وروى الطحاوي عن أبي يوسف أنه إذا قال ذلك قبلت شهادته، ولم
يذكر خلافاً عن الكوفيين في ذلك، واحتجوا بحديث الإفك على ما يأتي حديث الإفك،
وعن محمد: لا بد أن يقول المعدل هو عدل جائز الشهادة، والأصح أنه يكتفي بقوله هو
عدل، وذكر ابن التين عن ابن عمر أنه كان إذا أنعم مدح الرجل، قال: ما علمنا إلاَّ خيراً،
وروى ابن القاسم عن مالك أنه أنكر أن يكون قوله: لا أعلم إلاَّ خيراً، تزكية، وقال: لا يكون
تزكية حتى يقول رضاً، وأراه عدلاً رضاً. وذكر المزني عن الشافعي، قال: لا تقبل في التعديل
إلاَّ أن يقول: عدل علي ولي، ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته، فإن كان يعرف حاله الباطنة
يقبل، وإلاَّ لم يقبل ذلك، وفي (التوضيح): والأصح عندنا يعني الشافعية أنه يكفي أن يقول:
هو عدل، ولا يشترط: علي ولي.
٢٦٣٧/١ - حدّثنا حَجَّاجْ قال حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ قال حدَّثنا ثَوْبَانُ
وقال اللَّيْثُ حدَّثني يونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وابنُ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةُ
بنُ وقَّاص وعُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها وبعضُ حَدِيثِهِمْ
يُصدِّقُ بَعْضاً حينَ قال لَها أهْلُ الإِفْكِ ما قالوا فدعا رسولُ اللهِعَ لَّهِ عَليًّا وأُسامةَ حينَ
اسْتْبَثَ الوخيُ يَستَأْمِرُهُما في فِراقٍ أَهْلِهِ فأمَّا أُسَامَةُ فقال أهلُكَ ولا نَعْلَمُ إلَّ خَيْراً وقالتْ
بَرِيرَةُ إِنْ رأيْتَ عِلَيْها أمراً أغْمِصُهُ أكثَرَ مِنْ أَنَّها جارِيةٌ حَدِيثَةُ السّنِّ تَنامُ عنْ عَجِينِ أَهْلِهَا
فَتَأْتِي الدَّاجُنِ فَتَأْكُلُهُ فقال رسولُ اللهِ عََّّلِ مَنْ يَعْذِرُنا في رَجُلٍ بَلَغَنِي أذاهُ في أَهْلٍ بَيْتِي
فَواللهِ ما عَلِمْتُ مِنْ أهْلِيٍ إلاَّ خيراً وَلَقدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلِّمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْراً. [انظر
الحديث ٢٥٩٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا نعلم إلا خيراً)) ورجاله: حجاج بن المنهال، وفي
بعض النسخ مذكور باسم أبيه، وعبد الله بن عمر بن غانم النميري، بضم النون وفتح الميم
وسكون الياء آخر الحروف وبالراء. قال في (تهذيب الكمال): روى عن يونس بن يزيد الأيلي
ويزيد الرقاشي وثقه أبو داود وقال ابن منده: نزل أفريقية، وذكره مصنف (رجال الصحيحين):
من أفراد البخاري، وبقية الرجال مشهورون، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. وفيه: رواية

٢٧٦
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣)
التابعي عن أربعة من التابعين على نسق واحد.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع في الشهادات أيضاً عن أبي الربيع سليمان
ابن داود، وفي المغازي وفي التفسير وفي الإيمان والنذور وفي الاعتصام عن عبد العزيز بن
عبد الله وفي الجهاد وفي التوحيد وفي الشهادات وفي المغازي وفي التفسير وفي الإيمان
والنذور أيضاً عن الحجاج، وفي التوحيد أيضاً عن يحيى بن بكير، وأخرجه مسلم في التوبة
عن أبي الربيع الزهراني به، وعن حبان بن موسى وعن حسن الحلواني وعبد بن حميد وعن
إسحق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن أبي
داود سليمان بن سيف الحراني وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى. وأخرجه البخاري
هنا مختصراً، ولم يقع في رواية أبي ذر: لا، إلى قوله: ((ولا نعلم إلاَّ خيراً)، وفيه عن الليث
معلقاً وهو قوله: وقال الليث: حدثني يونس، ووصله في كتاب التفسير: عن يحيى بن بكير
عن الليث عن يونس ... إلى آخره، على ما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وبعض حديثهم)) مبتدأ وقوله: ((يصدق بعضاً)) خبره والواو فيه للحال. قوله:
(أهل الإفك)) بكسر الهمزة وسكون الفاء، والإفك في الأصل: الكذب، وأرادوا به ههنا: ما
كذب على عائشة، رضي الله تعالى عنها، مما رميت به. قوله: ((استلبث)) استفعل من اللبث
وهو الإبطاء والتأخر، يقال: لبث يلبث لبثاً بسكون الباء وقد يفتح، ويقال: اللبث، بفتح اللام
الإسم، وبالضم: المصدر. قوله: ((يستأمرهما)) أي: يشاورهما. قوله: ((فقال: أهلك)) أي: فقال
أسامة: أهلك بالنصب أي: إلزم أهلك، ويجوز بالرفع أي: هي أهلك أو أهلك غير مطعون
عليه، ونحوه. قوله: ((بريرة))، هي مولاة عائشة. قوله: ((إن رأيت عليها)) أي: ما رأيت عليها،
وكلمة: إن، النافية بمعنى: ما، للنفي. قوله: ((أغمصه))، بالغين المعجمة والصاد المهملة أي:
أعيبها به ويطعن به عليها، يقال: أغمصه فلان: إذا استصغره ولم يره شيئاً، وغمصت عليه
قولاً أي: أعيبه عليه. قوله: ((الداجن)) بالدال المهملة وكسر الجيم: هو شاة ألفت البيوت
واستأنست، ومن العرب من يقولها بالهاء، وسيأتي تمام الكلام عن قريب بعد: أبو أيوب، إن
شاء الله تعالى.
٣ - بابُ شَهَادَةِ الْمُخْتَبِي
أي: هذا باب في بيان حكم شهادة المختبي، بالخاء المعجمة أي: المختفي عند
التحمل، تقديره: هل تجوز أم لا؟ ثم ذكره بقوله:
وأجازَهُ عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ
أي: أجاز الاختباء عند تحمل الشهادة عمرو بن حريث، بضم الخاء المهملة
وبالمثلثة: ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي من صغار
الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ولأبيه صحبة، وليس له في البخاري ذكر إلاّ في هذا
الموضع، وهذا التعليق رواه البيهقي من حديث سعيد بن منصور: حدثنا هشيم أنبأنا الشيباني

٢٧٧
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣)
عن محمد بن عبد الله الثقفي أن عمرو بن حريث كان يجيز شهادته، يعني: المختبىء،
ويقول: كذا يفعل بالخائن والفاجر.
قال وكذَلِكَ يُفْعَلُ بالْكَاذِبِ الفاجِرِ
أي: قال عمرو بن حريث: كذلك، أي: بالاختباء عند تحمل الشهادة، يفعل بسبب
الكاذب الفاجر، وأراد به: المديون الذي لا يعترف بالدين ظاهراً ثم يختلي به الدائن في
موضع، وقد كان أخفى فيه من يسمع إقراره بالدين، فإذا شهد بذلك بعد ذلك يسمع عند
عمر، وبه قال الشافعي في الجديد وابن أبي ليلى ومالك وأحمد وإسحاق، وروي عن شريح
والشعبي والنخعي أنهم كانوا لا يجيزون شهادة المختبيء، وقالوا: إنه ليس بعدل حين اختفى
ممن يشهد عليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في القديم.
وقال الشُّعَبِيُّ وابنُ سِيرِينَ وعَطاءٌ وَقَتَادَةُ السَّمْعُ شَهادةٌ
يعني: إذا سمع من أحد شيئاً ولم يشهده عليه يسمع شهادته عند عامر الشعبي
ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح وقتادة بن دعامة، وتعليق الشعبي رواه ابن أبي شيبة
عن هشيم عن مطرف عنه به، وروي عن الشعبي أنه قال: يجوز شهادة السمع إذا قال: سمعته
يقول، وإن لم يشهده، وكذا روي عن عبيدة وإبراهيم قالا: شهادة السمع جائزة. قال
الطحاوي في (مختصره): يجوز للرجل إن شهد بما سمع إذا كان معايناً لمن سمعه منه وإن
لم يشهده على ذلك. فإن قلت: قد مر أن الشعبي لا يجيز شهادة المختبىء، وقوله: السمع
شهادة يعارضه؟ قلت: لاحتمال أن في شهادة المختبىء مخادعة، ولا يلزم من ذلك رد شهادة
السمع من غير قصد، وعن مالك نظيره، وهو أنه قال: الحرص على تحمل الشهادة قادح فإن
اختفى ليشهد فهو حرص.
وقال الحَسَنُ يَقُولُ لَمْ يُشْهِدُوني على شَيْءٍ وإِنِّي سَمِعْتُ كذَا وَكَذَا
تعليق الحسن البصري رواه ابن أبي شيبة عن حاتم بن وردان عن يونس عن الحسن،
قال: لو أن رجلاً سمع من قوم شيئاً فإنه يأتي القاضي فيقول: لم يشهدوني، ولكني سمعت
کذا و کذا.
٢٦٣٨/٢ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال سالِمٌ سَمِعْتُ عَبْدَ
الله بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ انْطَلَقَ رسولُ الله عَ لَّهِ وَأَبَيُّ بن كعبِ الأنْصَارِيُّ
يَؤُمَّنِ النَّخْلَ الَّتِي فِيها ابْنُ صَيَّادٍ حتَّى إِذَا دَخَلَ رسولُ اللهِ عَِّ طَفِقَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ يَنَّقي
بِجُذُوعِ النَّخْلِ وهْوَ يَخْتِلُ أنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صِيَّادٍ شَيْئاً قَبْلَ أنْ يَراهُ وابْنُ صِيَّادٍ مُضْطَجِعٌ
على فِرَاشِهِ في قَطِيفَةٍ لَهُ فيها رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ فَرأْتْ أُمُ ابنٍ صَيَّادِ النبيَّ عَ لّهِ وَهْوَ يَتَّقِي
بجذُوعِ النَّخْلِ فقالتْ لابْنِ صَيَّادٍ أَيْ صافٍ هذا مُحَمَّدٌ فَتَنَاهى ابنُ صيَّادٍ قال رسولُ الله
عَّ الِ لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ. [انظر الحديث ١٣٥٥ وأطرافه].

٢٧٨
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣)
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئاً قبل أن
يراه)).
والحديث مضى في كتاب الجنائز في: باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟
فإنه أخرجه هناك عن عبدان عن عبد الله عن يونس عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد
الله أن ابن عمر أخبره ... إلى آخره بأتم منه. وأخرجه هنا عن أبي اليمان الحكم بن نافع عن
شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك
مستوفى. ونذكر بعض شيء لبعد العهد منه.
قوله: ((يؤمان))، أي: يقصدان. قوله: ((طفقَ رسول الله، عَّلِ))، بكسر الفاء، من أفعال
المقاربة، معناه: أخذ في الفعل وجعل يفعل. قوله: ((يتقي))، خبر: طفق. قوله: ((وهو يختل))،
جملة وقعت حالاً، وهو بكسر التاء المثناة من فوق أي: يطلب ابن صياد مستغفلاً له ليسمع
شيئاً من كلامه الذي يتكلم به في خلوته، حتى يظهر للصحابة أنه كاهن، وأصل الختل
الخدع، يقال: ختله يختله: إذا خدعه وراوغه، وختل الذئب الصيد إذا اختفى له. قوله: ((في
قطيفة)) هي: كساء مخمل. قوله: ((رمرمة))، بالراءين، وهو الصوت الخفي. قوله: ((أو زمزمة))
شك من الراوي، وهو بالزايين المعجمتين. قوله: ((أي صاف))، يعني: يا صاف! وهو بالصاد
المهملة والفاء المضمومةٍ أو المكسورة أو الساكنة: ابن صياد. قوله: ((فتناهى))، قال ابن
الأثير: قيل: هو تفاعل من النهي: العقل، أي: رجع إليه عقله وتنبه من غفلته، وقيل: هو من
الانتهاء أي: انتهى عن زمزمته. قوله: ((لو تركته بين)) أي: لو تركته أمه بحيث لا عرف قدوم
رسول الله، عَِّ، ولم يندهش عنه، بيَّن لكم باختلاف كلامه ما يهون عليكم شأنه.
وقال المهلب: فيه: جواز الاحتيال على المستسرين في جحود الحق حتى يسمع
منهم ما يستسرون به ويحكم به عليهم، ولكن بعد أن يفهم عنهم فهماً حسياً مبيناً.
٢٦٣٩/٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيانُ عن الزُّهْرِيِّ عنْ عُرِوَةَ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ جاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ النبيَّ مَ لَّهِ فقالتْ كُنْتُ عِنْدَ
رِفَاعَةً فَطلقَنِي فأبتَّ طَلاقِي فَتَزوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بِنَ الزُّبَيْرِ إِنََّا معَهُ مِثْلُ هُذْبةِ الثَّوْبِ فقال
أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلى رِفَعَةً لا حتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وأبو بَكْرِ جَالِسٌ عِنْدَهُ
وخالدُ بنُ سَعِيدِ بنِ العاصِ بالبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فقال يا أبَا بَكْرٍ أَلاَ تَسْمَعُ إلَى هَذِهِ ما
تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النبيّ عَّله. [الحديث ٢٦٣٩ - أطرافه في: ٥٢٦٠، ٥٢٦١، ٥٢٦٥،
٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وخالد بن سعيد ... )) إلى آخر الحديث، بيان ذلك
أن خالداً أنكر على امرأة رفاعة ما تلفظت به عند النبي، عَّه، ولم ينكر عليه النبي، عَ لّه،
على ذلك، وكان إنكار خالد عليها لاعتماده على سماع صوتها، وهذا هو حاصل ما يقع من
شهادة السمع، لأن خالداً مثل المختفي عنها. وعبد الله بن محمد المعروف بالمسندي، وقد

٢٧٩
٥٢ - كتابُ الشَّهَداتِ / باب (٣)
تكرر ذكره، وسفيان هو ابن عيينة.
والحديث أخرجه مسلم في النكاح عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد والترمذي
فيه عن ابن عمر وإسحاق بن إبراهيم وابن ماجه في النكاح عن أبي بكر بن أبي شيبة، ستتهم
عن سفيان به.
قوله: ((جاءت امرأة رفاعة))، اسم المرأة: تميمة بنت وهب، ولم يقع في رواية البخاري
ولا في رواية غيره من مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه تسمية امرأة رفاعة، وقد سماها
مالك في روايته: تميمة بنت وهب، وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب): ولا أعلم لها غير
قصتها مع رفاعة بن سموأل حديث العسيلة من حديث مالك في (الموطأ) وكذا قال الطبراني
في (المعجم الكبير): لها ذكر في قصة رفاعة، ولا حديث لها، وأما زوجها الأول فهو رفاعة
ابن سموأل القرظي، من بني قريظة. قال ابن عبد البر: ويقال: رفاعة بن رفاة، وهو أحد العشرة
الذين فيهم نزلت: ﴿ولقد وصَّلنا لهم القول .. ﴾ [القصص: ٥١]. الآية، كما رواه الطبراني
في (معجمه) وابن مردويه في (تفسيره) من حديث رفاعة بإسناد صحيح، وأما زوجها الثاني
فهو عبد الرحمن بن الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة، بلا خلاف ـ ابن باطا، وقيل:
باطيا، من بني قريظة. وأما ما ذكره ابن منده وأبو نعيم في كتابيهما (معرفة الصحابة): أنه من
الأنصار من الأوس، ونسباه إلى عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن
عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس فغير جيد، وقيل: اسم المرأة سهيمة، وقيل:
الغميصاء، وقيل: الرميصاء.
قلت: لما أخرج الترمذي حديث امرأة رفاعة القرظي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها،
قال: وفي الباب عن ابن عمر وأنس والرميصاء أو الغميصاء، فهذا يدل على أنهما غير المرأة
التي تزوجت بابن الزبير. أما حديث ابن عمر فأخرجه النسائي وابن ماجه عنه عن النبي،
عَِّ، في الرجل يكون له المرأة ثم يطلقها، ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها،
فترجع إلى زوجها الأول، قال: ((لا حتى تذوق العسيلة)). وأما حديث أنس فرواه البيهقي من
رواية محمد بن دينار عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن رجل تزوج
امرأة وكان قد طلقها زوجها - فلم يدخل بها الثاني، فقال: سئل رسول الله، عَ لَّه، فقال: ((لا
تحل له حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته)). وأما حديث الرميصاء أو الغميصاء، فهو من
حديث عائشة رواه الطبراني في (الكبير) بإسناد صحيح من رواية حماد بن سلمة عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله، عَ له، قال للغميصاء: ((لا،
حتى يذوق من عسيلتك وتذوقي من عسیلته)).
وروى النسائي بسند جيد عن عبد الله بن عباس أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي،
عَّهِ، تشتكي زوجها، وأنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها، فقال: يا رسول الله إنها
كاذبة وهو يصل إليها ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: ((ليس ذلك لها حتى
تذوق عسیلته)).

٢٨٠
٥٢ - كتابُ الشَّهاداتِ / باب (٣)
قلت: وفي الباب. روى بكر بن معروف عن مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿فإن .
طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. نزلت في عائشة بنت
عبد الرحمن بن عتيك النضري، كانت تحت رفاعة، يعني: ابن وهب، وهو ابن عمها
فتزوجها ابن الزبير ثم طلقها، فأتت رسول الله، عَ له، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي طلقني
قبل أن يمسني، أفأرجع إلى ابن عمي؟ فقال: ((لا، حتى يكون مس)). فلبثت ما شاء الله ثم
أتت، فقالت: يا رسول الله! إن زوجي الذي كان تزوجني بعد زوجي كان مسني، فقال
رسول الله، عَّل: ((كذبت بقولك الأول فلن أصدقك في الآخر)) فلبثت، فلما قبض رسول
الله، عَ له: أنت أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فإن الآخر قد
مسني؟ فقال لها أبو بكر: قد عهدت رسول الله، عَ لّه، حين قال لك: فلا ترجعي إليه، فلما
قبض أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، جاءت عمر، رضي الله تعالى عنه، فقال: إن أتيتني بعد
مرّتك هذه لأرجمنك.
قوله: ((فبت طلاقي))، بالباء الموحدة المفتوحة وتشديد التاء المثناة من فوق أي: قطع
قطعاً كلياً بتحصيل البينونة الكبرى، وهكذا رواية الجمهور: بت، من الثلاثي المجرد، وفي
رواية النسائي: فأبت طلاقي، من المزيد فيه، وهي لغة ضعيفة. وقال الجوهري حكاية عن
الأصمعي: لا يقال: يبت، قال: وقال الفراء: هما لغتان، ويقال: بته يبته، بضم الباء في
المضارع وحكى: يبته، بالكسر. قال الجوهري: وهو شاذ، وفي رواية أبي نعيم من حديث
ابن عباس: كانت أمية بنت الحارث عند عبد الرحمن بن الزبير فطلقها ثلاثاً ... الحديث،
وهنا صرح بالثلاثة، وفي رواية للبخاري، على ما يأتي: أن رفاعة طلقني آخر ثلاث تطليقات،
فبان منه أن الثلاث كانت متفرقات، وأن المراد بقوله هنا: ((فبت طلاقي)) هي الطلقة الثالثة
التي تحصل بها البينونة الكبرى.
قوله: ((مثل هدية الثوب))، بضم الهاء وسكون الدال: وهي طرفه الذي لم ينسج،
شبهوها بهدب العين وهو شعر الجفن، وفي رواية لمسلم: ((فأخذت هدية من جلبابها، فتبسم
رسول الله، عَّ فقال خالد: ألا تزجر هذه؟)) وفيه: ((قالت عائشة: وعليها خمار أخضر فشكت
إليها وأرتها خضرة بجلدها))، وفيه: ((فجاء ابن الزبير ومعه إبنان له من غيرها، فقالت: والله ما
لي إليه من ذنب، إلاَّ أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه))، وأخذت هدبة من ثوبها، فقال:
كذبَت يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها ناشز تريد رفاعة، فقال رسول
الله، عَّةٍ: ((فإن كان ذلك لم تحلي له، أو لم تصلحي له حتى يذوق من عسيلتك)). وفي
(تهذيب) الأزهري، قال النبي، عَّل لامرأة سألت عن زوج تزوجته لترجع إلى زوجها الأول،
فلم ينتشر ذكره للإيلاج: ((لا، حتى تذوقي عسيلته)). وفي (المصنف) عن عامر، قال: قال
علي، رضي الله تعالى عنه: ((لا تحل له حتى يهزها هزيز البكر))، وقال أنس، رضي الله تعالى
عنه: ((لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني ويدخل بها))، وقال ابن مسعود، رضي الله تعالى
عنه: (حتى يسفسفها به)). قلت: كأنه من: سفسفت الريح التراب، إذا أثارته، أو من السفسفة