Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١)
ذكر معناه: قوله: ((ابنُ أُختي))، يعني: يا ابن أختي، وحرف النداء محذوف، وفي
رواية مسلم: والله يا ابن أختي، وأم عروة أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي أخت عائشة
بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنهم. قوله: ((إن كنا)) إن، هذه مخففة من: إنَّ المثقلة فتدخل
على الجملتين، فإن دخلت على الإسمية جاز إعمالها خلافاً للكوفيين، وإن دخلت على
الفعلية وجب إهمالها، والأكثر أن يكون الفعل ماضياً ناسخاً، وههنا كذلك، لأنها دخلت
على الماضي الناسخ، لأن: كان، من النواسخ، واللام في: لننظر، عند سيبويه والأكثر من لام
الابتداء دخلت لتوكيد النسبة وتخليص المضارع للحال، وللفرق بين: إن، المخففة من
المثقلة و: إن، النافية، ولهذا صارت لازمة بعد أن كانت جائزة، وزعم أبو علي وأبو الفتح
وجماعة: أنها لام غير لام الابتداء اجتلب للفرق.
قوله: ((ثلاثة أهلة))، بالنصب تقديره: نرى ثلاثة أهلة ونكملها في شهرين باعتبار رؤية
الهلال في أول الشهر الأول، ثم برؤيته في أول الشهر الثاني، ثم برؤيته في أول الشهر الثالث،
فيصدق عليه: ثلاثة أهلة، ولكن المدة ستون يوماً. وفي (الرقاق) من طريق هشام بن عروة
عن أبيه بلفظ: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً، وفي رواية ابن ماجه من طريق أبي
سلمة عن عائشة بلفظ: لقد كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته
الدخان. قوله: ((وما أوقدت)): على صيغة المجهول من الإيقاد. قوله: ((يا خالة))، بضم التاء،
لأنه منادى مفرد. قوله: ((ما كان يعيشكم))، بضم الياء من: أعاشه الله تعالى عيشة، وقال
النووي: بفتح العين وكسر الياء المشددة. قال: وفي بضع النسخ المعتمدة، يعني في نسخ
مسلم: فما كان يقيتكم - من القوت - صرح بذلك القونوي في (مختصر شرح مسلم) وقال
بعضهم: وفي بعض النسخ: ما يغنيكم، بسكون المعجمة بعدها نون مكسورة، ثم تحتانية
ساكنة. انتهى. قلت: كأنه صحف عليه فجعله من الإغناء، وليس هو إلاّ من القوت، فعلى
قوله تكون هذه رواية رابعة فتحتاج إلى البيان. قوله: ((الأسودان: الماء والتمر))، وهو من
باب التغليب: إذ الماء ليس أسود، وأطلقت عائشة على التمر أسود لأنه غالب تمر المدينة.
وقال ابن سيده: فسر أهل اللغة الأسودين بالماء والتمر، وعندي إنما أرادت الحرة والليل، قيل
لهما: الأسودان، لاسودادهما، وذلك أن وجود التمر والماء عندهم شبع وري وخصب، وإنما
أرادت عائشة أن تبالغ في شدة الحال بأن لا يكون معها إلاَّ الليل والحرة، وهذا أذهب في
سوء الحال من وجود التمر والماء. وقيل: الأسودان الماء واللبن، وضاف مرثد المدني، رضي
الله تعالى عنه، قوم فقال لهم: ما لكم عندنا إلَّ الأسودان، قالوا: إن في ذلك لمقنعاً: الماء
والتمر. فقال: ما ذلك أردت والله، إنما أردت: الحرة والليل. قلت: الحرة، بفتح الحاء
المهملة وتشديد الراء: البقل الذي يؤكل غير مطبوخ.
:
+
قوله: ((منائح))، جمع منيحة، بفتح الميم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي
آخره حاء مهملة، وهي: ناقة أو شاة تعطيها غيرك ليحتلبها، ثم يردها عليك، وقد تكون
المنيحة عطية للرقبة بمنافعها مؤبدة مثل الهبة، وقال الفراء: منحته منيحة، وهي الناقة والشاة

١٨٢
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٢)
يعطيها الرجل لآخر يحلبها ثم يردها، وزعم بعضهم أن المنيحة لا تكون إلاَّ ناقة. وقال أبو
عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أن يعطي الرجل صاحب صلة فيكون له، وأن يمنحه
ناقة أو شاة ينتفع بحلببها ووبرها وصوفها زمناً ثم يردها. وقال إبراهيم الحربي: العرب تقول:
منحتك الناقة، وأنحلتك الوبر، وأعريتك النخلة، وأعمرتك الدار، وهذه كلها هبة منافع يعود
بعدها مثلها. قوله: ((يمنحون))، من المنح وهو العطاء، يقال: منحه يمنحه، من باب: فتحه
يفتحه، ومنحه يمنحه من باب: ضربه يضربه، والاسم: المنحة: بالكسر، وهي العطية.
وفي الحديث: زهذ النبي عَّم في الدنيا والصبر على التقلل، وأخذ البلغة من العيش
إيثار الآخرة على الدنيا. وفيه: حجة لمن آثر الفقر على الغنى. وفيه: أن السنة مشاركة الواجد
المعدم.
٢ - بابُ القَلِيلِ مِنَ الهِبَةِ
أي: هذا باب في بيان القليل من الهبة، وأراد به أن المهدى إليه بشيء قليل لا يستقله
ولا يرده لقلته.
٢٥٦٨/٣ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيّ عنْ شُعْبَةَ عنْ سُلَيْمَانَ
عِنْ أبِي حازِمٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ يَّهِ قال لوْ دُعِيتُ إلَى ذِرَاعٍ أوْ
كُرَاعٍ لأجَبْتُ ولوْ أَهْدِيَ إلَيَّ ذِراعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ. [الحديث ٢٥٦٨ - طرفه في:
٥١٧٨].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت)) وذلك يدل
على أن القليل من الهدية جائز ولا يرد، والهدية في معنى الهبة من حيث اللغة كما ذكرنا.
وابن أبي عدي هو محمد بن أبي عدي واسمه إبراهيم البصري. وسليمان هو الأعمش. وأبو
حازم هو سليمان الأشجعي.
والحديث من أفراده وأخرجه في الأنكحة بلفظ: لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت،
والكراع من حد الرسغ، وهو في البقر والغنم بمنزلة الوظيف في الفرس والبعير، وهو مستدق
الساق، يذكر ويؤنث، وادعى ابن التين أن الكراع من الدواب ما دون الكعب من غير
الإنسان، ومن الإنسان ما دون الركبة، وعن ابن فارس: كراع كل شيء طرفه. وقال أبو عبيد:
الأكارع قوائم الشاة، وأكارع الأرض أطرافها القاصية، شبه بأكارع الشاة أي: قوائمها، وقال
بعضهم: قيل: الكراع اسم مكان. قلت: الذي قاله هو الغزالي، ذكره في (الإحياء) بلفظ:
كراع الغميم، وترد ذلك رواية الترمذي من حديث أنس مرفوعاً: لو أهدي إلي كراع لقبلته،
ثم صححه وادعى صاحب (التنقيب على التهذيب) أن سبب هذا الحديث أن أم حكيم
الخزاعية قالت: يا رسول الله! أتكره الهدية؟ فقال، عَّ له: ما أقبح رد الهدية، لو دعيت إلى
كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت. قلت: الحديث رواه الطبراني رحمه الله. وقال
ابن بطال: أشار النبي، عَّه، بالكراع والفرسن إلى الحض على قبول الهدية، ولو قلَّت لئلا

١٨٣
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٣)
يمتنع الباعث من المهاداة، لاحتقار المهدى إليه. انتهى. والذراع أفضل من الكراع، وكان،
عَِّ، يحب أكله، ولهذا سمَّ فيه، وإنما كان يحبه لأنه مبادي الشاة وأبعد من الأذى.
٣ - بابُ مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَضْحَابِهِ شَيْئاً
أي: هذا باب في بيان من استوهب من أصحابه شيئاً، سواء كان عيناً أو منفعة.
والجواب محذوف تقديره: جاز، بغير كراهة إذا كان يعلم طيب خاطرهم.
وقال أبو سَعيدٍ قال النبيُّ عَّهِ اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْماً
هذا التعليق قطعة من حديث أبي سعيد الخدري في الرقية، أخرجه البخاري موصولاً
بتمامه في كتاب الإجارة في: باب ما يعطى في الرقية، بفاتحة الكتاب.
٤ /٢٥٦٩ - حدّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قال حدَّثنا أبو غَسَّانَ قال حدَّثني أبو حازِمٍ عنْ
سَهْلٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّهِ أَرْسَلَ إلى امْرَأةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وكانَ لَهَا غُلامٌ
نَجَّارٌ قال لها مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنا أَعْوَادَ المِنْبَرِ فأمَرَتْ عَبْدَهَا فَذَهَبَ فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ
فِصَنَعَ لَهُ مِنْبَراً فَلَمَّا قَضَاهُ أَرْسَلَتْ إلى النبيِّ عَ لَّهِ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ قال عَُّلَّهِ أَزْسِلِي بِهِ إِلَيَّ
فَجَاؤُوا بِهِ فاحْتَمَلَهُ النبيُّ عَِّ فَوَضَعَهُ حِيْثُ تَرَوْنَ. [انظر الحديث ٣٧٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((أن النبي عَّةٍ أرسل إلى امرأة ... )) إلى آخره فإن
إرساله عَّ لهُ إليها وقوله لها بأن تأمر غلامها يعمل أعواد المنبر استيهاب فيه من المرأة.
وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي المصري، وأبو
غسان، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبالنون: واسمه محمد بن مطرف الليثي،
وأبو حازم سلمة بن دينار وسهل بن سعد الأنصاري الساعدي.
والحديث قد مضى في كتاب الجمعة في باب الخطبة على المنبر، وقد مر الكلام
فيه هناك مستوفىّ.
قوله: ((أرسل إلى امرأة من الأنصار))، وفي كثير من النسخ: إلى امرأة من المهاجرين،
وقال ابن التين: أكثر الروايات أنها من الأنصار، ولعلها كانت هاجرت وهي مع ذلك أنصارية
الأصل، وفي أصل ابن بطال أيضاً من الأنصار. قوله: ((فليعمل أعواد)) أي: ليفعل لنا فعلاً في
أعواد من نجر وتسوية وخرط يكون منها منبر. قوله: ((فلما قضاه))، أي: صنعه وأحكمه، وقال
الخطابي: العبارة عما يعالج من الأشياء ويعتمل تقع بثلاثة ألفاظ هي: الفعل والصنع والجعل،
وأجمعها في المعنى: الفعل، وأوسعها في الاستعمال: الجعل، وأخصها في الترتيب: الصنع.
تقول: فعل فلان خيراً، وفعل شراً، ولفظ الجعل يسترسل على الأعيان والصفات، ولفظ الصنع
يستعمل غالباً فيما يدخله التدبير.
٢٥٧٠/٥ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ أَبِي

١٨٤
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٤)
حازِمٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ عنْ أبيهِ رضي الله تعالى عنه قال كُنْتُ يَوْماً جالساً
مَعَ رِجالٍ منْ أصْحابِ النبيِّ عَِّ فِي مَنْزِلٍ فِي طَريقِ مَكّْةَ ورسولُ اللهِ عَلِ نازِلٌ أمامَنا
والقَوْمُ مُخْرِمُونَ وأَنَا غَيْرُ مُخْرِمٍ فأبْصَرُوا حِمَاراً وخشياً وأنا مَشْغُولٌ أخْصِفُ نعلِي فَلَمْ
يُؤْذُنونِي بِهِ وأحَبُوا لوْ أَنِّي أبْصَرْتُهُ فالْتَفَتُّ فأبْصَرْتُهُ فِقُمْتُ إلَى الفَرَسِ فأسْرَجْتُهُ ثُمَّ رَكِبْتُ
ونَسِيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ فَقُلْتُ لَهُمْ ناوِلُونِي السَّوْطَ والرُّمْحَ فقالوا لا والله لا نُعِينُكَ عَلَيْهِ
بِشَيْءٍ فَغَضِبْتُ فَتَزَلْتُ فأخَذْتُهُما ثُمَّ رَكِبْتُ فَشَدَدْتُ علَى الحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وقَدْ
ماتَ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكّوا في أكْلِهِمْ إِيَّهُ وهُمْ حُرُمٌ فَرُحْنَا وخَبَأْتُ العَضُدَ مَعي
فأدْرَكْنا رسولَ الله عَِّ فَسَأَلْنَاهُ عنْ ذُلِكَ فَقال معَكُمْ مِنْهُ شَيْءٍ فَقُلْتُ نَعَمْ فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ
فأكَلَهَا حتَّى نَفَّدَهَا وهْوَ مُخْرِمٌ فحدَّثنِي بِهِ زْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسارٍ عنْ أَبِي قَتَادَةَ
عنِ النبيِّ عَ ◌ّهِ. [انظر الحديث ١٨٢١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فقال: معكم شيء؟)) فإنه في معنى الاستيهاب من
الأصحاب، قال ابن بطال: استيهاب الصيد حسن إذا علم أن نفسه تطيب به، وإنما طلب
عٍَّ من أبي سعيد، وكذا من أبي قتادة وغيرهم ليؤنسهم به ويرفع عنهم اللبس في توقفهم
في جواز ذلك، وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي العامري الأويسي
المديني، وقد تكرر ذكره، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، وأبو حازم هو
سلمة بن دينار وأبو قتادة اسمه الحارث السلمي، بفتح السين واللام الأنصاري الخزرجي.
والحديث قد مضى في كتاب الحج في: باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم
الصيد فأكله، ومضى أيضاً في ثلاثة أبواب عقيبه، كلها متوالية، وقد مر الكلام فيه هناك
مستوفیّ.
قوله: ((ورسول الله)، الواو، فيه والواو في: والقوم، والواو في: وأنا غير محرم، كلها
للحال. قوله: ((وأنا مشغول أخصف نعلي)) جملة حالية أيضاً، ومعنى: أخصف؛ أخرز. قال
تعالى: ﴿وطفقا يخصفان﴾ [الأعراف: ٢٢، وطه: ١٢١]. أي: يلزقا البعض بالبعض. قوله:
((فعقرته)) من العقر وهو الجرح، ولكن المراد ههنا عقره عقراً شديداً حتى مات منه. قوله: ((ثم
جئت به))، أي: بالحمار المذكور. قوله: ((وهم حرم))، جملة حالية. قوله: ((حتى نفدها))،
بتشديد الفاء وبإهمال الدال: يريد أكلها حتى أتى عليها، يقال: نفد الشيء إذا فني، وروي
بكسر الفاء المخففة، ورده ابن التين. قوله: ((فحدثني به))، قائل هذا هو محمد بن جعفر
الراوي عن أبي حازم، أي: حدثني بهذا الحديث زيد ابن أسلم أبو أسامة أيضاً عن عطاء بن
يسار - ضد اليمين - أبي محمد الهلالي مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي عَّهُ عن أبي
قتادة المذكور عن النبي صَ لّهِ.
٤ - بابُ مَنِ اسْتَشقى
أي: هذا باب في بيان حكم من استسقى ماءاً ولبناً وغيرهما، وجوابه محذوف

١٨٥
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (٤)
تقديره: ما حكمه؟ وحكمه: يجوز له ذلك مما تطيب به نفس المطلوب منه.
وقال سَهْلٌ قَالَ لِيَ النبيُّ عَلِّ اسْقِني
سهل هو ابن سعد الأنصاري، وهذا التعليق طرف من حديث أوله: ذكر للنبي
امرأة من العرب، فأمر أبا السيد أن يرسل إليها ... الحديث، وفيه: فقال النبي عَ لَّه: إسقنا يا
سهل.
٢٥٧١/٦ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قال حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ بِلالٍ قال حدَّثني أَبُو
طُوالَةَ اسْمُهُ عَبْدُ الله بنُ عبْدِ الرَّحْمنِ قال سَمِعْتُ أنَساً رضي الله تعالى عنهُ يقُولُ أتانا رسولُ
الله عَ لَّه في دارِنا هذِهِ فاسْتَشْقَى فَحَلَتْنَا لَهُ شَاةً لَنا ثُمَّ شُبْتُهُ مِن ماءِ بِثِرِنا هذِهِ فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو
بَكْرٍ عنُ يَسارِهِ وَعُمَرُ تُجَاهَهُ وأَعْرَابِيٌّ عنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قال عُمَرُ هذا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْطى
الأعْرَابِيَّ فَضْلَهُ ثُمَّ قال الأيمَنُونَ أَلاَ فَيَمِّنُوا قال أنَسٌ فَهْيَ سُنَّةٌ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. [انظر الحديث
٢٣٥٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فاستسقى)).
وخالد بن مخلد، بفتح الميم واللام: القطواني الكوفي، مر في العلم، وأبو طوالة،
بضم الطاء المهملة وتخفيف الواو: الأنصاري قاضي المدينة، وكان يسرد الصوم.
والحديث أخرجه مسلم في الأشربة عن القعنبي وعن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن
حجر.
قوله: ((ثم شبته))، أي: خلطته، من الشوب وهو الخلط. قوله: ((من ماء))، وقد تقدم
في كتاب الشرب: شبته بماء، وكلاهما صحيح، لأن حرف الجر يقوم مقام أخيه. قوله: ((وأبو
بكر عن يساره))، جملة وقعت حالاً وكذلك قوله: ((وعمر تجاهه))، أي: مقابله، وأصله:
وجاهه، قلبت الواو تاء كما في التكلان أصله الوكلان. قوله: ((فأعطى الأعرابي)). قال ابن
التين: قيل: إنه خالد بن الوليد، قلت: وفيه نظر. قوله: ((الأيمنون)) مبتدأ وخبره محذوف
تقديره: الأيمنون مقدمون، ((والأيمنون)) الثاني للتأكيد. قوله: ((ألا))، كلمة تنبيه وتحضيض،
وبعض المعربين يقولون: كلمة استفتاح، والأصل الأول. ((فيمِنوا)) أمر من التيمين، وهذا
تأكيد بعد تأكيد، ووقع في رواية مسلم من الوجه الذي ذكره البخاري موضع: فيمنوا،
الأيمنون. فذكره ثلاث مرات، وعلى هذا شرح ابن التين، كأنه في نسخته مثل ما في نسخة
مسلم: الأيمنون ثلاث مرات، ولهذا قال أنس، رضي الله تعالى عنه: ((فهي سنة، ثلاث
مرات)).
وفيه: أنه لا بأس بطلب ما يتعارف الناس بطلب مثله من شرب الماء واللبن وما تطيب
به النفوس، ولا يتشاح فيه، ولا سيما أن زمن النبي عَّ له زمن مكارمة ومسامحة، وقد وصفهم
الله تعالى بأنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم، وإنما أعطى الأعرابي ولم يستأذنه كما استأذن

١٨٦
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٥)
الغلام ليتألفه بذلك لقرب عهده بالإسلام. وفيه: أن السنة لمن استسقى أن يسقي من على
يمينه، وإن كان مَن على يساره أفضل ممن جلس على يمينه. وفيه: في قوله: ((فاستسقى))
جواز ذلك ولا دناءة فيه، بخلاف طلب الأكل. وفيه: جواز المسألة بالمعروف على وجه
الفقر. وفيه: إتيان دار من يصحبه اقتداء به عَّ له. وفيه: شرب اللبن المخلوط بالماء. وفيه:
جلوس القوم على قدر سبقهم.
٥ - بابُ قُبُولِ هَدِيَّةِ الصَّيْدِ
أي: هذا باب في بيان جواز قبول هدية الصيد، أي: هدية صائد الصيد، لأنه هو الذي
يهدي، والصيد نفسه لا يَهْدِي، بكسر الدال، بل يُهدَى، بفتحها.
وقَبِلَ النبيُّ عَ ◌ّهِ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ عضُدَ الصَّيْدِ
هذا التعليق ذكره موصولاً في: باب من استوهب من أصحابه شيئاً، قبل الباب السابق.
٧ / ٢٥٧٢ - حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ هِشامٍ بِنِ زَيْدِ بنِ أَنَسٍ
بنِ مالِكِ عنْ أنَس رضي الله تعالى عنهُ قال أنْفجْنا أَرْنَباً بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَسَعى القَوْمُ فَلَغَبُوا
فأدْرَكْتُها فأخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَها وَبَعَثَ بِهَا إلى رسولِ اللهِ عَّلَّه بِوَرِكِها أوْ
فَخِذَيْهَا قال فَخِذَيْها لا شَكَّ فيهِ فَقَبِلَهُ قُلْتُ وأكَلَ مِنْهُ قال وأكلَ مِنْهُ ثُمَّ قال بَعْدُ قَبِلَهُ.
[الحديث ٢٥٧٢ - طرفاه في: ٥٤٨٩، ٥٥٣٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فقبله)) وهو ظاهر.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الذبائح عن أبي الوليد وعن مسدد عن يحيى
القطان. وأخرجه مسلم في الذبائح عن أبي موسى وعن زهير بن حرب وعن يحيى بن
حبيب. وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن موسى بن إسماعيل، وأوله: كنت غلاماً حزوراً
قصدت أرنباً. وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي في الصيد عن
إسماعيل بن مسعود. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن بشار.
ذكر معناه: قوله: ((أنفجنا))، بالنون والفاء والجيم، أي: أثرناه من مكانه، قال الجوهري:
نفج الأرنب إذا ثار، وأنفجته أنا، والإنفاج الإثارة، يقال: أنفجت الأرنب في جحره أي: أثرته
فثار، وأصله من: أنفجت الأرنب إذا وثبت فوسعت الخطوة. قال الخليل: نفج اليربوع ينفج
وينفج نفوجاً، وينتفج، وهو أرجى عدوه، والأرنب حيوان معروف، وكلام الجوهري يقتضي
أنه مذكر، فإنه قال: إذا ثار، ولم يقل: ثارت. وكذا قال في باب الباء: الأرنب، واحد
الأرانب، ولم يقل: واحدة الأرانب. والذي في حديث الباب يقتضي تأنيثه، وهي الضمائر
التي في ((أدركتها)) إلى آخره، وهكذا ذكره بعض أهل اللغة بأنه مؤنثة، والصحيح أنه يكون
للمذكر والأنثى، وبه صدر كلامه صاحب (المحكم). ثم قال: والأرنب الأنثى والخزر
الذكر. وقال الجوهري في باب الزاي: الخزز ذكر الأرانب، والجمع: خزان، مثل صرد

١٨٧
٥١ - كتابُ الهِبَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٥)
وصردان.
قوله: ((بمر الظهران))، الباء فيه تتعلق: بأنفجنا، ومر الظهران، بفتح الميم وتشديد الراء
وفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء، قال النووي: هو موضع قريب من مكة. انتهى. وهو الذي
يعرف اليوم: ببطن مر، قال الجوهري: وبطن مر، موضع، وهو من مكة على مرحلة. وقال
الكرماني: ومر، بفتح الميم وتشديد الراء: قرية ذات نخل وزرع، والظهران، بفتح المعجمة
وسكون الهاء وبالراء والنون: اسم للوادي، وهو على خمسة أميال من مكة إلى جهة المدينة.
وقال البكري: مر مضاف إلى: الظهران، وبينه وبين البيت ستة عشر ميلاً. وقال سعيد بن
المسيب: كانت منازل عك مر الظهران، ويبطن مر تخزعت خزاعة عن أخواتها فبقيت بمكة،
وسارت أخوتها إلى الشام أيام سيل العرم. وقال كثير عزة: سميت مر لمرارة مائها. قوله:
((فلغبوا))، بفتح الغين المعجمة وكسرها وبالفتح أشهر، ومعناه: تعبوا. وقال الكرماني: وفي
بعض الرواية: فتعبوا، من التعب وهو الإعياء. وقال الأصمعي: تقول العرب: لغبت ألغب لغوباً:
أعييت. وقال الداودي: لغبوا عطشوا، وقال ابن التين: ولم يذكره غيره. قوله: ((أبا طلحة))،
هو زوج أم أنس، رضي الله تعالى عنه، واسمها: أم سليم.
قوله: ((بوركها))، بفتح الواو وكسر الراء، وبكسر الواو وإسكان الراء: هو ما فوق
الفخذ، وهو بكسر الخاء وسكونها. قوله: ((أو فخذيها))، شك من الراوي. قوله: «قال فخذیھا
لا شك فيه))، وفاعل: قال، هو: شعبة، لأن ابن بطال قال: شعبة فخذيها لا شك فيه، ثم
قال: فيه دليل على أن شعبة شك في الفخذين أولاً ثم استيقن، وكذلك شك أخيراً في
الأكل فأوقف حديثه على القبول. قلت: يشير بهذا إلى أنه لا يشك في فخذيها، وإنما الشك
بين الوركين والفخذين. قوله: ((ثم قال بعد قبله))، أشار به إلى أنه شك في أكله ولم يشك
في قبوله، وفي (التوضيح): شعبة شك في الفخذين أولاً ثم استيقن، وكذلك شك أخيراً في
الأكل. قلت: ولم يشك في القبول.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: إباحة السعي لطلب الصيد. فإن قلت: روى أبو داود
والترمذي والنسائي من حديث ابن عباس: ((من تبع الصيد غفل)). قلت: المراد به: من تمادى
به طلب الصيد إلى أن فاتته الصلاة أو غيرها من مصالح دينه ودنياه. وفيه: أنه إذا طلب جاعة
الصيد فأدركه بعضهم وأخذه يكون ملكاً له، ولا يشاركه فيه من شاركه في طلبه، وفيه في
لفظ الترمذي وغيره: ((فذبحها بمروة))، صحة الذبح بالمروة ونحوها إذا كان لها حد يذكى به
الصيد، فإن قتله بثقله لم يحل. وفيه: أنه لا بأس بإهداء الصاحب لصاحبه الشيء اليسير، وإن
كان المهدى إليه عظيماً، إذا علم من حاله محبة ذلك منه. وفيه: الإخبار عمن أهدي إليه
شيء مما يؤكل فقبله، أنه أكله، كما فعل أنس. وفيه: إباحة أكل الأرنب، وهو قول الأئمة
الأربعة وكافة العلماء إلاَّ ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن أبي
ليلى وعكرمة مولى ابن عباس: أنهم كرهوا أكلها.
وقال الترمذي: وقد كره بعض أهل العلم أكل الأرنب، وقالوا: إنها تدمي. انتهى.

١٨٨
٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٦)
قلت: رواية عن أصحابنا كراهة أكله، والأصح قول العامة. وورد في إباحته أحاديث كثيرة.
منها: حديث جابر بن عبد الله، رواه البيهقي: ((أن غلاماً من قومه صاد أرنباً فذبحها بمروة،
فعلقها، فسأل رسول الله عَ لّه، عن أكلها، فأمره بأكلها. ومنها: حديث عمار بن ياسر، رواه
أبو يعلى في (مسنده) والطبراني في (الكبير) من رواية ابن الحوتكية: أن رجلاً سأل عمر،
رضي الله تعالى عنه، عن الأرنب؟ فأرسل إلى عمار، فقال: ((كنا مع رسول الله عَّه ونزلنا في
موضع كذا وكذا، فأهدى له رجل من الأعراب أرنباً فأكلناها، فقال الأعرابي: إني رأيت دماً.
فقال النبي عَّله: لا بأس)). وحديث محمد بن صفوان رواه النسائي وابن ماجه من رواية
الشعبي عنه: أنه مر على النبي عَّلِّ بأرنبين فعلقهما، فقال: يا رسول الله! إني أصبت هذين
الأرنبين فلم أجد حديدة أذكيهما بها، فذكيتهما بمروة، أفآكل؟ قال: ((كُلْ))، لفظ ابن ماجه
رحمه الله. وحديث محمد بن صيفي، رواه ابن أبي شيبة من رواية الشعبي عنه، قال: ((أتيت
النبي عَِّ بأرنبين فذبحتهما بمروة، فأمرني بأكلهما)). وحديث ابن عباس رواه الطبراني في
(المعجم الكبير) من رواية أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: سمعت ابن عباس: يقول:
((أهديت لرسول الله عَ ل أرنباً وعائشة نائمة، فرفع لها منها الفخذ فلما انتبهت أعطاها إياه
فأكلته. وحديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود من رواية محمد عن خالد عن أبيه خالد بن
الحويرث: ((أن عبد الله بن عمرو كان بالصفاح قال محمد: مكان بمكة وأن رجلاً جاء بأرنب
قد صادها، فقال: يا عبد الله بن عمرو! ما تقول؟ قال: قد جيء بها إلى رسول الله عَّه وأنا
جالس، فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها، وزعم أنها تحيض. وحديث عمر وأبي الدرداء وأبي
ذر، رضي الله تعالى عنهم، رواه البيهقي في (سننه) من رواية حكيم بن جبير عن موسى بن
طلحة قال عمر لأبي ذر وعمار وأبي الدرداء: ((أتذكرون يوم كنا مع رسول الله عَِّ بمكان
كذا وكذا فأتاه أعرابي بأرنب؟ فقال: يا رسول الله! إني رأيت بها دماً، فأمرنا بأكلها ولم
يأكل، قالوا: نعم ... )) الحديث. وحديث أبي هريرة رواه النسائي عنه، قال: ((جاء أعرابي إلى
النبي عَّ هِ بأرنب قد شواها، فلم يأكل، وأمر القوم أن يأكلوا ... )) الحديث. وحديث خزيمة
ابن جزء، رواه ابن ماجه عنه، قال: ((قلت: يا رسول الله! جئت لأسألك عن أجناس الأرض،
وفيه: قلت يا رسول الله! ما تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرمه. قلت: فإني آكل ما
لم يحرم، ولِمَ يا رسول الله؟ قال: تبينت أنها تدمي)). وحديث عبد الله بن معقل، رواه
الطبراني عنه أنه: ((سأل رسول الله عَّلَّه، فذكر حديثاً، قلت: يا رسول الله! ما تقول في
الأرنب؟ قال: لا آكلها ولا أحرمها.
٦ - باب قبول الهديَّة
٢٥٧٣/٨ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ
عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَشْعُودٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ عنِ الصَّعْبِ بنِ جَثَّمَة رضي الله تعالى
عنهُم أنَّهُ أَهْدَى لرسولِ الله عَلِّ حِمَاراً وخشياً وهُوَ بالأبواءِ أَوْ بَودَّانَ فَرَدَّ عليْهِ فَلَمَّا رأى ما

١٨٩
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٧)
في وجْهِهِ قال أمَا إِنَّا لَمْ نرُدُّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أَنَّا حُرُمٌ. [انظر الحديث ١٨٢٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أنه أهدى لرسول الله عَ لٍّ)) وقال بعضهم: وشاهد الترجمة
منه مفهوم. قوله: ((لم نرده عليك إلاَّ إنا حرم))، فإن مفهومه أنه لو لم يكن محرماً لقبله منه.
انتهى. قلت: الذي ذكرته أوجه، لأن الترجمة في قبول هدية الصيد، والقبول لا يكون إلاَّ بعد
الإهداء، ورد النبي عَّه إياها لم يكن ... إلاَّ لأجل كونه محرماً، لا لأجل أنه لم يجوز قبولها
أصلاً. نعم هذا الذي ذكره ربما يمشي على رواية أبي ذر. فأن عنده على رأس هذا الحديث:
باب قبول الهدية، وليس هذا في رواية الباقين وهو الصواب، وهذا الحديث مر في كتاب
الحج في: باب إذا أهدى للمحرم حماراً وحشياً حياً لم يقبل، بعين هذا المتن والإسناد، غير
أن هناك: عن عبد الله بن يوسف، وهنا: عن إسماعيل بن أبي أويس. والله أعلم.
قوله: ((بالأبواء))، بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالمد: اسم مكان بين مكة
والمدينة. قوله: ((أو بودَّان))، شك من الراوي، وهو بفتح الواو وتشديد الدال وبالنون: وهو
أيضاً اسم مكان بين مكة والمدينة. قوله: ((إنا لم نرده))، يجوز فيه فك الإدغام والإدغام
بفتح الدال وضمها، وإنما قبل الصيد من أبي قتادة ورده على الصعب، مع أنه عَّر كان في
الحالين محرماً، لأن المحرم لا يملك الصيد ويملك مذبوح الحلال لأنه كقطعة لحم لم يبق
في حكم الصيد.
٧ - بابُ قَبَولِ الهَدِيَّةِ
أي: هذا باب في بيان حكم قبول الهدية، هذا هكذا ثبت في رواية أبي ذر، قال
بعضهم: هو تكرار بغير فائدة. قلت: لا نسلم ذلك، لأن الباب الذي ثبت في رواية أبي ذر
على رأس حديث الصعب بن جثامة، وهو هدية الصيد خاصة، وهذا الباب أعم من أن تكون
هدية الصيد أو هدية غيره من الأشياء التي تهدى، ووقع في رواية النسفي: باب من قبل
الهدية.
٩/ ٢٥٧٤ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسى قال حدثنا عَبدَةُ قال حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ أبيهِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ النَّاسَ كانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ يَبْتَغُونَ بِها أَوْ
يَبْتَغُونَ بِذْلِكَ مَرْضَاةَ رسولِ الله عَّ له. [الحديث ٢٥٧٤ - أطرافه في: ٢٥٨٠، ٢٥٨١،
٣٧٧٥].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، وهو واضح لمن له تأمل وحسن نظر.
وإبراهيم بن موسى بن يزيد الفراء الرازي، يعرف بالصغير وعبدة، بفتح العين المهملة
وسكون الباء الموحدة: ابن سليمان، مر في الصلاة. وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة
عن عائشة ..
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن أبي كريب. وأخرجه النسائي في عشرة

١٩٠
٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٧)
النساء عن إسحاق بن إبراهيم.
قوله: ((كانوا يتحرون))، من التحري وهو القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على
تخصيص الشيء بالفعل والقول. قوله: ((يوم عائشة))، يعني: يوم نوبتها. قوله: ((يبتغون))، جملة
حالية، أي: يطلبون من: البغية، وهو الطلب. ويروى: ((يتبعون))، بالتاء المثناة من فوق المشددة
وكسر الباء الموحدة وبالعين المهملة: من الإتباع. قوله: ((بذلك)) أي: بتحرِّيهم بهداياهم يوم
عائشة، يعني: يوم يكون النبي عَّله عند عائشة في يوم نوبتها. قوله: ((مرضاة رسول الله
عَّ له)) بفتح الميم، مصدر ميمي بمعنى: الرضا.
وفي هذا الحديث: جواز تحري الهدية ابتغاء مرضاة المهدى إليه. وفيه: الدلالة على
فضل عائشة، رضي الله تعالى عنها.
٢٥٧٥/١٠ - حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا جعْفَرُ بنُ إِيَاسِ قال سَمِعْتُ
سَعِيدَ بنَ جبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال أهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ
إلى النبيِّ عَّهِ أَقِطاً وسَمْناً وأَضُبّاً فأكل النبيُّ عَّهِ مِنَ الأَقِطِ والسَّمْنِ وتَرَكَ الضَّبَّ تَقَدُّرَاً
قال ابنُ عَبَّاسٍ فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رسول الله عَ لَّهِ وَلَوْ كَانَ حَرَاماً ما أَكِلَ عَلى مَائِدَةِ رسولِ
الله عَّهِ. [الحديث ٢٥٧٥ - أطرافه في: ٥٣٨٩، ٥٤٠٢، ٧٣٥٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأكل النبي عٍَّ من الأقط والسمن)) وأكله دليل على
قبول هدية أم حفيد، وآدم هو ابن أبي إياس عبد الرحمن، أصله من خراسان، سكن عسقلان،
وهو من أفراده، وجعفر بن إياس، بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف وفي آخره سين
مهملة: المشهور بابن أبي وحشية - ضد الأنسية - مر في العلم.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأطعمة عن مسلم، وفيه عن أبي النعمان وفي
الاعتصام عن موسى. وأخرجه مسلم في الذبائح عن بندار وأبي بكر ابن نافع. وأخرجه أبو
داود في الأطعمة عن حفص بن عمرو. وأخرجه النسائي في الصيد وفي الوليمة عن زياد بن
أيوب.
ذكر معناه: قوله: ((أم حفيد))، بضم الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر
الحروف وفي آخره دال مهملة: واسمها هزيلة - مصغر: هزلة، بالزاي ـ وهي أخت ميمونة أم
المؤمنين، وكانت تسكن البادية. قوله: ((أقطاً))، بفتح الهمزة وكسر القاف بعدها طاء مهملة،
وهو لبن يابس مجفف مستحجر يطبخ به. قوله: ((وأضباً))، جمع: ضب، بفتح الضاد
المعجمة وتشديد الباء الموحدة، مثل: فلس وأفلس. وفي (المحكم): الضب دويبة والجمع:
ضباب وأضب، ومضبة على وزن مفعلة كما قالوا للشيوخ: مشيخة، وفي المثل: أعق من
الضب، لأنه ربما أكل حسو له، والأنثى ضبة، والضب لا يشرب ماء. قوله: ((فأكل))، على
صيغة المجهول أي: فأكل الضب. قوله: ((على مائدة رسول الله عَّله))، قال الداودي: يعني
القصعة والمنديل ونحوهما، لأن أنساً قال: ما أكل على خوان، وأصل المائدة من الميد، وهو

١٩١
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٧)
العطاء، يقال: مادني يميدني، وقال أبو عبيد: هي فاعلة بمعنى مفعولة من العطاء، وقال الزجاج،
هو عندي من: ماد يميد إذا تحرك. وقال ابن فارس: هو من ماد يميد إذا أطعم، قال: والخوان
مما يقال: إنه إسم أعجمي، غير أني سمعت إبراهيم بن علي القطان يقول: سئل ثعلب، وأنا
أسمع: أيجوز أن يقال: إن الخوان سمي بذلك لأنه يتخون ما عليه أي: ينتقص به؟ فقال: ما
يبعد ذلك. قوله: ((تقذراً))، نصب على التعليل، أي: لأجل التقذر، يقال: قذرت الشيء
وتقذرته واستقذرته: إذا كرهته.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الإهداء وقبول الهدية. وفيه: من احتج بقول ابن عباس
على جواز أكل الضب لأنه قال: لو كان حراماً ما أكل على مائدة رسول الله عَ له! قالت
الشافعية: وهو احتجاج حسن، وهو قول الفقهاء كافة، ونص عليه مالك في (المدونة) وعنه
رواية بالمنع، وقد روى مالك في حديث الضب أنه عَِّ أمر ابن عباس وخالد بن الوليد
بأكله في بيت ميمونة، وقالا له: ولِمَ لا تأكل يا رسول الله؟ فقال: ((إني يحضرني من الله
حاضرة))، يعني الملائكة الذين يناجيهم، ورائحة الضب ثقيلة، فلذلك تقذره خشية أن تؤذي
الملائكة بريحه. وقال ابن بطال: إنه يجوز للإنسان أن يتقذر ما ليس بحرام عليه لقلة عادته
بأكله أو لوهمه. وقال صاحب (الهداية): يكره أكل الضب لأن النبي عَّ نهى عائشة، رضي
الله تعالى عنها، حين سألته عن أكله. قلت: هذا رواه محمد بن الحسن عن الأسود عن
عائشة أنه عَِّ أهدي له ضب فلم يأكله، فسألته عن أكله فنهاني، فجاءني سائل على الباب
فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال عَّ لّهِ: ما لا تأكليه؟ والنهي يدل على التحريم، وروي عن عبد
الرحمن بن شبل، أخرجه أبو دادو في الأطعمة عن إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة
عن سريح بن عبيد عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل: أن رسول الله عَ ليه
نهى عن أكل لحم الضب. فإن قلت: قال البيهقي: تفرد ابن عياش وليس بحجة، وقال ابن
المنذري: إسماعيل بن عياش وضمضم فيهما مقال، وقال الخطابي: ليس إسناده بذاك. قلت:
ضمضم حمصي وابن عياش إذا روى عن الشاميين كان حديثه صحيحاً. كذا قال البخاري
ويحيى بن معين وغيرهما، وكذا قال البيهقي في: باب ترك الوضوء من الدم في (سننه)،
وكيف يقول هنا: وليس بحجة؟ ولما أخرج أبو داود ذا الحديث سكت عنه، وهو حسن
صحيح عنده، وقد صحح الترمذي لابن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة،
وشرحبيل شامي، وروى الطحاوي في (شرح الآثار) مسنداً إلى عبد الرحمن بن حسنة، قال:
نزلنا أرضاً كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة، فطبخنا منها وإن القدور لتغلي بها إذ جاء رسول
الله عَّهِ، فقال: ما هذا؟ فقلنا: ضباب أصبناها. وقال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب
في الأرض إني أخشى أن تكون هذه، فأكفؤوها. وقال أصحابنا: الأحاديث التي وردت
بإباحة أكل الضب منسوخة بأحاديثنا، ووجه هذا النسخ بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد
النصين موجباً للحظر والآخر موجباً للإباحة مثل ما نحن فيه، والتعارض ثابت من حيث
الظاهر، ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى دلالة التاريخ، وهو أن النص الموجب للحظر يكون

١٩٢
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٧)
متأخراً عن الموجب للإباحة فكان الأخذ به أولى، ولا يمكن جعل الموجب للإباحة متأخراً،
لأنه يلزم منه إثبات النسخ مرتين، فافهم.
٢٥٧٦/١١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدَّثنا مَعْنٌ قال حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ
طَهْمَانِ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ زِيادٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ رسولُ الله عَلَّهِ إِذَا
أُبِيَ بِطَعامٍ سألَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَّةٌ فإنْ قِيلَ صَدَقَةٌ قال لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ وإنْ قِيلَ
هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَ لِ فَأكَلَ مَعَهُمْ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإن قيل هدية ... )) إلى آخره، لأن أكله معهم يدل على
قبول الهدية، ورجاله كلهم قد ذكروا، ومعن هو ابن عيسى بن يحيى القزاز المدني. قوله:
((إذا أتي بطعام))، زاد أحمد وابن حبان من طريق ابن سلمة عن محمد بن زياد: من غير
أهله. قوله: ((ضرب بيده))، أي: شرع في الأكل مسرعاً، ومثله ضرب في الأرض إذا أسرع
السير، وقال ابن بطال: إنما لا يأكل الصدقة لأنها أوساخ الناس، ولأن أخذ الصدقة منزلة دنية،
لقوله عَّ له: ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وأيضاً لا تحل الصدقة للأغنياء، وقال تعالى:
﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾ [الضحى: ٧].
١٢/ ٢٥٧٧ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ
أنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله تعالى عنهُ قال أَتِيَ النبيُّ عَ لَّهِ بِلَخْمِ فَقِيلَ تُصُدِّقَ علَى بَرِيرَةَ قالَ
هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ ولَنَا هَدِيَّةٌ. [انظر الحديث ١٤٩٥].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولنا هدية))، أي: حيث أهدت بريرة إلينا فهو هدية، وذلك
لأن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك لصحة ملكه لها، كتصرفات
سائر الملاك في أملاكهم، وغندر بضم الغين المعجمة وسكون النون: هو محمد بن جعفر،
وقد تكرر ذكره. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الزهد عن وكيع. وأخرجه مسلم في
الزكاة عن أبي بكر وأبي كريب وعن أبي موسى وبندار. وأخرجه أبو داود عن عمرو بن
مرزوق. وأخرجه النسائي في العمري عن إسحاق بن إبراهيم.
٢٥٧٨/١٣ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرّ قالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَبْدِ
الرَّحْمنِ بنِ الْقَاسِمِ قال سَمِعْتُهُ مِنْهُ عنِ القَاسِمِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا أنَّها أرادَتْ
أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا ولأَها فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ عَ لَّه فقال النبيُّ عَُّلَّهِ اشْتَرِيها فَأَعْتِقِيهَا
فإِنّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَأُهْدِيَ لَها لَحْمٌ فقالَ النبيُّ عَ لِّ هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ هُوَ لَها
صَدَقَّة ولنا هَدِيَّةٌ وخُيِّرَتْ قال عبدُ الرَّحْمنِ زَوْجُها حُرِّ أَوْ عَبْدٌ قال شُعْبَةُ ثُمَّ سَأَلْتُ عَبْدَ
الرَّحْمنِ عنْ زَوْجِها قال لاَ أَدْرِي أَحُرِّ أُمْ عَبْدٌ. [انظر الحديث ٤٥٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولنا هدية)) لأن التحريم يتعلق بالصفة لا بالذات، وقد تغير
ما تصدق به على بريرة بانتقاله إلاَّ إلى ملكها وخروجه عن ملك المتصدق.
والحديث أخرجه مسلم في العتق عن أحمد بن عثمان النوفلي، وفي الزكاة بقصة

١٩٣
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٨)
الهدية عن محمد بن المثنى عن غندر، كلاهما عن شعبة. وأخرجه النسائي في البيوع وفي
الفرائض عن محمد بن بشار به، وفي الطلاق والشروط عن محمد بن إسماعيل، وقد مر
الكلام في معنى صدر الحديث في مواضع كثيرة.
قوله: ((فقال النبي عٍَّ: هذا تصدق به على بريرة، هو لها صدقة ولنا هدية))، هذا
هكذا في رواية الأكثرين، ووقع في رواية أبي ذر الهروي، فقيل للنبي عَّ: هذا تصدق به
على بريرة،َ فقال النبي عَّهِ: ((هو لها صدقة ولنا هدية)). قوله: ((وخيرت)) أي: بريرة صارت
مخيرة بين أن تفارق زوجها وأن تبقى تحت نكاحها. قوله: ((قال عبد الرحمن))، هو عبد
الرحمن بن القاسم الراوي المذكور. قوله: ((لا أدري أحرِّ أم عبد؟» أي: قال عبد الرحمن: لا
أدري زوج بريرة هل هو حر أو عبد، والمشهور أنه عبد، وهو قول مالك والشافعي وعليه أهل
الحجاز، وهو ما ذكره النسائي عن ابن عباس، واسمه: مغيث، وخالف أهل العراق، فقالوا:
كان حراً، والله تعالى أعلم، وقد مر الكلام فيه.
١٤/ ٢٥٧٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ قال أخْبَرنا خالِدُ بنُ عَبْدِ الله عنْ
خالِدِ الحَذَّاءِ عنْ خَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أُمِّ عَطِيئَّةَ قَالَتْ دَخَلَ النبيُّ عَلِّ عَلَى عَائِشَةَ رضي
الله تعالى عنها فقال لَها عِنْدَكُمْ شَيْءٍ قَالَتْ لاَ إلاَّ شَيْءٍ بَعَثَتْ بِهِ أُمْ عَطِيَّةَ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي
بَعَثْتَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ قال إنَّا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّها. [انظر الحديث ١٤٤٦ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى قوله: إنها بلغت محلها، لأن معناه قد زال عنها حكم
الصدقة وصارت حلالاً لنا، وخالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان الواسطي، يروي عن
خالد بن مهران الحذاء، وأم عطية اسمها نسيبة، بضم النون، وقيل: بفتحها، وكذا وقع بالفتح
في رواية الإسماعيلي من رواية وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله. والحديث قد مر في
كتاب الزكاة في: باب إذا تحولت الصدقة، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله عن يزيد
ابن زريع عن خالد عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية الأنصارية ... إلى آخره، وقد مر
الكلام فيه هناك.
قوله: ((بعثت به أم عطية)) على صيغة المعلوم، وقوله: ((بعثت إليها)) على صيغة
المعلوم. قوله: ((محلها))، بفتح الحاء، وفي رواية الكشميهني بكسرها، وهو يقع على الزمان
والمكان.
٨ - بابُ مَنْ أُهْدَى إلى صاحِبِهِ وتَحَرَّى بعْضَ نِسائِهِ دُونَ بَعْضٍ
أي: هذا باب في بيان إهداء من أهدى إلى أحد من أصحابه، وتحرى أي قصد بعض
نسائه، يعني: أراد أن يكون إهداؤه إلى صاحبه يوم يكون صاحبه عند واحدة منهن.
٢٥٨٠/١٥ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا حمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ هِشَامٍ عنْ أَبِيهِ
عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتْ كانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمِي وقالتْ أُمُّ سَلَمَةً
عمدة القاري /ج١٣ /م١٣

١٩٤
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٨)
إِنَّ صَواحِبِي اجْتَمَعْنَ فَذَكَرَتْ لَهُ فَأَعْرَضَ عَنْها. [انظر الحديث ٢٥٧٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى قول عائشة: ((كان الناس يتحرون بهداياهم يومي))
وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير، وفي بعض النسخ: عن هشام بن عروة عن
أبيه.
والحديث أخرجه البخاري هنا مختصراً. وأخرجه في فضل عائشة مطولاً على ما
سيأتي، إن شاء الله تعالى. وأخرجه الترمذي في المناقب عن يحيى بن درست.
قوله: ((يومي))، أي: يوم نوبتي لرسول الله عَّه، وأم سلمة هي هند إحدى زوجات
النبي عَّهِ. قوله: ((إن صواحبي)) أرادت به بقية أزواج النبي عَّه وكان اجتماعهن عند أم
سلمة، وقلن لها: خبّري رسول الله عَّ للم أن يأمر الناس بأن يهدوا له حيث كان، فذكرت
ذلك أم سلمة لرسول الله عَّله، فأعرض عنها، يعني: لم يلتفت إلى ما قالت له، ويروى:
فأعرض عنهن، أي: عن أزواجه البقية، وذكر ابن سعد في (طبقات النساء) من حديث أم
سلمة، قالت: كان الأنصار يكثرون إلطاف رسول الله عَ لّه، سعد بن عبادة وسعد بن معاذ
وعمارة بن حزم وأبو أيوب، وذلك لقرب جوارهم من رسول الله عَ ليه.
٢٥٨١/١٦ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني أخِي عنْ سُلَيْمَانَ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ
أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا أنَّ نِسَاءَ رسولِ الله عَ لِ كُنَّ حِزْبَيْنِ فَحْزَّبٌ فيهِ عائِشَةُ
وحَفْصَةُ وصَفِيَّةُ وسَوْدَةُ والحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وسَائرُ نِساءِ رسولِ اللهِ عَ له وكانَ
المُسْلِمُونَ قدْ عَلِمُوا حُبَّ رسولِ اللهِ عَّلِ عَائِشَةَ فإذَا كانتْ عِنْدَ أحدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ
يُهْدِيهَا إِلى رسولِ الله عَّلَهِ أَخَّرَهَا حَتَّى إذَا كانَ رسولُ الله عَ لَّه فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رضي الله
تعالى عنها بَعَثَ صاحِبُ الهَدِيَّةِ إلى رسولِ الله عَّه فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا
فَكلَّمَ حِرْبُ أُمَّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِي رسولَ اللهِعَلَّهِ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِيَقُولُ مَنْ أَرَادَ أنْ يُهْدِيَ
إلى رسولِ الله عَّهِ هدِيَّةً فَلْيُهْدِها إليْهِ حَيْثُ كانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلمَة بِمَا قُلْنَ
فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئاً فسَألْتَها فقالَتْ ما قال لِي شَيْئاً فقُلْنَ لَهَا فَكَلِّميهِ قالَتْ فكلَّمْتُهُ حِينَ دارَ
إِلَيْها أيضاً فَلَمْ يَقُلْ لَها شَيْئاً فسألْنَها فقالَتْ ما قالَ لِي شَيئاً فقُلْنَ لَها كَلِّمِيهِ حتَّى يُكَلِّمَكِ
فِدَارَ إليْها فكلَّمَتْهُ فقال لها لا تُؤْذِيني في عائِشَةَ فإنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِني وأنا في ثوبِ امْرَأَةٍ إلاَّ
عائِشَةَ قالتْ فقالتْ أَتُوبُ إلى الله مِنْ أذاكَ يا رسولَ الله ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فاطِمَةَ بِنْتَ رسولٍ
الله عَّلله فأرسلَتْ إلى رسولِ اللهِ عَ لَه تَقُولُ إِنَّ نِساءَكَ يَتْشُدْنَكَ الله العَدْلَ في بِنْتِ أبِي بَكْرٍ
فَكَلَّمَتْهُ فقال يا بُنَيَّةَ أَلاَ تُحِبِّينَ ما أُحِبُّ قالَتْ بَلَى فِرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ فَقُلْنَ ارْجِعِي إلَيْهِ
فأبَتْ أنْ تَرْجِعَ فأرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَأَتَتْهُ فأغْلَظَتْ وقالتْ إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ الله
العَدْلَ في بِنْتِ ابنِ أبِي قُحَافَةً فَرَفَعَتْ صَوْتَها حتَّى تَناوَلَتْ عَائِشَةَ وَهِيَ قاعِدَةٌ فَسَبَتْهَا حَتَّى
أنَّ رسولَ الله عَ لِ لَيَنْظُرُ إلى عَائِشَةَ هَلْ تَكلَّمُ قال فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ حتَّى
أُسْكَتَنْهَا قالتْ فَنَظَرَ النبي عَّهِ إلى عائشةَ وقال إنَّها بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ. [انظر الحديث ٢٥٧٤

١٩٥
٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٨)
وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وكان المسلمون قد علموا .. )) إلى قوله: ((إلى
رسول الله عَّةٍ، في بيت عائشة، رضي الله تعالى عنها)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إسماعيل بن أبي أويس. الثاني: أخوه، هو أبو بكر عبد
الحميد بن أبي أويس، مر في العلم. الثالث: سليمان بن بلال، مر في الإيمان. الرابع: هشام
ابن عروة. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى
عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن رواته كلهم
مدنيون. وفيه: رواية الأخ عن الأخ. وفيه: رواية الابن عن الأب وقد تابع البخاري في السنن
المذكور حميد بن زنجويه في رواية أبي نعيم، وإسماعيل القاضي في رواية أبي عوانة فروياه
عن إسماعيل كما قال، وخالفهم محمد بن يحيى الذهلي فرواه إسماعيل: حدثني سليمان،
فحذف الواسطة بين إسماعيل وسليمان، وهو أخو إسماعيل: عبد الحميد.
ذكر معناه: قوله: ((حزبين))، تثنية حزب، وهو الطائفة ويجمع على أحزاب. قوله:
((عائشة))، هي بنت أبي بكر الصديق، ((وحفصة)) هي بنت عمر بن الخطاب، ((وصفية)) بنت
حيي الخيبرية. ((وسودة)) بنت زمعة العامرية. قوله: ((أم سلمة))، هي بنت أبي أمية. قوله:
((وسائر نساء رسول الله عَّ له) أي: وبقية نسائه، عَّه، وهي الأربع: زينب بنت جحش
الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموية، وجويرية
بنت الحارث المصطلقية. قوله: ((يكلم الناس))، يجوز بالجزم وبالرفع. قوله: ((فيقول)»،
تفسير لقوله: يكلم. قوله: ((فليهدها إليه))، وفي رواية الكشميهني: فليهد، بلا ضمير. قوله:
((بما قلن))، أي: بالذي قلنه. قوله: ((حين دار إليها))، أي: إلى عائشة أراد يوم كونه، عَّ له، في
نوبة عائشة في بيتها. قوله: ((فكلمته))، أي: فكلمت أم سلمة رسول الله عَّه، فقال لها
رسول الله عَّ: ((لا تؤذيني في عائشة))، كلمة: في، ههنا للتعليل، كما في قوله تعالى:
﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢]. وفي الحديث: أن امرأة دخلت النار في هرة
حبستها.
قوله: ((قالت: فقالت))، أي: قالت عائشة فقالت أم سلمة: أتوب إلى الله. قوله: ((ثم
إنهن)) أي: إن نساء النبي اللاتي هن الحزب الآخر. قوله: ((دعون))، أي: طلبن فاطمة، رضي
الله تعالى عنها، وفي رواية الكشميهني: دعين. قوله: ((تقول))، أي: فاطمة تقول لرسول الله
عَ لّهِ: ((إن نساءك ينشدنك الله العدل)) أي: يسألنك بالله العدل، ومعناه: التسوية بينهن في
كل شيء من المحبة وغيرها، هكذا قاله بعضهم، ولكن المعنى التسوية بينهن في المحبة
المتعلقة بالقلب، لأنه كان يسوي بينهن في الأفعال المقدورة. وأجمعوا على أن محبتهن لا

١٩٦
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخرِيضِ عَلَيْها / باب (٨)
تكليف فيها ولا يلزمه فيها لأنها لا قدرة عليها، وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال، حتى اختلفوا
في أنه: هل يلزمه القسم بين الزوجات أم لا؟ وفي رواية الأصيلي: يناشدنك الله العدل، وفي
رواية مسلم عن ابن شهاب: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قالت:
أرسلت أزواج النبي، عَّهِ، فاطمة بنت رسول الله عَّه، إلى رسول الله عَّ له، فاستأذنت عليه
وهو مضطجع معي - في مرطي - فأذن لها، فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني
يسألنك العدل في بنت أبي قحافة، وأنا ساكتة. قالت: فقال لها رسول الله عَ ◌ّله: ((ألست
تحبين ما أحب؟)) فقالت: بلى قال: ((فأحبي هذه)). قالت فاطمة حين سمعت ذلك من
رسول الله عَّه فرجعت إلى أزواج النبي عَّ فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول
الله عَّهِ، فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله عَ لّه فقولي له: إن
أزواجك ينشدنك العدل في بنت أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبداً. قالت
عائشة: فأرسل أزواج النبي عَّه زينب بنت جحش، زوج النبي معَّه، وهي التي كانت
تساميني منهن من المنزلة عند رسول الله عَ ليه، لم أرَ امرأة قط خيراً في الدين من زينب
وأتقى الله وأصدق حديثاً وأوصل للرحم وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي
تصدق به، وتقرب إلى الله ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع الفيئة، قالت: فاستأذنت
على رسول الله عَّ له فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في بنت أبي
قحافة. قالت: ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله عَ ليه، وأرقب طرفه: هل
يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله عَِّ لا يكره أن أنتصر،
قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنهيت عليها. قالت: فقال رسول الله عٍَّ وتبسم: إنها
بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وإنما سقت حديث مسلم بكماله لأنه كالشرح لحديث
البخاري مع زيادات فيه، وسأشرح بعض ما فيه.
قوله: (يا بنية))، تصغير إشفاق. قوله: ((فأتته)) أي: فأتت زينب رسول الله عَ لّهِ. قوله:
((فأغلظت)) أي: في كلامها. قوله: ((في بنت أبي قحافة))، بضم القاف وتخفيف الحاء
المهملة وبالفاء: هي كنية والد أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، واسمه: عثمان بن عامر بن
عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، واسم أبي بكر: عبد
الله، يلتقي مع رسول الله عَّه في مرة بن كعب. قوله: ((حتى تناولت))، أي: تعرضت. قوله:
((وهي قاعدة))، جملة حالية، أي: عائشة قاعدة، وفي رواية النسائي وابن ماجه مختصراً من
طريق عبد الله البهي: عن عروة عن عائشة، قالت: دخلت علي زينب بنت جحش فسبتني
فردعها النبي عَّ فأبت، فقال: سبيها، فسببتها حتى جف ريقها في فمها. انتهى. يحتمل أن
تكون هذه قضية أخرى. قوله: ((وقال: إنها بنت أبي بكر))، أي: إنها شريفة عاقلة عارفة
كأبيها وقيل: معناه هي أجود فهماً وأدق نظراً منها. وفيه: الاعتبار بالأصل في مثل هذه
الأشياء. وفيه: لطيفة أخرى، وهي، أنه، عَّه، نسبها إلى أبيها في معرض المدح، ونسبت
فيما تقدم إلى أبي قحافة حيث لما أريد النيل منها، ليخرج أبو بكر، رضي الله تعالى عنه من

١٩٧
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخِرِيضِ عَلَيْها / باب (٨)
الوسط إذ ذاك، ولئلا يهيج ذكره المحبة. قوله في رواية مسلم: تساميني، بالسين المهملة
أي: تضاهيني في المنزلة من السمو وهو الارتفاع. قوله؛ ((ما عدا سورة من حدة)) بالحاء
المهملة، وهو العجلة بالغضب، ويروى: من حد، بدون الهاء، وهو شدة الخلق، وصحف
صاحب (التحرير) فروى: سودة، بالدال وجعلها بنت زمعة، وهو ظاهر الغلط.
قوله: ((تسرع منها الفيئة))، بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهمزة، وهو
الرجوع من: فاء إذا رجع، ومعنى كلامها أنها كاملة الأوصاف إلاَّ في شدة خلق بسرعة
غضب، ومع ذلك يسرع زوالها عنها. قوله: لم أنشبها أي: لم أهملها حتى أنحيت، بالنون
والحاء المهملة، أي قصدتها بالمعارضة، ويروى: حين أنحيت، ورجح القاضي هذه الرواية
وما ثم موضع ترجح، ويروى: أثخنتها بالثاء المثلثة والخاء المعجمة وبالنون، أي: قطعتها
وغلبتها. قوله: ((وتبسم))، جملة وقعت حالاً.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: فضيلة عظيمة لعائشة، رضي الله تعالى عنها. وفيه: أنه لا
حرج على الرجل في إيثار بعض نسائه بالتحف، وإنما اللازم العدل في المبيت والنفقة ونحو
ذلك من الأمور اللازمة، كذا روي عن المهلب، واعترض على ذلك بأنه عَ ◌ِّ لم يفعل ذلك،
وإنما فعله الذين أهدوا له، وإنما لم يمنعهم النبي عَِّ لأنه ليس من كمال الأخلاق التعرض
لمثل هذا، على أن حال النبي عَّم يشعر بأنه كان يشركهن في ذلك، ولم تقع المنافسة إلاّ
لكون العطية تصل إليهن من بيت عائشة. وفيه: تجري الناس بالهدايا في أوقات المسرة
ومواضعها من المهدى إليه ليزيد بذلك في سروره. وفيه: أن الرجل يسعه السكوت بين نسائه
إذا تناظرن في ذلك ولا يميل مع بعضهن على بعض، كما سكت، عَّلّ، حين تناظرت زينب
وعائشة، ولكن قال في الأخير: إنها بنت أبي بكر. وفيه: إشارة إلى التفضيل بالشرف والعز.
وفيه: جواز التشكي والترسل في ذلك. وفيه: ما كان عليه أزواج النبي عَّهِ، من مهابته
والحياء منه، حتى راسلنه بأعز الناس عنده: فاطمة، رضي الله تعالى عنها. وفيه: إدلال زينب
بنت جحش على النبي عَّه، لكونها كانت بنت عمته، كانت أمها أميمة - بالتصغير - بنت
عبد المطلب. وقال الداودي: فيه: عذر النبي عَّ لزينب، قيل: لا ندري هذا من أين أخذه؟
وقيل: يمكن أنه أخذه من مخاطبتها النبي عّ لّه لطلب العدل مع علمها بأنه أعدل الناس، لكن
غلبت عليها الغيرة فلم يؤاخذها النبي عَِّ بإطلاق ذلك، وإنما خص زينب بالذكر لأن فاطمة،
رضي الله تعالى عنها، كانت حاملة رسالة خاصة، بخلاف زينب فإنها شريكتهن في ذلك، بل
كانت رأسهن، لأنها هي التي تولت إرسال فاطمة أولاً ثم سارت بنفسها.
قال البُخَارُيُّ الْكَلامُ الأخِيرُ قَصَّةُ فاطِمَةَ يُذْكَرُ عنْ هِشَامٍ بِنِ عُرْوَةَ عنْ رَجُل عنِ
الزُّهْرِيَّ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ
لما تصرف الرواة في هذا الحديث بالزيادة والنقص حتى إن منهم من جعله ثلاثة
أحاديث. قال البخاري: الكلام الأخير قصة فاطمة ... إلى آخره، يذكره عن هشام بن عروة

١٩٨
٥١ - كتابُ الهِيَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (٩)
عن رجل، وهو مجهول، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن محمد بن عبد الرحمن
ابن الحارث بن هشام عن عائشة، وقال الكرماني: الرجل المجهول مذكور على طريق
الشهادة والمتابعة، واحتمل فيها ما لا يحتمل في الأصول.
وقال أبُو مَزْوَانَ عنْ هِشَام عن عُزْوَةَ كَانَ النَّاسُ يَتَحرَّوْنَ يَوْمَ عَائِشَةَ وعنْ هِشام
عنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَجُلٍ منَ المَوالِي عن الزُهْرِي عنْ مُحَمَّدٍ بِنِ عِبْدِ الرَّحْمنِ
ابنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ قالَتْ عَائِشَةُ كُنْتُ عِنْدَ النّبِيِ عَلِّ فَاسْتَأْذَنتْ فاطمَةُ رضي
الله تعالى عنها.
أبو مروان هو يحيى بن أبي زكريا الغساني، سكن واسطاً، مات سنة تسعين ومائة،
وقال الكرماني: وقيل: إنه محمد بن عثمان العثماني، وهو وهم. قلت: هذا أيضاً يكنى أبا
مروان، لكنه لم يدرك عن هشام بن عروة، وإنما يروي عنه بواسطة، وروى عن هشام أيضاً
بطريق آخر، رواه حماد بن سلمة عنه عن عوف بن الحارث عن أخيه رميثة عن أم سلمة: أن
نساء النبي عَّ قلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ... الحديث. أخرجه أحمد.
٩ - بابُ ما لا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ
أي: هذا باب في بيان ما يرد من الهدية.
١٧/ ٢٥٨٢ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَر قال حدَّثنا عبْدُ الوارِثِ قال حدَّثنا عَزْرةُ بنُ ثابِتٍ
الأَنْصَارِيُّ قال حدَّثني ثُمَامَةُ بنُ عَبْدِ الله قال دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيباً قال كانَ أنَسّ رضي
الله تعالى عنه لا يَرُدُّ الطَّيبَ قال وزَعَمَ أَنَسْ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ كانَ لا يَرُدُّ الطَّيبَ. [الحديث
٢٥٨٢ - طرفه في: ٥٩٢٩].
مطابقته للترجمة من حيث إنه أوضح ما في الترجمة من الإبهام، لأن قوله: ما لا يرد
من الهدية، غير معلوم، فالحديث أوضحه وهو أن المراد منه الطيب. قال الجوهري: الطيب
ما يتطيب به. قلت: هذا بكسر الطاء وسكون الياء، وأما: الطيب، بفتح الطاء وتشديد الياء
المكسورة، فهو خلاف الخبيث. تقول: طاب الشيء يطيب طيبة وتطياباً.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو بن أبي
الحجاج المنقري المقعد. الثاني: عبد الوارث بن سعيد. الثالث: عزرة، بفتح العين المهملة
وسكون الزاي وبالراء: ابن ثابت الأنصاري. الرابع: ثمامة، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم:
ابن عبد الله بن أنس، قاضي البصرة. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضع واحد. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: رواية
الراوي عن جده، فإن ثمامة روى عن جده أنس بن مالك.

١٩٩
٥١ - كتابُ الهِبَةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١٠)
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن أبي نعيم الفضل بن دكين، وأخرجه
الترمذي في الاستئذان في: باب ما جاء في كراهية رد الطيب: حدثنا محمد بن بشار، قال:
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عزرة بن ثابت عن ثمامة بن عبد الله، قال: كان
أنس لا يرد الطيب. وقال أنس: إن النبي عَّلَّمِ كان لا يرد الطيب، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه النسائي في الوليمة وفي الزينة عن إسحاق بن إبراهيم عن وكيع.
قوله: ((قال: دخلت عليه))، أي: قال عزرة بن ثابت: دخلت على ثمامة بن عبد الله
ابن أنس، وقد وهم صاحب (التوضيح) حيث قال: الضمير في: عليه، يرجع إلى أنس. قوله:
((فناولني طيبا)) أي: فناولني ثمامة طيباً، وقد ذكرنا أن الطيب في اللغة ما يتطيب به، وروى
الترمذي من حديث عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله عَّ له: ((ثلاث لا ترد: الوسائد
والدهن واللبن))، وقال: هذا حديث غريب، وهذا الذي ذكره أيضاً مما لا يرد وإنما لم يذكره
لأنه ليس على شرطه. قوله: ((قال وزعم أنس))، أي: قال: والزعم يستعمل للقول، قال ابن
بطال، رحمه الله: إنما كان لا يرد الطيب من أجل أنه ملازم لمناجاة الملائكة، ولذلك كان لا
يأكل الثوم وما يشاكله، قال بعضهم: لو كان هذا هو السبب في ذلك لكان من خصائصه،
وليس كذلك، فإن أنساً اقتدى به في ذلك، وقد ورد النهي عن رده مقروناً ببيان الحكمة في
ذلك في حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وأبو عوانة من طريق عبيد الله بن أبي جعفر
عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه خفيف المحمل
طيب الرائحة)) وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن، قال: ريحان، بدل: طيب. انتهى. قلت: إذا
انتفت الخصوصية لا ينافي أن يكون من جملة السبب في ترك رده استصحاب شيء طيب
الرائحة للملك وللخلق.
١٠ - بابُ مَنْ رَأى الهِبَةَ الغائِبَةَ جائزَةً
أي: هذا باب في بيان حكم من رأى الهبة أي: التي توهب، لأن نفس الهبة مصدر،
كما ذكرنا، فلا يوصف بالغيبة. وفي بعض النسخ: من رأى الهدية الغائبة جائزة، والأول
أصوب على ما لا يخفى.
١٨/ ٢٥٨٣ _ ٢٥٨٤ - حدّثنا سعيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حذَّثني
عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهاب قال ذَكَرَ عُزوَةُ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ رضي الله تعالى عنهُما ومَرْوانَ
قال أَخْبِرَاهُ أَنَّ النبيَّ عَ لَّه حينَ جاءَهُ وَفْدُ هَوازِنَ قامَ في النَّاسِ فأثنى عَلَى الله ◌ِبِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ
قالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ جاؤونَا تَائِبِينَ وَإِنِّي رأيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمِنْ أحَبَّ مِنْكُمْ
أنْ يُطَيِّبَ ذُلِكَ فَلْيَفْعَلْ ومَنْ أحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظْهِ حتَّى تُعْطِيَهُ إِيَّهُ مِنْ أَوَّلِ ما يُفِىءُ
الله عَلَيْنا فقال النَّاسُ طَئِّْنَا لَكَ. [انظر الحديثين ٢٣٠٧ و٢٣٠٨ وأطرافهما].
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، فإن فيه: أنهم تركوا ما غنموه من السبي،
من قبل أن يقسم، وذلك في معنى الغائب، وتركهم إياه في معنى الهبة، وفيه تعسف شديد

٢٠٠
٥١ - كتابُ الهِيَّةِ وفَضْلِها والتَّخْرِيضِ عَلَيْها / باب (١١)
من وجوه: الأول: أنهم ما ملكوا شيئاً قبل القسمة، وإن كانوا استحقوه. والثاني: إطلاق الهبة
على الترك بعيد جداً. والثالث: أنه هبة شيء مجهول، لأن ما يستحق كل واحد منهم قبل
القسمة غير معلوم. والرابع: توصيف الهبة بالغيبة، وفيه ما فيه، وهذه التعسفات كلها من
وضع هذه الترجمة على الوجه المذكور.
وهذا الحديث قطعة من حديث المسور ومروان في قصة هوازن، وقد مر الحديث في
كتاب العتق في: باب من ملك من العرب رقيقاً فوهب وباع، وقد مر الكلام فيه مستوفى
هناك.
قوله: ((ومن أحب أن يكون على حظه))، أي: نصيبه، وجواب: من، التي هي للشرط
محذوف، يدل عليه السياق في جواب الشرط الأول، وهو قوله: فليفعل، وقال ابن بطال:
فيه: أن للسلطان أن يرفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة واستئلاف، ورد بأنه ليس في
الحديث ما ذكره، بل فيه أنه عَّلَّ فعل ذلك بعد تطييب نفوس الغانمين.
١١ - بابُ الْمُكَافَأَة فِي الهِبَةِ
أي: هذا باب في بيان المكافأة، وهي إعطاء العوض في الهبة، والمكافأة مفاعلة من:
كافأ يكافىء، وأصلها بالهمزة، وقد يلين، وكل شيء ساوى شيئاً حتى يكون مثله فهو
مكافىء له، ومنه التكافؤ وهو الاستواء.
١٩/ ٢٥٨٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عيسى بنُ يُونُسَ عنْ هِشامٍ عنْ أَبِيهِ عن
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالتْ كانَ رسولُ الله عَ لَِّ يَقْبَلُ الهدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْها.
مطابقته للترجمة إنما تتأتى إذا أريد بلفظ الهبة في الترجمة معناها الأعم، وهشام هو ابن
عروة بن الزبير، يروي عن أبيه عروة.
والحديث أخرجه أبو داود في البيوع عن علي بن بحر وعبد الرحيم بن مطرف،
وأخرجه الترمذي في البر عن يحيى بن أكثم، وعلي بن خشرم، وفي الشمائل عن علي بن
خشرم وغیر واحد کلهم عن عیسی بن یونس به.
قوله: ((عن هشام)) وفي رواية الإسماعيلي: عن عيسى بن يونس حدثنا هشام. قوله:
((ويثيب عليها))، من أثاب يثيب أي: يكافىء عليها بأن يعطي صاحبها العوض، والمكافأة
على الهدية مطلوبة اقتداءً بالشارع. قال صاحب (التوضيح): وعندنا لا يجب فيها ثواب
مطلقاً، سواء وهب الأعلى للأدنى أو عكسه، أو للمساوي. قال المهلب: والهدية ضربان:
للمكافأة، فهي بيع ويجبر على دفع العوض، ولله تعالى. وللصلة، فلا يلزم عليه مكافأة، وإن
فعل فقد أحسن.
واختلف العلماء فيمن وهب هبة ثم طلب ثوابها، وقال: إنما أردت الثواب، فقال مالك:
ينظر فيه، فإن كان مثله من يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة الفقير للغني