Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٥) البخاري في الجهاد في: باب من أخذ بالركاب، بلفظ: وتميط الأذى عن الطريق صدقة. قوله: ((تميط))، تقديره: أن تميط، وأن، مصدرية، أي: إماطتك الأذى عن الطريق صدقة كما تقدر، كذا في قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه أي: أن تسمع، أي: سماعك، وقيل: هذا من قول أبي هريرة، وقال ابن بطال: هذا القول ليس من أبي هريرة، لأن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما تؤخذ توقيفاً من النبي عَّ له، قال: وقد أسند مالك معناه من حديث أبي هريرة عن رسول الله عَ ل أنه قال: بينما رجل يمشي إذا وجد غصن شوك على الطريق، فأخرجه فشكر الله له فغفر له، يأتي هذا الحديث عن قريب، إن شاء الله تعالى. فإن قلت: كيف تكون إماطة الأذى عن الطريق صدقة؟ قلت: معنى الصدقة إيصال النفع إلى المتصدق عليه، والذي أماط الأذى عن الطريق قد تصدق عليه بالسلامة، فكان له أجر الصدقة. ٢٥ - بابُ الغُرْفَةِ والْعِلِّيَّةِ الِمُشْرِفَةِ وغيرِ الْمُشْرِفَةِ في الشُّطُوحِ وغيرِهَا أي: هذا باب في بيان جواز استعمال الغرفة، بضم الغين المعجمة وسكون الراء وفتح الفاء. قال الجوهري: الغرفة العلية والجمع: غرفات وغرفات وغرفات وغرف. قوله: ((والعلية))، بكسر العين المهملة وضمها وكسر اللام المشددة وبالياء آخر الحروف المشددة، وهي الغرفة على تفسير الجوهري، لأنه فسر الغرفة بالعلية في: باب الغرف، ثم فسر العلية بالغرفة في: باب علا، ثم قال: والجمع العلالي: وقال: وهي فعيلة مثل مزيفة وأصلها: عليوة، فأبدلت الواو ياء وأدغمت وهي من: علوات، وقال بعضهم: هي العلية، بالكسر على فعيلة، وبعضهم يجعلها من المضاعف ووزنها: فعلية، قال: وليس في الكلام فعلية. انتهى كلامه. واعترض عليه في قوله: وبعضهم يجعلها من المضاعف ووزنها فعلية، بأنه لا يصح، لأن العلية: من: (ع ل و)، وليست من: (ع ل ل)، وقوله: ليس في الكلام فعلية سهو، لأنه قد ذكر: مزيفة، وإذا كان كذلك يكون عطف العلية على الغرفة عطفاً تفسيرياً. قوله: ((المشرفة))، بضم الميم وسكون الشين المعجمة: من الإشراف على الشيء، وهو الاطلاع عليه. قوله: ((في السطوح))، أي: سواء كانت العلية المشرفة على مكان أو غير المشرفة كائنة على سطح، أو منفردة قائمة مرتفعة من غير أن تكون على سطح، فيفهم من كلامه أنها على أربعة أقسام: الأول: علية مشرفة على مكان على سطح. الثاني: مشرفة على مكان على غير سطح. الثالث: غير مشرفة على مكان على سطح. الرابع: غير مشرفة على مكان على غير سطح. وقال ابن بطال: الغرفة على السطوح مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد. قلت: الذي ذكره هي العلية على السطح غير المشرفة، فيفهم منه أنها إذا كانت مشرفة على مكان فهي غير مباحة، وكذلك إذا كانت على غير سطح، وكانت مشرفة، ولم أر أحداً من شراح البخاري حقق هذا الموضع. ٢٢ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٢٥) ٤٠ / ٢٤٦٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ محمَّدٍ قال حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عِنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُزْوَةَ عنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ رضي الله تعالى عنهُما قال أَشْرَفَ النبيُّ عَ لَّهِ عَلَى أَطُمِ مِنْ آَطَامِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قال هَلْ تَرَوْنَ ما أُزِى إِنِّي أَرِی مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ. [انظر الحديث ١٨٧٨ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أشرف النبي عَّ على أطم من آطام المدينة))، لأن الأطم، بضمتين: بناء مرتفع، قاله ابن الأثير، وهو كالعلية المشرفة لأنها أيضاً بناء مرتفع، غير أنه تارة تبنى على غير سطح، وقال غيره: الأطم، بضم الهمزة والطاء وسكونها والجمع: آطام، وهي: حصون لأهل المدينة، والواحدة: أطمة، مثل: أكمة، وقيل: الأطم: حصن مبني بالحجارة. وعبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي البخاري المعروف بالمسندي، وابن عيينة، بضم العين وفتح الياء آخُر الحروف الأولى وسكون الثانية وبالنون المفتوحة: هو سفيان بن عيينة، وقد مضى هذا الحديث في أواخر كتاب الحج في: باب آطام المدينة، فإنه أخرجه هناك: عن علي بن عبد الله عن سفيان ... إلى آخره، ومر الكلام فيه هناك. قوله: ((مواقع))، منصوب بدل: عما أرى، وهذا إخبار بكثرة الفتن في المدينة، وقد وقع كما أخبر صَّى اللّه النبي عليه. ٤١/ ٢٤٦٨ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عبْدِ الله بنِ أبِي ثَوْرٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال لَمْ أزَلْ حَرِيصاً علَى أنْ أسْألَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النبيِّ عَّه اللَّتَيْنِ قال الله لَهُما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكما﴾ [التحريم: ٤] فَحَجَجْتُ معَهُ فَعَدَلَ وعَدَلْتُ معَهُ بِالإِدَاوَةِ فِتَبَرَّزَ حتَّى جاءَ فَسَكَبْتُ علَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ فَقُلْتُ يا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْآتَانِ مِنْ أَزْواجِ النبيِّ عَِّ اللَّتانِ قَال لَهُمَا ﴿إِنْ تَتُوبَا إلَى اللهِ﴾ فقال وأَعَجَبِي لَكَ يا ابنَ عَبَّاسٍ عائِشَةُ وَحَفْصَةُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ يَسُوقُهُ فِقال إنِّي كُنْتُ وجارٌّ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أَمَيَّةَ بنِ زَيْدٍ وهْيَ مِنْ عَوالِي الْمَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ التَّزُولَ عَلَى النبيِّ عَّهِ فَيَنْزِلُ هُوَ يَوْمَاً وَأَنْزِلُ يُوْماً فَإِذَا نَزِلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرٍ ذُلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وغيرِهِ وإذَا نزَلَ فَعَلَ مِثْلُهُ وكُنَّا مَغْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَطَفِقَ نِساؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأنْصَارِ فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي فقالَتْ ولِمَ تُنْكِرُ أنْ أُرَاجِعَكَ فَوالله إنَّ أَزْوَاجَ النبيِّ عَُّلَّهِ لَيْرَاجِعْنَهُ وإِنَّ إِخْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حتَّى اللَّيْلِ فَأَقْرَعَنِي فَقُلْتُ خَابَتْ منْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَّابِي فدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رسولَ الله عَلِ اليَوْمَ حتَّى اللَّيْلَ فقالَتْ نَعَمْ فَقُلْتُ خابَتْ وخَسِرَتْ أَقْتَأْمَنُ أنْ يَغْضَبَ الله لِغَضَبِ رَسُولِهِ عَِّ فَتَهْلِكِينَ لاَ تَسْتَكْثِرِي عَلَى رسولِ اللهِ عَّهِ ولاَ تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ ولا تَهْجُرِيهِ واسْأَّلِيني ما بَدَا لَكِ ولاَ يَغُزَّنَّكِ إنْ كانَتْ جارَتكِ هِيَ أوْضأُ مِنْكِ وأَحَبَّ إلَى رسولِ اللهِ عَ لَِّ يُرِيدُ عَائِشَةَ وَكُنَّا تَحدَّثْنَا أنَّ غَسَانَ تُنْعِلُ النِّعالَ لِغَزْوِنا فَنَزَلَ صاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ فرَجَعَ عِشَاءً فَضَرَبَ بابِي ضَرْباً ٢٣ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٥) شَدِيداً وقال أنائِمٌ هُوَ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ وقال حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ قُلْتُ ما هُوَ أَجَاءَتْ غَشَّانُ قال لا بَلْ أعْظَمُ مِنْهُ وأَطْولُ طَلَّقَ رسولُ اللهِ عَ لَّمِ نِساءَهُ قال قدْ خابَتْ حَفْصَةُ وحَسِرَتْ كُنْتُ أَظُنُّ أنَّ لهذا يُوشِكُ أنْ يَكُونَ فَجَمَعْتُ علَيَّ ثيابِي فصَلَّيْتُ صَلاةَ الفَجْرِ معَ النبيِّ عَله فدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ فاعْتَزَلَ فِيها فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فإذَا هِيَ تَبْكِي قُلْتُ ما يُبْكِيكِ أَوَ لَمْ أكُنْ حَذَّرْتُكِ أطلَّقَكُنَّ رسولُ اللهِ عَُّلِّ قَالتْ لا أدْرِي هُوَ ذَا فِي الْمَشْرُبَةِ فخَرَجْتُ فجِئْتُ المِنْبرَ فَإذَا حَوْله رَهْطٌ يَبْكِي بِعْضُهُمْ فَجَلَسْتُ معهُم قليلاً ثُمَّ غِلَبَنِي ما أَجِدُ فَجِئْتُ الْمَشْرِبَةَ التي هُوَ فِيها فَقْتُ لِغُلاَمِ لَهُ أسْوَدَ استَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخلَ فَكلَّمَ النبيَّ عَّهِ ثُمَّ خَرَجَ فقال ذَكَوْتُكَ لَهُ فَصمَت فانْصَرَفْتُ حتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْتَرِ ثُمَّ غَلَبَني ما أَجِدُ فَجِئْتُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَنِي ما أَجِدُ فَجِئْتُ الغُلاَمَ فَقُلْتُ اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفَاً فَإِذَا الغُلاَمُ يَدْعُونِي قال أذِنَ لَكَ رسولُ الله عَ لِ فَدَخَلْتُ عَيْهِ فإذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمالٍ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ الرِّمالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِىءٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْؤُها لِيفٌ فسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وأنا قَائِمٌ طَلَّقْتَ نِساءَكَ فَرَفَعَ بَصرَهُ إِلَيَّ فقالَ لاَ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قائِمٌ أَسْتَأْنِسُ يا رسولَ الله لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِيُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَذَكَرَهُ فَتَبَسَّمَ النبيُّ عَ لَّهِ ثُمَّ قُلْتُ لَوْ رَأَيْتَنِي ودَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لاَ يَغُوَّنَّكِ إنْ كانَتْ جارَتُكِ هِيَ أَوْضَأْ مِنْكِ وأَحَبَّ إلى النبيِّ عَِّ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَتَبَسْمَ أُخْرَى فَجلَسْتُ حينَ رَأَيْتُهُ تَبَشَّمَ ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِيٍ فِي بَيْتِهِ فَوَالله ما رَأيْتُ فِيهِ شَيْئاً يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاثَةٍ فَقُلْتُ ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّغْ عَلَى أُمَّتِكَ فإِنَّ فَارِسَ والرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأَعْطُوا الدُّنْيا وهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ الله وكانَ مُتَّكِئَاً فقال أُوَفِي شَكٌّ أنتَ يا ابْنَ الخطّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ في الحيَاةِ الدُنْيَا فَقُلْتُ يا رسولَ الله اسْتَغْفِرْ لِي فاعْتَزَلَ النبيُّ عَّهِ مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إلَى عَائِشَةً وكانَ قَدْ قالَ ما أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرَاً مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حينَ عاتَتَهُ اللهِ فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وعِشْرُونَ دَخَلَ علَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أنْ لاَ تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْراً وإِنَّا أصْبَحْنَا لِتِسْعِ وعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدّاً فقال النبيُّ عَلَّهِ الشَّهْرُ تِسْعٌٍ رِعِشْرُونَ وكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ قالَتْ عَائِشَةُ فَأُنْزِلَتْ آيَّهُ النَّخْبِيرِ فَبَدَأَ بي أوَّلَ امْرَأَةٍ فقال إنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْراً ولاَ عَلَيْكِ أنْ لاَ تَعْجَلِي حتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ قالَتْ قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِكَ ثُمَّ قال إنَّ الله قال: ﴿يَا أَيُّها النبيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله ﴿عظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] قُلْتُ أَفِي هَذَا أُسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فإِنِّي أرِيدُ الله ورسولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ ثُمَّ خَيَّرَ نِساءَهُ فَقُلْنَ مِثْلَ ما قالَتْ عَائِشَةُ. [انظر الحديث ٨٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فدخل مشربة له))، لأن المشربة هي الغرفة، قاله ابن الأثير وغيره، وقد ذكرها في الترجمة باسمها الآخر، وهي: الغرفة، وهي بفتح الميم وضم الراء وفتحها، والمشربة بفتح الميم وفتح الراء: الموضع الذي يشرب منه، كالمشرعة، والمشربة بكسر الميم: آلة الشرب. ٢٤ ٤٦ - كِتابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٢٥) وعقيل، بضم العين، وعبيد الله بن عبد الله، بتصغير الابن وتكبير الأب، وأبو ثور، بالثاء المثلثة المفتوحة، وقال الحافظ الدمياطي، قال الخطيب في (تكملته): لا أعلم روى عن عبيد الله هذا إلا الزهري، ولا أعلمه حدث عن غير ابن عباس. قلت: خرج أبو داود وابن ماجه حديث محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس في طواف النبي، عَ ليه، عام الفتح على البعير، وقد مضى بعض هذا الحديث في كتاب العلم في: باب التناوب في العلم، عن أبي اليمان عن شعيب الزهري، وذكرنا هناك تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. ذكر معناه: قوله: ((فعدل))، أي: عن الطريق. قوله: ((بالإداواة))، بكسر الهمزة: وهي إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة ونحوها، ويجمع على: أداوي. قوله: ((فتبرز)) أصله: خرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة. قوله: ((واعجبي لك !! )) بالألف في آخره، ويروى: واعجباً، بالتنوين نحو: يا رجلاً، كأنه يندب على التعجب، وهو إما تعجب من جهله بذلك وهو كان مشهوراً بينهم بعلم التفسير، وإما من حرصه على سؤاله عما ما لا يتنبه له إلاَّ الحريص على العلم من تفسير ما لا حكم فيه من القرآن. وقال ابن مالك: وا، في: واعجباً، اسم فعل إذا نون عجباً بمعنى: أعجب، ومثله: وى، وجيء بعده بقوله: عجباً توكيداً، وإذا لم ينون فالأصل فيه: واعجبي، فأبدلت الياء ألفاً، وفيه شاهد على استعمال: وا، في غير الندبة، كما هو رأي المبرد، وقال في (الكشاف): قاله تعجباً كأنه كره ما سأله عنه. قوله: ((عائشة وحفصة))، أي: المرأتان اللتان قال الله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله ... ﴾ [التحريم: ٤] الآية، هما عائشة وحفصة. قوله: ((يسوقه))، جملة حالية. قوله: ((وجار لي من الأنصار))، جار مرفوع لأنه عطف على الضمير الذي في: كنت، على مذهب الكوفيين، وفي روايته في: باب التناوب في كتاب العلم: كنت أنا وجار لي هذا على مذهب البصريين، لأن عندهم لا يصح العطف بدون إظهار: أنا، حتى لا يلزم عطف الاسم على الفعل، والكوفيون لا يشترطون ذلك، وكلمة: من، في: من الأنصار، بيانية. والمراد من هذا الجار هو عتبان بن مالك بن عمرو العجلاني الأنصاري الخزرجي. قوله: ((في بني أمية بن زيد))، في محل الجر على الوصفية، أي: الكائنين في بني أمية بن زيد، أو المستقرين. قوله: ((وهي راجعة))، إلى أمكنة بني أمية. قوله: ((من عوالي المدينة))، وهي القرى بقرب المدينة، وقال ابن الأثير: العوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة، والنسبة إليها: علوي، على غير قياس، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. قوله: ((فينزل يوماً))، الفاء فيه تفسيرية تفسر التناوب المذكور. قوله: ((من الأمر)) أي: الوحي، إذ اللام للمعهود عندهم، أو الأوامر الشرعية. قوله: ((وغيره))، أي: وغير الأمر من أخبار الدنيا. قوله: ((معشر قريش))، أي: جمع قريش. قوله: ((فطفق نساؤنا))، بكسر الفاء وفتحها، ومعنى: طفق في الفعل: أخذ فيه، وهو من أفعال المقاربة. قال الله تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [الأعراف: ٢٢ وطه: ١٢١]. أي: أخذا في ذلك. قوله: ٢٥ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٥) ((فراجعتني))، أي: ردت علي الجواب. قوله: ((حتى الليل)) أي: إلى الليل. قوله: ((بعظيم))، أي: بأمر عظيم. قوله: ((ثم جمعت علي ثيابي)) أي: لبستها. قوله: ((أي حفصة)) أي: يا حفصة. قوله: ((ما بدا لك؟)) أي: ما كان لك من الضرورات؟ قوله: ((إن كانت جارتك)) أي: بأن كانت، فإن مصدرية، أي: ولا يغرنك كون جارتك أضوأ منك، أي أزهر وأحسن، ويروى: أوضأ من الوضاءة أي: من أجمل وأنظف والمراد من الجارة: الضرة، والمراد بها عائشة، رضِي الله تعالى عنها، وفسر ذلك بقوله: يريد عائشة. قوله: ((غسان))، على وزن: فعال، بالتشديد اسم ماء من جهة الشام نزل عليه قومه من الأزد، فنسبوا إليه منهم بنو جفنة رهط الملوك. ويقال: هو اسم قبيلة. قوله: ((تنعل))، بضم التاء المثناة من فوق وسكون النون من: إنعال الدواب، وأصله: تنعل الدواب النعال، لأنه يتعدى إلى المفعولين، فحذف أحدهما، وإنما قلنا ذلك لأن النعال لا تنعل، ويروى: تنعل البغال، جمع: بغل، بالباء الموحدة والغين المعجمة. قوله: ((عشاء))، نصب على الظرفية أي: في عشاء. قوله: ((فضرب بابي))، فيه: حذف، وهو عطف عليه، أي: فسمع اعتزال الرسول عَ لِّ عن زوجاته، فرجع إلى العوالي، فجاء إلى بابي فضرب، والفاء فيه تسمى بالفاء الفصيحة، لأنها تفصح عن المقدر، قوله: ((أنائم هو؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((ففزعت)) أي: فخفت، القائل هو عمر، الفاء فيه للتعليل، أي: لأجل الضرب الشديد، فزعت. قوله: ((يوشك أن يكون))، أي: يقرب كونه، وهو من أفعال المقاربة، يقال: أوشك يوشك إيشاكاً فهو موشك، وقد وشك وشكاً ووشاكة. قوله: ((مشربة له))، قد ذكرنا أن المشربة هي الغرفة الصغيرة، وكذا قال ابن فارس، وقال ابن قتيبة: هي كالصفة بين يدي الغرفة، وقال الداودي: هي الغرفة الصغيرة، وقال ابن بطال: المشربة الخزانة التي يكون فيها طعامه وشرابه، وقيل لها: مشربة، فيما أرى لأنهم كانوا يخزنون فيها شرابهم، كما قيل للمكان الذي تطلع عليه الشمس ويشرق فيه صاحبه: مشرقة. قوله: ((لغلام له أسود))، قيل: اسمه رباح، بفتح الراء وتخفيف الباء الموحدة وبالحاء المهملة. قوله: ((منصرفاً))، نصب على الحال. قوله: ((فإذا الغلام))، كلمة: إذا، للمفاجأة. قوله: ((على رمال حصير))، بالإضافة. وقال الكرماني: الرمال، بضم الراء وخفة الميم: المرمول أي: المنسوج، قال أبو عبيد: رملت وأرملت أي: نسجت، وقال الخطابي: رمال الحصير ضلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب المنسوج، وقال ابن الأثير: الرمال ما رمل أي: نسج، يقال: رمل الحصير وأرمله فهو مرمول ومرمل، ورملته شدد للتكثير، ويقال: الرمال جمع رمل بمعنى مرمول، كخلق الله بمعنى مخلوق، والمراد أنه كأن السرير قد نسج وجهه بالسعف، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. قوله: ((متکیء))، خبر مبتدأ محذوف، أي: هو متكىء. قوله: ((على وسادة))، بكسر الواو وهي: المخدة. قوله: ((من أدم))، بفتحتين، وهو اسم لجمع أديم، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ. قوله: ((طلقت نساءك؟))، همزة الاستفهام فيه مقدرة، أي: أطلقت. قوله: (أُستأنس)) أي: أتبصر هل يعود ٢٦ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٥) رسول الله، عَّله، إلى الرضى، أو هل أقول قولاً أطيب به وقته وأزيل منه غضبه. قوله: ((غير أهبة))، بالفتحات جمع إهاب على غير القياس، والإهاب: الجلد الذي لم يدبغ، والقياس أن يجمع الإهاب على: أهب، بضمتين. قوله: ((فليوسع))، هذه الفاء عطف على محذوف، لأنه لا يصلح أن يكون جواباً للأمر، لأن مقتضى الظاهر أن يقال ادع الله أن يوسع، وتقدير الكلام هكذا، وقوله: فليوسع عطف عليه للتأكيد. قوله: ((أفي شك؟)) يعني: هل أنت في شك؟ والمشكوك هو المذكور بعده، وهو تعجيل الطيبات. قوله: ((استغفر لي))، طلب الاستغفار إنما كان عن جراءته على مثل هذا الكلام، في حضرة رسول الله عَ لّه، وعن استعظامه التجملات الدنياوية. قوله: ((فاعتزل النبي عَُّلّ))، ابتداء كلام من عمر، رضي الله تعالى عنه، بعد فراغه من كلامه الأول، فلذلك عطفه بالفاء. قوله: ((من أجل ذلك الحديث))، أي: اعتزاله إنما كان من أجل إفشاء ذلك الحديث، وهو ما روي أن رسول الله عَ لّم خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها النبي عَّله: ((اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي»، ففشت حفصة إلى عائشة فغضبت عائشة حتى حلف النبي عّ لِّ أنه لا يقربهن شهراً، وهو معنى قوله: ((ما أنا بداخل عليهن شهراً). قوله: ((من شدة موجدته))، أي: من شدة غضبه، والموجدة مصدر ميمي من وجد يجد وجداً وموجدة. قوله: ((حين عاتبه الله تعالى))، ويروى: حتى عاتبه الله، وهذه هي الأظهر، وعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك﴾ [التحريم: ١]. قوله: ((لتسع وعشرين ليلة))، باللام في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: بتسع، بالباء الموحدة. قوله: ((الشهر تسع وعشرون))، ويروى: تسعاً وعشرين، وجه الرواية الأولى: أن: كان فيها تامة فلا يحتاج إلى خبر، وتسع بالرفع يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: وجد ذلك الشهر وهو تسع وعشرون، ويجوز أن يكون بدلاً من الشهر، وفي الرواية الثانية: أن: كان، ناقصة، وتسعاً وعشرين خبرها. قوله: ((فأنزلت آية التخيير))، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا﴾ إلى قوله: ﴿أجراً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨]. اختلف العلماء: هل خيرهن في الطلاق أو بين الدنيا والآخرة؟ وهل اختيارها صريح أو كناية؟ وهل هو فرقة أم لا؟ وهل هو بالمجلس أو بالعرف؟ وقال القرطبي: اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي عَّ أزواجه على قولين: الأول: خيرهن بإذن الله تعالى في البقاء على الزوجية أو الطلاق، فاخترن البقاء. الثاني: خيرهن بين الدنيا فيفارقهن وبين الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق. ذكره الحسن وقتادة، ومن الصحابة علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فيما رواه أحمد بن حنبل عنه، أنه قال: لم يخير النبي عَ لَّه نساءه إلاَّ بين الدنيا والآخرة. وقالت عائشة: خيرهن بين الطلاق والمقام معه، وبه قال مجاهد والشعبي ومقاتل. واختلفوا في سببه، فقيل: لأن الله خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة، فاختار الآخرة ٢٧ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٢٥) على الدنيا، فلما اختار ذلك أمر الله بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله، وقيل: لأنهن تغايرن عليه، فآلى منهن شهراً، وقيل: لأنهن اجتمعن يوماً فقلن: نريد ما يريد النساء من الحلي، حتى قال بعضهن: لو كنا عند غير النبي عَّ إذن لكان لنا شأن وثياب وحلي. وقيل: لأن الله تعالى صان خلوة نبيه عَّله، فخيرهن على أن لا يتزوجن بعده، فلما أجبن إلى ذلك أمسكهن. وقيل: لأن كل واحدة طلبت منه شيئًا، وكان غير مستطيع، فطلبت أم سلمة معلماً، وميمونة حلة يمانية، وزينب ثوباً مخططاً وهو البرد اليماني، وأم حبيبة ثوباً سحولياً، وحفصة ثوباً من ثياب مصر، وجويرية معجراً وسودة قطيفة خيبرية، إلاّ عائشة فلم تطلب منه شيئاً، وكانت تحته عَُّلِّ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي الحارث الهلالية. وأربع من غير قريش: صفية بنت حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. قوله: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ [الأحزاب: ٢٨]. قال المفسرون: كان أزواج النبي عَِّ سألنه شيئاً من عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة والغيرة، فغم ذلك رسول الله عَّهِ فهجرهن وآلى أن لا يقربهن شهراً، ولم يخرج إلى أصحابه في الصلاة، فقالوا: ما شأنه؟ قال عمر، رضي الله تعالى عنه: إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه؟ فأتى النبي عَّله، فجرى منه ما ذكر في حديث الباب. وذكروا أيضاً أن عمر، رضي الله تعالى عنه، تتبع نساء النبي عَّله فجعل يكلمهن لكل واحدة بكلام، فقالت أم سلمة: يا ابن الخطاب! أو ما بقي لك إلاّ أن تدخل بين رسول الله عَ لَّه وبين نسائه؟ من يسأل المرأة إلاَّ زوجها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية بالتخيير، فبدأ رسول الله عَ لَّه بعائشة، وكانت أحبهن إليه، فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله عَ ليه وتتابعتها بقية النسوة واخترن اختيارها، وقال قتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكر لهن الله على ذلك وقصره عليهن، فقال: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ [الأحزاب: ٥٢]. قوله: ﴿فتعالين﴾ [الأحزاب: ٢٨]. أصل: تعال، أن يقول من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطىء ثم كثر حتى استقر استعماله في الأمكنة كلها، ومعنى تعالين: أقبلن، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن. قوله: ﴿وأسر حكن﴾ [الأحزاب: ٢٨]. يعني: الطلاق ﴿سراحاً جميلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨]. من غير إضرار، طلاقاً بالسنة، وقرىء بالرفع على الاستئناف. قوله: ﴿والدار الآخرة﴾ [الأحزاب: ٢٨]. يعني: الجنة. قوله: ﴿منكن﴾ [الأحزاب: ٢٨]. يعني: اللاتي آثرن الآخرة. ﴿أجراً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وهو الجنة. ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن المحدث قد يأتي بالحديث على وجهه ولا يختصر، لأنه قد كان يكتفي، حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما كان يخبره منه أنهما عائشة وحفصة، وفيه: موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها. وفيه: الحزن والبكاء لأمور رسول الله عَِّ وما يكرهه والاهتمام بما يهمه. وفيه: الاستئذان والحجابة للناس كلهم، كان مع المستأذن عيال أو لم يكن. وفيه: الانصراف بغير صرف من المستأذن عليه، ومن هذا ٢٨ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٥) الحديث قال بعض العلماء: إن السكوت يحكم به، كما حكم عمر، رضي الله تعالى عنه، بسكوت رسول الله عَّالله عن صرفه إياه. وفيه: التكرير بالاستئذان. وفيه: أن للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف. وفيه: تقلله عَّ﴾ من الدنيا وصبره على مضض ذلك، وكانت له عنه مندوحة. وفيه: أنه يسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته. وفيه: قوله عَِّ لعمر، رضي الله تعالى عنه: لا رداً لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه، ولم يخبر عمر بما أخبر به الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، ولا شكاه لعلمه أنه لم يقصد الإخبار بخلاف القصة، وإنما هو وهم جرى عليه. وفيه: الجلوس بين يدي السلطان وإن لم يأمر به إذا استؤنس منه إلى انبساط خلق. وفيه: أن أحداً لا يجوز أن يسخط حاله ولا ما قسم الله له ولا سابق قضائه، لأنه يخاف عليه ضعف يقينه. وفيه: أن التقلل من الدنيا لرفع طيباته إلى دار البقاء خير حال ممن يعجلها في الدنيا الفانية والعجل لها أقرب إلى السفه. وفيه: الاستغفار من السخط وقلة الرضى. وفيه: سؤال من الشارع الاستغفار، ولذلك يجب أن يسأل أهل الفضل والخير الدعاء والاستغفار. وفيه: أن المرأة تعاقب على إفشاء سر زوجها، وعلى التحيل عليه بالأذى بالتوبيخ لها بالقول، كما وبخ الله تعالى أزواج نبيه عَّ ل على تظاهرهما وإفشاء سره، وعاتبهن بالإيلاء والاعتزال والهجران كما قال تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: ٣٤]. وفيه: أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً. وفيه: أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها أو ذوي الرأي من أهلها في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها، وهي في المال أولى بالمشاورة، لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة كعائشة، رضي الله تعالى عنها. وفيه: دليل لجواز ذكر العمل الصالح، وهي في قول عبد الله بن عباس: فحججت معه، أي: مع عمر. وفيه: الاستعانة في الوضوء إذ هو الظاهر من قوله: فتوضأ، وقال ابن التين: ويحتمل الاستنجاء، وذلك أن يصب الماء في يده اليمنى ثم يرسله حيث شاء، وفيه: رد الخطاب إلى الجمع بعد الإفراد، وذلك في قوله: أفتأمن؟ أي: إحداكن، ثم قال: فتهلكن، على رواية: تهلكن، بضم الكاف وبالنون المشددة، قاله الداودي. وفيه: أن ضحكه عَ لِّ التبسم إكراماً لمن يضحك إليه. وقال جرير: ما رآني رسول الله عَّهِ منذ أسلمت إلاَّ تبسم. وفيه: التخيير، وقد استعمل السلف الاختيار بعده، فعند الشافعي أن المرأة إذا اختارت نفسها فواحدة، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز، وذكر علي: أنها إذا اختارت نفسها فثلاث. وقال طاوس: نفس الاختيار لا يكون طلاقاً حتى يوقعه، وقال الداودي: إن واحدة من نسائه عَ لِّ اختارت نفسها، فبقيت إلى زمن عمر، رضي الله تعالى عنه، وكانت تأتي بالحطب بالمدينة فتبيعه، وأنها أرادت النكاح فمنعها عمر، فقالت: إن كنت من أمهات المؤمنين اضرب علي الحجاب، فقال لها: ولا كرامة. وقيل: إنها رعت غنماً. والذي في (الصحاح): أنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة. وقال الإمام الرازي الجصاص الحنفي: اختلف السلف فيمن خير امرأته، فقال علي: إن ٢٩ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَضْبِ / باب (٢٥) اختارت زوجها فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وعنه: وإن اختارت زوجها فلا شيء، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة. وقال زيد بن ثابت في: أمرك بيدك، إن اختارت نفسها فواحدة رجعية. وقال أبو حنيفة وصاحباه وزفر، في الخيار: بائنة اختارت زوجها فلا شيء، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة إذا أراد الزوج الطلاق، ولا يكون ثلاثاً، وإن نوى. وقال ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي: إن اختارت زوجها فلا شيء، وإن اختارت نفسها فواحدة. وقال مالك فى الخيار: إنه ثلاث، إذا اختارت نفسها وإن طلقت نفسها بواحدة لم يقع شيء، وقال النووي: مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماهير العلماء: أن من خير زوجته فاختارت لم يكن ذلك طلاقاً، ولا يقع به فرقة. وروي عن علي وزيد بن ثابت والحسن والليث: أن نفس التخيير يقع به طلقة بائنة، سواء اختارت زوجها أم لا، وحكاه الخطابي وغيره عن مذهب مالك، قال القاضي: لا يصح هذا عن مالك. وفيه: جواز اليمين شهراً، أن لا يدخل على امرأته، ولا يكون بذلك مولياً، لأنه ليس من الإيلاء المعروف في اصطلاح الفقهاء ولا له حكمه، وأصل الإيلاء في اللغة: الحلف على الشيء يقال منه: آلى يولي إيلاءً وتآلى تآلياً، وايتلى إيتلاءً: وصار في عرف الفقهاء مختصاً بالحلف عن الامتناع عن وطء الزوجه، ولا خلاف في هذا إلاَّ ما حكي عن ابن سيرين أنه قال: الإيلاء الشرعي محمول على ما يتعلق بالزوجة من ترك جماع أو كلام أو إنفاق، وسيجيء مزيد الكلام في مسائل الإيلاء المصطلح عليه في بابه، إن شاء الله تعالى. وفيه: جواز دق الباب وضربه. وفيه: جواز دخول الآباء على البنات بغير إذن أزواجهن والتفتيش عن الأحوال، سيما ما يتعلق بالمزاوجة. وفيه: السؤال قائماً. وفيه: التناوب في العلم والاشتغال به. وفيه: الحرص على طلب العلم. وفيه: قبول خبر الواحد والعمل بمراسيل الصحابة. وفيه: أن الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، كان يخبر بعضهم بعضاً بما يسمع من النبي عَ له ويقولون: قال رسول الله عَّ له، ويجعلون ذلك كالمسند، إذ ليس في الصحابة من يكذب ولا غير ثقة، وفيه: أن شدة الوطأة على النساء غير واجبة، لأن النبي، عَّ اله، سار بسيرة الأنصار فيهن. وفيه: فضل عائشة، رضي الله تعالى عنها. ٤٢ / ٢٤٦٩ - حدَّثنا ابنُ سَلام قال حدَّثنا الْفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدِ الطَّوِيل عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال آلَى رسولُ اللهُ عَلَّهِ مِنْ نِسَائِهِ شِهْرَاً وكانتِ انْفَكَّتُ قدَمُهُ فجَلُّسَ في عُلِّيَّةٍ لَهُ فَجاءَ عُمَرُ فقال أَطَلَّقْتَ نِساءَكَ قال لاَ ولُكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْراً فمَكَثَ تِسْعاً وعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ. [انظر الحديث ٣٧٨ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فجلس في علية له))، وابن سلام هو محمد بن سلام، والفزاري، بفتح الفاء وتخفيف الزاي وبالراء: هو مروان بن معاوية، مر في الصلاة. قوله: ((آلى))، أي: حلف، ولا يريد به الإيلاء الفقهي. قوله: ((انفكت)) أي: انفرجت، والفك انفراج المنكب أو القدم عن مفصله. قوله: ((فجاء عمر، رضي الله تعالى عنه)) يعني: إلى عليته. وفي الحديث الذي قبله، قال عمر: فجئت المشربة التي هو فيها، فقلت لغلام له أسود ... ٣٠ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَائِمُ والْغَضْبِ / باب (٢٦) الحدیث. ٢٦ - بابُ مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ علَى البَلاَطِ أوْ بابِ الْمَسْجِدِ أي: هذا باب في بيان من عقل بعيره، يعني: شد بعيره بالعقال على البلاط، بفتح الباء الموحدة، وهو حجارة مفروشة عند باب المسجد. قوله: ((وباب المسجد))، أي: أو على باب المسجد. ٤٣ / ٢٤٧٠ - حدّثنا مُسْلِمٌ قال حدَّثنا أبُو عُقَيْلٍ قال حدثنا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ الناجِيُّ قال أَتَيْتُ جابِرَ بنَ عبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال دَخَلَ النبيُّ عَُّلِّ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ وعَقَلْتُ الْجَمَلَ في ناحِيَّةِ البَلَاطِ فقُلْتُ هَذا جَمَلُكَ فخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بالجَمَلِ قال الثَّمَنُ والْجَمَلُ لَكَ. [انظر الحديث ٤٤٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وعقلت الجمل في ناحية البلاط)). قيل: هنا نظر من وجهين: أحدهما: أن المذكور في الترجمة على البلاد والمذكور في الحديث في ناحية البلاط وناحية الشيء غيره. والآخر: أن في الترجمة أو باب المسجد وليس في الحديث ذلك. قلت: يمكن الجواب عن الأول: بأن يكون المراد بناحية البلاط طرفها، وكان عقل الجمل بطرفها، ولا يتأتى إلاَّ بالطرف. وعن الثاني: بأنه ألحق باب المسجد بما قبله في الحكم قياساً عليه، وقيل: أشار به إلى ما ورد في بعض طرقه. قلت: هذا لا بأس به إن ثبت ما ادعاه من ذلك، ومع هذا فالموضع كله موضع تأمل. ومسلم هو ابن إبراهيم، وأبو عقيل، بالفتح: هو بشير - ضد النذير - ابن عقبة، بضم العين المهملة وسكون القاف الدورقي، وأبو المتوكل هو علي الناجي، بالنون والجيم وياء النسبة. والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن عقبة بن مكرم. قوله: ((فقلت))، أي: قال جابر: فقلت: يا رسول الله! هذا جملك، وهو الجمل الذي اشتراه عَّ لّه منه في السفر، وقد مرت قصته في كتاب البيوع في: باب شراء الدواب والحمير. قوله: ((فخرج)) أي: النبي، عَّه، من المسجد. قوله: ((فجعل يطيف بالجمل))، أي: يلم به ويقاربه. قوله: ((قال الثمن))، أي: قال النبي عٍَّ: ثمن الجمل والجمل لك، يعني: كلاهما لك، وهذا يدل على غاية كرم النبي، عَّهِ، وأن جابراً عنده بمنزلة. ذكر ما يستفاد منه: قال ابن بطال: فيه: أن رحاب المسجد مناخ للبعير. وفيه: جواز إدخال الأمتعة في المسجد، قياساً على البعير. وفيه: حجة لمالك والكوفيين في طهارة أبوال الإبل وأروائها. وفيه: رد على الشافعي فيما قال بنجاستها، قال ابن بطال: وهذا خلاف منه، الدليل الحديث، ولو كانت نجسة - كما زعم - ما كان لجابر إدخال البعير في المسجد، وحين رآه الشارع لم ينكر عليه، ولو كانت نجسة لأمره بإخراجها من المسجد خشية ما يكون فيه من الروث والبول، إذ لا يؤمن من حدوث ذلك منها. انتهى. قلت: أجاب الكرماني ٣١ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٧ و٢٨) عن ذلك بقوله: أقول: لا دليل على دخول البعير في المسجد ولا على حدوث البول والروث فيه على تقدير الحدوث، فقد يغسل المسجد وينظف منه، فلا حجة لهم ولا رد عليه، أي: على الشافعي. قلت: هذا ليس بشيء من الجواب، لأن جابراً صرح بأنه عقل جمله في ناحية بلاط المسجد، وهو رحاب المسجد وللرحاب حكم المسجد، وقوله: ولا على حدوث البول والروث فيه، لم يقل به الراد، وإنما قال: لا يؤمن حدوثه، فلو كان بوله وروثه نجساً لمنعه من ذلك. وقوله: وعلى تقدير الحدوث ... إلى آخره، جواب بطريق التسلم فليس بجواب، لأنه لا يجوز السكوت عن ذلك، مع العلم بنجاسته اكتفاء بالغسل والتنظيف، وأجاب صاحب (التوضيح) عن ذلك بقوله: ومذهبه جواز إدخاله فيه، ولا يرد عليه ما ذكره، فسلم من التعسف المذكور. ٢٧ - بابُ الوُقُوفِ والْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ القَوْمِ أي: هذا باب في بيان جواز الوقوف والبول عند سباطة قوم، والسباطة، بالضم: الكناسة، وقيل: المزبلة، ومعناهما متقارب، لأن الكناسة: الزبل الذي يكنس. ٤٤ /٢٤٧١ - حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ حَرْب عنْ شُعْبَةً عنْ مَنْصُورٍ عنْ أَبِي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال لَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ الله عَ لِ أَوْ قَالَ لَقَدْ أَتَى النبيُّ عَّه سُبَاطَةً قَوْمٍ فَبِالَ قائِماً. [انظر الحديث ٢٢٤ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو وائل شقيق بن سلمة الكوفي، وقد مر الحديث في كتاب الوضوء في: باب البول قائماً، وفي الباب الذي يليه، فإنه أخرجه هناك: عن آدم عن شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة وعن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن أبي وائل ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصّى. ٢٨ - بابُ مَنْ أَخَذَ الْغُصْنَ وما يُؤْذِي النَّاسَ في الطَّرِيقِ فِرَمَی بِهِ أي: هذا باب في بيان ثواب من أخذ الغصن، أي غصن كان، من أي شجر كان، مما يشوش على المارين في الطريق. قوله: ((وما يؤذي)) أي: وفي ثواب من أخذ ما يؤذي الناس، وهذا أعم من الأول لأنه يشمل الغصن والحجر ونحوهما مما يحصل منه الأذى للناس عند المرور عليه. قوله: ((فرمى به))، يعني رفعه من الطريق ورمى به في غير الطريق، وفي رواية الكشميهني: باب من أخر الغصن، من التأخير، وهو إزاحته عن الطريق. ٤٥ / ٢٤٧٢ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَلِ قال بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وجَدُّ غُصْنَ شَوْكٍ فأخَذَهُ فَشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. [انظر الحديث ٦٥٢]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبد الله هو ابن يوسف، وفي بعض النسخ، ذكر صريحاً. وسمي، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء: مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن ٣٢ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٩) الحارث بن المغيرة هشام، وأبو صالح ذكوان الزيات، والرواة كلهم مدنيون ما خلا شيخه. والحديث أخرجه مسلم في الجهاد عن يحيى بن يحيى عن مالك به. وأخرجه الترمذي في البر عن قتيبة به وفي روايته: فأخره، موضع: فأخذه. ثم قال: وفي الباب عن أبي برزة وابن عباس وأبي ذر. قلت: أما حديث أبي برزة فأخرجه ابن ماجه، عنه قال: قلت: يا رسول الله! دلني على عمل أنتفع به، قال: اعزل الأذى من طريق المسلمين. وأما حديث ابن عباس فأخرجه ... وأما حديث أبي ذر فأخرجه ابن عبد البر من حديث مالك بن يزيد عن أبيه عن أبي ذر، مرفوعاً: ((إماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق صدقة)). قلت: وفي الباب عن أبي سعيد، أخرجه ابن زنجويه من حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً: ((غفر الله لرجل أماط عن الطريق غصن شوك، ما تقدم من ذنبه وما تأخر)). وعن أبي بريدة، أخرجه أبو داود عنه: سمعت رسول الله عَّم يقول: في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك؟ قال: النخاعة في المسجد يدفنها، والشيء ينحيه عن الطريق ... وعن أنس، أخرجه ابن أبي شيبة من حديث قتادة عنه، قال: ((كانت شجرة على طريق الناس فكانت تؤذيهم، فعزلها رجل عن طريقهم، قال النبي، عَّه: رأيته يتقلب في ظلها في الجنة)). واعلم أن الشخص يؤجر على إماطة الأذى، وكل ما يؤذي الناس في الطريق، وفيه دلالة على أن طرح الشوك في الطريق والحجارة والكناسة والمياه المفسدة للطرق وكل ما يؤذي الناس يخشى العقوبة عليه في الدنيا والآخرة، ولا شك أن نزع الأذى عن الطريق من أعمال البر، وأن أعمال البر تكفر السيئات وتوجب الغفران، ولا ينبغي للعاقل أن يحقر شيئاً من أعمال البر، أما ما كان من شجر فقطعه وألقاه، وأما ما كان موضوعاً فأماطه، والأصل في هذا كله قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزلة: ٧]. وإماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان. ٢٩ - بابٌ إِذَا اخْتَلَفُوا في الطَّرِيقِ الْمِيتاءِ وَهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبِنْيَانَ فَتُرِكَ مِنْها الطّرِيقُ سَبَعَةَ أَذْرُعِ أي: هذا باب يذكر فيه إذا اختلف الناس في الطريق الميتاء، بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالتاء المثناة من فوق ممدودة، وهي على وزن مفعال، أصله من الإتيان، والميم زائدة، ويروى مقصورة على وزن مفعل، وقد فسره البخاري بقوله: وهي الرحبة إلى آخره، أي: الواسعة تكون بين الطريق. وقيل: الرحبة الساحة، وقال أبو عمرو الشيباني: الميتاء أعظم الطرق وهي التي يكثر مرور الناس بها. وقيل: الطريق العامرة، وقيل: الفناء بكسر الفاء، وروى ابن عدي من حديث عباد بن منصور عن أيوب السختياني عن أنس، رضي الله تعالى عنه، ((قال: قضى رسول الله عَّه في الطريق الميتاء التي يؤتى من كل مكان ... )) الحديث، وقد فسر عَّلَّهِ الطريق الميتاء بقوله: التي يؤتى من كل مكان. قوله: ((ثم يريد أهلها)) أشار بهذا إلى أن أصحاب الطريق الميتاء إذا أرادوا أن يبنوا فيها يتركوا منها الطريق للمارين مقدار ٣٣ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٢٩) سبعة أذرع، على ما نذكره في معنى الحديث، وقال صاحب (التلويح): هذه الترجمة لفظ حديث رواه عبادة بن الصامت عند عبد الله بن أحمد فيما زاده مطولاً عن أبي كامل الجحدري، حدثنا الفضل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة عنه. ٤٦/ ٢٤٧٣ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حَدَّثنا جَرِيرُ بنُ حَازِمِ عنِ الزُّبَيْرِ بنِ خِرِّيتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قال سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قَضَى النبيُّ عَّهِ إذا تشاجَرُوا في الطَّرِيقِ المِيتَاءِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ. مطابقته للترجمة ظاهرة، وجرير، بفتح الجيم وكسر الراء: ابن حازم، بالزاي، والزبير بن الخريت هذا ليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديثين في التفسير، وآخر في الدعوات، والزبير، بضم الزاي وفتح الباء الموحدة: ابن خريت، بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة من فوق، ومعناه في الأصل: الماهر الحاذق. ذكر معناه: قوله: ((إذا تشاجروا))، أي: إذا تخاصموا، يعني: أصحاب الطريق الميتاء. قوله: ((في الطريق))، زاد المستملي في روايته، في الطريق الميتاء، وليست هذه الزيادة محفوظة في حديث أبي هريرة، فإن قلت: لم ذكر في الترجمة بقوله في الطريق الميتاء؟ قلت: أشار به إلى أن هذه الزيادة وردت في حديث ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق عنه عن النبي عَّهِ: ((إذا اختلفتم في الطريق الميتاء فاجعلوها سبعة أذرع)). قوله: ((بسبعة أذرع))، يتعلق بقوله: ((قضى)) والمراد بالذراع ذراع البنيان المتعارف، وقيل: بما يتعارفه أهل كل بلد من الذرعان. وقال الطحاوي، رحمه الله: لم نجد لهذا الحديث معنىّ أولى أن يحمل من أن الطريق المبتدأة، إذا اختلف مبتدئوها في المقدار الذي يوقفون لها من المواضع التي يحاولون اتخاذها منها، كالقوم يفتتحون مدينة من مدائن العدو، فيريد الإمام قسمتها ويريد به، مع ذلك أن يجعل فيها طرقاً لكل من يسلكها بين الناس إلى ما سواها من البلدان ولا يجدها، مما كان المفتتحة عليهم أحكموا ذلك فيها، فيجعل كل طريق منها سبعة أذرع، ومثل ذلك الأرض الموات، يقطعها الإمام رجلاً ويجعل عليه إحياءها ووضع طريقها منها لاجتياز الناس فيه منها إلى ما سواها، فيكون ذلك الطريق سبعة أذرع. وقال المهلب: هذا الحكم في الأفنية، إذا أراد أهلها البنيان أن يجعل سبعة أذرع حتى لا يضر بالمارة، ولمدخل الأحمال ومخرجها، وقال الطبري: هو على الوجوب عند العلماء للقضاء به، ومخرجه عندهم على الخصوص، ومعناه أن كل طريق يجعل كذلك، وما يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به، ولا مضرة عليه. وكل طريق يؤخذ لها سبعة أذرع ويبقى لبعض الشركاء من نصيبه بعد ذلك، وما لا ينتفع به فغير داخل في معنى الحديث. وقيل هذا الحديث في أمهات الطريق، وما يكثر الاختلاف فيه والمشي عليه، وأما ما ينتاب من الطرق فيجوز في أفنيتها ما اتفقوا عليه، وإن كان أقل من سبعة أذرع. وقال ابن الجوزي: يكون عمدة القاري /ج١٣ /م٣ ٣٤ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٠) ذلك في الطريق الواسع من الشوارع الذي يقعد فيه حافية الباعة، وإن كان أقل من سبعة أذرع منعوا لئلا يضيق بأهله. ٣٠ - بابُ التُّهْبَى بِغَيْرِ إذْنِ صاحِبِهِ أي: هذا باب في بيان حكم النهبى، بضم النون على وزن فعلى: من النهب، وهو أخذ الشيء من أحد عياناً قهراً. وقال الخطابي: النهبى اسم مبني من النهب، كالعمرى من العمر. قوله: ((بغير إذن صاحبه))، أي: صاحب المنهوب بقرينة. قوله: ((النهبى))، فلا يكون إضماراً قبل الذكر، ومفهوم هذا أنه إذا أذن بالنهب جاز. وقال عُبَادَةُ بَايَعْنا النبيَّ عَّلِ أَنْ لا نَنْتَهِبَ عبادة هو ابن الصامت، رضي الله تعالى عنه، وهذا التعليق قطعة من حديث أخرجه في مواضع، منها قد مر في كتاب الإيمان في باب حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرنا أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت، وكان شهد بدراً ... الحديث، وليس فيه ذكر الانتهاب، وإنما ذكره في رواية الصنابحي في: باب وفود الأنصار، ولفظه: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل النفس التي حرم الله ولا ننتهب ... الحديث، وقد مر الكلام فيه مستوفّى في كتاب الإيمان. ٤٧ / ٢٤٧٤ _ حدَّثنا آدَمُ بنُ أبي إِيَاسٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَدِيُّ بنُ ثَابِتٍ قال سَمِعْتُ عَبْدَ الله بنَ يَزِيدَ الأنْصَارِيَّ وهْوَ جَدُّهُ أَبُو أُمّه قال نَهَى النبيُّ عَ لَّه عِنِ النُّهْبَى والمثْلَةِ. [الحديث ٢٤٧٤ - طرفه في: ٥٥١٦]. مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن معنى الترجمة: باب النهي بغير إذن صاحبه لا يجوز، لأن نهب مال الغير حرام. قوله: ((عبد الله بن يزيد))، بالياء في أوله من الزيادة، وهو هكذا في رواية الأكثرين، ووقع في رواية الكشميهني وحده: عبد الله بن زيد، بدون الياء في أوله، وهو غير صحيح. قوله: ((وهو))، يعني عبد الله بن يزيد. قوله: ((جده))، يعني: جد عدي بن ثابت لأمه، واسم أمه فاطمة، وتكنى أم عدي، وعبد الله بن يزيد بن حصين بن عمرو بن الحارث ابن خطمة واسمه عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس الأنصاري، أبو موسى الخطمي، مضى ذكره في الاستسقاء، وليس له عن النبي عَّله في البخاري غير هذا الحديث، وله فيه عن الصحابة غير هذا، وقد اختلف في سماعه من النبي عَّةِ، لأن مصعب بن الزبير قال: ليس له صحبة، وقال أبو داود: له رؤية، وقال أبو حاتم: روى عن النبي عَّ له وكان صغيراً على عهده، فإن صحت روايته فذاك، وهذا الحديث من أفراد البخاري. قوله: ((والمثلة))، بضم الميم وسكون الثاء المثلثة، ويجوز فتح الميم وضم الثاء، ويجمع على: مثلات، وهي العقوبة في الأعضاء: كجدع الأنف والأذن وفقء العين ونحوها، وقال ابن بطال: الانتهاب المحرم هو ما كانت العرب عليه من الغارات، وعليه وقعت البيعة ٣٥ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٣٠) في حديث عبادة. وقال ابن المنذر: النهبة المحرمة أن ينهب مال الرجل بغير إذنه، وهو له كاره، وأما المكروه فهو ما أذن صاحبه للجماعة وأباحه لهم، وغرضهم تساويهم فيه أو تقاربهم، فيغلب القوي على الضعيف. وقال الخطابي، معلوم أن أموال المسلمين محرمة، فيؤول هذا في الجماعة يغزون، فإذا غنموا انتهبوا وأخذ كل واحد ما وقع بيده مستأثراً به من غير قسمة، وقد يكون ذلك في الشيء تشاع الهبة فيه، فينتهبون على قدر قوتهم، وكذلك الطعام يقدم إليهم، فلكل واحد أن يأكل مما يليه بالمعروف، ولا ينتهب ولا يستلب من عند غيره، وكذلك كره من كره أخذ النثار في عقود الأملاك ونحوه، وقال الحسن والنخعي وقتادة: معنى الحديث النهبة المحرمة، وهي أن ينتهب مال الرجل بغير إذنه. واختلف العلماء فيما ينثر على رؤوس الصبيان وفي الأعراس، فتكون فيها النهبة، فكرهه مالك والشافعي وأجازه الكوفيون، وإنما كره لأنه قد يأخذ منه من لا يحب صاحب الشيء أخذه، ويجب أخذ غيره، وما حكي عن الحسن بأنه كان لا يرى بأساً بالنهب في العرسات والولائم، وكذلك الشعبي فيما رواه ابن أبي شيبة، عنه: فليس من النهبة المحرمة، وكذا حديث عبد الله بن قرط عن النبي عَّ أنه قال في البدن التي نحرها: ((من شاء اقتطع))، قال الشافعي: صار ملكاً للفقراء، لأنه خلى بينه وبينهم. فإن قلت: روي عن عون بن عمارة وعصمة بن سليمان عن لمازة بن المغيرة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه: ((أن النبي عَّ له كان في أملاك، فجاءت الجواري معهن الأطباق عليها اللوز والسكر، فأمسك القوم أيديهم، فقال: ألا تنتهبون؟ قالوا: إنك كنت نهيتنا عن النهبة. قال: تلك نهبة العساكر، فأما العرسان فلا، قال: فرأيت رسول الله عٍَّ يجاذبهم ويجاذبونه)). قلت: قال البيهقي: عون وعصمة لا يحتج بحديثهما، ولمازة مجهول، وابن معدان عن معاذ منقطع. قلت: خالد بن معدان، روى عن جماعة من الصحابة ولكنه لم يسمع من معاذ بن جبل. وقال الشافعي: فإن أخذ آخذ لا تجرح شهادته أن كثيراً يزعم أن هذا مباح، لأن مالكه إنما طرحه لمن يأخذه، وأما أنا فأكرهه لمن أخذه، وكان أبو مسعود الأنصاري يكرهه، وكذلك إبراهيم وعطاء وعكرمة ومالك، وذكر ابن قدامة أنه يجب القطع على المنتهب قبل القسمة، وحكي عن داود أنه يرى القطع على من أخذ مال الغير، سواء أخذه من حرز أو من غیر حرز. ٤٨ / ٢٤٧٥ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قال حدَّثني اللَّيْثُ قال حدَّثنا عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عبدِ الرَّحْمنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَ له لاَ يَزْنِي الزَّانِي حينَ يَزْنِي وهوَ مُؤْمِنٌ ولاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وهْوَ مُؤْمِنٌ ولاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهوَ مُؤْمِنٌ وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُها وهْوَ مُؤْمِنٌ. [الحديث ٢٤٧٥ - أطرافه في: ٥٥٧٨، ٦٧٧٢، ٦٨١٠]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا ينتهب نهبة)) إلى آخره، قيل: لا مطابقة هنا، لأن الترجمة مقيدة بغير الإذن. والحديث مطلق، وأجيب: بأن الحديث أيضاً مقيد بعدم الإذن، ٣٦ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٣٠) وذلك لأن رفع البصر إليه لا يكون عادة إلاَّ عند عدم الإذن. وهذا هو فائدة ذكر الرفع، وهذا الجواب من الكرماني أخذه بعضهم ولم ينسبه إليه، وأيضاً قال الكرماني: فإن قلت: النهب لا يتصور إلاَّ بغير إذن صاحبه، فما فائدة التقييد به في الترجمة؟ قلت: المراد الإذن الإجمالي حتى يخرج منه انتهاب مشاع الهبة ونحوه من الموائد. وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الحدود عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن إلى آخره. وأخرجه مسلم في الإيمان عن عبد الملك بن شعيب عن الليث عن أبيه عن جده بإسناده نحوه. وأخرجه النسائي في الأشربة، وفي الرجم عن عيسى بن حماد عن الليث به. وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن عيسى بن حماد عن الليث .. إلى آخره، نحوه، وفي الباب عن أبي داود من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال قال رسول الله عَّ له: ((من انتهب نهبة فليس منا))، وعند ابن حبان من حديث الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله عَّ لِ قال مثله، وعند الترمذي عن أنس قال رسول الله عَ ل: ((من انتهب نهبة فليس منا))، وقال: حديث حسن صحيح، وعند أحمد عن زيد بن خالد، قال: نهى رسول الله عَ لّمه عن النهبة، وعند ابن حبان عن ثعلبة عن الحكم، قال: انتهبنا غنماً للعدو فنصبنا قدورنا، فمر النبي عَّلّه بالقدور فأمر بها فأكفئت، ثم قال: إن النهبة لا تحل. وروى ابن أبي شيبة من حديث عاصم بن كليب عن أبيه: أخبرني رجل من الصحابة، قال: كنا مع النبي عَّ له في غزاة، فأصابتنا مجاعة وأصبا غنماً فانتهبناها قبل أن يقسم فينا، فأتانا النبي عَّلِّ متوكئاً على قوس، فأكفأ قدورنا بقوسه، وقال: ليست النهبة بأحل من الميتة. قوله: ((لا يزني الزاني حين يزني)) أي: لا يزني الشخص الذي يزني. قوله: ((حين يزني))، نصب على الظرف. قوله: ((وهو مؤمن))، جملة إسمية وقعت حالاً، قيل: معناه والحال أنه مستكمل شرائع الإيمان. وقيل: يزول منه الثناء بالإيمان لا نفس الإيمان، وقيل: يزول إيمانه إذا استمر على ذلك الفعل، وقيل: إذا فعله مستحلاً يزول عنه الإيمان فيكفر، وقال ابن التين: قال البخاري: ينزع منه نور الإيمان. قوله: ((ولا يشرب))، فاعله محذوف، قال ابن مالك: فيه حذف الفاعل، أي: لا يشرب الشارب، وروي: لا يشرب الخمر، بكسر الباء على معنى النهي، يعني: إذا كان مؤمناً فلا يفعل. قوله: ((ولا يسرق))، الكلام فيه مثل الكلام في لا يزني. قوله: ((إليه)) أي: إلى المنتهب، يدل عليه قوله: ولا ينتهب. قوله: ((فيها))، أي: في النهبة. قوله: ((أبصارهم))، بالنصب لأنه مفعول: يرفع الناس. قوله: ((حين ينتهبها))، نصب على الظرف، أي: وقت انتهابها. قوله: ((وهو مؤمن))، جملة حالية. وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن أبي أوفى، يرفعه: ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المسلمون إليها رؤوسهم وهو مؤمن، وروى مسلم من حديث يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله، عَّه، قال: ((لا يزني الزاني ... )) الحديث، وفيه قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن أبا بكر كان يحدثهم هؤلاء عن أبي ٣٧ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٠) هريرة، ثم يقول: وكان أبو هريرة يلحق معهن: ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن. ثم روى من حديث عقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب: وأخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة قال: إن رسول الله عَّلِ قال: ((لا يزني الزاني ... )) واقتصر الحديث يذكر مع ذكر النهبة، ولم يقل: ذات شرف، ثم قال: وقال ابن هشام: حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله عَّهِ بمثل حديث أبي بكر هذا إلاَّ النهبة. قوله: ((وكان أبو هريرة يلحق))، بضم الياء من الإلحاق. قوله: ((معهن))، أي: مع قوله: ((لا يزني))، وقوله: ((ولا يشرب))، وقوله: ((ولا يسرق))، قوله: ((ولا ينتهب))، في محل المفعولية لقوله: ((ويلحق))، على سبيل الحكاية، وقال النووي: ظاهر هذا أنه من كلام أبي هريرة موقوف عليه، ولكن جاء في رواية أخرى تدل على أنه من كلام النبي عَ لّه، وجمع الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بما يؤول إليه ملخص كلامه: أن معنى قول أبي هريرة: يلحق معهن ولا ينتهب ... إلى آخره، يعني يلحقها رواية عن رسول الله عَّ لا من عند نفسه، واختصاص أبي بكر بهذا لكونه بلغه أن غيره لا یرویھا. قوله: ((ذات شرف))، في الأصول المشهورة المتداولة بالشين المعجمة المفتوحة، ومعناه: ذات قدر عظيم، وقيل: ذات استشراف، ليستشرف الناس لها ناظرين إليها رافعين أبصارهم. وقال القاضي عياض: ورواه إبراهيم الجويني بالسين المهملة، وقال الشيخ أبو عمرو: وكذا قيده بعضهم في كتاب مسلم، وقال: معناه أيضاً: ذات قدر عظيم. فإن قلت: يعارض هذا الحديث حديث أبي ذر: من قال لا إله إلاَّ الله ... دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق، والأحاديث التي نظائره مع قوله تعالى: ﴿أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [آل عمران: ١١٦]. مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر، غير الشرك لا يكفرون بذلك؟ قلت: هذا الذي دعاهم إلى أن قالوا هذه الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء يراد نفي كماله، كما يقال: لا علم إلاَّ بما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلاَّ عيش الآخرة، ثم إن مثل هذا التأويل ظاهر شائع في اللغة يستعمل كثيراً، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين ما ذكر من الحديث والآية، وتأوله بعض العلماء على من فعل ذلك مستحلاً مع علمه بورود الشرع بتحريمه. وعنْ سَعيدٍ وأبي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ مِثْلَهُ إلَّ النُّهْبَةَ سعيد هو ابن المسيب، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وأشار بهذا إلى أن سعيداً وأبا سلمة رويا هذا الحديث المذكور مثل ما ذكر، إلاّ النهبة، يعني: لم يذكرا حكم الانتهاب، بل ذكر الزنا والسرقة والشرب فقط. وقد ذكرنا آنفاً عن مسلم أنه أخرج في حديثه: وقال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله، عَّه، بمثل حديث أبي بكر هذا إلاَّ النهبة. وذكر مسلم أيضاً من طريق ٣٨ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٣١) الأوزاعي أن الزهري روى عن ابن المسيب وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي، عَّهِ ... الحديث وفيه: وذكر النهبة ولم يقل ذات شرف. قال الفِرَبْرَيُّ وجدْتُ بِخَطُّ أبِي ◌َعْفَرِ قال أبو عَبْدِ الله تَفْسِيرُهُ أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ يُرِيدُ الإيمانَ الفربري، هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الراوي عن البخاري وأبو جعفر هو ابن أبي حاتم، ورَّاق البخاري وأبو عبد الله هو البخاري نفسه. قوله: ((تفسيره))، أي: تفسير قوله: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))، أن ينزع منه نور الإيمان، والإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان ونوره الأعمال الصالحة والاجتناب عن المعاصي، فإذا زنى أو شرب الخمر أو سرق يذهب نوره ويبقى صاحبه في الظلمة، والإشارة فيه إلى أنه لا يخرج عن الإيمان. قيل: إن في هذا الحديث تنبيهاً على جميع أنواع المعاصي والتحذير منها. فنبه بالزنا على جميع الشهوات وبالخمر على جميع ما يصد عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام، وبالنهبة على الاستخفاف بعباد الله تعالى وترك توقيرهم والحياء منهم، وجمع الدنيا من غير وجهها، والله تعالى أعلم. ٣١ - بابُ كَشرِ الصَّلِیبِ وقتلِ الخِنْزِيرِ أي: هذا باب في بيان الإخبار عن النبي عَّمِ أنه أخبر عن كسر عيسى بن مريم، عليهما الصلاة والسلام، عند نزوله - صلبان النصاري وأوثان المشركين وقتل خنازير الكل، وليس المراد من هذه الترجمة الإشارة إلى جواز كسر صليب النصارى وقتل خنازير أهل الذمة، فإنا أمرنا بتركهم وما يدينون، وأما كسر صليب أهل الحرب وقتل خنازيرهم فهو جائز ولا شيء على فاعله، والصليب هو المربع المشهور للنصارى من الخشب، يزعمون أن عيسى، عليه الصلاة والسلام، صلب على خشبة على تلك الصورة، وقد كذبهم الله تعالى في كتابه الكريم بقوله: ﴿وما قتلوه وما صلبوه﴾ [النساء: ١٥٧]. الآية، وكان أصله من خشب وربما يعملونه من ذهب وفضة ونحاس ونحوها. ٤٩ /٢٤٧٦ - حدّثنا علِيُّ بنُ عبدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا الزُّهْرِيُّ قال أخبرني سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ قالٍ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن رسولِ اللهِ عَ لَّم قال لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَنْزِلَ فيكُمْ ابنُ مزيِمَ حَكَماً مُقْسِطاً فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ ويَضَعَ الجِزْيَةَ ويفيضَ الْمَالَ حتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ. [انظر الحديث ٢٢٢٢ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الإسناد بعينه مر مراراً، وسفيان هو ابن عيينة. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن عبد الأعلى بن حماد وعن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن أبي بكر بن أبي شيبة. قوله: ((الساعة) أي: يوم القيامة. قوله: ((ابن مريم))، هو عيسى ابن مريم، عليهما الصلاة والسلام. قوله: ((حكماً)) بفتحتين، بمعنى: الحاكم. قوله: ٣٩ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (٣٢) (مقسطاً) أي: عادلاً في حكمه، وهو من الإقساط بكسر الهمزة، وهو العدل. يقال: أقسط يقسط فهو مقسط إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار وظلم، فكأن الهمزة في: أقسط، للسلب كما يقال: شكى إليه، فأشكاه أي: أزال شكواه. قوله: ((فيكسر الصليب)) إشعار بأن النصارى كانوا على الباطل في تعظيمه. قوله: ((ويضع الجزية))، أي: يتركها فلا يقبلها بل، يأمرهم بالإسلام. فإن قلت: هذا يخالف حكم الشرع، فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها فلا يجوز بعد ذلك إكراهه على الإسلام ولا قتله؟ قلت: هذا الحكم الذي كان بيننا ينتهي بنزول عيسى، عليه الصلاة والسلام. فإن قلت: هذا يدل على أن عيسى، عليه الصلاة والسلام، ينسخ الحكم الذي كان في شرعنا، والحال أنه تابع لشرع نبينا عَ لَّهِ. قلت: ليس هو بناسخ، بل نبينا عَ ل هو الذي بين بالنسخ. وأن عيسى، عليه الصلاة والسلام، يفعل ذلك بأمر نبينا معَ له. وأما ترك الجزية فإنها كانت تؤخذ في زماننا لحاجتنا إلى المال. وأما في زمن عيسى، عليه الصلاة والسلام، فيكثر المال وتفتح الكنوز حتى لا يلتقي أحد من يقبل منه فلذلك يترك الجزية. قوله: ((ويفيض))، بالفاء والضاد المعجمة: من فاض الماء والدمع وغيرهما يفيض فيضاً: إذا كثر، وقيل: السبب في فيضان المال: نزول البركات، وظهور الخيرات، وقلة الرغبات لقصر الآمال لعلمهم بقرب يوم القيامة. ٣٢ - بابٌ هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِي فِيها الْخَمْرُ أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقَاقُ فإِنْ كَسَرَ صَنَماً أَوْ صَلِيباً أَوْ طُنْبُوراً أو ما لا يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ أي: هذا باب يذكر فيه: هل تكسر الدنان التي فيها الخمر؟ والدنان، بكسر الدال: جمع الدن، بفتح الدال وتشديد النون. قال الكرماني: وهو الخب. قلت: هذا تفسير الشيء بما هو أخفى منه. وقال الجوهري: والخب الخابية فارسي معرب. قلت: هو في اللغة الفارسية خم، بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم، فعرب وقيل: حب، بضم الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة. وفي دستور اللغة في: باب الحاء المضمومة: الحب خم ودستي. قوله: ((التي فيها الخمر))، جملة في محل الرفع لأنها صفة الدنان، وجواب: هل، محذوف وإنما لم يذكره لأن فيه خلافاً وتفصيلاً. بيانه: أن قوله: هل تكسر الدنان التي فيها الخمر؟ أعم من أن يكون لمسلم أو لذمي أو الحربي، فإن كان الدن لمسلم ففيه الخلاف: فعند أبي يوسف وأحمد في رواية: لا يضمن، ويستدل لهما في ذلك بما رواه الترمذي: حدثنا حميد ابن مسعدة حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت ليئاً يحدث عن يحيى بن عباد عن أنس عن أبي طلحة أنه قال: يا نبي الله! إني اشتريت خمراً لأيتام في حجري! قال: ((أهرق الخمر وكسر الدنان))، ثم قال الترمذي: وقال الثوري هذا الحديث عن السدي عن يحيى بن عباد عن أنس: أن أبا طلحة كان عنده، وهذا أصح من حديث الليث، وقال محمد بن الحسن: يضمن، وبه قال أحمد في رواية، لأن الإراقة بدون الكسر ممكنة. وأجيب: عن الحديث: بأنه ضعيف، ضعفه ابن العربي، وقال: لا يصح لا من حديث أبي طلحة ولا من حديث أنس ٤٠ ٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ وَالْغَصْبِ / باب (٣٢) أيضاً، لتفرد السدي به، وفيه الليث بن أبي سليم وفيه مقال، وقال شيخنا: ما قاله ابن العربي مردود، فالسدي هو الكبير واسمه إسماعيل بن عبد الرحمن وثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد والنسائي وابن عدي، واحتج به مسلم. قلت: قول الترمذي هذا أصح من حديث الليث، يدل على أن حديث الليث أيضاً صحيح، ولكن حديث السدي أصح. والظاهر أنه لم يصرح بصحته لأجل الليث، واسم أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري، وقال جمهور العلماء، منهم الشافعي: إن الأمر بكسر الدنان محمول على الندب. وقيل: لأنها لا تعود تصلح لغيره لغلبة رائحة الخمر وطعمها، والظاهر أنه أراد بذلك الزجر، قال شيخنا، رحمه الله تعالى: يحتمل أنهم لو سألوه أن يبقوها ويغسلوها لرخص لهم. وإن كان الدن لذمي فعندنا يضمن بلا خلاف بين أصحابنا، لأنه مال متقوم في حقهم، وعند الشافعي وأحمد: لا يضمن لأنه غير متقوم في حق المسلم، فكذا في حق الذمي. وإن كان الدن لحربي فلا يضمن بلا خلاف إلاَّ إذا كان مستأمناً. قوله: ((أو تخرق))، بالخاء المعجمة على صيغة المجهول، عطف على قوله: ((هل تكسر الدنان؟)). والزقاق، بكسر الزاي: جمع زق جمع الكثرة، وجمع القلة أزقاق، وفيه أيضاً الخلاف المذكور فإن كان شق زق الخمر لمسلم يضمن عند محمد وأحمد في رواية، وعند أبي يوسف لا يضمن لأنه من جملة الأمر بالمعروف. وقال مالك: زق الخمر لا يطهره الماء لأن الخمر غاص في داخله، وقال غيره: يطهره، ويبنى على هذا الضمان وعدمه، والفتوى على قول أبي يوسف خصوصاً في هذا الزمان، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: أخذ النبي عَّ شفرة وخرج إلى السوق وبها زقاق خمر جلبت من الشام، فشق بها ما كان من تلك الزقاق. قوله: ((فإن كسر صنماً)، وفي بعض النسخ: وإن كسر، بالواو، وفي بعضها: وإذا كسر، وعلى تقدير جواب الشرط محذوف تقديره: هل يجوز ذلك أم لا؟ أو هل يضمن أم لا؟ وإنما لم يصرح بذكر الجواب لمكان الخلاف فيه أيضاً. فقال أصحابنا: إذا أتلف على نصراني صليباً فإنه يضمن قيمته صليباً. يعني: حال كونه صليباً لا حال كونه صالحاً لغيره، لأن النصراني مقر على ذلك، فصار كالخمر التي هم مقرون عليها. وقال أحمد: لا يضمن، وقال الشافعي: إن كان بعد الكسر يصلح لنفع مباح لا يضمن، وإلاَّ لزمه ما بين قيمته قبل الكسر وقيمته بعده، لأنه أتلف ما له قيمة. وقال ابن الأثير: الصنم ما يتخذ إلهاً من دون الله، وقيل: ما كان له جسم أو صورة، وإن لم يكن له جسم ولا صورة فهو وثن. وقال في باب الواو: الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي يعمل وينصب ويعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة. قوله: ((أو طنبور))، بضم الطاء وقد يفتح والضم أشهر، وهو آلة مشهورة من آلات الملاهي، وهو فارسي معرب. قوله: ((أو ما لا ينتفع بخشبه)) قال الكرماني: يعني: أو كسر شيئاً لا يجوز الانتفاع بخشبه قبل الكسر، كآلات الملاهي المتخذة من الخشب، فهو تعميم بعد