Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٤)
قوله: ((فزعم))، أي: قال، فالزعم يستعمل مقام القول المحقق كثيراً، والزاعم هو زيد
ابن خالد. قوله: ((أنه قال)) أي: أن رسول الله عَّهِ، ((قال: اعرف)) من المعرفة. قوله: ((يقول
يزيد)) يعني: قال يحيى بن سعيد الأنصاري: يقول يزيد، وهذه الجملة مقول قول يحيى،
فافهم. وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((إن لم تُعرف))، بلفظ المجهول من التعريف،
ويروى: إن لم تُعرف، من المعرفة على صيغة المجهول أيضاً. قوله: ((صاحبها))، أي:
ملتقطها. قوله: ((قال يحيى))، أي: يحيى بن سعيد الراوي، وهو موصول بالإسناد المذكور،
والحاصل أن يحيى بن سعيد شك: هل قوله: وكانت وديعة عنده، من رسول الله عَ لّه أم لا؟
وهو الذي أشار إليه بقوله: فهذا الذي لا أدري، أي: لا أعلم ((أفي حديث رسول الله، عَّه))
الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((هو)) يرجع إلى قوله: ((وكانت وديعة
عنده)). قوله: ((أم شيء من عنده)) أي: أو هو شيء قاله من عنده، وقد جزم يحيى بن سعيد
بذلك أنه من رسول الله عَّاليه، ولم يشك فيه، وهو فيما رواه مسلم عن القعنبي والإسماعيلي
من طريق يحيى ابن حسان، كلاهما عن سليمان بن بلال عن يحيى، فقال فيه: فإن لم تعرف
فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك. وقد أشار البخاري إلى رفعها على ما يجيء بعد أبواب، لأنه
ترجم بقوله: إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردها عليه لأنها وديعة عنده. قوله: ((قال يزيد))،
وهي تعرف أيضاً، أي: قال يزيد مولى المنبعث الراوي المذكور، وهو موصول بالإسناد
المذكور. وقوله: ((تعرف))، بتشديد الراء من التعريف على صيغة المجهول. قوله: ((حتى
يجدها ربها)) أي: صاحبها.
فيه: دليل على جواز أن يقال لمالك السلعة: رب السلعة. والأحاديث متظاهرة بذلك
إلاّ أنه قد نهى عن ذلك في العبد والأمة في الحديث الصحيح، فقال: لا يقل أحدكم: ربي،
وقد اختلف العلماء في ذلك، فكرهه بعضهم مطلقاً، وأجازه بعضهم مطلقاً، وفرق قوم في
ذلك بين من له روح وما لا روح له، فكره أن يقال: رب الحيوان، ولم يكره ذلك في
الأمتعة، والصواب: تقييد الكراهة أو التحريم بجنس المملوك من الآدميين، فأما غير الآدمي
فقد ورد في عدة أحاديث، فقال ههنا: حتى يجدها ربها، وقال في الإبل: حتى يلقاها ربها.
٤ - بابٌ إِذَا لَمْ يُوجَدْ صاحِبُ اللقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا
أي: هذا باب يذكر فيه إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد التعريف بسنة فهي، أي:
اللقطة، لمن وجدها، وهو بعمومه يتناول الواجد الغني والفقير، وهذا خلاف مذهب
الجمهور، فإن عندهم: إذا كانت العين موجودة يجب الرد، وإن كانت استهلكت يجب
البدل، ولم يخالفهم في ذلك إلاَّ الكرابيسي من أصحاب الشافعي، وداود الظاهري: ووافقهما
البخاري في ذلك، واحتجوا في ذلك بقوله عَّله في حديث الباب: فإن جاء صاحبها وإلاّ
فشأنك بها، وهذا تفويض إلى اختياره. واحتجوا أيضاً بما رواه سعيد بن منصور في حديث
زيد بن خالد عن الدراوردي عن ربيعة بلفظ: وإلاّ فتصنع بها ما تصنع بمالك، ومن حجة
الجمهور، قوله في حديث الباب السابق: وكانت وديعة عنده، وقوله في رواية بشر بن سعيد

٣٨٢
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٥)
ابن زيد بن خالد: فاعرف عفاضها ووكاءها ثم كُلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه فإن ظاهر
قوله: فإن جاء صاحبها ... إلى آخره، بعد قوله: كلها، يقتضي وجوب ردها بعد أكلها،
فيحمل على رد البدل، وقال ابن بطال: إذا جاء صاحب اللقطة بعد الحول لزم ملتقطها أن
يردها إليه، وعلى هذا إجماع أئمة الفتوى، وزعم بعض من نسب نفسه إلى العلم: أنها لا
تؤدى إليه بعد الحول، استدلالاً بقوله عَّ له: ((فشأنك بها)). قال: فهذا يدل على ملكها، قال:
وهذا القول يؤدي إلى تناقض السنن، إذ قال: فأدها إليه. قلت: قوله فأدها إليه دليل على أنه
إذا استنفقها أو تلفت عنده بعد التملك أنه يضمنها لصاحبها إذا جاء، ويدل عليه أيضا قوله
في رواية بشر بن سعيد عن زيد: ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها ... أمره بأدائها بعد الهلاك
إذا كان قد يملكها أما إذا أتلفت عنده بغير تفريط منه فإنه لا يضمنها لصاحبها إذا جاء، لأن
يده عليها يد أمانة فصارت کالوديعة ..
٢٤٢٩/٤ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عِبْدِ
الرَّحْمنِ عنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال جاءَ رَجُلٌ إلَى
رسولِ الله عَّهِ فِسَألَهُ عنِ اللُّقَطَةِ فقال اغْرِفْ عِفَاصَها ووِكاءَها ثُمَّ عَرَّفْهَا سَنَةً فإنْ جاءَ
صاحِبُها وإلاَّ فَشَأْتُكَ بِهِا قَل فَضالَّةُ الغَنَمِ قالَ هِيَ لَكَ أْ لِأَخِيكَ أُوْ لِلذِّتْبِ قال فَضالَّةُ الإبلِ
قال ما لَكَ وَلَهَا مَعَها سِقَاؤُها وحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلْقَاها ربُّهَا. [انظر
الحديث ٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فشأنك بها)) بنصب النون، أي: إلزم شأنك ملتبساً بها،
وقال الطيبي: قيل: إنه منصوب على المصدر، يقال: شأنت شأنه معها ... الخ أي: قصدت
قصده، وأشأن شأنك أي: إعمل ما تحسنه. وقال الكرماني: قوله: ((فشأنك)) بالنصب وبالرفع،
فقال في النصب: أي: إلزم شأنك، ولم يبين الرفع، ووجهه أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره
محذوف تقديره: فشأنك مباح أو جائز أو نحو ذلك، والشأن: الخطب والأمر والحال. قوله:
(«ما لك ولها؟» أي: ما لك وأخذها والحال أنها مستقلة بأسباب تعيشها، فيكون قوله: ((معها
سقاؤها))، على تقدير الحال، وبقية الكلام قد مرت.
٥ - بابٌ إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً في الْبَحْرِ أوْ سَوْطاً أوْ نَحْوَهُ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا وجد شخص خشبة في البحر أو وجد سوطاً في موضع أو
وجد شيئاً ونحو ذلك مثل عصا وحبل وما أشبههما، وجواب: إذا، محذوف تقديره: ماذا
يصنع به؟ هل يأخذه أو يتركه؟ فإذا أخذه هل يتملكه أو سبيله سبيل اللقطة؟ ففيه اختلاف
العلماء. فروى ابن عبد الحكم عن مالك: إذا ألقى البحر خشبة فتركها أفضل، وقال ابن
شعبان: فيها قول آخر: إن وجدها يأخذها، فإن جاء ربها غرم له قيمتها. ورخصت طائفة في
أخذ اللقطة اليسيرة والانتفاع بها وترك تعريفها، وممن روي عنه عمر وعلي وابن عمر
وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس، وقال ابن المنذر: روينا عن عائشة، رضي الله

٣٨٣
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٥)
تعالى عنها، في اللقطة: لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به. وعن جابر كانوا يرخصون في
السوط والحبل ونحوه أن ينتفع به. وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء
والنعلين أن ينتفع بها، استدل من يبيح ذلك بحديث الخشبة، لأن النبي، عَ لَّه، أخبر أنه
أخذها حطباً لأهله ولم يأخذها ليعرفها، ولم يقل أنه فعل ما لا ينبغي.
وفي (الهداية): وإن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يتطلبها: كالنواة وقشور
الرمان فإلقاؤه إباحة أخذه فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه،
لأن التمليك من المجهول لا يصح، وقال ابن رشد الأصل في ذلك ما روي أنه سَ لِّ مر
بتمرة في الطريق، ((فقال: لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها))، ولم يذكر فيها تعريفاً، وهذا
مثل العصا والسوط، وإن كان أشهب قد استحسن تعريف ذلك، فإن كان يسيراً، إلاَّ أن له
قدراً ومنفعة فلا خلاف في تعريفه سنة، وقيل: أياما وإن كان مما لا يبقى في يد ملتقطه
ويخشى عليه التلف، فإن هذا يأكله الملتقط فقيراً كان أو غنياً، وهل يضمن؟ فيه روايتان،
والأشهر أن لا ضمان عليه، وإن كان مما يسرع إليه الفساد في الحاضرة، فقيل: لا ضمان
عليه، وقيل: عليه الضمان، وقيل: بالفرق أن يتصدق به أو يأكله، أعني: إنه يضمن في الأكل
ولا يضمن في الصدقة، وفي (الواقعات): المختار في القشور والنواة يملكها، وفي الصيد لا
يملكه، وإن جمع سنبلاً بعد الحصاد فهو له لإجماع الناس على ذلك، وإن سلخ شاة ميتة فهو
له ولصاحبها أن يأخذها منه، وكذلك الحكم في صوفها.
٢٤٣٠ _ وقال اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عبْدِ الرَّحْمنِ بنِ هُرْمُزَ عنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنْ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وساقَ
الْحَدِيثَ فَخَرَجَ يَنْطُرُ لعَلَّ مَرْكباً قَدْ جاءَ بِمَالِهِ فإِذَا هُوَ بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَها لأَهْلِهِ حَطَباً فَلَمَّا
نَشرَهَا وجَدَ الْمَالَ والصَّحِيفَةَ. [انظر الحديث ١٤٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإذا هو بالخشبة فأخذها))، وقيل: ليس في الباب ذكر
السوط. وأجيب: بأنه استنبطه بطريق الإلحاق. وقيل: كأنه فاته عنه، وقال بعضهم: أشار
بالسوط إلى أثر يأتي بعد أبواب في حديث أبي بن كعب، أو أشار إلى ما أخرجه أبو داود
من حديث جابر، قال: رخص لنا رسول الله عَّةٍ في العصا والسوط والحبل، وأشباهه، يلتقطه
الرجل ينتفع به. انتهى. قلت: لو أشار بالسوط إلى أثر يأتي ... إلى آخره، على ما قاله هذا القائل،
كان الأصوب أن يذكر السوط هناك، وذكره هنا وإشارته إلى هناك فيه ما فيه، وقوله: أو أشار إلى
ما أخرجه أبو داود ... إلى آخره، ليس بشيء لأنه كثيراً ما يذكر ترجمة مشتملة على شيئين أو أكثر،
ولا يذكر لبعضها حديثاً أو أثراً، فيجاب عنه بأنه ذكره على أن يجد شيئاً صحيحاً فيذكره، ولكن
لم يجده فسكت عنه، وهذا الحديث الذي ذكره أبو داود ضعيف، واختلف في رفعه ووقفه،
فكيف يرضى بالإشارة إليه؟ وقد مضى الحديث بتمامه في الكفالة، وقد ذكره هنا أيضاً تعليقاً عن
الليث، وقد مضى الكلام فيه مستوفيّ. قوله: ((وجد المال)) أي: الذي بعثه المستقرض إليه،
والصحيفة التي كتبها المستقرض إليه يذكر فيها بعث مال القراض.

٣٨٤
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٦)
٦ - بابٌ إذَا وجَدَ تْرَةً في الطّرِيقِ
أي: هذا باب يذكر فيه: إذا وجد شخص تمرة في الطريق، وجواب: إذا، محذوف
تقديره يجوز له أخذها وأكلها وذكر التمرة ليس بقيد وكذا كل ما كان نحوها من
المحقرات.
٢٤٣١/٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ مَنْصورٍ عنْ طَلْحَةَ عنْ
أنس رضي اللهِ تعالى عنه قال مَرَّ النبيُّ عَّه بِتَعْرَةٍ في الطّريقِ قال لَوْلاَ أَنِّي أخافُ أنْ تَكُونَ
مِنَ الصَّدَقَّةِ لَأَكَلْتُها. [انظر الحديث ٢٠٥٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله الفريابي، قاله أبو نعيم
وغيره، ومنصور هو ابن المعتمر، وطلحة هو ابن مصرف على وزن اسم فاعل من التصريف.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في البيوع في: باب ما يتنزه من الشبهات عن قبيصة
عن سفيان عن منصور عن طلحة عن أنس إلى آخره. وقد مر الكلام فيه هناك.
وفيه: جواز أكل ما يوجد من المحقرات ملقى في الطرقات لأنه عَّ ذكر أنه لم
يتمنع من أكلها إلاَّ تورعاً لخشيته أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه، لا لكونها مرمية
في الطريق. وفيه: حرمة الصدقة على الرسول عَّلِ والاحتراز عن الشبهة. وقيل: هذا أشد ما
روي في الشبهات. وفيه: إباحة الشيء التافه بدون التعريف، وأنه خارج عن حكم اللقطة لأن
صاحبه لا يطلبه ولا يتشاح فيه، وقد روى عبد الرزاق أن علياً، رضي الله تعالى عنه، التقط
حباً أو حبة من رمان فأكلها، وعن ابن عمر أنه وجد تمرة فأخذها فأكل نصفها ثم لقيه
مسكين فأعطاه النصف الآخر. وفيه: إسقاط الغرم عن أكل الطعام الملتقط، وقيل: يضمنه وإن
أكله محتاجاً إليه، ذكره ابن الجلاب.
٢٤٣٢ - وقال يَحْلِى حدَّثنا سُفيانُ قال حدَّثني مَنصُورٌ وقال زَائِدَةُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ
طَلْحَةَ قال حدَّثنا أنَسّ وحدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قال أخبرنا عبْدُ الله قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنْ
هَمَّامٍ بِنِ مُنَبِّه عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّهِ قَال إِنِّي لأَتَقَلَّبُ إلى أهلي
فأجِدُ الثَّمْرَةَ ساقِطَة عَلَى فِرَاشي فأزْفَعُهَا لِآَكُلَها ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيها.
يحيى هو ابن سعيد القطان وسفيان هو الثوري.
وهذا التعليق وصله مسدد في مسنده عن يحيى، وأخرجه الطحاوي من طريق مسدد.
قوله: ((وقال زائدة))، أي: ابن قدامة، وهذا التعليق وصله مسلم، فقال: حدثنا أبو
كريب، قال: حدثنا أبو أسامة عن زائدة عن منصور عن طلحة بن مصرف، قال: حدثنا
أنس بن مالك أن رسول الله عَّل مر بتمرة في الطريق فقال: لولا أن تكون من الصدقة
لأكلتها. قوله: ((عبد الله))، هو ابن المبارك، ومعمر، بفتح الميمين: هو ابن راشد، وهمام،
بتشديد الميم على وزن فعال: ابن منبه بن كامل اليماني الأبناوي، وهذا الحديث مضى في

٣٨٥
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٧)
كتاب البيوع في: باب ما يتنزه من الشبهات معلقاً، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله:
((فألقيها))، بضم الهمزة: من الإلقاء وهو الرمي، وقال الكرماني: فألقيها بالرفع لا غير، يعني:
لا يجوز نصب الياء فيه لأنه معطوف على قوله: فارفعها، فإذا نصب ربما يظن أنه عطف على
قوله: أن تكون، فيفسد المعنى.
٧ - بابٌّ كَيْفَ تُعَرَّفُ لَقَطَةُ أهْلِ مَكَّةَ
أي: هذا باب يذكر فيه كيف تعرف، بالتشديد من التعريف على صيغة المجهول،
وهذه الترجمة تبين إثبات لقطة الحرم، وفيه رد على من يقول: لا يلتقط لقطة أهل الحرم،
واستدلوا في ذلك بما رواه مسلم بإسناده عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله
عَّلِ نهى عن لقطة الحاج، وأجابت العامة عن ذلك بأن المراد التقاطها للتملك لا للحفظ،
وقد أوضح هذا حديث الباب، وقيل: لم يبين أن كيفية لقطة الحرم مثل كيفية لقطة غيره في
التعريف والتمليك أم هي مقتصرة على الحفظ فيه؟ قلت: بل هي مقتصرة على الحفظ فقط،
يدل عليه حديث الباب، واكتفى بما في الحديث عن تصريح ذلك في الترجمة.
وقالَ طَاؤُسٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عنِ النبيِّ عَ لَّهِ قال لاَ يَلْتَقِطُ
لُقْطَتَها إلاَّ مَنْ عَرَّفَها
هذا قطعة من حديث وصلها البخاري في الحج في: باب لا يحل القتال. قوله: ((لا
يلتقط لقطتها))، أي: لقطة أهل مكة ((إلاَّ من عرفها)) يعني: للحفظ لصاحبها.
وقال خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما عنِ النبيِّ عَ لِ لا
تُلْتَقَطُ لُقْطَتُها إلاَّ لِمُعَرِّفٍ
خالد هو الحذاء، وهذا أيضاً قطعة وصلها البخاري في أوائل البيوع في: باب ما قيل
في الصواغ، وقد مر الكلام فيه هناك.
٢٤٣٣ _ وقال أحمَدُ بنُ سَغدٍ قال حدَّثنا رَوْعٌ قال حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قال حدَّثنا عَمْرُو
ابنُ دِينار عن ◌ِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عََّلَّهِ قال لا يُعْضَدُ
عِضاهُما ولاَ يُنَفَّرُ صَيْدُها وَلاَ تَحِلُّ لُقْطَّتُها إلاَّ لِمُنْشِدٍ ولا يُخْتَلَى خِلاَها فقال عبَّاسٌ يا
رسولَ الله إلاَّ الْإِذْخِرَ فقال إلاَّ الْإِذْخِرَ. [انظر الحديث ١٣٤٩ وأطرافه].
اختلف في أحمد بن سعيد هذا، فقال محمد بن طاهر المقدسي: هو أبو عبد الله
أحمد بن سعيد الرباطي، وقال أبو نعيم: هو أحمد بن سعيد الدارمي، وروح هو ابن عبادة،
وزكرياء هو ابن إسحاق المكي. ووصل هذا التعليق الإسماعيلي من طريق العباس بن عبد
العظيم، وأبو نعيم من طريق خلف بن سالم، كلاهما عن روح بن عبادة.
قوله: ((لا يعضد)) بالجزم، أي: لا يقطع، وقال الكرماني: بالجزم والرفع. قلت: الجزم
على أنه نهي، والرفع على أنه نفي، والعضاه شجر أم غيلان، وكل شجر له شوك عظيم،
عمدة القاري/ ج١٢ م٢٥

٣٨٦
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٧)
الواحدة عضة بالتاء، وأصلها عضهة. وقيل: واحدته عضاهة، وعضهت العضاه: إذا قطعتها.
قوله: ((إلاَّ لمنشد))، وهو المعرّف، يقال: أنشدته، أي: عرفته. وقال ابن بطال: قيل: معنى
المنشد من سمع ناشده يقول: من أصاب كذا، فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها لكي يردها.
وقال النضر بن شميل: المنشد الطالب، وهو صاحبها، وقال أبو عبيد: لا يجوز في العربية أن
يقال للطالب: المنشد، إنما هو المعرف، والطالب الناشد، وقيل: إنما لا يتملك لقطتها لإمكان
إيصالها إلى ربها إن كانت للمكي، فظاهر، وإن كانت للغريب فيقصد في كل عام من أقطار
الأرض إليها فيسهل التوصل إليها. قوله: ((ولا يختلى خلاها))، الخلا مقصوراً النبات الرطب
الرقيق ما دام رطباً، واختلاؤه قطعه، واختلت الأرض كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش،
والإذخر، بكسر الهمزة: حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها
زائدة، قاله ابن الأثير، واختلف العلماء في لقطة مكة، فقالت طائفة: حكمها كحكم سائر
البلدان، وقال ابن المنذر: وروينا هذا القول عن عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيب، وبه
قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقالت طائفة: لا تحل البتة، وليس لواجدها إلاّ إنشادها، وهو
قول الشافعي وابن مهدي وأبي عبيد بن سلام.
٢٤٣٤/٦ - حدَّثنا يَخْلِى بنُ موسى قال حدَّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قال حدَّثنا الأوْزَاعِي
قال حدَّثني يَخْلِى بنُ أَبِي كَثيرٍ قال حدَّثني أَبُو سَلَمَةَ بنُّ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَال حدَّثني أبُو هُرَيْرَةَ
رضي الله تعالى عنهُ قال لَمَّا فَتَحَّ الله عَلَى رَسِولِهِ عَلَّ مَكَّةَ قامَ في النَّاسِ فَحْمِدَ الله وأثْنى
عِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الله حبَسَ عِنْ مَكّةَ الفِيلَ وسَلَّطَ عَلَيْها رسولَهُ وِالْمُؤْمِنِينَ فإِنَّها لا تَجِلٌ
لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلي وإنَّها أُحِلَّتٍْ لي ساعةً مِنْ نَهَارٍ وإِنَّهَا لا تَحِلُّ لَأَحَدٍ بَعْدِي فَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُها
ولا يخْتَلَى شَوْكُهَا ولا تَحلُّ سَاقِطَتُها إلاَّ لِمُنْشِدٍ ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا
أنْ يُفْذى وإِمَّا أنْ يُقِيدَ فقال العبَّاسُ إلَّ الإِدْخِرَ فإنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنا وَبُيُوتِنَا فقال رسولُ اللهِ عَ له
إلاَّ الإِذْخِرَ فقامَ أبو شاهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فقال اكْتُبُوا لِي يا رسولَ الله فقال رسولُ اللهِ عَ لَّه
اكْتُبُوا لِأَبِي شاهِقُلْتُ لِلأُوْزَاعِيّ ما قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يا رسولَ الله قال لهذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَها
مِنْ رَسُولِ اللهِ عَّ ◌ُلّهِ. [انظر الحديث ١١٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكرياء السختياني
البلخي، يقال له: خت. الثاني: الوليد بن مسلم، بلفظ الفاعل من الإسلام. الثالث: عبد
الرحمن بن عمرو الأوزاعي. الرابع: يحيى بن أبي كثير واسم أبي كثير صالح. الخامس: أبو
سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. السادس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
في ثلاثة مواضع، وهذا من الغرائب، أن كل واحد من الرواة صرح بالتحديث. وفيه: القول
في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن الوليد والأوزاعي شاميان ويحيى بمامي

٣٨٧
٤٥ - كتابٌ فِي اللَّقْطَةِ / باب (٧)
وأبو سلمة مدني. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: ثلاثة من المدلسين
على نسق واحد.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج عن زهير بن حرب وعبيد الله بن
سعيد، كلاهما عن الوليد بن مسلم به. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل عن الوليد
ابن مسلم به إلاّ أنه لم يذكر قصة أبي شاه، وفي العلم عن مؤمل بن الفضل عن الوليد بن
مسلم به مختصراً، وعن علي بن سهل الرملي عن الوليد بن مسلم وفي الديات عن العباس
ابن الوليد بن يزيد عن أبيه عن الأوزاعي ببعضه. وأخرجه الترمذي في الديات عن محمود بن
غيلان ويحيى بن موسى، كلاهما عن الوليد بن مسلم ببعضه، وفي العلم بهذا الإسناد.
وأخرجه النسائي في العلم عن العباس بن الوليد بن يزيد عن أبيه وعن محمد بن عبد الرحمن
وعن أحمد بن إبراهيم. وأخرجه ابن ماجه في الديات عن عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم عن
الوليد بن مسلم ببعضه: من قتل له قتيل إلى قوله: يفدی.
ذكر معناه: قوله: ((لما فتح الله على رسوله، عَّةِ، مكة قام في الناس)) ظاهره أن
الخطبة وقعت عقيب الفتح وليس كذلك، بل وقعت بعد الفتح عقيب قتل رجل من خزاعة
رجلاً من بني ليث، والدليل على ذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث عن أبي هريرة من
وجه آخر في العلم في: باب كتابة العلم، عن أبي نعيم عن شيبان عن يحيى عن سلمة عن
أبي هريرة: أن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك
النبي عَّ له، فركب راحلته فخطب فقال: إن الله قد حبس عن مكة الفيل - أو القتل ... -
الحديث. قوله: ((القتل)) في رواية الأكثرين: بالقاف وبالتاء المثناة من فوق، وفي رواية
الكشميهني: بالفاء وبالياء آخر الحروف، والمراد به الفيل الذي أخبر الله في كتابه في سورة
﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١]. قوله: ((ولا تحل لأحد كان قبلي))،
كلمة: لا، بمعنى: لم، أي: لم تحل. قوله: ((ولا ينفر))، على صيغة المجهول من التنفير،
يقال: نفر ينفر نفوراً ونفاراً إذا فر وذهب. قوله: ((ولا تحل)) على بناء المعلوم والساقطة هي
اللقطة. قوله: ((إلاَّ لمنشد)) أي، لمعرف يعني: لا تحل لقطتها إلاَّ لمن يريد أن يعرفها فقط،
لا لمن أراد أن يتملكها.
قوله: (من قتل له قتيل))، قد مر أنه عَ لَّهِ: إنما قال هذا لما أخبر أن خزاعة قتلوا رجلاً
من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم، أي: بسبب قتيل منهم. قوله: ((فهو بخير النظرين))،
أي: بخير الأمرين، يعني: القصاص والدية، فأيهما اختار كان له إما أن يفدى، على صيغة
المجهول، أي: يعطى له الفدية، أي: الدية، وفي رواية للبخاري وغيره: إما أن يودى له، من
وديت القتيل أديه دية: إذا أعطيت ديته، وأما أن يقيد، أي: يقتص، من القود، وهو القصاص
وفي رواية: وأما أن يقاد له. قوله: ((فقام أبو شاه))، بالهاء لا غير، قال النووي: وقد جاء في
بعض الروايات بالتاء، وكذا عن ابن دحية. وفي (المطالع): وأبو شاه، مصروفاً ضبطه بعضهم،
وقرأته أنا معرفة ونكرة. قلت: معنى قوله: مصروفاً، أنه بالتنوين، ومعنى: شاه، بالفارسية ملك

٣٨٨
٤٥ - كتابٌ فِي اللَّقْطَةِ / باب (٧)
ويجمع على شاهان، وقد ورد النهي عن القول بشاهان شاه، يعني: ملك الملوك، ويقدم
المضاف إليه على المضاف في اللغة الفارسية.
ذكر ما يستفاد منه: وهذا الحديث مشتمل على أحكام: منها: أحكام تتعلق بحرم
مكة، وقد مر أبحاثه في كتاب الحج. ومنها: ما يتعلق باللقطة، وقد مر أبحاثها في كتاب
اللقطة. ومنها: ما يتعلق بكتاب أبي شاه، وقد مر في كتاب العلم. ومنها: ما يتعلق بالقصاص
والدية، وهو قوله: ومن قتل له قتيل، وقد اختلفوا فيه، وهو أن من قتل له قتيل عمداً فوليه
بالخيار بين أن يعفو ويأخذ الدية أو يقتص، رضي بذلك القاتل أو لم يرض، وهو مذهب
سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ومجاهد والشعبي والأوزاعي وإليه ذهب الشافعي
وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال ابن حزم: صح هذا عن ابن عباس، وروي عن عمر بن عبد
العزيز، رضي الله تعالى عنهم، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وقال إبراهيم النخعي
وعبد الله بن ذكوان وسفيان الثوري وعبد الله بن شبرمة والحسن بن حيي وأبو حنيفة وأبوٍ
يوسف ومحمد، رحمهم الله ليس لولي المقتول أن يأخذ الدية إلاَّ برضى القاتل، وليس له إلاّ
القود أو العفو. واحتج هؤلاء بما رواه البخاري عن أنس أن الربيع بنت النضر، عمته لطمت
جارية فكسرت سنها، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي، عَ لَّه،
فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر، فقال: يا رسول الله! أتكسر سن الربيع؟ والذي
بعثك بالحق لا تكسر سنها. فقال: يا أنس! كتاب الله القصاص، فعفا القوم، فقال رسول الله
عَّهِ: ((إن من عباد الله لو أقسم على الله لأبره))، فثبت بهذا الحديث أن الذي يجب بكتاب
الله وسنة رسول الله في العمد هو القصاص، لأنه لو كان للمجني عليه الخيار بين القصاص
وبين أخذ الدية إذاً لخيره رسول الله عَّه، ولما حكم لها بالقصاص بعينه فإذا كان كذلك
وجب أن يحمل قوله: فهو بخير النظرين، إما أن يفدى وإما أن يقيد على أخذ الدية برضى
القاتل، حتى تتفق معاني الآثار. ويؤيد ما رواه البخاري أيضاً عن ابن عباس، قال: كان في
بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية فقال الله لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص
في القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨]. الآية، وقوله: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾ [البقرة: ١٧٨].
فالعفو أن يقبل الدية في العمد، قوله: ﴿ذلك تخفيف من ربكم﴾ [البقرة: ١٧٨]. يعني:
مما كتب على من كان قبلكم، أو نقول: التخيير من الشرع تجويز الفعلين وبيان المشروعية
فيهما ونفي الحرج عنهما، كقوله عَ ◌ّ في الربويات: ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف
شئتم))، معناه: تجويز البيع مفاضلة ومماثلة بمعنى نفي الحرج عنهما، وليس فيه أن يستقل به
دون رضى المشتري، فكذا هنا جواز القصاص وجواز أخذ الدية، وليس فيه استقلال يستغني
به عن رضى القاتل.
فإن قلت: قد أخبر الله تعالى في الآية المذكورة أن للولي العفو واتباع القاتل بإحسان
فيأخذ الدية من القاتل، وإن لم يكن اشترط ذلك في عفوه. قلت: العفو في اللغة البذل:
﴿خذ العفو﴾ [الأعراف: ١٩٩]. أي: ما سهل، فإذا المعنى: فمن بذل له شيء من الدية

٣٨٩
٤٥ - كتابٌ فِي اللُّغْطَةِ / باب (٨)
فليقبل، والإبذال لا يجب إلاَّ برضى من يجب له ورضى من يجب عليه.
٨ - بابٌ لا تُخْتَلَبُ ماشِيَةُ أحَدٍ بِغَيْرِ إذْنٍ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا تحتلب ماشية أحد بغير إذن صاحبها، والماشية تقع على
الإبل والبقر والغنم، ولكنه في الغنم أكثر، قاله ابن الأثير. قوله: ((بغير إذن)) بالتنوين، ويروى:
«بغير إذنه)).
٧/ ٢٤٣٥ _ حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافع عنْ عبْدِ الله بن عُمَرَ
رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لَّلِ قال لا يَحْلُبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أَمْرِىءٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَيُحِبُ
أحدُكُمْ أَنْ تُؤْثِى مَشْرَبَتْهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعامُهُ فإنَّا تَخْزُنُ لَّهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ
أُطْعِماتِهِمْ فَلا يَحْلُبَنَّ ماشِيَةَ أحَدٍ إلاَّ بِإِذْنِهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة.
والحديث أخرجه مسلم في القضاء، وأبو داود في الجهاد جميعاً بالإسناد الذي رواه
البخاري.
ذكر معناه: قوله: ((عن نافع)) في (موطأ) محمد بن الحسن: أخبرنا نافع، وفي رواية
أبي قطن في (الموطآت) للدارقطني: قلت لمالك أحدثك نافع؟ قوله: ((أن رسول الله مٍَّ))،
وفي رواية يزيد بن الهاد عن مالك عند الدارقطني أيضاً: أنه سمع رسول الله عَّاللّه يقول.
قوله: ((لا يحلبن))، بضم اللام وبالنون الثقيلة، كذا في البخاري وأكثر (الموطآت) وفي رواية
ابن الهاد: ((لا يحتلبن))، من الاحتلاب من باب الافتعال. قوله: ((ماشية امرىء»، وفي رواية
ابن الهاد وجماعة من رواة (الموطأ): ((ماشية رجل))، وفي بعض (شروح الموطأ) بلفظ:
((ماشية أخيه))، وكل واحد منهما ليس بقيد، لأنه لا اختصاص له بالرجال ولا بالمسلمين،
لأنهم سواء في هذا الحكم، قيل: فرق بين المسلم والذمي فلا يحتاج إلى الإذن في الذمي،
لأن الصحابة شرطوا على أهل الذمة من الضيافة للمسلمين، وصح ذلك عن عمر، رضي الله
تعالى عنه، وذكر ابن وهب عن مالك في المسافر ينزل بالذمي، قال: لا يأخذ منه شيئاً إلاَّ
بإذنه. قيل له: فالضيافة التي جعلت عليهم؟ قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها، وأما الآن
فلا، وقال بعضهم: نسخ الإذن، وحملوه على أنه كان قبل فرض الزكاة، قالوا: وكانت
الضيافة واجبة حينئذ ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة، وذكر الطحاوي كذلك أيضاً. قوله:
((مشربته))، بضم الراء وفتحها: وهي الموضع المصون لما يخزن كالغرفة، وقال الكرماني: هي
الغرفة المرتفعة عن الأرض وفيها خزانة المتاع. انتهى. والمشربة، بفتح الراء خاصة: مكان
الشرب، و: المشربة، بكسر الراء: إناء الشرب.
قوله: ((خزانته))، بكسر الخاء المعجمة: الموضع أو الوعاء الذي يخزن فيه الشيء مما
يراد حفظه، وفي رواية أيوب عند أحمد: فيكسر بابها. قوله: ((فينتقل))، بالنون والقاف من
الانتقال: وهو التحويل من مكان إلى مكان، وهكذا هو في أكثر (الموطآت) عن مالك،

٣٩٠
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٨)
وحكى ابن عبد البر عن بعضهم: فينتثل، بنون ثم تاء مثناة من فوق ثم ثاء مثلثة: من الانتثال
من النثل، وهو النثر مرة واحدة بسرعة، ويقال: نثل ما في كنانته: إذا صبها ونثرها، وهكذا
أخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة، ومسلم من رواية أيوب وموسى بن عقبة
وغيرهما عن نافع، ورواه عن الليث عن نافع بالقاف، وهو عند ابن ماجه من هذا الوجه
بالمثلثة. وقوله: ((تؤتى)) وقوله: ((فتكسر)) وقوله: ((فينتقل)) كلها على بناء المجهول، قوله:
((تخزن)) بضم الزاي على بناء الفاعل ((وضروع مواشيهم)) كلام إضافي مرفوع لأنه فاعل:
تخزن، وقوله: ((أطعماتهم))، بالنصب مفعوله، وهي جمع أطعمة، والأطعمة جمع طعام، والمراد
به هنا اللبن، والضروع: جمع ضرع وهو لكل ذات خف وظلف كالثدي للمرأة، وفي رواية
الكشميهني: تحرز ضروع مواشيهم، بضم التاء وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وفي آخره
زاي، والمعنى: أنه، عَّله، شبه اللبنُ في الضرع بالطعام المخزون المحفوظ في الخزانة في
أنه لا يحل أخذه بغير إذن، ولا فرق بين اللبن وغيره.
ذكر ما يستفاد منه: قال أبو عمر: يحمل هذا الحديث على ما لا تطيب به النفس
لقوله عَّله: لا يحل مال امرىء مسلم إلاَّ عن طيب نفس منه، وقال عَّم: إن دماءكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق
بين اللبن والتمر وغيرهما في ذلك. وقال القرطبي: ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل شيء من
لبن الماشية ولا من التمر إلاّ إذا علم طيب نفس صاحبه، وذهب بعضهم إلى أن ذلك يحل،
وإن لم يعلم حال صاحبه، لأن ذلك حق جعله الشارع له، يؤيد ما رواه أبو داود من حديث
الحسن عن سمرة، رضي الله تعالى عنه: أن النبي عَّ قال: إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن
كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له وإلاَّ فليحلب ويشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت
ثلاثاً، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له وإلاَّ فليحلب ويشرب ولا يحمل، ورواه الترمذي
أيضاً، وقال: حديث سمرة حديث حسن غريب صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل
العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح،
وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سمرة، وقالوا: إنما يحدث عن صحيفة
سمرة، واستدلوا أيضاً بحديث أبي سعيد رواه ابن ماجه بإسناد صحيح من رواية أبي نضرة
عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: إذا أتيت على راع فناده ثلاث مرات، فإن أجابك وإلاَّ
فاشرب من غير أن تفسد، وإذا أتيت على حائط بستان فناده ثلاث مرات، فإن أجابك وإلاَّ
فكل من غير أن تفسد.
وبما رواه الترمذي أيضاً من حديث يحيى بن سليم عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر:
أن النبي عَ لِّ سئل عن التمر المعلق؟ فقال: من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا
شيء عليه، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث يحيى بن سليم. وروي أيضاً من
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي عَّ لّ سئل عن التمر المعلق إلى آخره
نحوه، والخبنة، بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة بعدها نون، قال الجوهري: هو

٣٩١
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٨)
ما تحمله في حضنك، وقال ابن الأثير: الخبنة معطف الإزار وطرف الثوب أي: لا يأخذ منه
في طرف ثوبه، يقال: أخبن الرجل إذا خبأ شيئاً في خبنة ثوبه أو سراويله، والمراد من التمر
المعلق هو التمر على النخل قبل أن يقطع، وليس المراد ما كانوا يعلقونه في المسجد من
الأقناء في أيام التمرة، فإن ذلك مسبل مأذون فيه، واستدلوا أيضاً بقضية الهجرة وشرب أبي
بكر والنبي عَّهِ من غنم الراعي. وقال جمهور العلماء وفقهاء الأمصار، ومنهم الأئمة أبو
حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم: لا يجوز لأحد أن يأكل من بستان أحد ولا يشرب من
لبن غنمه إلاَّ بإذن صاحبه، اللهم إلاَّ إذا كان مضطراً، فحينئذ يجوز له ذلك قدر دفع الحاجة.
والجواب عن الأحاديث المذكورة من وجوه: الأول: أن التمسك بالقاعدة المعلومة
أولى، قاله القرطبي. والثاني: أن حديث النهي أصح. والثالث: أن ذلك محمول على ما إذا
علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها. والرابع: أن ذلك محمول على أوقات
الضرورات، كما كان في أول الإسلام، وأجاب الطحاوي بأن هذه الأحاديث كانت في حال
وجوب الضيافة حين أمر رسول الله عَّ ه بها وأوجبها للمسافرين على من حلوا به، فلما نسخ
وجوب ذلك وارتفع حكمه ارتفع أيضاً حكم الأحاديث المذكورة. وقال القرطبي: وشرب
أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، حين الهجرة من غنم الراعي وإعطائه للشارع كان إدلالاً على
صاحب الغنم لمعرفته إياه، وأنه كان يعلم أنه أذن للراعي أن يسقي من مر به، أو أنه كان
عرفه أنه أباح بذلك، أو أنه مال حربي لا أمان له. وقال ابن أبي صفرة: حديث الهجرة في
زمن المكارمة، وهذا في زمن التشاح، لما علم عَّ ◌ُلّم من تغير الأحوال بعده. وقال الداودي:
إنما شرب الشارع والصديق لأنهما ابنا سبيل ولهما شرب ذلك إذا احتاجا.
وفي الحديث: استعمال القياس لتشبيه النبي عَّ اللبن في الضرع بالطعام المخزون،
وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها. وفيه: إباحة خزن الطعام واحتكاره، خلافاً لغلاة
المتزهذة، حيث يقولون: لا يجوز الادخار مطلقاً. وفيه: أن اللبن يسمى طعاماً، فيحنث به من
حلف لا يتناول طعاماً إلاَّ أن يكون له نية تخرج اللبن. وقال ابن عمر: فيه: ما يدل على أن
من حلب من ضرع شاة أو بقرة أو ناقة بعد أن يكون في حرزها ما يبلغ قيمته ما يجب فيه
القطع، أن عليه القطع إلاَّ على قول من لا يرى القطع في الأطعمة الرطبة من الفواكه. وفيه:
بيع الشاة اللبون بالطعام، لقوله: ((فإنما يخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم)) فجعل اللبن
طعاماً. وقد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن وسائر الطعام نقداً أو إلى أجل، فذهب
مالك وأصحابه: إلى أنه لا بأس ببيع الشاة اللبون باللبن يداً بيد ما لم يكن في ضرعها لبن،
فإن كان في ضرعها لبن لم يجز يداً بيد، باللبن، من أجل المزابنة، فإن كانت الشاة غير لبون
جاز في ذلك الأجل وغير الأجل. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز بيع الشاة
اللبون بالطعام إلى أجل، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن يداً
بيد، ولا إلى أجل. وفيه: ذكر الحكم بعلته وإعادته بعد ذكر العلة تأكيداً وتقريراً. وفيه: أن
القياس لا يشترط في صحته مساواة الفرع للأصل بكل اعتبار، بل ربما كانت للأصل مزية لا

٣٩٢
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (٩ و١٠)
يضر سقوطها في الفرع إذا تشاركا في أصل الصفة، لأن الضرع لا يساوي الخزانة في
الخزن، لما أن الضر لا يساوي القفل فيه، ومع ذلك فقد ألحق الشارع الشرع المصرور
بالحكم بالخزانة المقفلة في تحريم تناول كل منهما بغير إذن صاحبه. وفيه: ضرب الأمثال
للتقريب للأفهام وتمثيل ما يخفى بما هو أوضح منه.
٩ - بابٌ إِذَا جاءَ صاحِبُ اللَّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ ردَّهَا عَلَيْهِ لِأَنَّها ودِيعَةٌ عِنْدَهُ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا جاء صاحب اللقطة ... إلى آخره. قوله: ((بعد سنة)) أي:
بعد مضي سنة التعريف. قوله: ((لأنها)) أي: لأن اللقطة وديعة عند الملتقط، فيجب ردها إلى
صاحبها.
٢٤٣٦/٨ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عِنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي
عبْدِ الرَّحْمنِ عنْ يَزِيدَ مَولَى الْمُنْبَعِثِ عنْ زَيْدِ بنِ خالِدِ الْجُهنيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ
رجلاً سأل رسولَ الله عَ لَّ عِنِ اللُّقَطَةِ قال عَرَّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اغْرِفْ وِكَاءَهَا وِعِفَاصَها ثُمَّ
اسْتَثْفِقْ بِها فإِنْ جاءَ رَبُّهَا فأدَّهَا إِلَيْهِقالوا يا رسولَ اللهِ فَضَلَّهُ الغَنَمَ قال خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ
لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قال يا رسولَ الله فَضالَّةُ الإِبلِ قال فَغَضِبَ رسَولُ اللهِ عَِّ حتَّى احْمَرَّتْ
وجْنَتَاهُ أَوِ احْمَرَّ وجْهُهُ ثُمَّ قال ما لَكَ وَلَها مَعهاَ حِذَاؤُهَا وسِقَاؤُها حتَّى يَلْقاها رِبُّهَا. [انظر
الحديث ٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإن جاء ربها فأدها إليه)). فإن قلت: ليس في الحديث
لفظ: لأنها وديعة عنده؟ قلت: أجيب بجوابين: أحدهما: أنه ذكر هذه اللفظة في: باب ضالة
الغنم، قبل هذا الباب بخمسة أبواب، ولكنه ذكره بالشك هناك وذكره هنا مترجماً بالمعنى،
لأن قوله: ((أدها إليه)) بعد الاستنفاق، يدل على وجوب الرد وعلى أنه لا يملكها، فيكون
كالوديعة عنده، والجواب الآخر: أنه أسقط هذا اللفظ من حيث اللفظ، وذكره ضمنا من
حيث المعنى، لأن قوله: ((فإن جاء صاحبها فأدها إليه))، يدل على بقاء ملك صاحبها، خلافاً
لمن أباحها بعد الحول بلا ضمان، والجوابان متقاربان، وقد مر الكلام فيه مستقصى. ثم إنه
يستدل من قوله: ((لأنها وديعة عنده)) على أنها إذا تلفت من غير تقصير منه فإنه لا ضمان
عليه، ويدل على هذا اختياره، كما هو قول جماعة من السلف. فإن قلت: كيف يتصور
الأداء بعد الاستنفاق؟ قلت: بدلها يقوم مقامها، وكيفية ذلك مع ما قالوا فيه قد مضت
محررة. قوله: ((حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه))، شك من الراوي، والوجنتان تثنية:
وجنة، وهي ما ارتفع من الخدين، وفيها أربع لغات: بالواو وبالهمزة وبالفتح فيهما وبالكسر
أيضاً. والله أعلم.
١٠ - بابٌ هَلْ يَأْخُذُ اللَّقَطَةَ ولا يَدَعُهَا تَضِيعُ حتَّى لا يأخُذُها مَنْ لاَ يَسْتَحِقُ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يأخذ الملتقط اللقطة ولا يدعها حال كونها تضيع بتركه
إياها؟ قوله: ((حتى لا يأخذها))، كذا هو بحرف: لا، بعد: حتى، في رواية الأكثرين، وفي

٣٩٣
٤٥ - كتابٌ في اللُّغْطَةِ / باب (١٠)
رواية ابن شبويه: حتى يأخذها، بدون حرف: لا. وقال بعضهم: وأظن الواو سقطت من قبل:
حتى، والمعنى: لا يدعها تضيع ولا يدعها يأخذها من لا يستحق. قلت: لا يحتاج إلى هذا
الظن، ولا إلى تقدير الواو، لأن المعنى صحيح والتقدير لا يتركها ضائعة، ينتهي إلى أخذها
من لا يستحق، وكلمة: هل، هنا ليست على معنى الاستفهام، بل هي بمعنى: قد، للتحقيق،
والمعنى: باب يذكر فيه قد يأخذ اللقطة ... إلى آخره، ولهذا لا يحتاج إلى جواب. وأشار
بهذه الترجمة إلى الرد على من كره أخذ اللقطة. روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، رضي
الله تعالى عنهم، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وروى ابن القاسم عن مالك أنه كره أخذها،
والآبق فإن أخذ ذلك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن، وكره أحمد أخذها أيضاً،
ومن حجتهم في ذلك ما رواه الطحاوي: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا سليمان بن
حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير عن
أبي مسلك الجذمي عن الجارود، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((ضالة المسلم حرق النار)).
وأخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن أبي داود عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن يزيد بن
عبد الله عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود نحوه. وأخرجه الطبراني أيضاً. قلت: سليمان
ابن حرب شيخ البخاري وأيوب هو السختياني. وأبو مسلم الجذمي، بفتح الجيم والذال
المعجمة: نسبة إلى جذيمة عبد القيس، لا يعرف اسمه، والجارود هو ابن المعلى العبدي،
واسمه: بشر، والجارود: لقب به لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم،
وفد على رسول الله عَّهِ سنة عشر في وفد عبد القيس، فأسلم وكان نصرانياً، ففرح النبي
عَّه بإسلامه وأكرمه وقربه. والضالة: هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال:
ضل الصبي، إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا حار وقد: مر الكلام فيه مرة.
قوله: ((حرق النار))، بفتحتين وقد تسكن الراء، وحرق النار لهيبها، والمعنى: أن ضالة
المسلم إذا أخذها إنسان ليتملكها أدته إلى النار، وهذا تشبيه بليغ. وحرف التشبيه محذوف
لأجل المبالغة، وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس. وقال الحسن البصري والنخعي
والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي في قول، وأحمد في رواية وأبو يوسف ومحمد: لا
يحرم أخذ الضوال، وعن الشافعي في قول وأحمد في رواية: ندب تركها، وعن الشافعي في
قول: يجب رفعها، وقال ابن حزم: قال أبو حنيفة ومالك: كلا الأمرين، مباح، والأفضل
أخذها. وقال الشافعي مرة: أخذها أفضل، ومرة قال: الورع تركها. وأجاب الطحاوي عن
الحديث المذكور أنه عَّالله أراد أخذها لغير التعريف، وقد بين ذلك ما روي عن الجارود أيضاً
أنه قال: قد كنا أتينا إلى رسول الله عَّ له ونحن على إبل عجاف، فقلنا: يا رسول الله إنا قد
نمر بالحرف فنجد إبلاً فنركبها؟ فقال: إن ضالة المسلم حرق النار، وكان سؤالهم النبي عَ لَّه
عن أخذها لأن يركبوها، لا لأن يعرفوها، فأجابهم: بأن قال: ضالة المسلم حرق النار، أي:
إن ضالة المسلم حكمها أن تحفظ على صاحبها حتى تؤدى إلى صاحبها، لا لأن ينتفع بها
لركوب، ولا لغير ذلك، فبان بذلك معنى الحديث.

:
٣٩٤
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (١٠)
٩/ ٢٤٣٧ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ قال
سَمِعْتُ سُوَئِدَ بنَ غَفَلَةَ قال كُنْتُ معَ سَلْمانَ بنِ رَبِيعَةَ وزِيْدٍ بِنِ صُوحَانَ فَي غَزَاةٍ فَوَجَدْتُ
سَوْطاً فقال لي ألْقِهِ قلتُ لا ولَكِنْ إِنْ وجَدْتُ صَاحِبَهُ وإلاَّ اسْتَمْتَعْتُ بِهِ فلَمَّا رَجَعْنا حَجَجْنا
فمَرَرْتُ بِالْمَدِينَةِ فسألْتُ أُبَيِّ بنَ كَغْبٍ رضي الله تعالى عنهُ فقال وجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ
النبيِّ عَِّ فِيها مِائَةُ دِينارٍ فَأَتَيْتُ بِها النبيَّ عَلَّهِ فِقال عَرَّفْهَا حوْلاً فَعَرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أَتَيْتُ فقال
عرّفْها حَوْلاً فعرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أَتَيْتُهُ قال عَرِّفَهَا حَوْلاً فعرَّفْتُها حَوْلاً ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ فقال اغرِفْ
عِدَّتَهَا وَوِكَاءَها وَوِعَاءَها فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلاَّ اسْتَمْتِغْ بِهَا. [انظر الحديث ٢٤٢٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن أمره، عَ لّه، إياه بالتعريف، يدل على أن أخذ اللقطة
مشروع لئلا تضيع إذا تركها وتقع في يد غير مستحقها. والحديث مضى في أول كتاب
اللقطة، ولكنه أخرجه ههنا من طريق آخر مع زيادة فيه.
ورجاله قد ذكروا مع ترجمة سويد بن غفلة هناك، وسلمان بن ربيعة الباهلي، يقال: له
صحبة، ويقال له: سلمان الخيل، لخبرته بها، وكان أميراً على بعض المغازي في فتوح العراق
سنة ثلاثين، في عهد عمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهما، وهو أول من تولى قضاء الكوفة،
واستشهد في خلافته في فتوح العراق، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وزيد بن
صوحان، بضم الصاد المهملة وسكون الواو بعدها حاء مهملة وبعد الألف نون: العبدي،
تابعي كبير مخضرم أيضاً، وزعم ابن الكلبي: أن له صحبة. وروى أبو يعلى من حديث علي،
رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً: من سره أن ينظر إلى من سبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر
إلى زيد بن صوحان، وكان قدوم زيد في عهد عمر، رضي الله تعالى عنه، وشهد الفتوح،
وروى ابن منده من حديث بريدة، قال: ساق النبي، عَِّ، فقال زيد: زيد الخير: فسئل عن
ذلك، فقال رجل سبقه يده إلى الجنة فقطعت يد زيد بن صوحان في بعض الفتوح، وقتل مع
علي، رضي الله تعالى عنه، يوم الجمل.
قوله: ((في غزاة))، زاد أحمد من طريق سفيان عن سلمة: حتى إذا كنا بالعذيب، بضم
العين المهملة وفتح الذال المعجمة: وفي آخره باء موحدة - مصغر عذب -: وهو موضع، قاله
بعض الشراح وسكت. قلت: عذيب وادٍ بظاهر الكوفة، وقال إبراهيم بن محمد في (شرحه
لشعر أبي الطيب) عند قوله:
تذكرت ما بين الـعـذيب وبـارق
العذيب: ماء لبني تميم، وكذلك: بارق. قال الرشاطي والبكري: ديار بني تميم باليمامة،
وعذيبة تأنيث الذي قبله موضع في طريق مكة بين الجار وينبع. قوله: ((ألقه))، أمر من الإلقاء،
وهو الرمي. قوله: ((قلت: لا))، أي: لا ألقيه. قوله: ((الرابعة))، هي رابعة باعتبار مجيئه إلى
النبي عَ لَه، وثالثة باعتبار التعريف، وقال الكرماني: فإن قلت: تقدم أول اللقطة أنها الثالثة؟
قلت: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد. انتهى. والأصوب ما قلناه. قوله: ((عدتها))،
:

٣٩٥ :
٤٥ - كتابٌ فِي اللَّقْطَةِ / باب (١١)
أي: عددها. وقال الكرماني: هذا يدل على تأخير المعرفة عن التعريف، يعني. قوله: ((اعرف
عدتها))، والروايات السابقة بالعكس. قلت: مضى الجواب عن هذا عن قريب، وهو أنه مأمور
بمعرفتين، يعرف أولاً ليعلم صدق وصفها، ويعرف ثانياً معرفة زائدة على الأولى، من قدرها
وجودتها على سبيل التحقيق، ليردها على صاحبها بلا تفاوت.
حدَّثنا عبْدَانُ قال أخبرني أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ سلَمَةَ بِهِذَا قال فَلَقَيْتِ بَعْدُ بِكَّةَ فقال
لاَ أذرِي أَثَلاثَةَ أخْوَالٍ أوْ حَوْلاً واحِداً
أ
عبدان: اسمه عبد الله، وعبدان لقب عليه، وأبو عثمان بن جبلة، بالجيم والباء
الموحدة المفتوحتين: الأزدي البصري، وسلمة هو ابن كهيل.
....
قوله: ((بهذا))، أي: بالحديث المذكور. قوله: ((قال: فلقيته))، أي: قال سويد بن غفلة:
فلقيت أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه ((بمكة فقال لا أدري)) أي: لا أعلم ... إلى آخره،
ورواه مسلم، فقال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة. وحدثني أبو
بكر بن نافع، واللفظ له، حدثنا غندر حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت سويد بن
غفلة، قال: خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة غازين، فوجدت سوطاً فأخذته،
فقالا لي: دعه، فقلت: لا، ولكني أعرف به، فإن جاء صاحبه وإلاَّ استمتعت به. قال: فأبيت
عليهما، فلما رجعنا من غزاتنا قضي لي أني حججت، فأتيت المدينة، فلقيت أبي بن كعب،
رضي الله تعالى عنه، فأخبرته بشأن السوط، وبقولهما، فقال: إني وجدت صرة فيها مائة دينار
على عهد رسول الله عَ لِّ فأتيت بها رسول الله عَ لَّم فقال: عرفها حولاً، قال: فعرفتها فلم
أجد من يعرفها، ثم أتيته. فقال: عرفها حولاً فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته. فقال:
عرفها حولاً، فلم أجد من يعرفها، فقال: إحفظ عددها ووعاءها ووكاءها، فإن جاء صاحبها
وإلاَّ فاستمتع بها، فاستمتعت بها، فلقيته بعد ذلك بمكة، فقال: لا أدري، بثلاثة أحوال أو
حول واحد. انتهى. وإنما سقت حديث مسلم هذا بطوله لأنه كالشرح لرواية البخاري هذه.
١١ - بابُ مَنْ عَرَّفَ اللَّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ
أي: هذا باب في بيان حكم من عرف بالتشديد من التعريف. قوله: ((ولم يدفعها)»،
من الدفع في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ولم يرفعها، بالراء موضع الدال،
وحاصل هذه الترجمة أن الملتقط لا يجب عليه أن يدفع اللقطة إلى السلطان، سواء كانت
قليلة أو كثيرة، لأن السنة وردت بأن واجد اللقطة هو الذي يعرفها دون غيره، لقوله: عرفها،
إلاَّ إذا كان الملتقط غير أمين، فإن السلطان يأخذها منه ويدفعها إلى أمين ليعرفها على ما
نذكره عن قريب، وأشار بها أيضاً إلى رد قول من يفرق بين القليل والكثير حيث يقولون: إن
كان قليلاً يعرفه وإن كان كثيراً يرفعه إلى بيت المال، والجمهور على خلافه، وممن ذهب
إلى ذلك: الأوزاعي، وفرق بعضهم بين اللقطة والضوال، وفرق بعض المالكية وبعض الشافعية
بين المؤتمن وغيره، فألزموا المؤتمن بالتعريف، وأمروا بدفعها إلى السلطان في غير المؤتمن

٣٩٦
٤٥ - كتابٌ فِي اللَّقْطَةِ / باب (١٢)
ليعطيها لمؤتمن يعرفها.
١١/ ٢٤٣٨ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ رَبِيعَةَ عنْ يَزِيدَ مَوْلَى
الْمُنْبَعِبِ عنْ زَيْدِ بنِ خالدٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ أعرابِياً سألَ النبيَّ عَ لَّهِ عنِ اللَّقَطَةِ قال
عَرَّفْهَا سَنَةً فإنْ جاءَ أحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا ووِكَائِهَا وإلاَّ فاسْتَنْفِقْ بِها وسألَهُ عنْ ضالَّةِ الإِلِ
فَتَمَعَّرَ وَجُهُهُ وقال ما لَكَ وَلَهَا مَعَها سِقاؤُها وحذَاؤُها تَردُ الماءَ وتأكُلُ الشِّجَرَ دَعْها حتَّى
يَجِدَها رَبُّها وسألَهُ عنْ ضالَّةِ الْغَنَمِ فقال هِيَ لَكَ أوْ لأُخِيكَ أَوْ لِلذِّثْبِ. [انظر الحديث ٩١
وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه لا يجب على الملتقط دفعها إلى السلطان، بل هو
يعرفها، وهو حاصل معنى قوله: ((من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان))، والحديث
مضى مكرراً مع شرحه.
١٢ - باب
أي: هذا باب، وهو كالفصل لما قبله، وهكذا وقع بغير ترجمة، وليس هو بموجود في
رواية أبي ذر.
٢٤٣٩/١٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال أخبرنا النَّضْرُ قال أخبرنا إِسْرَائيلُ عنْ أبي
إسحاقَ قال أخبرَني الْبَراءُ عنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُما ح وحدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ
قال حدَّثُنا إسْرَائيلُ عنْ أبي إسحاقَ عن الْبَرَاءِ عنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما قال
انْطَلَقْتُ فإذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَم يَسوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ لِمَنْ أَنْتَ قال لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَسَمَّاهُ فَعَرَقْتُهُ
فقُلْتُ هَلْ فِي غَتَمِكَ مِنْ لَبَنٍ فقال نَعَمْ فَقُلْتُ هَلْ أَنْتَ حالِبٌ لِي قال نَعَمْ فأمَرْتُهُ فاعْتَقَلَ
شاةٌ منْ غَنَمِهِ ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَها مِنَ الغُبَارِ ثُمَّ أمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ فقال هَكَذَا
ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأَخْرَى فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ عَ لِّ إِدَاوَةً على
فَمِها خِرْقَةٌ فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حِتَّى بِرَدَ أسْفَلُهُ فانْتَهَيْتُ إلى النَّبِيِّ عَُّلِّ فَقَلْتُ اشْرَبْ يا
رسولَ الله فَشرِبَ حتَّى رَضِيتُ. [الحديث ٢٤٣٩ - أطرافه في: ٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨،
٣٩١٧، ٥٦٠٧].
وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب الذي كالفصل من الباب المترجم الذي قبله
من حيث إن الباب المترجم مشتمل على حكم من أحكام اللقطة، وهذا أيضاً فيه شيء يشبه
حاله حال اللقطة، وهو الشرب من لبن غنم لها راعٍ واحد في الصحراء، وهو في حكم
الضائع في هذه الحالة، فصار كالسوط أو الحبل أو نحوهما الذي يباح التقاطه. وقال
الكرماني: فإن قلت: ما التلفيق بينه وبين ما تقدم آنفاً من حديث: ((لا يحلبن أحد ماشية
أحد؟)) قلت: كان ههنا إذن عادي أو كان صاحبه صديق الصديق، أو كان كافراً حربياً أو
كان حالهما حال اضطرار أو من جهة النبي، عَّه، أولى بالمؤمنين. انتهى. قلت: لا تطلب
المطابقة إلاَّ بين حديث الباب والباب الذي ترجم عليه، وههنا الباب الذي فيه هذا الحديث

٣٩٧
٤٥ - كتابٌ في اللُّقْطَةِ / باب (١٢)
مجرد من الترجمة، وهو داخل في الباب الذي قبله، وهو: باب من عرف اللقطة ولم يدفعها
إلى السلطان، والذي ذكره الكرماني ليس له مناسبة ههنا أصلاً، وإنما يستقيم ما ذكره بين هذا
الحديث وبين: باب لا يحتلب ماشية أحد إلاَّ بإذه، وبينهما ثلاثة أبواب، والأصل بيان
المطابقة بین کل باب وحديثه.
ثم إن البخاري أخرج هذا الحديث من طريقين: الأول: عن إسحاق بن إبراهيم
المعروف بابن راهويه عن النضر، بسكون الضاد المعجمة: ابن شميل - مصغر شمل - عن
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن البراء
ابن عازب. الثاني: عن عبد الله بن رجاء بن المثنى الفداني البصري أبي عمرو عن
إسرائيل ... إلى آخره، والحديث أخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة عن محمد بن
يوسف، وفي الهجرة عن محمد بن بشار، وفي الأشربة عن محمود عن النضر. وأخرجه
مسلم في آخر الكتاب عن زهير بن حرب وعن إسحاق بن إبراهيم وعن سلمة بن شبيب،
وفي الأشربة عن أبي موسى.
قوله: ((فإذا أنا))، كلمة: إذا، للمفاجأة. قوله: ((انطلقت))، أي: حين كان مع رسول
الله، عَّ له، قاصدين الهجرة إلى المدينة. قوله: ((يسوق غنمه))، جملة حالية. قوله: ((هل في
غنمك من لبن؟» بفتح الباء الموحدة في رواية الأكثرين، وحكى عياض رواية ضم اللام
وسكون الباء أي: شاة ذات لبن، كذا قاله بعضهم: وليس كذلك، وإنما اللبن، بضم اللام
وسكون الباء جمع: لبنة، وكذلك لبن بكسر اللام، وعن يونس يقال: كم لبن غنمك ولبن
غنمك؟ أي: ذوات الدر منها. قوله: ((فأمرته))، أي: بالاعتقال، وهو الإمساك، يقال: اعتقلت
الشاة إذا وضعت رجلها بين فخذيك أو ساقيك لتحلبها. قوله: ((كثبة))، بضم الكاف وسكون
الثاء المثلثة وفتح الباء الموحدة: وهو قدر حلية. وقيل: القليل منه، وقيل: القدح من اللبن.
قوله: ((إدارة))، وهي الركوة.
وفي الحديث من الفوائد: استصحاب الإدارة في السفر وخدمة التابع للمتبوع.
وفيه: من التأدب والتنظيف ما صنعه أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، من نفض يد الراعي
ونفض الضرع، وقال ابن بطال: سألت بعض شيوخي عن وجه استجازة الصديق لشرب اللبن
من ذلك الراعي، فقال لي: يحتمل أن يكون الشارع قد كان أذن له في الحرب، وكانت
أموال المشركين له حلالاً، فعرضته على المهلب، فقال لي: ليس هذا بشيء لأن الحرب
والجهاد إنما فرض بالمدينة، وكذلك المغانم إنما نزل تحليلها يوم بدر بنص القرآن، وإنما شرباه
بالمعنى المتعارف عندهم في ذلك الزمن من المكارمات، وربما استفهم به الصديق الراعي من
أنه حالب أو غير حالب؟ ولو كان بمعنى الغنيمة ما استفهمه، ويحلب على ما أراد الراعي أو
کره، والله أعلم.

بسمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمْ والْغَصْبِ
أي: هذا كتاب في بيان تحريم المظالم وتحريم الغصب، والمظالم جمع مظلمة
مصدر ميمي من ظلم يظلم ظلماً، وأصله: الجور ومجاوزة الحد، ومعناه الشرعي: وضع
الشيء في غير موضعه الشرعي. وقيل: التصرف في ملك الغير بغير إذنه. والمظلمة أيضاً اسم
ما أخذ منك بغير حق، وفي المغرب المظلمة الظلم، واسم للمأخوذ في قولهم: عند فلان
مظلمتي وظلامتي أي: حقي الذي أخذ مني ظلماً، والغصب أخذ مال الغير ظلماً وعدواناً.
يقال: غصبه يغصبه غصباً فهو غاصب، وذاك مغصوب، وقيل: الغصب الاستيلاء على مال
الغير ظلماً. وقيل: أخذ حق الغير بغير حق، وهذه الترجمة هكذا هي في رواية المستملي
وفي رواية غيره سقط لفظ: كتاب هكذا في المظالم والغصب، وفي رواية النسفي: كتاب
الغصب: باب في المظالم.
وقَوْلِ الله تعَالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الْظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمِ
تَشْخَصُ فِيهِ الأنْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ﴾ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ الْمُقْنِعُ والْمُقْمِثْ
واحِدٌ [إبراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣].
وقول الله بالجر عطفٌ على ما قبله، ووقع في رواية أبي ذر من قوله: ﴿ولا تحسبن
الله غافلا﴾ [إبراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. إلى قوله: ﴿عزيز ذو انتقام﴾ [إبراهيم: ٤٦]. وهي
ست آيات في أواخر سورة إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وفي رواية غيره: ﴿ولا تحسبن الله
غافلاً﴾ [إبراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. وساق الآية فقط. قوله: ﴿ولا تحسبن الله غافلاً﴾
[إبراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. إن كان الخطاب للرسول عَ لِّ فمعناه التثبيت على ما كان عليه
من أنه لا يحسبه غافلاً كما في قوله تعالى: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ [الأنعام: ١٤،
:
يونس: ١٠٥، القصص: ٨٧]. وإن كان الخطاب لغيره ممن يجوز أنه يحسبه غافلاً لجهله
بصفاته فلا يحتاج إلى تقدير شيء. وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد: ولا تحسبنه يعاملهم
معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. قوله:
﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾ [ابراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. أي: أبصارهم، لا
تقرّ في أماكنهم من هول ما ترى. قوله: ﴿مهطعين﴾ [ابراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. يعني:
مسرعين إلى الداعي، وقيل: الإهطاع: أن تقبل ببصرك على المرئي وتديم النظر إليه لا تطرف.
قوله: ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ [إبراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. أي: رافعي رؤوسهم، كذا فسره
مجاهد: ﴿ولا يرتد إليهم طرفهم﴾ [إبراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. أي: لا يطرفون، ولكن
عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك الأجفان ﴿وأفئدتهم هواء﴾ [ابراهيم: ٢١٤، ٤٢
و٤٣]. أي: خلاء، وهو الذي لم تشغله الأجرام أي: لا قوة في قلوبهم ولا جراءة ويقال
للأحمق أيضاً: قلبه هواء، وعن ابن جريج: هواء أي: صفر من الخير خالية عنه. قوله:
٣٩٨

٣٩٩
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمِ والْغَضْبِ
((المقنع والمقمح واحد))، كذا ذكره أبو عبيد، أي: هذه الكلمة بالنون والعين وبالميم
والحاء معناهما واحد، وهو: رفع الرأس. وحكى ثعلب أن لفظة: أقنع مشترك بين معنيين،
يقال؛ أقنع إذا رفع رأسه، وأقنع إذا طأطأ، ويحتمل الوجهين هنا: أن يرفع رأسه ينظر ثم يطأطئه
ذلاً وخضوعاً.
وقالَ مُجَاهِدٌ مُهْطِعِينَ أيْ مُدِيمِي النَّظَرَ ويقالُ مُسْرِعِينَ ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ
وأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. يَعْنِي جُوفاً لاَ عُقُولَ لَّهُمْ
تفسير مجاهد أخرجه الفريابي عنه، وقد ذكرنا معنى: ﴿لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم
هواء﴾ [إبراهيم: ٢١٤، ٤٢ و٤٣]. قوله: ((جوفاً)) بضم الجيم جمع: أجوف، قوله: ((يعني،
لا عقول لهم)) كذا فسره أبو عبيدة في (المجاز)، وقيل: معنى: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ [إبراهيم:
٢١٤، ٤٢ و٤٣]. نزعت أفئدتهم من أجوافهم.
﴿وَأَنْذِر الناسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخَّرْنَا إلى أجَلِ قَرِيبٍ
نُجِبْ دَغْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرَّسُلَ أوَ لَمْ تَكُونُو أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مالَكُمْ مِنْ زوَالٍ وَسَكُنْتُمْ
في مَسِاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْتَا بِهِمْ وضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ
وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الله مَكْرُهُمْ وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ فَلاَ تَحْسَبَنَّ
الله مُخْلفٌ وغدِهِ رُسُلَهُ إن الله عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامِ﴾ [إبراهيم: ٤٦].
قد ذكرنا أن في رواية أبي ذر سيق من قوله: ﴿ولا تحسبن الله غافلا﴾ [إبراهيم:
٢١٤، ٤٢ و٤٣]. إلى قوله: ﴿عزيز ذو انتقام﴾ [إبراهيم: ٤٦]. ست آيات، وفي رواية غيره
آية واحدة فقط وهي الآية الأولى. قوله: ﴿وأنذر الناس﴾ الخطاب للرسول عَ لَّم أمره بإنذار
الناس وتخويفهم. قوله: ﴿يوم يأتيهم العذاب﴾ [إبراهيم: ٤٦]. وهو يوم القيامة وهو مفعول
ثان: لأنذر. قوله: ﴿أخرنا إلى أجل قريب﴾ [إبراهيم: ٤٦]. يعني: ردنا إلى الدنيا وأمهلنا
إلى أجل وحد من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك. قوله:
﴿أو لم تكونوا أقسمتم﴾ [إبراهيم: ٤٦]. أي: يقال لهم: أو لم تكونوا حلفتم أنكم باقون
في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء حتى كفرتم بالبعث وسكنتم في مساكن الذين ظلموا من
قبلكم ﴿وتبين لكم﴾ [إبراهيم: ٤٦]. ظهر لكم ما فعلنا بهم من أنواع الزوال بموتهم وخراب
مساكنهم والانتقام منهم، بعضها بالمشاهدة وبعضها بالإخبار ﴿وضربنا لكم الأمثال﴾
[إبراهيم: ٤٦]. أي: صفات ما فعلوا بالأمثال المضروبة لكل ظالم. قوله: ﴿وقد مكروا
مكرهم﴾ [إبراهيم: ٤٦]. يعني: بالنبي عَّ حين هموا بقتله ﴿وعند الله مكرهم﴾ [إبراهيم:
٤٦]. أي: عالم به لا يخفى عليه، فيجازيهم. قوله: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه
الجبال﴾ [إبراهيم: ٤٦]. يعني: وإن كان مكرهم ليبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله
ينصر دينه، والمراد بالجبال هنا: الإسلام، وقيل: جبال الأرض مبالغة، والأول استعارة، ثم
طمن قلب النبي عَّ له بقوله: ﴿ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز﴾ [إبراهيم:

٤٠٠
٤٦ - كِتَابُ الْمَظَالِمُ والْغَصْبِ / باب (١)
٤٦]. أي: منيع ﴿ذو انتقام﴾ [إبراهيم: ٤٦]. من الكفار.
١ - بابُ قِصَاصِ الْمَظَالِمِ
أي: هذا باب في بيان قصاص المظالم يوم القيامة، والقصاص اسم بمعنى المقاصة،
وهو مقاصة ولي المقتول القاتل، والمجروح الجارح، وهي مساواته إياه في قتل أو جرح، ثم
عم في كل مساواة، ويقال: أقصه الحاكم يقصه إذا مكنه من أخذ القصاص.
٢٤٤٠/١٣ _ حدَّثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال أخبرنا معاذُ بنُ هِشامٍ قال حدَّثني أبي
عن قَتَادَةَ عنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل النَّاجي عنْ أبِي سعيدِ الْخُدْرِيِّ رضي الله تعالَى عنهُ عنْ رسولٍ
الله عَّلِ قال إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ فِيَتَقَاصُّونَ
مَظَالِمَ كانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيا حتَّى إذا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجنَّةِ فَوَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ عَلَّهِ بِيَدِهِ لأَحَدُهُم بِسْكَتِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِنْزِلِهِ كانَ فِي الدُّنْيَا.[الحديث ٢٤٤٠
- طرفه في: ٦٥٣٥].
!
مطابقته للترجمة في قوله: ((فيقاصون مظالم كانت بينهم)) وإسحاق بن إبراهيم هو
المعروف بابن راهويه، ومعاذ بن هشام البصري، سكن ناحية اليمن، يكنى أبا عبد الله، وأبوه
هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ودستواء من ناحية الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب
منها فنسب إليها مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وأبو المتوكل علي بن دؤاد، بضم الدال
المهملة الأولى الناجي، بالنون وبالجيم وأبو سعيد الخدري، سعيد بن مالك.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الرقاق عن الصلت بن محمد عن يزيد بن زريع،
وقد ترجم هناك في: باب القصاص يوم القيامة.
قوله: ((إذا خلص المؤمنون))، بفتح اللام أي: إذا سلموا ونجوا من النار، والمراد
بعض المؤمنين. قوله: ((حبسوا))، على صيغة المجهول، أي: عرفوا. قوله: ((بقنطرة))، قال ابن
التين: القنطرة كل شيء ينصب على عين أو واد، وقال الهروي سمي البناء قنطرة لتكاثف
بعض البناء على بعض، وسماها القرطبي: الصراط الثاني والأول لأهل المحشر، كلهم إلاَّ من
دخل الجنة بغير حساب أو يلتقطه عتق من النار، فإذا خلص من الأكبر ولا يخلص منه إلاّ
المؤمنون، حبسوا على صراط خاص بهم، ولا يرجع إلى النار من هذا أحد، وهو معنى قوله
إذا خلص المؤمنون من النار أي: من الصراط المضروب على النار، وقال مقاتل: إذا قطعوا
جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا هذبوا قال لهم رضوان: ﴿سلام عليكم
طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣]. قوله: ((بين الجنة والنار))، أي: بقنطرة كائنة بين
الجنة والصراط الذي على متن النار، ولهذا سمي بالصراط الثاني، وبهذا يرد على بعضهم في
قوله بقنطرة: الذي يظهر أنها طرف الصراط مما يلي الجنة، ويحتمل أن يكون من غيره بين
الصراط والجنة. انتهى. قلت: سبحان الله، ما هذا التصرف بالتعسف، فإن الحديث مصرح
بأن تلك القنطرة بين الجنة والنار، وهو يقول: إنها طرف الصراط، وطرف الصراط من