Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٣٤ - كِتَابُ البيوع / باب (١٠٠)
يهودي آخر كما ذكرنا. وقوله عَّ له: ((وكان حراً» إخبار منه بحريته في أول أمره قبل أن
يخرج من دار الحرب، والعجب من الكرماني أنه قال: قوله: ((وكان حراً) حال من: قال،
يعني من: قال النبي عَّله، لا من: قوله: ((كاتب)) فكيف غفل عن هذا وسأل هذا السؤال
الساقط؟ ونظير ذلك ما قاله صاحب (التوضيح): ولكن ما هو في البعد مثل ما قاله الكرماني،
وهو أنه قال: فإن قلت: كيف جاز لليهودي ملك سلمان وهو مسلم، فلا يجوز للكافر ملك
مسلم؟ قلت: أجاب عنه الطبري: بأن حكم هذه الشريعة أن من غلب من أهل الحرب على
نفس غيره أو ماله، ولم يكن المغلوب على ذلك ممن دخل في الإسلام، فهو ملك للغالب،
وكان سلمان حين غلب نفسه لم يكن مؤمناً، وإنما كان إيمانه تصديق النبي، عَّلّه، إذا بعث
مع إقامته على شريعة عيسى، عليه الصلاة والسلام، انتهى. ويؤيد ما ذكره الطبري أنه عَطهو.
لما قدم المدينة وسمع به سلمان فذهب إليه ببعض تمر يختبره إن كان هو هذا النبي يقبل
الهدية ويرد الصدقة، فلما تحققه دخل في ذلك الوقت في الإسلام، كما هو شرطه، فلذلك
أمره، عَ لَه، بالكتابة ليخرج من ملك مولاه اليهودي.
وسُبِيَ عَمَّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلاَلٌ
مطابقته للترجمة من حيث إن أم عمار كانت من موالي بني مخزوم وكانوا يعاملون
عماراً معاملة السبي، فهذا هو السبي، فهذا هو الوجه هنا لأن عماراً ما سبي، على ما نذكره.
وأما صهيب وبلال فباعهما المشركون على ما نذكره، فدخلا في قوله في الترجمة: شراء
المملوك من الحربي. وقال صاحب (التوضيح): قوله: ((وسبي عمار وصهيب وبلال)) يعني:
أنه كان في الجاهلية يسبي بعضهم بعضاً ويملكون بذلك. انتهى. قلت: هذا الكلام الذي لا
يقرب قط من المقصود أخذه من صاحب (التلويح)، وكون أهل الجاهلية سابين بعضهم
بعضاً لا يستلزم كون عمار ممن سبي ولا بلال، وإنما كانا يعذبان في الله تعالى حتى
خلصهما الله تعالى ببركة إسلامهما، نعم سبي صهيب وبيع على يد المشركين، وروي عن
ابن سعد أنه قال: أخبرنا أبو عامر العقدي وأبو حذيفة موسى بن مسعود، قالا: حدثنا زهير بن
محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة بن صهيب عن أبيه، قال: إني رجل من
العرب من النمر بن قاسط، ولكني سبيت، سبتني الروم غلاماً صغيراً بعد أن عقلت أهلي
وقومي وعرفت نسبي، وعن ابن سعد: كان أباه من النمر بن قاسط، وكان عاملاً لكسرى:
فسبت الروم صهيباً لما غزت أهل فارس فابتاعه منهم عبدالله بن جدعان، وقيل: هرب من
الروم إلى مكة فحالف ابن جدعان، فهذا يناسب الترجمة، لأنه دخل في قوله: شراء المملوك
من الحربي. وأما بلال فإن ابن إسحاق ذكر في (المغازي): حدثني همام بن عروة عن أبيه
قال: مر أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، بأمية بن خلف وهو يعذب بلالاً، فقال: ألا تتقي الله
في هذا المسكين؟ فقال: انقذه أنت بما ترى. فأعطاه أبو بكر غلاماً أجلد منه، وأخذ بلالاً،
فأعتقه. وقيل غير ذلك، فحاصل الكلام أنه أيضاً يناسب الترجمة، لأنه دخل في قوله: شراء
المملوك من الحربي، أما الشراء فإن أبا بكر قايض مولاه، والمقايضة نوع من البيوع، وأما

٤٢
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوع / باب (١٠٠)
كونه اشترى من الحربي لأن مكة في ذلك الوقت كانت دار الحرب وأهلها من أهل
الحرب، وأما عمار فإنه كان عربياً عنسياً، بالنون والسين المهملة، ما وقع عليه سباء، وإنما
سكن أبوه ياسر، مكة وحالف بني مخزوم فزوجوه سمية، بضم السين: وهي من مواليهم،
أسلم عمار بمكة قديماً، وأبوه وأمه وكانوا ممن يعذب في الله، عز وجل، ((فمر بهم النبي،
عَّهِ، وهم يعذبون: فقال صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة)). وقيل أبو جهل سمية، طعنها
بحربة في قُبُلِها فكانت أول شهيد في الإسلام. وقال مسدد: لم يكن أحد أبواه مسلمان غير
عمار بن ياسر، وليس له وجه في دخوله في الترجمة إلاَّ بتعسف، كما ذكرناه، وقال
الكرماني: قوله: سبي، أي: ولم يذكر شيئاً غيره، لأنه لم يجد شيئاً يذكره، على أن السبي
هل يجيء بمعنى الأسر؟ فيه كلام.
وقال الله تعالى ﴿والله فَضَّلَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِي
رِزْقِهِمْ عَلَى ما مَلَكَتْ أَمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١].
مطابقة هذه الآية الكريمة للترجمة في قوله: ﴿على ما ملكت أيمانهم﴾ [النحل: ٧١].
والخطاب فيه للمشركين، فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالباً على غير الأوضاع
الشرعية. وقيل: مقصوده صحة ملك الحربي وملك المسلم عنه. قلت: إذا صح ملكهم
يصح تصرفهم فيه بالبيع والشراء والهبة والعتق ونحوها، وقال ابن التين: معناه: أن الله فضل
الملاك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقوى على ملك مع مولاه، واعلم أن المالك لا
يشرك مملوكه فيما عنده، وهما من بني آدم، فكيف تجعلون بعض الرزق الذي يرزقكم الله
لله، وبعضه لأصنامكم فتشركون بين الله وبين الأصنام وأنتم لا ترضون ذاك مع عبيدكم
لأنفسكم؟ وقال ابن بطال: تضمنت التقريع للمشركين والتوبيخ لهم على تسويتهم عبادة
الأصنام بعبادة الرب تعالى، وتعظم فنبههم الله تعالى على أن مماليكهم غير مساوين في
أموالهم فالله تعالى أولى بإفراد العبادة، وأنه لا يشرك معه أحد من عبيده إذ لا مالك في
الحقيقة سواه، ولا يستحق الإلهية غيره. قوله: ﴿أفبنعمة الله يجحدون﴾ [النحل: ٧١].
الاستفهام على سبيل الإنكار، معناه: لا تجحدوا نعمة الله ولا تكفروا بها، وجحودهم بأن
جعلوا ما رزقهم الله لغيره، وقيل: أنعم الله عليهم بالبراهين فجحدوا نعمه.
١٦٠ / ٢٢١٧ - حدَّثنا أبوُ اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدثنا أبو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ
عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَ لَّهِ هاجرَ إِبراهِيمُ عليه الصلاة والسَّلامُ
بِسارَةً فَدَخَلَ بِها قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ أوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةَ فَقِيلَ دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بامْرَأَةٍ
هِيَ مِنْ أحْسَنِ النِّساءِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِثْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي معَكَ قال أُخْتِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا
فقال لا تُكَذِّبِي حَدِيثِي فإِنِّي أخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي والله إنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ
فأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ فقامَ إِلَيْهَا فقامَتْ تَوَضَّأُ وتصَلِّي فَقالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وبِرَسُولِكَ
وأخْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَّ عَلَى زَوْجِي فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ قال الأْرَجُ

٤٣
٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (١٠٠)
قال أبُو سلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قال قالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقالُ هِيَ قَتَتْهُ فَأَرْسِلَ ثُمّ
قامَ إِلَيهَا فقامت تَوَضَّأُ وتُصَلَي وتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وبِرَسُولِكَ وأحصَنْتُ فَرْجِي
إلاَّ عَلَى زَوْجِي فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ لهذا الكافِرَ فَقُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ قال عَبْدُ الرَّحْمنِ قال أبُو
سَلَمَةَ قال أبُو هُرَيْرَةَ فقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ هِيَ قتَلَتْهُ فَأَرْسِلَ فِي النَّانِيَةِ أَوْ فِي النَّالِئَةِ
فقال واللهِ ما أرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلاَّ شَيْطاناً ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وأَعْطُوها آجَرَ فَرَجعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ
عليه السَّلامُ فقالت أَشَعَرْتَ أنَّ الله كبَتَ الكَافِرَ وأخْدَمَ ولِيدَةً. [الحديث ٢٢١٧ - أطرافه
في: ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠، ٧٦٣٥].
مطابقته للترجمة في قوله: أعطوها هاجر فقبلتها سارة، فهذه هبة من الكافر إلى
المسلم، فدل ذلك على جواز تصرف الكافر في ملكه، ورجاله كلهم قد ذكروا غير مرة،
وأبو اليمان، بفتح الياء آخر الحروف، وتخفيف الميم: الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب
ابن أبي حمزة الحمصي، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن
بن هرمز.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الهبة وفي الإكراه.
ذكر معناه: قوله: ((هاجر إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، بسارة)) أي: سافر بها، و:
سارة، بتخفيف الراء، بنت توبيل ابن ناحور. وقيل: سارة بنت هاران بن ناحور، وقيل: بنت
هاران بن تارخ، وهي بنت أخيه على هذا وأخت لوط. قاله العتبي في (المعارف) والنقاش في
التفسير قال: وذلك أن نكاح بنت الأخ كان حلالاً إذ ذاك، ثم إن النقاش نقض هذا القول،
فقال في تفسير قوله عز وجل: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً﴾ [الشورى: ١٣]. إن
هذا يدل على تحريم بنت الأخ على لسان نوح، عليه الصلاة والسلام، قال السهيلي: هذا هو
الحق، وإنما توهموا أنها بنت أخيه، لأن هاران أخوه، وهو هاران الأصغر، وكانت هي بنت
هاران الأكبر وهو عمه. قوله: ((فدخل بها قرية)) القرية من قريت الماء في الحوض أي:
جمعته، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، وتجمع على قرّى، قال الداودي: القرية تقع على
المدن الصغار والكبار، وقال ابن قتيبة: القرية الأردن والملك صادوق، وكانت هاجر لملك
من ملوك القبط، وعند الطبري: كانت امرأة ملك من ملوك مصر، فلما قتله أهل عين شمس
احتملوها معهم، وزعم أن الملك الذي أراد سارة اسمه سنان بن علوان، أخو الضحاك، وقال
ابن هشام في (كتاب التيجان): إن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، خرج من مدين إلى مصر،
وكان معه من المؤمنين ثلاثمائة وعشرون رجلاً، وبمصر ملكها عمرو بن امرىء القيس بن
نابليون من سبأ. قوله: ((أو جبار))، شك من الراوي، والجبار يطلق على ملك عات ظالم.
قوله: ((فقيل: دخل إبراهيم بامرأة))، وقال ابن هشام: به حناط كان إبراهيم يتمار منه، فأمر
بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نحى إبراهيم وقام إلى سارة، فلما صار إبراهيم، عليه الصلاة
والسلام، خارج القصر جعله الله له كالقارورة الصافية، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما،
فهم عمرو بسارة ومد يده إليها، فيبست فمد الأخرى فكذلك، فلما رأى ذلك كف عنها.

٤٤
٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (١٠٠)
وقال ابن هشام: وكان الحناط أخبر الملك بأنه رآها تطحن، فقال الملك: يا إبراهيم! ما
ينبغي لهذه أن تخذم نفسها؟ فأمر له بهاجر. قوله: ((قال: أختي)) يعني: في الدين.
وقال ابن الجوزي: على هذا الحديث إشكال ما زال يختلج في صدري، وهو أن
يقال: ما معنى توريته، عليه السلام، عن الزوجة بالأخت، ومعلوم أن ذكرها بالزوجية كان
أسلم لها، لأنه إذا قال: هذه أختي قال: زوجنيها. وإذا قال امرأتي سكت هذا إن كان الملك
يعمل بالشرع، فأما إذا كان كما وصف من جوره فما يبالي إذا كانت زوجة أو أختاً إلى أن
وقع لي أن القوم كانوا على دين المجوس، وفي دينهم أن الأخت إذا كانت زوجة كان
أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره، فكان الخليل، عليه الصلاة والسلام، أراد أن
يستعم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله، فإذا هو جبار لا يراعي جانب دينه. قال:
واعترض على هذا بأن الذي جاء على مذهب المجوس زرادشت، وهو متأخر عن هذا الزمن،
فالجواب أن لمذهب القوم أصلاً قديماً ادعاه زرادشت وزاد عليه خرافات، وقد كان نكاح
الأخوات جائزاً في زمن آدم، عليه السلام، ويقال: كانت حرمته على لسان موسى، عليه
الصلاة والسلام، قال: ويدل على أن دين المجوس له أصلٍ ما رواه أبو داود أن النبي عَّه.
أخذ الجزية من مجوس هجر، ومعلوم أن الجزية لا تؤخذ إلاّ ممن له كتاب أو شبهة كتاب،
ثم سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب فقال: كان من مذهب القوم أن من له زوجة لا
يجوز له أن يتزوج إلاَّ أن يهلك زوجها، فلما علم إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، هذا قال:
هي أختي، كأنه قال: إن كان الملك عادلاً، فخطبها مني أمكنني دفعه، وإن كان ظالماً
تخلصت من القتل، وقيل: إن النفوس تأبى أن يتزوج الإنسان بامرأة وزوجها موجود، فعدل،
عليه السلام، عن قوله: زوجتي، لأنه يؤدي إلى قتله أو طرده عنها، أو تكليفه لفراقها. وقال
القرطبي: قيل: إن من سيرة هذا الجبار أنه لا يغلب الأخ على أخته ولا يظلمه فيها، وكان
يغلب الزوج على زوجته. والله أعلم.
قوله: ((إن على الأرض)) كلمة: إن، بكسر الهمزة وسكون النون للنفي، يعني: والله ما
على الأرض مؤمن غيري وغيرك. قوله: ((وغيرك))، بالجر عطفاً على: غيري، ويروى بالرفع
بدلاً عن المحل، ويروى: مَنْ يؤمن، بكلمة: مَنْ، الموصولة: وصدر صلتها محذوف تقديره:
والله، الذي على الأرض ليس بمؤمن غيري وغيرك. قوله: ((فقامت توضأ))، برفع الهمزة في
محل النصب على الحال، وتصلي ((عطف عليه)). قوله: ((أللهم إن كنت آمنت .. )) قيل:
شرط مدخول أن كونه مشكوكاً فيه، والإيمان مقطوع به. وأجيب: بأنها كانت قاطعة به،
ولكنها ذكرته على سبيل الفرض ههنا هضماً لنفسها. قوله: ((فغط))، قال ابن التين: ضبط في
بعض الأصول بفتح الغين والصواب بالضم، كذا في بعض الأصول. قلت: هو بالغين المعجمة
وتشديد الطاء المهملة، ومعناه: أخذ مجاري نفسه حتى سمع له غطيط، يقال: غط المخنوق
إذا سمع غطيطه. قوله: ((حتى ركض برجله))، أي: حركها وضربها على الأرض. قوله: ((قال
الأعرج))، هو المذكور في السند، وهو عبد الرحمن بن هرمز، قال أبو سلمة: إن أبا هريرة

٤٥
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١٠٠)
قال: قالت: أللهم إن يمت (ح) هو موقوف ظاهراً، وكذا ذكره صاحب (الأطراف)، وكان أبا
الزناد روى القطعة الأولى مسندة، وهذه موقوفة. قوله: ((يقال: هي قتلته))، ويروى: يقل هي
قتلته، وهو الظاهر لوجوب الجزم فيه، ووجه رواية: يقال: هو، إما أن الألف حصلت من
إشباع الفتحة، وإما أنه كقوله تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء: ٧٨]. بالرفع
في قراءة بعضهم. وقال الزمخشري: قيل: هو بتقدير الفاء: قلت: تقديره: فيدرككم الموت،
وكذلك هنا يكون التقدير: فيقال. قوله: ((في الثانية))، أي: أرسل سارة في المرة الثانية.
قوله: ((أو في الثالثة))، شك من الراوي أي: أو أرسلها في المرة الثالثة. قوله: ((إلاَّ شيطاناً))
أي: متمرداً من الجن، وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم، ويقال: سبب قوله ذلك أنه جاء
في بعض الروايات: لما قبضت يده عنها، قال لها: ادعي لي، فقال ذلك لئلا يتحدث بما ظهر
من كرامتها فتعظم في نفوس الناس وتتبع، فلبس على السامع بذكر الشيطان. قوله:
((إرجعوا))، بكسر الهمزة أي: ردوها إلى إبراهيم، عليه الصلاة والسلام.
قوله: ((وأعطوها آجر)) أي: أعطوا سارة آجر، وهي الوليدة: اسمها آجر، بهمزة ممدودة
وجيم مفتوحة وفي آخره راء، واستعملوا الهاء موضع الهمزة، فقيل: هاجر، وهي أم إسماعيل،
عليه الصلاة والسلام، كما أن سارة أم إسحاق، عليه الصلاة والسلام، وقيل: إن هاجر من
حقن من كورة أنصنا قوله. قلت: حقن، بفتح الحاء المهملة وسكون القاف وفي آخره نون،
وهو اسم لقرية من صعيد مصر، قاله ابن الأثير. قلت: هو كفر من كفور كورة أنصنا، بفتح
الهمزة وسكون النون وكسر الصاد المهملة ثم نون ثانية وألف مقصورة، وهي بلدة بالصعيد
الأوسط على شط النيل من البر الشرقي في قبالة الأشمونيين من البر الآخر، وبها آثار عظيمة
ومزدرع كثبير. وقال اليعقوبي: هي مدينة قديمة يقال إن سحرة فرعون كانوا فيها. قوله:
((أشعرت))، أي: أعلمت تخاطب إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، قوله: ((كبت الكافر))، أي:
رده خاسئاً خائباً. وقيل: أحزنه. وقيل: أغاظه، لأن الكبت شدة الغيظ، وقيل: صرعه، وقيل:
أذله، وقيل: أخزاه، وقيل: أصله كبد، أي: بلغ الهم كبده فأبدل من الدال تاء. قوله: ((وأَخدم
وليدة) أي: أعطي خادماً أي: أعطاها أمة تخدمها، والوليدة تطلق على الجارية وإن كانت
كبيرة، وفي الأصل الوليد الطفل والأنثى وليدة والجمع ولائد. فافهم.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: إباحة المعاريض لقوله: إنها أختي وإنها مندوحة عن
الكذب. وفيه: إن أخوة الإسلام أخوة تجب أن يتسمى بها. وفيه: الرخصة في الانقياد للظالم
أو الغاصب. وفيه: قبول صلة السلطان الظالم وقبول هدية المشرك. وفيه: إجابة الدعاء
بإخلاص النية وكفاية الرب، جل جلاله، لمن أخلصها بما يكون نوعاً من الآفات وزيادة في
الإيمان وتقية على التصديق والتسليم والتوكل. وفيه: ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم. وفيه:
أن من قال لزوجته: أختي، ولم ينوِ شيئاً لا يكون طلاقاً، وكذلك لو قال: مثل أختي، لا
يكون ظهاراً. وفيه: أخذ الحذر مع الإيمان بالقدر. وفيه: مستند لمن يقول: إن طلاق المكره
لا يقع، وليس بشيء. وفيه: الحيل في التخلص من الظلمة، بل إذا علم أنه لا يتخلص إلاَّ

٤٦
٣٤ - كِتَابُ البُوعِ / باب (١٠٠)
بالكذب جاز له الكذب الصراح، وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق لكونه ينجي نبياً أو
ولياً ممن يريد قتله أو لنجاة المسلمين من عدوهم، وقال الفقهاء: لو طلب ظالم وديعة
لإنسان ليأخذها غصباً وجب عليه الإنكار والكذب في أنه لا يعلم موضعها.
١٦١/ ٢٣١٨ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها أنَّها قالَتِ اخْتَصَمَ سَعْدُ بنُ أبي وقاصٍ وعَبْدُ بنُ زَمْعَةَ في غلامِ فقالَ
سَعْدٌ هذا يا رسولَ اللهِ ابنُ أخي عُثْبَةَ بنِ أبِي وقَّاصٍ عَهدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُر إلى شبَهِهِ وقال
عَبدُ ابنُ زَمْعَةَ هذا أخي يا رسولَ اللهِ وُلِدَ علَى فِراشِ أبِي مِنْ ولِيدَتِهِ فَتَظَرَ رسولُ اللهِ عَ لَّه
إلى شبهِهِ فرَأى شبهاً بَيِّناً بِعُتْبَةَ فَقال هُوَ لَكَ يا عَبْدُ الوَلدُ لِلْفِراشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجْرُ
واحْتَجِبِي مِنْهُ یا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُ. [انظر الحديث ٢٠٥٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن عبد بن زمعة قال: هذا ابن أمة أبي، ولد على فراشه،
فأثبت لأبيه أمة وملكا عليها في الجاهلية، فلم ينكر عَّ له ذلك، وسمع خصامهما وهو دليل
على تنفيذ عهد المشرك والحكم به، وإن تصرف المشرك في ملكه يجوز كيف شاء، وحكم
النبي عَ لِّ هنا بأن الولد للفراش فلم ينظر إلى الشبه ولا اعتبره. والحديث قد مر في تفسير
المشبهات فإنه أخرجه هناك: عن يحيى بن قزعة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة ... إلى
آخره، وقد مر الكلام فيه مسئقصىّ. قوله: ((أنظر إلى شبهه)) أي: إلى مشابهة الغلام بعتبة،
والعاهر: الزاني.
٢٢١٩/١٦٢ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدثنا غُنْدَرٌ قال حدثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدٍ عنْ
أَبِيهِ قال عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ رضي الله تعالى عنهُ لِصُهَيْبِ اتَّقِ اللَّه ولا تدَّعِ إلَى غَيْرِ أبيكَ
فقالَ صُهَيْبٌ ما يَسُرُّنِي أَنَّ لي كذا وكَذا وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من تتمة قصته، وهي أن كلباً ابتاعه من الروع فاشتراه ابن
جدعان فأعتقه، وقد ذكرناه عن قريب، وغندر بضم الغين المعجمة: هو محمد بن جعفر
البصري، وسعد هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنه. والحديث
من أفراده.
قوله: ((قال عبد الرحمن بن عوف لصهيب: إتق الله ... )) إلى آخره إنما قال عبد
الرحمن ذلك لأن صهيباً كان يقول: إنه ابن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل، نسبه إلى
أن ينتهي إلى النمر بن قاسط، وأن أمه من بني تميم، وكان لسانه أعجمياً لأنه ربي بين الروم
فغلب عليه لسانهم. فإن قلت: وروى الحاكم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن
يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: قال عمر، رضي الله تعالى عنه، لصهيب: ما
جدت عليك في الإسلام إلاَّ ثلاثة أشياء: اكتنيت أبا يحيى، وإنك لا تمسك شيئاً، وتدعى إلى
النمر ابن قاسط، فقال: أما الكنية، فإن رسول الله، عَّله، كناني. وأما النفقة، فإن الله تعالى
يقول: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾. [سبأ: ٣٩] وأما النسب، فلو كنت من روثة

٤٧
٣٤ - كِتَابُ الْبُوعِ / باب (١٠١)
لانتسبت إليها، ولكن كان العرب یسبي بعضهم بعضاً، فسباني ناس بعد أن عرفت مولدي
وأهلي، فباعوني، فأخذت بلسانهم - يعني بلسان الروم - قلت: سياق الحديث يدل على أن
المراجعة كما كانت بين صهيب وبين عبد الرحمن كانت كذلك بينه وبين عمر بن
الخطاب. قلت: النمر بن قاسط في ربيعة بن نزار، وهو النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن
دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. قوله: ((اتق الله))، أي: خف الله ولا تنتسب إلى
غير أبيك، فكأن عبد الرحمن كان ينكر عليه ذلك، ولا يحمله إلاَّ على خلافه، فأجاب
صهيب بقوله: (ما يسرني أن لي كذا وكذا)).
٢٢٢٠/١٦٣ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُرْوَةُ بنُ
الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ أُخبرَهُ أَنَّهُ قال يا رسولَ اللهِ أَرَأيِتَ أَمُوراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ أَوْ أَتَحَنَّتُ
بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَّةٍ وعَتاقَةٍ وصَدَقَةٍ هَلْ لِي فِيها أعْرٌ قال حَكِيمٌ رضي الله تعالى عنهُ
قال رسولُ اللهِ عَ لّ أُسْلَمْتَ عَلَى ما سَلفَ لَك مِنْ خَيْرٍ. [انظر الحديث ١٤٣٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة فيما تضمنه الحديث من وقوع الصدقة والعتاقة من المشرك، فإنه
يتضمن صحة ملك المشرك لأن صحة العتق متوقفة على صحة الملك فيطابق هذا قوله في
الترجمة وهبته وعتقه، وأبو اليمان الحكم بن نافع، والحديث مضى في كتاب الزكاة في:
باب من تصدق في الشرك، ثم أسلم، فإنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن محمد عن هشام
عن معمر عن الزهري عن عروة إلى آخره.
قوله: ((أرأيت أموراً؟)) وهناك: أرأيت أشياء. وقوله: ((أو أتحنت))، غير مذكور هناك،
وفي التلويح: أتحنث أو أتحنت، كذا في نسخة السماع الأول بالثاء المثلثة والثاني بالتاء
المثناة، وعليها تمريض وفي بعض النسخ بالعكس، كذا ذكره ابن التين، قال: ولم يذكر أحد
من اللغويين التاء المثناة، وإنما هو المثلثة كما جاء في حديث حراء، ((فيتحنث)) أي: فيتعبد،
وفي (المطالع) قول حكيم بن حزام: ((كنت أتحنت)) بتاء مثناة، رواه المروزي في: باب من
وصل رحمه، وهو غلط من جهة المعنى، وأما الرواية فصحيحة، والوهم فيه من شيوخ
البخاري بدليل قول البخاري: ويقال أيضاً عن أبي اليمان: ((أتحنث أو أتحنت))، على الشك،
والصحيح الذي رواه الكافة بالثاء المثلثة. وقال الكرماني: ويروى: ((أتحبب))، من المحبة،
والله تعالى أعلم.
١٠١ - بابُ بُلُودِ المَيْنَةِ قَبْلَ أَنْ تَذْبَغَ
أي: هذا باب في بيان حكم جلود الميتة قبل دباغها، هل يصح بيعها أم لا؟ وسنوضح
في الحديث جواز بيعها.
٢٢٢١/١٦٤ _ حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ حَزْبٍ قال حدثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا أبِي
عن صالِحٍ قال حدَّثني ابنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بنَ عَبْدِ اللهِ قال أخبَرَهُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ
رضي الله تعالى عنهما أخْبَرَةُ أَنَّ رسولَ الله عَ لِ مَرَّ بِشاةٍ مَيَّةٍ فقال هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بإِهَابِهَا قَالُوا

٤٨
٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (١٠٢)
إِنَّهَا مَيْنَة قال إنََّا حَرُمَ أَكْلُهَا. [انظر الحديث ١٤٩٢ وطرفيه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((هلا انتفعتم بإهابها؟)) لأنه يدل على أنه ينتفع بجلد
الميت، والانتفاع به يدل على جواز بيعه، لأن الشارع خص الحرمة فيها بغير الأكل، وغير
الأكل أعم من أن يكون بالبيع وغيره، وظاهره جواز الانتفاع به، سواء دبغ أو لم يدبغ، وهو
مذهب الزهري، وكان البخاري أيضاً اختار هذا المذهب، وبما ذكرناه يسقط اعتراض من
يورد عليه بأنه ليس في الحديث الذي أورده تعرض للبيع، والحديث أيضاً أوضح الإبهام
الذي في الترجمة.
ورجاله سبعة: زهير - مصغر زهر - ابن حرب - ضد الصلح - ابن شداد أبو خيثمة،
ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبوه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف،
وصالح هو ابن كيسان، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله -
بتصغير الابن وتكبير الأب - ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة. والحديث مضى في
كتاب الزكاة في: باب الصدقة على موالي أزواج النبي عَّ له، فإنه أخرجه هناك: عن سعيد بن
عفير عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس، وقد مر
الكلام فيه مستقصىّ.
١٠٢ - بابُ قَتلِ الخِْزِيرِ
أهي: هذا باب في بيان قتل الخنزير: هل هو مشروع كما شرع تحريم أكله؟ أي:
مشروع؟ والجمهور على جواز قتله مطلقاً إلاَّ ما روي شاذاً من بعض الشافعية أنه يترك الخنزير
إذا لم يكن فيه ضراوة، وقال ابن التين: ومذهب الجمهور أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر
وغيرها وتمكنا من قتله قتلناه. قلت: ينبغي أن يستثنى خنزير أهل الذمة لأنه مال عندهم، ونحن
نهينا عن التعرض إلى أموالهم. فإن قلت: يأتي عن قريب أن عيسى، عليه السلام، حين ينزل
يقتل الخنزير مطلقاً. قلت: يقتل الخنزير بعد قتل أهله، كما أنه يكسر الصليب لأنه ينزل
ويحمل الناس كلهم على الإسلام لتقرير شريعة نبينا عَِّ، فإذا جاز قتل أهل الكفر حينئذ
سواء كانوا من أهل الذمة أو من أهل الحرب، فقتل خنزيرهم وكسر صليبهم بطريق الأولى
والأحق، ألاَ تَرى أنه عَّلِّ ((يضع الجزية))، يعني: يرفعها لأن الناس كلهم يسلمون؟ فمن لم
يدخل في الإسلام يقتله، فلا يبقى وجه لأخذ الجزية، إنما تؤخذ في هذه الأيام لتصرف في
مصالح المسلمين، منها دفع أعدائهم، وفي زمن عيسى، عليه الصلاة والسلام، لا يبقى عدو
للدين، لأن الناس كلهم مسلمون، ويفيض المال بينهم فلا يحتاج أحد إلى شيء من الجزية
لارتفاعها بذهاب أهلها. فإن قلت: ما وجه دخول هذا الباب في أبواب البيوع؟ قلت: كان
البخاري فهم أن كل ما حرم ولم يجز بيعه يجوز قتله، فالخنزير حرم الشارع بيعه كما في
حديث جابر الآتي، فجاز قتله، فمن هذه الحيثية أدخل هذا الباب في أبواب البيع، وقال
بعضهم: ووجه دخوله في أبواب البيع الإشارة إلى أن ما أمر بقتله لا يجوز بيعه. قلت: فيه

٤٩
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٠٢)
نظر من وجهين: أحدهما أنه يحتاج إلى بيان الموضع الذي أمر النبي، عَّةِ، بقتل الخنزير،
وتحريم بيعه لا يستلزم جواز قتله، والآخر أن قوله: ((ما أمر بقتله لا يجوز بيعه))، ليس بكلي،
فإن الشارع أمر بقتل الحيات صريحاً، مع أن جماعة من العلماء، منهم أبو الليث، قالوا: يجوز
بيع الحيات إذا كانت ينتفع بها للأدوية.
وقال جابرٌ حَرَّمَ النبيُّ عَ لّهِ بَيْعَ الخِزِيرِ
مطابقته للترجمة من حيث إن مشروعية قتل الخنزير كان مبنياً على كونه محرماً أكله،
فهذا القدر بهذه الحيثية يكفي لوجود المطابقة، وهذا التعليق طرف من حديث البخاري
بإسناده عن جابر، بلفظ: سمعت النبي، عَّهِ، عام الفتح، وهو بمكة، يقول: إن الله تعالى
ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام بعد تسعة أبواب.
١٦٥/ ٢٢٢٢ _ حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنِ ابنِ
المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه يَقُولُ قال رسولُ اللهِعَ لَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَزَمَ حَكماً مُقْسِطاً فيَكْسِرَ الصَّلِيبَ ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ
ويَضَعَ الجِزْيَةَ ويَفِيضَ المالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أحدٌ. [الحديث ٢٢٢٢ - أطرافه في: ٢٤٧٦،
٣٤٤٨، ٣٤٤٩].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ويقتل الخنزير))، والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الإيمان
عن قتيبة ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث به. وأخرجه الترمذي في الفتن عن قتيبة به.
وقال حسن صحيح.
ذكر معناه: قوله: ((ليوشكن)) اللام فيه مفتوحة للتأكيد، ويوشكن من أفعال المقاربة،
وهو مضارع دخلت عليه نون التأكيد، وماضيه: أوشك، وأنكر الأصمعي مجيء الماضي منه،
وحكى الخليل استعمال الماضي في قول الشاعر:
ولو سالوا الشراب لأوشكونا
وأفعال المقاربة أنواع: نوع: منها: ما وضع للدلالة على دنو الخبر، وهو ثلاثة: كاد
وكرب وأوشك، ومعناه هنا: ليسرعن، وقال الداودي: معناه ليكونن. قال: وجاء يوشك بمعنى:
يكون ومعنى يقرب. قوله: ((أن ينزل)) كلمة: أن، مصدرية في محل الرفع على الفاعلية،
والمعنى: ليسرعن نزول ابن مريم فيكم، ونزوله من السماء، فإن الله رفعه إليها وهو حي ينزل
عند المنارة البيضاء بشرقي دمشق واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، وكان نزوله عند انفجار
الصبح. قوله: ((حكماً)) بفتحتين، بمعنى الحاكم. قوله: ((مقسطاً)) أي: عادلاً، من الإقساط،
يقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا ظلم، فكأن الهمزة فيه للسلب، كما يقال: شكا إليه
فأشكاه. قوله: ((فيكسر الصليب))، الغاء فيه تفصيلية لقوله حكماً مقسطاً، ويروى: حكماً
عدلاً، قال الطيبي: يريد بقوله: يكسر الصليب إبطال النصرانية والحكم بشرع الإسلام. وفي
(التوضيح): يكسر الصليب، أي: بعد قتل أهله. قلت: فتح لي هنا معنى من الفيض الإلهي،
عمدة القاري/ ج١٢ م٤

٥٠
٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (١٠٢)
وهو: أن المراد من كسر الصليب إظهار كذب النصارى حيث ادعوا أن اليهود صلبوا عيسى،
عليه الصلاة والسلام، على خشب، فأخبر الله تعالى في كتابه العزيز بكذبهم وافترائهم، فقال:
﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ [النساء: ١٥٧]. وذلك أنهم لما نصبوا له خشبة
ليصلبوا عليها، ألقى الله تعالى شبه عيسى على الذي دلهم عليه، واسمه: يهوذا، وصلبوه
مكانه، وهم يظنون أنه عيسى، ورفع الله عيسى إلى السماء، ثم تسلطوا على أصحابه بالقتل
والصلب والحبس حتى بلغ أمرهم إلى صاحب الروم، فقيل له: إن اليهود قد تسلطوا على
أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله، وكان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص
ويفعل العجائب، فعدوا عليه وقتلوه وصلبوه، فأرسل إلى المصلوب فوضع عن جذعه جيء
بالجذع الذي صلب عليه فعظمه، صاحب الروم وجعلوا منه صلباناً، فمن ثم عظمت
النصارى الصلبان، ومن ذلك الوقت دخل دين النصرانية في الروم، ثم يكون كسر عيسى
الصليب حين ينزل إشارة إلى كذبهم في دعواهم أنه قتل وصلب، وإلى بطلان دينهم، وأن
الدين الحق هو الدين الذي هو عليه، وهو دين الإسلام دين محمد عَّ لِ الذي هو نزل
لإظهاره وإبطال بقية الأديان بقتل النصارى واليهود وكسر الأصنام، وقتل الخنزير وغير ذلك.
قوله: ((ويقتل الخنزير))، قال الطيبي: ومعنى قتل الخنزير تحريم اقتنائه وأكله، وإباحة
قتله. وفيه بيان أن أعيانها نجسة، لأن عيسى، عليه الصلاة والسلام، إنما يقتلها على حكم
شرع الإسلام والشيء الطاهر المنتفع به لا يباح إتلافه. انتهى. وقيل: يحتمل أنه لتضعيف أهل
الكفر عندما يريد قتالهم، ويحتمل أنه يقتله بعدما يقتلهم. قوله: ((ويضع الجزية))، وقد مر
تفسيره في أول الباب. قوله: ((ويفيض المال))، أي: يكثر ويتسع، من فاض الماء إذا سال
وارتفع، وضبطه الدمياطي بالنصب عطفاً على ما قبله من المنصوبات، وقال ابن التين: إعرابه
بالضم لأنه كلام مستأنف غير معطوف لأنه ليس من فعل عيسى، عليه الصلاة والسلام. قوله:
((حتى لا يقبله أحد))، لكثرته واستغناء كل واحد بما في يده، ويقال: يكثر المال حتى يفضل
منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به فيدور واحد منهم على من يقبل شيئاً منه فلا يجده.
ومما يستفاد من الحديث ما فيه: قاله ابن بطال دليل على أن الخنزير حرام في
شريعة عيسى، عليه الصلاة والسلام، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم.
واختلف العلماء في الانتفاع بشعره، فكرهه ابن سيرين والحكم وهو قول الشافعي وأحمد
وإسحاق، وقال الطحاوي: لا ينتفع من الخنزير بشيء ولا يجوز بيع شيء منه، ويجوز
للخرازين أن يبيعوا شعرة أو شعرتين للخرازة، ورخص فيه الحسن وطائفة، وذكر عن مالك:
أنه لا بأس بالخرازة بشعره، وأنه لا بأس ببيعه وشرائه، وقال الأوزاعي: يجوز للخراز أن
يشتريه، ولا يجوز له أن يبيعه، ومنه ما قاله البيهقي في (سننه) أن الخنزير أسوأ حالاً من
الكلب، لأنه لم ينزل بقتله بخلافه. قلت: الخنزير يجس العين حتى لا يجوز دباغة جلده،
بخلاف الكلب على ما عرف في الفروع.

٥١
٣٤ - كِتَابُ البُوعِ / باب (١٠٣)
١٠٣ _ بابٌ لاَ يُذَابُ شَخمُ المَيْئَةِ ولاَ يُباعُ ودَكُهُ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا يذاب شحم الميتة، ولا يذاب مجهول من: يذيب إذابة،
من ذاب الشيء ذوباً - ضد: جمد - قوله: ((ودكه)) بفتح الواو والدال، وفي (المغرب): الودك
من اللحم والشحم ما يتحلب منه، وقول الفقهاء: ودك الميتة من ذلك، وقال ابن الأثير:
الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.
روَاهُ جابِرٌ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَلّ.
أي: روى المذكور من ترك إذابة شحم الميتة وترك بيع الودك جابر بن عبد الله عن
النبي عَ ◌ٍّ، وهذا تعليق أسنده البخاري في باب بيع الميتة والأصنام، يأتي بعد ثمانية أبواب.
١٦٦/ ٢٢٢٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قال حدثنا سُفْيانُ قال حدثنا عَمْرو بنُ دِينارٍ قال
أخبرني طاوُسٌ أَنْهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ بلَغَ عُمرَ أنَّ فُلاناً باعَ حَمْراً
فقال قائَلَ اللهُ فُلاناً ألَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رسولَ اللهِ عَ له قال قاتَلَ اللهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ
فَجَمَلُوها فباعُوها. [الحديث ٢٢٢٣ - طرفه في: ٣٤٦٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((حرمت عليهم الشحوم فجملوها)) بالجيم، والحميدي،
بضم الحاء المهملة هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي المكي، وهو من أفراد البخاري،
وسفيان هو ابن عيينة، وكان الحميدي أثبت الناس فيه، وقال: جالسته تسع عشرة سنة أو
نحوها.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في ذكر بني إسرائيل عن علي بن عبد الله عن
سفيان. وأخرجه مسلم في البيوع أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق
ابن إبراهيم، ثلاثتهم عن ابن عيينة به، وعن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع، وأخرجه
النسائي في الذبائح وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم به وأخرجه ابن ماجه في الأشربة عن
أبي بكر بن أبي شيبة به.
قوله: ((قاتل الله فلاناً))، قال البيضاوي: أي عاداهم، وقيل: قتلهم، فأخرج في صورة
المبالغة أو عبر عنه بما هو سبب عنه، فأنهم بما اخترعوا من الحيل انتصبوا لمحاربة الله
ومقاتلته، ومن قاتله قتله. وقال الخطابي: قيل: إن الذي فيه عمر، رضي الله تعالى عنه، هذا
القول سمرة فإنه خللها ثم باعها، وكيف يجوز على مثل سمرة أن يبيع عين الخمر، وقد شاع
تحريمها؟ لكنه أول فيها بأن خللها وغير إسمها، كما أولوه بالإذابة في الشحم، فعابه عمر
على ذلك انتهى. قلت: قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن
إبراهيم، واللفظ لأبي بكر. قال: حدثنا سفيان عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس، قال: بلغ
عمر، رضي الله تعالى عنه، أن سمرة باع خمراً، فقال: قاتل الله سمرة! ألم يعلم أن رسول الله
عَّم قال: ((لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها)) ورواه البيهقي من
طريق الزعفراني عن سفيان، وزاد في روايته: سمرة بن جندب.

٥٢
٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (١٠٣)
وقال القرطبي وغيره: اختلف في تفسير بيع سمرة الخمر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه
أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقداً جواز ذلك. والثاني: أن يكون
باع العصير ممن يتخذه خمراً، والعصير يسمى خمراً كما يسمى العنب به، لأنه يؤول إليه،
وقال الخطابي: ولا يظن بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها، وإنما باع العصير.
والثالث: أن يكون خلل الخمر وباعها لما ذكرنا آنفاً.
وقال الإسماعيلي في كتابه (المدخل): يجوز أن سمرة علم بتحريمها ولم يعلم بحرمة
بيعها، ولو لم يكن كذلك لما أقره عمر على عمله ولعزله لو فعله عن علم. انتهى. وهذا يرد
قول بعضهم: ولم أر في شيء من الأخبار أن سمرة كان والياً لعمر على شيء من أعماله.
انتهى. لأن قول الذي اطلع على شيء حجة على قول من يدعي عدم الإطلاع عليه، وأيضاً
الدعوى بعدم رؤية شيء في الأخبار الذي نقله غير واحد من الحفاظ غير مسموعة، لأنه يبعد
أن يطلع أحد على جميع ما وقع في قضية من الأخبار.
قوله: ((قاتل الله اليهود))، فسره البخاري من رواية أبي ذر باللعنة، وهو قول ابن عباس،
رضي الله تعالى عنهما، وقال الهروي: معناه قتلهم الله، وحكى عن بعضهم: عاداهم، والأصل
في فاعل أن يكون من اثنين، وربما يكون من واحد مثل: سافرت وطارقت. قوله: ((فجملوها))،
بالجيم، أي: أذابوها. يقال: جمل الشحم يجمله من باب نصر ينصر إذا أذابه، ومنه الجميل:
وهو الشحم المذاب، وقال الداودي: ومنه سمي الجمال لأنه يكون عن الشحم، وليس هذا
ببين لأنه قد يكون بعد الهزال، وقال بعضهم: وجه تشبيه عمر، رضي الله تعالى عنه، بيع
المسلمين الخمر ببيع اليهودي المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما.
قلت: هذا لا يسمى تشبيهاً لعدم شروط التشبيه فيه، وإنما هو تمثيل: يعني بيع فلان الخمر
مثل بيع اليهودي الشحم المذاب، والمعنى حال هذا الرجل الذي باع الخمر العجيبة الشأن
كحال اليهود الذين حرم عليهم الشحم، ثم جملوه فباعوه، وعلماء البيان قد فرقوا بين التشبيه
والتمثيل، وجعلوا لكل واحد باباً مفرداً، نعم إذا كان وجه التشبيه منتزعاً من أمور يسمى تمثيلاً
كما في تشبيه: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾
[الجمعة: ٥]. فإن تشبيه: مثل اليهود الذين كلفوا بالعمل بما في التوراة ثم لم يعملوا بذلك
بمثل الحمار الحامل للأسفار، فإن وجه التشبيه بينهما وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع من الكد
والتعب في استصحابه لا يخفى كونه منتزعاً من عدة أمور. وقال هذا القائل أيضاً: كل ما
حرم تناوله حرم بيعه. قلت: قد ذكرنا فيما مضى أن هذا ليس بكلي، فإن الحية يحرم تناولها
ولا يحرم بيعها للضرورة للتداوي، وقال أيضاً: وتناول الخمور والسباع وغيرهما مما حرم
أكله إنما يتأتى بعد ذبحه، وهو بالذبح يصير ميتة، لأنه لا ذكاة له، وإذا صار ميتة صار نجساً،
ولم يجز بيعه. انتهى. قلت: كان ينبغي له أن يقول: هذا في مذهبنا، لأن من لم يقف على
مذاهب العلماء في مثل هذا يعتقد أنه أمر مجمع عليه، وليس كذلك، فإن عندنا ما لا يؤكل
لحمه إذا ذبح يطهر لحمه، حتى إذا صلى ومعه من ذلك أكثر من قدر الدرهم تصح صلاته،

٥٣
٣٤ - كِتَابُ البُيُوع / باب (١٠٣)
ولو وقع في الماء لا ينجسه لأنه بالذكاة يطهر، لأن الذكاة أبلغ من الدباغ في إزالة الدماء
والرطوبات. وقال الكرخي: كل حيوان يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة، فهذا يدل على أنه
يطهر لحمه وشحمه وسائر أجزائه. وفي (البدائع): الذكاة تطهر المذكى بجميع أجزائه إلاَّ
الدم المسفوح، هو الصحيح وقال ابن بطال: أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة بتحريم الله
تعالى لها، قال تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ [المائدة: ٣]. واعترض بعض
الملاحدة بأن الإبن إذا ورث من أبيه جارية كان الأب وطئها فإنها تحرم على الابن، ويحل
له بيعها بالإجماع وأكل ثمنها وقال القاضي: هذا تمويه على من لا علم عنده، لأن جارية
الأب لم يحرم على الابن منها غير الاستمتاع على هذا الولد دون غيره من الناس، ويحل لهذا
الابن الانتفاع بها في جميع الأشياء سوى الاستمتاع، ويحل لغيره الاستمتاع وغيره، بخلاف
الشحوم، فإنها محرمة المقصود منها وهو الأكل منها على جميع اليهود، وكذلك شحوم
الميتة محرمة الأكل على كل أحد فكان ما عدا الأكل تابعاً بخلاف موطوءة الأب.
وفي الحديث: لعن العاصي العين، ولكن يحتمل أن قول عمر كان للتغليظ، لأن هذا
كلمة تقولها العرب عند إرادة الزجر، وليست على حقيقتها، وفيه: إبطال الحيل والوسائل إلى
المحرم. وفيه: تحريم بيع الخمر، وقال ابن المنذر وغيره: وفيه الإجماع، وشذ من قال:
يجوز بيعها ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمراً. وقال بعضهم: فيه أن الشيء إذا حرم
عينه حرم ثمنه. قلت: هذا ليس بكلي، وقال أيضاً فيه: دليل على أن بيع المسلم الخمر من
الذمي لا يجوز، وكذا توكيل الذمي المسلم في بيع الخمر، قلت: لا خلاف في المسألة
الأولى ولا في الثانية، ولكن الخلاف فيما إذا وكل الذمي المسلم ببيع الخمر، والحديث لا
يدل على مسألة التوكيل من الجانبين. وفيه: استعمال القياس في الأشباه والنظائر، وقال
بعضهم: واستدل به على تحريم جثة الكافر إذا قتلناه، وأراد الكفار شراءه. قلت: وجه هذا
الاستدلال من هذا الحديث غير ظاهر.
١٦٧ / ٢٢٢٤ _ حدَّثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا يونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ
قال سَمِعْتُ سَعِيد بنَ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لِّ قال
قاتَلَ اللّه يَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشِّحُومُ فَبَاعُوهَا وأكُلُوا أَثْمَانَهَا.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبدان هو: عبد الله بن عثمان المروزي، وعبد الله هو ابن
المبارك المروزي، ويونس ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري المدني.
والحديث أخرجه مسلم بإسناد البخاري. قوله: ((يهود)) بغير تنوين لأنه لا ينصرف
للعلمية والتأنيث، لأنه علم للقبيلة، ويروى: يهوداً، بالتنوين، ووجهه أن يكون باعتبار الحي
فيبقى بعلة واحدة فينصرف.
قال أبو عَبدِ اللهِ قاتَلَهُمُ اللّه لَعَنَهُمْ قُتِلَ لعِنَ الخَرَّاصُونَ. الْكَذَّابُونَ
هذا وقع في رواية المستملي وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، وقال: تفسير قاتلهم

٥٤
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٠٤)
لعنهم، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿قتل الخراصون﴾ [الذاريات: ١٠]. يعني: لعن
الخراصون، وهو تفسير ابن عباس في قوله: قتل، رواه الطبري عنه في تفسيره، والخراصون
الكذابون، رواه الطبري أيضاً عن مجاهد، وقد مر الكلام فيه في معنى اللعن عن قريب.
١٠٤ - بابُ بَنِعِ التَّصاوِيرِ الَّتِي لَيْسَ فِيها رُوحٌ وما يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ
أي: هذا باب في بيان حكم التصاوير، أي: المصورات التي ليس فيها روح:
كالأشجار ونحوها. قوله: ((وما يكره» أي: وفي بيان ما يكره من ذلك من اتخاذ أو عمل أو
بيع أو نحو ذلك.
١٦٨ / ٢٢٢٥ _ حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قال حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ قال أخبرنا
عَوْفٌ عنْ سَعِيدِ بنِ أبِي الحَسَنِ قِال كُنْتُ عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما إِذْ أَتَاهُ
رَمُجُلٌ فقال يا أبا عَبَّاسٍ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي وإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ النَّصَاوِيَ فقال
ابْنُ عَبَّاسٍ لاَ أُحَدِّتُكَ إلاَّ ما سَمِعْتُ منْ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ سَمِعْتُهُ يَقولُ مِنْ صَوَّرَ صورَةً فإنَّ
الله مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيها الرُّوحَ ولَيْسَ بِنافِخِ فِيها أَبَداً فَرَيا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وجْهُهُ
فقال وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إلاَّ أنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِّهَذَا الشَّجَرِ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. [الحديث
٢٢٢٢٥ - طرفاه في: ٥٩٦٣، ٧٠٤٢].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فعليك بهذا الشجر))، وكان البخاري فهم من قوله في
الحديث: إنما معيشتي من صنعة يدي، وإجابة ابن عباس بإباحة صور الشجر، وشبهه إباحة
البيع وجوازه فترجم عليه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي.
الثاني: يزيد - من الزيادة - ابن زريع - مصغر زرع - وقد تكرر ذكره. الثالث: عوف، بفتح
العين المهملة وسكون الواو في آخره فاء: ابن أبي حميد الأعرابي، يعرف به وليس بأعرابي
الأصل يكنى أبا سهل، ويقال: أبو عبد الله. الرابع: سعيد بن أبي الحسن، أخو الحسن
البصري، واسم أبي الحسن: يسار، بالياء آخر الحروف والسين المهملة. الخامس: عبد الله
بن عباس، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: أن هؤلاء كلهم بصريون. وفيه: أن شيخه من
أفراده. وفيه: أن سعيد بن أبي الحسن ليس له في البخاري موصولاً سوى هذا الحديث.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في اللباس عن نصر بن علي. وأخرجه النسائي
في الزينة عن محمد بن الحسين بن إبراهيم، وفي الباب عن ابن عمر، رضي الله تعالى
عنهما. أخرجه الطحاوي: حدثنا فهد، قال: حدثنا القعنبي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله عَّم قال: ((المصورون يعذبون يوم

٥٥
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٠٤)
القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم))، ورواه مسلم أيضاً وغيره، وعن أبي هريرة أخرجه
النسائي قال: أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عفان حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح،
وليس بنافخ)). وأخرجه الطحاوي أيضاً.
ذكر معناه: قوله: ((إذا أتاه رجل))، كلمة: إذ، للمفاجأة، وقد ذكرنا غير مرة أن: إذ
وإذا، يضافان إلى جملة، فقوله: ((أتاه رجل)) جملة فعلية، وقوله: ((فقال ابن عباس))، جواب:
إذ. قوله: ((إنما معيشتي من صنعة يدي)) يعني: ما معيشتي إلاّ من عمل يدي. قوله: ((حتى
ينفخ فيها))، أي: إلى أن ينفخ في الصورة. قوله: ((وليس بنافخ)) أي: لا يمكن له النفخ قط،
فيعذب أبداً. قوله: ((فربا)) أي: فربا الرجل أي أصابه الربو، وهو مرض يحصل للرجل يعلو
نفسه ويضيق صدره، وقال ابن قرقول: أي ذكر وامتلأ خوفاً. وعن صاحب (العين): ربا الرجل
أصابه نفس في جوفه، وهو الربو والربوة والربوة، وهو نهج ونفس متواتر، وقال ابن التين: معناه
انتفخ كأنه خجل من ذلك. قوله: ((ويحك))، كلمة ترحم، كما أن: ويلك، كلمة عذاب.
قوله: ((كل شيء))، بالجر بدل الكل عن البعض، وهذا جائز عند بعض النحاة، وهو قسم
خامس من الإبدال كقول الشاعر:
بسجستان طلحة الطلحات
رحم الله أعظما دفنوها
ويروى: نضر الله أعظماً، ويجوز أن يكون فيه مضاف محذوف، والتقدير: عليك، بمثل
الشجر، أو يكون واو العطف فيه مقدرة، تقديره: وكل شيء، كما في: التحيات المباركات
الصلوات الطيبات، فإن معناه: والصلوات، وبواو العطف جاء في رواية أبي نعيم من طريق
خودة عن عوف: فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح، وفي رواية مسلم
والإسماعيلي بلفظ: فاصنع الشجر وما لا نفس له. وقال الطيبي: هو بيان للشجر، لأنه لما
منعه عن التصوير وأرشده إلى جنس الشجر، رأى أنه غير وانيٍ بالمقصود، فأوضحه به،
ويجوز النصب على التفسير.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن تصوير ذي روح حرم، وأن مصوره توعد بعذاب شديد،
وهو قوله: فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها، وفي رواية لمسلم: كل مصور في النار يجعل له
بكل صورة صورها نفساً، فيعذبه في جهنم. وروى الطحاوي من حديث أبي جحيفة: لعن
رسول الله، عَِّ، المصورين. وعن عمير عن أسامة بن زيد يرفعه: قاتل الله قوماً يصورون ما لا
يخلقون. وقال المهلب: إنما كره هذا من أجل أن الصورة التي فيها الروح كانت تعبد في
الجاهلية، فكرهت كل صورة، وإن كانت لا فيء لها ولا جسم قطعاً للذريعة. وقال القرطبي
في حديث مسلم: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، وهذا يقتضي أن لا يكون في
النار أحد يزيد عذابه على عذاب المصورين، وهذا يعارضه قوله تعالى: ﴿ادخلوا آل فرعون
أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]. وقوله، عَ لَّه: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة إمام ضلالة)). وقوله:

٥٦
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٠٤)
((أشد الناس عذاباً عالم لم ينفعه الله بعلمه))، وأشباه ذلك، ووجه التوفيق: أن الناس الذين
أضيف إليهم: أشد، لا يراد بهم كل نوع الناس، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى
المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد المدعين للإلهية عذاباً، ومن يقتدي به في ضلالة كفر
أشد ممن يقتدي به في ضلالة بدعة، ومن صور صوراً ذات أرواح أشد عذاباً ممن يصور ما
ليس بذي روح، فيجوز أن يعني بالمصورين الذين يصورون الأصنام للعبادة، كما كانت
الجاهلية تفعل، وكما يفعل النصارى، فإن عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة. انتهى.
ولقائل أن يقول: أشد الناس عذاباً بالنسبة إلى هذه الأمة لا إلى غيرها من الكفار، فإن صورها
لتعبد أو لمضاهاة خلق الله تعالى فهو كافر قبيح الكفر، فلذلك زيد في عذابه. قلت: قول
القرطبي: ومن صور صوراً ذات أرواح أشد عذاباً مما يصور ما ليس بذي روح، فيه نظر لا
يخفى، وفيه إباحة تصوير ما لا روح له كالشجر ونحوه، هو قول جمهور الفقهاء وأهل
الحديث، فإنهم استدلوا على ذلك بقول ابن عباس: فعليك بهذا الشجر ... إلى آخره، فإن ابن
عباس استنبط قوله من قوله، عَّهِ ((فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها)). أي: الروح، فدل هذا
على أن المصور إنما يستحق هذا العذاب لكونه قد باشر تصوير حيوان مختص بالله تعالى،
وتصوير جماد ليس له في معنى ذلك، فلا بأس به.
وذهب جماعة منهم الليث بن سعيد والحسن بن حي وبعض الشافعية إلى كراهة
التصوير مطلقاً، سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوها، واحتجوا بعموم
قوله، مَّ ل: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب))،رواه أبو داود من
حديث علي، رضي الله تعالى عنه، وقوله، عَّلّهِ: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا
صورة))،أخرجه مسلم من حديث ابن عباس عن أبي طلحة، وأخرجه الطحاوي والطبراني
نحوه من حديث أبي أيوب عن رسول الله، عَّهِ، وأخرج الطحاوي أيضاً من حديث أبي
سلمة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، قال الرسول
الله، عَّله: إنا لا ندخل بيتاً فيه صورة)). وأخرجه مسلم مطولاً. وأخرج الطحاوي أيضاً من
حديث عائشة، قالت: دخل عليَّ رسول الله عَّ له وأنا مستترة بقرام ستر فيه صورة فهتكه، ثم
قال: ((إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله تعالى)). وأخرجه مسلم بأتم
منه. وأخرج الطحاوي أيضاً من حديث أسامة بن زيد عن رسول الله عَ ليه، قال: لا تدخل
الملائكة بيتاً فيه صورة. وأخرجه الطبراني مطولاً. وأخرج الطحاوي أيضاً من حديث أبي
الزبير: قال: سألت جابراً عن الصور في البيت وعن الرجل يفعل ذلك؟ فقال: زجر رسول الله
عنآ عن ذلك.
۔۔
وخالف الآخرون هؤلاء المذكورين، وهم النخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي
وأحمد في رواية، وقالوا: إذا كانت الصور على البسط والفرش التي توطأ بالأقدام فلا بأس
بها، وأما إذا كانت على الثياب والستائر ونحوهما، فإنها تحرم، وقال أبو عمر: ذكر ابن
القاسم: قال: كان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب، وأما البسط والوسائد والثياب فلا

٥٧
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٠٤)
بأس به. وكره أن يصلي إلى قبة فيها تماثيل. وقال الثوري: لا بأس بالصور في الوسائد لأنها
توطأ ويجلس عليها، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا
يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، وكذلك
عندهم ما كان خرطاً أو نقشاً في البناء.
وقال المزني عن الشافعي: وإن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح، أو صوراً
ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة، وإن كانت توطأ فلا بأس، وإن كانت صورة
الشجر. وقال قوم: إنما كره من ذلك ما له ظل وما لا ظل له فليس به بأس. وقال عياض:
وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره إلاّ ما ورد في اللعب بالبنات لصغار
البنات، والرخصة في ذلك، وكره مالك شراء ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب
للبنات منسوخ، وقال القرطبي: واستثنى بعض أصحابنا من ذلك ما لا يبقى كصور الفخار
والشمع وما شاكل ذلك، وهو مطالب بدليل التخصيص، وكانت الجاهلية تعمل أصناماً من
العجوة، حتى إن بعضهم جاع فأكل صنمه. قلت: بنو باهلة كانوا يصنعون الأصنام من
العجوة، فوقع فيهم الغلاء فأكلوها وقالوا: بنو باهلة أكلوا آلهتهم.
وحجة المخالفين لأهل المقالة الأولى حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت:
قدم رسول الله عَّ وعندي نمط لي فيه صورة، فوضعته على سهوتي، فاجتذبه، فقال: لا
تستروا الجدار. قالت: فصنعته وسادتين. أخرجه الطحاوي وأخرجه مسلم بأتم منه، والنمط
بفتح النون والميم، هو ضرب من البسط له خمل رقيق ويجمع على أنماط. والسهوة، بالسين
المهملة بيت صغير منحدر في الأرض قليلاً، شبيه بالمخدع والخزانة. وقيل: هو كالصفة
تكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرف والطاق يوضع فيه الشيء، والوسادة المخدة.
وأجابوا عن الأحاديث التي مضت بأنا عملنا بها على عمومها، وعملنا بحديث عائشة
أيضاً وبأمثاله التي رويت في هذا الباب فيما إذا كانت الصور مما كان يوطأ ويهان، فإذن
نحن عملنا بأحاديث الباب - كلها بخلاف هؤلاء - فإنهم عملوا ببعضها وأهملوا بعضها.
وفيه: ما قاله القرطبي: يستفاد من قوله: ((وليس بنافخ)) جواز التكليف بما لا يقدر
عليه، قال: ولكن ليس مقصود الحديث التكليف، وإنما المقصود منه تعذيب المكلف وإظهار
عجزه عما تعاطاه مبالغة في توبيخه وإظهار قبح فعله.
قال أبُو عَبْدِ اللهِ سَمِعَ سَعيدُ بنُ أبِي عَرُوبَةَ مِنَ النِّضْرِ بنِ أَنَسٍ هَذا الوَاحِدِ
أبو عبد الله هو البخاري، رحمه الله، والنضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: هو
النضر بن أنس بن مالك البخاري الأنصاري، يكنى أبا مالك، عداده في أهل البصرة، ولم
يسمع سعيد هذا من النضر إلاَّ هذا الحديث الواحد الذي رواه عوف الأعرابي، وهو معنى
قوله: هذا الواحد، أي: هذا الحديث الواحد.
أخرج البخاري هذا في كتاب اللباس: عن عياش بن الوليد عن عبد الأعلى عن ابن

٥٨
٣٤ - كِتَابُ البُيُوعِ / باب (١٠٥ و١٠٦)
أبي عروبة سمعت النضر بحديث قتادة، قال: كنت عند ابن عباس ... فذكره، وروى مسلم:
فأدخل بين سعيد والنضر قتادة، قال الجياني: وليس بشيء لتصريح البخاري وغيره بسماع
سعيد من النضر هذا الحديث وحده، ورواه مسلم أيضاً عن أبي غسان، وعن أبي موسى عن
معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن النضر مثله.
١٠٥ - بابُ تَخرِيمِ التِّجَارَةِ في الخَمْرِ
أي: هذا باب في بيان تحريم التجارة في الخمر، وذكر البخاري، رضي الله تعالى
عنه، هذه الترجمة في أبواب المسجد لكن بقيد المسجد حيث قال: باب تحريم تجارة
الخمر في المسجد، وهذه الترجمة أعم من تلك الترجمة لأنها غير مقيدة بشيء.
وقال جابِرٌ رضي الله تعالى عنهُ حرَّمَ النبيُّ عَُّلِّ بَيْعَ الخَمْرِ
مطابقته للترجمة ظاهرة، ووصله البخاري في: باب بيع الميتة والأصنام، وسيأتي عن
قريب إن شاء الله تعالى.
٢٢٢٦/١٦٩ _ حدَّثنا مُسْلِمٌ قال حدثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي الضُّحَى عنْ
مشرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سورَةِ الْبَقَرَةِ عنْ آخِرِهَا خرَجَ النبيُّ
عَّهِ فقال حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الحَمْرِ. [انظر الحديث ٤٥٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((حرمت التجارة في الخمر)). ورجاله قد ذكروا غير مرة،
ومسلم هو ابن إبراهيم الأزدي القصاب البصري، والأعمش هو سليمان، وأبو الضحى مسلم
ابن صبيح الكوفي، وقد مضى الحديث في: باب تحريم تجارة الخمر في المسجد فإنه
أخرجه هناك: عن عبدان عن أبي جمرة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة،
رضي الله تعالى عنها، وقد مر الكلام فيه هناك.
قوله: ((لما نزلت آيات سورة البقرة)) أي: من أول آية الربا إلى آخر السورة، ولفظه
هناك: لما نزلت الآيات من سورة البقرة في الربا. قوله: ((خرج النبي، عَّ ل))، أي: من البيت
إلى المسجد، وكذا هو هناك، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً.
١٠٦ - بابُ إِثْمٍ مَنْ باعَ حُرّاً
أي: هذا باب في بيان إثم من باع حراً، يعني عالماً بذلك متعمداً، والحر يستعمل في
بني آدم على الحقيقة، وقد يستعمل في غيرهم مجازاً، كما يقال في الوقف، وقال بعضهم:
والحر الظاهر أن المراد به من بني آدم، ويحتمل ما هو أعم من ذلك، فيدخل فيه مثل
الموقوف. انتهى. قلت: لا معنى لقوله: والحر الظاهر أن المراد به من بني آدم، لأن لفظ
الحر موضوع في اللغة لمن لم يمسه رق، وعن هذا قال الجوهري: الحر خلاف العبد،
والحرة خلاف الأمة. وقوله: أعم من ذلك، إن أراد به عموم لفظ حر، فإنه في أفراده، ولا
يدخل فيه شيء خارج عنها، وإن أراد به أن لفظ: حر، يستعمل لمعان كثيرة مثل ما يقال:

٥٩
٣٤ - كِتَابُ البُوعِ / باب (١٠٦)
حر الرمل وحر الدار يعني وسطها، وحر الوجه ما بدا من الوجنة، والحر فرخ الحمامة وولد
الظبية والحية، وطين حر لا رمل فيه، وغير ذلك، فلا هموم في كل واحد منها بلا شك،
وعند إطلاقه يراد به الحر خلاف العبد، فكيف يقول: ويحتمل ما هو أعم من ذلك؟ وهذا
کلام لا طائل تحته.
١٧٠ / ٢٢٢٧ _ حدَّثني بِشْرُ بنُ مَرْخُومٍ قال حدثنا يَحْيَى بنُ سُلَيْمٍ عنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ
أُمَّةَ عنْ سعِيدِ بنِ أبِي سَعيدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ عَ لِ قال قال الله
ثلاثَةٌ أَنا خَضْمُهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ رَجُلُ أُعطَى بِي ثُمَّ غدَرَ وَرَجُلٌ باعَ حُرّاً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ
استأجَرَ أجِيراً فاسْتَوْفَى مِنْهُ ولَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ. [الحديث ٢٢٢٧ - طرفه في: ٢٢٧٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ورجل باع حراً فأكل ثمنه)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين
المعجمة: ابن مرحوم - ضد المعذب - وهو بشر بن عبيس بن مرحوم بن عبد العزيز بن مهران
مولى آل معاوية بن أبي سفيان القرشي العطار، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وعبيس، بضم
العين المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة. الثاني:
يحيى بن سليم، بضم السين المهملة: القرشي الخراز الحذاء، يكنى أبا زكريا، ويقال: أبو
محمد مات سنة خمس وتسعين ومائة. الثالث: إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص
الأموي، مات سنة تسع وثلاثين ومائة. الرابع: سعيد المقبري، وقد تكرر ذكره. الخامس:
أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد في موضع وبصيغة الجمع في
موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه طائفي نزل مكة مختلف في توثيقه
وليس له في البخاري موصولاً سوى هذا الحديث، وذكره في الإجارة من وجه آخر عنه.
وفيه: أن يحيى وإسماعيل مكيان وسعيد مدني روى الحديث المذكور عن أبي هريرة، وقال
البيهقي، رواه أبو جعفر النفيلي عن يحيى بن سليم، فقال: عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه
عن أبي هريرة، والمحفوظ قول الجماعة، وهذا الحديث من أفراد البخاري.
ذكر معناه: قوله: ((ثلاثة))، أي: ثلاثة أنفس، وذكر الثلاثة ليس للتخصيص، لأن الله
تعالى خصم لجميع الظالمين. ولكن لما أراد التشديد على هؤلاء الثلاثة صرح بها. قوله:
((خصمهم))، الخصم يقع على الواحد والإثنين والجماعة والمذكر والمؤنث، بلفظ واحد،
وزعم الهروي أن الخصم بالفتح: الجماعة من الخصوم، والخصم بكسر الخاء: الواحد، وقال
الخطابي: الخصم هو المولع بالخصومة الماهر فيها. وعن يعقوب: يقال للخصم خصيم،
وفي (الوعي): خصيم للمخاصِم والمخاصَم، وعن الفراء: كلام العرب الفصحاء أن الاسم إذا
كان مصدراً في الأصل لا يثنونه ولا يجمعونه، ومنهم من يثنيه ويجمعه، فالفصحاء يقولون:
هذا خصم في جميع الأحوال، والآخرون يقولون: هذان خصمان، وهم خصوم وخصماء،

٦٠
٣٤ - كِتَابُ الْبُيُوعِ / باب (١٠٦)
وكذا ما أشبهه. قوله: ((أعطى بي)) حذف فيه المفعول تقديره: أعطى العهد باسمي واليمين
به، ثم نقض العهد ولم يف به، وقال ابن الجوزي: معناه حلف في قوله ثم غدر، يعني:
نقض العهد الذي عهد عليه واجتراً على الله تعالى. قوله: ((باع حراً) أي: عالماً متعمداً، فإن
كان جاهلاً، فلا يدخل في هذا القول قوله: ((فأكل ثمنه))، خص الأكل بالذكر لأنه أعظم
مقصود. قوله: ((فاستوفى منه)) أي: استوفى العمل منه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن العذاب الشديد على الثلاثة المذكورين: أما الأول: فلأنه
هتك حرمة اسم الله تعالى. وأما الثاني: فلأن المسلمين أكفاء في الحرية والذمة، وللمسلم
على المسلم أن ينصره ولا يظلمه، وأن ينصحه ولا يغشه، وليس في الظلم أعظم ممن
يستعبده أو يعرضه على ذلك، ومن باع حراً فقد منعه التصرف فيما أباح الله له وألزمه حال
الذلة والصغار، فهو ذنب عظيم ينازع الله به في عباده. وأما الثالث: فهو داخل في بيع حر،
لأنه استخدمه بغير عوض، وهذا عين الظلم. وقال ابن المنذر: وكل من لقيت من أهل العلم
على أن من باع حراً لا قطع عليه ويعاقب، ويروى عن ابن عباس: يرد البيع ويعاقبان، وروى
حلاس عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: تقطع يده، والصواب قول الجماعة، لأنه
ليس بسارق، ولا يجوز قطع غير السارق، وذكر ابن حزم عن عبد الله بن بريدة: أن رجلاً باع
نفسه فقضى عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، بأنه عبد كما أقر، وجعل ثمنه في سبيل
الله تعالى، وروى ابن أبي شيبة عن شريك عن الشعبي عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال:
((إذا أقر على نفسه بالعبودية فهو عبد))، وروى سعيد بن منصور، فقال: حدثنا هشيم أنبأنا
مغيرة بن مقسم عن النخعي فيمن ساق إلى امرأة رجلاً، فقال إبراهيم: هو رهن بما جعل فيه
حتى يفتك نفسه، وعن زرارة بن أوفى، قاضي البصرة التابعي: أنه باع حراً في دين عليه، قال
ابن حزم: وروينا هذا القول عن الشافعي، وهي قولة غريبة لا يعرفها من أصحابه إلاَّ من تبحر
في الآثار. قال: وهذا قضاء عمر وعلي بحضرة الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ولم
يعترضهما معترض. قال: وقد جاء أثر بأن الحر يباع في دينه في صدر الإسلام إلى أن أنزل
الله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وروي عن أبي سعيد الخدري
((أن رسول الله عَّلله باع حراً أفلس))، ورواه الدارقطني من حديث حجاج عن ابن جريج،
فقال: عن أبي سعيد - أو سعد - على الشك، ورواه البزار من حديث مسلم بن خالد الزنجي
عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن البيلماني عن سرق: أنه اشترى من أعرابي بعيرين
فباعهما، فقال، عَّ له: يا أعرابي! إذهب فبعه حتى تستوفي حقك، فأعتقه الأعرابي. ورواه ابن
سعد عن أبي الوليد الأزرقي عن مسلم، وهو سند صحيح، وضعفه عبد الحق بأن قال: مسلم
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيفان، وليس بجيد، لأن مسلماً وثقه غير واحد، وصحح
حديثه، وعبد الرحمن لا مدخل له في هذا لا جرم. وأخرجه الحاکم من حديث بندار: حدثنا
عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار حدثنا زيد بن أسلم، ثم
قال: على شرط البخاري، وفي (التوضيح): ويعارضه في (مراسيل) أبي داود عن الزهري،
: