Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٨) مالك. والتاسع: أنه يجوز صيامها للنذر فقط، ولا يجوز للمتمتع ولا غيره، حكاه الخراسانيون عن أبي حنيفة، وقال ابن العربي: لا يساوي سماعه. قلت: لم يصح هذا عن أبي حنيفة، ولا يساوي سماع هذا النقل. ١٩٩٦/١٠٤ - قال أبُو عَبْدِ الله وقال لِي مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى حدَّثنا يحيى عنْ هِشامٍ قال أخبرني أبي قال كانَتْ عائِشَةُ رضي الله تعالى عنها تَصُومُ أيَّامَ مِنَّى وكانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا. مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام الذي فيها، وهو موقوف على عائشة، رضي الله تعالى عنها، وقال بعضهم: كأنه لم يصرح فيه بالتحديث لكونه موقوفاً على عائشة قلت: إنما ترك التحديث لأنه أخذه عن محمد بن المثنى مذاكرة، وهذا هو المعروف من عادته، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وهشام هو ابن عروة بن الزبير. قوله: ((أيام منىٍ))، وفي رواية المستملي: ((أيام التشريق بمنىّ)). قوله: ((وكان أبوها))، أي: أبو عائشة، وهو أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه ((يصومها)) أي: أيام التشريق، هذا في رواية كريمة. وفي رواية غيرها: ((وكان أبوه))، أي: أبو هشام، وهو عروة، كان يصوم أيام التشريق، والقائل لهذا الكلام - أعني: وكان أبوه - هو يحيى القطان، وفي رواية كريمة القائل هو عروة. ١٠٥/ ١٩٩٧ - ١٩٩٨ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدَرّ حدَّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ ابنَ عِيسَى عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ وعنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُمْ قالاَ لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإطلاق الذي فيها، وكان إطلاقها لأجل الاختلاف في صوم أيام التشريق، فأوضح الخلاف الذي يتضمن هذا الإطلاق بأثر عائشة وبأثرها أيضاً وأثر ابن عمر أن الجواز لمن لم يجد الهدي مطلقاً. فإن قلت: أثر عائشة المذكورة أولاً مطلق، والثاني مقيد، فما وجه ذلك؟ قلت: يجوز أن تكون عائشة عدت أيام التشريق من أيام الحج، وخفي عليها ما كان من نهي النبي عَّهِ عن الصيام في هذه الأيام، الذي يدل على أنها لا تدخل فيما أباح الله، عز وجل، صومه من ذلك. فإن قلت: كيف يخفى عليها هذا المقدار مع مكانتها في العلم وقربها من رسول الله عَ لّهِ؟ قلت: هذا منها اجتهاد، والمجتهد قد يخفى عليه ما لا يخفى على غيره. ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: محمد بن بشار، بالباء الموحدة، وقد تكرر ذكره. الثاني: غندر هو محمد بن جعفر. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ابن أخي محمد بن أبي ليلى الفقيه المشهور، وكان عبد الله أسن من عمه محمد، وكان يقال: إنه أفضل من عمه. الخامس: محمد بن مسلم الزهري. السادس: عروة بن الزبير بن العوام. السابع: عائشة أم المؤمنين. الثامن: سالم بن عبد الله بن عمر. التاسع: أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم. عمدة القاري/ ج١١ م١١ ١٦٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٨) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: السماع. وفيه: أن عبد الله بن عيسى ليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، من روايته عن جده عبد الرحمن عن كعب ابن عجرة. وفيه: شعبة: سمعت عبد الله بن عيسى عن الزهري، وفي رواية الدارقطني من طريق النضر بن شميل: عن شعبة عن عبد الله بن عيسى سمعت الزهري. وفيه: وعن سالم هو من رواية الزهري عن سالم فهو موصول. ذكر معناه: قوله: ((قالا)) أي: عائشة وعبد الله بن عمر. قوله: ((لم يرخص))، بضم الياء على صيغة المجهول، كذا رواه الحفاظ من أصحاب شعبة. وقوله: ((يصمن))، على صيغة المجهول للجمع المؤنث أي: يصام فيهن، فحذف الجار، وأوصل الفعل إلى الضمير. وقال بعضهم: ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني والطحاوي: ((رخص رسول الله عَّ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق)). قلت: هذا لفظ الدارقطني، ولفظ الطحاوي، ليس كذلك، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا يحيى بن سلام، قال: حدثنا شعبة عن ابن أبي ليلى عن الزهري ((عن سالم عن أبيه أن رسول الله، عَّه، قال في المتمتع: إذا لم يجد الهدي ولم يصم في العشر، أنه يصوم أيام التشريق)). وذكر الطحاوي هذا في معرض الاحتجاج لمالك والشافعي وأحمد، فإنهم قالوا: للمتمتع، إذا لم يصم في أيام العشر لعدم الهدي، يجوز له أن يصوم في أيام التشريق، وكذا القارن والمحصر، ثم احتج لأبي حنيفة وأصحابه بحديث علي، رضي الله تعالى عنه، قال: ((خرج منادي رسول الله، عَّه، في أيام التشريق، فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب)). وأخرجه بإسناد حسن. وأخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي والطبراني والبيهقي بأطول منه. وفيه: ((إن هذه الأيام أيام أكل وشرب)). وأخرج أيضاً من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد ابن أبي وقاص عن أبيه عن جده، قال: ((أمرني رسول الله، عٍَّ، أن أنادي أيام منىّ: إنها أيام أكل وشرب، فلا صوم فيها)). يعني أيام التشريق، وأخرجه أحمد في (مسند)، وأخرجه أيضاً من حديث عطاء ((عن عائشة قالت: قال رسول الله عَّ أيام التشريق أيام أكل وشرب)). وأخرج أيضاً من حديث سعيد بن أبي كثير: أن جعفر بن المطلب أخبره ((أن عبد الله بن عمرو بن العاص دخل على عمرو بن العاص فدعاه إلى الغداء، فقال: إني صائم، ثم الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك، فقالا: لا إلاَّ أن تكون سمعته من رسول الله، عَّه، قال: فإني سمعته من رسول الله، عَ له)) يعني: النهي عن الصيام أيام التشريق. وأخرج أيضاً من حديث سليمان بن يسار ((عن عبد الله بن حذافة أن النبي عَ لِ أمره أن ينادي في أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب)). وإسناده صحيح. وأخرجه الطبراني. وأخرج أيضاً من حديث عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَ له: ((أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله عز وجل. وأخرج أيضاً من حديث أبي المليح الهذلي عن نبيشة الهذلي عن النبي عَّ مثله. وأخرجه مسلم وأخرج أيضاً من حديث عمرو بن دينار ١٦٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٨) أن نافع بن جبير أخبره عن رجل من أصحاب النبي عَِّ قال عمر: وقد سماه نافع فنسيته: أن النبي، عَّهِ، قال لرجل من بني غفار، ويقال له: بشر بن سحيم: قم فأذن في الناس، إنها أيام أكل وشرب، في أيام منىّ. وأخرجه النسائي وابن ماجه. وأخرجه أيضاً من حديث يزيد الرقاشي ((عن أنس بن مالك، قال: نهى النبي عَلّم عن صوم أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر)). وأخرجه أبو يعلى في (مسنده) من حديث يزيد الرقاشي ((عن أنس: أن رسول الله، عَلَّه، نهى عن صوم خمسة أيام من السنة، يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق)). وهذه حجة قوية لأصحابنا في حرمة الصوم في الأيام الخمسة. وأخرج أيضاً من حديث عبد الرحمن بن جبير ((عن معمر بن عبد الله العدوي قال: بعثني رسول الله عَّلِ أؤذن في أيام التشريق بمنى: لا يصومن أحد فإنها أيام أكل وشرب))، وأخرجه أبو القاسم البغوي في (معجم الصحابة) وأخرج أيضاً من حديث سليمان بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب يحدثان عن أم الفضل، امرأة عباس بن عبد المطلب، قالت: كنا مع رسول الله، عَّ ليه، بمنىّ أيام التشريق، فسمعت منادياً يقول: إن هذه الأيام أيام طعم وشرب، وذكر الله، قالت: فأرسلت رسولاً من الرجل ومن أمره، فجاءني الرسول فحدثني أنه رجل يقال له حذافة، يقول: أمرني بها رسول الله، عَلَّه)). وأخرج أيضاً عمر بن خلدة الزرقي عن أمه قالت: ((بعث رسول الله عَّ علي بن أبي طالب في أوسط أيام التشريق، فنادى في الناس: لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال)). وأخرجه ابن أبي شيبة في (مسنده). وأخرج أيضاً من حديث مسعود بن الحكم الزرقي قال: ((حدثتني أمي قالت: لكأني أنظر إلى علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، على بغلة النبي معَّه البيضاء. حين قام إلى شعب الأنصار. وهو يقول: يا معشر المسلمين! إنها ليست بأيام صوم، إنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل)). وأخرجه النسائي أيضاً. وأخرج أيضاً من حديث مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت سليمان بن يسار يزعم أنه سمع ابن الحكم الزرقي يقول: حدثنا أبي أنهم كانوا مع رسول الله عَّله فسمعوا راكباً وهو يصرخ: لا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب)). وابن الحكم: هو مسعود بن الحكم، وأبوه الحكم الزرقي ذكره ابن الأثير في الصحابة. وأخرج أيضاً من حديث يحيى بن سعيد أنه سمع يوسف بن مسعود بن الحكم الزرقي يقول: حدثتني جدتي فذكر نحوه، وجدته حبيبة بنت شريق. وأخرج أيضاً من حديث مسعود بن الحكم الأنصاري عن رجل من أصحاب النبي، عَّ له، قال: أمر النبي، عَ لّه، عبد الله بن حذافة أن يركب راحلته أيام منىّ فيصيح في الناس: ((ألا لا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب، قال: فلقد رأيته على راحلته ينادي بذلك)). وأخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف وفي آخره: ((ألا إن هذه أيام عيد وأكل وشرب، وذكر، فلا يصومن إلاَّ محصر أو متمتع لم يجد هدياً، ولم يصم في أيام الحج المتتابعة فليصمهن))، فهذا الطحاوي أخرج أحاديث النهي عن الصوم في أيام التشريق عن ستة عشر نفساً من ١٦٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٨) الصحابة، وهذا هو الإمام الجهبذ صاحب اليد الطولى في هذا الفن. وفي الباب حديث أم عمرو بن سليم عند أحمد، وعقبة بن عامر عند الترمذي، وحمزة ابن عمرو الأسلمي عند الطبراني، وكعب بن مالك عند أحمد ومسلم، وعبد الله بن عمرو عند النسائي، وعمرو بن العاص عند أبي داود، وبديل بن ورقاء عند الطبراني، وزید بن خالد عند أبي يعلى الموصلي، ولفظه: ((ألا إن هذه الأيام أيام أكل وشرب ونكاح))، وجابر عند، ثم قال الطحاوي: فلما ثبت بهذه الآثار عن رسول الله، عَّلّه، النهي عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنىّ، والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون، ولم يستثن منهم متمتعاً ولا قارناً، دخل المتمتعون والقارنون في ذلك، ثم أجاب عن حديثهم، وهو حديث عبد الله بن عمران، في إسناده يحيى بن سلام، أنه حديث منكر لا يثبته أهل العلم بالرواية لضعف يحيى بن سلام، وابن أبي ليلى وفساد حفظهما، والدارقطني أيضاً ضعف يحيى بن سلام، وابن أبي ليلى فيه مقال، وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وعن أحمد: كان سيء الحفظ مضطرب الحديث، وعن أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به،++ فإن قلت: ابن أبي ليلى هو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وهو ثقة عند الكل. قلت: ذكر الطحاوي ابن أبي ليلى بفساد حفظه وضعفه يدل على أنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، إذ لو كان هو عبد الله بن عيسى لما ذكره هكذا، على أنا نقول: قد قال ابن المديني: عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى عندي منكر، وكان يتشيع، وأيضاً فالحديث الذي فيه عبد الله بن عيسى ليس بمرفوع، بخلاف الحديث الذي ذكره الطحاوي وقد اختلفوا في قول الصحابي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، هل له حكم الرفع؟ على أقوال: ثالثها إن أضافه إلى عهد النبي عَّم فله حكم الرفع، وإلاَّ فلا. واختلف الترجيح فيما إذا لم يضفه ويلتحق به، رخص لنا في كذا، أو عزم علينا أن لا نفعل كذا. فالكل في الحكم سواء، وقد حصل الجواب عن أثر عائشة وابن عمر عند ذكره عن عبد الله بن عیسی. ١٩٩٩/١٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سالِمٍ ابنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال الصِّيامُ لِمَنْ تَمَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ إِلَى يَوْمٍ عَرَفَةَ فإنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنِىّ. , مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((صام أيام منئٍ))، لأنه يوضح إطلاق الترجمة كما ذكرنا في الحديث السابق. قوله: ((الصيام)) أي: الصيام الذي يفعل للمتمتع بالعمرة إلى الحج ينتهي إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هدياً، وفي رواية الحموي: ((فمن لم يجد))، وكذا هو في (الموطأ). قوله: ((صام أيام منىّ)) وهي أيام التشريق، فهذا والذي قبله من الحديثين يدل على جواز الصوم للمتمتع الذي لا يجد الهدي في أيام التشريق، وإليه مال البخاري، وعن هذا قال بعضهم: ويترجح الجواز. قلت: كيف يترجح الجواز مع رواية جماعة من الصحابة ما يناهز ثلاثين صحابياً النهي عن النبي معَّم عن الصوم في أيام التشريق؟ ومع هذا فالبخاري ما روى في هذا الباب إلاَّ ثلاثة من الآثار الموقوفة. ١٦٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) وعَنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُزْوَةَ عنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ أي: وروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة مثله، أي: مثل ما روى ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر. تابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ يعني: تابع مالكاً إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن في روايته عن ابن شهاب الزهري، ووصله الشافعي، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عروة ((عن عائشة، في المتمتع: إذا لم يجد هدياً ولم يصم قبل عرفة فليصم أيام منىّ وعن سالم عن أبيه مثله، ووصله الطحاوي من وجه آخر عن ابن شهاب عن عروة ((عن عائشة، وعن سالم عن أبيه: أنهما كانا يرخصان للمتمتع إذا لم يجد هدياً، ولم يكن صام قبل عرفة، أن يصوم أيام التشريق)). وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث الزهري عن عروة عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر نحوه، والله أعلم. ٦٩ - بابُ صِيامِ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ أي: هذا باب في بيان حكم صوم يوم عاشوراء، والكلام فيه على أنواع. الأول: في بيان اشتقاق عاشوراء ووزنه: فاشتقاقه من العشر الذي هو اسم للعدد المعين، وقال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة الليلة العاشرة، لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم الفعل، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلاَّ أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليها الإسمية، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، وقيل: هو مأخوذ من العشر بالكسر في أوراد الإبل: تقول العرب: وردت الإبل عشراً إذا وردت اليوم التاسع، وذلك لأنهم يحسبون في الإظماء يوم الورد، فإذا قامت في الرعي يومين ثم وردت في الثالثة، قالوا: وردت ربعاً وإن رعت ثلاثاً، وفي الرابع وردت خمساً، لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الرعي، وأول اليوم الذي ترد فيه بعده، وعلى هذا القول يكون التاسع عاشوراء. وأما وزنه: ففاعولاء، قال أبو منصور اللغوي: عاشوراء ممدود، ولم يجيء فاعولاء في كلام العرب إلاَّ عاشوراء، والضاروراء: اسم للضراء، والساروراء اسم للسراء، والدالولاء اسم للدالة، وخابوراء اسم موضع. وقال الجوهري: يوم عاشوراء وعاشوراء ممدودان، وفي (تثقيف اللسان) للحميري: عن أبي عمرو الشيباني: عاشورا بالقصر، وروي عن أبي عمر، قال: ذكر سيبويه فيه القصر والمد بالهمز، وأهل الحديث تركوه على القصر، وقال الخليل: بنوه على: فاعولاء، ممدوداً لأنها كلمة عبرانية، وفي (الجمهرة): هو اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية، لأنه لا يعرف في كلامهم: فاعولاء، ورد على هذا بأن الشارع نطق به، وكذلك أصحابه. قالوا: بأن عاشوراء كان يسمى في الجاهلية، ولا يعرف إلاَّ بهذا الاسم. النوع الثاني: اختلفوا فيه في أي يوم: فقال الخليل: هو اليوم العاشر، والاشتقاق ١٦٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) يدل عليه، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. ومن بعدهم، فممن ذهب إليه من الصحابة: عائشة، ومن التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري، ومن الأئمة: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحابهم، وذهب ابن عباس إلى أن عاشوراء هو اليوم التاسع، وفي (المصنف): عن الضحاك: عاشوراء اليوم التاسع، وفي (الأحكام) لابن بزيزة: اختلف الصحابة فيه: هل هو اليوم التاسع أو اليوم العاشر أو اليوم الحادي عشر؟ وفي (تفسير أبي الليث السمرقندي): عاشوراء يوم الحادي عشر، وكذا ذكره المحب الطبري، واستحب قوم صيام اليومين جميعاً، روي ذلك عن أبي رافع صاحب أبي هريرة وابن سيرين، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن عباس أنه: كان يصوم اليومين خوفاً أن يفوته، وكان يصومه في السفر، وفعله ابن شهاب. وصام أبو إسحاق عاشوراء ثلاثة أيام: يوماً قبله ويوماً بعده في طريق مكة، وقال: إنما أصوم قبله وبعده كراهية أن يفوتني، وكذا روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: صوموا قبله يوماً وبعده يوماً، وخالفوا اليهود. وفي (المحيط): وكره إفراد يوم عاشوراء بالصوم لأجل التشبه باليهود، وفي (البدائع): وكره بعضهم إفراده بالصوم، ولم يكرهه عامتهم، لأنه من الأيام الفاضلة. وقال الترمذي: باب ما جاء في يوم عاشوراء، أي يوم هو؟ حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: حدثنا وكيع عن حاجب بن عمر عن الحكم بن الأعرج، قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء أي يوم أصومه؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح من اليوم التاسع صائماً. قلت: أهكذا كان يصومه محمد عَّ له؟ قال: نعم، حدثنا قتيبة حدثنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله عَ ليه بصوم يوم عاشوراء اليوم العاشر. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. قلت: حديث ابن عباس الأول رواه مسلم وأبو داود، والثاني انفرد به الترمذي وهو منقطع بين الحسن البصري وابن عباس، فإنه لم يسمع منه، وقول الترمذي: حديث حسن، لم يوضح مراده، أي حديثي ابن عباس أراد؟! وقد فهم أصحاب الأطراف أنه أراد تصحيح حديثه الأول، فذكروا كلامه هذا عقيب حديثه الأول، فتبين أن الحديث الثاني منقطع وشاذ أيضاً لمخالفته للحديث الصحيح المتقدم. فإن قلت: هذا الحديث الصحيح يقتضي بظاهره أن عاشوراء هو التاسع؟ قلت: أراد ابن عباس من قوله: فإذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائماً، أي: صم التاسع مع العاشر، وأراد بقوله: نعم، ما روي من عزمه، عَّ، على صوم التاسع من قوله: لأصومن التاسع. وقال القاضي: ولعل ذلك على طريق الجمع مع العاشر لئلا يتشبه باليهود، كما ورد في رواية أخرى: ((فصوموا التاسع والعاشر))، وذكر رزين هذه الرواية عن عطاء عنه، وقيل: معنى قول ابن عباس: نعم، يصوم التاسع لو عاش إلى العام المقبل. وقال أبو عمر: وهذا دليل على أنه، عَِّ، كان يصوم العاشر إلى أن مات، ولم يزل يصومه حتى قدم المدينة، وذلك محفوظ من حديث ابن عباس، والآثار في هذا الباب عن ابن عباس مضطربة. النوع الثالث: لِمَ سُمِّيَ اليوم العاشر عاشوراء؟ اختلفوا فيه، فقيل: لأنه عاشر ١٦٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) المحرم، وهذا ظاهر، وقيل: لأن الله تعالى أكرم فيه عشرة من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام بعشر کرامات. الأول: موسى عليه السلام، فإنه نصر فيه، وفلق البحر له، وغرق فرعون وجنوده. الثاني: نوح عليه السلام استوت سفينته على الجودي فيه. الثالث: يونس، عليه السلام، أنجي فيه من بطن الحوت. الرابع: فيه تاب الله على آدم عليه السلام، قاله عكرمة. الخامس: يوسف عليه السلام، فإنه أخرج من الجب فيه. السادس: عيسى عليه السلام، فإنه ولد فيه، وفيه رفع. السابع: داود، عليه السلام، فيه تاب الله عليه. الثامن: إبراهيم، عليه السلام، ولد فيه. التاسع: يعقوب، عليه السلام، فيه رد بصره. العاشر: نبينا محمد، عَ لَّهِ، فيه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. هكذا ذكروا عشرة من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. قلت: ذكر بعضهم من العشرة: إدريس، عليه السلام، فإنه رفع إلى مكان في السماء، وأيوب، عليه السلام، فيه كشف الله ضره، وسليمان؟ عليه السلام، فيه أعطي الملك. النوع الرابع: اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء سنة وليس بواجب، واختلفوا في حكمه أول الإسلام، فقال أبو حنيفة: كان واجباً، واختلف أصحاب الشافعي على وجهين: أشهرهما: أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يك واجباً قط في هذه الأمة، ولكنه كان يتأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحباً دون ذلك الاستحباب. والثانى: كان واجباً كقول أبي حنيفة، وقال عياض: كان بعض السلف يقول: كان فرضاً وهو باقٍ على فرضيته لم ينسخ، قال: وانقرض القائلون بهذا، وحصل الإجماع على أنه ليس بفرض، إنما هو مستحب. النوع الخامس: في فضل صومه، وروى الترمذي من حديث أبي قتادة أن النبي، عَ طِّ، قال: ((صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله))، ورواه مسلم وابن ماجه أيضاً وروى ابن أبي شيبة بسند جيد عن أبي هريرة، يرفعه: ((يوم عاشوراء تصومه الأنبياء، عليهم الصلام والسلام، فصوموه أنتم)). وفي (كتاب الصيام) للقاضي يوسف، قال ابن عباس: ((ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلّ شهر رمضان أو يوم عاشوراء)). وروى الترمذي من حديث علي، رضي الله تعالى عنه: ((سأل رجل النبي، عَّ: أي شيء تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ قال: صم المحرم، فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب فيه على قوم ويتوب فيه على قوم آخرين)). وقال: حسن غريب، وعند النقاش في (كتاب عاشوراء): ((من صام عاشوراء فكأنما صام الدهر كله وقام ليله)). وفي لفظ: ((من صامه يحتسب له بألف سنة من سني الآخرة). النوع السادس: ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء، وفي فضل الكحل يوم عاشوراء لا يصح، ومن ذلك حديث جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رفعه: ((من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً))، وهو حديث موضوع، وضعه قتلة الحسين، رضي الله تعالى عنه، وقال الإمام أحمد: والاكتحال يوم عاشوراء لم يروَ عن رسول الله عَّ ◌َله فيه ١٦٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) أثر، وهو بدعة. وفي (التوضيح): ومن أغرب ما روي فيه أن رسول الله عَّةٍ قال في الصرد: إنه أول طائر صام عاشوراء، وهذا من قلة الفهم، فإن الطائر لا يوصف بالصوم. قال الحاكم: وضعفه قتلة الحسين، رضي الله تعالى عنه. قلت: إطلاق الصوم للطائر ليس بوجه الصوم الشرعي حتى ينسب قائله إلى قلة الفهم، وإنما غرضه أن الطائر أيضاً يمسك عن الأكل يوم عاشوراء تعظيماً له، وذلك بإلهام من الله تعالى، فيدل ذلك على فضله بهذا الوجه. ٢٠٠٠/١٠٧ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنْ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدٍ عنُ سالِمٍ عنْ أبيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إنْ شاءَ صام. [انظر الحديث وطرفه]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح الإبهام الذي فيها، ثم إنه أورد فيه أحاديث وقدم منها ما هو دالٌّ على عدم وجوب صوم عاشوراء، ثم ذكر ما يدل على الترغيب في صيامه. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو عاصم النبيل الضحاك ابن مخلد. الثاني: عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر. الثالث: سالم بن عبد الله بن عمر. الرابع: عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفي رواية مسلم عن أبي عاصم شيخ البخاري فصرح فيها بالتحديث في جميع إسناده. وفيه: رواية عمر عن عم أبيه سالم ابن عبد الله ابن عمر. وفيه: أن شيخه بصري والبقية مدنيون. وأخرجه مسلم أيضاً في الصوم عن أحمد بن عثمان النوفلي عن أبي عاصم شيخ البخاري. ذكر معناه: قوله: ((إن شاء صام))، كذا وقع في جميع النسخ من البخاري مختصراً، وعند ابن خزيمة في (صحيحه) عن أبي موسى عن أبي عاصم بلفظ: ((إن اليوم يوم عاشوراء، فمن شاء فليصمه ومن شاء فليفطره))، وعند الإسماعيلي قال: ((يوم عاشوراء من شاء صامه ومن شاء أفطره))، وفي رواية مسلم: ((ذكر عند رسول الله عَّم عاشوراء فقال: كان يوم يصومه أهل الجاهلية، فمن شاء صامه ومن شاء تركه)). وروى الطحاوي: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الله بن عمر والليث بن سعد عن نافع ((عن ابن عمر: أن رسول الله عَ لَّه قال: من أحب منكم أن يصوم يوم عاشوراء فليصمه، ومن لم يحب فليدعه)). وأخرجه الدارمي في (سننه): أخبرنا يعلى عن محمد بن إسحاق عن نافع ((عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَظٍّ: هذا يوم عاشوراء، كانت قريش تصومه في الجاهلية فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن أحب منكم أن يتركه فليتركه)). وكان ابن عمر لا يصوم إلاَّ أن يوافق صيامه، وهذا كله يدل على الاختيار في صومه. فإن قلت: قد مضى في أول كتاب الصوم من حديث ابن عمر قال: ((صام النبي عَ لّم. عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان تركه))، وهذا يدل على أنه كان واجباً، وقد روي في ١٦٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) ذلك أحاديث كثيرة. منها: ما رواه الطحاوي من حديث حبيب بن هند بن أسماء عن أبيه قال: ((بعثني رسول الله عَّه إلى قومي من أسلم، فقال: قل لهم فليصوموا يوم عاشوراء، فمن وجدت منهم قد أكل في صدر يومه فليصم آخره)). وأخرجه أحمد أيضاً في (مسنده) وهذا أيضاً يدل على أن صوم عاشوراء كان واجباً. ومنها: ما رواه الطحاوي أيضاً: حدثنا علي بن شيبة، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي - هو المنهال - عن عمه قال: ((غدونا على رسول الله الله صبيحة عاشوراء، وقد تغدينا، فقال: أصمتم هذا اليوم فقلنا: قد تغدينا. فقال: أتموا بقية يومكم)). وقد استدل به من كان يقول: إنَّ صوم يوم عاشوراء كان فرضاً لأنه عَّةِ أمرهم بإتمام بقية يومهم ذلك بعد أن تغدوا في أول يومهم، فهذا لم يكن إلاَّ في الواجب. وأجيب: عن هذا بوجوه: الأول: قاله البيهقي: بأن هذا الحديث ضعيف، لأن عبد الرحمن فيه مجهول ومختلف في اسم أبيه، ولا يدري من عمه، ورد عليه بأن النسائي أخرجه من حديث عبد الرحمن عن عمه ((أن أسلم أتت النبي عَّه. فقال: أصمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فأتموا بقية يومكم واقضوا)). وعبد الرحمن بن سلمة - ويقال: ابن مسلمة الخزاعي، ويقال: ابن منهال بن مسلمة الخزاعي - ذكره ابن حبان في الثقات، وروى له أبو داود والنسائي هذا الحديث الواحد، وعمه صحابي لم يذكر اسمه، وجهالة الصحابي لا تضر صحة الحديث. الوجه الثاني: ما قيل بأن هذا كان حكماً خاصاً بعاشوراء، ورخصة ليست لسواه، وزيادة في فضله وتأكيد صومه، وذهب إلى ذلك ابن حبيب المالكي. الوجه الثالث: ما قاله الخطابي: كان ذلك على معنى الاستحباب والإرشاد لأوقات الفضل، لئلا يغفل عنه عند مصادفة وقته، ورد هذا أيضاً بأن الظاهر أن هذا كان لأجل فرضية صوم يوم عاشوراء، ولهذا جاء في رواية أبي داود، رضي الله تعالى عنه، والنسائي، رحمه الله تعالى: ((فأتموا بقية يومكم واقضوه)). فهذا صريح في دلالته على الفرضية، لأن القضاء لا يكون إلاَّ في الواجبات. ومنها: ما رواه عبد الله بن أحمد في (زياداته على المسند) من حديث علي، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَّلله كان يصوم عاشوراء ويأمر بصيامه، ورواه البزار أيضاً. ومنها: ما رواه ابن ماجه من حديث محمد بن صيفي، قال: ((قال لنا رسول الله عَّ ◌َّ يوم عاشوراء: منكم أحد طعم اليوم؟ قلنا: منا من طعم ومنا من لم يطعم. قال: أتموا بقية يومكم، من كان طعم ومن لم يطعم، فأرسلوا إلى أهل العروض فليتموا بقية يومهم)). قال: يعني بأهل العروض حول المدينة. ومنها: حديث سلمة بن الأكوع، على ما يجيء. ومنها: حديث ابن عباس على ما يجيء. ومنها: حديث الربيع بنت معوذ على ما يجيء. ومنها: ما رواه أحمد والبزار والطبراني من حديث عبد الله بن الزبير. قال، وهو على المنبر: ((هذا يوم عاشوراء فصوموه، فإن رسول الله عَّلِ أمر بصومه)). ومنها: ما رواه البزار من حديث عائشة بلفظ: ((أن النبي عَّلله أمر بصيام عاشوراء يوم العاشر))، ورجاله رجال الصحيح. ومنها: ما رواه الطبراني في الأوسط أن أبا موسى قال يوم عاشوراء: ((صوموا هذا اليوم فإن النبي عَّ أمرنا بصومه)). ١٧٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) ومنها: ما رواه الطبراني أيضاً في (الأوسط) من رواية سعيد بن المسيب أنه سمع معاوية على المنبر يوم عاشوراء يقول: ((سمعت رسول الله عَّ يأمر بصيام هذا اليوم)). ومنها: ما رواه أحمد من حديث أبي هريرة، قال: كان رسول الله عَ لَّه صائماً يوم عاشوراء، فقال لأصحابه: ((من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن أكل من غداء أهله فليتم بقية يومه)). ومنها: ما رواه أحمد أيضاً والطبراني من حديث جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: ((أمرنا رسول الله عَ له بيوم عاشوراء أن نصومه)). ومنها: ما رواه الطبراني أيضاً في (الأوسط) من حديث أبي سعيد: أن النبي عَّه ذكر يوم عاشوراء فعظم منه، ثم قال لمن حوله: ((من كان لم يطعم منكم فليصم يومه هذا، ومن كان قد طعم منكم فليصم بقية يومه))، ورجاله ثقات. ومنها: ما رواه الطبراني أيضاً من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: ((بعث رسول الله عَّ أسماء بن عبد الله يوم عاشوراء، فقال: إئت قومك، فمن أدركت منهم لم يأكل فليصم، ومن طعم فليصم)). ومنها: ما رواه الطبراني أيضاً من حديث خباب بن الأرتَّ: ((أن رسول الله عَّ لّ قال يوم عاشوراء: أيها الناس! من كان منكم أكل فلا يأكل بقية يومه، ومن نوى منكم الصوم فليصمه)). ومنها: ما رواه الطبراني أيضاً من حديث معبد القرشي أنه قال لرجل أتاه بقديد: ((أطعمت اليوم شيئاً؟ قال: إني شربت ماء! قال: فلا تطعم شيئاً حتى تغرب الشمس، وأمر من وراءك أن يصوموا هذا اليوم))، ورجاله ثقات. ومنها: ما رواه البزار والطبراني من حديث مجزأة بن زاهر عن أبيه بلفظ: ((سمعت منادي رسول الله عَُّلّم يوم عاشوراء وهو يقول: من كان صائماً اليوم فليتم صومه، ومن لم يكن صائماً فليتم ما بقي، وليصم)) ورجال البزار ثقات. ومنها: ما رواه أحمد والبزار والطبراني من حديث عبد الله بن بدر من رواية ابنه بعجة: أن أباه أخبره أن رسول الله عَّ اللّه قال لهم يوماً: ((هذا يوم عاشوراء فصوموه ... )) الحديث. ومنها: حديث رزينة، وقد ذكرناه فيما مضى. قلت: روى مسلم من حديث جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله عَّ اللّه يأمرنا بصوم يوم عاشوراء، ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده، وروى ابن أبي شيبة من حديث قيس بن سعد، قال: أمر رسول الله مدلّ. بصيام عاشوراء، فلما نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله. وروى مسلم أيضاً من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدى، فقال: يا با محمد ادن إلى الغداء! فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله عَ له يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل رمضان ترك. وقال أبو كريب: تركه. ففي هذه الآثار نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء، ودليل أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضاً. واختلف أهل الأصول أن ما كان فرضاً إذا نسخ هل تبقى الإباحة أم لا؟ وهي مسألة مشهورة بينهم، وسيأتي أن حديث عائشة ومعاوية يدلان على ما دلت عليه الأحاديث المذكورة. ١٧١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) ٢٠٠١/١٠٨ - حدّثنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ رسولُ الله عَلَّهِ أمر بِصِيامٍ يَوْمٍ عاشُورَاءَ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضانُ كانَ مَنْ شاءَ صامَ ومنْ شاءَ أَفطَرَ. [انظر الحديث ١٥٩٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق، وهذا الإسناد بعينه قد ذكر غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي وشعيب بن أبي حمزة الحمصي والزهري محمد بن مسلم، وأخرجه النسائي أيضاً بهذا الإسناد، فهذا أيضاً يدل على انتساخ وجوب صوم يوم عاشوراء، وفرض رمضان كان في السنة الثانية. ٢٠٠٢/١٠٩ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ هِشامٍ بنِ عُزْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ يَوْمُ عاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجاهِلِيَّةِ وكانَ رسولُ الله عَِّ يصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ المَدينَةَ صامَهُ وأَمَرَ بِصِيامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمضانُ تَرَكَ يَوْمَ عاشُورَاءَ فَمَنْ شاءَ صامَهُ ومَنْ شاءَ تَرَكَهُ. [انظر الحديث ١٥٩٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث الذي مضى في أول الباب، وهو طريق آخر عن عائشة. قوله: ((تصومه قريش في الجاهلية))، يعني: قبل الإسلام. قوله: ((وكان رسول الله عَِّ يصومه))، يعني: قبل الهجرة، وقال بعضهم: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، وأن النبي عَّلٍ كان يصومه في الجاهلية، أي: قبل أن يهاجر إلى المدينة. انتهى. قلت: هذا كلام غير موجه لأن الجاهلية إنما هي قبل البعثة، فكيف يقول: وإن النبي عَّه كان يصومه في الجاهلية؟ ثم يفسره بقوله: أي ((قبل الهجرة)) والنبي عَ لي أقام نبياً في مكة ثلاثة عشرة سنة؟ فكيف يقال: صومه كان في الجاهلية؟ قوله: ((فلما قدم المدينة))، وكان قدومه في ربيع الأول. قوله: ((صامه)) أي: صام يوم عاشوراء على عادته. : والحديث أخرجه النسائي أيضاً بإسناد البخاري، وهذا أيضاً يدل على النسخ. ١١٠/ ٢٠٠٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ محُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفْيانَ رضي الله تعالى عنهما يَوْمَ عاشوراءَ عامَ حَجَّ عَلَى المِنْبَرِ يقُولُ يا أهْلَ المَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رسولَ الله عَّلِ يَقُولُ هَذَا يَوْمُ عاشوراءَ ولَمْ يُكْتَبُ عَلَيْكمَ صِيامَهُ وأنا صَائِمٌ فَمَنْ شاءَ فَلْيَصُمْ ومِنْ شاءَ فَلْيُقْطِرْ. مطابقته للترجمة مثل مطابقة ما قبله، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن حرملة وعن أبي الطاهر وعن ابن أبي عمر. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن سفيان به وعن محمد بن منصور وعن أبي داود الحراني. قوله: ((عام حج)) قال الطبري: أي أول حجة حجة معاوية بعد أن استخلف، كانت في أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين. وقال بعضهم: والذي يظهر أن المراد في هذا الحديث الحجة الأخيرة. قلت: يحتمل هذه الحجة ويحتمل تلك الحجة، ولا دليل على الظهور أن حجته التي قال فيها ما قال كانت هي الأخيرة. قوله: ((على المنبر)) يتعلق ١٧٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) بقوله: ((سمع))، أي: سمعه حال كونه على المنبر بالمدينة، وصرح يونس في روايته بالمدينة، ولفظه: يونس عن ابن شهاب قال: ((أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيباً بالمدينة)) يعني: في قدمة قدمها خطبهم يوم عاشوراء ... الحديث، رواه مسلم عن حرملة عن ابن وهب عن يونس. قوله: ((أين علماؤكم؟)) قا النووي الظاهر إنما قال هذا لما سمع من يوجبه أو يحرمه أو يكرهه، فأراد إعلامهم بأنه ليس بواجب ولا محرم ولا مكروه. وقال ابن التين: يحتمل أن يريد استدعاء موافقتهم، أو بلغه أنهم يرون صيامه فرضاً أو نفلاً أو للتبليغ. قوله: ((لم يكتب))، أي: لم يكتب الله تعالى عليكم صيامه، وهذا كله من كلام النبي، عَِّ، كما بينه النسائي في روايته. قوله: ((وأنا صائم))، فيه دليل على فضل صوم يوم عاشوراء لأنه لم يخصه بقوله: ((وأنا صائم)) إلاَّ لفضل فيه، وفي رسول الله أسوة حسنة. ١١١/ ٢٠٠٤ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قال حدثنا عَبدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا أَيُّوبُ قال حدَّثنا عبْدُ الله ابنُ سَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ عنْ أبيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال قدِمَ النبي عَِّ المَدِينَةَ فرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عاشُورَاءَ فقال مَا هَذَا قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صالِحٌ هَذا يَوْمُ نَجَّى الله بَنِي إِسْرَائيلَ مِنْ عَدُوٌّ فصَامَهُ مُوسَى قال فأنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصامَهُ وأمَرَ بِصِيامِهِ. [الحديث ٢٠٠٤ - أطرافه في: ٣٣٩٧، ٣٩٤٣، ٤٦٨٠، ٤٧٣٧]. مطابقته للترجمة من حيث إنها في مطلق الصوم يوم عاشوراء، وهو يتناول كل صوم بيوم عاشوراء على أي وصف كان من الوجوب والاستحباب والكراهة، وظاهر حديث ابن عباس يدل على الوجوب لأنه عَّللم صامه وأمر بصيامه، ولكن نسخ الوجوب وبقي الاستحباب كما ذكرنا، وقال الطحاوي، بعد أن روى هذا الحديث إن رسول الله عَ لّه إنما صامه شكراً لله تعالى في إظهار موسى، عليه الصلاة والسلام، على فرعون، فذلك على الاختيار لا على الفرض. انتهى. قلت: وفيه بحث، لأن لقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك على الاختيار دون الفرض، لأنه عَُّلَّم أمر بصومه، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، وكونه صامه شكراً لا ينافي كونه للوجوب كما في سجدة (ص)، فإن أصلها للشكر مع أنها واجبة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو المنقري المقعد. الثاني: عبد الوارث بن سعيد. الثالث: أيوب السختياني. الرابع: عبد الله بن سعيد ابن جبير. الخامس: سعيد بن جبير. السادس: عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن الرواة الثلاثة الأول بصريون والثلاثة الأخر كوفيون. وفيه: أن عبد الوارث راوي أبي معمر شيخ البخاري. وفيه: أيوب عن عبد الله بن سعيد، ووقع في رواية ابن ماجه من وجه آخر: عن سعيد بن جبير، والمحفوظ أنه عن أيوب بواسطة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، ١٧٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) عليهم الصلاة والسلام، عن علي بن عبد الله عن سفيان، وأخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن محمد بن يحيى وعن إسحاق بن إبراهيم، وأخرجه أبو داود فيه عن زياد بن أيوب. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور عن سفيان وعن أسماعيل بن يعقوب. وأخرجه ابن ماجه عن سهل بن أبي سهل عن سفيان. ذكر معناه: قوله: «فرأى اليهود تصوم))، وفي رواية مسلم: «فوجد اليهود يصومون»، وفي لفظ له: ((فوجد اليهود صياماً)). قوله: ((فقال: ما هذا؟)) وفي لفظ للبخاري في تفسير طه: ((فسألهم))، وفي رواية مسلم: ((فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون ونحن نصومه)). قوله: ((فصام)) أي: النبي، عَُّلِّ، تعظيماً له. وفي لفظ له: «قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله تعالى فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى، عليه الصلاة والسلام، شكراً، فنحن نصومه)). قوله: ((فصامه)) أي: النبي عَ لّه وليس معناه أنه صامه ابتداءً، لأنه قد علم في حديث آخر أنه كان يصومه قبل قدومه المدينة، فعلى هذا معناه أنه ثبت على صيامه وداوم على ما كان عليه. قيل: يحتمل أنه كان يصومه بمكة ثم ترك صومه، ثم لما علم ما عند أهل الكتاب فيه صامه. فإن قيل: ظاهر أن الخبر يقتضي أنه عَّ لِ حين قدم المدينة وجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، والحال أنه، عٍَّ، قدم المدينة في ربيع الأول. وأجيب: بأن المراد أول علمه بذلك، وسؤاله عنه بعد أن قدم المدينة لا قبل أن يقدمها علم ذلك، وقيل: في الكلام حذف تقديره: قدم النبي عَّل المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صياماً. وقيل: يحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه، عَِّ، المدينة. وفيه نظر لا يخفى. قوله: ((وأمر بصيامه))، وللبخاري في تفسير يونس من طريق أبي بشر: ((فقال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموه)). فإن قلت: خبر اليهود غير مقبول، فكيف عمل، عَ لّه، بخبرهم؟ قلت: لا يلزم أن يكون عمله في ذلك اعتماداً على خبرهم، لاحتمال أن الوحي نزل حينئذ على وفق ما حكوا من قصة هذا اليوم. وقيل: إنما صامه باجتهاده. وقيل: إنه أخبره من أسلم منهم، كعبد الله بن سلام، رضي الله تعالى عنه، أو كان المخبرون من اليهود عدد التواتر، ولا يشترط في التواتر الإسلام، قاله الكرماني، وقال القاضي عياض: قد ثبت أن قريشاً كانت تصومه، وأن النبي، عَّ الله، كان يصومه، فلما قدم المدينة صامه فلم يحدث له صوم اليهود حكماً يحتاج إلى التكلم عليه، وإنما هي صفة حال وجواب سؤال، فدل أن قوله في الحديث: ((فصامه)) ليس - ابتداء صومه بذلك حينئذ، ولو كان هذا لوجب أن يقال: صحح هذا ممن أسلم من علمائهم ووققه ممن هداه من أحبارهم کابن سلام وبني سعيد وغيرهم. ١١٢/ ٢٠٠٥ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا أبُو أَسامَةَ عنْ أَبِي عُمَيْسٍ عنْ قَيْس بنُ مُسْلِمٍ عنْ طارِقِ بنِ شِهابٍ عنْ أبِي موسَى رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ يَوْمُ عاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُوَدُ عِيداً قال النبيُّ عَّ ◌ِلّهِ فَصُومُوهُ أَنْتُمْ. [الحديث ٢٠٠٥ - طرفه في: ٣٩٤٢]. ١٧٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) مطابقته للترجمة في قوله: ((فصوموه أنتم))، فإنه من جملة ما يدخل تحت إطلاق الترجمة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني: أبو أسامة، واسمه: حماد بن أسامة الليثي. الثالث: أبو عميس، بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة: واسمه عتبة، بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق: ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي. الرابع: قيس بن مسلم الجدلي العدواني أبو عمرو. الخامس: طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبو عبد الله الصحابي، وقال أبو داود: رأى النبي عَُّ ولم يسمع منه شيئاً. السادس: أبو موسى الأشعري، واسمه: عبد الله بن قيس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري والبقية كوفيون. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في: باب إتيان اليهود النبي، عَّله، عن أحمد أو محمد بن عبد الله الفداني، وأخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير. وأخرجه النسائي فيه عن حسين بن حريث عن أبي أسامة عن أبي عميس به. ذكر معناه: قوله: ((تعده اليهود عيداً) وفي رواية مسلم: ((كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود وتتخذه عيداً). وفي رواية أخرى له: ((كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم)). قلت: شارتهم، بالشين المعجمة وبعد الألف راء وهو بالنصب عطف على قوله: ((حليهم))، وهو منصوب بقوله: ((يلبسون))، من الإلباس، قال ابن الأثير: أي لباسهم الحسن الجميل، وقال بعضهم: شارتهم بالشين المعجمة أي: هيئتهم الحسنة. قلت: هذا التفسير هنا بهذه العبارة خطأ فاحش، والتفسير الصحيح ما قاله ابن الأثير، وهو أن الشارة هو اللباس الحسن الجميل، والتفسير الذي ذكره هذا القائل تفسير الشورة بالضم لأن الشورة هي الجمال والهيئة الحسنة، وهنا الشارة وقع مفعولاً لقوله: (يلبسون))، من الإلباس، وهو يقتضي الملبس، والملبس لا يكون الهيئة، وإنما يكون اللباس، فمن له أدنى تمييز يدري هذا. قيل: ما وجه التوفيق بين قوله: ((عيداً) وبين ما تقدم أن اليهود تصوم يوم عاشوراء، ويوم العيد يوم الإفطار؟ وأجيب: بأنه لا يلزم من عدهم إياه عيداً كونه عيداً، ولا من كونه عيداً الأفطار لاحتمال أن صوم يوم العيد جائز عندهم، أو هؤلاء اليهود غير يهود المدينة، فوافق المدنيين حيث عرف أنه الحق، وخالف غيرهم لخلافه. ٢٠٠٦/١١٣ - حدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوسَى عنِ ابنِ عُيَيْنَةَ عنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أبي يَزِيدَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنه قال ما رَأيْتُ النبيَّ عَّه يَتَحَرَى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلاَّ هذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عاشُورَاءَ وهَذَا الشَّهْرَ يعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ. ٤٠" ١ ١٧٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦٩) مطابقته للترجمة من حيث إنه يدخل تحت إطلاق الترجمة. ورجاله قد ذكروا، وابن عيينة هو سفيان بن عيينة، وعبيد الله بن أبي يزيد من الزيادة، مر في الوضوء. والحديث أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، كلاهما عن سفيان وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن سفيان. قوله: ((يتحرى))، من التحري وهو: المبالغة في طلب الشيء. قوله: ((فضله))، حملة في محل الجر لأنها صفة يوم. قوله: ((وهذا الشهر))، عطف على: هذا اليوم، قيل: كيف صح هذا العطف ولم يدخل في المستثنى منه؟ وأجيب: بأنه يقدر في المستثنى منه: وصيام شهر فضله على غيره، وهو من اللف التقديري، أو يعتبر في الشهر أيامه يوماً فيوماً موصوفاً بهذا الوصف. وقال الكرماني: قالوا: سبب تخصيصهما أن رمضان فريضة، وعاشوراء كان أولاً فريضة. وقال: ورد أن أفضل الأيام يوم عرفة، والمستفاد من الحديث أن أفضل الأيام عاشوراء. قال: فما التلفيق بينهما؟ فأجاب: بأن عاشوراء أفضل من جهة الصوم فيه، وعرفة أفضل من جهة أخرى. قال: ولو جعل الهاء في فضله راجعاً إلى الصيام لكان سقوط السؤال ظاهراً. قلت: فيه نظر لا يخفى، وقيل: إنما جمع ابن عباس بين عاشوراء ورمضان، وإن كان أحدهما واجباً والآخر مندوباً لاشتراكهما في حصول الثواب، لأن معنى: ((يتحرى)) أي: يقصد صومه لتحصيل ثوابه، والرغبة فيه. قلت: فيه نظر لا يخفى، لأن الاشتراك في الثواب غير مقصور عليهما. فافهم. ١١٤/ ٢٠٠٧ - حدّثنا المَكِّيُ بنُ إنراهِيمَ قال حدَّثنا يَزِيدُ عنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ رضي الله تعالى عنه قال أمرَ النبيُّ عَّلَّه رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ أنْ أُذِنْ فِي النَّاسِ أَنَّ منْ كانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةً يَوْمِهِ ومَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمَ عاشُورَاءَ. [انظر الحديث ١٩٢٤ وطرفه]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق، وكل منهما في الترغيب في صيام عاشوراء، وقد مضى الحديث في أثناء الصوم في: باب إذا نوى بالنهار صوماً. وقد بسطنا الكلام فيه هناك، ويزيد هو ابن أبي عبيد، وهو السادس من ثلاثيات البخاري، وهناك أيضاً أخرجه عن ثلاثة أنفس عن أبي عاصم عن يزيد عن سلمة. قوله: ((من كان أكل فليصم))، أي: فليمسك، لأن الصوم الحقيقي هو الإمساك من أول النهار إلى آخره، والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم ٣١ - كِتَابُ التَّرَاوِيحِ أي: هذا كتاب في بيان صلاة التراويح، كذا وقع هذا في رواية المستملي وحده، وفي رواية غيره لم يوجد هذا، والتراويح جمع ترويحة، ويجمع أيضاً على ترويحات، والترويحة في الأصل اسم للجلسة، وسميت بالترويحة لاستراحة الناس بعد أربع ركعات بالجلسة، ثم سميت كل أربع ركعات ترويحة مجازاً لما في آخرها من الترويحة، ويقال: الترويحة اسم لكل أربع ركعات، وأنها في الأصل إيصال الراحة، وهي الجلسة. وفي (المغرب): روحت بالناس، أي: صليت بهم التراويح. ١ - بابُ فَضْلٍ مَنْ قامَ رَمَضَانَ أي: هذا باب في بيان فضل من قام رمضان. قال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيامه صلاة التراويح. قلت: قال النووي: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، ولكن الاتفاق من أين أخذه؟ بل المراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام، سواء كان قليلاً أو كثيراً. ٢٠٠٨/١١٥ - حدَّثنا يَخيِى بِنُ بُكَيْرِ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قالِ أخبرنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سمِعْتُ رسولَ الله عَّ ◌َلَلِ يَقُولُ لِرَمَضَانَ مَنْ قَامَهُ إِيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ [انظر الحديث ٣٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعقيل: بضم العين: ابن خالد، وابن شهاب محمد بن مسلم، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن. والحديث مر في: باب تطوع قيام رمضان من الإيمان، في أوائل كتاب الإيمان، فإنه أخرجه هناك عن إسماعيل عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله عَ لّه قال: ((من قام رمضان إيماناً ... )) الحديث. قوله: ((عن ابن شهاب))، وفي رواية ابن القاسم عند النسائي عن مالك: ((حدثني ابن شهاب)). قوله: ((أخبرني أبو سلمة))، كذا رواه عقيل، وتابعه يونس وشعيب وابن أبي ذئب ومعمر وغيرعم، وخالفه مالك، فقال: عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن، بدل أبي سلمة. وقد صح الطريقان عند البخاري، فأخرجهما على الولاء. وقد أخرجه النسائي من طريق جويرية بن أسماء عن مالك عن الزهري عنهما جميعاً، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه، وصحح الطريقين، وحكى أن أبا همام رواه عن ابن عيينة عن الزهري، فخالف الجماعة، فقال: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. قوله: ((يقول لرمضان)) أي: لفضل رمضان أو لأجل رمضان. قال بعضهم يحتمل أن تكون: اللام، بمعنى: عن، أي: يقول عن رمضان. قلت: هذا يبعد، وإن كانت: اللام، تأتي بمعنى: عن. نحو: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا﴾ [مريم: ٧٣، العنكبوت: ١٢، يس: ٤٧،]. وجه البعد أن لفظاً من مادة القول إذا استعمل بكلمة: عن، يكون بمعنى النقل، وهذا بعيد جداً، بل غير موجه، ويجوز أن تكون اللام، هنا ١٧٦ ١٧٧ ٣١ - كِتَابُ التَّرَاوِيحِ / باب (١) بمعنى: في، أي: يقول في رمضان، أي: في فضله ونحو ذلك، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧]. أي: في يوم القيامة، ويجوز أن يكون أيضاً بمعنى: عند، أي: تصديقاً بأنه حق، أي: معتقداً فضيلته، قاله النووي. قوله: ((واحتساباً)) أي: طلباً للآخرة. وقال الخطابي: أي نية وعزيمة وانتصابهما على الحال، أي: مؤمناً ومحتسباً. قوله: ((غفر له ما تقدم من ذنبه))، ظاهره يتناول كل ذنب من الكبائر والصغائر، وبه قطع ابن المنذر، وقال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه قطع إمام الحرمين. وقال القاضي عياض: هو مذهب أهل السنة، وفي رواية النسائي، من رواية قتيبة عن سفيان: ((وما تأخر))، وكذا زادها حامد بن يحيى عند قاسم بن أصبغ، والحسين بن الحسن المروزي في كتاب الصيام له، وهشام ابن عمار في الجزء الثاني عشر من (فوائده) ويوسف بن يعقوب النجاحي في (فوائده): كلهم عن ابن عيينة، ووردت هذه الزيادة أيضاً من طريق أبي سلمة من وجه آخر أخرجه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي هريرة، وقد وردت هذه الزيادة - أَعني لفظ :: ((وما تأخر)) - في عدة أحاديث. فإن قلت: المغفرة تستدعي سبق شيء من ذنب، والمتأخر من الذنوب لم يأت فكيف يغفر؟ قلت: هذا كناية عن حفظ الله إياهم من الكبائر، فلا يقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: معناه أن ذنوبهم تقع مغفورة. ٢٠٠٩/١١٦ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرَنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ محُمَيْدِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عِنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَّ ◌ُلِّ قال مِنْ قامَ رَمَضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ قال ابنُ شِهابٍ فَتُؤُفِّيَ رسولُ اللهِعَّهِ وَالأَمْرُ عَلَى ذلِكَ ثُمَّ كانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ وصَدْراً مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما. [انظر الحديث ٣٥ وأطرافه]. هذا مضى في كتاب الإيمان، وقد ذكرناه عن قريب. قوله: ((قال ابن شهاب))، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. قوله: ((والأمر على ذلك))، جملة حالية والمعنى: استمر الأمر في هذه المدة المذكورة على أن كل أحد يقوم رمضان في أي وجه كان جمعهم عمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((والأمر على ذلك)) رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((والناس على ذلك))، يعني: على ترك الجماعة في التراويح. فإن قلت: روى ابن وهب عن أبي هريرة: ((خرج رسول الله، عَ لّه، وإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هذا؟ فقيل: ناس يصلي بهم أبي بن كعب. فقال: أصابوا، ونِعْمَ ما صنعوا)) ذكره ابن عبد البر. قلت: فيه مسلم بن خالد، وهو ضعيف، والمحفوظ أن عمر، رضي الله تعالى عنه، هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه. ٢٠١٠ - وعنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ عَبْدِ القَارِيِّ أَنَّهُ عمدة القاري/ ج١١ م١٢ ١٧٨ ٣١ - كِتَابُ التَّرَاوِيحِ / باب (١) قال خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ لَيْلَةٌ فِي رَمَضَانَ إلَى المَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعْ مُتَفَرَّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ فقال عُمَّرُ إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هؤلاءٍ عَلَى قاريءٍ واحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلى أُبَيِّ بِنِ كَغْبٍ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةٍ قَارِئِهِمْ قال عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ والَّتِي يَنامُونَ أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وكانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أوَّلَهُ. قوله: ((عن ابن شهاب)) عطف على قوله: ((قال ابن شهاب))، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((عن عبد الرحمن بن عبد القاري)) بتشديد الياء: نسبة إلى القارة بن ديش محلم بن غالب المدني، وكان عامل عمر، رضي الله تعالى عنه، على بيت المسلمين، مات بالمدينة سنة ثمانين وله ثمان وسبعون سنة. قال ابن معين: هو ثقة، وقيل: إن له صحبة. قوله: ((فإذا الناس)) كلمة: إذا، للمفاجأة، قوله: ((أوزاع))، بسكون الواو بعدها زاي. قال ابن الأثير: أي متفرقون، أراد أنهم كانوا يتنفلون في المسجد بعد صلاة العشاء متفرقين. وقال الجوهري: أوزاع من الناس، أي: جماعات. قال الخطابي: لا واحد لها من لفظها. قلت: فعلى قوله: متفرقون، في الحديث يكون صفة: الأوزاع، أي: جماعات متفرقون، وعلى قول ابن الأثير يكون: متفرقون، تأكيداً لفظياً. قوله: ((يصلي الرجل))، يجوز أن يكون الألف واللام فيه للجنس أو للعهد. قوله: ((الرهط)) ما بين الثلاثة إلى العشرة، ويقال إلى الأربعين. قوله: ((إني أرى))، هذا من اجتهاد عمر، واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلون خلفه ليلتين، وقاس ذلك على جمع الناس عل واحد في الفرض، ولما في اختلاف الأئمة من افتراق الكلمة، ولأنه أنشط لكثير من الناس على الصلاة. قوله: ((لكان أمثل))، أي: أفضل. وقيل: أَسَدُّ. قوله: ((فجمعهم على أبي بن كعب))، أي: جعله لهم إماماً يصلي بهم التراويح، وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، اختاره عملاً بقوله، عَ له: ((يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله)). وروى سعيد بن منصور من طريق عروة: ((أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء)). ورواه محمد بن نصر في كتاب: قيام الليل له من هذا الوجه، فقال: سليمان بن أبي حثمة بدل: تميم الداري، ولعل ذلك كان في وقتين. قوله: ((ثم خرجت معه)) أي: مع عمر ليلة أخرى، وفيه إشعار بأن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان لا يواظب الصلاة معهم، وكأنه يرى أن الصلاة في بيته أفضل، ولا سيما في آخر الليل، وعن هذا قال الطحاوي: التراويح في البيت أفضل. قوله: ((نعم البدعة))، ویروی: ((نعمت البدعة))، بزيادة التاء، ويقال: نعم، كلمة تجمع المحاسن كلها، وبئس، كلمة تجمع المساوىء كلها، وإنما دعاها بدعة لأن رسول الله، عَّم، لم يسنها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه. ورغب رسول الله، عَّه، فيها بقوله: نعم، ليدل على فضلها، ولئلا يمنع هذا اللقب من فعلها. والبدعة في الأصل إحداث أمر لم يكن في زمن رسول الله، عَّله، ثم البدعة على نوعين: إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي بدعة حسنة، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي بدعة مستقبحة. قوله: ((والتي ١٧٩ ٣١ - كِتَابُ التََّاوِيحِ / باب (١) ينامون عنها)) أي: الفرقة التي ينامون عن صلاة التراويح أفضل من الفرقة التي يقومون. يريد آخر الليل. وفيه تصريح أن الصلاة في آخر الليل أفضل من أوله، ولم يقع في هذه الرواية عدد الركعات التي كان يصلي بها أبي بن كعب. وقد اختلف العلماء في العدد المستحب في قيام رمضان على أقوال كثيرة، فقيل: إحدى وأربعون. وقال الترمذي: رأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر، وهو قول أهل المدينة، والعمل على هذا عندهم بالمدينة. قال شيخنا، رحمه الله: وهو أكثر ما قيل فيه. قلت: ذكر ابن عبد البر في (الاستذكار): عن الأسود بن يزيد كان يصلي أربعين ركعة، ويوتر بسبع، هكذا ذكره، ولم يقل: إن الوتر من الأربعين. وقيل: ثمان وثلاثون، رواه محمد ابن نصر من طريق ابن أيمن عن مالك. قال: يستحب أن يقوم الناس في رمضان بثمان وثلاثين ركعة، ثم يسلم الإمام والناس، ثم يوتر بهم بواحدة. قال: وهذا العمل بالمدينة قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة إلى اليوم، هكذا روى ابن أيمن عن مالك، وكأنه جمع ركعتين من الوتر مع قيام رمضان وسماها من قيام رمضان، وإلاّ فالمشهور عن مالك ست وثلاثون والوتر بثلاث، والعدد واحد. وقيل: ست وثلاثون، وهو الذي عليه عمل أهل المدينة، وروى ابن وهب، قال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن نافع، قال: لم أدرك الناس إلاَّ وهم يصلون تسعاً وثلاثين ركعة ويوترون منها بثلاث، وقيل: ثمان وعشرون، وهو المروي عن زرارة بن أوفى في العشرين الأولين من الشهر، وكان سعيد بن جبير يفعله في العشر الأخير. وقيل: أربع وعشرون، وهو مروي عن سعيد بن جبير. وقيل: عشرون، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، فإنه روى عن عمر وعلي وغيرهما من الصحابة، وهو قول أصحابنا الحنفية. أما أثر عمر، رضي الله تعالى عنه فرواه مالك في (الموطأ) بإسناد منقطع، فإن قلت: روى عبد الرزاق في (المصنف) عن داود بن قيس وغيره عن محمد بن يوسف ((عن السائب بن يزيد: أن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب، وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة يقومون بالمئين وينصرفون في بزوغ الفجر، قلت: قال ابن عبد البر: هو محمول على أن الواحدة للوتر. وقال ابن عبد البر: وروى الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن السائب بن يزيد، قال: كان القيام على عهد عمر بثلاث وعشرين ركعة. قال ابن عبد البر: هذا محمول على أن الثلاث للوتر. وقال شيخنا: وما حمله عليه في الحديثين صحيح، بدليل ما روى محمد بن نصر من رواية يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد أنهم كانوا يقومون في رمضان بعشرين ركعة في زمان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. وأما أثر علي، رضي الله تعالى عنه، فذكره وكيع عن حسن بن صالح عن عمرو بن قيس عن أبي الحسناء عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه أمر رجلاً يصلي بهم رمضان عشرين ركعة. وأما غيرهما من الصحابة فروي ذلك عن عبد الله بن مسعود، رواه محمد بن نصر ١٨٠ ٣١ - كِتَابُ التَّرَاوِيحِ / باب (١) المروزي قال: أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا حفص بن غياث عن الأعمش عن زيد بن وهب، قال: ((كان عبد الله بن مسعود يصلي لنا في شهر رمضان)) فينصرف وعليه ليل، قال الأعمش: كان يصلي عشرين ركعة ويوتر بثلاث)). وأما القائلون به من التابعين: فشتير بن شكل، وابن أبي مليكة والحارث الهمداني وعطاء بن أبي رباح، وأبو البحتري وسعيد بن أبي الحسن البصري أخو الحسن وعبد الرحمن ابن أبي بكر وعمران العبدي. وقال ابن عبد البر: وهو قول جمهور العلماء، وبه قال الكوفيون والشافعي وأكثر الفقهاء، وهو الصحيح عن أبي بن كعب من غير خلاف من الصحابة. وقيل: ست عشرة، فهو مروي عن أبي مجلز أنه كان يصلي بهم أربع ترويحات، ويقرأ لهم سبع القرآن في كل ليلة، رواه محمد بن نصر من رواية عمران بن حدير عن أبي مجلز. وقيل ثلاث عشرة، واختاره محمد بن إسحاق، روى محمد بن نصر من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن يوسف بن عبد الله بن يزيد ابن أخت نمر عن جده السائب ابن يزيد، قال: ((كنا نصلي في زمان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، في رمضان ثلاث عشرة ركعة، ولكن والله ما كنا نخرج إلاّ في وجاء الصبح، كان القارىء يقرأ في كل ركعة بخمسين آية وستين آية)). قال ابن إسحاق: ما سمعت في ذلك حديثاً هو أثبت عندي ولا أحرى بأن يكون من حديث السائب، وذلك أن صلاة رسول الله عَ هل كانت من الليل ثلاث عشرة ركعة. وقال شيخنا: لعل هذا كان من فعل عمر أولاً، ثم نقلهم إلى ثلاث وعشرين. وقيل: إحدى عشرة ركعة، وهو اختيار مالك لنفسه، واختاره أبو بكر العربي. ٢٠١١/١١٧ - حدّثنا إسماعيلُ قال حدَّثني مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عُرْوَةَ بِنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجِ النبيِّ عَّهِ أَنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ صِلَّى وَذَلِكَ فِي رمَضانَ. [انظر الحديث ٧٢٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه في التراويح، وإسماعيل هو ابن أبي أويس، وقد ذكر البخاري هذا الحديث تاماً في أبواب التهجد في: باب تحريض النبي عَ لّه على قيام الليل، فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير ((عن عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله، عَّه، صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله عَِّ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلاَّ أني خشيت أن يفرض عليكم، وذلك في رمضان)). وقد مر الكلام فيه مستوفى، وهنا أورد هذا الحديث مختصراً جداً، فذكر من أوله: أن رسول الله عَّهِ صلى، ثم اختصر إلى قوله في آخر الحديث: وذلك في رمضان. قوله: ((ذلك)) إشارة إلى ما فعله عَّم من صلاته في الليلتين.