Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٨) لم يذكره يونس بن حليس ومهاجر بن دينار وابن لأبي سعيد الخير غير مسمى، وذكره الطبراني في الصحابة، وروى له خمسة أحاديث، وقيل: هو أبو سعيد الخير بزيادة ياء آخر الحروف، وهكذا ذكر أبو أحمد الحاكم في (الكنى) فقال: سعيد الخير له صحبة مع النبي عََّلَّه حديثه في أهل الشام. وقال الحافظ الذهبي، في (تجريد الصحابة): أبو سعيد الخير الأنماري، وقيل: أبو سعيد الخير: اسمه عامر بن سعد، شامي، له في الشفاعة وفي الوضوء، روى عنه قيس بن الحارث وعبادة بن نسي. وقال أبو أحمد الحاكم، بعد أن روى له حديثاً، قال: أبو سعيد الأنماري، ويقال: أبو سعيد الخير - له صحبة من النبي عَّ ◌ُلِّ، قال: ولست أحفظ له إسماً ولا نسباً إلى أقصى أب فجعلهما اثنين، وجمع الطبراني بين الترجمتين فجعلهما ترجمة واحدة، وقال شيخنا: وقد قيل إن أبا سعيد الخير هو أبو سعيد الحبراني الحمصي الذي روى عن أبي هريرة، وروى عنه حصين الحبراني، وعلى هذا فهو تابعي، وهكذا ذكره العجلي في (الثقات): فقال: شامي تابعي، ثقة، وكذا ذكره ابن حبان في (الثقات) التابعين، واختلف في اسمه، فيقال: إسمه زياد، ويقال: عامر بن سعد، قال الحافظ المزي: وأراهما اثنين، والله أعلم. الفصل الثاني: قوله: ((ونهى النبي عَّه عنه)) أي عن الوصال، وهذا التعليق وصله البخاري من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، بلفظ: ((نهى النبي عَّهِ رحمة لهم))، على ما يأتي عن قريب، إن شاء الله تعالى. قوله: ((وإبقاء عليهم)) أي: على الأمة، وأراد حفظاً لهم في بقاء أبدانهم على قوتها، وروى أبو داود وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة، قال: ((نهى النبي، عَّ له، عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه))، وإسناده صحيح. الفصل الثالث: قوله: ((وما يكره من التعمق))، قال الكرماني: هو عطف إما على الضمير المجرور، وإما على قوله: ((رحمة)). أي: لكراهة التعمق، وهو تكلف ما لم يكلف، وعمق الوادي قعره، وقيل: وما يكره من التعمق من كلام البخاري معطوف على قوله: (الوصال)) أي: باب ذكر الوصال وذكر ما يكره من التعمق، وقد روى البخاري في كتاب التمني، من طريق ثابت بن قيس ((عن أنس، في قصة الوصال، فقال، عَّ له: لو مد بي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم)). ١٩٦١/٦٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثني يَحْيَى عنْ شُعْبَةَ قال حدَّثني قَتَادَةُ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهِ عنِ النبيِّ عَّهِ قال لا تُوَاصِلُوا قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قال لَسْتُ كأحَدٍ مِنْكُمْ إِنِّي أَطعَمُ وأُسْقَى أَوَ أَنِّي أبيتُ أُطْعَمُ وأُسْقَى. [انظر الحديث ١٩٦١ وطرفه في: ٧٢٤١]. مطابقته للترجمة ظاهرة فإنه يوضح جواب الترجمة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، ويحيى ابن سعيد القطان. ١٠٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٨) وأخرجه مسلم من رواية سليمان عن ثابت ((عن أنس قال: كان رسول الله عَ لّه يصلي في رمضان ... )) الحديث بطوله، وفيه: ((فأخذ يواصل رسول الله عَّه، وذلك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال النبي عَ له: ما بال رجال يواصلون؟ إنكم لستم مثلي. أما والله! لو تماد بي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم)). وفي لفظ له: ((إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني))، وفي لفظ: ((إني لست كهيئتكم) !. قوله: ((إني: لست كأحدٍ منكم)). وفي رواية الكشميهني: ((كأحد كم))، وفي حديث ابن عمر: ((إني لست مثلكم))، وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم: ((لستم في ذلك مثلي)) وفي حديث أبي هريرة سيأتي، ((وأيكم مثلي)). أي على صفتي أو منزلتي من ربي. قوله: ((أو إني أبيت))، الشك من شعبة، وفي رواية أحمد عن بهز عنه: ((إني أظل - أو قال : أني أبيت)) وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((إن ربي يطعمني ويسقيني))، أخرجه الترمذي. قوله: ((لا تواصلوا)) نهي، وأدناه يقتضي الكراهة. ولكن اختلفوا: هل هي رواية تنزيه أو تحريم؟ على وجهين حكاهما صاحب (المهذب) وغيره، أصحهما عندهم: أن الكراهة للتحريم. قال الرافعي: وهو ظاهر كلام الشافعي، وحكى صاحب (المفهم) عن قوم: أنه يحرم، قال: وهو مذهب أهل الظاهر. قال: وذهب الجمهور ومالك والشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة من أهل الفقه إلى كراهته، وذهب آخرون إلى جواز الوصال لمن قوي عليه، وممن كان يواصل عبد الله بن الزبير وابن عامر وابن وضاح من المالكية، كان يواصل أربعة أيام، حكاه ابن حزم. وقد حكى القاضي عياض عن ابن وهب وإسحاق وابن حنبل أنهم أجازوا الوصال، والجمهور ذهبوا إلى أن الوصال من خواص النبي عَِّ لقوله: ((إني لست كأحد منكم))، وهذا دال على التخصيص، وأما غيره من الأمة فحرام عليه. وفي (سنن أبي داود) ((من حديث عائشة: كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال))، وممن قال به من الصحابة علي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبو سعيد وعائشة، رضي الله تعالى عنهم. واحتج من أباح الوصال بقول عائشة: ((نهاهم عن الوصال رحمة لهم))، فقالوا: إنما نهاهم رفقاً لا إلزاماً لهم، واحتجوا أيضاً بكون النبي عَّه واصل بأصحابه يومين حين أبوا أن ينتهوا. قال صاحب (المفهم): وهو يدل على أن الوصال ليس بحرام ولا مكروه من حيث هو وصال، لكن من حيث يذهب بالقوة. وأجاب المحرمون عن الحديثين، بأن قالوا: لا يمنع قوله: ((رحمة لهم)) أن يكون منهياً عنه للتحريم، وسبب تحريمه الشفقة عليهم لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم، قالوا: وأما وصاله بهم فلتأكيد الزجر وبيان الحكمة في نهيهم والمفسدة المترتبة على الوصال، وهي الملل من العبادة وخوف التقصير في غيره من العبادات. وقال ابن العربي: وتمكينهم منه تنكيل لهم، وما كان على طريق العقوبة لا يكون من الشريعة. فإن قلت: كيف يحسن قولهم له بعد النهي عن الوصال: ((فإنك تواصل؟)) وهم أكثر الناس آداباً؟ قلت: لم يكن ذلك على سبيل الاعتراض، ولكن على سبيل استخراج الحكم أو الحكمة أو بيان التخصيص. ١٠٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٨) قوله: ((إني أطعم وأسقى)) اختلف في تأويله، فقيل: إنه على ظاهره وأنه يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يتناولهما فيكون ذلك تخصيص كرامة لا شركة فيها لأحد من أصحابه، ورد صاحب (المفهم) هذا وقال: لأنه لو كان كذلك لما صدق عليه قولهم: ((إنك تواصل)»؟ ولا ارتفع اسم الوصال عنه، لأنه حينئذ يكون مفطراً، وكان يخرج كلامه عن أن يكون جواباً لما سئل عنه، ولأن في بعض ألفاظه: ((إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني))، وظل إنما يقال فيمن فعل الشيء نهاراً، وبات فيمن يفعله ليلاً، وحينئذ كان يلزم عليه فساد صومه، وذلك باطل بالإجماع، وقيل: إن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، واعترض صاحب (المفهم) على هذا أيضاً وقال: وهذا القول أيضاً يبعده النظر إلى حاله، عَ ليه، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجارة من الجوع، وبعده أيضاً النظر إلى المعنى، وذلك لأنه لو خلق فيه الشبع والري لما وجد لعبادة الصوم روحها الذي هو الجوع والمشقة، وحينئذ كان يكون ترك الوصال أولى. وقيل: إن الله تعالى يحفظ عليه قوته من غير طعام وشراب، كما يحفظها بالطعام والشراب، فعبر بالطعام والسقيا عن فائدتهما، وهي: القوة، وعليه اقتصر ابن العربي، وحكى الرافعي عن المسعودي قال: أصح ما قيل في معناه أني أعطى قوة الطاعم والشارب. ٧٠ / ١٩٦٢ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال نَهَى رسولُ الله عَُّلّهِ عنِ الوِصالِ قَالُوا إِنَّكَ تُوَاصِلُ قال إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وأُسقى. [انظر الحديث ١٩٢٢]. مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث قد مر في: باب بركة السحور فإنه رواه هناك عن موسى بن إسماعيل عن جويرية عن نافع ((عن عبد الله بن عمر أن النبي، عَّة، واصل فواصل الناس فشق عليهم فنهاهم .. )) الحديث، وقد مر الكلام هناك مستوفىّ. ٧١/ ١٩٦٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني ابنُ الْهَادِ عِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ خَبَّابٍ عنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ عَّ ◌ُلِ يَقُولُ لا تُوَاصِلُوا فأيُّكُمْ إِذَا أُرَادَ أنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ قالوا فإِنَّكَ تُوَاصِلُ يا رسولَ الله قال إنِّي لَسْتُ كَھَيْئَتِكُمْ إِنِّي أبيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وساقٍ يَسْقِینِي. [الحديث ١٩٦٣ - طرفه في: ١٩٦٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وابن الهاد هو يزيد بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، مر في الصلاة، وعبد الله بن الخباب بالخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة الأولى الأنصاري المدني، من موالي الأنصار وليس الخباب بن الأرت الصحابي، وليست له رواية إلاَّ عن أبي سعيد الخدري ولم يذكر له رواية عن غير أبي سعيد الخدري، وتوقف الجوزجاني في معرفة حاله، ووثقه أبو حاتم الرازي، وأبو سعيد هو الخدري. والحديث أخرجه أبو داود من رواية ابن الهاد أيضاً ولم يخرج مسلم حديث أبي سعيد ١٠٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٨) وعزو الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد إلى مسلم وهم. قوله: ((فليواصل إلى السحر))، وفيه رد على من قال: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز، وحقيقة الوصال هو أن يصل صوم يوم بصوم يوم آخر من غير أكل أو شرب بينهما، هذا هو الصواب في تحقيق الوصال، وقيل: هو الإمساك بعد تحلة الفطر، وحكى في حكمه ثلاثة أقوال: التحريم، والجواز، وثالثها أنه يواصل إلى السحر. قاله أحمد وإسحاق. قوله: ((كهيئتكم))، الهيئة صورة الشيء وشكله وحالته، والمعنى: إني لست مثل حالتكم وصفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، وإني لست مثلكم، ولي قرب من الله، وهو معنى قوله: ((أبيت ولي مطعم يطعمني ليالي صيامي، وساقٍ يسقيني))، فإن حملناه على الحقيقة يكون هذا كرامة له من الله تعالى وخصوصية، وإلاّ يكون هذا فيضاً من الله تعالى عليه بحيث يسد مسد طعامه وشرابه من حيث إنه يشغله عن إحساس الجوع والعطش ويقويه على الطاعة ويحرسه من تحليل يفضي إلى كلال القوى وضعف الأعضاء. وقوله: ((لي مطعم))، جملة إسمية وقعت حالاً بدون الواو، وقوله: ((يطعمني)) جملة فعلية حال أيضاً من الأحوال المتداخلة. قوله: ((وساق)) أي: ولي ساق، والكلام فيه مثل الكلام في: ((لي مطعم)). فافهم. ٧٢ /١٩٦٤ - حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ ومُحَمَّدٌ قالاً أخبرنا عَبْدَةُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ نَهَى رسولُ الله عَلَّهِ عنِ الوِصَالِ رَحْمَةٌ لَهُمْ فَقالُوا إِنَّكَ تواصِلُ قال إنِّي لَسْتُ كَهَيَتَتِكُمْ إِنِّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي. مطابقته للترجمة ظاهرة، وعُثْمَانُ بن أبي شيبة هو أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وكلاهما من مشايخ البخاري، ومحمد هو ابن سلام وعبدة هو ابن سليمان. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الإيمان عن محمود بن غيلان. وأخرجه مسلم في الصوم عن إسحاق بن إبراهيم وعثمان بن أبي شيبة. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم. قوله: ((رحمة لهم)) نصب على التعليل، أي لأجل الترحم لهم، وهذه إشارة إلى بيان السبب في منعهم عن الوصال. قال أبُو عَبْدِ الله لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ رَحْمَةٌ لَهُمْ أبو عبد الله هو البخاري. قوله: ((لم يذكر عثمان)) يعني ابن أبي شيبة شيخه في الحديث المذكور. قوله: ((رحمة لهم)) يعني لم يذكر عثمان هذا اللفظ في روايته فدل هذا على أن هذا من رواية محمد بن سلام وحده، وقد أخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة جميعاً. وفيه: ((رحمة لهم)) ولم يبين أنها ليست في رواية عثمان، وقد أخرجه أبو يعلى والحسن بن سفيان في مسنديهما عن عثمان وليس فيه: ((رحمة لهم)). وأخرجه الإسماعيلي عنهما كذلك. وأخرجه الجوزقي من طريق محمد بن حاتم عن عثمان، ١٠٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٩) وفيه: ((رحمة لهم))، فدل هذا على أن عثمان كان تارة يذكرها وتارة يحفظها، وقد رواه الإسماعيلي عن جعفر الفريابي عن عثمان، فجعل ذلك من قول النبي، عَّهِ، ولفظه: ((قالوا إنك تواصل؟ قال: إنما هي رحمة رحمكم الله بها إني لست كهيئتكم ... )) الحديث، وهذا كما رأيت البخاري قد أخرج حديث الوصال عن خمسة من الصحابة، وهم أنس وعبد الله ابن عمر وأبو سعيد الخدري وعائشة وأبو هريرة، وفي الباب عن علي وجابر وبشير بن الخصاصية وعبد الله بن ذر. فحديث علي، رضي الله تعالى عنه، رواه عبد الرزاق عنه قال: قال رسول الله، عَ له: ((لا مواصلة))، ورواه أحمد عنه ((أن النبي عَ لّ كان يواصل من السحر إلى السحر)). وحديث جابر رواه عبد الرزاق عنه: ((أن رسول الله عَّ قال: لا مواصلة في الصيام)) وإسناده ضعيف. وحديث بشير رواه الطبراني عنها، ((قالت: كنت أصوم فأواصل، فنهاني بشير، وقال: إن رسول الله عَّ نهاني عن هدا، قال: إنما يفعل ذلك النصارى، ولكن صومي كما أمر الله تعالى، ثم أتمي الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فأفطري)). وحديث عبد الله بن ذر رواه البغوي وابن قانع في (معجميهما) عنه: ((أن النبي عَّه واصل بين يومين وليلة، فأتاه جبريل، عليه السلام، فقال: قبلت مواصلتك ولا تحل لأمتك))، فهذه الأحاديث كلها تدل على أن الوصال من خصائص النبي عَّه، وعلى أن غيره ممنوع منه إلاَّ ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر. ٤٩ - بابُ التَّتَكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الوِصَالَ أي: هذا باب في بيان تنكيل النبي معَّ لمن أكثر الوصال في صومه، والتنكيل من النكال وهو العقوبة التي تنكل الناس عن فعل جعلت له جزاء، وقد نكل به تنكيلاً ونكل به إذا جعله عبرة لغيره، وقيد الأكثرية يقضي عدم النكال في القليل، ولكن لا يلزم من عدم النكال الجواز. رَوَاهُ أَنَس عنِ النبيِّ عَل أي: روى التنكيل لمن أكثر الوصال أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، وهذا التعليق وصله البخاري في كتاب التمني في: باب ما يجوز من اللو، من طريق حميد بن ثابت ((عن أنس قال: واصل النبي عَّه آخر الشهر وواصل أناس من الناس، فبلغ النبي عَ لّه، فقال: لو مد بي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)). ورواه مسلم أيضاً من حديث حميد عن ثابت ((عن أنس، قال: واصل رسول الله، عَّ لفيه، في أول شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي، أو قال: إني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)). ٧٣/ ١٩٦٥ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني أَبُو سَلَمَةَ ١٠٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٤٩) ابنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال نَهَى رسولُ اللهِ عَّهِ عنِ الوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فقال لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ يا رسولَ الله قال وأيُّكُمْ مِثْلِي إِنَّ أبيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عنِ الوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْماً ثُمَّ يَوْماً ثُمَّ رَأَوْا الْهِلاَلَ فقال لَوْ تَأََّ لَزِدْتُكُمْ كالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مطابقته للترجمة في قوله: ((لو تأخر لزدتكم .. )) إلى آخره، وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن أبي حمزة، وأخرجه النسائي في الصوم أيضاً عن عمرو بن عثمان عن أبيه عن شعيب به. قوله: ((حدثني أبو سلمة))، ويروى: ((أخبرني))، هكذا رواه شعيب عن الزهري وتابعه عقيل عن الزهري كما سيأتي في: باب التعذير، ومعمر كما سيأتي في التمني، وتابعه يونس عند مسلم، وخالفهم عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، علقه المصنف في المحاربين، وفي التمني وليس اختلافاً ضاراً، فقد أخرجه الدارقطني في (العلل) من طريق عبد الرحمن بن خالد هذا عن الزهري عنهما جميعاً، وكذلك رواه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري عن سعيد، وأبي سلمة جميعاً عن أبي هريرة، أخرجه الإسماعيلي، وكذا ذكر الدارقطني أن الزبيد تابع ابن نمر على الجمع بينهما. قوله: ((قال له رجل)) وفي رواية عقيل: ((فقال له رجل)). قوله: ((فلما أبوا)) قيل: كيف جاز للصحابة مخالفة حكم رسول الله، عٍَّ؟ وأجيب: بأنهم فهموا من النبي عَّم أنه للتنزيه لا للتحريم. قوله: ((عن الوصال))، في رواية الكشميهني: ((من الوصال)). قوله: ((يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال))، ظاهره أن المواصلة بهم كانت يومين، وقد صرح بذلك في رواية معمر. قيل: كيف جوز رسول الله عَّ لهم الوصال؟ وأجيب: بأنه احتمل للمصلحة تأكيداً لزجرهم وبياناً للمفسدة المترتبة على الوصال، وهي: الملل من العبادة والتعرض للتقصير في سائر الوظائف. قوله: ((لو تأخر)) أي: الهلال وهو الشهر. ويستفاد منه جواز قول: فإن قلت: ورد النهي عن ذلك !! قلت: النهي فيما لا يتعلق بالأمور الشرعية. قوله: ((لزدتكم)، أي: في الوصال إلى أن تعجزوا عنه، فتسألوا التخفيف عنه بالترك. قوله: ((كالتنكيل))، وفي رواية معمر: ((كالمنكل لهم))، ووقع عند المستملي: ((كالمنكر))، من الإنكار بالراء في آخره، ووقع في رواية الحموي: ((المنكي)) بضم الميم وسكون النون، على صيغة اسم الفاعل من الإنكاء، قال بعضهم: المنكي من النكاية. قلت: ليس كذلك، بل من الإنكاء لأنه من باب المزيد، لا يذوق مثل هذا إلاّ من له يد في التصريف. قوله: ((حين أبوا)) أي: حين امتنعوا. قوله: ((أن ينتهوا)) كلمة: أن، مصدرية أي: الانتهاء. ١٩٦٦/٧٤ - حدَّثنا يَحْيَى قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عنْ هَمَّامِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّله قال إِيَّاكُمْ والوِصَالِ مَرَّتَيْنِ قِيلَ إِنَّكُّ تُوَاصِلُ قال إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِيْنِي فاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقُونَ. [انظر الحديث ١٩٦٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ويحيى وقع كذا غير منسوب في رواية الأكثرين، ووقع في ١٠٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥٠) رواية أبي ذر: حدثنا يحيى بن موسى، وقال الكرماني: يحيى هو إما يحيى بن موسى البلخي، وإما يحيى بن جعفر البخاري. قلت: يحيى بن موسى بن عبد ربه بن سالم أبو زكريا السختياني الحداني البلخي، يقال له: خت. قال البخاري: مات سنة أربعين ومائتين، ويحيى ابن جعفر بن أعين أبو زكريا البخاري البيكندي، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين. قوله: ((إياكم والوصال)) مرتين، وفي رواية أحمد عن عبد الرزاق بهذا الإسناد: ((إياكم والوصال))، فعلى هذا قوله: ((مرتين)) اختصار من البخاري أو من شيخه، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ: ((إياكم والوصال)) ثلاث مرات، وإسناده صحيح، وانتصاب الوصال على التحذير يعني: احذروا الوصال. قوله: ((أبيت))، كذا في الطريقين عن أبي هريرة لفظ أبيت، وقد تقدم في رواية أنس بلفظ: ((أظل)). وكذا في رواية الإسماعيلي عن عائشة، وأكثر الروايات، وكان بعض الرواة عبر عن ((أبيت)) بلفظ: أظل نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون، ألا يرى أنه يقال: أضحى فلان كذا، مثلاً ولا يراد به تخصيص ذلك بوقت الضحى، وكذلك قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً﴾ [النحل: ٥٨]. فإن المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل. قوله: ((فاكلفوا)) بفتح اللام لأنه من: كلفت بهذا الأمر أكلف، من: باب علم يعلم، أي: أولعت به، والمعنى ههنا: تكلفوا ما تطيقونه، وكلمة: ما، موصولة، وتطيقونه، صلة وعائد، أي الذي تقدرون عليه ولا تتكلفوا فوق ما تطيقونه فتعجزوا. ٥٠ - بابُ الوِصَالِ إلَى السَّحَرِ أي: هذا باب في بيان جواز الوصال إلى السحر، وقد مضى أنه مذهب أحمد وطائفة من أصحاب الحديث، ومن الشافعية من قال: إن هذا ليس بوصال. ٧٥ / ١٩٦٧ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قال حدَّثني ابنُ أبي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ خَبَّابٍ عنْ أَبِي سَعيد الخُدْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولُ اللهِ عَّ ◌َِّ يَقُولُ لاَ تُوَاصِلُوا فأيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ قَالُوا فإنَّكَ تُوَاصِلُ يا رسولَ الله قال إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أبِيتُ لِي مُطْعِمْ يُطْعِمُنِي وساقٍ يَسْقِينِي. [انظر الحديث ١٩٦٣]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر))، وإبراهيم ابن حمزة، بالحاء المهملة والزاي، مر في: باب سؤال جبريل، عليه السلام، في كتاب الإيمان، وابن أبي حازم هو عبد العزيز، ويزيد - من الزيادة - هو ابن عبد الله بن الهاد. وقد مر هذا الحديث في: باب الوصال فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن الليث عن ابن الهاد ... إلى آخره. فإن قلت: روى ابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميد عن الأعمش عن أبي صالح ((عن أبي هريرة كان رسول الله عَ ليه يواصل إلى السحر، ففعل بعض أصحابه ذلك، فنهاه فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك ... ؟)) الحديث، فظاهره يعارض ١٠٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥١) حديث أبي سعيد هذا، فإن في حديث أبي صالح إطلاق النهي عن الوصال، وفي حديث أبي سعيد جوازه إلى السحر. قلت: ذكروا أن رواية عبيدة بن حميد شاذة، وقد خالفه أبو معاوية وهو أضبط أصحاب الأعمش، فلم يذكر ذلك، أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، قيل: على تقدير أن تكون رواية عبيدة محفوظة فالجواب أن ابن خزيمة جمع بينهما بأن يكون النهي عن الوصال أولاً مطلقاً سواء في ذلك جميع الليل أو بعضه، ثم خص النهي بجميع الليل، فأباح الوصال إلى السحر، فيحمل حديث أبي سعيد على هذا، وحديث عبيدة على الأول، وقيل: يحمل النهي في حديث أبي صالح على كراهة التنزيه، وفي حديث أبي سعيد على ما فوق السحر على كراهة التحريم. ٥١ - بابُ مَنْ أقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوَّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إذا كانَ أَوْفَقَ لَهُ أي: هذا باب في بيان حكم من حلف على أخيه وكان صائماً ليفطر، والحال أنه كان في صوم التطوع، ولم ير على هذا المفطر قضاء عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه. قوله: ((إذا كان الإفطار أوفق له)) أي: للمغطر بأن كان معذوراً فيه، بأن عزم عليه أخوه في الإفطار، وهذا القيد يدل على أنه: لا يفطر إذا كان بغير عذر، ولا يتعمد ذلك. ويروى: إذا كان، يعني: حين كان، ويروى: أرفق، أيضاً بالراء وبالواو، والمعنى صحيح فيهما، وهذا تصرف البخاري واختياره وفيه خلاف بين الفقهاء سنذكره إن شاء الله تعالى. ١٩٦٨/٧٦ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثني جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ قال حدَّثْنا أَبُو الْعُمَيْسِ عنْ عَوْنِ ابنِ أبِي مُحَيْفَة عنْ أبيهِ قال آَخَى النبيُّ عَّهِ بَيْنَ سَلْمانَ وأبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أبا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبِذْلَةٌ فقال لَها ما شَأَتُكِ قالَتْ أخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فصَنَعَ لَهُ طَعَاماً فقال كُلْ قال فإِنِّي صَائِمٌ قال ما أَنَا بآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قال فَأَكَلَ فَلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدرْدَاءِ يَقُومُ فقال ثَمْ فنامَ ثُمَّ ذهَبَ يَقُومُ فقال نَمْ فَلَمَّا كانَ منْ آخِرِ اللَّيْلِ قال سَلْمانُ قُم الآنَ فَصَلَّيَا فَقَال لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقَّاً ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حقاً ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً فأعْطِ كلَّ ذِي حَقّ حَقَّهُ فَأَتَى النبيَّ عَِّ فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فِقَالَ النبيُّ عَ لِ صَدَقَ سَلْمَانُ. [الحديث ١٩٦٨ - طرفه في: ٦١٣٩]. مطابقته للترجمة من حيث إن أبا الدرداء صنع لسلمان طعاماً وكان سلمان صائماً فأفطر بعد محاورة، ثم لما أتى النبي عَّه وأخبره بذلك لم يأمره بالقضاء، وقال بعضهم: ذكر القسم لم يقع في حديث أبي جحيفة هنا، وأما القضاء فليس في شيء من طرقه إلاَّ أن الأصل عدمه، وقد أقره الشارع، ولو كان القضاء واجباً لبينه مع حاجته إلى البيان. انتهى. قلت: في رواية البزار عن محمد بن بشار شيخ البخاري في هذا الحديث، ((فقال: أقسمت عليك لتفطرنّ))، وكذا في رواية ابن خزيمة، والدارقطني والطبراني وابن حبان، فكأن شيخ ١٠٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥١) البخاري محمد بن بشار لما حدث بهذا الحديث لم يذكر له هذه الجملة، وبلغ البخاري ذلك من غيره فذكرها في الترجمة، وإن لم يقع في روايته، وقد ذكر البخاري هذا الحديث أيضاً في كتاب الأدب عن محمد بن بشار بهذا الإسناد ولم يذكر هذه الجملة أيضاً. وقيل: القسم مقدر قبل قوله: ((ما أنا بآكل)) كما في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. وأما قوله: وأما القضاء ... إلى آخره، فالجواب عنه: أن القضاء ثبت في غيره من الأحاديث، ونذكرها الأن، وقوله: فليس في شيء من طرقه، لا يستلزم عدم ذكره القضاء في طرق هذا الحديث نفي وجوب القضاء في طرق غيره، وقوله: إلاَّ أن الأصل عدمه أي: عدم القضاء، غير مسلم، بل الأصل وجوب القضاء، لأن الذي يشرع في عبادة يجب عليه أن يأتي بها وإلاَّ يكون مبطلاً لعمله، وقد قال تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]. فإن قلت: قال أبو عمر: أما من احتج في هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]. فجاهل بأقوال أهل العلم، وذلك أن العلماء فيها على قولين، فيقول أكثر أهل السنة: لا تبطلوها بالرياء أخلصوها لله تعالى، وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر. قلت: من أين لأبي عمر هذا الحصر. وقد اختلفوا في معناه، فقيل: لا تبطلوا الطاعات بالكبائر، وقيل: لا تبطلوا أعمالكم بمعصية الله ومعصية رسوله، وعن ابن عباس: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، عنه بالشك، والنفاق، وقيل: بالعجب، فإن العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وقيل: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى على أن قوله: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]. عام يتناول كل من يبطل عمله، سواء كان في صوم أو في صلاة ونحوهما من الأعمال المشروعة، فإذا نهى عن إبطاله يجب عليه قضاؤه ليخرج عن عهدة ما شرع فيه وأبطله. وأما الأحاديث الموعود بذكرها. فمنها ما رواه الترمذي، قال: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا كثير بن هشام حدثنا جعفر بن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة، ((قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء رسول الله عَ لّه فبدرتني إليه حفصة - وكانت ابنة أبيها - فقالت: يا رسول الله إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه !! فقال: إقضيا يوماً آخر مكانه)). ورواه أبو داود والنسائي أيضاً من رواية يزيد بن الهاد عن زميل مولى عروة عن عروة ((عن عائشة، قالت: أهدي لي ولحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله عٍَّ فقلنا له: يا رسول الله إنا أهديت لنا هدية فاشتهيناها فأفطرنا! فقال: لا عليكما، صوما مكانه يوماً آخر)). وأخرجه النسائي من رواية جعفر ابن برقان عن الزهري عن عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، وأخرجه أيضاً من رواية يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن عقبة. قال: وعندي في موضع آخر: أو إسماعيل بن إبراهيم عن الزهري عن عروة عن عائشة قال ((يحيى بن أيوب وحدثني صالح بن كيسان عن الزهري مثله، قال النسائي: وجدته في موضع آخر عندي: حدثني صالح بن كيسان ويحيى بن سعيد، مثله. ١١٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥١) فإن قلت: قال الترمذي: رواه مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلاً، وقال الترمذي أيضاً في (العلل): سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: لا يصح حديث الزهري عن عروة عن عائشة في هذا، قال: وجعفر بن برقان ثقة، وربما يخطىء في الشيء، وكذا قال محمد بن يحيى الذهلي: لا يصح عن عروة. وقال النسائي في (سننه) بعد أن رواه: هذا خطأ. وقال أبو عمر في (التمهيد) بعد ذكره لهذا الحديث: مدار حديث صالح بن كيسان ويحيى بن سعيد على يحيى بن أيوب وهو صالح، وإسماعيل بن إبراهيم متروك الحديث، وجعفر بن برقان في الزهري ليس بشيء، وسفيان بن حسين وصالح بن أبي الأخضر في حديثهما خطأ كثير، قال: وحفاظ ابن شهاب يروونه مرسلاً. قلت: وقد وصله آخرون فجعلوه عن الزهري عن عروة عن عائشة وهم جعفر بن برقان وسفيان بن حسين ومحمد بن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وصالح بن كيسان وحجاج بن أرطأة. وإذا دار الحديث بين الانقطاع والاتصال فطريق الاتصال أولى، وهو قول الأكثرين، وذلك لأن طريق الانقطاع ساكت عن الراوي وحاله أصلاً، وفي طريق الاتصال بيان له، ولا معارضة بين الساكت والناطق، ولئن سلمنا أنه روي مرسلاً أنه أصح، وقد وافقه حديث متصل وهو حديث عائشة بنت طلحة، رواه الطحاوي، قال: حدثنا المزني قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا سفيان عن طلحة بن يحيّى عن عمته عائشة بنت طلحة ((عن عائشة زوج النبي عَ لّه قالت: دخل علي رسول الله عَّ ◌ُلّ فقلت له: يا رسول الله إنا قد خبأنا لك حيساً، فقال: أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قربيه سأصوم يوماً مكان ذلك)). قال: محمد هو ابن إدريس، سمعت سفيان عامة مجالستي إياه لا يذكر فيه ((سأصوم يوماً مكان ذلك))، قال: ثم إني عرضت عليه الحديث قبل أن يموت بسنة فأجاب، فيه: سأصوم يوماً مكان ذلك، ورواه البيهقي في (سننه الكبير) من طريق الطحاوي وفي كتابه (المعرفة) أيضاً، ففي هذا الحديث ذكر وجوب القضاء. وفي حديث عائشة ما قد وافق ذلك. ثم انظر ما أقول لك، من العجب العجاب، وهو أن أحمد قال: هذا الحديث قد رواه جماعة عن سفيان دون هذه اللفظة، ورواه جماعة عن طلحة بن يحيى دون اللفظة منهم: سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وعبد الواحد بن زياد ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان ويعلى بن عبيد وغيرهم، وأخرجه مسلم في (صحيحه) من حديث عبد الواحد وغيره دون هذه اللفظة. وقال البيهقي في (السنن الكبيرة): رواية هؤلاء تدل على خطأ هذه اللفظة، وهذا العجب العجاب منه أن يخطّىء ههنا إمامه الشافعي ويخطَّىء مثل سفيان بن عيينة، والشافعي إمام ثقة، وروى هذه اللفظة من مثل سفيان الذي هو من أكبر مشايخه، ثم لم يذكر خلافه عنه، ثم يتلفظ بمثل هذا الكلام البشيع لأجل تضعيف ما احتجت به الحنفية، وغمض عينيه من جهة الشافعي ومن جهة شيخه، وليس هذا من دأب العلماء الراسخين، فضلاً عن العلماء المقلدين. ١١١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥١) وأما قول البخاري والذهلي: إنه لا يصح، فهو نفي، والإثبات مقدم عليه. وقوله: قال النسائي هذا خطأ دعوى بلا إقامة برهان، لأن كونه مرسلاً على زعمهم لا يستلزم كونه خطأ، وقول أبي عمر فيه وهمان: أحدهما: أن قوله: مدار حديث يحيى بن سعيد على يحيى بن أيوب غفلة منه، فإنه هو بعد هذا بأسطر رواه من رواية أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد وغيره عن الزهري عن عروة عن عائشة. والثاني: أن قوله: وإسماعيل بن إبراهيم متروك الحديث، قد انقلب عليه هذا الاسم فظن إسماعيل بن إبراهيم هو ابن حبيبة، قال فيه أبو حاتم: متروك الحديث وليس هو الراوي لهذا الحديث، وهذا إسماعيل بن عقبة، احتج به البخاري، ووثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي. فإن قلت: في رواية أبي داود التي تقدمت وذكرناها آنفاً زميل مولى عروة عن عروة، قال البخاري: لا يصح لزميل سماع من عروة ولا ليزيد من زميل، ولا تقوم به الحجة. قلت: في (سنن) النسائي التصريح بسماع يزيد منه، وقول البخاري لا يصح لزميل سماع عن عروة نفي فيقدم عليه الإثبات، وزميل هو ابن عباس أو عياش مولى عروة قيل: بضم الزاي وفتح الميم، وقيل: بفتح الزاي وكسر الميم، ولحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، طريق آخر رواه النسائي عن أحمد بن عيسى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، الحديث وفي آخره قال: صوما يوماً مكانه، وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) عن ابن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب، وقال ابن عبد البر في (التمهيد) وأحسن حديث في هذا الباب حديث ابن الهاد عن زميل عن عروة، وحديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة. ومنها: ما رواه ابن عباس، أخرجه النسائي من رواية خطاب بن القاسم عن خصيف عن عكرمة ((عن ابن عباس: أن النبي، عَّ ◌ُلّه، دخل على حفصة وعائشة وهما صائمتان، ثم خرج فرجع وهما يأكلان، فقال: ألم تكونا صائمتين؟ قالتا: بلى، ولكن أهدي لنا هذا الطعام فأعجبنا فأكلنا منه، فقال: صوما يوماً مكانه)) فإن قلت: قال النسائي وابن عبد البر: هذا الحديث منكر؟ قلت: إنما قالا ذلك بسبب خطاب ابن القاسم عن خصيف، لأن فيهما مقالاً فيما قاله عبد الحق، وقال ابن القطان: خطاب ثقة، قاله ابن معين وأبو زرعة، ولا أحفظ لغيرهما فيه ما يناقض ذلك. وقال أبو داود ويحيى بن معين وأبو زرعة والعجلي: خصيف ثقة، عن ابن معين: صالح، وعنه: ليس به بأس، وعن أحمد ليس بحجة. ومنها: حديث أبي هريرة رواه العقيلي في (تاريخ الضعفاء) من حديث محمد بن أبي سلمة عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة ((عن أبي هريرة، قال: أهديت لعائشة وحفصة هدية وهما صائمتان فأكلتا منها، فذكرتا ذلك لرسول الله، عَّ له، فقال: إقضيا يوماً مكانه ولا تعودا)). أورده في ترجمة محمد بن أبي سلمة المكي، وقال: لا يتابع على حديثه. ومنها: حديث أم سلمة، رواه الدارقطني في الأفراد من رواية محمد بن حميد عن الضحاك بن حمرة عن منصور بن أبان ((عن الحسن عن أمه عن أم سلمة: أنها صامت يوماً تطوعاً، فأفطرت، فأمرها رسول الله، عَّله، أن تقضي يوماً مكانه)). فإن قلت: قال الدارقطني: ١١٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥١) تفرد به الضحاك عن منصور، والضحاك ليس بشيء، قاله ابن معين ومحمد بن حميد: كذاب، قاله أبو زرعة؟ قلت: الضحاك بن حمرة، بضم الحاء المهملة وبعد الميم راء: الأملوكي الواسطي، ذكره ابن حبان في (الثقات) وإذا كان الضحاك ثقة لا يروي عن كذاب. ومنها: حديث جابر، رواه الدارقطني من حديث محمد بن المنكدر عنه، قال: ((صنع رجل من أصحاب رسول الله، عَّهِ، طعاماً، فدعا النبي، عَّهِ، وأصحاباً له، فلما أتي بالطعام تنحى أحدهم، فقال له، عَّله: ما لك؟ فقال: إني صائم، فقال، عَّ: تكلف لك أخوك وصنع، ثم تقول: إني صائم؟ كُلْ، وصُمْ يوماً مكانه)). وروى الطحاوي من حديث سعيد بن أبي الحسن ((عن ابن عباس: أنه أخبر أصحابه أنه صام ثم خرج عليهم ورأسه يقطر، فقالوا: ألم تك صائماً؟ قال: بلى، ولكن مرت بي جارية لي فأعجبتني فأصبتها وكانت حسنة، فهممت بها وأنا قاضيها يوماً آخر)). وأخرج ابن حزم في (المحلى) من طريق وكيع ((عن سيف بن سليمان المكي قال: خرج عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يوماً على الصحابة، فقال: إني أصبحت صائماً، فمرت بي جارية فوقعت عليها، فما ترون؟ قال: فلم يألوا ما شكوا عليه، وقال له علي، رضي الله تعالى عنه: أصبت حلالاً وتقضي يوماً مكانه، قال له عمر، رضي الله تعالى عنه: أنت أحسنهم فتيا)). وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): ((حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن عثمان البتي عن أنس بن سيرين، رضي الله تعالى عنه، أنه: صام يوم عرفة فعطش عطشاً شديداً فأفطر، فسأل عدة من أصحاب النبي، عَِّ، فأمروه أن يقضي يوماً مكانه)). وروي وجوب القضاء عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة وأم سلمة، رضي الله تعالى عنهم، وهو قول الحسن البصري وسعيد بن جبير في قول، وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله. ومذهب مجاهد وطاوس وعطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق: أن المتطوع بالصوم إذا أفطر بعذر أو بغير عذر لا قضاء عليه، إلاّ أنه يحب هو أن يقضيه، وروي ذلك عن سلمان وأبي الدرداء، واحتجوا في ذلك بحديث أم هانىء رواه أحمد عنها: ((أن رسول الله، عَِّ، شرب شراباً فناولها لتشرب، فقالت إني صائمة، ولكني كرهت أن أرد سؤرك، فقال: إن كان من قضاء رمضان فاقضي يوماً مكانه، وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضي. وإن شئت فلا تقضي)). وأخرجه الطحاوي من ثلاث طرق، وأخرجه الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة: كنت أسمع سماك بن حرب يقول: حدثني أحد بني أم هانىء فلقيت أفضلهم، وكان اسمه جعدة، ((فحدثني عن جدته أن رسول الله، عَّ الله قال: الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر)). قال شعبة: فقلت له: أنت سمعت هذا من أم هانىء؟ قال: لا أخبرني أبو صالح، وأهلنا عن أم هانىء، وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن سماك، فقال: ابن بنت أم هانىء، ورواية شعبة أحسن. وقال الترمذي: حديث أم هانىء في إسناده مقال؟ قلت: هذا الحديث فيه اضطراب متناً وسنداً. أما الأول: فظاهر، وقد ذكر فيه أنه كان يوم الفتح، وهي ١١٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥١) أسلمت عام الفتح، وكان الفتح في رمضان، فكيف لا يلزمها قضاؤه؟ وقال الذهبي في (مختصر سنن البيهقي): ولا أراه يصح، فإن يوم الفتح كان صومها فرضاً لأنه رمضان. وقال غيره: ومما يوهن هذا الخبر أنها يوم الفتح فلا يجوز لها أن تكون متطوعة لأنها كانت في شهر رمضان قطعاً. وأما اضطراب سنده فاختلف سماك فيه، فتارة رواه عن أبي صالح، وتارة عن جعدة، وتارة عن هارون. أما أبو صالح فهو باذان، ويقال: باذام ضعفوه، وقال البيهقي: ضعيف لا يحتج بخبره، وقال في: باب أصل القسامة: أبو صالح عن ابن عباس ضعيف، وعن الكلبي، قال لي أبو صالح: كل ما حدثتك به كذب، وفي (السنن الكبرى) للنسائي: هو ضعيف الحديث، وعن حبيب بن أبي ثابت: كنا نسميه: الدرودن،، وهو باللغة الفارسية: الكذاب. وقال النسائي: وقد روي أنه قال في مرضه: كل شيء حدثتكم به فهو كذب. وأما جعدة فمجهول، وقال النسائي: لم يسمعه جعدة عن أم هانىء. وأما هارون فمجهول الحال، قاله ابن القطان. واختلف في نسبه، فقيل: ابن أم هانىء، وقيل: ابن هانىء، وقيل: ابن ابنة أم هانىء، وقيل: هذا وهم، فإنه لا يعرف لها بنت، وقال النسائي: اختلف على سماك فيه، وسماك لا يعتمد عليه إذا انفرد بالحديث، وقد رواه النسائي وغيره من غير طريق سماك فيه، وليس فيه قوله: ((فإن شئت فاقضيه وإن شئت فلا تقضيه)). ولم يرو هذا اللفظ عن سماك غير حماد بن سلمة. وأخرجه البيهقي من رواية حاتم بن أبي صعيرة وأبي عوانة كلاهما عن سماك، وليس فيه هذه اللفظة. ذكر رجال الحديث: وهم خمسة: الأول: محمد بن بشار، بالباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة. الثاني: جعفر بن عون، بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره نون: أبو عون المخزومي القرشي. الثالث: أبو العميس، بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، واسمه: عتبة بن عبد الله بن مسعود، وقد مر في زيادة الإيمان. الرابع: عون بن أبي جحيفة. الخامس: أبوه أبو جحيفة، بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء. واسمه: وهب بن عبد الله السوائي. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن محمد بن بشار بصري ويلقب ببندار لأنه كان بنداراً في الحديث، والبندار: الحافظ، وهو شيخ الجماعة، والبقية كوفيون. وفيه: أن هذا الحديث لم يروه إلاَّ أبو العميس عن عون بن أبي جحيفة، ولا لأبي العميس راوٍ إلاَّ جعفر بن عون، وأنهما منفردان بذلك، نبه عليه البزار، وأخرج البخاري هذا الحديث أيضاً في الأدب، وأخرجه الترمذي أيضاً عن محمد بن بشار في الزهد، وقال: حديث حسن صحيح. ذكر معناه: قوله: ((آخى النبي عَّلَّه)) من المؤاخاة وهي اتخاذ الأخوة بين الإثنين، يقال: وآخاه مواخاة وإخاء وتآخياً على تفاعلاً، وتأخيت إخاء، أي: اتخذت أخاً، ذكر أهل السير والمغازي: أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرتين: الأولى: قبل الهجرة بين المهاجرين عمدة القاري/ ج١١ م٨ ١١٤ ٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥١) خاصة على المواساة والمناصرة، وكان من ذلك أخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب، ثم آخى النبي، عَّ لّه، بين المهاجرين والأنصار، بعد أن هاجر وذلك بعد قدومه المدينة. فإن قلت: روى الواقدي عن الزهري أنه كان ينكر كل مؤاخاة وقعت بعد بدر، ويقول: قطعت بدر المواريث، وسلمان إنما أسلم بعد وقعة أحد، وأول مشاهدة الخندق. قلت: الذي قاله الزهري إنما يريد به المؤاخاة المخصوصة التي كانت عقدت بينهم ليتوارثوا بها، ومؤاخاة سلمان وأبي الدرداء إنما كانت على المؤاساة، والمؤاخاة المخصوصة لا تدفع المؤاخاة من أصلها. وروى ابن سعد من طريق حميد بن هلال، قال: وآخى بين سلمان وأبي الدرداء، فنزل سلمان الكوفة ونزل أبو الدرداء الشام. قوله: ((فزار سلمان أبا الدرداء))، يعني في عهد النبي عَّ ◌ُّه، فوجد أبا الدرداء غائباً فرأى أم الدرداء متبذلة، بفتح التاء المثناة من فوق والباء الموحدة وتشديد الذال المعجمة المكسورة، أي: لابسة ثياب البذلة، بكسر الباء الموحدة وسكون الذال المعجمة: وهي المهنة وزناً ومعنىّ والمراد: أنها تاركة للبس ثياب الزينة، وفي رواية الكشميهني: مبتذلة، بتقديم الباء الموحدة والتخفيف من الابتذال من باب الافتعال، ومعناهما واحد، ووقع في (الحلية) لأبي نعيم بإسناد آخر إلى أم الدرداء عن أبي الدرداء: أن سلمان دخل عليه فرأى امرأته رثة الهيئة، فذكر القصة مختصرة، وأم الدرداء هذه اسمها: خيرة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بنت أبي حدرد الأسلمية، صحابية بنت صحابي، وحديثها عن النبي، عَ لّه، في (مسند أحمد) وغيره، وماتت قبل أبي الدرداء، ولأبي الدرداء امرأة أخرى أيضاً يقال لها: أم الدرداء، رضي الله تعالى عنها، أيضاً اسمها: هجيمة تابعية، عاشت بعده دهراً، وروت عنه. وقد مر الكلام فيه فيما مضى في الصلاة وغيرها. قوله: ((فقال لها: ما شأنك؟)) وزاد الترمذي في روايته: (يا أم الدرداء؟». قوله: ((ليست له حاجة في الدنيا)) وفي رواية الدارقطني من وجه آخر عن محمد بن عون ((في نساء الدنيا))، وزاد فيه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى عن جعفر بن عون: ((يصوم النهار ويقوم الليل)). قوله: ((فجاء أبو الدرداء))، وفي رواية الترمذي: ((فرحب بسلمان وقرب إليه طعاماً)). قوله: ((فقال: كل. قال: فإني صائم)) كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية الترمذي ((فقال: كل فإني صائم)). فعلى رواية أبي ذر القائل بقوله: كل، هو سلمان، والمقول له هو: أبو الدرداء، وهو المجيب بأنه صائم، وعلى رواية الترمذي القائل بقوله: كل، هو أبو الدرداء، والمقول له سلمان. قوله: ((قال: ما أنا بآكل)) أي: قال سلمان: ما أنا بآكل من طعامك حتى تأكل، والخطاب لأبي الدرداء. قوله: ((فأكل)) أي: أبو الدرداء، ويروى: فأكلا، يعني سلمان وأبا الدرداء. قوله: ((فلما كان الليل))، يعني أول الليل ذهب أبو الدرداء يقوم يعني للصلاة، ومحل: يقوم، نصب على الحال. قوله: ((فقال: ثم))، أي: قال سلمان لأبي الدرداء: نم، وفي رواية ابن سعد من وجه آخر مرسلاً، ((فقال له أبو الدرداء: أتمنعني أن أصوم لربي وأصلي لربي؟)) قوله: ((فلما كان من آخر الليل)»، أراد عند السحر، وكذا هو في رواية ابن خزيمة، ١١٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥١) وعند الترمذي: ((فلما كان عند الصبح))، وفي رواية الدراقطني: ((فلما كان في وجه الصبح)). قوله: ((قال سلمان: قم الآن)) أي: قال سلمان لأبي الدرداء: قم في هذا الوقت، يعني: وقت السحر. قوله: ((فصليا))، فيه حذف تقديره: فقاما وصليا، وفي رواية الطبراني: ((فقاما وتوضاً ثم ركعا ثم خرجا إلى الصلاة)). قوله: ((ولأهلك عليك حقاً)، وزاد الترمذي وابن خزيمة: ((ولضيفك عليك حقاً)). وزاد الدارقطني: ((فصُمْ وأَفْطِرْ وصَلِّ ونَمْ وائتِ أهْلَك)). قوله: ((فأتى النبي عَّ له))، أي: فأتى أبو الدرداء النبي عَّهِ فذكر ذلك، أي: ما ذكر من الأمور له، أي: للنبي، عَّه، وفي رواية الترمذي: ((فأتيا))، بالتثنية. وفي رواية الدارقطني: ((ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء، ليخبر النبي، عَُّلّه، بالذي قال له سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء! إن لجسدك عليك حقاً)). مثل ما قال سلمان، ففي هذه الرواية أن النبي عَّ ◌ُلِّ أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما دار بينهما، وليس ذلك في رواية البخاري عن محمد بن بشار، ويمكن الجمع بينهما بأنه كاشفهما بذلك أولاً ثم أطلعه أبو الدرداء على صورة الحال، فقال له: صدق سلمان، وروى هذا الحديث الطبراني من وجه آخر عن محمد بن سيرين مرسلاً، فعين الليلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدرداء، ولفظه: ((قال: كان أبو الدرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها، فأتاه سلمان))، فذكر القصة مختصرة، وزاد في آخرها: ((فقال النبي عَّله: عويمر! سلمان أفقه منك)). انتهى، وعويمر تصغير: عامر، أسم لأبي الدرداء، وفي رواية أبي نعيم في (الحلية): ((فقال النبي عَّله: لقد أوتي سلمان من العلم))، وفي رواية ابن سعد: ((لقد أشبع سلمان علماً))، رضي الله تعالى عنه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الفطر من صوم التطوع، لما ترجم له البخاري، ثم القضاء هل يجب عليه أم لا؟ قد ذكرناه مع الخلاف فيه، وقد نقل ابن التين عن مذهب مالك: أنه لا يفطر لضيف نزل به، ولا لمن حلف عليه بالطلاق والعتاق، وكذا لو حلف هو بالله ليفطرنَّ كفر، ولا يفطر. وسيأتي من حديث أنس: أن النبي عَِّ لم يفطر لما زاره سليم وكان صائماً تطوعاً، وقد صح عن عائشة أنه عَّ كان يفطر من صوم التطوع، وزاد بعضهم فيه: ((فأكل ثم قال: لكن أصوم يوماً مكانه)). وفي (المبسوط): بعد الشروع في الصوم لا يباح له الإفطار بغير عذر عندنا، فيكون بالإفطار جانياً، فيلزمه القضاء، ولا خلاف أنه يباح له الإفطار بعذر. واختلفت الروايات في الضيافة، فروى هشام عن محمد أنه يبيح الفطر، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يكون عذراً، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه عذر، وهو الأظهر، ويجب القضاء في الإفطار بعذر كان أو بغير عذر، وكان الإفطار بصنعه أو بغير صنعه، كالصائمة تطوعاً إذا حاضت عليها القضاء في أصح الروايتين، وفي (الفتاوي): دعي إلى طعام وهو صائم في النفل إن صنع لأجله، فلا بأس بأن يفطر. وعن محمد: إن دخل على أخ له فدعاه أفطر وقيل: إن تأذى بامتناعه أفطر، وعن الحسن: أنه لا يفطر إلاَّ بعذر. وفي (المنتقى): له أن يفطر. قيل: تأويله بعذر، وقيل: قبل الزوال له أن يفطر وبعده لا ١١٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥٢) يفطر، وفي القضاء وصوم الفرض لا يفطر، وعن محمد: لا بأس به. وإن حلف غيره بطلاق امرأته أن يفطر، قال نصير وخلف بن أيوب: لا يفطر. ودعه يحنث، وعن محمد: لا بأس بأن يفطر، وإن كان في قضاء. وفي (المحيط) إن حلف بطلاق امرأته يفطر في التطوع دون القضاء. وهو قول أبي الليث. وفي (المرغيناني): الصحيح من المذهب أن صاحب الدعوة إذا كان رضي بمجرد حضوره لا يفطر، وقال الحلواني: أحسن ما قيل فيه إن كان يثق من نفسه بالقضاء يفطر وإلاّ فلا يفطر، وإن كان فيه أذىّ لمسلم، وفي (المأمونية) للحسن بن زياد: إذا دعي إلى وليمة فليجب ولا يفطر في التطوع، فإن أقسم عليه أهل الوليمة فأفطر فلا بأس به، وإن كان يتأذى يفطر ويقضي، وبعد الزوال لا يفطر إلاّ إذا كان في تركه عقوق بالوالدين أو بأحدهما. : وفيه: مشروعية المواخاة في الله. وفيه: زيارة الإخوان والمبيت عندهم. وفيه: جواز مخاطبة الأجنبية للحاجة. وفيه: السؤال عما تترتب عليه المصلحة وإن كان في الظاهر لا يتعلق بالسائل. وفيه: النصح للمسلم وتنبيه من كان غافلاً. وفيه: فضل قيام آخر الليل. وفيه: مشروعية تزيين المرأة لزوجها. وفيه: ثبوت حق المرأة على الزوج في حسن العشرة، وقد يؤخذ منه ثبوت حقها في الوطء. لقوله: ((ولأهلك عليك حقاً))، وفيه: جواز النهي عن المستحبات إذا خشي إن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب. وفيه: أن الوعيد الوارد على من نهى مصلياً عن الصلاة مخصوص بمن نهاه ظلماً وعدواناً. وفيه: كراهية الحمل على النفس في العبادة. وفيه: النوم للتقوي على الصيام، وفيه: النهي عن الغلو في الدين. ٥٢ _ بابُ صَوْمَ شَعْبَانَ أي: هذا باب في بيان فضل صوم شهر شعبان، وهذا الباب أول شروعه في التطوعات من الصيام، واشتقاق شعبان من الشعب، وهو الاجتماع، سمي به لأنه يتشعب فيه خير كثير كرمضان، وقيل: لأنهم كانوا يتشعبون فيه بعد التفرقة، ويجمع على: شعابين، وشعبانات، وقال ابن دريد: سمي بذلك لتشعبهم فيه، أي: لتفرقهم في طلب المياه. وفي (المحكم) سمي بذلك لتشعبهم في الغارات، وقال ثعلب: قال بعضهم: إنما سمي شعباناً لأنه: شَعَبَ، أي: ظهر بين رمضان ورجب، وعن ثعلب: كان شعبان شهراً تتشعب فيه القبائل، أي تتفرق لقصد الملوك والتماس العطية، وفي (التلويح): وأما الأحاديث التي في صلاة النصف منه فذكر أبو الخطاب أنها موضوعة، وفيها عند الترمذي حديث مقطوع قلت: هو الحديث الذي رواه الترمذي في: باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، قال: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الحجاج بن أرطأة عن يحيى بن أبي كثير عن عروة: ((عن عائشة قالت: فقدت رسول الله، عَ ليه، فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: أكنتٍ تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قلت: يا رسول الله! ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: إن الله عز وجل، ينزل ١١٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥٢) ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب)). قال الترمذي: حديث عائشة لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمداً يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. وأخرجه ابن ماجه أيضاً من طريق يزيد بن هارون، وقول أبي الخطاب: إنه مقطوع هو أنه منقطع في موضعين: أحدهما: ما بين الحجاج ويحيى، والآخر: ما بين يحيى وعروة. فإن قلت: أثبت ابن معين ليحيى السماع من عروة. قلت: اتفق البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم على أنه لم يسمع منه، والمثبت مقدم على النافي، ولئن سلمنا ذلك فهو مقطوع في موضع واحد، ولا يخرج عن الانقطاع. وروى ابن ماجه من رواية ابن أبي سبرة عن إبراهيم بن محمد عن معاوية بن عبد الله ابن جعفر عن أبيه عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله عَ له: ((إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألاَ مَن يستغفرني فأغفر له؟ ألا من يسترزق فأرزقه؟ ألاَ من مبتلَى فأعافيه؟ ألاَ كذا؟ ألاَ كذا؟ حتى يطلع الفجر)). وإسناده ضعيف، وابن أبي سبرة هو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن سبرة مفتي المدينة وقاضي بغداد ضعيف، وإبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى ضعفه الجمهور، ولعلي بن أبي طالب حديث آخر، قال: ((رأيت رسول الله عَّل ليلة النصف من شعبان قام فصلى أربع عشرة ركعة، ثم جلس، فقرأ بأم القرآن أربع عشرة مرة .. )) الحديث. وفي آخره: ((من صنع هكذا لكان له كعشرين حجة مبرورة، وكصيام عشرين سنة مقبولة، فإن أصبح في ذلك اليوم صائماً كان له كصيام ستين سنة ماضية، وستين سنة مستقبلة)). رواه ابن الجوزي في (الموضوعات) وقال: هذا موضوع، وإسناده مظلم. ولعلي، رضي الله تعالى عنه، حديث آخر رواه أيضاً في (الموضوعات) فيه: ((من صلى مائة ركعة في ليلة النصف من شعبان ... )) الحديث، وقال: لا شك أنه موضوع، وكان بين الشيخ تقي الدين بن الصلاح والشيخ عز الدين بن عبد السلام في هذه الصلاة مقاولات، فابن الصلاح يزعم أن لها أصلاً من السنة، وابن عبد السلام ينكره. وأما الوقود في تلك الليلة فزعم ابن دحية أن أول ما كان ذلك زمن يحيى بن خالد بن برمك، أنهم كانوا مجوساً فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطعام. قال: ولما اجتمعت بالملك الكامل وذكرت له ذلك قطع دابر هذه البدعة المجوسية من سائر أعمال البلاد المصرية. ١٩٦٩/٧٧ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ أَبِي النَّصْرِ عنْ أَبِي سَلَمَّةَ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ رسولُ اللهِ عَُّلّه يَصُومُ حَتَّى نِقُولَ لاَ يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ فَمَا رأيتُ رسولَ الله عَ ◌َّلِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ وما رأيْتُهُ أكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ. [الحديث ١٩٦٩ - طرفاه في: ١٩٧٠، ٦٤٦٥]. ١١٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥٢) مطابقته للترجمة في قوله: ((وما رأيته أكثر صياماً منه من شعبان)) وأبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: اسمه سالم بن أبي أمية، قد مر في: باب المسح على الخفین. والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك. وأخرجه الترمذي في الشمائل عن أبي مصعب الزهري عن مالك. وأخرجه النسائي في الصوم عن الربيع بن سليمان عن ابن وهب عن مالك وعمرو بن الحارث. قوله: ((كان رسول الله عَّم يصوم حتى نقول لا يفطر))، يعني: ينتهي صومه إلى غاية نقول: إنه لا يفطر، فينتهي إفطاره إلى غاية حتى نقول: إنه لا يصوم، وذلك لأن الأعمال التي يتطوع بها ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها. قوله: ((فما رأيت رسول الله عََّلِ استكمل صيام شهر إلاَّ رمضان))، وهذا يدل على أنه، عَّه، لم يصم شهراً تاماً غير رمضان. فإن قلت: روى أبو داود من حديث أبي سلمة ((عن أم سلمة: لم يكن يصوم في السنة شهراً كاملاً إلاَّ شعبان يصله برمضان)). وهذا يعارض حديث عائشة، وكذلك روى الترمذي من حديث سالم بن أبي الجعد عن أبي سلمة ((عن أم سلمة، قالت: ما رأيت رسول الله عَ لّه يصوم شهرين متتابعين إلاَّ شعبان ورمضان)). وهذا أيضاً يعارضه. قلت: قال الترمذي: روي عن ابن المبارك أنه قال في هذا الحديث، قال: هو جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليله أجمع، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره، ثم قال الترمذي: كان ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين، يقول: إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى: هذا فيه ما فيه، لأنه قال فيه إلاَّ شعبان ورمضان، فعطف رمضان عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره، إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه، وإن مشى ذلك فإنما يمشي على رأي من يقول: إن اللفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه، وفيه خلاف لأهل الأصول. انتهى. قلت: لا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضاً، لأن من قال ذلك قال في اللفظ الواحد، وهنا لفظان: شعبان ورمضان، وقال ابن التين: إما أن يكون في أحدهما وهم، أو يكون فعل هذا وهذا، أو أطلق الكل على الأكثر مجازاً. وقيل: كان يصومه كله في سنة وبعضه في سنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله وتارة من آخره وتارة منهما، لا يخلي منه شيئاً بلا صيام. فإن قلت: ما وجه تخصيصه شعبان بكثرة الصوم؟ قلت: لكون أعمال العبادة ترفع فيه. ففي النسائي من حديث أسامة ((قلت: يا رسول الله! أراك لا تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)). وروي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها «قالت لرسول الله عَ لَّهِ: ما لي أراك تكثر صيامك فيه؟ قال: يا عائشة! إنه شهر ينسخ فيه ملك الموت من يقبض، وأنا أحب أن ١١٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥٢) لا ينسخ إسمي إلاَّ وأنا صائم)). قال المحب الطبري: غريب من حديث هشام بن عروة بهذا اللفظ، رواه ابن أبي الفوارس في أصول أبي الحسن الحمامي عن شيوخه، وعن حاتم بن إسماعيل عن نصر بن كثير عن يحيى بن سعيد عن عروة ((عن عائشة، قالت: لما كانت ليلة النصف من شعبان انسل رسول الله عَِّ من مرطي ... )) الحديث. وفي آخره: ((هل تدري ما في هذه الليلة؟ قالت: ما فيها يا رسول الله؟ قال: فيها أن يكتب كل مولود من بني آدم في هذه السنة. وفيها أن يكتب كل هالك من بني آدم في هذه السنة، وفيها ترفع أعمالهم، وفيها: تنزل أرزاقهم)). رواه البيهقي في كتاب (الأدعية) وقال: فيه بعض من يجهل. وروى الترمذي من حديث صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس، رضي الله تعالى عنه: ((سئل رسول الله، عَّله، أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان، لتعظيم رمضان. وسئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان)). ثم قال: حديث غريب، وصدقة ليس عندهم بذاك القوي، وقد روي أن هذا الصيام كان لأنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر، كما قال ابن عمر، فربما يشتغل عن صيامها أشهراً فيجمع ذلك كله في شعبان، فيتدار كه قبل رمضان، حكاه ابن بطال، وقال الداودي: أرى الإكثار فيه أنه ينقطع عنه التطوع برمضان، وقيل: يجوز أنه كان يصوم صوم داود عليه السلام، فيبقى عليه بقية يعملها في هذا الشهر. وجمع المحب الطبري فيه ستة أقوال: أحدها: أنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما تركها فيتداركها فيه. ثانيها: تعظيماً لرمضان. ثالثها: أنه ترفع فيه الأعمال. رابعها: لأنه يغفل عنه الناس. خامسها: لأنه تنسخ فيه الآجال. سادسها: أن نساءه كن يصمن فيه ما فاتهن من الحيض فيتشاغل عنه به، والحكمة في كونه لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه. فإن قلت: صح في مسلم: أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم، فكيف أكثر منه في شعبان؟ ويعارضه أيضاً رواية الترمذي: ((أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان)). قلت: لعله كان يعرض له فيه إعذار من سفر أو مرض أو غير ذلك، أو لعله لم يعلم بفضل المحرم إلاَّ في آخر عمره قبل التمكن منه، ولأن ما رواه الترمذي لا يقاوم ما رآه مسلم. قوله: ((أكثر صياماً)) كذا هو بالنصب عند أكثر الرواة، وحكى السهيلي أنه روي بالخفض، قيل: هو وهم، ولعل بعض النساخ كتب الصيام بغير ألف على رأي من يقف على المنصوب بغير ألف فتوهم مخفوضاً، أو ظن بعض الرواة أنه مضاف إليه، فلا يصح ذلك، وأما لفظة: أكثر، فإنه منصوب لأنه مفعول ثان لقوله: ((وما رأيته)). قوله: ((من شعبان))، وزاد يحيى بن أبي كثير في روايته: ((فإنه كان يصوم شعبان كله))، وزاد ابن أبي لبيد: ((عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله عَّلَّهِ أكثر صياماً منه في شعبان، فإنه كان يصوم شعبان إلاَّ قليلاً)). وفي رواية الترمذي عن أبي سلمة ((عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت النبي، عَّهِ، في شهر أكثر صياماً فيه في شعبان، كان يصومه إلاَّ قليلاً، بل كان يصومه کله)). انتھی. ١٢٠ : ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥٢) قالوا: معنى: كله، أكثره، فيكون مجازاً. قلت: فيه نظر من وجوه: الأول: أن هذا المجاز قليل الاستعمال جداً. والثاني: أن لفظة: كل، تأكيد لإرادة الشمول، وتفسيره بالبعض مناف له. والثالث: أن فيه كلمة الإضراب، وهي تنافي أن يكون المراد الأكثر، إذ لا يبقى فيه حينئذ فائدة، والأحسن أن يقال فيه: إنه باعتبار عامين فأكثر، فكان يصومه كله في بعض السنين، وكان يصوم أكثره في بعض السنين، وذكر بعض العلماء إنه وقع منه عد ◌ّ. وصل شعبان برمضان وفصله منه وذلك في سنتين فأكثر، وقال الغزالي في (الإحياء): فإنَّ وَصْلَ شعبان برمضان فجائز، فعل ذلك رسول الله عَّله مرة، وفصل مراراً كثيرة، انتهى. قلت: على هذا الوجه يبعد وجوده منصوصاً عليه في الحديث، نعم، وقع منه الوصل والفصل، أما الوصل فهو في حديث الترمذي عن أبي سلمة ((عن أم سلمة، قالت: ما رأيت رسول الله عَ ليه يصوم شهرين متتابعين إلاَّ شعبان ورمضان)). وأما الفصل ففي حديث أبي داود من رواية عبد الله بن أبي قيس ((عن عائشة، قالت: كان رسول الله عَ لم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام)). وأخرجه الدار قطني، وقال: ((هذا إسناد صحيح، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وروى الطبراني من حديث أبي أمامة ((أن النبي عَّه كان يصل شعبان برمضان)). ورجال إسناده ثقات، وروي أيضاً من حديث أبي ثعلبة بلفظ: ((كان رسول الله عَّلِ يصوم شعبان ورمضان يصلهما)). وفي إسناده الأحوص بن حكيم وهو مختلف فيه، وروي أيضاً من حديث أبي هريرة بلفظ حديث أبي أمامة وفي إسناده يوسف بن عطية وهو ضعيف. فإن قلت: كيف التوفيق بين هذه الأحاديث وبين حديث أبي هريرة الذي رواه أصحاب السنن؟ فأبو داود من حديث الدراوردي والترمذي كذلك، والنسائي من رواية أبي العميس، وابن ماجه من رواية مسلم بن خالد، كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَُّله: ((إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا))، هذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا))، ولفظ النسائي: ((فكفوا عن الصوم))، ولفظ ابن ماجه: ((إذا كان النصف من شعبان فلا صوم))، وفي لفظ ابن حبان: ((فأفطروا حتى يجيء رمضان))، وفي لفظ ابن عدي: ((إذا انتصف شعبان فأفطروا))، وفي لفظ البيهقي: ((إذا مضى النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يدخل رمضان)) قلت: أما أولاً: فقد اختلف في صحة هذا الحديث، فصححه الترمذي وابن حبان وابن عساكر وابن حزم، وضعفه أحمد فيما حكاه البيهقي عن أبي داود، قال: قال أحمد: هذا حديث منكر، قال: وكان عبد الرحمن لا يحدث به)) وأما ثانياً: فقال قوم، ممن لا يقول بحديث العلاء: بأن أبا هريرة كان يصوم في النصف الثاني من شعبان، فدل على أن ما رواه منسوخ، وقيل: يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام أو عبادة. ٧٨/ ١٩٧٠ - حدّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ قال حدَّثنا هِشَامٌ عنُ يَخْيَى عنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ