Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٠)
هذا كقول القائل: أعتقت عبدي عن فلان، فإنه يتضمن سبقية الملك عند قوم، قال: وأباه
أصحابنا مع الاتفاق على أن الولاء للمعتق فيه، وأن الكفارة تسقط بذلك.
٣٠ - بابٌ إذا جامَعَ فِي رَمَضَانَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَيءٌ فتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ
أي: هذا باب يذكر فيه: إذا جامع الصائم في نهار رمضان عامداً، والحال أنه لم يكن
له شيء يعتق به، ولا شيء يطعم به، ولا له قدرة يستطيع الصيام بها، ثم تُصُدِّقَ عليه بقدر ما
يجزيه، فليكفر به لأنه صار واجداً به، وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن ذمته.
١٩٣٦/٤٣ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرنِي حُمَيْدُ بنُ
عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبيِّ عَّهِ إِذْ
جاءَهُ رجلٌ فقال يا رسولَ الله هَلَكْتُ قال مالَكَ قال وَقَعْتُ عَلَى امْرَأْتِي وَأَنا صَائِمٌ فقال
رسولُ اللهِ عَ لِّ هَلْ تَجِدُ رَقِبَةً تُعْتِقُهَا قال لاَ قال فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قال
لاَ فَقال فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِينَ مِسْكِيناً قال لاَ قال فمَكَثَ النبيُّ عَ لَّه فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ
النبيُّ عَ لَّهِ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَالْعَرَقُ المِكْتَلُ قال أيْنَ السَّائِلُ فقال أنا قال خُذْهَا فَتَصَدَّقَ بِهِ فقال
الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يا رَسُولَ اللهِ فَوالله ما بَيْنَ لاَبَتَيْهَا يُرِيدُ الحرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ
بَيْتِي فَضَحِكَ النبيُّ عَُّلِّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قال أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ. [الحديث ١٩٣٦ - أطرافه
في: ١٩٣٧، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن قوله: ((وقعت على امرأتي وأنا صائم)) عبارة عن
الجماع.
ذكر رجاله: وهم خمسة كلهم قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان الحكم بن نافع
الحمصي، وشعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب،
وحميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في
موضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في موضعنين. وفيه:
أن الراوي عن الزهري هو شعيب، والزهري - هو الراوي عن حميد -، وروى ما ينيف على
أربعين نفساً عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة وهم: ابن عيينة والليث ومعمر ومنصور عند
الشيخين، والأوزاعي وشعيب وإبراهيم بن سعد عند البخاري، ومالك، وابن جريج عند مسلم،
ويحيى بن سعيد وعراك بن مالك عند النسائي، وعبد الجبار بن عمر عند أبي عوانة،
والجوزقي وعبد الرحمن بن مسافر عند الطحاوي، وعقيل عند ابن خزيمة، وابن أبي حفصة
عند أحمد ويونس وحجاج بن أرطأة وصالح بن أبي الأخضر عند الدارقطني، ومحمد بن
اسحاق عند البزار، والنعمان بن راشد عند الطحاوي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب
وعبد الرحمن بن نمر وأبو وأويس وعبد الجبار بن عمر الأيلي وعبيد الله بن عمر، وإسماعيل
ابن أمية ومحمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة وعبد الله بن عيسى وإسحاق بن يحيى

٤٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٠)
العوصي وهبار بن عقيل وثابت بن ثوبان وقرة بن عبد الرحمن وزمعة بن صالح وفخر السقاء
والوليد بن محمد وشعيب بن خالد ونوح بن أبي مريم وعبد الله بن أبي بكر وفليح بن
سليمان وعمرو بن عثمان المخزومي ويزيد بن عياض وشبل بن عباد. وقد رواه هشام بن سعد
عن الزهري فخالف الجماعة في إسناده، فرواه: عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وزاد فيه:
((وصم يوماً مكانه))، رواه أبو داود وسكت عليه، وقال أبو عوانة الإسفرائني: غلط فيه هشام
ابن سعد، وقد رواه أيضاً عبد الجبار بن عمر الأيلي بإسناد آخر رواه عن يحيى بن سعيد عن
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي عَّ ◌ُله، ورواه ابن ماجه، ورواه البيهقي من رواية
عبد الجبار بن عمر عن يحيى بن سعيد وعطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة، وقال: عبد الجبار، ليس بالقوي، وقد ورد من حديث مجاهد عن أبي هريرة مختصراً،
ومن حديث محمد بن كعب عن أبي هريرة رواهما الدارقطني وضعفهما. وفيه: أنا أبا هريرة
قال: وفي رواية ابن جريج عند مسلم، وعقيل عند ابن خزيمة، وأبي أويس عند الدارقطني
التصريح بالتحديث بين حميد وأبي هريرة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن موسى بن
إسماعيل وعن محمد بن مقاتل وعن القعنبي وفي النفقات عن أحمد بن يونس وفي النذور
عن علي بن عبد الله وفي الصوم أيضاً عن عثمان وفي المحاربين عن قتيبة وفي الهبة والنذور
أيضاً عن محمد بن محبوب. وأخرجه مسلم في الصوم عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن
أبي شيبة وزهير ابن حرب ومحمد بن عبد الله بن نمير وعن يحيى بن يحيى وقتيبة ومحمد
ابن رمح وعن إسحاق بن إبراهيم وعن عبد بن حميد وعن محمد بن رافع عن إسحاق وعن
محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ومحمد وعيسى وعن
القعنبي به وعن الحسن بن علي. وأخرجه الترمذي فيه عن نصر بن علي وأبي عمار. وأخرجه
النسائي فيه عن قتيبة به وعن محمد بن منصور وعن محمد بن قدامة وعن محمد بن عبد
الله وعن محمد بن نصر وعن محمد بن إسماعيل وعن الربيع بن سليمان عن أبي الأسود
وإسحاق بن مضر وفي الشروط عن هارون بن عبد الله. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن
أبي شيبة عن سفيان به.
ذكر معناه: قوله: ((بينما))، قد مر غير مرة أن أصل: بينما، بين فأشبعت فتحة النون
وصار: بيا، ثم زيدت فيه: الميم، فصار: بينما، ويضاف إلى جملة إسمية وفعلية، ويحتاج إلى
جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه إذ وإذا، ولكن يجيء بهذا كثيراً
هنا كذلك، وهو قوله: ((إذ جاءه رجل)) وقال بعضهم: ومن خاصة: بينما، أنها تتلقى بإذ،
وبإذا حيث تجيء للمفاجأة، بخلاف: بينا، فلا تتلقى بواحدة منهما، وقد ورد في هذا
الحديث كذلك. قلت: هذا تصرف في العربية من عنده، وليس ما قاله بصحيح، وقد ذكروا
أن كلاً منهما يتلقى بواحدة منهما، غير أن الأفصح كما ذكرنا أن لا يتلقيا بهما، وقد ورد
في الحديث: بإذ، في الأول وفي الثاني بدون إذ، وإذا على الأصل الذي هو الأفصح، فأي

٤٣
:
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٠)
شيء دعوى الخصوصية في بينما بإذ وإذا ونفيها في بينا؟ ولم يقل بهذا أحد؟ قوله: ((عند
النبي عَّله)) وفي رواية الكشميهني: ((مع النبي عَّل))، وقال بعضهم: فيه حسن الأدب في
التعبير، كما تشعر العندية بالتعظيم بخلاف ما لو قال: مع. قلت: لفظة: عند، موضوعها
الحضرة ومن أين الإشعار فيه بالتعظيم؟ قوله: ((إذا جاء رجل))، قد مر الكلام فيه في حديث
عائشة.، قوله: ((هلكت))، وفي حديث عائشة: ((احترقت)) كما مر، وفي رواية ابن أبي حفصة:
((ما أُراني إلاَّ قد هلكت))، وقد روي في بعض طرق هذا الحديث: ((هلكت وأهلكت))، قال
الخطابي: وهذه اللفظة غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث، قال: وأصحاب سفيان
لم يرووها عنه إنما ذكروا قوله: ((هلكت))، حسب، قال: غير أن بعض أصحابنا حدثني أن
المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان، فذكر هذا الحرف فيه وهو غير محفوظ،
والمعلى ليس بذلك في الحفظ والإتقان. انتهى. وقال البيهقي: إن هذه اللفظة لا يرضاها
أصحاب الحديث، وقال القاضي عياض: إن هذه اللفظة ليست محفوظة عند الحفاظ
الأثبات.
وقال شيخنا زيد الدين، رحمه الله: وردت هذه اللفظة مسندة من طرق ثلاثة: أحدها:
الذي ذكره الخطابي، وقد رواها الدارقطني من رواية أبي ثور، قال: حدثنا معلى بن منصور
حدثنا سفيان بن عيينة، فذكره الدارقطني، تفرد به أبو ثور عن معلى بن منصور عن ابن عيينة،
بقوله: ((وأهلكت))، قال: وهم ثقات. الطريق الثاني: من رواية الأوزاعي عن الزهري، وقد
رواها البيهقي بسنده، ثم نقل عن الحاكم أنه ضعف هذه اللفظة، وحملها على أنها أدخلت
على محمد بن المسيب الأرغياني، ثم استدل على ذلك. والطريق الثالث: من رواية عقيل
عن الزهري، رواها الدارقطني في غير السنن، وقال: حدثنا النيسابوري حدثنا محمد بن عزيز
حدثني سلامة بن روح عن عقيل عن الزهري، فذكره، وقد تكلم في سماع محمد بن عزيز
من سلامة، وفي سماع سلامة من عقيل، وتكلم فيهما: أما محمد بن عزيز فضعفه النسائي
مرة، وقال مرة: لا بأس به، وأما سلامة فقال أبو زرعة: ضعيف منكر، وأجود طرق هذه اللفظة
طريق المعلى بن منصور، على أن المعلى - وإن اتفق الشيخان على إخراج حديثه - فقد
تركه أحمد، وقال: لم أكتب عنه، كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كل يوم يخطىء في
حديثين أو ثلاثة. قلت: هو من أصحاب أبي حنيفة ووثقه يحيى بن معين، وقال يعقوب بن
شيبة: ثقة، فيما تفرد به وشورك فيه، متقن صدوق فقيه مأمون. وقال العجلي: ثقة صاحب
سنة وكان نبيلاً، طلبوه للقضاء غير مرة فأبى. وقال ابن سعد: كان صدوقاً صاحب حديث
ورأي وفقه، مات سنة أحد عشرة ومائتين.
٠٠
قوله: ((قال: مالك؟)) بفتح اللام وهو استفهام عن حاله، وفي رواية عقيل: ((ويحك! ما
شأنك؟)) ولابن أبي حفصة: ((وما الذي أهلكك وما ذاك؟)) وفي رواية الأوزاعي: ((ويحك! ما
صنعت؟) أخرجه البخاري في الأدب، وفي رواية الترمذي: ((وما الذي أهلكك؟)) وكذا في
رواية الدارقطني. قوله: ((وقعت على امرأتي)) وفي رواية ابن إسحاق: ((أصبت أهلي))، وفي

٤٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٠)
حديث عائشة: ((وطئت امرأتي)). قوله: ((وأنا صائم)) جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في
وقعت. فإن قلت: من أين يعلم أنه كان صائماً في رمضان حتى يترتب عليه وجوب الكفارة؟
قلت: وقع في أول هذا الحديث في رواية مالك وابن جريج ((أن رجلاً أفطر في رمضان ... ))
الحديث، ووقع أيضاً في رواية عبد الجبار بن عمر: ((وقعت على أهلي اليوم، وذلك في
رمضان)). وفي رواية ساق مسلم إسنادها وساق أبو عوانة في (مستخرجه) متنها أنه قال:
((أفطرت في رمضان))، وبهذا يرد على القرطبي في دعواه تعدد القصة، لأن مخرج الحديث
واحد، والقصة واحدة، ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عن سعيد بن منصور: ((أصبت
امرأتي ظهراً في رمضان))، وبتعيين رمضان، يفهم الفرق في وجوب كفارة الجماع في الصوم
بين رمضان وغيره من الواجبات كالنذر، وبعض المالكية أوجبوا الكفارة على من أفسد صومه
مطلقاً، واحتجوا بظاهر هذا الحديث، ورد عليهم بالذي ذكرناه الآن. قوله: ((هل تجد رقبة
تعتقها؟)) وفي رواية منصور: ((أتجد ما تحرر رقبة)). وفي رواية ابن أبي حفصة: ((أتستطيع أن
تعتق رقبة؟)) وفي رواية إبراهيم بن سعد والأوزاعي: ((فقال: أعتق رقبة)). وزاد في رواية عن أبي
هريرة: ((فقال: بئس ما صنعت! أعتق رقبة)). وفي حديث عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني
في (الكبير): ((جاء رجل إلى النبي عَّ له فقال: إني أفطرت يوماً من رمضان، فقال: من غير
عذر ولا سقم؟ قال: نعم. قال: بئس ما صنعت. قال: أجل، ما تأمرني؟ قال: أعتق رقبة)).
قوله: ((قال: لا)) أي: قال الرجل: لا أجد رقبة، وفي رواية ابن مسافر: ((فقال: لا والله يا رسول
الله)). وفي رواية ابن إسحاق: ((ليس عندي))، وفي حديث ابن عمر: ((فقال: والذي بعثك
بالحق ما ملكت رقبة قط)). قوله: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين؟)) قال القرطبي أي: تقوى
وتقدر؟ وفي حديث سعد: ((قال: لا أقدر)) وفي رواية ابن إسحاق: ((وهل لقيت ما لقيت إلاّ
من الصيام؟)) وقال الشيخ تقي الدين: رواية ابن إسحاق هذه تقتضي أن عدم استطاعته شدة
شبقه وعدم صبره عن الوقاع، فهل يكون ذلك عذراً في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام حتى
يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أم لا؟ والصحيح عند الشافعية اعتبار ذلك، فيسوغ له الانتقال
إلى الإطعام، ويلتحق به من يجد رقبة، وهو غير مستغنٍ عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى
الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد. انتهى. قلت: في هذا كله نظر لأن الشارع
رتب هذه الخصال بالفاء التي هي للترتيب والتعقيب، فكيف ينقض هذا؟
قوله: ((متتابعين)) فيه اشتراط التتابع، وقد مر الكلام فيه. قوله: ((فهل تجد إطعام
ستين مسكيناً؟ قال: لا)). وزاد في رواية ابن مسافر: ((يا رسول الله .. )) ووقع في رواية سفيان:
((هل تستطيع إطعام ستين مسكيناً؟)) ووقع في رواية إبراهيم بن سعد وعراق بن مالك: ((فأطعم
ستين مسكيناً؟ قال: لا أجد))، وفي رواية ابن أبي حفصة: ((أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟
قال: لا)). وذكر الحاجة، وفي حديث ابن عمر، قال: ((والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي!))
وقال ابن دقيق العيد: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين، فلا يكون ذلك
موجوداً في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلاً، ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من

٤٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٠)
النص معنى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفية الإجزاء حتى لو أطعم مسكيناً واحداً
في ستين يوماً كفى. قلت: هؤلاء الذين يشتغلون بالحنفية يحفظون شيئاً وتغيب عنهم أشياء،
أفلا يعلمون أن المراد ههنا سد خلة الفقير؟ فإذا وجد ذلك مع مراعاة معنى الستين، فلا طعن
فيه، ثم المراد من الإطعام الإعطاء لهم بحيث يتمكنون من الأكل، وليس المراد حقيقة
الإطعام من وضع المطعوم في فم الآكل.
فإن قلت: ما الحكمة في هذه الخصال الثلاثة وما المناسبة بينهما؟ قلت: الذي
انتهك حرمة الصوم بالجماع عمداً في نهار رمضان، فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن
يعتق رقبة فيفدي نفسه، بها، وثبت في (الصحيح) ((أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو
منها عضواً من النار)). وأما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجنابة، وأما كونه
شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما
أفسد منه يوماً كان كمن أفسد الشهر كله من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع، فكلف بشهرين
مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده. وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة، لأن مقابلة كل يوم
بإطعام مسكين، ثم إن هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حق الله تعالى وهو الصوم، وحق
الأحرار بالإطعام وحق الأرقاء بالإعتاق وحق الجاني بثواب الامتثال. قوله: ((فمكث)) بالميم
وفتح الكاف وضمها وبالثاء المثلثة. وفي رواية أبي نعيم في (المستخرج) من وجهين عن أبي
اليمان: أحدهما: ((مكث)) مثل ما هو هنا. والآخر: ((فسكت))، من السكوت وفي رواية أبي
عيينة ((فقال له النبي عَّ: إجلس فجلس)). قوله: ((فبينا نحن على ذلك))، وفي رواية ابن
عيينة: ((فبينما هو جالس كذلك))، قيل: يحتمل أن يكون سبب أمره بالجلوس لانتظار ما
يوحى إليه في حقه، ويحتمل أنه كان عرف أنه سيؤتى بشيء بعينه به. قوله: ((أتي النبي
◌َ ◌ّ)، كذا هو على بناء المجهول عند الأكثرين، وفي رواية ابن عيينة: ((إذا أتي)) وهو جواب
قوله: بينا، وقد مر في قوله: ((بينما نحن جلوس)) أن بعضهم قال: إن بينا لا يتلقى بإذ ولا
بإذا، وههنا في رواية ابن عيينة جاء بإذ، وهو يرد ما قاله، فكأنه ذهل عن هذا، والآتي من هو
لم يدر، وقال بعضهم: والآتي المذكور لم يسم.
قلت: في أين ذكر الآتي حتى قال: لم يسم؟ لكن وقع في الكفارات على ما سيأتي
في رواية معمر: ((فجاء رجل من الأنصار))، وهو أيضاً غير معلوم. فإن قلت: عند الدارقطني
من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب مرسلاً، ((فأتى رجل من ثقيف)). قلت:
رواية الصحيح أصح، ويمكن أن يحمل على أنه كان حليفاً للأنصار، فأطلق عليه الأنصاري،
وقال بعضهم: أو إطلاق الأنصاري، بالمعنى الأعم. قلت: لا وجه لذلك لأنه يلزم منه أن
يطلق على كل من كان من أي قبيلة كان أنصارياً بهذا المعنى، ولم يقل به أحد. قوله:
((بعرق))، قد مر تفسيره عن قريب مستوفىّ. قوله: ((والمكتل)) تفسير العرق بالمكتل ممن؟
قلت: الظاهر أنه من الصحابي، ويحتمل أن يكون من الرواة، قيل: في رواية ابن عيينة ما
يشعر بأنه الزهري، وفي رواية منصور في الباب الذي يلي هذا: وهو باب المجامع في

٤٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٠)
رمضان فأتي بعرق فيه تمر، وهو الزبيل، وفي رواية ابن أبي حفصة: ((فأتي بزبيل))، وقد مر
تفسير الزبيل أيضاً مستوفىّ.
قوله: ((أين السائل؟)) قال الكرماني: فإن قلت: لم يكن لذلك الرجل سؤال، بل كان
له مجرد إخبار بأنه هلك، فما وجه إطلاق لفظ السائل عليه؟ قلت: كلامه متضمن للسؤال
أي: هلكت، فما مقتضاه وما يترتب عليه؟ فإن قلت: لم يبين في هذا الحديث مقدار ما في
المكتل من التمر؟ قلت: وقع في رواية ابن أبي حفصة: ((فيه خمسة عشر صاعاً))، وفي رواية
مؤمل عن سفيان: ((فيه خمسة عشر أو نحو ذلك))، وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثوري
عند ابن خزيمة: ((فيه خمسة عشر أو عشرون)) وكذا هو عند مالك، وفي مرسل سعيد بن
المسيب عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعاً، ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة: ((فأتي
بعرق فيه عشرون صاعاً))، وقال بعضهم: من قال: عشرون، أراد أصل ما كان فيه، ومن قال:
خمسة عشر، أراد قدر ما تقع به الكفارة، ويبين ذلك حديث علي عند الدارقطني: ((يطعم
ستين مسكيناً لكل مسكين مد))، وفيه: ((فأتي بخمسة عشر صاعاً، فقال: أطعمه ستين
مسكينا). وكذا في رواية حجاج عن الزهري عند الدارقطني في حديث أبي هريرة، رضي الله
تعالى عنه، قال: وفيه رد على الكوفيين في قولهم: إن واجبه من القمح ثلاثون صاعاً، ومن
غيره ستون صاعاً، وعلى أشهب في قوله: لو غدًّاهم أو عشَّاهم كفى لصدق الإطعام، ولقول
الحسن: يطعم أربعين مسكيناً عشرين صاعاً، ولقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين
صاعاً، أو بالجماع أطعم خمسة عشر، وفيه رد على الجوهري حيث قال في (الصحاح):
المكتل تشبه الزبيل، يسع خمسة عشر صاعاً لأنه لا حصر في ذلك. انتهى. قلت: ليت
شعري كيف فيه رد على الكوفيين وهم قد احتجوا بما رواه مسلم: ((فجاءه عرقان فيهما
طعام))، وقد ذكرنا فيما مضى أن ما في العرقين يكون ثلاثين صاعاً، فيعطى لكل مسكين
نصف صاع، بل الرد على أئمتهم حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه بالروايات المضطربة، وفي
بعضها الشك، فالعجب منه إن يرد على الكوفيين مع علمه أن احتجاجهم قوي صحيح،
وأعجب منه أنه قال في رواية مسلم هذه: ووجهه أن كان محفوظاً، وقد ردينا عليه ما قاله
فيما مضى عن قريب، وكذلك قوله: وفيه رد على الجوهري، غير صحيح، لأنه لم يحصر ما
قاله في ذلك: غاية ما في الباب أنه نقل أحد المعاني التي قالوا في المكتل وسكت عليه.
قوله: ((فتصدق به)) وزاد ابن إسحاق: ((فتصدق عن نفسك))، ويؤيده رواية منصور في
الباب الذي يليه بلفظ: ((أطعم هذا عنك)). قوله: ((أعَلَى أفقر مني؟)) أي: أتصدق به على
شخص أفقر مني؟ وفي حديث ابن عمر، أخرجه البزار والطبراني في (الأوسط) ((إلى من
أدفعه؟ قال: إلى أفقر من تعلم)) وفي رواية إبراهيم بن سعد: ((أعلى أفقر من أهلي؟)) ولابن
مسافر: ((أعلى أهل بيت أفقر مني؟)) والأوزاعي: ((أعلى غير أهلي؟)) ولمنصور: ((أعلى أحوج
منا؟)) ولابن إسحاق ((وهل الصدقة إلاّ لي وعلي؟)). قوله: ((فوالله ما بين لابتيها)) اللابتان،
بالباء الموحدة المفتوحة ثم بالتاء المثناة من فوق: عبارة عن حرتين تكتنفان المدينة، وهي

٤٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٠)
تثنية: لابة، والحرة، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: الأرض ذات حجارة سود. قوله:
((يريد الحرتين)»، من كلام بعض رواته، ووقع في حديث ابن عمر المذكور: ((ما بين
حرتيها)) وفي رواية الأوزاعي الآتي في الأدب: ((والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة ... ))
وهو تثنية: طنب، بضم الطاء المهملة والنون: أحد أطناب الخيمة، واستعاره للطرف. قوله:
((أهل بيت أفقر من أهل بيتى)) لفظ: أهل، مرفوع لأنه اسم: ما، النافية. وأفقر، منصوب
لأنه خبرها، ويجوز رفعه على لغة تميم، وفي رواية يونس: ((أفقر مني ومن أهل بيتي؟)) وفي
رواية عقيل: ((ما أحد أحق به من أهلي، ما أحد أحوج إليه مني)) وفي مرسل سعيد من رواية
داود عنه: ((والله ما لعيالي من طعام)). وفي حديث عند ابن خزيمة: ((ما لنا عشاء ليلة)).
قوله: ((فضحك النبي عَِّ حتى بدت أنيابه))، وفي رواية إبن إسحاق: ((حتى بدت
تواجده))، ولأبي قرة في (السنن) عن ابن جريج: ((حتى بدت ثناياه))، قيل: لعلها تصحيف من
أنيابه، فإن الثنايا تتبين بالتبسم غالباً، وظاهر السياق إرادة الزيادة على التبسم، ويحمل ما ورد
في صفته عَّلّ أن ضحكه كان تبسماً غالب أحواله، وقيل: كان لا يضحك إلاَّ في أمر يتعلق
بالآخرة، فإن كان في أمر الدنيا لم يزد على التبسم. وقيل: إن سبب ضحكه عَّه كان من
تباين حال الرجل، حيث جاء خائفاً على نفسه راغباً في فداها مهما أمكنه، فلما وجد
الرخصة طمع أن يأكل ما أعطيه في الكفارة. وقيل: ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه
وحسن تأتيه وتلطفه في الخطاب وحسن توسله في توصله إلى مقصوده. قوله: ((ثم قال:
أطعمه أهلك)) وفي رواية لابن عيينة في الكفارات: ((أطعمه عيالك)). وفي رواية إبراهيم بن
سعد: (فأنتم إذاً)، وقدم ذلك على ذكر الضحك، وفي رواية أبي قرة عن ابن جريج: «ثم
قال: كله))، وفي رواية ابن إسحاق: ((خذها وكلها وأنفقها على عيالك)).
ذكر ما يستفاد منه: قد ذكرنا في الباب الذي قبله ما يتعلق به وبغيره من الأحكام،
فلنذكر هنا ما لم نذكر هناك. ففيه: أن من جاء مستفتياً فيما فيه الاجتهاد دون الحدود
المحدودة أنه لا يلزمه تعزير ولا عقوبة كما لم يعاقب النبي، عَّه، الأعرابي على هتك حرمة
الشهر، قاله عياض: قال: لأن في مجيئه واستفتائه ظهور توبته وإقلاعه، قال: ولأنه لو عوقب
كل من جاء بجيئه لم يستفت أحد غالباً عن نازلة مخافة العقوبة، بخلاف ما فيه حد
محدود، وقد بوب عليه البخاري في كتاب المحاربين: باب من أصاب ذنباً دون الحد،
فأخبر الإمام فلا عقوبة عليه، بعد أن جاء مستفتياً. وفي رواية أبي ذر: مستعتباً، ثم قال
البخاري: وقال ابن جريج: ولم يعاقب الذي جامع في رمضان. فإن قلت: وقع في (شرح
السنة) للبغوي: أن من جامع متعمداً في رمضان فسد صومه. وعليه القضاء والكفارة، ويعزر
على سوء صنيعه. قلت: هو محمول على من لم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من
الندم والتوبة.
وفيه: أن الكفارة مرتبة ككفارة الظهار، وهو قول أكثر العلماء إلاَّ أن مالك بن أنس
زعم أنه مخير بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام، وحكي عنه أنه قال: الإطعام أحب إلي

٤٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٠)
من العتق، ووقع في (المدونة): ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام. وقال
ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدي إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت، غير أن
بعض المحققين من أصحابه حل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على
غيره من الخصال، وذكر أصحابه في هذا وجوهاً كثيرة كلها لا تقاوم ما ورد في الحديث
من تقديم العتق على الصيام، ثم الإطعام.
وفيه: أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور، قال ابن العربي: لأنه،
عَّ طله، نقله من أمر بعد عدمه إلى أمر آخر، وليس هذا شأن التخيير. وقال البيضاوي: ترتب
الثاني بالفاء على فقد الأول، ثم الثالث بالفاء على فقد الثاني، يدل على عدم التخيير، مع
كونها في معرض البيان وجواب السؤال، فينزل منزلة الشرط المحكم. وقيل: سلك الجمهور
في ذلك مسلك الترجيح بأن الذين رووا الترتيب عن الزهري أكثر ممن روى التخيير،
واعترض ابن التين بأن الذين رووا الترتيب ابن عيينة ومعمر والأوزاعي، والذين رووا التخيير
مالك وابن جريج وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي، وأجيب: بأن الذين رووا
الترتيب عن الزهري ثلاثون نفساً أو أكثر، ورجح الترتيب أيضاً بأن راويه حكى لفظ القصة
على وجهها فمعه زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث،
فدل على أنه من تصرف بعض الرواة إما لقصد الاختصار أو لغير ذلك، ويترجح الترتيب أيضاً
بأنه أحوط. وحمل المهلب والقرطبي الأمر على التعدد، وهو بعيد، لأن القصة واحدة والأصل
عدم التعدد، وحمل بعضهم الترتيب على الأولوية والتخيير على الجواز.
وفيه: إعانة المعسر في الكفارة، وعليه بوب البخاري في النذور. وفيه: إعطاء القريب
من الكفارة، وبوب عليه البخاري في النذور. وفيه: إعطاء القريب من الكفارة وبوب عليه
البخاري أيضاً. وفيه: أن الهبة والصدقة لا يحتاج فيهما إلى القبول باللفظ بل القبض كاف،
وعليه بوب البخاري أيضاً. وفيه: أن الكفارة لا تجب إلاّ بعد نفقة من تجب عليه، وقد بوب
عليه البخاري أيضاً في النفقات. وفيه: جواز المبالغة في الضحك عند التعجب لقوله: ((حتى
بدت أنيابه)). وفيه: جواز قول الرجل في الجواب: ويحك، أو: ويلك. وفيه: جواز الحلف
بالله وصفاته، وإن لم يستحلف كما في البخاري. وغيره، ((والذي بعثك بالحق))، وفي رواية
له: ((والله ما بين لابتيها ... )) إلى آخره. وفيه: أن القول قول الفقير أو المسكين وجواز عطائه
مما يستحقه الفقراءة لأنه عَّ له، لم يكلفه البينة حين ادعى أنه ما بين لابتي المدينة أهل بيت
أحوج منهم؟ وفيه: الحلف على غلبة الظن، وإن لم يكلفه البينة حين ادعى أنه ما بين لابتي
المدينة أهل بيت أحوج منهم؟ وفيه: جواز الحلف على غلبة الظن، وإن لم يعلم ذلك
بالدلائل القطعية، لحلف المذكور أنه ليس بالمدينة أحوج منهم مع جواز أن يكون بالمدينة
أحوج منهم لكثرة الفقراء فيها، ولم ينكر عليه النبي عَّ له. وفيه: استعمال الكناية فيما يستقبح
طهوره بصريح لفظه، لقوله: ((وقعت أو أصبت)).
فإن قلت: ورد في بعض طرقه: ((وطئت؟)) قلت: هذا من تصرف الرواة. وفيه: الرفق

٤٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣١)
بالمتعلم والتلطف في التعليم والتأليف على الدين، والندم على المعصية واستشعار الخوف.
وفيه: الجلوس في المسجد لغير الصلاة من المصالح الدينية: كنشر العلم. وفيه: التعاون
على العبادة. وفيه: السعي على خلاص المسلم. وفيه: إعطاء الواحد فوق حاجته الراهنة.
وفيه: إعطاء الكفارة لأهل بيت واحد
٣١ - بابُ المُجامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أهْلَهُ
مِنَ الكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ
أي: هذا باب في بيان حكم الصائم المجامع في رمضان: هل يطعم أهله الكفارة إذا
كانوا محاويج أم لا؟ ولم يذكر جواب الاستفهام اكتفاء بما ذكر من متن الحديث،
والمحاويج قال المطرزي في (المغرب): هم المحتاجون، عامي، قلت: يحتمل أن يكون
جمع: محواج، وهو كثير الحاجة، صيغ على وزن اسم الآلة للمبالغة.
٤٤ / ١٩٣٧ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا جريرٌ عن منْصُورٍ عنِ الزُّهْرِيَّ
عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال جاءَ رَجُلٌ إلَى النبيِّ
عَِّ فقال إنَّ الآخِرَ وقعَ عَلَى امْرَأْتِهِ فِي رَمَضَانَ فقال أَتَجِدُ ما تُحَرِّرُ رقَبةً قال لاَ قال
أَفَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قال لاَ قال أَفَتَجِدُ ما تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِيناً قال لاَ قال
فأُبِيَ النّبِيُّ عَ لَه بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ قال أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قال عَلَى أَحْوَجِ مِنَّا ما بَيْنَ
لابَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَخْوَجُ مِنَّا قال فأطْعِمْهُ أَهْلَكَ. [انظر الحديث ١٩٣٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأطعمه أهلك))، وجرير هو: بفتح الجيم: ابن عبد الحميد،
ومنصور هو ابن المعتمر، والزهري محمد بن مسلم، وقد ذكروا غير مرة. قوله: ((عن الزهري
عن حميد))، كذا هو في رواية الأكثرين من أصحاب منصور عنه، وخالفه مهران بن أبي عمر
فرواه عن الثوري بالإسناد عن سعيد بن المسيب بدل حميد بن عبد الرحمن، أخرجه ابن
خزيمة وهو شاذ، والمحفوظ هو الأول. قوله: ((إن الآخر)) فيه قصر الهمزة ومدها بعدها خاء
معجمة مكسورة، وهو من يكون آخر القوم، وقيل: هو المدبر المتخلف، وقيل: الأرذل،
وقيل: معناه أن الأبعد، على الذم. قوله: ((رقبة)) بالنصب، قيل: إنه بدل من لفظة ما تحرر
قلت: بل هو منصوب على أنه مفعول: تحرر، فافهم، وبقية الكلام فيه قد مرت فيما مضى
مستوفاة. والله أعلم.
:
٣٢ - بابُ الحِجَامَةِ والْقَيءِ لِلْضَّائِمِ
أي: هذا باب في بيان أحكام الحجامة والقيء هل يرخصان للصائم أو لا؟ وإنما أطلق
ولم يذكر الحكم لمكان الخلاف فيه، ولكن الآثار التي أوردها في هذا الباب تشعر بأنه عدم
الإفطار بهما. وقال بعضهم: باب الحجامة والقيء للصائم، أي: هل يفسدان هما أو أحدهما
الصوم؟ قلت: اللام في قوله: ((للصائم))، تمنع هذا التقدير الذي قدره، ولا يخفى ذلك على
من له أدنى ذوق من أحوال التركيب، قيل: جمع بين القيء والحجامة مع تغايرهما، وعادته
عمدة القاري/ ج١١ م٤

٥٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
تفريق التراجم إذا نظمهما خبر واحد فضلاً عن خبرين، وإنما صنع ذلك لاتحاد مأخذهما،
لأنهما إخراج، والإخراج لا يقتضي الإفطار.
وقالٍ لِي يَحْيَى بنُ صَالِحِ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلاَّم قال حدَّثنا یَحیی عنْ عُمَرَ بِنِ
الحَكَمَ بن ثَوْبانَ سَمِعَ أبّا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يقُولُ إذَا قاءَ فَلاَ يُفْطِرُ إنَّما
يُخْرُ ولاَ يُولِجُ
عادة البخاري إذا أسند شيئاً من الموقوفات يأتي بهذه الصيغة، ويحيى بن صالح أبو
زكريا الوحاظي الحمصي ومعاوية بن سلام، بتشديد اللام، مر في كتاب الكسوف، ويحيى
هو ابن أبي كثير، وعمر بن الحكم، بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين: ابن ثوبان، بالثاء
المثلثة: الحجازي أبو حفص المدني.
قوله: ((إذا قاء)) أي الصائم: قوله: ((وإنما يخرج))، من الخروج. قوله: ((ولا يولج))، من
إيلاج، أي: لا يدخل، المعنى: أن الصوم لا ينقض إلا بشيء يدخل، ولا ينقض بشيء يخرج.
وفي رواية الكشميهني أنه يخرج ولا يولج، أي: أن القيء يخرج ولا يدخل، وهذا الحصر
منقوض بالمني، فإنه مما يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة.
وهذا الحديث رواه الأربعة مرفوعاً من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين
عن أبي هريرة، أن النبي عَّ له قال: ((من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً
فليقض)). وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام
عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي، عَلَّهِ: إلاَّ من حديث عيسى بن يونس، قال: وقد
روي هذا الحديث من غيره وجهه عن أبي هريرة عن النبي عَّهِ، ولا يصح إسناده. وقال
البخاري: لم يصح، وإنما يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وعبد الله
ضعيف، ورواه الدارمي من طريق عيسى بن يونس، ونقل عن عيسى أنه قال: زعم أهل البصرة
أن هشاماً وهم فيه، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ليس من ذا شيء. وقال الخطابي:
يريد أنه غير محفوظ، وقال ابن بطال: تفرد به عيسى وهو ثقة إلاَّ أن أهل الحديث أنكروه
عليه، ووهم عندهم فيه. وقال أبو علي الطوسي: هو حديث غريب، والصحيح رواية أبي
الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد: ((أن النبي عَّ المه قاء فأفطر)). وقال الترمذي حديث أبي الدرداء
أصح شيء في القيء والرعاف.
قلت: حديث أبي الدرداء رواه الأربعة ورواه الطحاوي، قال: حدثنا ابن مرزوق، قال:
حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي عن حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير
عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن يعيش بن الوليد عن أبيه عن معدان بن طلحة ((عن
أبي الدرداء أن النبي عَّه قاء فأفطر، قال: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، قلت: إن أبا
الدرداء أخبرني أن رسول الله عَّ له قاء فأفر، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه)). ثم قال
الطحاوي: فذهب قوم إلى أن الصائم إذا قاء أفطر، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. قلت:

٥١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
أراد بالقوم: عطاء والأوزاعي وأبا ثور. ثم قال الطحاوي، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: إن
استقاء أفطر، وإن ذرعه القيء - أي: سبقه - وغلب عليه لم يفطر، وأراد بالآخرين: القاسم ابن
محمد والحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والشعبي وعلقمة
والثوري وأبا حنيفة وأصحابه ومالكاً والشافعي وأحمد وإسحاق، ويروى ذلك عن علي وابن
عباس وابن مسعود وعبد الله بن عمر وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم، وقد قام الإجماع
على أن من ذرعه القيء لا قضاء عليه، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن الاستقاء مفطر،
ونقل العبدري عن أحمد أنه قال: من تقيأ فاحشاً أفطر، وقال الليث والثوري والأربعة بالقضاء،
وعليه الجمهور، وعن ابن مسعود وابن عباس: أنه لا يفطر، ولكن في (مصنف) ابن أبي شيبة
بإسناده عن ابن عباس: أنه إذا تقيأ أفطر، ونقل ابن التين عن طاوس عدم القضاء، قال: وبه قال
ابن بكير، وقال ابن حبيب: لا قضاء عليه في التطوع دون الفرض، وقال الأوزاعي وأبو ثور:
عليه القضاء والكفارة مثل كفارة الأكل عامداً في رمضان، وهو قول عطاء، واحتجوا بحديث
أبي الدرداء المذكور الذي أخرجه ابن حبان والحاكم أيضاً في (صحيحيهما) وأجاب أبو
عمر: أنه ليس بالقوي. وقال الطحاوي: قد يجوز أن يكون قوله: ((فأفطر)) أي: ضعف فأفطر،
ويجوز هذا في اللغة يعني: يجوز هذا التقدير في اللغة، لتضمن مثل ذلك لعلم السامع به كما
في حديث فضالة، ولكني قئت فضعفت عن الصيام فأفطرت، وليس فيه أن القيء كان
مفطراً. وقال الترمذي: معنى هذا الحديث أن النبي عَ لّ أصبح صائماً متطوعاً فقاء فضعف
فأفطر لذلك، هكذا روي في بعض الحديث مفسراً، وأجاب البيهقي بأن هذا الحديث
مختلف في إسناده فإن صح فمحمول على العامد، وكأنه كان، عَّلَّهِ، متطوعاً بصومه.
وحديث فضالة رواه الطحاوي حدثنا ربيع المؤذن، قال: ((حدثنا أسد قال: حدثنا ابن
لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، قال: حدثنا أبو مرزوق عن حنش عن فضالة بن عبيد،
قال: دعى رسول الله عَّ له بشراب فقال له: ألم تصبح صائماً يا رسول الله؟ قال: بلى، ولكن
قئت)). وأخرجه الطبراني والبيهقي أيضاً، وأبو مرزوق اسمه: حبيب بن الشهيد، وقيل: زمعة
ابن سليم، قال العجلي: مصري تابعي ثقة، وروی له أبو داود وابن ماجه، وحنش هو ابن عبد
الله الصنعاني، صنعاء دمشق، روى له الجماعة غير البخاري، فإن قلت: ابن لهيعة فيه مقال؟
قلت: الطحاوي أخرجه من أربع طرق: الأول: ما ذكرناه الذي فيه ابن لهيعة والبقية عن أبي
بكرة عن روح وعن محمد بن خزيمة عن حجاج وعن حسين بن نصر عن يحيى بن حسان،
قالوا: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق
عن حنش عن فضالة .. إلى آخره، وقال الترمذي: والعمل عند أهل العلم على حديث أبي
هريرة عن النبي عَّةِ أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمداً فليقض، وبه
يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق. وقال ابن المنذر: وهو قول كل من يحفظ
عنه العلم، قال: وبه أقوال. قال أصحابنا: ويستوي فيه ملء الفم وما دونه لإطلاق حديث أبي
هريرة المرفوع، فإن عاد وكان ملء الفم لا يفسد صومه عند أبي حنيفة ومحمد، قال في

٥٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
(المحيط): وهو الصحيح، وذكر في (قاضيخان) عن محمد وجده، وعند أبي يوسف يفسد
وإن أعاده، وكان أقل من ملء الفم يفسد عند محمد وزفر، وهذا إذا تقيأ مرة أو طعاماً أو
ماء، فإن تقيأ ملء فيه بلغماً لا يفسد عندهما، خلافاً لأبي يوسف.
ويُذْكَرُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ
:
يذكر على صيغة المجهول علامة التمريض، يعني: إذا قاء الصائم يفطر، يعني: ينتقض
صومه، ذكره الحازمي عنه رواية عن بعضهم، ويمكن الجمع بين قوليه بأن قوله: لا يفطر،
يحمل على ما فصل في حديثه المرفوع، ويحمل قوله: أنه يفطر، على ما إذا تعمد القيء.
والأوَّلُ أُصَحُ
أي: عدم الإفطار أصح. قال: الكرماني أو الإسناد الأول؟ قلت: هو قوله: وقال لي
يحيى بن صالح: حدثنا معاوية بن سلام ... إلى آخره.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ وعِكْرِمَةُ الْفِطْرِ مِمَّا دَخَلَ ولَيْسَ مِمَّا خَرَجَ
هذان التعليقان رواهما ابن أبي شيبة. فالأول: قال: حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي
ظبيان عن ابن عباس في الحجامة للصائم، فقال: الفطر مما يدخل وليس مما يخرج.
والثاني: رواه ابن أبي شيبة عن هشيم عن حصين عن عكرمة مثله.
وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَحْتَجِمُ وهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ
فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا التعليق وصله مالك في (الموطأ) عن نافع عن ابن عمر
أنه احتجم وهو صائم، ثم ترك ذلك فكان إذا صام يحتجم حتى يفطر، وقال ابن أبي شيبة:
حدثنا ابن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان ... فذكره، وحدثنا وكيع عن هشام بن
الغاز، وحدثنا ابن إدريس عن يزيد عن عبد الله عن نافع بزيادة، فلا أدري لأي شيء تركه
كرهه أو للضعف؟ وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: وكان ابن عمر
كثير الاحتياط، فكأنه ترك الحجامة نهاراً لذلك.
واحتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلاً
أبو موسى الأشعري، اسمه: عبد الله بن قيس، هذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن
محمد بن أبي عدي عن حميد عن بكير بن عبد الله المزني عن أبي العالية، قال: دخلت
على أبي موسى وهو أمير البصرة ممسياً فوجدته يأكل تمراً وكامخاً وقد احتجم، فقلت له: ألا
تحتجم بنهار؟ قال: أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم؟
ويُذْكَرُ عنْ سَغدٍ وزَيْدٍ بِنِ أزْقَمَ وَأُمُّ سَلَمَةَ اخْتَجَمُوا صِياماً
سعد هو ابن أبي وقاص أحد العشرة، وزيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي، وأم

٥٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
سلمة أم المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أمية. قوله: ((صياماً) أي: صائمين، نصب على
الحال، وإنما ذكر هذا بصيغة التمريض لسبب يظهر بالتخريح. أما أثر سعد فوصله مالك في
(الموطأ) عن ابن شهاب: أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر كانا يحتجمان وهما
صائمان، وهذا منقطع عن سعد، لكن ذكره أبو عمر من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه.
وأما أثر زيد بن أرقم فوصله عبد الرزاق عن الثوري عن يونس بن عبد الله الجرمي عن دينار،
حجمت زيد بن أرقم، ودينار هو الحجام مولى جرم، بفتح الجيم: لا يعرف إلاَّ في هذا
الأثر. وقال أبو الفتح الأزدي: لا يصح حديثه. وأما أثر أم سلمة فوصله ابن أبي شيبة من
طريق الثوري أيضاً عن فرات عن مولى أم سلمة: أنه رأى أم سلمة تحتجم وهي صائمة،
وفرات هو ابن أبي عبد الرحمن ثقة، ولكن مولى أم سلمة مجهول الحال.
وقال بُكيرٌ عنْ أُمَّ عَلقَمَةَ كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةً فَلا تَنْهَى
بكير، بضم الباء الموحدة: ابن عبد الله بن الأشج، واسم أم علقمة مرجانة سماها
البخاري، وذكرها ابن حبان في (الثقات)، وهذا التعليق وصله البخاري في تاريخه من طريق
مخرمة بن بكير عن أم علقمة قال: كنا نحتجم عند عائشة ونحن صيام، وبنو أخي عائشة فلا
تنهاهم. قوله: ((فلا تنهى))، بفتح التاء المثناء من فوق، وسكون النون أي: فلا تنهى عائشة عن
الاحتجام. ويروى: ((فلا تُنْهَى))، بضم النون الأولى التي للمتكلم مع الغير، وسكون الثانية
على صيغة المجهول.
ويُرْوَى عنِ الحَسَنِ عنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعاً
فقال أفْطَرَ الحَاجِمُ والمَخجُومُ
أي: ويروى عن الحسن البصري عن غير واحد من الصحابة مرفوعاً إلى النبي عَ لَّه.
قوله: ((فقال)) بالفاء، ويروى: قال، بدون الفاء، وأشار بهذا إلى أنه روى عن الحسن عن
جماعة من الصحابة عن النبي عَ لّم أنه قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وهم أبو هريرة
وثوبان ومعقل بن يسار وعلي بن أبي طالب وأسامة، رضي الله تعالى عنهم.
أما حديث أبي هريرة فرواه النسائي قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد
الوهاب عن يونس عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي عَّ له، قال: ((أفطر الحاجم
والمحجوم))،. ثم قال: النسائي، ذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي هريرة فيه، ثم روى من
حديث أبي عمرو عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عَّه: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، ثم
قال: وقفه إبراهيم بن طهمان، ثم روى من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة،
قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، ثم رواه من طريق آخر من حديث شقيق بن ثور عن أبي
هريرة، قال: يقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، أما أنا فلو احتجمت ما باليت، أبو هريرة
يقول هذا. ثم روى من حديث عطاء عن أبي هريرة قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وفي
لفظ عن عطاء عن أبي هريرة، ولم يسمعه منه، قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وفي لفظ

٥٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
عن عطاء عن رجل عن أبي هريرة، قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)).
وأما حديث: ثوبان فقال علي بن المديني: روى حديث ((أفطر الحاجم
والمحجوم))، قتادة عن الحسن عن ثوبان، وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية
أبي قلابة أن أبا أسماء الرحي حدثه: أن ثوبان مولى رسول الله عَّهِ أخبره أنه سمع النبي،
عَّله، قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)). وأخرجه الحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وأما حديث معقل بن يسار فرواه النسائي من رواية سليمان بن معاذ، ((عن عطاء بن
السائب، قال: شهد عندي نفر من أهل البصرة منهم الحسن عن معقل بن يسار، أن رسول
الله، عَّله، رأى رجلاً يحتجم وهو صائم، فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)).
وأما حديث علي، رضي الله تعالى عنه، فرواه النسائي أيضاً من رواية سعد بن أبي
عروبة عن مطر عن الحسن عن علي عن النبي عَّ له قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)).
وأما حديث أسامة بن زيد فرواه النسائي من رواية أشعث بن عبد الملك عن الحسن
عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله عَ له: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، قال النسائي:
ولم يتابع أشعثَ أحدٌ علمناه على روايته. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: قد تابعه عليه
يونس بن عبيد، إلاّ أنه من رواية عبيد الله بن تمام عن يونس، رواه البزار في (زيادات المسند)
وقال: وعبيد الله هذا فغير حافظ. انتهى.
وقد اختلف فيه على الحسن، فقيل عنه هكذا، وقيل: عنه عن ثوبان، وقيل: عنه عن
علي، وقيل: عنه عن معقل بن يسار، وقيل: عن معقل بن سنان، وقيل: عنه عن أبي هريرة،
وقيل: عنه عن سمرة. قال شيخنا: ويمكن أن يكون ليس باختلاف، فقد روي عن الحسن عن
رجال ذوي عدد من أصحاب النبي عَ ◌ّةٍ إلاّ أن بعض من سمي من الصحابة لم يسمع منه
الحسن، منهم: علي وثوبان وأبو هريرة على ما قيل، وقال ابن عبد البر: حديث أسامة ومعقل
ابن سنان وأبي هريرة معلولة كلها، لا يثبت منها شيء من جهة النقل.
واعلم أنه قد روي في هذا الباب عن رافع بن خديج عن النبي عَّ قال: ((أفطر
الحاجم والمحجوم))، رواه الترمذي وتفرد به، وأخرجه الحاكم في (المستدرك) وروى عن
علي بن المديني قال: لا أعلم في الحاجم والمحجوم حديثاً أصح من هذا. وأخرجه البزار
في (زيادات المسند) من طريق عبد الرزاق عن معمر، وقال: لا نعلم يروى عن رافع عن النبي
عَّ الله إلاَّ من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقال أحمد: تفرد به معمر، وروي أيضاً عن شداد بن
أوس رواه أبو داود والنسائي من رواية أبي قلابة عن أبي الأشعث ((عن شداد بن أوس، أن
رسول الله عَّم قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، أتى عليَّ رجل بالبقيع وهو آخذ بيدي
لثماني عشر خلت من رمضان، فقال: إن رسول الله عَطِّ قال: ((أفطر الحاجم
والمحجوم))، وعن عائشة، رضي الله تعالى عنها، رواه النسائي من رواية ليث عن عطاء عن

٥٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
عائشة أن النبي عَّ الله قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وليث هو ابن سليم مختلف فيه،
وعن ابن عباس رواه النسائي أيضاً من رواية قبيصة بن عقبة، حدثنا مطر عن عطاء عن ابن
عباس، قال: قال النبي ◌َّهِ: ((أفطر الحاجم والمحجوم)، ورواه البزار أيضاً، قال: ورواه غير
واحد عن مطر عن عطاء مرسلاً، وعن أبي موسى رواه النسائي من حديث أبي رافع، قال:
دخلت على أبي موسى .. الحديث، وفيه: سمعت رسول الله عَّم يقول: ((أفطر الحاجم
والمحجوم)»، وعن بلال، رضي الله تعالى عنه، رواه النسائي أيضاً من رواية شهر عن بلال
عن النبي، عَّله، قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وعن ابن عمر رواه ابن عدي من رواية
نافع عنه، قال: قال رسول الله، عَّله: ((أفطر الحاجم والمحجوم)).
وعن ابن مسعود رواه العقيلي في (الضعفاء) من رواية الأسود عنه، قال: ((مر بي النبي
عَّ له على رجلين يحجم أحدهما الآخر، فاغتاب أحدهما ولم ينكر عليه الآخر، فقال: ((أفطر
الحاجم والمحجوم)). وعن جابر رواه البزار من رواية عطاء عنه أن النبي عَ لّم قال: ((أفطر
الحاجم والمحجوم)). وعن سمرة أيضاً من رواية الحسن عن سمرة أن النبي عَ ◌ّه قال:
((أفطر الحاجم والمحجوم)). وعن أبي زيد الأنصاري رواه ابن عدي من حديث أبي قلابة
عنه، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وعن أبي الدرداء ذكره
النسائي عند ذكر طرق حديث عائشة في الاختلاف على ليث، ولما روى الطحاوي حديث
أبي رافع وعائشة وثوبان وشداد بن أوس وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم، قال: فذهب قوم
إلى أن الحجامة تفطر الصائم حاجماً كان أو محجوماً، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار أي:
أحاديث هؤلاء المذكورين. قلت: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والأوزاعي ومسروقاً
ومحمد بن سيرين وأحمد بن حنبل وإسحاق، فإنهم قالوا: الحجامة لا تفطر مطلقاً. ثم قال
الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا تفطر الحجامة حاجماً أو محجوماً. قلت:
أراد بهم: عطاء بن يسار والقاسم بن محمد وعكرمة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وسفيان
الثوري وأبا العالية وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً ومالكاً والشافعي وأصحابه إلاّ ابن المنذر
فإنهم قالوا: الحجامة لا تفطر، ثم قال: وممن روينا عنه ذلك من الصحابة سعد بن أبي
وقاص والحسين بن علي وعبد الله بن مسعود وابن زيد وابن عباس وزيد بن أرقم وعبد الله
بن عمر وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة، رضي الله تعالى عنهم.
ثم أجاب الطحاوي عن الأحاديث المذكورة بأنه: ليس فيها ما يدل على أن الفطر
المذكور فيها كان لأجل الحجامة، بل إنما ذلك كان لمعنى آخر، وهو: أن الحاجم
والمحجوم كانا يغتابان رجلاً، فلذلك قال عَّلِ ما قال، وكذا قال الشافعي، رحمه الله،
فحمل: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، بالغيبة على سقوط أجر الصوم، وجعل نظير ذلك أن
بعض الصحابة قال للمتكلم يوم الجمعة: لا جمعة لك، فقال النبي، عَ ◌ّهِ: صدق، ولم يأمره
بالإعادة، فدل على أن ذلك محمول على إسقاط الأجر. قال الطحاوي: وليس إفطارهما ذلك
كالإفطار بالأكل والشرب والجماع، ولكن حبط أجرهما باغتيابهما، فصارا بذلك

٥٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
كالمفطرين، لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء، وهذا كما قيل: الكذب يفطر الصائم، ليس
يراد به الفطر الذي يوجب القضاء، إنما هو على حبوط الأجر. قال: وهذا كما يقول: فسق
القائم، ليس معناه أنه فسق لأجل قيامه، ولكنه فسق لمعنى آخر غير القيام، ثم روى بإسناده
عن أبي سعيد الخدري، قال: إنما كرهنا الحجامة للصائم من أجل الضعف، وروى أيضاً عن
جابر بن أبي جعفر وسالم عن سعيد ومغيرة عن إبراهيم وليث عن مجاهد عن ابن عباس،
قال: إنما كرهت الحجامة للصائم مخافة الضعف. انتهى.
وقد ذكرت وجوه أخرى. منها ما قيل: إن فيها التعرض للإفطار، أما المحجوم
فللضعف وأما الحاجم فلأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه من طعم الدم، وهذا كما يقال للرجل
يتعرض للهلاك: قد هلك فلان، وإن كان سالماً، وكقوله: من جعل قاضياً فقد ذبح بغير
سكين، يريد أنه قد تعرض للذبح لا أنه ذبح حقيقة. ومنها ما قيل: إنه عَّهِ مر بهما مساء،
فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، فكأنه عذرهما بهذا، أو كانا أمسيا ودخلا في وقت
الإفطار، قاله الخطابي. ومنها ما قيل: إن هذا على التغليظ لهما، كقوله: ((من صام الدهر لا
صام ولا أفطر)). ومنها ما قيل: إن معناه: جاز لهما أن يفطرا كقوله: أحصد الزرع، إذا حان أن
يحصد. ومنها ما قيل: إن أحاديث الحاجم والمحجوم منسوخة بحديث ابن عباس الذي
يأتي عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وقال لِي عَيَّاش قال حدَّثنا عَبْدُ الأُعْلَى قال حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ قِيلَ لَهُ
عنِ النبيِّ عَّهِ قال نَعَمْ ثُمَّ قال الله أعلم
عياش، بتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة: ابن الوليد الرقام القطان، أبو
الوليد البصري، وعبد الأعلى ابن عبد الأعلى الشامي القرشي البصري، ويونس هو ابن عبيد
ابن دينار البصري التابعي، يروي عن الحسن البصري التابعي والإسناد كله بصريون.
قوله: ((مثله))، أي: مثل ما ذكر من ((أفطر الحاجم والمحجوم))، وقد أخرجه البخاري
في (تاريخه) والبيهقي من طريقه، قال: حدثني عياش ... فذكره. قوله: ((قيل له)) أي: الحسن
((عن النبي عَّله)) الذي تحدث به من أفطر الحاجم والمحجوم؟، قال: نعم من النبي
عَّ الله، وأشار بقوله: ((الله أعلم)) إلى أنه تردد في ذلك ولم يجزم بالرفع. وقال الكرماني: ((والله
أعلم))، يستعمل في مقام التردد، ولفظ: نعم، حيث قال أولاً يدل على الجزم. ثم قال: قلت:
جزم حيث سمعه مرفوعاً إلى النبي عَّه، وحيث كان خبر الواحد غير مفيد لليقين أظهر
التردد فيه، أو حصل له بعد الجزم تردد، أو لا يلزم أن يكون استعماله للتردد. والله أعلم.
وقال بعضهم: وحمل الكرماني ما جزمه على وثوقه بخبر من أخبر به، وتردده لكونه خبر
واحد فلا يفيد اليقين، وهو حمل في غاية البعد. انتهى. قلت: استبعاده في غاية البعد، لأن
من سمع خبراً مرفوعاً إلى النبي، عَّهِ، من رواة ثقات يجزم بصحته، ثم إنه إذا نظر إلى كونه
أنه خبر واحد وأنه لا يفيد اليقين يحصل له التردد بلا شك، وقد أجاب الكرماني بثلاثة

٥٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
أجوبة، فجاء هذا القائل واستبعد أحد الأجوبة من غير بيان وجه البعد، وسكت عن الآخرين.
٤٥ / ١٩٣٨ - حدّثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ
عَبَّاس رضي الله تعالى عنهُمَا أَنَّ النبيَّ عَّهِ اخْتَجَمَ وهْوَ مُحرِمٌ واحْتَجَمَ وهْوَ صَائِمٌ. [انظر
الحديث ١٩٣٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا، فمعلى، بضم الميم وتشديد اللام
المفتوحة، مر في الحيض، ووهيب تصغير وهب مر غير مرة، وأيوب السختياني كذلك.
والحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي أيضاً من رواية عبد الوارث وأخرجه
النسائي أيضاً من رواية حماد بن زيد متصلاً، ومرسلاً من غير ذكر ابن عباس، ورواه مرسلاً
من رواية إسماعيل بن علية ومعمر عن أيوب عن عكرمة، ومن رواية جعفر بن ربيعة عن
عكرمة مرسلاً، وروى الترمذي من رواية مقسم ((عن ابن عباس: أن النبي، عَِّ، احتجم فيما
بين مكة والمدينة وهو محرم صائم)). ورواه من حديث محمد بن عبد الله الأنصاري عن
حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران ((عن ابن عباس: أن النبي، عَّلِ، احتجم وهو صائم)).
وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه النسائي أيضاً بإسناد الترمذي وزاد: وهو محرم، وقال:
هذا حديث منكر لا أعلم أحداً رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد أن النبي، عَ لّهِ،
تزوج ميمونة.
وقال: وفي الباب عن أبي سعيد وجابر وأنس قلت: وعن ابن عمر أيضاً وعائشة ومعاذ
وأبي موسى. وأما حديث أبي سعيد فرواه النسائي من رواية أبي المتوكل ((عن أبي سعيد،
قال: رخص رسول الله، عَّه، في القبلة للصائم والحجامة)). وأما حديث جابر فرواه النسائي
أيضاً من رواية أبي الزبير عنه: ((أن النبي، عَّهِ، احتجم وهو صائم)). وأما حديث أنس فرواه
الدارقطني من رواية ثابت عنه وفيه: ((ثم رخص النبي، عَّه، بعد في الحجامة للصائم)). وأما
حديث ابن عمر فرواه ابن عدي في (الكامل) من رواية نافع عنه قال: ((احتجم رسول الله،
عَّه، وهو صائم محرم، وأعطى الحجام أجره)). وأما حديث عائشة فرواه ابن أبي حاتم في
(العلل) من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها: ((أن النبي عَّ له احتجم وهو صائم)».
وقال: هذا حديث باطل، وفي إسناده محمد بن عبد العزيز ضعيف. وأما حديث معاذ فرواه
ابن حبان في (الضعفاء) من حديث جبير بن نفير عنه ((أن النبي عَّ احتجم وهو صائم)).
وأما حديث أبي موسى فرواه ابن أبي حاتم في (العلل) عن أبيه قال: سمعت أبي يقول - وهو
محمد بن سلمة في الحديث الذي يرويه عن زياد بن أبي مريم - أنه دخل على أبي موسى
وهو يحتجم وهو صائم، وقد مر حديث أبي موسى في هذا الباب، رواه ابن أبي شيبة. وقد
ذكرنا عن قريب أن أحاديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، منسوخة.
قال المنذري: حديث ابن عباس ناسخ، لأن في حديث شداد بن أوس أن النبي عَّة.
قال في عام الفتح في رمضان لرجل كان يحتجم: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، والفتح

٥٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٢)
كان في سنة ثمان. وحديث ابن عباس كان في حجة الوداع في سنة عشر فهو متأخر ينسخ
المتقدم، فإن ابن عباس لم يصحب النبي عَ ◌ٍّ وهو محرم إلاّ في حجة الإسلام، وفي حجة
الفتح لم يكن النبي عَّ له محرماً، وقد أشار الإمام الشافعي إلى هذا. ومما يصرح فيه بالنسخ
حديث أنس بن مالك، أخرجه الدارقطني: حدثنا عمر بن محمد بن القاسم النيسابوري،
حدثنا محمد بن خالد بن زيد الراسبي حدثنا مسعود بن جويرية: حدثنا المعافى بن عمران
عن ياسين الزيات عن يزيد الرقاشي ((عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله
عَّل احتجم وهو صائم بعدما قال: أفطر الحاجم والمحجوم))، وهذا صريح بانتساخ حديث:
((أفطر الحاجم والمحجوم))، واعترض ابن خزيمة بأن في هذا الحديث - يعني حديث الباب
- أنه كان صائماً محرماً. قال: ولم يكن قط محرماً مقيماً ببلده، إنما كان محرماً وهو مسافر،
وللمسافر إن كان ناوياً للصوم فمضى عليه بعض النهار وهو صائم، الأكل والشرب على
الصحيح، فإذا جاز له ذلك جاز له أن يحتجم وهو مسافر. قال: وليس في خبر ابن عباس ما
يدل على إفطار المحجوم، فضلاً عن الحاجم. وأجيب: بأن الحديث ما ورد هكذا إلاّ
لفائدة، فالظاهر أنه وجدت منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه، واستمر. وقال ابن
حزم: صح حديث ((أفطر الحاجم والمحجوم))، بلا ريب فيه، لكن وجدنا من حديث أبي
سعيد ((أرخص النبي عَّم محرماً في الحجامة للصائم))، وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به
لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو
محجوماً، وقد مر حديث أبي سعيد عن قريب.
١٩٣٩/٤٦ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا أَيُوبُ عنْ عِكْرِمَةَ
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال احْتَجَمَ النبيُّ عَّهِ وَهْوَ صَائِمٌ. [انظر الحديث
١٨٣٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو معمر، بفتح الميمين: اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي
الحجاج المنقري المقعد، وعبد الوارث ابن سعيد التميمي العنبري مولاهم البصري، وأيوب
هو السختياني، وهذا طريق آخر في حديث ابن عباس، وأخرج الطحاوي هذا الحديث من
عشر طرق، وأخرجه أبو داود عن أبي معمر عن عبد الوارث ... إلى آخره نحو رواية البخاري،
وقال الإسماعيلي: حدثنا الحسن حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة، فلم
يذكر ابن عباس. واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله، وقد بين ذلك النسائي، وقال
مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس فيه صائم، إنما هو: وهو محرم، ثم ساق
من طرق ابن عباس، لكن ليس فيها طريق أيوب هذه، والحديث صحيح لا شك فيه، وروى
ابن سعد في كتابه: عن هاشم بن القاسم عن شعبة عن الحاكم ((عن مقسم عن ابن عباس،
رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله، عَّله، احتجم بالقاحة وهو صائم)). قلت: القاحة، بالقاف
والحاء المهملة: على ثلاثة مراحل من المدينة قبل السقيا بنحو ميل.

٥٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٣)
٤٧/ ١٩٤٠ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ ثابتا الْبُنَانيَّ
يَسْألُ أَنَسَ بنَ مالِكٍ رضي الله تعالى عنهُ أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ قال لاَ إِلاَّ مِنْ
أجْلِ الضَّغْفِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد مروا غير مرة.
قوله: (البناني))، بضم الباء الموحدة وبالنونين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، ونسبة
إلى بنانة وهم ولد سعد بن لؤي. قوله: ((يسأل)) على صورة المضارع المبني للفاعل، وهو
رواية أبي الوقت وهذا غلط، لأن شعبة ما حضر سؤال ثابت عن أنس، وقد سقط منه: رجل،
بين شعبة وثابت، فرواه الإسماعيلي وأبو نعيم والبيهقي من طريق جعفر بن محمد القلانسي
وأبي قرصافة محمد بن عبد الوهاب وإبراهيم بن الحسين بن يزيد، كلهم عن آدم ابن أبي
إياس شيخ البخاري فيه مقال عن شعبة عن حميد، قال: سمعت ثابتاً وهو يسأل أنس بن
مالك، فذكر الحديث، وأشار الإسماعيلي والبيهقي إلى أن الرواية التي وقعت للبخاري خطأ،
وأنه سقط منه: حميد، قلت: الخطأ من غير البخاري لأنه كان يعلم أن شعبة لم يحضر سؤال
ثابت عن أنس ولا أدرك أنساً، وأكثر أصول البخاري سمعت ثابتاً البناني قال: سأل أنس بن
مالك.
وزَادَ شَبابَةُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النبيِّ عَ له
شبابة بفتح الشين المعجمة وبالباءين الموحدتين أولاهما خفيفة: وهو ابن سوار
الفزاري مولاهم أبو عمرو المدائني، أصله من خراسان. ويقال: اسمه مروان، وإنما غلب عليه
شبابة، وهذه الزيادة أخرجها ابن منده في (غرائب شعبة) فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن
حاتم حدثنا عبد الله بن روح حدثنا شبابة حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المتوكل عن أبي
سعيد، وبه: عن شبابة عن شعبة عن حميد عن أنس نحوه، وهذا يؤكد صحة اعتراض
الإسماعيلي ومن تبعه، ويشعر بأن الخلل ليس من البخاري، إذ لو كان إسناد شبابة عنده
مخالفاً لإسناد آدم لبيّته، والله أعلم.
٣٣ - بابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ والإِفْطَارِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصوم في السفر وحكم الإفطار فيه، هل هما مباحان فيه
أو المكلف مخير فيه سواء في رمضان أو غيره؟
١٩٤١/٤٨ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيانُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيّ أنَّهُ
سَمِعَ ابنَ أبِي أَوْفى رضي الله تعالى عنهُ قال كُنَّا مَعَ رسولِ اللهِ عَ لَه فِي سَفَرٍ فقال لِرَجُلٍ
انْزِلْ فاجْدَخْ لِي قال يا رسولَ اللهِ الشَّمْسَ قال انْزِلْ فاجْدَح لي قال يا رسولَ اللهِ الشَّمسُ
قال انْزلْ فاجْدَعْ لِي فَتَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَهُنَا ثُمَّ قال إذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ
مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ. [الحديث ١٩٤١ - أطرافه في: ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨،
٥٢٩٧].

٦٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٣٣)
مطابقته للترجمة من حيث إنه، عَّهِ، كان صائماً في سفره هذا، وهو مطابق للجزء
الأول من الترجمة.
ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: علي بن عبد الله بن جعفر الذي يقال له ابن المديني،
وقد تكرر ذكره. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: أبو إسحاق الشيباني واسمه: سليمان بن
أبي سليمان، واسمه: فيروز الشيباني نسبة إلى شيبان بن وهل بن ثعلبة وشيبان في قبائل.
الرابع: عبد الله بن أبي أوفى، واسمه: علقمة الأسلمي، وهذا هو أحد من رواه أبو حنيفة
الإمام، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضع. وفيه: السماع في موضع. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه بصري وسفيان
مكي وأبو إسحاق كوفي. والحديث من الرباعيات.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصوم عن مسدد وعن
أحمد بن يونس، وفي الطلاق عن علي بن عبد الله عن جرير. وأخرجه مسلم في الصوم عن
يحيى بن يحيى عن هشيم وأبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي كامل الجحدري وعن ابن أبي
عمرو عن إسحاق بن إبراهيم وعن عبيد الله بن معاذ وعن محمد بن المثنى. وأخرجه أبو داود
فيه عن مسدد به، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور عن سفيان به.
ذكر معناه قوله: ((كنا مع رسول الله عَّهِ في سفر))، وفي رواية مسلم: ((كنا مع
رسول الله عَِّ في سفر في شهر رمضان))، قيل: يشبه أن يكون سفر غزوة الفتح، والدليل
عليه رواية هشيم عن الشيباني عند مسلم بلفظ: ((كنا مع رسول الله عَُّله في سفر في شهر
رمضان)) وسفره عَّ في رمضان منحصر في غزوة بدر، وفي غزوة الفتح، فإن ثبت فلم
يشهد ابن أبي أوفى بدراً فتعينت غزوة الفتح، قوله: ((فقال لرجل)) وفي رواية مسلم: ((فلما
غابت الشمس قال: يا فلان! إنزل فاجدح)). وفي رواية للبخاري: ((فلما غربت))، على ما
يأتي، ولفظ: غربت، يفيد معنىّ زائداً على معنى: غابت، والرجل في رواية البخاري، وفلان
في رواية مسلم هو: بلال، رضي الله تعالى عنه. قال صاحب (التوضيح): وجاء في بعض
طرق الحديث أنه بلال. قلت: هذا في رواية أبي داود، فإنه أخرج الحديث عن مسدد شيخ
البخاري، وفيه: ((فقال: يا بلال! انزل ... )) إلى آخره، ووقع في رواية أحمد من رواية شعبة عن
الشيباني: ((فدعا صاحب شرابه بشراب، فقال: لو أمسيت)).
قوله: ((فاجدح لي))، إجدح بكسر الهمزة أمر من: جدحت السويف واجتدحته، أي:
لتته، والمصدر: جدح، ومادته: جيم ودال وحاء مهملة، والجدح أن يحرك السويق بالماء
فيخوض حتى يستوي، وكذلك اللبن ونحوه، والمجدح، بكسر الميم: عود مجدح الرأس
تساط به الأشربة، وربما يكون له ثلاث شعب، وقال الداودي: إجدح يعني: احلب، ورد ذلك
عياض وغيره، وفي (المحكم): المجدح خشبة في رأسها خشبتان معترضتان، وكلما خلط