Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٦) حدَّثني أبُو حازِمٍ عَنْ سَهْلٍ بنِ سَغدٍ قال أُنْزِلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبيضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ولَمْ يَنْزِلْ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَكانَ رِجالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ ربَطَ أحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ ولَمْ يَزَلَّ يأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ الله بَعْدُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَعَلِمُوا أَنَّهُ إََّا يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهَارَ. [الحديث ١٩١٧ - طرفه في: ٤٥١١]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: سعيد بن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم ابن أبي مريم الجمحي. الثاني: ابن أبي حازم عبد العزيز. الثالث: أبوه أبو حازم، بالحاء المهملة والزاي: واسمه سلمة بن دينار. الرابع: أبو غسان، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبالنون: واسمه محمد بن طريف. الخامس: سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه: أن شيخه بصري والبقية مدنيون. وفيه: أن في الطريق الأول روى عن شيخه بالتحديث بصيغة الجمع، وفي الطريق الثاني عنه أيضاً بصيغة الإفراد. وفيه: أن شيخه يروي عن شيخه أحدهما ابن أبي حازم، والآخر أبو غسان، وفي التفسير عن أبي غسان وحده، واللفظ لأبي غسان، وكذا أخرجه مسلم وابن أبي حاتم وأبو عوانة والطحاوي في آخرين من طريق سعيد شيخ البخاري عن أبي غسان وحده. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن سعيد بن أبي مريم: وأخرجه مسلم في الصوم عن أبي بكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سهل بن عسكر، كلاهما عن سعيد بن أبي مريم. وأخرجه النسائي فيه عن أبي بكر بن إسحاق به. ذكر معناه: قوله: ((ربط أحدهم في رجليه))، قلت: في مسلم: ((جعل الرجل يأخذ خيطاً أبيض وخيطاً أسود فيضعهما تحت وسادته وينظر متى يستبينا)). قلت: لا منافاة لاحتمال أن يكون بعضهم فعل هذا وبعضهم فعل هذا، وقال بعضهم: أو يكونوا يجعلونهما تحت الوسادة إلى السحر فيربطونهما حينئذ في أرجلهم ليشاهدوهما. انتهى. قلت: هذا بعيد، لأنه لا حاجة حينئذ إلى الربط في أرجلهم، لأنهم في يقظة حينئذ لأن المشاهدة لا تكون إلاَّ عن يقظان، فلا يحتاج إلى الربط في الرجل، ففي أي موضع كان تحصل المشاهدة. قوله: ((حتى يتبين له))، كذا هو بالتشديد في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((حتى يستبين))، من الاستبانة، وذلك من التبين من: باب التفعل، وذاك من باب الاستفعال. قوله: ((رؤيتهما))، بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الياء آخر الحروف وضم التاء المثناة من فوق، وهو من: رأى بالعين، يقال: رأى رأياً ورؤية وراءة، مثل راعة فيتعدى إلى مفعول واحد، ٤٢٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٧) وإذا كان بمعنى العلم يتعدى إلى مفعولين، يقال: رأى زيداً عالماً، وهذا هكذا في رواية أبي ذر وهو مرفوع، لأنه فاعل لقوله ﴿حتى يتبين له﴾ [البقرة: ١٨٧]. وفي رواية النسفي: رأيهما، بكسر الراء وسكون الهمزة وضم الياء آخر الحروف، ومعناه: منظرهما، ومنه: قوله تعالى: ﴿أحسن أثاثاً ورءيا﴾ [مريم: ٧٤]. وفي رواية مسلم: زيهما، بكسر الزاي وتشديد الياء بلا همز ومعناه: لونهما، ويروى: ((رئيهما))، بفتح الراء وكسرها وكسر الهمزة وتشديد الياء آخر الحروف، قال عياض: هذا غلط لأن الرئي التابع من الجن، فلا معنى له ههنا، فإن صحت به الرواية فيكون معناه: مرئيهما. قوله: ((فأنزل الله بعد))، بضم الدال أي: بعد نزول: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإن قلت: كيف الجمع على هذا بين حديث عدي وحديث سهل هذا؟ قلت: قال القرطبي: يصح الجمع بأن يكون حديث عدي متأخراً عن حديث سهل، وأن عدياً لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة، وعلى هذا فيكون: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. معلقاً بقوله: ﴿يتبين﴾ [البقرة: ١٨٧]. وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقاً بمحذوف: قال، ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة. وذكر بعض الرواة ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. متصلاً بما قبله، كما ثبت في القرآن العزيز، وإن كان قد نزل منفرداً، كما بينه في حديثٌ سهل، وحديث سهل يقتضي أن يكون منفرداً، وذاك أن فرض الصيام كان في السنة الثانية بلا خلاف. وقال سهل في حديثه: كان رجال .. إلى قوله: ﴿والخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]. ثم أنزل: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. فدل هذا على أن الصحابة كانوا يفعلون هذا إلى أن أسلم عدي في السنة التاسعة، وقيل العاشرة، حتى أخبره النبي عَّ لّه بأن ذلك سواد الليل وبياض النهار. قوله: ((فأنزل الله بعد ذلك ﴿من الفجر﴾)) روي أنه كان بينهما عام، قال الطحاوي: فلما كان حكم هذه الآية قد أشكل على أصحاب النبي عَّ لِ حتى بين الله لهم من ذلك ما بين، وحتى أنزل: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. بعدما كان قد أنزل الله: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]. فكان الحكم أن يأكلوا ويشربوا حتى يتبين لهم، حتى نسخ الله عز وجل بقوله: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. على ما ذكرنا، وقد بينه سهل في حديثه، انتهى. وقال عياض: وليس المراد أن هذا كان حكم الشرع أولاً ثم نسخ بقوله: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. كما أشار إليه الطحاوي والداودي، وإنما المراد أن ذلك فعله وتأوله من لم يكن مخالطاً للنبي عَ لّه، إنما هو من الأعراب ومن لا فقه عنده، أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار. انتهى. قلت: قد ذكرنا فيما مضى أن ذلك كان اسماً لسواد الليل وبياض النهار في الجاهلية قبل الإسلام، وعن هذا قال الداودي: أحسب أن المحفوظ حديث عدي، لأن الله لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة إليه، وإن يكن حديث سهل محفوظاً فإنما هو الذي فرض عليهم ثم نسخ بالفجر. ٤٢٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٧) ١٧ - بابُ قَوْلِ النبيِّ عَلَِّ لاَ يَمْتَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ آذَانُ بِلاَلٍ أي: هذا باب في بيان قول النبي عَّهِ ... إلى آخره. قوله: ((لا يمنعتَّكم))، بنون التأكيد في رواية الأكثرين وفي رواية الكشميهني: ((لا يمنعكم)) بسكون العين من غير نون التأكيد، والسحور، بفتح السين: إسم ما يتسحر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما يروى بالفتح، وقيل: إن الصواب بالضم لأنه بالفتح طعام والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام. ٢٨/ ١٩١٨ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ عنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عنْ نافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ والْقَاسِم بنِ محَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ بِلالاً كانَ يُؤَذِّنُ بِلَّيْلِ فقالَ رسولُ اللهِ عَِّ كُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمُّ مَكْتُومٍ فإنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ. [انظر الحديث ٦١٧ وأطرافه]. ١٩١٩ - قالَ القَاسِمُ ولَمْ يَكِنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إلاَّ أنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا. [انظر الحديث ٦٢٢]. مطابقته للترجمة من حيث إن معناه ومعنى الترجمة واحد، وإن اختلف اللفظ. وقال ابن بطال: ولم يصح عند البخاري عن النبي عَّ لفظ الترجمة فاستخرج معناه من حديث عائشة وقال صاحب التلويح فيه نظر من حيث أن البخاري صح عنده لفظ الترجمة وذلك أنه ذكر في باب الأذان قبل الفجر حديث ابن مسعود عن النبي عَّ أنه قال ((لا يمنعن أحدكم أو أحداً منكم أذان بلال من سحوره))، فلو خرجه أبو عبد الله في هذا الباب لكان أمس، وقال ابن بطال: ولفظ الترجمة رواه وكيع عن أبي هلال عن سوادة بن حنظلة عن سمرة، قال رسول الله عَّلة: ((لا يمنعنكم من سحوركم آذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق)). وقال الترمذي: هو حديث حسن، وقد مضى في كتاب مواقيت الصلاة في: باب الآذان قبل الفجر، عن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة، رضي الله تعالى عنها ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن عبيد بن إسماعيل: اسمه في الأصل عبد الله، يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي، مر في الحيض عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمرو القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق. قوله: ((والقاسم))، بالجر عطف على نافع لا على ابن عمر، لأن عبيد الله بن عمر رواه عن نافع عن ابن عمرو عن القاسم عن عائشة، والحاصل أن لعبيد الله هنا شيخان يروي عنهما، وهما نافع والقاسم بن محمد، وقال ابن التين: وأخطأ من ضبطه بالرفع. قوله: ((حتى يؤذن ابن أم مكتوم))، هو عمرو بن القيس العامري، وقيل: غير ذلك، وقد مر فيما مضى، وأم مكتوم اسمها عاتكة بنت عبد الله. قوله: ((إلاَّ أن يرقى))، بفتح القاف، أي: يصعد. يقال: رقي يرقى رقياً من باب: علم يعلم. قوله: ((وينزل))، بالنصب أي: وأن ينزل، وكلمة: أن، مصدرية، وكلمة: ذا، في الموضعين في محل الرفع على الفاعلية. وقال المهلب: والذي ٤٢٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٧) يفهم من اختلاف ألفاظ هذا الحديث أن بلالاً كانت رتبته أن يؤذن بليل على ما أمره به الشارع من الوقت ليرجع القائم وينبه النائم وليدرك السحور منهم من لم يتسحر، وقد روى هذا كله ابن مسعود عن رسول الله عَّله، فكانوا يتسحرون بعد آذانه وفيه قريب أذان ابن أم مكتوم من آذان بلال. وقال الداودي: قوله: (لم يكن بين أذانيهما .. )) إلى آخره، وقد قيل له: أصبحت أصبحت، دليل على أن ابن أم مكتوم كان يراعي قرب طلوع الفجر أو طلوعه، لأنه لم يكن يكتفي بآذان بلال في علم الوقت، لأن بلالاً فيما يدل عليه الحديث كان تختلف أوقاته، وإنما حكى من قال: ينزل ذا ويرقى ذا، ما شاهد في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف لاكتفى به رسول الله عَّةٍ ولم يقل: ((فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم))، ولقال إذا فرغ بلال فكفوا، ولكنه جعل أول أذان ابن أم مكتوم علامة للكف، ويحتمل أن لابن أم مكتوم من يراعي الوقت، ولولا ذلك لكان ربما خفي عنه الوقت، ويبين ذلك ما روى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب («عن سالم، قال: كان ابن أم مكتوم ضرير البصر، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أذِّن)). وقد روى الطحاوي من حديث أنيسة، وكانت حجت مع رسول الله عَّ﴾. أنها قالت: كان إذا نزل وأراد أن يصعد ابن أم مكتوم تعلقوا به، قالوا: كما أنت حتى نتسحر، وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث فيه صعوبة، وكيف لا يكون بين أذانيهما، إلا ذلك، وهذا يؤذن بليل وهذا بعد الفجر فإن صح أن بلالاً كان يصلي ويذكر الله في الموضع الذي هو به حين يسمع مجيء ابن أم مكتوم وهذا ليس ببين لأنه قال ((لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا)) فإذا أبطأ بعد الأذان الصلاة وذكر لم يقل ذلك وإنما يقال لما نزل هذا طلع هذا وقال الداودي فعلى هذا كان في وقت تأخر بلال بأذانه فشهده القاسم فظن أن ذلك عادتهما قال وليس بمنكر أن يأكلوا حتى يأخذ الآخر في أذانه وجاء أنه كان لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت أي دخلت في الصباح أو قاربته وقال صاحب التوضيح قوله فشهده القاسم غلط فتأمله (قلت) لأن قاسماً لم يدرك هذا. ومما يستفاد من هذا الباب أن الصائم له أن يأكل ويشرب إلى طلوع الفجر الصادق فإذا طلع الفجر الصادق كف وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين وذهب معمر وسليمان الأعمش وأبو مجلز والحكم بن عتيبة إلى جواز التسحر ما لم تطلع الشمس واحتجوا في ذلك بحديث حذيفة رواه الطحاوي من رواية زر بن حبيش قال ((تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة فدخلت عليه فأمر بلقحة فحلبت وبقدر فسخنت ثم قال كل فقلت إني أريد الصوم فقال وأنا أريد الصوم قال فأكلنا وشربنا ثم أتينا المسجد فأقيمت الصلاة قال هكذا فعل بي رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أو صنعت مع رسول الله عَ ليه قلت بعد الصبح قال بعد الصبح غير أن الشمس لم تطلع)) وأخرجه النسائي وأحمد في مسنده وقال ابن حزم عن الحسن: كل ما امتريت، وعن ابن جريج: قلت لعطاء: أيكره أن أشرب وأنا في البيت لا أدري لعلي أصبحت؟ قال: لا بأس بذلك، هو شك، وقال ابن شيبة: حدثنا أبو ٤٢٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٨) معاوية عن الأعمش عن مسلم، قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق، وعن معمر: أنه كان يؤخر السحور جداً حتى يقول الجاهل: لا صوم له، وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر، من طرق: عن أبي بكر أنه أمر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه صلى الصبح. ثم قال: الآن حين يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وقال ابن المنذر: ذهَب بعضهم إلى أن المراد بتبين بياض النهار من سواد الليل أن ينتشر البياض من الطرق والسكك والبيوت، وروى بإسناد صحيح عن سالم بن عبيد الأشجعي وله صحبة، أن أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، قال له: أخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت ثم أتيته فقلت: قد ابيضَّ وسطع، ثم قال: اخرج فانظر هل طلع؟ فنظرت فقلت: قد اعترض. فقال: الآن أبلغني شرابي، وروي من طريق وكيع عن الأعمش أنه قال: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت، وروى الترمذي، وقال: حدثنا هناد حدثنا ملازم بن عمر وحدثني عبيد الله بن النعمان عن قيس بن طلق بن علي حدثني أبي طلق بن علي: ((أن رسول الله عَ لّه قال: وكلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر)) قوله: ((لا يهيدنكم)) أي: لا يمنعنكم الأكل من هادَ يهيد، وأصل: الهيد، الزجر. قوله: ((الساطع المصعد)). قال الخطابي: سطوعه ارتفاعه مصعداً قبل أن يعترض. قال: ومعنى الأحمر ههنا أن يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة، والله أعلم بالصواب. ١٨ - بابُ تَأخِيرِ السُّخُورِ أي: هذا باب في بيان حكم تأخير السحور إلى قرب طلوع الفجر الصادق، وفي كثير من النسخ: باب تعجيل السحور، أي: الإسراع خوفاً من طلوع الفجر في أول الشروع. وقال ابن بطال: ولو ترجم له: باب تأخير السحور لكان حسناً. وقال صاحب التلويح: وكأنه لم يَرَ ما في نسخة أخرى صحيحة من كتاب (الصحيح): باب تأخير السحور، وقال بعضهم: ولم أرّ ذلك في شيء من نسخ البخاري. قلت: ليت شعري هل أحاط هو بجميع نسخ البخاري في أيدي الناس وفي البلاد؟ وعدم رؤيته ذلك لا يستلزم العدم. ١٩٢٠/٢٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله قال حدَّثنا عَبْدُ الْعَزيزِ بنُ أبِي حازِمٍ عنْ أَبِي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله تعالى عنهُ قال كُنتُ أَتَسَخَّرُ فِي أهْلِي ثُمَّ تَكُونُّ سُرْعَتِي أَنْ أَذْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رسولِ اللهِ عَلَّهِ. [انظر الحديث ٥٧٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه تأخير السحور بحيث أن سهلاً كان يسرع بعد تسحره إلى الصلاة مع النبي عَّهُ مخافة الفوات، وأما المطابقة في نسخة: باب تعجيل السحور، فأظهر من ذلك. وهذا الحديث من أفراد البخاري وقد أخرجه في: باب وقت الفجر: عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد ... إلى آخره، وهنا ٤٢٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٩) أخرجه: عن محمد بن عبيد الله أبي ثابت المدني، من كبار مشايخ البخاري عن عبد العزيز ابن أبي حازم، وأبو حازم اسمه سلمة بن دينار، قوله: ((ثم تكون سرعتي)) أي أتسرع لأن أدرك السحور أي الصلاة وفي رواية سليمان بن بلال ((ثم تكون سرعة بي)) وتكون تامة وكلمة إن مصدرية قوله ((إن أدرك السحور)) كذا هو في رواية الكشميهني والنسفي وفي رواية الجمهور ((إن أدرك السجود))، ويؤيده أن في الرواية التي مضت في المواقيت: ((أن أدرك صلاة الفجر)) وفي رواية الإسماعيلي: ((صلاة الصبح))، وفي رواية أخرى: ((صلاة الغداة)). وقال المزي: أخرج البخاري حديث: ((كنت أتسحر في الصوم)) عن محمد بن عبيد الله وقتيبة، كلاهما عنه به، وحديث قتيبة ذكره خلف ولم يجده في (الصحيح) ولا ذكره أبو مسعود. وقال بعضهم: رأيت هنا بخط القطب ومغلطاي محمد بن عبيد بغير إضافة، وهو غلط، والصواب: عبيد الله قلت: ليس في الأدب أن يقال إنه غلط، لأن الظاهر أن مغلطاي تبع القطب، ويحتمل أن تكون لفظة: الله، ساقطة من نسخة القطب لسهو الكاتب. ١٩ - بابُ قَدْرِ كَمْ بَيْنَ السُّحُورِ وصَلاَةِ الفَجْرِ : أي: هذا باب في بيان مقدار الزمان الذي بين السحور وصلاة الصبح. ٣٠ /١٩٢١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال حدَّثنا قَتَادَةُ عنْ أَنَسٍ عنْ زَيْدِ بنِ ثَابتٍ رضي الله تعالى عنهُ قال تَسَخَّرْنَا مَعَ النبيِّ عَِّ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قُلْتُ كَمْ كانَ بَيْنَ الْآذَانِ والشّحُورِ قال قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. [انظر الحديث ٥٧٥]. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه تأخير السحور إلى أن يبقى من الوقت بين الآذان وأكل السحور مقدار قراءة خمسين آية، وأما المطابقة في نسخة: باب تعجيل السحور، فمن حيث إنه يدل على أنهم كانوا يستعجلون به حتى يبقى بينهم وبين الفجر المقدار المذكور، ولا يقدمونه أكثر من المقدار المذكور. والحديث قد مضى في: باب وقت الفجر في كتاب مواقيت الصلاة، فإنه أخرجه هناك: عن عمرو بن عاصم عن همام عن قتادة عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن زيد بن ثابت حدثه ... إلى آخره، وهنا أخرجه: عن مسلم بن إبراهيم عن هشام الدستوائي إلى آخره. وفيه رواية الصحابي عن الصحابي. قوله: ((قلت))، القائل هو أنس الذي سأل والمسؤول عنه هو زيد بن ثابت، وقال بعضهم: قلت: مقول أنس قلت: ليس كذلك، بل هو قوله، والمقول هو قوله: ((كم كان بين الأذان والسحور)). قوله: ((قال))، أي: زيد بن ثابت. قوله: ((قدر خمسين آية)) أي: مقدار قراءة خمسين آية، وقال بعضهم: ((قدر خمسين آية))، أي متوسطة لا طويلة ولا قصيرة ولا سريعة ولا بطيئة. قلت: هذا بطريق الحدس والتخمين، وهو أعم من تقييده بهذه القيود، وأيضاً السرعة والبطء من صفات القارىء لا من صفات الآية، ويجوز في قوله: ((قدر)) الرفع والنصب، أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو قدر خمسين آية. يعني: الزمان الذي بين الأذان والسحور، وأما النصب فعلى أنه خبر: كان، المقدر، تقديره: كان الزمان بينهما قدر خمسين ٤٢٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٠) آية. وقال المهلب: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة. وفيه: إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة. وفيه: تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود، والنبي عَّه كان ينظر إلى ما هو أرفق بأمته. وفيه: الاجتماع على السحور. وقال بعضهم: وفيه: جواز المشي بالليل للحاجة، لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي عَّهِ، قلت: لا نسلم نفي بيتوته مع النبي في تلك الليلة التي تسحر فيها مع النبي عَّهِ، ولا يلزم من ذلك أن يبيت معه كل ليلة، وقال أيضاً هذا القائل: وفيه: حسن الأدب في العبارة لقوله: ((تسحرنا مع رسول الله عَ ظله)) ولم يقل: نحن ورسول الله عَّه، لما يشعر لفظ المعية بالتبعية. قلت: كلمة: مع، موضوعة للمصاحبة، وإشعارها بالتبعية ليس من موضوع الكلمة، ومعنى قوله: ((تسحرنا مع رسول الله عَّل)) أي: في صحبته. وقوله: ((تسحرنا)) يدل على أنه لم يكن وحده مع النبي عَّل في تلك الليلة. فإن قلت: الحديث يدل على أن الفراغ من السحور كان قبل الفجر بمقدار قراءة خمسين آية، وقد مر في حديث حذيفة: أن تسحرهم كان بعد الصبح، غير أن الشمس لم تطلع؟ قلت: أجاب بعضهم بأن لا معارضة، بل يحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة انتهى. قلت: هذا الجواب لا يشفي العليل ولا يروي الغليل، بل الجواب القاطع ما ذكره الحافظ أبو جعفر الطحاوي بقوله: بعد أن روى حديث حذيفة: وقد جاء عن رسول الله عَ لِ خلاف ما روي عن حذيفة. فذكر الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان وغيرهما. منها: قوله عَّهِ ((لا يمنعن أحدكم أذان بلال .. )) الحديث، وقال أيضاً: وقد يحتمل أن يكون حديث حذيفة - والله أعلم - قبل نزول قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ [البقرة: ١٨٧]. الآية، وقال أبو بكر الرازي، ما ملخصه: لا يثبت ذلك من حذيفة، ومع ذلك من أخبار الآحاد فلا يجوز الاعتراض به على القرآن، قال الله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. فأوجب الصيام بظهور الخيط الأبيض الذي هو بياض الفجر، فكيف يجوز التسحر الذي هو الأكل بعد هذا مع تحريم الله إياه بالقرآن؟ ٢٠ - بابُ بَرَكَةِ السُّحُورِ مِنْ غَيرِ إِنْجَابٍ لأَنَّ النبيَّ ◌ََّلَه وَأَصْحَابَهُ واصَلُوا وَلَمْ يُذْكَرِ الشُّورُ أي: هذا باب في بيان بركة السحور، وأشار به إلى قوله، عَّلهُ: ((تسحروا فإن في السحور بركة)) أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس، رضي الله تعالى عنه، قوله: ((من غير إيجاب)) جملة في محل النصب على الحال، لأن الجملة إذا وقعت بعد النكرة تكون صفة. وإذا وقعت بعد الحال تكون حالاً، والمعنى من غير أن يكون واجباً، ثم علل لعدم الوجوب بقوله: لأن النبي عَّهِ وأصحابه واصلوا في صومهم ولم يذكر فيه السحور، ولو كان السحور واجباً لذكر فيه. وقوله: لم يذكر، على صيغة المجهول. قوله: ((السحور))، ٤٢٨ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٠) بالألف واللام في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والنسفي ولم يذكر: ((سحور)) بدون اللام. فإن قلت: قوله: ((تسحروا)) أمر ومقتضاه الوجوب؟ قلت: أجيب بأنه أمر ندب بالإجماع، وقال القاضي عياض: أجمع الفقهاء على أن السحور مندوب إلیه ليس بواجب، والأوجه أن يقال: إن الأمر الذي مقتضاه الوجوب هو المجرد عن القرائن، وههنا قرينة تدفع الوجوب، وهو أن السحور إنما هو أكل للشهوة وحفظ القوة، وهو منفعة لنا، فلو قلنا بالوجوب ينقلب علينا، وهو مردود، وقال ابن بطال: هذه الترجمة غفلة من البخاري لأنه قد خرج بعد هذا حديث أبي سعيد: ((أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر))، فجعل غاية الوصال السحر، وهو وقت السحور قال: والمفسر يقضي على المجمل. انتهى. وأجيب: بأن البخاري لم يترجم على عدم مشروعية السحور، وإنما ترجم على عدم إيجابه، وأخذ من الوصال عدم وجوب السحور. ١٩٢٢/٣١ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا جُوَيْرِيَّةُ عَنْ نَافِعِ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنه أنَّ النبيَّ عَلَّهِ وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ قَالُوا إِنَّكَ توَاصِلُ قال لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أظَلُّ أُطْعَمُ وأَسْقَى. [الحديث ١٩٢٢ - طرفه في: ١٩٦٢]. مطابقته للجزء الثاني للترجمة، وهو قوله: ((لأن النبي عَّلّ وأصحابه واصلوا)). ورجاله قد تكرر ذكرهم، وجويرية - تصغير جارية - وهو جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري، وعبد الله هو ابن عمر. وأخرجه مسلم، وقال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن نافع ((عن ابن عمر أن النبي عَّمِ نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى)). قوله: ((واصل))، أي: بين الصومين في غير إفطار بالليل، وواصل الناس أيضاً تبعاً له، عَّله. قوله: ((فشق عليهم))، أي: فشق الوصال على الناس لمشقة الجوع والعطش. قوله: ((فنهاهم)) أي: عن الوصال لما رأى مشقتهم. قوله: ((إنك مواصل))، ويروى: ((فإنك تواصل)). قوله: ((لست كهيئتكم))، أي: ليس حالي مثل حالكم، ويقال: لفظ الهيئة زائد، أي: لست كأحدكم. قوله: ((أظل))، بفتح الهمزة والظاء المعجمة من ظل يظل، يقال: ظللت أعمل كذا بالكسر ظلولاً إذا عملته بالنهار دون الليل. فإن قلت: إذا كان لفظ ظل لا يكون إلاَّ بالنهار، فكيف يكون المعنى هنا؟ قلت: قد جاء ظل أيضاً بمعنى صار، قال تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً﴾ [النحل: ٥٨]. ويجوز أيضاً إرادة الوقت المطلق لا المقيد بالنهار، ويؤيده ما جاء في الرواية الأخرى لفظ: ((أبيت أطعم وأسقى))، ويجوز أن يكون ظل، على بابه، ويكون المعنى: ((أظل أطعم وأسقى)، لا على صورة طعامكم وسقيكم، لأن الله تعالى يفيض عليه ما يسد مسد طعامه وشرابه من حيث إنه يشغله عن إحساس الجوع ٤٢٩ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٠) والعطش، ويقويه على الطاعة، ويحرسه عن تحليل يفضي إلى ضعف القوى وكلال الحواس. فإن قلت: هل يجوز أن يكون المعنى على ظاهره بأن يرزقه طعاماً وشراباً من الجنة؟ قلت: قد قيل ذلك، ولا مانع منه لأنه أكرم على الله من ذلك. فإن قلت: لو كان المعنى على حقيقته لم يكن مواصلاً. قلت: طعام الجنة وشرابها ليسا كطعام الدنيا وشرابها، فلا يقطع الوصال، وقيل: هو من خصائصه لا يشاركه فيه أحد من الأمة. فإن قلت: ما حكمة النهي فيه؟ قلت: إيراث الضعف والعجز عن المواظبة على كثير من وظائف الطاعات والقيام بحقوقها، وللعلماء في اختلاف في أنه نهي تحريم أو تنزيه، والظاهر الأول. فإن قلت: هل هو نهي عن عبادة في حق من أطاقها وحرص عليها؟ قلت: لا، لأنه كان خوفاً أن يؤدي ذلك إلى المنازعة، لأنه كان من خصائصه، كما قال بعضهم. فإن قلت: جاء الوصال عن جماعة من الصحابة وغيرهم، ففي كتاب (الأوائل) للعسكري: كان ابن الزبير يواصل خمسة عشر يوماً حتى تيبس أمعاؤه، فإذا كان يوم فطره أتى بسمن وصبر فيحساه حتى لا تنفتق الأمعاء، وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل ليلة ست عشرة، وليلة سبع عشرة من رمضان لا يفرق بينهما، ويفطر على السمن، فقيل له: فقال: السمن يبل عروقي، والماء يخرج من جسدي. قلت: قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن رسول الله عَ لَّه نهى عن الوصال، واختلفوا في تأويله. فقيل: نهى عنه رفقاً بهم، فمن قدر على الوصال فلا حرج عليه لأنه لله، عز وجل، يدع طعامه وشرابه، وكان عبد الله بن الزبير وجماعة يواصلون الأيام، وكان أحمد وإسحاق لا يكرهان الوصال من سحر إلى سحر لا غير، وكره أبو حنيفة ومالك والشافعي، وجماعة من أهل الفقة والأثر الوصال على كل حال لمن قوي عليه ولغيره، ولم يجيز الوصال لأحد لحديث الباب. وقال الخطابي: الوصال من خصائص النبي عٍَّ ومحظور على أمته، وذهب أهل الظاهر إلى تحريمه. وفي (شرح المهذب)؛ مكروه كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، كما ذكرناه. وقال الطبري: وروي عن بعض الصحابة وغيرهم من تَرْكِهم الأكل الأيام ذوات العدد، وكان ذلك منهم على أنحاء شتى، فمنهم من كان ذلك منه لقدرته عليه فيصرف فطره إلى أهل الفقر والحاجة، ومنهم من كان يفعله استغناء عنه أو كانت نفسه قد اعتادته، كما روى الأعمش عن التيمي أنه قال: ربما ألبث ثلاثين يوماً ما أطعم من غير صوم، وما يمنعني ذلك من حوائجي، وقال الأعمش: كان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل، ولكنه يشرب شربة من نبيذ، ومنهم من كان يفعله منعاً لنفسه شهوتها ما لم تدعه إليه الضرورة، ولا يخاف العجز عن أداء واجب عليه إرادة قهرها وحملها على الأفضل. ١٩٢٣/٣٢ - حدّثنا آدَمُ بنُّ أَبِي إِيَاسٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُّ صُهَيْبٍ قال سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبي عَّهِ تَسَخَّرُوا فإنَّ فِي السَّخُورِ بَرَكَةً. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة. ٤٣٠ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢٠) والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن قتيبة به، وابن ماجه عن أحمد بن عبيدة. ولما أخرجه الترمذي قال: وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وابن عباس وعمرو بن العاص والعرباض بن سارية وعتبة بن عبد وأبي الدرداء. قلت: وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وأبي أمامة وأبي سعيد الخدري والمقدام بن معدي كرب وعائشة وميسرة الفجر ورجل آخر غير مسمى. أما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي عنه مرفوعاً وموقوفاً بلفظ حديث أنس، وروى أبو يعلى في (مسنده) عنه: ((أن رسول الله عَ ليه دعا بالبركة في السحور والثريد)). وفي رواية له، قال: السحور بركة والثريد بركة والجماعة بركة. وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه النسائي أيضاً مرفوعاً وموقوفاً. وقال: الموقوف أولى بالصواب، قال شيخنا: هكذا حكاه المزي في (الأطراف) ولم أره في (السنن الصغرى) ولا (الكبرى). وأما حديث جابر فأخرجه ابن عدي في (الكامل) عنه باللفظ المتقدم وفيه مقال. وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه عنه عن النبي عَ لِ قال: ((استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، والقيلولة على قيام الليل)). وأخرجه الحاكم في (مستدركه). وأما حديث عمرو بن العاص فأخرجه مسلم والنسائي أيضاً عن قتيبة، ورواه مسلم أيضاً من طرق وأبو داود من رواية موسى بن علي بسنده. وأما حديث العرباض بن سارية فأخرجه أبو داود والنسائي عنه قال: ((دعاني رسول الله عَ لَه إلى السحور في رمضان، فقال: هلم إلى الغداء المبارك)» وعند النسائي: ((هلموا))، وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) وضعفه ابن القطان. وأما حديث عتبة بن عبد وأبي الدرداء فأخرجه ابن عدي في (الكامل) عنهما قالا: قال رسول الله، عٍَّ: ((تسحروا من آخر الليل، وكان يقول: هو الغداء المبارك)). وأما حديث علي، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه ابن عدي عنه أن رسول الله عَ ليه، قال: ((تسحروا ولو بشربة من ماء، وأفطروا ولو على شربة من ماء)، وفي سنده حسن بن عبد الله بن حمزة وهو متروك. وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه ابن حبان في (صحيحه) عنه قال: قال رسول الله عَّه: ((تسحروا ولو بجرعة من ماء)). وأما حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب فأخرجه ابن حبان أيضاً عنه قال: قال رسول اللهِ عَّهِ: ((إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين)). وأما حديث أبي أمامة فأخرجه الطبراني في (مسند الشاميين) عنه قال: سمعت رسول الله عَّةٍ يقول: ((اللهم بارك لأمتي في سحورها، تسحروا ولو بشربة من ماء، ولو بتمرة، ولو بحبات زبيب، فإن الملائكة تصلي عليكم)) وفيه مقال. وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه أحمد في (مسنده) عنه قال: قال رسول الله عَ ليه: ((السحور بركة ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله عز وجل وملائكته يصلون على المتسحرين)»، ورواه ابن عدي أيضاً عنه، قال: قال رسول الله عَّ الِ: ((اللهم صل على المتسحرين، تسحروا ولو أن يأكل أحدكم لقمة أو يجرع جرعة ماء))، وفيه مقال: وأما حديث المقدام بن معدي كرب فأخرجه النسائي عنه عن النبي عَ ليه قال: ((عليكم بالسحور فإنه هو الغداء المبارك))، وروي مرسلاً أيضاً. وأما حديث عائشة، ٤٣١ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢١) رضي الله تعالى عنها، فأخرجه أبو يعلى في (مسنده) عنها، قالت: قال رسول الله عَليه: (قربي إلينا الغداء المبارك، يعني السحور، وربما لم يكن إلاَّ تمرتين)). وأما حديث ميسرة الفجر فأخرجه أبو نعيم الأصفهاني عنه، قال: قال رسول الله عَّةٍ: ((تسحروا ولو أكلة ولو حسوة، فإنها أكلة بركة، وهو فصل بين صومكم وصوم النصارى))، وفيه مقال، وقال الذهبي: ميسرة الفجر له صحبة، من أعراب البصرة. ((قال: يا رسول الله! متى كنت نبياً؟)) وأما حديث الصحابي الذي لم يسم فأخرجه النسائي من حديث عبد الله بن الحارث یحدث عن رجل من أصحاب النبي عَّ قال: ((دخلت على النبي عَّلٍ وهو يتسحر، فقال: إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه))، ورجال إسناده ثقات. قوله: ((تسحروا)) قد ذكرنا أنه أمر ندب بالإجماع. قوله: ((في السحور))، قال شيخنا، رحمه الله: رويناه بفتح السين وضمها، وهو بالضم الفعل، وبالفتح اسم لما يتسحر به، كالوضوء والسعوط والحنوط ونحوها. قوله: ((بركة))، قد ذكروا فيها معان: الأول: أنه يبارك في اليسير منه بحيث يحصل به الإعانة على الصوم، ويدل عليه قوله عَّهِ: ((ولو بجرعة ماء ولو بتمرة»، ونحو ذلك ويكون ذلك بالخاصية، كما بورك في الثريد والطعام إذا هدى في الحرارة واجتماع الجماعة على الطعام لقوله عَّ له: ((اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه)). الثاني: يراد بالبركة نفي التبعة فيه، وقد ذكر صاحب (الفردوس) من حديث أبي هريرة: ((ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحور وما أفطر عليه، وما أكل مع الأخوان)). الثالث: يراد بالبركة القوة على الصيام وغيره من أعمال النهار. الرابع: يراد بالبركة الرخصة والصدقة، وهو الزيادة في الأكل على الأكل عند الإفطار، كما كان أولاً ثم نسخ، وأصل البركة في اللغة: الزيادة والنماء، وقال عياض: قد تكون هذه البركة ما يتفق للمتسحر من ذكر أو صلاة أو استغفار وغيره من زيادات الأعمال التي لولا القيام للسحور لكان الإنسان نائماً عنها، وتاركاً لها، وتجديد النية للصوم ليخرج من الاختلاف، وقال ابن دقيق العيد: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنياوية كقوة البدن على الصوم. وتيسيره من غير إضرار بالصائم، قال: ومما يعلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب لأنه ممتنع عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأجور الأخروية. ٢١ - بابٌ إِذَا نَوَى بالنَّهَارِ صَوْماً أي: هذا باب يذكر فيه إذا نوى الإنسان بالنهار صوماً، وجواب: إذا، محذوف تقديره: هل يصح أو لا؟ وإنما لم يذكر الجواب لاختلاف العلماء فيه على ما يجيء بيانه، إن شاء الله تعالی. وقالَتْ أُمُّ الدَّزْدَاءِ يَقُولُ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ فإِنْ قُلْنَا لاَ قال فإِنِّي صائمٌ يَوْمِي هَذَا أم الدرداء اسمها: خيرة، بسكون الياء آخر الحروف، واسم أبي الدرداء عويمر ٤٣٢ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢١) الأنصاري، تقدما في فضل الفجر في جماعة. ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة من طريق أبي قلابة ((عن أم الدرداء، قالت: كان أبو الدرداء يغد أحياناً ضحى. فيسأل الغداء، فربما لم يوافقه عندنا فيقول: إذاً أنا صائم)). وفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ وأَبُو هُرَيِرَةَ وابْنُ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةُ رضي الله تعالى عنهُمْ أي: فعل أبو طلحة مثل ما فعل أبو الدرداء واسم أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، ووصل أثره عبد الرزاق من طريق قتادة، وابن أبي شيبة من طريق حميد، كلاهما عن أنس، ولفظ قتادة: ((أن أبا طلحة كان يأتي أهله فيقول؛ هل من غذاء؟ فإن قالوا: لا، صام يومه ذلك))، قال قتادة: ((وكان معاذ يفعله)). قوله: ((وأبو هريرة))، عطف على قوله: ((أبو طلحة)) أي: وفعله أيضاً أبو هريرة ووصل أثره البيهقي من طريق ابن أبي ذئب عن عثمان بن نجيح ((عن سعيد بن المسيب، قال: رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق ثم يأتي أهله فيقول: عندكم شيء؟ فإن قالوا: لا، قال: أنا صائم)). قوله: ((وابن عباس)) أي: وفعله ابن عباس، فوصل أثره الطحاوي من طريق عمرو بن أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه كان يصبح حتى يظهر ثم يقول: والله لقد أصبحت وما أريد الصوم، وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم، ولأصومن يومي هذا. قوله: ((وحذيفة)) أي: وفعله حذيفة فوصل أثره عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طريق سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: ((قال حذيفة: من بدا له الصيام بعدما تزول الشمس فليصم)، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((أن حذيفة بدا له في الصوم بعدما زالت الشمس، فصام). وقد اختلف العلماء فيمن نوى الصوم بعد طلوع الفجر الصادق، فقال الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق: لا يجوز صوم رمضان إلاّ بنية من الليل، وهو مذهب الظاهرية، وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: تجوز النية في صوم رمضان، والنذر المعين، وصوم النفل إلى ما قبل الزوال. وقال ابن المنذر: اختلفوا فيمن أصبح يريد الإفطار، ثم بدا له أن يصوم تطوعاً، فقالت طائفة: له أن يصوم متى ما بدا له، فذكر أبا الدرداء وأبا طلحة وأبا هريرة وحذيفة وابن عباس وابن مسعود وأبا أيوب، رضي الله تعالى عنهم، ثم قال: وبه قال الشافعي وأحمد: وقال بعضهم: والذي نقله ابن المنذر عن الشافعي من الجواز مطلقاً، سواء كان قبل الزوال أو بعده هو أحد القولين للشافعي، والذي نص عليه في معظم كتبه التفرقة. وقال مالك في النافلة: لا يصوم إلاَّ أن يبيت إلاّ إن كان يسرد الصوم فلا يحتاج إلى التبييت. ولكن المعروف عن مالك والليث وابن أبي ذئب أنه لا يصح صيام التطوع إلاّ بنية من الليل. وقال مجاهد: الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار فإذا جاوز ذلك فإنما بقي له بقدر ما بقي من النهار، وقال الشعبي: من أراد الصوم فهو مخير ما بينه وبين نصف النهار، وعن الحسن: إذا تسحر الرجل فقد وجب عليه الصوم، فإن أفطر فعليه القضاء، وإن هم بالصوم فهو بالخيار إن شاء ٤٣٣ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢١) صام وإن شاء أفطر. وروى ابن أبي شيبة عن المعتمر عن حميد عن أنس: ((من حدث نفسه بالصيام فهو بالخيار ما لم يتكلم حتى يمتد النهار)). وقال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل: من أصبح وهو ينوي الفطر إلاّ أنه لم يأكل ولم يشرب ولا وطىء فله أن ينوي الصوم ما لم تغب الشمس، ويصح الصوم. ١٩٢٤/٣٣ - حدّثنا أبُو عَاصِمٍ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّه بعَثَ رَجُلاً يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَّلْيْتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ ومَنْ لَمْ يأْكُلْ فَلاَ يأْكُلْ. [الحديث ١٩٢٤ - طرفاه في: ٢٠٠٧، ٧٢٦٥]. مطابقته للترجمة في جواز نية الصوم بالنهار لأن قوله: ((فليتم))، وقوله: ((فلا يأكل)) يدلان على جواز النية بالصوم في النهار، ولم يشترط التبييت، وهذا الحديث من ثلاثيات البخاري وهو خامس الثلاثيات له، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد ويزيد من الزيادة ابن أبي عبيد - بتصغير العبد - مولى سلمة بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبيد الله. والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الصوم عن مكي بن إبراهيم. وأخرجه في خبر الواحد عن مسدد عن يحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن قتيبة عن حاتم بن إسماعيل. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى عن يحيى. ذكر معناه: قوله: ((عن سلمة بن الأكوع)) وفي رواية يحيى القطان ((عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة بن الأكوع)) كما سيأتي في خبر الواحد. قوله: ((بعث رجلاً ينادي في الناس)) وفي رواية يحيى: ((قال لرجل من أسلم: أذن في قومك)) واسم هذا الرجل: هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي، وأخرج حديثه أحمد بن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر ((عن خبيب بن هند بن أسماء الأسلمي عن أبيه، قال: بعثني النبي عَّه. إلى قومي من أسلم فقال: مر قومك أن يصوموا هذا اليوم، يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه فليصم آخره)). وقد احتج أصحابنا بهذا الحديث، وبحديث الباب على صحة الصيام لمن لم ينوٍ من الليل، سواء كان رمضان أو غيره لأنه عَّه أمر بالصوم في أثناء النهار، فدل على أن النية لا تشترط من الليل، وقال بعضهم: وأجيب بأن ذلك يتوقف على أن صيام يوم عاشوراء كان واجباً، والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضاً. انتھی. قلت: روى الشيخان من حديث عائشة، قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان، عَّ ◌ُلّه، يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان، قال: من شاء صامه ومن شاء تركه)). فهذا الحديث ينادي بأعلى صوته أن صوم يوم عاشوراء كان فرضاً، وعن عائشة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة: أن صوم يوم عاشوراء كان فرضاً قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان فمن شاء صام ومن شاء ترك، ذكره ابن شداد في أحكامه. ((وعن النبي عَّةٍ أنه أرسل إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: عمدة القارىء / ج١٠ / م٢٨ ٤٣٤ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢١) من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم)). متفق عليه، وكان صوماً واجباً متعيناً. وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي، رحمه الله: ففي هذه الآثار وجوب صوم عاشوراء، وفي أمره، عَّةٍ، بصومه بعدما أصبحوا، وأمره بالإمساك بعدما أكلوا دليل على وجوبه، إذ لا يأمر، عَّ له، في النفل بالإمساك إلى آخر النهار بعد الأكل، ولا بصومه لمن لم يصمه. وفيه: دليل أيضاً على أن من كان عليه صوم يوم بعينه ولم يكن نوى صومه من الليل تجزيه النية بعدما أصبح، والأكثرون على أنه كان فرضاً ونسخ بصوم رمضان. فإن قلت: يعارض ما ذكرتم حديث معاوية ((أنه قال على المنبر: يا أهل المدينة: أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله عَ لآه يقول هذا يوم عاشوراء، لم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر، وأنا صائم)) قلت: بعد النسخ لم يبق مكتوباً علينا، ولأن المثبت أولى من النافي، وقال القائل المذكور: والذي يترجح من أقوال العلماء أنه، أي: إن صوم يوم عاشوراء لم يكن فرضاً، وعلى تقدير أنه كان فرضاً فقد نسخ بلا ريب، فقد نسخ حكمه وشرائطه. انتهى. قلت: هذا مكابرة فلا يترجح من أقوال العلماء، إلاَّ إن كان فرضاً، لما ذكرنا من الدلائل، وقوله: فنسخ حكمه وشرائطه غير صحيح، ألا ترى أن التوجه إلى بيت المقدس قد نسخ ولم تنسخ سائر أحكام الصلاة وشرائطها؟ وقوله: وأمره بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، لأن الأمر بالإمساك يحتمل أن يكون لحرمة الوقت. قلت: الاحتمال إذا كان ناشئاً عن غير دليل لا يعتبر به فبالاحتمال المطلق لا يثبت الحكم ولا ينفي، ثم استدل هذا القائل في قوله: الأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء بقوله: كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهاراً، وكما يؤمر من أفطر يوم الشك، ثم رؤي الهلال، وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء، بل قد ورد ذلك صريحاً في حديث أخرجه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه: ((إن أم أسلم أتت النبي ◌َّله فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا. قال: فأتموا بقية يومكم واقضوه)). قلت: هذا القياس باطل، لأن الرمضانية متعينة في الصورة الأولى، ونفيت في الثانية، فكيف لا يؤمر بالقضاء بخلاف ما نحن فيه. والحديث الذي قوَّى كلامه به غير صحيح من وجوه: الأول: إن النسائي أخرجه ولم يذكر: ((واقضوه))، وقال عبد الحق في (الأحكام الكبرى) ولا يصح هذا الحديث في القضاء، وقال ابن حزم في (المحلى): لفظة: واقضوا، موضوعة بلا شك. الثاني: أن البيهقي قال عبد الرحمن، هذا: مجهول ومختلف في اسم أبيه ولا يدرى من عمه، وقال المنذري: قيل عبد الرحمن بن مسلمة، كما ذكره أبو داود. وقيل: ابن سلمة، وقيل: ابن المنهال بن سلمة، ورواه ابن حزم من طريق شعبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن المنهال بن سلمة الخزاعي عن عمه: ((أن رسول الله عَّ للم قال لأسلم: صوموا اليوم، قالوا: إنا قد أكلنا، قال: صوموا بقية يومكم، يعني عاشوراء)). وفي رواية أخرى أخرجها ابن حزم أيضاً عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ((عن عبد الرحمن بن مسلمة الخزاعي عن عمه، قال: غدونا على رسول الله عَ ليه ٠٠ ٤٣٥ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢١) صبيحة عاشوراء، فقال لنا: أصبحتم صياماً؟ قلنا: قد تغدينا يا رسول الله! فقال: فصوموا بقية يومكم، ولم يأمرهم بالقضاء». الثالث: أن شعبة قال: كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال: حدثنا كتبت، وإذا قال: عن فلان، أو قال: فلان لم أكتبه، وهو مدلس دلس عن مجهولين، وقال الكرابيسي وغيره، فإذا قال المدلس: حدثنا، يكون حجة، وإذا قال: فلان قال، أو: عن فلان، لا يكون حجة فلا يجوز الاحتجاج به، فإذا كانت الرواية، يعني عن الثقة المعروف بالحفظ والضبط لا تكون حجة، فكيف تكون حجة وقد رواه عن مجهول؟ وقال القاضي عياض، رواية: واقضوا، قاطعة لحجة المخالف، ونص ما يقوله الجمهور وجوب اعتبار النية من الليل، وأن نيته من النهار غير معتبرة ورد عليه بأنه كيف يحتج لما ليس بحجة على خصمه مع علمه، ويعتقد أنه يخفى، وذكر ما ذكرناه من الوجوه، ثم قال هذا القائل: واحتج الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة: أن النبي عَّهُ قال: ((من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له))، لفظ النسائي، ولأبي داود والترمذي: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له))، واختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي الموقوف بعد أن أطنب في تخريج طرقه، وحكى الترمذي في العلل عن البخاري ترجيح وقفه، وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة فصححوا الحديث المذكور منهم ابن خزيمة وابن حبان والحكم وابن حزم، وروى له الدارقطني طريقاً أخرى، وقال: رجالها ثقات، وأبعد من خصه من الحنفية بصيام القضاء والنذر، وأبعد من ذلك تفرقة الطحاوي بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه كعاشوراء فتجزي النية في النهار أولاً في يوم بعينه كرمضان، فلا يجزىء إلاّ بنية من الليل، وبين صوم التطوع، فيجزىء في الليل، وفي النهار، وقد تعقبه إمام الحرمين بأنه كلام غث لا أصل له. انتهى. قلت: قال الترمذي: حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعاً إلاَّ من هذا الوجه، يعني من الوجه الذي رواه عن إسحاق بن منصور عن ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن عبد الله ابن أبي بكر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن حفصة عن النبي عَ لَّه قال: ((من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له))، وفي بعض النسخ: تفرد به يحيى بن أيوب، قال: وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح، ورواه النسائي عن أحمد بن الأزهر عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب، وقال النسائي: ورواية حمزة الصواب عندنا موقوف ولم يصح رفعه، لأن يحيى بن أيوب ليس بالقوي. وحديث ابن جريج عن الزهري غير محفوظ. والله أعلم. وقال شيخنا: وأما الموقوف الذي ذكر الترمذي أنه أصح فقد رواه مالك في (الموطأ) كذلك عن نافع عن ابن عمر قوله: ومن طريقه رواه النسائي ورواه النسائي أيضاً من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قوله: وقد جاء من طرق موقوفاً على حفصة، رواه النسائي من رواية عبيد الله بن عمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة، ومن رواية يونس ومعمر وابن عيينة عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن نافع عن أبيه عن ٤٣٦ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢١) حفصة، ومن رواية ابن عيينة عن الزهري عن حمزة عن حفصة لم يذكر ابن عمر، ومن طريق مالك عن ابن شهاب عن عائشة - وحفصة، رضي الله تعالى عنهما - قولهما مرسلاً. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم عن أبيه عن حفصة مرفوعاً: ((لا صيام لمن لم ينو من الليل))، ورواه يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة مرفوعاً. قلت له: أيهما أصح؟ قال: قال: لا أدري، لأن عبد الله بن أبي بكر أدرك سالماً وروى عنه، ولا أدري سمع هذا الحديث منه أو سمعه من الزهري عن سالم؟ وقد روي هذا عن الزهري عن حمزة " ابن عبد الله بن عمر عن حفصة قولها، وهو عندي أشبه. وقال أبو عمر: في إسناد هذا الحديث اضطراب، وفيه يحيى بن أيوب الغافقي، قال النسائي: ليس بالقوي والصواب فيه: موقوف، ولذلك لم يخرجه الشيخان. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، وذكره أبو الفرج في (الضعفاء والمتروكين)، وقال أحمد: هو سيء الحفظ وهم يردون الحديث بأقل من هذا، والجرح مقدم على التعديل، ولا يلتفت إلى قول الدارقطني، وهو من الثقات الرفعاء. وأما قول هذا القائل: وأبعد من خصه من الحنفية بصيام القضاء والنذر، فكلام ساقط لا طائل تحته، لأن من لم يخص هذا الحديث بصيام القضاء والنذر المطلق، وصوم الكفارات يلزم منه النسخ لمطلق الكتاب بخبر الواحد، فلا يجوز ذلك، بيانه أن قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ [البقرة: ١٨٧]. إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. مبيح للأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، ثم الأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخر عنه، لأن كلمة: ثم، للتعقيب مع التراخي، فكان هذا أمراً بالصيام متراخياً عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا صوم شرعاً بدون النية، فكان أمراً بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، وقد أتى به، فيخرج عن العهدة. وفيه: دلالة أن الإمساك في أول النهار يقع صوماً، وُجدت فيه النية أو لم توجد، لأن إتمام الشيء يقتضي سابقة وجود بعض شيء منه، فإذا شرطنا النية من أول الليل بخبر الواحد يكون نسخاً لمطلق الكتاب، فلا يجوز ذلك، فحينئذ يحمل ذلك على الصيام الخاص المعين، وهو الذي ذكرناه، لأن مشروع الوقت في هذا متنوع، فيحتاج إلى التعيين بالنية، بخلاف شهر رمضان لأن الصوم فيه غير متنوع، فلا يحتاج فيه إلى التعيين، وكذلك النذر المعين فهذا هو السر الخفي في هذا التخصيص الذي استبعده من لا وقوف له على دقائق الكلام، ومدارك استخراج المعاني من النصوص، ولم يكتف المدعي بعد هذا الكلام لبعد إدراكه حتى ادعى الأبعدية في تفرقة الطحاوي بين صوم الفرض وصوم التطوع، فهذه دعوى باطلة لأن حامل الطحاوي على هذه التفرقة ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، ((قالت: قال لي رسول الله عَّم ذات يوم: ((يا عائشة! هل عندكم شيء؟ قالت: فقلت: لا يا رسول الله ما عندنا شيء! قال: فإني صائم))، وبنحوه ٤٣٧ ٣٠ - كتاب الصوم / باب (٢١) روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي طلحة، رضي الله تعالى عنهم، ثم إن هذا القائل نقل عن إمام الحرمين كلاماً لا يوجد أسمج منه، لأن من يتعقب كلام أحد إن لم يذكر وجهه بما يقبله العلماء، يكون كلامه هو غثاء لا أصل له، وأجاب بعض أصحابنا عن الحديث المذكور، أعني: حديث حفصة، رضي الله تعالى عنها، بعد التسليم بصحته وسلامته عن الاضطراب بأنه محمول على نفي الفضيلة والكمال، كما في قوله عَّهِ: ((لا صلاة لجار المسجد إلاَّ في المسجد)). كمل بعون الله جل ذكره ((الجزء العاشر)). من عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للإمام العيني قدس الله سره، وبكماله كمل العقد الأول منه، ويتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر، ومطلعه (باب الصائم يصبح جنباً)، نسأله سبحانه التوفيق لإتمامه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير فهرس محتويات الجزء العاشر من عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٠ ٤٣٩