Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١١)
وقد يكون ناقصاً تسعاً وعشرين، وقد لا يرى الهلال فيجب إكمال العدد ثلاثين، قالوا: وقد
يقع النص متوالياً في شهرين وثلاثة وأربعة، ولا يقع أكثر من أربعة.
وفيه: جواز اعتماد الإشارة المفهمة في مثل هذا.
١٩٠٩/١٨ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ زِيَادٍ قال سَمِعْتُ أبَا
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قالِ النبيُّ عَّهِ أَوْ قال قال أبُو القَاسِمِ عَلَّه صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ
وأُفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فإِنْ غُبَيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وآدم هو ابن أبي إياس، ومحمد بن زياد، بكسر الزاي وخفة
الياء آخر الحروف، مر في غسل الأعقاب.
والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن عبد الله بن معاذ عن أبيه، وأخرجه
النسائي فيه عن مؤمل بن هشام وعن محمد بن عبد الله بن يزيد عن أبيه، الكل عن شعبة به،
وقد اعترض الإسماعيلي بقوله: روى الشيخ هذا الحديث عن آدم عن شعبة. وقال فيه: ((فإن
غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))، وقد رويناه عن غندر وابن مهدي وابن علية وعيسى
ابن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وأبي داود، كلهم عن
شعبة، لم يذكر أحد منهم: ((فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً)، هذا يجوز أن يكون آدم رواه
على التفسير من عنده للخبر، وإلاّ فليس لانفراد أبي عبد الله عنه بهذا من بين من رواه عنه،
ومن بين سائر من ذكرنا ممن روى عن شعبة وجه، وإن كان المعنى صحيحاً، ورواه المقبري
عن ورقاء عن شعبة على ما ذكرناه أيضاً. انتهى. قلت: حاصله أنه وقع للبخاري إدراج التفسير
في نفس الخبر.
ذكر معناه: قوله: ((أو قال: قال أبو القاسم)) شك من الراوي. قوله: ((لرؤيته))، اللام
فيه للتوقيت كما في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء: ٧٨]. أي: وقت
دلوكها، والمراد من قوله: ((صوموا لرؤيته)) رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل
الناس. قال النووي: بل يكفي من جميع الناس رؤية عدلين، وكذا عدل على الأصح، هذا في
الصوم، وأما في الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلاّ
أبا ثور جوزه بعدل واحد. قلت: قال أصحابنا: وإذا كان بالسماء علة قَبِلَ الإمام شهادة الواحد
العدل في رؤية هلال رمضان، رجلاً كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً لأنه أمر ديني، وقول
العدل في الديانات مقبول. وفي (التحفة) والطحاوي: يكتفى بالعدالة الظاهرة، وفي
(الذخيرة): وإن كان فاسقاً قلت: هذا بعيد جداً، وفي (الذخيرة): عن أبي جعفر الفقيه قبول
قول الواحد في صوم رمضان، سواء كان بالسماء علة أم لا، وعن الحسن أنه قال: يحتاج إلى
شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان بالسماء علة أم لا. وفي (البدائع): يقبل قول الواحد
في رمضان إذا كان بالسماء علة بلا خلاف بين أصحابنا. وفي (الروضة): ذكر في الهاروني
أنه تقبل شهادة الواحد بالصوم والسماء مصحية عن أبي حنيفة، خلافاً لهما. وفي (المحيط):
عمدة القارىء / ج١٠ / م٢٦

٤٠٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١١)
وينبغي أن يفسر جهة الرؤية، فإن احتمل رؤيته يقبل وإلاّ فلا. والمذهب عند الشافعية: ثبوته
بعدل واحد، ولا فرق بين الغيم وعدمه عندهم، ولا يقبل قول العبد والمرأة في الأصح، ويقبل
قول المستور في الأصح. وقال عطاء وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك وإسحاق وداود:
يشترط المثنى، وقال الثوري: رجلان أو رجل وامرأتان. وقال أحمد: يصوم بواحد عند عدم
الغيم، ويقبل خبر حرين أو حر وحرتين للفطر إذا كانت بالسماء علة، وإلاّ فجمع عظيم يقع
العلم بخبرهم، وقيل: أهل المحلة، وقيل: خمسون رجلاً كالقسامة. وعن خلف بن أيوب:
خمسمائة ببلخ، وهلال الأضحى كالفطر، وقيل: مائة، ذكرها في (خزانة الأكمل)، وإذا حال
دون المطلع غيم أو قترة ليلة الثلاثين من شعبان لأحمد فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجب صومه
على أنه من رمضان. والثاني: لا يجوز فرضاً ولا نفلاً مطلقاً، بل قضاءً وكفارةً ونذراً ونفلاً.
يوافق عادة، وبه قال الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما
سوى ذلك. والثالث: المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر. قوله: ((فإن غبي)) أي:
الهلال من الغباوة، وهو عدم الفطنة، يقال: غبي علي بالكسر إذا لم تعرفه، وهي استعارة
الخفاء الهلال، وهو من: باب علم يعلم، وقال ابن الأثير: وروي: غبي، بضم الغين وتشديد
الباء المكسورة لما لم يسم فاعله، قال: غبي بالفتح والتخفيف، وغبي بالضم والتشديد من
الغباء، شبه الغبرة في السماء. وفي رواية المستملي: ((فإن غم))، بضم الغين المعجمة وتشديد
الميم، قيل: معناه حال بنيكم وبينه غيم، يقال: غممت الشيء إذا غطيته، وقال ابن الأثير:
وفي: غم، ضمير الهلال، ويجوز أن يكون غم مسنداً إلى الظرف، أي: فإن كنتم مغموماً
عليكم فأكملوا، وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه. وفي رواية الكشميهني: ((أغمي))، على
صيغة المجهول من الإغماء بالغين المعجمة، يقال: أغمى عليه الخبر إذا استعجم، وفي رواية
السرخسي: ((غمي)) بضم الغين المعجمة وتشديد الميم من التغمية، وهو الستر والتغطية، ونقل
ابن العربي أنه روى: ((عمي))، بفتح العين المهملة من العمى، قال: وهو بمعناه، لأنه ذهاب
البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصيرة عن المعقولات. قوله: ((فأكملوا عدة شعبان
ثلاثين))، وفي حديث عبد الله بن عمر الذي مضى قبل هذا الحديث: ((فأكملوا العدة
ثلاثين))، ولم يذكر فيه شعبان ولا غيره، ولم يخص شهراً دون شهر بالإكمال إذا غم، فلا
فرق بين شعبان وغيره في ذلك، إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبينه، فلا يكون
رواية من روى ((فأكملوا عدة شعبان))، مخالفاً لمن قال: فأكملوا العدة، بل مبينة لها، ويؤيد
ذلك ما رواه أصحاب السنن وأحمد وابن خزيمة وأبو يعلى من حديث ابن عباس: ((فإن حال
بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً). ورواه الطيالسي من
هذا الوجه، بلفظ: ((ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان)).
١٩١٠/١٩ - حدّثنا أبوٍ عاصِمٍ عن ابنٍ جَرَيْجِ عنْ يَحْيِّى بنِ عَبدِ اللهِ بنِ صَيْفِيّ عنْ
عِكْرِمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عن أَمِّ سَلَمَّةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ النبيَّ عَِّ آَلَى مِنْ نِسَائِهِ
شَهْراً فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْماً غَدَا أَوْ رَاعَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّكَ حَلَفْتَ أنْ لاَ تَدْخُلَ شَهْراً

٤٠٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١١)
فَقال إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْماً. [الحديث ١٩١٠ - طرفه في: ٥٢٠٢].
مطابقته للترجمة مثل الوجه الذي ذكرناه في مطابقة الحديث السابق للترجمة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد. الثاني: عبد
الملك بن عبد العزيز بن جريج. الثالث: يحيى بن عبد الله بن صيفي، منسوب إلى ضد
الشتاء، مر في أول الزكاة. الرابع: عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي. مات زمان
يزيد بن عبد الملك. الخامس: أم سلمة زوج النبي عَّهِ، واسمها هند بنت أبي أمية.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة
مواضع. وفيه: أن شيخه مذكور بكنيته وأنه بصري وأن ابن جريج ويحيى مكيان وعكرمة
مدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في النكاح عن أبي
عاصم، وعن محمد بن مقاتل. وأخرجه مسلم في الصوم عن هارون بن عبد الله وعن إسحاق
بن راهويه. وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن يوسف بن سعيد، وأخرجه ابن ماجه في
الطلاق عن أحمد بن يوسف عن أبي عاصم.
ذكر معناه: قوله: ((آلى))، أي: حلف لا يدخل على نسائه، ويقال ألى يولي إيلاءً
وتألى يتألى تألياً. قوله: ((من نسائه))، إنما عداه: بمن، حملاً على المعنى، وهو الامتناع من
الدخول، وهو يتعدى: بمن، قوله: ((غدا)) بالغين المعجمة، يقال: غدا يغدو غدواً، وهو الذهاب
أول النهار. قوله: ((أو راح)، شك من الراوي من الرواح وهو الذهاب آخر النهار، وهو الأصل،
وقد يراد به مطلق الذهاب أي وقت كان، ومنه قوله عَ له: ((من راح إلى الجمعة في الساعة
الأولى)) أي: من مشى إليها وذهب إلى الصلاة، ولم يرد رواح آخر النهار، وروى مسلم:
حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا معمر عن الزهري: ((أن النبي، عَّه، أقسم أن لا يدخل
على أزواجه شهراً)، قال الزهري، فأخبرني عروة ((عن عائشة، قالت: لما مضت تسع وعشرون
ليلة، أعدهن، دخل علي رسول الله، عَ ليه، قالت: بدأ بي، فقلت يا رسول الله! إنك أقسمت
أن لا تدخل علينا شهراً وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن؟ قال: إن الشهر تسع
وعشرون)). معناه: قد يكون تسعة وعشرين، كما صرح به في بعض الروايات. ثم اعلم أن
قول أم سلمة: إن النبي عَّلِ آلى من نسائه شهراً، المراد منه الحلف لا الإيلاء الشرعي، لأن
الإيلاء الشرعي هو الحلف على ترك قربان امرأته أربعة أشهر أو أكثر، لقوله تعالى: ﴿للذين
يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة: ٢٢٦]. فتكون مدة الإيلاء أربعة أشهر من غير
زيادة ولا نقصان، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا علي بن مسهر عن سعيد بن عامر
الأحول عن عطاء ((عن ابن عباس، قال: إذا آلى من امرأته شهراً أو شهرين أو ثلاثة ما لم يبلغ
الحد فليس بإيلاء)). وأخرج نحوه عن عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والشعبي، وقال الشافعي
وأحمد: إذا حلف لا يقربها أربعة أشهر لا يكون مولياً حتى يزيد مدة المطالبة، واشترط مالك

٤٠٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٢)
زيادة يوم، والآية المذكورة حجة عليهم، وحكم الإيلاء أنه إذا وطئها في المدة كفَّر، لأنه
حنث في يمينه، وقال الحسن البصري: لا كفارة عليه، وسقط الإيلاء، وإن لم يطأها في
المدة حتى مضت بانت منه بتطليقة واحدة، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وابن عباس
وعثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهم، وهو قول جمهور التابعين، وفيه فروع كثيرة محلها
كتب الفقه.
:
١٩١١/٢٠ - حدثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ عَبدِ الله قال حدَّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلٍ عنْ حُمَيْدٍ
عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ قال آلَى رَسُولُ اللهِ عَ لِ مِنْ نِسَائِهِ وكانَتِ انْفَكَتْ رِجْلُهُ فأقامَ
فِي مَشرَبَةٍ تِسعاً وعِشْرِينَ لَيْلَةٍ ثُمَّ نَلَ فقالُوا يا رسولَ اللهِ آَلَيْتَ شَهْراً فقال إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ
تِشْعاً وعِشْرِينَ. [انظر الحديث ٣٧٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا وجهها في الحديثين السابقين، وعبد العزيز بن عبد الله
ابن يحيى بن عمر، وأبو القاسم القرشي العامري الأويسي المدني، وهو من أفراده، وحميد
بضم الحاء الطويل أبو عبيدة البصري.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في النذر عن عبد العزيز المذكور، وفي النكاح عن
خالد بن مخلد، وفي الطلاق عن إسماعيل عن أخيه عبد الحميد.
قوله: ((وكانت انفكت رجله))، من الانفكاك وهو ضرب من الوهن والخلع وهو أن
ينفك بعض أجزائها عن بعض. قوله: ((في مشربه)) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم
الراء وفتحها وبالباء الموحدة الغرفة. قوله: ((تسعاً وعشرين))، كذا هو في رواية الأكثرين وفي
رواية الحموي والمستملي: ((تسعة وعشرين)).
١٢ - بابّ شَهْرا عِيدٍ لاَ يَنْقُصانِ
أي: هذا باب يذكر فيه شهرا عيد لا ينقصان، والشهران هما: رمضان وذو الحجة،
كما في متن حديث الباب، وسنقول: وجه إطلاق شهر عيد على رمضان مع أن العيد من
شوال، وهذه الترجمة عين متن الحديث الذي رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي
بكرة عن أبيه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة)). ولم
يذكر في الترجمة: رمضان وذو الحجة.
قال أبُو عَبْدِ الله قال إسحاقُ وإنْ كانَ ناقِصاً فَهْوَ ثَمَامٌ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه وليس هذا بموجود في كثير من النسخ. قوله: ((قال
إسحاق)) قال صاحب (التلويح): إسحاق هذا هو ابن سويد بن هبيرة العدوي عدي بن عبد
مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وتبعه صاحب (التوضيح) على هذا، وقال بعضهم:
ادعى مغلطاي، وهو صاحب (التلويح) أن المراد بإسحاق هو ابن سويد العدوي راوي
الحديث، ولم يأت على ذلك بحجة. وقال: إسحاق هو ابن راهويه. قلت: قول صاحب

٤٠٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٢)
(التوضيح) أقرب إلى الصواب، بل الظاهر أن إسحاق هو ابن سويد، لأنه ممن روى هذا
الحديث فالأقرب أن يكون هو إياه، فهذا القائل يرد على صاحب (التلويح) فيما قاله بأنه: لم
يأت بحجة فهذا ادعى أنه إسحاق بن راهويه، وأين حجته على ذلك؟ فإن قيل: حجته أن
الترمذي نقل هذا، أعني قوله: ((وإن كان ناقصاً فهو تمام)) عن إسحاق بن راهويه؟ يقال له:
حجة صاحب (التلويح) أقوى فيما قاله، لأنه ينسبه إلى راوي الحديث الذي فيه، وما نسبه
الترمذي إلى إسحاق بن راهويه يكون من باب توارد الخواطر.
قوله: ((وإن كان ناقصاً فهو تمام)) يعني: وإن كان كل واحد من شهري العيد ناقصاً،
أي: وإن كان عددهما ناقصاً في الحساب. فهو تمام في الثواب والأجر، وقد روى أبو نعيم
في (مستخرجه) عن إسحاق العدوي من رواية مسدد بالإسناد المذكور بلفظ: ((لا ينقص
رمضان ولا ينقص ذو الحجة)»، وروى البيهقي من طريق يحيى بن محمد بن يحيى عن
مسدد بلفظ: ((شهرا عيد لا ينقصان))، كما هو لفظ الترجمة.
وقال محَمَّدٌ لاَ يجْتَمِعانِ كِلاهُما ناقِصٌ
قيل: المراد من قوله: قال محمد، هو البخاري نفسه لأن اسمه محمد بن إسماعيل،
وهذا نادر، لأن دأبه إذا أراد أن يذكر شيئاً وأراد أن ينسبه إلى نفسه يقول: قال أبو عبد الله،
بكنيته، وقال صاحب (التلويح): هذا التعليق عن ابن سيرين مذكور، ولم يذكر مذكور في
أي موضع، وعن هذا يحتمل أن يكون المراد من قوله: ((وقال محمد» هو محمد بن سیرین،
والأقرب - والله أعلم - أنه هو محمد بن سيرين. قوله: ((لا يجتمعان)) أي: شهرا عيد، وقوله:
((كلاهما ناقص))، جملة حالية بغير واو، ويجوز ذلك كما في قوله: كلمته فوه إلى في،
والمعنى: لا يجتمعان في سنة واحدة في حالة نقص فيهما، بل إن نقص أحدهما تم الآخر.
١٩١٢/٢١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قال سَمِعْتُ إِسْحَاقَ يَعْنِي ابنَ سُوَيْدٍ عنْ
عَبْدِ الرَّحْمِنِ بنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عنِ النبيِّ عَلِّ ح وحدَّثني مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عَنْ
خالِدِ الحَذَّاءِ قال أخبرَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ أبِي بَكْرَةَ عَنْ أبِيهِ رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ
عَِّ قال شَهْرَانِ لاَ يَنْقُصَانِ شَهْرا عِيدٍ رَمَضانُ وذُو الحَجَّةِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورواه البخاري من طريقين: أحدهما: عن مسدد عن معتمر بن
سليمان البصري عن إسحاق بن سويد العدوي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أبي
بكرة، واسمه: نفيع، تصغير النفع بالنون والفاء والعين المهملة: الثقفي، وقد مر كلاهما، وعبد
الرحمن أول مولود ولد بالبصرة بعد بنائها، وقد مر في العلم. والآخر: عن مسدد عن معتمر
عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن أبي بكرة عن معتمر به وعن يحيى بن يحيى عن
يزيد بن زريع عن خالد الحذاء. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن يزيد بن زريع به.
وأخرجه الترمذي فيه عن يحيى بن خلف عن بشر بن الفضل عن خالد الحذاء به، وقال:

٤٠٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٢)
حديث حسن، وأخرجه ابن ماجه فيه عن حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع به، وإنما اختار
البخاري سياق المتن على لفظ خالد دون إسحاق بن سويد لكونه لم يختلف في سياقه عليه،
كذا قاله بعضهم. قلت: كلا الطريقين صحيح عند البخاري، ولکنه انفرد یاخراجه من حديث
إسحاق بن سويد، وبقية الجماعة غير النسائي أخرجوه من حديث خالد الحذاء، فيمكن أن
يكون اختياره سوق المتن على لفظ خالد، لهذا المعنى، ومع هذا شك بعض الرواة في رفعه
إلى النبي عَّهِ، ولهذا قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة
عن النبي عَّهُ مرسلاً، ولهذا حسنه الترمذي ولم يصححه لما وقع فيه من الاختلاف في
وصله وإرساله، ورفعه ووقفه، والاختلاف في لفظه، وقال شيخنا: ولا أعلم من رواه عن أبي
بكرة غير ابنه عبد الرحمن، ورواه عن عبد الرحمن جماعة منهم: خالد الحذاء وإسحاق بن
سويد وعلي بن يزيد بن جدعان وسالم أبو حاتم وعبد الملك بن عمير وعبد الرحمن بن
إسحاق، كلهم أسنده عن أبيه عن النبي عَُّلّه، وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه من
حديث خالد الحذاء، وانفرد به البخاري من حديث إسحاق بن سويد، ورواه أحمد في
(مسنده) والطبراني في (الكبير) من رواية علي بن زيد وسالم بن أبي حاتم، ويكنى أيضاً أبا
عبد الله، ورواه الطبراني من رواية عبد الملك بن عمير، ورواه البزار في (مسنده) من رواية
عبد الرحمن بن إسحاق، وقال البزار في (مسنده) وهذا الكلام لا نعلم رواه أحمد عن النبي
عَ التِّ بهذا اللفظ إلاَّ أبو بكرة نحو كلامه بغير لفظه. انتهى. وقد روى أبو شيبة عبد الرحمن
ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله عَلَّهِ: ((كل شهر
حرام تام ثلاثين يوماً وثلاثين ليلة)). رواه ابن عدي في (الكامل) في ترجمة عبد الرحمن بن
إسحاق الواسطي، ونقل تضعيفه عن أحمد ويحيى والبخاري والنسائي، وذكر أبو عمر في
(التمهيد) هذا الحديث، وقال: لا يحتج بهذا فإنه يدور على عبد الرحمن بن إسحاق وهو
ضعيف. قال شيخنا: ليس مداره عليه كما ذكر، وأيضاً فقد اختلف عليه فيه، فروي عنه بهذا
اللفظ کما تقدم، وروي عنه باللفظ المشهور، رواه البزار في (مسنده) کذلك، قال: حدثنا
عمرو بن مالك حدثنا مروان بن معاوية حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة عن أبيه رفعه إلى النبي عَ لّه، قال: ((شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة))،
وأما متابعته على اللفظ الآخر: ((كل شهر حرام)) فرواه الطبراني في (الكبير) قال: حدثنا أحمد
ابن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان عن هشيم عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن
أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله عَّله: ((كل شهر حرام لا ينقص ثلاثين يوماً وثلاثين
ليلة))، ورجال إسناده كلهم ثقات، وأحمد بن يحيى وثقه أحمد بن عبد الله الفرائضي،
وباقيهم رجال الصحيح.
ذكر معناه: قوله: ((شهران)) مبتدأ، ولا ينقصان خبره. قوله: ((شهرا عيد)»، كلام إضافي
خبر مبتدأ محذوف، يعني: هما شهرا عيد، ويجوز أن يكون ارتفاعه على البدلية. قوله:
((رمضان))، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أحدهما رمضان، ومنع الصرف للتعريف

٤٠٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٢)
والألف والنون، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((وذو الحجة)»، كذلك خبر مبتدأ
محذوف أي: والآخر ذو الحجة. وقال ابن الجوزي: فإن قيل: كيف سمي شهر رمضان شهر
عيد، وإنما العيد في شوال؟ فقد أجاب عنه الأثرم بجوابين: أحدهما: أنه قد يرى هلال شوال
بعد الزوال من آخر يوم رمضان. والثاني: لما قرب العيد من الصوم أضافته العرب إليه بما
قرب منه. قلت: في بعض ألفاظ الحديث التصريح بأن العيد في رمضان، رواه أحمد في
(مسنده) قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة، قال: سمعت خالداً الحذاء يحدث عن
عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي عَِّ قال: ((شهران لا ينقصان في كل واحد
منهما عيد: رمضان وذو الحجة))، وهذا إسناده صحيح.
وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث على أقوال، فقال بعضهم: معناه: أنهما لا
يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب، وقال بعضهم: معناه: أنهما
لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعين في النقصان، إن كان أحدهما تسعاً وعشرين
كان الآخر ثلاثين، على الكمال. وقال بعضهم: إنما أراد بهذا تفضيل العمل في العشر من ذي
الحجة، فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان، وقال ابن حبان: لهذا الخبر
معنيان: أحدهما أن شهري عيد لا ينقصان في الحقيقة، وإن نقصا عندنا في رأي العين عند
الحائل بيننا وبين رؤية الهلال بقترة، أو ضباب، والمعنى الثاني: أن شهري عيد لا ينقصان
في الفضائل، يريد أن عشر ذي الحجة على الفضل كشهر رمضان، وقال الطحاوي: معناه: لا
ينقصان، وإن كانا تسعاً وعشرين يوماً، فهما كاملان، لأن في أحدهما الصيام، وفي الآخر
الحج، وأحكام ذلك كله كاملة غير ناقصة. وعن المازري: معناه لا ينقصان في عام واحد
بعينه، وعن الخطابي قيل: لا ينقص أجر ذي الحجة عن أجر رمضان لفضل العمل في العشر،
وقال الطحاوي: روى عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن النبي عَّه.
أنه قال: ((كل شهر حرام ثلاثون))، فقال: وليس بشيء، لأن ابن إسحاق لا يقاوم خالد الحذاء
ولأن العيان يمنعه. وقال الكرماني: فإن قلت: ذو الحجة إنما يقع الحج في العشر الأول منه،
فلا دخل لنقصان الشهر وتمامه فيه، بخلاف رمضان فإنه يصام كله مرة فيكون تاماً، ومرة
یکون ناقصاً.
قلت: قد تكون أيام الحج من الإغماء والنقصان مثل ما يكون في آخر رمضان بأن
يغمى هلال ذي القعدة ويقع فيه الغلط بزيادة يوم أو نقصانه، فيقع عرفة في اليوم الثامن أو
العاشر منه، فمعناه أن أجر الواقفين بعرفة في مثله لا ينقص عما لا غلط فيه، وقال ابن بطال:
قالت طائفة: من وقف بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل الموقف في يوم قبل يوم عرفة أو بعده
أنه يجزىء عنه، لأنهما لا ينقصان عند الله من أجر المتعبدين بالاجتهاد، كما لا ينقص أجر
رمضان الناقص، وهو قول عطاء والحسن وأبي حنيفة والشافعي، احتج أصحابه على جواز
ذلك بصيام من التبست عليه الشهور أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده، وعن ابن
القاسم: أنهم إن أخطأوا ووقفوا بعد يوم عرفة يوم النحر يجزيهم، وإن قدموا الوقوف يوم

٤٠٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٣)
التروية أعادوا الوقوف من الغد، ولم يجزهم، وهذا تخرج على أصل تلك فيمن التبست عليه
الشهور فصام رمضان، ثم تيقن له أنه أوقعه بعد رمضان أنه يجزيه، ولا يجزيه إذا أوقعه قبل
رمضان، كمن اجتهد وصلى قبل الوقت أنه لا يجزيه، وقال بعض العلماء: إنه لا يقع وقوف
الناس اليوم الثامن أصلاً لأنه لا يخلو من أن يكون الوقوف برؤية أو بإغماء، فإن كان برؤية
وقفوا اليوم التاسع، وإن كان بإغماء وقفوا اليوم العاشر.
فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص الشهرين بالذكر؟ قلت: قال البيهقي: إنما خصهما
بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما، وبه قطع النووي. وقال الطيبي: ظاهر سياق الحديث
بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من الشهور، وليس المراد أن ثواب الطاعة
في غيرهما ينقص، وإنما المراد رفع الحرج عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم
لاختصاصهما بالعيدين، وجواز احتمال وقوع الخطأ فيها، ومن ثمة قال: ((شهرا عيد)) بعد
قوله: ((شهران لا ينقصان))، ولم يقتصر على قوله: ((رمضان وذو الحجة)).
وفيه: حجة لمن قال: إن الثواب ليس مرتباً على وجود المشقة دائماً، بل لله أن
يتفضل بإلحاق الناقص بالتام في الثواب، ومنه استدل بعضهم لمالك في اكتفائه لرمضان بنية
واحدة، قال: لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة، فاكتفى له بالنية.
ومما يستفاد من هذا الحديث أنه يقتضي التسوية في الثواب بين الشهر الكامل وبين
الشهر الناقص، فافهم.
١٣ - بابُ قَوْلِ النبيِّ عَُّلِّ لاَ نَكْتُبُ ولاَ نَحْسُبُ
أي: هذا باب في بيان قول النبي عَّ له: لا نكتب، بنون المتكلم، وكذلك: لا
نحسب.
١٩١٣/٢٢ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا الأُسْودُ بنُ قَيْسٍ قالِ حدَّثنا
سَعِيدُ بنُ عَمُرٍو أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَ لَّهِ أَنَّهُ قَالَ إِنَّا أُمَّةٌ أُمَّيَّةُ
لاَ نَكْتُبُ ولاَّ نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا أَوْ هَكَذَا يَغْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وعِشْرِينَ ومَرَّةً ثَلاثِينَ. [انظر
الحديث ١٩٠٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إنها بعض الحديث، والأسود بن قيس أبو قيس البجلي
الكوفي التابعي، مر في العيد في: باب كلام الإمام، وسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص
الأموي مر في الوضوء، وفيه رواية التابعي عن التابعي.
والحديث أخرجه مسلم في الصوم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن المثنى وابن
بشار، ثلاثتهم عن غندر عن شعبة به، وعن محمد بن حاتم عن ابن مهدي. وأخرجه أبو داود
فيه عن سليمان بن حرب عن شعبة به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى، وفيه وفي
العلم عن ابن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر به. وأخرجه مسلم من حديث سعد بن
أبي وقاص قال: ((ضرب رسول الله عَ ليه بيده على الأخرى، وقال: الشهر هكذا وهكذا، ثم

٤٠٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٣)
نقص في الثالثة إصبعاً)). وأخرجه عن جابر بن عبد الله أيضاً قال: ((اعتزل النبي عَّةٍ ... ))
الحديث، وفيه: ((إن الشهر يكون تسعاً وعشرين)). وأخرج أبو داود من حديث ابن مسعود:
((ما صمت مع رسول الله عَ ل تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين))، وعن عائشة مثله عند
الدارقطني وابن ماجه مثله من حديث أبي هريرة. قوله: ((إنا))، أي: العرب، قال الطيبي: إنا
كناية عن جيل العرب، وقيل: أراد نفسه، عليه السلام. قوله: ((أمة)) أي: جماعة قريش مثل
قوله تعالى: ﴿أمة من الناس يسقون﴾ [القصص: ٢٣]. وقال الجوهري: الأمة الجماعة، وقال
الأخفش: هو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة، والأمة الطريقة
والدين، يقال: فلان لا أمة له، أي: لا دين له، ولا نحلة له، وكسر الهمزة فيه لغة، وقال ابن
الأثير: الأمة الرجل المفرد بدين لقوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله﴾ [النحل:
١٢٠].
قوله: ((أمية))، نسبة إلى الأم، لأن المرأة هذه صفتها غالبة، وقيل: أراد أمة العرب لأنها
لا تكتب، وقيل: معناه باقون على ما ولدت عليها الأمهات، وقال الداودي: أمة أمية لما تأخذ
عن كتب الأمم قبلها، إنما أخذت عما جاءه الوحي من الله، عز وجل، وقيل: منسوبون إلى أم
القرى، وقال بعضهم: منسوب إلى الأمهات قلت: من له أدنى شمة من التصريف لا يتصرف
هكذا. قوله: ((لا نكتب ولا نحسب)) بيان لكونهم كذلك، وقيل: العرب أميون لأن الكتاب
فيهم كانت عزيزة نادرة، قال الله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة:
٢]. فإن قلت: كان فيهم من يكتب ويحسب؟ قلت: وإن كان ذلك كان نادراً، والمراد
بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك شيئاً إلاَّ النذر اليسير،
وعلق الشارع الصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عن أمته في معاناة حساب التسيير، واستمر
ذلك بينهم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر قوله عَ له: ((فإن غم عليكم فأكملوا
العدة ثلاثين)). ينفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، إذ لو كان الحكم يعلم من ذلك لقال:
فاسألوا أهل الحساب، وقد رجع قوم إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الروافض، ونقل عن
بعض الفقهاء موافقتهم، قال القاضي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة،
هو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس
فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق الأمر، إذ لا يعرفها إلا القليل. قوله:
((ولا نحسب)) بضم السين، قال ثعلب: حسبت الحساب أحسبه حسباً وحسباناً. وفي (شرح
مكي): أحسبه أيضاً، بمعنى. وفي (المحكم): حسابة وحسبة وحسباناً. وقال ابن بطال وغيره:
أمم لم تكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا
كتابة إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم،
ثم تمم هذا المعنى بإشارته بيده ولم يتلفظ بعبارته عنه نزولاً ما يفهمه الخرس والعجم،
وحصل من إشارته بيديه أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خنس إبهامه في الثالثة أنه يكون تسعاً
وعشرين، وعلى هذا إن من نذر أن يصوم شهراً غير معين فله أن يصوم تسعاً وعشرين، لأن

٤١٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٤)
ذلك يقال له شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان، لأنه أقل ما يصدق عليه
الاسم، وكذا من نذر صوماً فصام يوماً أجزأه، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك، فإنه قال: لا
يجزيه إذا صامه بالأيام إلاَّ ثلاثون يوماً، فإن صامه بالهلال فعلى الرؤية.
وفيه: أن يوم الشك من شعبان، قال ابن بطال: وهذا الحديث ناسخ لمراعاة النجوم
بقوانين التعديل، وإنما المعول على رؤية الأهلة، وإنما لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون.
عياناً أو كالعيان، وأما ما غمض حتى لا يدرك إلاَّ بالظنون ويكشف الهيآت الغائبة عن الأبصار
فقد نهينا عنه، وعن تكلفه لأن سيدنا رسول الله عَ لّه، إنما بعث إلى الأميين، وفي الحديث
مستند لمن رأى الحكم بالإشارة والإيماء، كمن قال امرأته طالق وأشار بأصابعه الثلاث، فإنه
يلزمه ثلاث تطليقات، والله أعلم.
١٤ - بابٌ لاَ يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ
أي: هذا باب يذكر فيه: لا يتقدمن ... إلى آخره، وهو بالنون الخفيفة والثقيلة، وفي
كثير من النسخ: لا يتقدم، بدون النون، ويجوز فيه بناء المعلوم والمجهول، والتقدير في بناء
المعلوم لا يتقدم المكلف.
٢٤ / ١٩١٤ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال حدَّثنا يحيى بنُ أبِي
كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِي اللهِ تعالى عنه عنِ النبيِّ عَّ ◌ُلِّ قال لاَ يَتَقَدَّمَنَّ
أحَدُكُمْ رَمَضانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ
اليَوْمَ.
مطابقته للترجمة من حيث إنها مأخوذة منه. ورجاله مروا غير مرة، وهشام هو
الدستوائي.
وأخرجه مسلم في الصوم أيضاً من حديث علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير
عن أبي سلمة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّله: ((لا تقدموا
رمضان بصوم يوم ولا يومين إلاَّ رجل كان يصوم صوماً فليصمه)). وأخرجه أبو داود فيه عن
مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري قال: أخبرنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن
أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَ لّم قال: ((لا يتقدمن أحدكم صوم رمضان بيوم
ولا يومين إلاَّ أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم)). وأخرجه الترمذي فيه:
حدثنا أبو كريب حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله عَ لَّهِ: ((لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلاَّ أن يوافق ذلك صوماً كان
يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)). الحديث، وقال: حديث حسن صحيح،
وأخرجه النسائي فيه، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا الوليد عن الأوزاعي عن
يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله، عَّ الله، قال: ((ألا لا
تقدموا قبل الشهر بصيام إلاّ رجل كان يصوم صياماً أتى ذلك اليوم على صيامه)). وأخرجه ابن

٤١١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٤)
ماجه: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا عبد الحميد بن حبيب والوليد بن مسلم عن
الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، عَ له.
((لا تقدموا صيام رمضان بيوم ولا بيومين إلاَّ رجل كان يصوم صوماً فيصومه))، ولما أخرج
الترمذي هذا الحديث قال: وفي الباب عن بعض أصحاب النبي عَِّ قلت: حديث بعض
أصحاب النبي عَّمِ أخرجه النسائي من رواية منصور عن ربعي عن بعض أصحاب النبي عَّه.
عن النبي عَّه، قال: ((لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال)) الحديث. وفي الباب أيضاً عن
حذيفة عند أبي داود، وعن ابن عباس عند أبي داود والترمذي، وعن عائشة عند أبي داود
أيضاً عن عمر، رضي الله تعالى عنه، عند البيهقي، وعن جابر بن خديج عند الدارقطني، وعن
ابن مسعود عند الطبراني في (الكبير) وعن ابن عمر عند مسلم، وعن علي بن أبي طالب عند
أحمد والطبراني، وعن طلق بن علي عند الطبراني أيضاً، وعن سمرة بن جندب عند الطبراني
أيضاً، وعن البراء بن عازب عنده أيضاً.
قوله: ((عن أبي سلمة عن أبي هريرة))، وعند الإسماعيلي من رواية خالد بن
الحارث: حدثني أبو سلمة حدثني أبو هريرة، وكذا في رواية أبي عوانة من طريق معاوية بن
سلام عن يحيى. قوله: ((لا يتقدمن أحدكم رمضان))، في رواية خالد بن الحارث المذكور:
((لا تقدموا بين يدي رمضان بصوم))، وفي رواية أحمد عن روح عن هشام: ((لا تقدموا قبل
رمضان بصوم))، قوله: ((إلاَّ أن يكون رجل))، يكون، هنا تامة معناه: إلاَّ أن يوجد رجل يصوم
صوماً. وفي رواية الكشميهني: ((صومه)) أي: صومه المعتاد كصوم الورد أو النذر أو الكفارة.
وقال العلماء: معنى الحديث: لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاختلاط لرمضان،
تحذيراً مما صنعت النصارى في الزيادة على ما افترض عليهم برأيهم الفاسد، فكان عَّ له يأمر
بمخالفة أهل الكتاب وكان أولاً يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم أمر بعد
ذلك بمخالفتهم. فإن قلت: هذا النهي للتحريم أو للتنزيه؟ قلت: حكى الترمذي عن أهل العلم
الكراهة، وكثيراً ما يطلق المتقدمون الكراهة على التحريم، ولا شك أن فيه تفصيلاً واختلافاً
للعلماء، فذهب داود إلى أنه لا يصح صومه أصلاً، ولو وافق عادة له، وذهبت طائفة إلى أنه
لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعاً إلاَّ أن يوافق صوماً كان يصومه، وأخذوا بظاهر
هذا الحديث، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي وعمار وحذيفة وابن مسعود، ومن
التابعين سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والحسن وابن سيرين، وهو قول الشافعي، وكان
ابن عباس وأبو هريرة يأمران بفصل يوم أو يومين كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة
والنافلة بكلام أو قيام أو تقدم أو تأخر، وقال عكرمة: من صام يوم الشك فقد عصى الله
ورسوله، وأجازت طائفة صومه تطوعاً، روي عن عائشة وأسماء أختها أنهما كانتا تصومان يوم
الشك، وقالت عائشة: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان، وهو
قول الليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد
العزيز والحسن أنه: إذا نوى صومه من الليل على أنه من رمضان ثم علم بالهلال أو النهار أو

٤١٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٤)
آخره أنه يجزيه، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه.
وقيل الحكمة في هذا النهي، التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وقيل:
لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو بيومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وإنما
اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا: غاية المنع من أول السادس
عشر من شعبان لما رواه أصحاب السنن من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا))، وأخرجه ابن حبان وصححه، وقال الروياني
من الشافعية: يحرم التقدم بيومين لحديث الباب، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث
الآخر، وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان، وقال بعضهم:
وضعف الحديث الوارد فيه، وقد قال أحمد وابن معين: إنه منكر، وقد استدل البيهقي
بحديث الباب على ضعفه، فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، قلت:
هذا الحديث صححه ابن حبان وابن حزم وابن عبد البر، ولما رواه الترمذي قال: حديث
حسن صحيح، ولفظه: ((إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا))، ولفظ النسائي: ((فكفوا عن
الصوم))، ولفظ ابن ماجه: ((وإذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى يجيء رمضان))، ولفظ
ابن حبان: ((فأفطروا حتى يجيء رمضان))، وفي رواية له: ((لا صوم بعد النصف من شعبان
حتى يجيء رمضان))، ولفظ ابن عدي: ((إذا انتصف شعبان فأفطروا))، ولفظ البيهقي: ((إذا
مضى النصف من شعبان فأمسكوا عن الصيام حتى يدخل رمضان))، والعلاء بن عبد الرحمن
احتج به مسلم وابن حبان وغيرهما ممن التزم الصحة، ووثقه النسائي، وروى عنه مالك
والأئمة، ورواه عن العلاء جماعة: عبد العزيز الدراوردي وأبو العميس وروح بن عبادة وسفيان
الثوري وسفيان بن عيينة وزهير بن محمد وموسى بن عبيدة الربذي وعبد الرحمن بن إبراهيم
القاري المديني، وقد جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم،
وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وقيل: كان أبو هريرة يصوم في النصف
الثاني من شعبان، فقال: من يقول العبرة بما رأى أن فعله هو المعتبر، وقيل: فعله يدل على أن
ما رواه منسوخ.
وقد روى الطحاوي ما يقوي قول من ذهب إلى أن الصوم فيما بعد انتصاف شعبان
جائز غير مكروه بما رواه من حديث ثابت عن أنس أن النبي عَ لَّه قال: ((أفضل الصيام بعد
رمضان شعبان))، وبما رواه من حديث عمران بن حصين ((أن رسول الله عَ لَّه قال لرجل: هل
صمت من سرر شعبان؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين)). قلت: أما
حديث ثابت عن أنس فضعيف لأن في سنده صدقة بن موسى، وفيه مقال. فقال يحيى: ليس
حديثه بشيء، وضعفه النسائي وأبو داود. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه الشيخان وأبو
داود، قوله: ((سرر شعبان))، السرر بفتح السين المهملة والراء: ليلة يستسر الهلال، يقال: سرار
الشهر وسراره بالكسر والفتح، وسرره. واختلفوا فيه فقيل: أوله، وقيل: وسطه، وقيل: آخره،
وهو المراد هنا، كذا قاله الهروي والخطابي عن الأوزاعي.

٤١٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٥)
١٥ - بابُ قَوْلِ الله جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ
لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمِ الله أنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنَّفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وعَفَا
عَنْكُمْ فَلَآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكَمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
أي: هذا باب في بيان قول الله عز وجل وما يتعلق به من الأحكام، وهذه الآية إلى
قوله تعالى: ﴿ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧]. رواية أبي ذر وفي رواية غيره إلى آخر الآية
﴿لعلهم يتقون﴾ [البقرة: ١٨٧]. وجعل البخاري هذه الآية ترجمة لبيان ما كان الحال عليه
قبل نزول هذه الآية، وسبب نزولها في عمر بن الخطاب وصرمة بن قيس، قال الطبري،
بإسناده إلى عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: ((كان الناس في رمضان إذا
صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن
الخطاب من عند النبي عَّم ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها،
فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت؟ ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثله، فغدا عمر ابن
الخطاب إلى النبي عَّهِ، فأخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿علم الله أنكم تختانون أنفسكم فتاب
عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧]. الآية، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء
وعكرمة والسدي وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب، ومن صنع
كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة
ورخصة ورفقاً. وحديث الباب يقتصر على قضية صرمة بن قيس. قوله: ((الرفث)) هو
الجماع، هنا قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله
وعمرو بن دينار والحسن وقتادة والزهري والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وعطاء
الخراساني ومقاتل بن حيان، وقال الزجاج: الرفث، كله جامع لكل ما يريده الرجل من النساء
قوله: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن
جبير والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان: يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن، وقال
الربيع بن أنس: هن لحاف لكم وأنتم لحاف لهن، وحاصله أن الرجل والمرأة كل منهما
يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا
يشق ذلك عليهم ويحرجوا، وقيل: كل قرن منكم يسكن إلى قرنه ويلابسه، والعرب تسمي
المرأة لباساً وإزاراً قال الشاعر:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها
·تداعت، فكانت عليه لباساً
وقال آخر:
ألاَ بلِّغ أبا خَفص رسولاً
فِدَّى لك من أخي ثقة إزاري
قال أهل اللغة: معناه فدىّ لك امرأتي، وذكر ابن قتيبة وغيره أن المراد بقوله: إزاري،
فدىّ لك امرأتي، وقال بعضهم: أراد نفسه أي: فدىّ لك نفسي. وفي (كتاب الحيوان)
للجاحظ: ليس شيء من الحيوان يتبطن طروقته أي: يأتيها من جهة بطنها غير الإنسان

٤١٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٥)
والتمساح، وفي (تفسير الواحدي): والدب. وقيل الغراب. قوله: ﴿تختانون أنفسكم﴾
[البقرة: ١٨٧]. يعني: تجامعون النساء وتأكلون وتشربون في الوقت الذي كان حراماً
عليكم، ذكره الطبري. وفي (تفسير) ابن أبي حاتم عن مجاهد: ﴿تختانون أنفسكم﴾ [البقرة:
١٨٧]. قال: تظلمون أنفسكم. قوله: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧]. أي: جامعوهن،
كنى الله عنه، قاله ابن عباس: وروي نحوه عن مجاهد وعطاء والضحاك ومقاتل بن حيان
والسدي والربيع بن أنس وزيد بن أسلم. قوله: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧].
قال مجاهد: فيما ذكره عبد بن حميد في تفسيره: الولدان لم تلد هذه، فهذه، وذكره أيضاً
الطبري عن الحسن والحاكم وعكرمة وابن عباس والسدي والربيع بن أنس، وذكره ابن أبي
حاتم في تفسيره عن أنس بن مالك، وشريح وعطاء والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة. قال
الطبري، وعن ابن عباس أيضاً في قوله تعالى: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧].
قال: ليلة القدر، وقال الطبري: وقال آخرون: بل معناه ما أحله الله لكم ورخصه، قال ذلك
قتادة، وعن زيد بن أسلم: هو الجماع.
٢٥/ ١٩١٥ - حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوسى عنْ إِسْرَائِيلَ عنْ أبي إِسْحَاقَ عن البَرَاءِ رضي
الله تعالى عنهُ قال كانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ عَّ ◌َلَّهِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صائماً فحَضَرَ الإِفْطَارُ فنامَ قَبْلَ
أنْ يُفْطِر لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِي وَإِنَّ قَيْسَ بِنَ صِرْمَةَ الأنْصَارِيَّ كانَ صائِماً فَلَمَّا
حضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأْتَهُ فَقَالْ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ قَالَتْ لاَ ولَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ وكَانَ يَوْمَهُ
يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غِشِيَ عَلَيْهِ
فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلِنَّبِيِّ عَّ فِنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ففَرِحُوا بِهَا فَرَحاً شَدِيداً ونَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ
الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾. [البقرة: ١٨٧]. [الحديث ١٩١٥ - طرفه في: ٤٥٠٨].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين سبب نزولها وعبيد الله بن موسى أبو محمد
العبسي الكوفي، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي وهو يروي عن جده أبي
إسحاق، واسمه عمرو بن عبد الله.
والحديث أخرجه أبو داود في الصوم أيضاً عن نصر بن علي. وأخرجه الترمذي في
التفسیر عن عبد بن حميد.
قوله: ((كان أصحاب محمد عَّ له) أي: في أول ما افترض الصيام، وبيَّن ذلك ابن
جرير في روايته من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلاً. قوله: ((فنام قبل أن يفطر ... )) إلى
آخره. وفي رواية زهير: ((كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئاً ولا يشرب ليله
ولا يومه حتى تغرب الشمس)). وفي رواية أبي الشيخ من طريق زكرياء بن أبي زائدة عن أبي
إسحاق: ((كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم
يفعلوا شيئاً من ذلك إلى مثلها)). فإن قلت: الروايات كلها في حديث البراء على أن المنع من

٤١٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٥)
ذلك کان مقيداً بالنوم، و کذا هو في حدیث غيره، وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس،
قال: ((كان الناس على عهد النبي عَّةٍ إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء،
وصاموا إلى القابلة ... )) الحديث. والمنع في هذا مقيد بصلاة العشاء.
قلت: يحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنة النوم غالباً، والتقييد
في الحقيقة بالنوم كما في سائر الأحاديث. وبيَّن السدي وغيره أن ذلك الحكم كان على
وفق ما كتب على أهل الكتاب، كما أخرجه ابن حزم من طريق السدي، ولفظه: ((كتب على
النصارى الصيام، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النوم، وكتب على
المسلمين أولاً مثل ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار ... )) فذكر القصة. ومن طريق إبراهيم
التيمي: كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم
يطعم حتى القابلة. قوله: (وإن قيس بن صرمة)) قيس بفتح القاف وسكون الياء آخر
الحروف وفي آخره سين مهملة: وصرمة، بكسر الصاد المهملة وسكون الراء وفتح الميم،
هكذا هو في رواية البخاري، وتابعه على ذلك الترمذي والبيهقي وابن حبان في (معرفة
الصحابة) وابن خزيمة في (صحيحه) والدارمي في (مسنده) وأبو داود في (كتاب الناسخ
والمنسوخ) والإسماعيلي وأبو نعيم في (مستخرجيهما) وقال أبو نعيم في (كتاب الصحابة)
تأليفه: صرمة بن أبي أنس، وقيل: ابن قيس الخطمي الأنصاري، يكنى أبا قيس، كان شاعراً
نزلت فيه ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة:
١٨٧]. الآية، ثم روى بإسناده عن أبي صالح ((عن ابن عباس أن صرمة بن أبي أنس أتى
النبي، عَِّ، عشية من العشيات، وقد جهده الصوم، فقال له: مالك يا أبا قيس: أمسيت
طليخاً ... ؟)) الحديث، قال: ورواه جبارة بن موسى عن أبيه عن أشعث بن سوار عن عكرمة
عن ابن عباس، ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان
أن صرمة بن قيس ... فذكر نحوه. انتهى. وكذا ذكره أبو داود في (سننه): صرمة بن قيس،
وقال ابن عبد البر: صرمة بن أبي أنس قيس بن مالك ابن عدي النجاري، يكنى أبا قيس،
وقال بعضهم: صرمة بن مالك، نسبه إلى جده، وهو الذي نزل فيه وفي عمر، رضي الله تعالى
عنه: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ [البقرة: ١٨٧]. وفي (أسباب النزول) للواحدي: ((عن القاسم
بن محمد أن عمر، رضي الله تعالى عنه، جاء إلى امرأته فقالت: قد نمت، فوقع عليها، وأمسى
صرمة بن قيس صائماً فنام قبل أن يفطر .. )) الحديث. وقال أبو جعفر، رضي الله تعالى عنه،
أحمد بن نصر الداودي وابن التين: يخشى أن يكون رواية البخاري غير محفوظة، إنما هو
صرمة. وأما النسائي فلما ذكره في (كتاب السنن) قال: إن أبا قيس بن عمر فذكر الحديث،
وقال السهيلي: حديث صرمة بن أبي أنس قيس بن صرمة الذي أنزل الله تعالى فيه وفي عمر،
رضي الله تعالى عنه: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧]. إلى قوله:
﴿وعفا عنكم﴾ [البقرة: ١٨٧]. فهذه في عمر، رضي الله تعالى عنه. ثم قال: ﴿وكلوا
واشربوا﴾ [البقرة: ١٨٧]. إلى آخر الآية، فهذه في صرمة بن أبي أنس، بدأ الله بقصة عمر

٤١٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٥)
لفضله. فقال: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧]. ثم بقصة صرمة، فقال: ﴿وكلوا واشربوا﴾
[البقرة: ١٨٧]. وعند ابن الأثير، من حديث محمد بن إسماعيل بن عياش: أخبرنا أبو عروبة
عن قيس بن سعد عن عطاء ((عن أبي هريرة: نام ضمرة بن أنس الأنصاري ولم يشبع من
الطعام والشراب، فنزلت: ﴿أحل لكم الصيام ... ﴾ [البقرة: ١٨٧]. الآية، قيل: إنه تصحيف،
ولم يتنبه له ابن الأثير، والصواب صرمة بن أبي أنس، وهو مشهور في الصحابة، يكنى أبا
قیس.
:
والصواب في ذلك من بين هذه الروايات ما ذكره ابن عبد البر، فمن قال: قيس بن
صرمة، قلبه كما أشار إليه الداودي، كما ذكرناه الآن، وكذا قال السهيلي وغيره: إنه وقع
مقلوباً في رواية حديث الباب، ومن قال: صرمة بن مالك، نسبه إلى جده، ومن قال: صرمة
بن أنس حذف أداة الكنية من أبيه، ومن قال: أبو قيس ابن عمرو أصاب في كنيته وأخطأ في
إسم أبيه، وكذا من قال: أبو قيس بن صرمة، وكأنه أراد أن يقول: أبو قيس صرمة فزيد فيه:
ابن. فافهم. فبهذا يجمع بين هذه الروايات المذكورة، والله أعلم. قوله: ((أعندكِ؟)) بكسر
الكاف والهمزة للاستفهام. قوله: ((قالت: لا))، أي: ليس عندي طعام، ولكن أنطلق فأطلب
لك، ظاهر هذا الكلام أنه لم يجيء معه بشيء، لكن ذكر في مرسل السدي أنه أتاها بتمر،
فقال: استبدلي به طحيناً واجعليه سخيناً، فإن التمر أحرق جوفي. وفي مرسل ابن أبي ليلى:
((فقال لأهله: أطعموني، فقالت: حتى أجعل لك شيئاً سخيناً)، ووصله أبو داود من طريق ابن
أبي ليلى: قال حدثنا أصحاب محمد فذكره مختصراً. قوله: ((وكان يومه))، بالنصب أي:
وكان قيس بن صرمة في يومه يعمل أي: في أرضه، وصرح بها أبو داود في روايته، وفي
مرسل السدي: ((كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة))، فعلى هذا فقوله: في أرضه إضافة
اختصاص. قوله: ((فغلبته عيناه)) أي: نام، لأن غلبة العينين عبارة عن النوم، وفي رواية
الكشميهني: ((عينه)) بالإفراد. قوله: ((خيبة لك))، منصوب لأنه مفعول مطلق يجب حذف
عامله، وقيل: إذا كان بدون اللام يجب نصبه، وإذا كان مع اللام جاز نصبه، والخيبة:
الحرمان، يقال: خاب الرجل إذا لم ينل ما طلبه. قوله: ((فلما انتصف النهار غشي عليه))،
وفي رواية أحمد: ((فأصبح صائماً، فلما انتصف النهار ... )). وفي رواية أبي داود: ((فلم
ينتصف النهار حتى غشي عليه)). وفي رواية زهير عن أبي إسحاق: ((فلم يطعم شيئاً وبات
حتى أصبح صائماً حتى انتصف النهار فغشي عليه)). وفي مرسل السدي: ((فأيقظته فكره أن
يعصي الله تعالى، وأبى أن يأكل)). وفي مرسل محمد بن يحيى، فقال: ((إني قد نمت، فقالت
له: لم تنم فأبى فأصبح جائعاً مجهوداً). قوله: ((فذكر ذلك للنبي عَّالِ)، وزاد في رواية
زكرياء عند أبي الشيخ: ((وأتى عمر، رضي الله تعالى عنه، امرأته وقد نامت، فذكر ذلك للنبي
ێے)).
قوله: ((فنزلت هذه الآية)) وقال الكرمانى: فإن قلت: ما وجه المناسبة بينهما وبين
حكاية قيس؟ قلت: لما صار الرفث حلالاً فالأكل والشرب بالطريق الأولى، وحيث كان

٤١٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٦)
حلهما بالمفهوم نزلت بعده: ﴿كلوا واشربوا﴾ [البقرة: ١٨٧]. ليعلم بالمنطوق تصريحاً
بتسهيل الأمر عليهم، ودفعاً لجنس الضرر الذي وقع لقيس ونحوه، أو المراد بالآية: هي
بتمامها إلى آخره، حتى يتناول: كلوا واشربوا، فالغرض من ذكر نزلت ثانياً هو بيان نزول لفظ
﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. بعد ذلك. انتهى. قلت: اعتمد السهيلي على الجواب الثاني،
وقال: إن الآية نزلت بتمامها في الأمرين معاً، وقدم ما يتعلق بعمر، رضي الله تعالى عنه،
لفضله. قوله: ((ففرحوا بها))، أي: بالآية وهي قوله: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ [البقرة:
١٨٧]. ووقع في رواية أبي داود: ((فنزلت ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ إلى قوله: ﴿من الفجر﴾
[البقرة: ١٨٧]. فهذا يبين أن محل قوله: ((ففرحوا بها)) بعد قوله: ﴿الخيط الأسود﴾ [البقرة:
١٨٧]. ووقع ذلك صريحاً في رواية زكرياء بن أبي زائدة، ولفظ: ((فنزلت (أحل لكم﴾
[البقرة: ١٨٧]. إلى قوله: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. ففرح المسلمون بذلك.
١٦ - بابُ قَوْلِ الله تعَالى: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ
الخيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
أي: هذا باب في بيان قول الله عز وجل مخاطباً للمسلمين بقوله: ﴿وكلوا واشربوا﴾
[البقرة: ١٨٧]. بعد أن كانوا ممنوعين منهما بعد النوم، وبين فيه غاية وقت الأكل بقوله:
﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمراد بالخيط
الأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود ما يمتد
معه من غبش الليل شبها بخيطين أبيض وأسود. وقوله: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. بيان
الخيط الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثاني، قال
الزمخشري: ويجوز أن تكون من للتبعيض لأنه بعض الفجر، وقال: وقوله: ﴿من الفجر﴾
أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك رأيت أسداً مجاز، فإذا زدت من فلان، رجع
تشبيهاً. انتهى. ولما نزل قوله: ﴿كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]. أولاً ولم ينزل: ﴿من الفجر﴾ كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط
أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب ويأتي أهله حتى
يظهر له الخيطان، ثم لما نزل قوله: ﴿من الفجر﴾ علموا أن المراد من الخيطين الليل والنهار،
فالأسود سواد الليل والأبيض بياض الفجر، كما يأتي الآن بيانه في حديث الباب. قوله: ﴿ثم
أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. أي: من بعد انشقاق الفجر الصادق كفوا عن الأكل
والشرب والجماع إلى أن يأتي الليل، وهو غروب الشمس، قالوا: فيه دليل على جواز النية
بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي صوم الوصال.
فيهِ الْبَرَاءُ عنِ النبيِّ عَلّهِ
أي: في هذا الباب حديث رواه البراء بن عازب الصحابي، رضي الله تعالى عنه، وقال
الكرماني: يعني فيما يتعلق بهذا الباب حديث رواه البراء عن النبي عَّهِ، لكن لما لم يكن
عمدة القارىء / ج ١٠ / م٢٧

٤١٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٦)
على شرط البخاري لم يذكره فيه. قلت: ليس كذلك، بل أشار به إلى الحديث الذي رواه
موصولاً عن البراء الذي سبق ذكره في الباب الذي قبله.
١٩١٦/٢٦ - حدّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ قال حدَّثنا هُشَيْمٌ قال أخبرَنِي حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ
الرَّحْمنِ عن الشَّعْبِيِّ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتم رضي الله تعالى عنهُ قال لمَّا نَزَلَتْ ﴿حَتَّى يتبَيَّنَ
لَكُمْ الخَيْطُ الأَبْيضُ مِنَ الخَيْطِ الأُسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَمَدْتُ إلَى عِقَالٍ أُسْوَدَ وإلَى عِقالٍ
أَبْيَضَ فجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فِجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلاَ يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ عَلى رسولٍ
الله عَّ فِذكَرْتُ لَهُ ذُلِكَ فقال إنَّمَا ذَلِكَ سَوادُ اللَّيْلِ وبِيَاضُ النَّهار. [الحديث ١٩١٦ -
طرفاه في: ٤٥٠٩، ٤٥١٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة جدا.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: حجاج، على وزن فعال بالتشديد، ابن منهال، بكسر
الميم وسكون النون: السلمي مولاهم الأنماطي. الثاني: هشيم، بضم الهاء وفتح الشين
المعجمة: ابن بشير، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة: السلمي مولاهم أبو معاوية.
الثالث: حصين، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين: ابن عبد الرحمن السلمي، يكنى أبا
الهذيل. الرابع: عامر بن شراحيل الشعبي. الخامس: عدي بن حاتم الصحابي، رضي الله
تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة
الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه
بصري وأن هشيماً واسطي وأصله من بلخ وأن حصيناً والشعبي كوفيان وأن فيه: أخبرني
حصين، ويروى: أخبرنا، وزاد الطحاوي من طريق إسماعيل بن سالم عن هشيم: أخبرنا حصين
ومجالد عن الشعبي، فالطحاوي أخرج هذا الحديث من طريقين أحدهما: عن محمد بن
خزيمة، قال: حدثنا حجاج بن منهال إلى آخره، نحو رواية البخاري. والآخر: عن أحمد بن
داود عن إسماعيل بن سالم عن هشيم عن حصين ومجالد عن الشعبي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن موسى بن
إسماعيل عن أبي عوانة، وأخرجه مسلم في الصوم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن
إدريس. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن حصين بن نمير، وعن عثمان بن أبي شيبة.
وأخرجه الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع عن هشيم، وقال: حسن صحيح.
ذكر معناه: قوله: ((عن عدي بن حاتم))، في رواية الترمذي: أخبرني عدي بن حاتم،
وكذا أخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن منيع، وكذا أورده أبو عوانة من طريق أبي عبيد عن
هشيم عن حصين. قوله: ((عمدت))، أي: قصدت من عمد يعمد عمداً إذا قصد، وهو من
باب: ضرب يضرب، وأما عمدت الشيء فانعمد فمعناه: أقمته، فالأول باللام وإلى؛ والثاني
بدونهما. قوله: ((إلى عقال))، بكسر العين المهملة وبالقاف، وهو الحبل الذي يعقل به البعير،

٤١٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٦)
والجمع: عُقل، وفي رواية مجالد: ((فأخذت خيطين من شعر)). قوله: ((فلا يستبين لي))، أي:
فلا يظهر لي، وفي رواية مجالد: ((فلا أستبين الأبيض من الأسود)). قوله: ((وسادتي))، الوساد
والوسادة المخدة، والجمع: وسائد ووسد. قوله: ((إنما ذلك)) إشارة إلى ما ذكر من قوله:
﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]. ورواية البخاري في
التفسير، قال: ((أخذ عدي عقالاً أبيض وعقالاً أسود حتى إذا كان بعض الليل نظر فلم
يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله! جعلت تحت وسادتي .. قال: إن وسادتك إذاً
لعريض)). وفي رواية: ((قلت: يا رسول الله! ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما
الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا، إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا بل هو سواد الليل وبياض
النهار)). وفي رواية مسلم: ((قال: يا رسول الله! إنني جعلت تحت وسادتي عقالين: عقالاً
أسود أعرف الليل من النهار، فقال رسول الله عَّ له: إن وسادك لعريض، إنما هو سواد الليل
وبياض النهار)). وفي رواية أبي داود ((قال: أخذت عقالاً أبيض وعقالاً أسود فوضعتهما تحت
وسادتي، فنظرت فلم أتبين، فذكرت ذلك لرسول الله عَّهِ فضحك، وقال: إن وسادك إذاً
لعريض طويل، إنما هو الليل والنهار)). وفي لفظ: ((إنما هما سواد الليل وبياض النهار))، وفي
رواية أبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان عن مطرف: ((فضحك، وقال: لا يا عريض
القفا)). انتهى.
قوله: ((إن وسادك لعريض))، كنى بالوساد عن النوم، لأن النائم يتوسد، أي: إن نومك
الطويل كثير، وقيل: كنى بالوساد عن موضع الوساد من رأسه وعنقه، وتشهد له الرواية التي
فيها: (إنك لعريض القفا))، فإن عرض القفا كناية عن السمن، وقيل: أراد من أكل مع الصبح
في صومه أصبح عريض القفا، لأن الصوم لا يؤثر فيه، ويقال: يكنى عن الأبله بعريض القفا،
:
فإن عرض القفا وعظم الرأس إذا أفرطا قيل: إنه دليل الغباوة والحماقة، كما أن استواءه دليل
على علو الهمة وحسن الفهم، وهذا من قبيل الكناية الخفية، والفرق بين الكناية والمجاز أن
الانتقال في الكناية من اللازم إلى الملزوم، وفي المجاز من الملزوم إلى اللازم، وهكذا فرق
السكاكي وغيره، وقال الزمخشري: إنما عرض النبي عَِّ قفا عدي لأنه غفل عن البيان،
وتعريض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة، قيل: أنكر ذلك غير واحد، منهم: القرطبي،
فقال: حمله بعض الناس على الذم له على ذلك الفهم، وكأنهم فهموا أنه نسبه إلى الجهل
والجفا وعدم الفقه، وعضدوا ذلك بقوله: ((إنك لعريض القفا)) وليس الأمر على ما قالوه، لأن
من حمل اللفظ على حقيقته اللسانية التي هي الأصل إذا لم يتبين له دليل التجوز لم يستحق
ذماً ولا ينسب إلى جهل، وإنما عنى - والله أعلم - إن وسادك إن كان يغطي الخيطين اللذين
أراد الله فهو إذاً عريض واسع، ولهذه قال في إثر ذلك: إنما هو سواد الليل وبياض النهار،
فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادتك؟ وقوله: ((إنك لعريض القفا)، أي: إن الوساد الذي
يغطي الليل والنهار لا يرقد عليه إلاَّ قفا عريض للمناسبة.
ذكر الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: إن قوله: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ... ﴾

٤٢٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٦)
[البقرة: ١٨٧]. إلى آخره، يقتضي ظاهره أن عدي بن حاتم كان حاضراً لما نزلت هذه
الآية، وهو يقتضي تقدم إسلامه، وليس الأمر كذلك، لأن نزول فرض الصوم كان متقدماً في
أوائل الهجرة، وإسلام عدي كان في التاسعة أو العاشرة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل
المغازي قلت: أجابوا بأربعة أجوبة: الأول: إن الآية التي في حديث الباب تأخر نزولها عن
نزول فرض الصوم، وهذا بعيد جداً. الثاني: أن يؤول قول عدي هذا على أن المراد بقوله:
((لما نزلت))، أي: لما تليت علي عند إسلامي. الثالث: أن المعنى: لما بلغني نزول الآية
عمدت إلى عقالين. الرابع: يقدر فيه حذف تقديره، لما نزلت الآية، ثم قدمت وأسلمت
وتعلمت الشرائع، عمدت، وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما رواه أحمد من طريق مجالد بلفظ:
((علمني رسول الله عَّة الصلاة والصيام، فقال: صل كذا وصم كذا، فإذا غابت الشمس
فكل حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين ... )) الحديث.
ومنها ما قيل: إن قوله: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧]. نزل بعد قوله: ﴿وكلوا واشربوا
حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة: ١٨٧]. وكان هذا بياناً لهم إن
المراد به أن يتميز بياض النهار من سواد الليل، فكيف يجوز تأخير البيان مع الحاجة إليه مع
بقاء التكليف؟ أجيب: بأن البيان كان موجوداً فيه، لكن على وجه لا يدركه جميع الناس،
وإنما كان على وجه يختص به أكثرهم أو بعضهم، وليس يلزم أن يكون البيان مكشوفاً في
درجة يطلع عليها كل أحد، ألا ترى أنه لم يقع فيه إلاَّ عدي وحده، ويقال: كان استعمال
الخيطين في الليل والنهار شائعاً غير محتاج إلى البيان، وكان ذلك إسماً لسواد الليل وبياض
النهار في الجاهلية قبل الإسلام، قال أبو داود الإيادي:
ولاح لنا الصبح خيطاً أنارا
ولما أضاءت لنا ظلمة
فاشتبه على بعضهم فحملوه على العقالين، وقال النووي: فعل ذلك من لم يكن ملازماً
لرسول الله عَّة، بل هو من الأعراب، ومن لا فقه عنده أو لم يكن من لغته استعمالها في
الليل والنهار.
ومنها ما قيل: إن قوله: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ [البقرة:
١٨٧]. من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ أجيب: بأن قوله: ﴿من الفجر) أخرجه من
باب الاستعارة، وقد نقلنا هذا عن الزمخشري فى أوائل الباب.
ومنها ما قيل: إن الاستعارة أبلغ فَلِمَ عَدل إلى التشبيه؟ أجيب: بأن التشبيه الكامل
أولى من الاستعارة الناقصة، وهي ناقصة لفوات شرط حسنها، وهو أن يكون التشبيه بين
المستعار له والمستعار منه جلياً بنفسه معروفاً بين سائر الأقوام، وهذا قد كان مشتبهاً على
بعضهم.
٢٧/ ١٩١٧ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قال حدَّثنا ابنُ أبي حازِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَهْلٍ
ابنِ سَعْدٍ ح قال حدَّثني سعَيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قال حدَّثنا أبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ قال