Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: يحيى بن بكير وقد تكرر ذكره. الثاني: الليث بن
سعد. الثالث: عقيل، بضم العين: ابن خالد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
الخامس: ابن أبي أنس هو أبو سهل نافع ابن أبي أنس بن مالك بن أبي عامر. السادس: أبوه
مالك بن أبي عامر. السابع: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد في موضعين، وفيه: الإخبار بصيغة
الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع.
وفيه: أن شيخه منسوب إلى جده لأنه يحيى بن عبد الله بن بكير وأنه والليث مصريان، وأن
عقيلاً أيلي. وأن ابن أبي أنس وأباه مدنيان. وفيه: أن ابن أبي أنس من صغار شيوخ الزهري
بحيث أدركه تلامذة الزهري ومن هو أصغر منه كإسماعيل بن جعفر، وقدم ابن أبي أنس في
الوفاة عن الزهري، وهذا الإسناد يعد من رواية الأقران. وفيه: أن ابن أبي أنس مولى التيميين،
أي: مولى بني تيم، والمراد منه آل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، وكان أبو عامر والد
مالك قد قدم مكة فقطنها وحالف عثمان بن عبيد الله أخا طلحة فنسب إليه، وكان مالك
الفقيه يقول: لسنا موالي آل تيم، إنما نحن عرب من أصبح، ولكن جدي حالفهم، والحاصل
أن أبا سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر أخو أنس بن مالك بن عامر، عم مالك بن أنس الإمام
حليف عثمان بن عبيد الله التيمي، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف.
وقال ابن سعد في الطبقة من التابعين المدنيين: أخبرني عم جدي الربيع، مالك بن أبي عامر
وهو عم مالك بن أنس المفتي أن أبيه، فذكر حديثاً أنه عاقد عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد
الله التيمي فعدوا اليوم في بني تيم لهذا السبب، وقيل: حالف ابنه عثمان بن عبيد الله، وأبو
أنس كنية مالك بن أبي عامر، ومات مالك سنة مائة ونحوها، كما نقل عن ابن عبد البر،
وحكى الكلاباذي عن ابن سعد عن الواقدي: سنة إثنتي عشرة ومائة، عن سبعين أو نيف
وسبعين. وفي (الطبقات) لابن سعد: أنه شهد عمر، رضي الله تعالى عنه، عند الجمرة وأصابه
حجر فدماه، وفيه نظر ظاهر، وأولاده أربعة: أنس ونافع وأويس والربيع، أولاد مالك المذكور.
ذكر ما قيل في هذا الحديث: قال النسائي: مراد الزهري بابن أبي أنس: نافع،
فأخرج من وجه آخر عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو سهيل عن أبيه، وأخرجه من طريق
صالح عن ابن شهاب، فقال: أخبرني نافع بن أبي أنس، ورواه ابن إسحاق عن الزهري وعن
أويس بن أبي أويس عديد بني تيم عن أنس بن مالك نحوه، وقال: هذا خطأ ولم يسمعه ابن
إسحاق عن الزهري، وفي موضع آخر: هذا حديث منكر خطأ، ولعل ابن إسحاق سمعه من
إنسان ضعيف فقال فيه: وذكر الزهري، ورواه من حديث أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ:
((أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب
الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين)). ومن حديثه عن ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر
عن الزهري عن أبي سلمة ((عن أبي هريرة: أن النبي، عَّهِ، كان يرغب في قيام رمضان من
غير عزيمة، وقال: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت الجحيم وسلسلت فيه

٣٨٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
الشياطين)). وقال: هذا الثالث الأخير خطأ من حديث أبي سلمة، وقال: أرسله ابن المبارك عن
معمر، ثم ساقه من حديثه عن الزهري عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا دخل رمضان فتحت ... ))
الحدیث.
وعند الترمذي من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله عَّهِ: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين
ومردة الجن، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم
يغلق منها باب .. )) الحديث، وقال: غريب لا نعرف مثل رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش
عن أبي صالح عن أبي هريرة إلاَّ من حديث أبي بكر بن عياش، وسألت محمداً عنه؟ فقال:
حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مجاهد، قوله: ((إذا كان أول
ليلة من شهر رمضان))، فذكر الحديث. قال محمد: وهذا أصح عندي من حديث أبي بكر
ابن عياش وقال شيخنا: لم يحكم الترمذي على حديث أبي هريرة المذكور بصحة ولا حسن
مع كون رجاله رجال الصحيح، وكان ذلك لتفرد أبي بكر بن عياش به، وإن كان احتج به
البخاري، فإنه ربما غلط، كما قال أحمد، ولمخالفة أبي الأحوص له في روايته عن الأعمش،
فإنه جعله مقطوعاً من قول مجاهد، ولذلك أدخله الترمذي في كتاب (العلل المفرد)، وذكر
أنه سأل البخاري عنه، وذكر أن کونه عن مجاهد أصح عنده.
وأما الحاكم فأخرجه،في (المستدرك) وصححه، و کذلك صححه ابن حبان، وفي
رواية ابن عساكر: ((ويغفر فيه إلاّ لمن نأى، قالوا: أو من نأى يا أبا هريرة؟ قال: الذي يأبى أن
يستغفر الله عز وجل))، وروى من حديث عتبة بن فرقد، قال: سمعت رسول الله، عَّ ◌ُلّه، يقول:
((تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار ... )) الحديث. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن
حديث عتبة بن فرقد عن رجل من الصحابة يرفعه: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ... ))
الحديث، فرجحه مرفوعاً. وخطأ حديث أنس، وقال: إنما هو عن أبي هريرة. قلت: عتبة بن
فرقد السلمي أبو عبد الله ليس له صحبة، نزل الكوفة، وقال أبو عمر: كان أميراً لعمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه، على بعض فتوحات العراق، وروى له النسائي والطحاوي،
وروى النسائي من رواية عطاء بن السائب ((عن عرفجة، قال: كان عندنا عتبة بن فرقد،
فتذاكرنا شهر رمضان، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: شهر رمضان. قال: سمعت رسول الله، ێے،
يقول: تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، وينادي منادٍ كل
ليلة: يا باغي الخير هلم! ويا باغي الشر أقصر)). قال النسائي: هذا خطأ، يريد أن الصواب أنه
حديث رجل من الصحابة لم يسم، ثم رواه النسائي من رواية عطاء بن السائب عن عرفجة،
قال: كنت في بيت فيه عتبة بن فرقد، فأردت أن أحدث بحديث، وكان رجل من أصحاب
النبي، عَّ له، كأنه أولى بالحديث، فحدث الرجل عن النبي، عَّهِ، قال: في رمضان تفتح
أبواب السماء ... الحديث، مثل حديث عتبة بن فرقد.

٣٨٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
ذكر ما ورد في هذا الباب من أحاديث الصحابة رضي الله تعالى عنهم: منها:
حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه النسائي وابن ماجه من رواية النضر بن شيبان، قال:
قلت لأبي سلمة بن عبد الرحمن: حدثني بشيء سمعته من أبيك سمعه أبوك من رسول الله
عٍَّ ليس بين رسول الله عَّه وبين أبيك أحد. قال: نعم، حدثني أبي، قال رسول الله عَ لَّهِ:
((إن الله تبارك وتعالى فرض صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً
واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)). قال النسائي: هذا غلط، والصواب: أبو سلمة عن
أبي هريرة.
ومنها حديث ابن مسعود، رواه أبو يعلى عنه أنه سمع النبي، عَّه، وهو يقول، وقد
أهل رمضان: لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان. فقال
رجل من خزاعة: حدثنا به! قال: إن الجنة تزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول، حتى
إذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش، فصفقت ورق الجنة، فتنظر الحور
العين إلى ذلك، فقلن: يا رب! إجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقر أعيننا بهم، وتقر
أعينهم بنا، فما من عبد يصوم رمضان إلاّ زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة
مجوفة، مما نعت الله تعالى: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ [الرحمن: ٧٢]. على كل امرأة
منهن سبعون حلة، ليس منها حلة على لون الأخرى، وتعطى سبعون لوناً من الطيب: ليس منه
لون على ريح الآخر، لكل امرأة منهن سبعين سريراً من ياقوتة حمراء موشحة بالدر، على كل
سرير سبعون فراشاً بطائنها من إستبرق، وفوق السبعين فراشاً سبعون أريكة لكل امرأة منهم
سبعون ألف وصيفة لحاجاتها، وسبعون ألف وصيف، مع كل وصيف صحفة من ذهب، فيها
لون طعام يجد لآخر لقمة منها لذة لا يجد لأوله، ويعطى زوجها مثل ذلك، على سرير من
ياقوتة حمراء، عليه سواران من ذهب، موشح بياقوت أحمر، هذا بكل يوم صام من رمضان
سوى ما عمل من الحسنات ... )) هذا حديث منكر وباطل، وفي سنده جرير بن أيوب البجلي
الكوفي، كان يضع الحديث. قاله وكيع وأبو نعيم الفضل بن دكين، وقال ابن معين: ليس
بشيء. وقال البخاري: وأبو زرعة منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث.
ومنها: حديث سلمان الفارسي، رواه الحارث بن أبي أسامة في (مسنده) عنه، قال:
((خطبنا رسول الله عَّم آخر يوم من شعبان، فقال: يا أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم،
شهر مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، فرض الله صيامه وجعل قيام ليله تطوعاً، فمن تطوع
فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان
كمن أدى سبعين فريضة، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وهو شهر المواساة، وهو شهر
يزاد رزق المؤمن فيه، من فطر صائماً كان له عتق رقبة ومغفرة لذنوبه، قيل: يا رسول الله!
ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم! قال: يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائماً على مذقة لبن أو
تمرة أو شربة ماء، ومن أشبع صائماً كان له مغفرة الذنوبه، وسقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ
حتى يدخل الجنة، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئاً. وهو شهر أوله رحمة
------

٣٨٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ومن خفف عن مملوكه فيه أعتقه الله من النار))، ولا
يصح إسناده، وفي سنده إياس. قال شيخنا: الظاهر أنه ابن أبي إياس، قال صاحب (الميزان)
إياس بن أبي إياس عن سعيد بن المسيب لا يعرف، والخبر منكر.
ومنها: حديث أنس، أخرجه النسائي من طريق محمد بن إسحاق. قال: ذكر محمد
ابن مسلم عن أويس بن أبي أويس عديد بني تیم، «عن أنس، رضي الله تعالى عنه: أن رسول
الله، عَ لَّهِ، قال: هذا رمضان قد جاءكم تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار،
وتسلسل فيه الشياطين)). قال النسائي: هذا حديث خطأ، وأخرجه الطبراني في الأوسط من
رواية الفضل بن عيسى الرقاشي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله
عَِّ يقول: هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه
الشياطين، بعداً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له إذا لم يغفر له فيه فمتى؟)) والفضل بن عيسى
منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم، وقال ابن معين: رجل سوء. ولأنس: حديث آخر رواه
العقيلي في (الضعفاء) قال: حدثنا جبريل بن عيسى المغربي حدثنا يحيى بن سليمان القرشي
حدثنا أبو معمر عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله عَ لّه يقول:
((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نادى الله تبارك وتعالى رضوان خازن الجنة، يقول: يا
رضوان! فيقول: لبيك سيدي وسعديك! فيقول: زيَّن الجنان للصائمين والقائمين من أمة
محمد، ثم لا تغلقها حتى ينقضي شهرهم)). فذكر حديثاً طويلاً جداً منكراً، وعباد ابن عبد
الصمد منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم، وقال ابن الجوزي في (العلل المتناهية)
ویحیی بن سلیمان مجهول.
ومنها: حديث عبادة بن الصامت، رضي الله تعالى عنه، رواه الطبراني بلفظ: ((إن
رسول الله قال يوماً، وحضر رمضان: أتاكم رمضان شهر بركة يغيثكم الله فيه، فينزل الرحمة
ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله
أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل)). وفي إسناده محمد بن أبي قيس
يحتاج إلى الكشف.
ومنها: حديث ابن عباس، رواه الطبراني من رواية نافع بن هرمز عن عطاء بن أبي رباح
عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله عَّله: ((ألا أخبركم بأفضل
الملائكة؟ جبريل، عليه السلام، وأفضل النبيين؟ آدم عليه السلام، وأفضل الأيام يوم الجمعة،
وأفضل الشهور شهر رمضان، وأفضل الليالي ليلة القدر، وأفضل النساء مريم بنت عمران عليها
السلام)»، ونافع بن هرمز ضعيف. ولابن عباس حديث آخر رواه ابن الجوزي في (العلل
المتناهية) من رواية القاسم بن الحكم العرني عن الضحاك: ((عن ابن عباس: أنه سمع النبي
عَّهِ يقول: إن الجنة لتبخر وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كان أول
ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش، يقال لها: المثيرة فيصطفق ورق أشجار
الجنة وحلق المصاريع)). فذكر حديثاً طويلاً منكراً، والقاسم بن الحكم مجهول، قاله أبو

٣٨٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
حاتم، وقال: يحيى بن سعيد الضحاك عندنا ضعيف.
ومنها: حديث ابن عمر، رواه الطبراني من رواية الوليد بن الوليد القلانسي عن ابن
ثوبان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر: أن النبي عَِّ قال: ((إن الجنة لتزخرف لرمضان من
رأس الحول إلى الحول المقبل، فإذا كان أول ليلة من رمضان هبت ريح من تحت
العرش ... )) الحديث، والوليد بن الوليد ضعفه الدارقطني وغيره، ووثقه أبو حاتم بقوله:
صدوق . .
ومنها: حديث عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، رواه الطبراني في (الأوسط)
بلفظ: ((ذاكر الله في رمضان مغفور له، وسائل الله فيه لا يخيب))، وفي إسناده: هلال بن عبد
الرحمن، ضعفه العقيلي، بقوله: منكر الحديث.
ومنها: حديث أبي أمامة، رواه أحمد والطبراني بلفظ: (الله عند كل فطر عتقاء))،
ورجاله ثقات.
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري، رواه الطبراني في الصغير بلفظ: ((إن أبواب السماء
تفتح في أول ليلة من شهر رمضان، ولا تغلق إلى آخر ليلة منه))، وفي إسناده محمد بن
مروان السعدي وهو ضعيف ولأبي سعيد حديث آخر رواه البزار بلفظ: ((إن الله تبارك وتعالى
عتقاء في كل يوم وليلة يعني: في رمضان، وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة
مستجابة))، وفيه أبان بن أبي عياش ضعيف. ولأبي سعيد حديث آخر رواه الطبراني بلفظ:
((صيام رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما)).
ومنها: حديث أبي مسعود الغفاري رواه الطبراني بلفظ حديث ابن مسعود المتقدم،
وفي إسناده الهياج بن بسطام وهو ضعيف، قال أحمد: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس
بشيء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه.
ومنها: حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخرجه النسائي عنها: ((أن رسول الله،
عٍَّ، كان يرغب الناس في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر فيه فيقول: من قام
رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)).
ومنها: حديث أم هانيء، رواه الطبراني في (الصغير) و(الأوسط) بلفظ: ((إن أمتي لم
يخزوا ما أقاموا شهر رمضان، قيل: يا رسول الله؟ وما خزيهم في إضاعة شهر رمضان؟ قال:
انتهاك المحارم فيه ... )) الحديث، وفيه: ((فاتقوا شهر رمضان فإن الحسنات تضاعف فيه ما
لا تضاعف فيما سواه، وكذلك السيئات))، وفي إسناده عيسى بن سليمان أبو طيبة
الجرجاني، ذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه ابن معين.
ذكر معناه: قوله: ((فتحت أبواب السماء))، قد ذكرنا معنى: فتحت، وهنا، قال:
(أبواب السماء))، وفي حديث قتيبة الماضي قال: ((أبواب الجنة))، وقال ابن بطال: المراد من
السماء الجنة بقرينة ذكر جهنم في مقابله. قلت: جاء في رواية: ((أبواب الرحمة))، ولا تعارض
عمدة القارىء / ج ١٠ / م٢٥

٣٨٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
في ذلك، فأبواب السماء يصعد منها إلى الجنة لأنها فوق السماء، وسقفها عرش الرحمن كما
ثبت في (الصحيح). وأبواب الرحمة تطلق على أبواب الجنة، لقول النبي، عَ ليه، في الحديث
الصحيح: ((احتجت الجنة والنار ... )) الحديث، وفيه: ((وقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم
بك من أشاء من عبادي ... )) الحديث، وقال الطيبي: فائدة الفتح توقيف الملائكة على
استحماد فعل الصائمين، وأن ذلك من الله بمنزلة عظيمة، وأيضاً فيه أنه إذا علم المكلف
المعتقد ذلك بإخبار الصادق يزيد في نشاطه ويتلقاه بأريحته وينصره ما روى: ((إن الجنة
تزخرف لرمضان)). قوله: ((وغلقت أبواب جهنم)) لأن الصوم جنة فتغلق أبوابها بما قطع عنهم
من المعاصي وترك الأعمال السيئة المستوجبة للنار، ولقلة ما يؤاخذ الله العباد بأعمالهم السيئة
ليستنقذ منها ببركة الشهر، ويهب المسيء للمحسن، ويجاوز عن السيئات، وهذا معنى
الإغلاق، قوله: ((وسلسلت الشياطين)) أي: شدت بالسلاسل. قال الحليمي: يحتمل أن يكون
المراد أن الشياطين مسترقو السمع منهم أن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه، لأنهم
كانوا منعوا زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيد التسلسل مبالغة في الحفظ، ويحتمل أن
يكون المراد: أن الشياطين لا يخلصون من إفساد المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره
الاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشياطين، وبقراءة القرآن، والذكر. وقيل: المراد بالشياطين
بعضهم، وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في (صحيحه) وأورد ما أخرجه هو
والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة
بلفظ: ((إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين مردة الجن)). وأخرجه النسائي من
طريق أبي قلابة عن أبي هريرة بلفظ: ((وتغل فيه مردة الشياطين))، ويقال: تصفيد الشياطين
عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء وتزيين الشهوات، وصفدت، بضم الصاد المهملة وبالفاء
المشددة المكسورة: أي شدت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهو بمعنى: سلسلت. فإن قلت: قد
تقع الشرور والمعاصي في رمضان كثيراً، فلو سلسلت لم يقع شيء من ذلك. قلت: هذا في
حق الصائمين الذين حافظوا على شروط الصوم وراعوا آدابه، وقيل: المسلسل بعض الشياطين
وهم المردة لا كلهم، كما تقدم في بعض الروايات، والمقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر
محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، وقيل: لا يلزم من تسلسلهم وتصفيدهم كلهم
أن لا تقع شرور ولا معصية، لأن لذلك أسباباً غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة والعادات
القبيحة والشياطين الأنسية.
١٩٠٠/١٠ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهابٍ قال
أُخبرَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال سَمِعْتُ رسولَ الله عَ لِ يَقُولُ إِذَا
رأيْتُمُوهُ فَصُومُوا وإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ. [الحديث ١٩٠٠ - طرفاه
في: ١٩٠٦، ١٩٠٧].
قيل: هذا الحديث غير مطابق للترجمة، وأجاب عنه صاحب (التلويح): بأن في بعض
طرق حديث ابن عمر ((أن رسول الله عَ لل ذكر رمضان، فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال))،

٣٨٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
فكأن البخاري على عادته أحال على هذا، فطابق بذلك ما بوب له من ذكر رمضان،
وصاحب (التوضيح) تبعه على ذلك. وقال بعضهم: وإنما أراد المصنف بإيراده في هذا الباب
ثبوت ذكر رمضان بغير شهر، ولم يقع ذلك في الرواية الموصولة، وإنما وقع في الرواية
المعلقة. قلت: قد ذهل هذا القائل عن حديث قتيبة في أول الباب، فإنه موصول وليس فيه
ذكر شهر، والحديث الذي يليه عن يحيى بن بكير فيه ذكر الشهر، والترجمة هل يقال:
رمضان أو شهر رمضان؟ فحديث قتيبة يطابق قوله: هل يقال رمضان؟ وحديث يحيى يطابق
قوله: أو شهر رمضان؟ فضاع الوجه الذي ذكره باطلاً. وجواب صاحب التلويح أيضاً ليس
بشيء، والوجه في هذا أن يقال: الأحاديث المعلقة والموصولة المذكورة في هذا الباب تدل
على أن لشهر رمضان أوصافاً عظيمة. منها: أن فيه: غفران ما تقدم من ذنب الصائم فيه إيماناً
واحتساباً، وهو الذي علق منه البخاري قطعة في أول الباب. وأن فيه: فتح أبواب الجنان.
وأن فيه: غلق أبواب النار. وأن فيه: تسلسل الشياطين، وقد ثبت بالدلائل القطعية فرضية هذا
الصوم الموصوف بهذه الأوصاف، وأورد هذا الحديث في هذا الباب ليعلم أن هذا الصوم
يكون في أيام محدودة، وهي: أيام شهر رمضان، وأن الوجوب يتعلق برؤيته، فمن هذه الحيثية
يستأنس لوجه إيراد هذا الحديث فيه، ويكفي في التطابق أدنى المناسبة فافهم.
ثم سند هذا الحديث هو بعينه سند الحديث الذي قبله، غير أنه في الأول: يروي ابن
شهاب عن ابن أبي أنس، عن أبيه عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وفي هذا الحديث
يروي: ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر عن النبي، عَ لّهِ.
قوله: ((إذا رأيتموه) أي: الهلال، لا يقال: إنه إضمار قبل الذكر لدلالة السياق عليه،
كقوله تعالى: ﴿ولأبويه بكل واحد منهما السدس﴾ [النساء: ١١]. أي: لأبوي الميت. قوله:
((فإن غم عليكم)) أي: إن ستر الهلال عليكم، ومنه الغم، لأنه يستر القلب، والرجل الأغم
المستور الجبهة بالشعر، وسمي السحاب غيماً لأنه يستر السماء، ويقال: غم الهلال إذا استتر
ولم ير لاستتاره بغيم ونحوه، وغممت الشيء أي: غطيته. قوله: ((فاقدروا له))، بضم الدال
وكسرها، يقال: قدرت لأمر كذا إذا نظرت فيه ودبرته.
وقال في (شرح المهذب) وغيره: أي ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، وممن قال
بهذا أحمد بن حنبل وغيره ممن يجوز صوم يوم الغيم، عن رمضان، وقال آخرون: منهم ابن
شريح ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة معناه: قدروه بحساب المنازل، يعني منازل القمر.
وقال أبو عمر في (الاستذكار): وقد كان بعض كبار التابعين يذهب في هذا إلى
اعتباره بالنجوم ومنازل القمر، وطريق الحساب. وقال ابن سيرين، رحمه الله تعالى: وكان
أفضل له لو لم يفعل، وحكى ابن شريح عن الشافعي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: من كان
مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم
عليه، جاز له أن يعتقد الصوم ويبيته ويجزيه. وقال أبو عمر: والذي عندنا في كتبه أنه: لا
يصح اعتقاد رمضان إلاَّ برؤية فاشية أو شهادة عادلة، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وعلى هذا

٣٨٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
مذهب جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم مالك والشافعي
والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعامة أهل الحديث إلاَّ أحمد ومن قال بقوله، وذكر
في (القنية) للحنفية: لا بأس بالإعتماد على قول المنجمين، وعن ابن مقاتل: لا بأس
بالاعتماد على قولهم والسؤال عنهم، إذا اتفق عليه جماعة منهم، وقول من قال: إنه يرجع
إليهم عند الاشتباه بعيد، وعند الشافعي: لا يجوز تقليد المنجم في حسابه، وهل يجوز
للمنجم أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان، وقال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله
عٍَّ: ((فاقدروا له))، على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فسره في حديث آخر، ولا
يجوز أن يكون المراد حساب النجوم، لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلاَّ
الأفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم، قال القشيري: وإذا دل الحساب على أن
الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم مثلاً، فهذا يقتضي الوجوب
لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية مشروطة في اللزوم، فإن الاتفاق على أن
المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدة أو بالاجتهاد أن اليوم من رمضان وجب عليه
الصوم، وإذا لم ير الهلال ولا أخبره من رآه، وفي (الاشراف): صوم يوم الثلاثين من شعبان إذ
لم ير الهلال مع الصحو إجماع من الأمة أنه لا يجب، بل هو منهي عنه.
وقال الكرماني: واختلفوا في هذا التقدير، يعني في قوله: ((فاقدروا له))، فقيل: معناه
قدروا عدد الشهر الذي كنتم فيه ثلاثين يوماً، إذ الأصل بقاء الشهر، وهذا هو المرضي عند
الجمهور. وقيل: قدروا له منازل القمر وسيره، فإن ذلك يدل على أن الشهر تسعة وعشرون
يوماً أو ثلاثون، فقالوا: هذا خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، والوجه هو الأول.
وقد استفيد من هذا الحديث: أن وجوب الصوم ووجوب الإفطار عند انتهاء الصوم
متعلقان برؤية الهلال. وقال عبد الرزاق: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر:
أن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا
ثلاثين. وقال الشافعي: حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: ((لا تصوموا
حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). قال ابن عبد
البر: كذا قال، والمحفوظ في حديث ابن عمر: ((فاقدروا له))، وقد ذكر عبد الرزاق عن أيوب
((عن نافع عنه: أن رسول الله عَّله قال لهلال رمضان: إذا رأيتموه فصوموا، ثم إذا رأيتموه
فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوماً)).
وقال أبو عمر: وروى ابن عباس وأبو هريرة وحذيفة وأبو بكر وطلق الحنفي وغيرهم
عن النبي ◌َّله: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)). قلت:
حديث ابن عباسٍ أخرجه أبو داود عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((لا تقدموا الشهر بصيام
يوم ولا يومين إلاَّ أن يكون شيء يصومه أحدكم، لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى
تروه، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين، ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون)). وحديث
أبي هريرة عند الترمذي، رواه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله

٣٨٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
عَّةٍ: ((لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلاَّ أن يوافق ذلك صوماً كان أحدكم، صوموا لرؤيته
وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)). وقال: حديث أبي هريرة حديث
حسن صحيح، وقد انفرد به الترمذي من هذا الوجه. وحديث حذيفة عند أبي داود والنسائي،
أخرجه أبو داود من رواية منصور عن ربعي عن حذيفة، قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: ((لا تقدموا
الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة)). ونقل
ابن الجوزي في (التحقيق): أن أحمد ضعف حديث حذيفة، وقال: ليس ذكر حذيفة فيه
بمحفوظ، وقد أنكر عليه ابن عبد الهادي في (التنقيح) وقال: إنه وهم منه فإن أحمد إنما أراد
أن الصحيح قول من قال: عن رجل من أصحاب النبي عَّهِ، وجهالته غير قادحة في صحة
الحديث. وحديث أبي بكرة رواه أبو داود الطيالسي ومن طريقه البيهقي بلفظ: ((صوموا لرؤيته
وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً). وحديث طلق بن علي رواه
الطبراني في (الكبير) فقال: ((عن النبي عَّ أنه نهى أن يصوم قبل رمضان بصوم يوم حتى
تروا الهلال، أو نفي العدة، ثم لا تفطرون حتى تروه، أو نفي العدة)). وفي إسناده حبان بن
رفيدة، قال ابن حبان: فيه نظر، وقال الذهبي: لا يعرف.
وغيرهم من الصحابة: البراء بن عازب وعائشة وعمر وجابر ورافع بن خديج وابن
مسعود وابن عمر وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب، رضي الله تعالى عنه. فحديث
البراء بن عازب عند الطبراني في (الكبير). وحديث عائشة عند أبي داود. وحديث عمر عند
البيهقي. وحديث جابر عند البيهقي أيضاً. وحديث رافع بن خديج عند الدارقطني. وحديث
ابن مسعود عند الطبراني في (الكبير). وحديث ابن عمر عند مسلم. وحديث علي بن أبي
طالب عند أحمد والطبراني. وحديث سمرة بن جندب عند الطبراني.
ثم الحكمة في النهي عن التقديم بصوم يوم أو يومين، هي أن لا يختلط صوم الفرض
بصوم نفل قبله ولا بعده، تحذيراً مما صنعت النصارى في الزيادة على ما افترض عليهم
برأيهم الفاسد، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك إنه
من رمضان، منهم: علي وعمر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس وأبو وائل
وابن المسيب وعكرمة وإبراهيم والأوزاعي والثوري والأئمة الأربعة وأبو عبيد وأبو ثور
وإسحاق، وجاء ما يدل على الجواز عن جماعة من الصحابة، قال أبو هريرة: لأن أتعجل في
صوم رمضان بيوم أحب إلي من أن أتأخر، لأني إذا تعجلت لم يفتني، وإذا تأخرت فاتني،
ومثله عن عمرو بن العاص وعن معاوية، لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً
من رمضان، وروي مثله عن عائشة، وأسماء بنتي أبي بكر، رضي الله تعالى عنهم، فإن حال
دون منظره غيم وشبهة، فكذلك لا يجب صومه عند الكوفيين ومالك والشافعي والأوزاعي
والثوري، ورواية عن أحمد، فلو صامه وبان أنه من رمضان يحرم عندنا، وبه قال الثوري
والأوزاعي. وقال ابن عمر وأحمد، رضي الله تعالى عنه، وطائفة قليلة: يجب صومه في الغيم
دون الصحو. وقال قوم: الناس تبع للإمام إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا، وهو قول الحسن

٣٩٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٥)
وابن سيرين وسوار العنبري والشعبي في رواية، وأحمد في رواية.
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير وابن شريح عن الشافعي وابن قتيبة والداودي،
وآخرون: ينبغي أن يصبح يوم الشك مفطراً متلوماً غير آكل ولا عازم على الصوم، حتى إذا
تبين أنه من رمضان قبل الزوال نوى، وإلا أفطر فيما ذكره الطحاوي، ويوم الشك هو أن
يشهد عند القاضي من لا تقبل شهادته أنه رآه أو أخبره من يثق به من عبد أو امرأة، فلو صامه
ونوى التطوع به فهو غير مكروه عند الحنفية، وبه قال مالك، وفي (شرح الهداية): والأفضل
في حق الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته، وهو مروي عن أبي يوسف، وفرض
العوام التلوم إلى أن يقرب الزوال. وفي (المحيط) إلى الزوال، فإن ظهر أنه من رمضان نوى
الصوم وإلاّ أفطر، وإن صام قبل رمضان ثلاثة أيام أو شعبان كله أو وافق يوم الشك يوماً كان
يصومه فالأفضل صومه بنية النفل ..
وفي (المبسوط) الصوم أفضل، قال: وتأويل النهي أن ينوي الفرض فيه، وفي
(المحيط): إن وافق يوماً كان يصومه فالصوم أفضل وإلاَّ فالفطر أفضل، والصوم قبله بيوم أو
يومين مكروه، أي صوم كان، ولا يكره بثلاثة، وهو قول أحمد.
وقال الشافعي: يكره التطوع إذا انتصف شعبان، لقوله عَّ له: ((إذا انتصف شعبان فلا
تصوموا))، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال النسائي: لا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير
العلاء بن عبد الرحمن، وروى عن أحمد أنه قال: هو ليس بمحفوظ، قال: وسألنا عبد الرحمن
ابن مهديٍ عنه فلم يصححه، ولم يخدش به، وكان يتوقاه، قال أحمد والعلاء: لا ينكر من
حديثه إلاّ هذا، وفي رواية المروزي: سألنا أحمد عنه فأنكره، وقال أبو عبد الله: هذا خلاف
الأحاديث التي رويت عن النبي، عَّهم، وعلى تقدير صحة قول الترمذي يعارضه حديث
عمران بن حصين، رضي الله تعالى عنه، ((أن رسول الله، عَّ له، قال لرجل: هل صمت من
سرر شعبان؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت فصم يومين)). وسرر الشهر آخره، سمي بذلك لاستتار
القمر فيه. وروى أبو داود بإسناد جيد من حديث معاوية: سمعت النبي عَّم يقول: ((صوموا
الشهر وسره وأنا متقدم بالصيام، فمن أحب فليفعله)). وعن أم سلمة، رضي الله تعالى عنها أن
النبي عَّه لم يكن يصوم من السنة شهراً كاملاً إلاَّ شعبان يصله برمضان، قال الترمذي:
حديث حسن، وعند الحاكم، على شرطهما: عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: كان أحب
الشهور إلى رسول الله عَّهِ أن يصوم شعبان ثم يصله برمضان، وفي (معجم الحافظ
المنذري) في حرف العين المهملة، بسند فيه ابن صالح كاتب الليث بن سعد: حدثنا إبراهيم
ابن سعد، حدثنا ابن شهاب عن سالم، قال: كان عبد الله بن عمر يصوم قبل هلال رمضان
بيوم.
وقال غيرُهُ عنِ اللَّيْثِ قال حدَّثني عُقَيْلِ ويُونسُ لِهِلاَلِ رَمَضَانَ
أي: قال غير يحيى بن بكير، وأراد بهذا الغير: أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب

٣٩١
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٦)
الليث، حدثني عقيل، بضم العين: ابن خالد الأيلي كذلك أخرجه الإسماعيلي من طريقه،
قال: حدثني الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب، وذكره بلفظ: سمعت النبي، عَّ له، يقول
لهلال رمضان: ((إذا رأيتموه فصوموا ... )) الحديث. قوله: ((ويونس)) أي: يونس بن يزيد الأيلي.
وفي (التلويح) حديث يونس رواه مسلم في (صحيحه) قلت: حديثه رواه مسلم عن حرملة،
ولكن ليس في روايته: لهلال، فقال: حدثني حرملة قال: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن
ابن شهاب، قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله، عَّ له، يقول:
((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأقدروا له)). قوله: ((الهلال)) أراد أن
في رواية عقيل ويونس أن رسول الله، عَّةٍ، يقول: ((لهلال رمضان: إذا رأيتموه)، فأظهرا ما
كان مضمراً. فافهم.
٦ - بابُ منْ صامَ رَمَضَانَ إيماناً واحتِساباً ونِيَّةً
أي: هذا باب يذكر فيه قوله عَّ اللّه: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً))، إلى هنا لفظ
الحديث، وقوله: ((ونية))، نصب على أنه عطف على قوله: ((احتساباً)، وإنما زاد هذه اللفظة
لأن الصوم هو التقرب إلى الله، والنية شرط في وقوعه قربة، وإنما لم يذكر جواب: من،
اكتفاء بذكره في الحديث.
وقالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها عنِ النبيِّ عَّلِ يُتْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ
هذا قطعة من حديث وصله البخاري في أوائل البيوع من طريق نافع بن جبير عنها،
وأوله: ((يغزو جيشٌ الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم. قالت:
قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال:
يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم)). يعني: يوم القيامة، وإنما ذكر هذه القطعة هنا
تنبيهاً على أن الأصل في الأعمال النية، وهو وجه المطابقة بين هذه القطعة وبين قوله ((ونية))
في الترجمة. قوله: ((يبعثون على نياتهم))، يعني: من كان منهم مختاراً تقع المؤاخذة عليه،
ومن كان مكرهاً ينجو.
١٩٠١/١١ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبرَاهِيمَ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ أَبِي
سَلَمَةَ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّ ◌ُلِّ قال منْ قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَاناً
واخْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ومن صامَ رَمَضَانَ إيماناً واحتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذنبهِ. [انظر الحديث ٣٥ وأطرافه].
وجه المطابقة بينه وبين الترجمة هو أنه جعل الترجمة جزءاً من الحديث المذكور،
وقد مضى الحديث في كتاب الإيمان في ترجمتين: الأولى في: باب تطوع قيام رمضان،
من الإيمان: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. والثانية: عقيب الأولى
في: باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان، فأخرج الحديث الأول: عن إسماعيل عن مالك
عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي عَّ له، وأخرج الثاني: عن

٣٩٢
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٧)
محمد بن سلام عن محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهنا
أخرجه: عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب البصري عن هشام الدستوائي عن يحيى بن
أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفىّ.
قوله: ((إيماناً))، أي: تصديقاً بوجوبه. ((واحتساباً)) أي: طلباً للأجر في الآخرة. وقال
الجوهري: الحسبة، بالكسر: الأجر احتسبت كذا أجراً عند الله، وقال الخطابي: أي عزيمة،
وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقلة لصيامه ولا مستطيلة
لإتمامه، وانتصاب إيماناً على أنه حال بمعنى: مؤمناً، وكذلك احتساباً بمعنى: محتسباً ونقل
بعضهم عمن قال منصوباً على أنه مفعول له أو تمييز؟ قلت: وجهان بعيدان، والذي له يد في
العربية لا ينقل مثل هذا.
٧ - بابٌ أجْوَدُ ما كانَ النبيُّ عَ ◌ّه يَكُونُ فِي رَمَضَانَ
أي: هذا باب يذكر فيه أجود ما كان النبي عَُّلِّه إلى آخره. قوله: ((أجود))، أفعل
التفضيل من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، ومعناه: أسخى الناس، وأجود مضاف إلى
ما بعده مرفوع بالابتداء، وكلمة: ما، مصدرية أي: أجود كون النبي. وقوله: (يكون))، جملة
في محل الرفع على الخبرية. قوله: ((في رمضان)) أي: في شهر رمضان، وكان عَ ◌ّه أجود
الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصدقة. وفيه: الصوم
وهو من أشرف العبادات، فلذلك قال: ((الصوم لي وأنا أجزي به)). وفيه: ليلة القدر. وفيه:
كان جبريل، عليه الصلاة والسلام، يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن.
١٩٠٢/١٢ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قال أخبرنا ابنُ
شِهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُثْبَةَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال كانَ
النبيُّ عَّ ◌َلَّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ بالخَيْرِ وكانَ أَجْوَدُ ما يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبرِيلُ وكانَ
جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النّبِيُّ عَّ ◌ُلَّهِ الْقُرْآنَ
فإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. [انظر الحديث ٦
وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنها من الحديث ببعض تغيير، والحديث قد مضى في أول
الكتاب في: باب كيف كان بدء الوحي إلى النبي عَّهِ، فإنه أخرجه هناك: عن عبدان عن
عبد الله عن يونس عن الزهري ... إلى آخره، وقد أخرجه في خمسة مواضع، وقد استوفينا
الكلام فيه هناك، ولم نبق شيئاً، والله أعلم بحقيقة الحال.
٨ - بابُ مَنْ لَمُ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ
أي: هذا باب في بيان حال من لم يدع، أي: لم يترك قول الزور وهو الكذب والميل
عن الحق، والعمل بالباطل والتهمة. قوله: ((والعمل به))، أي: بمقتضاه مما نهى الله عنه، وإنما
حذف الجواب اكتفاءً بما في الحديث، وهكذا دأبه في غالب المواضع، وقيل: لو نص ما

٣٩٣
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٨)
في الخبر لطالت الترجمة أو لو عبر عنه بحكم معين لوقع في عهدته.
١٩٠٣/١٣ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبِي إِيَاسٍ قال حدَّثنا ابنُ أَبِي ذِئْبٍ قال حدَّثنا سَعِيدٌ
المَقْبُرِيُّ عنْ أَبِيهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ الله عَِّ مِنْ لَمْ يَدَعْ
قَوْلَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ. [الحديث ١٩٠٣ - طرفه
في: ٦.٠٥٧].
مطابقته للترجمة من حيث أن الترجمة نصف حديث الباب، وابن أبي ذئب هو محمد
ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو يروي عن سعيد المقبري عن أبيه كيسان الليثي عن أبي
هريرة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب به،
وأخرجه أبو داود أيضاً عن أحمد بن يونس. وأخرجه الترمذي في الصوم عن محمد بن
المثنى. وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر وعن الربيع بن سليمان. وأخرجه ابن ماجه
فيه عن عمرو بن رافع عن ابن المبارك، الكل عن ابن أبي ذئب، وفي أكثر الروايات: عن ابن
أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه، وقد رواه ابن وهب عن ابن أبي ذئب فاختلف عليه،
رواه الربيع عنه مثل الجماعة، ورواه ابن السرح عنه فلم يقل: عن أبيه. وأخرجهما النسائي
وأخرجه الإسماعيلي من طريق حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب بإسقاطه أيضاً، واختلف فيه
على ابن المبارك فأخرجه ابن حبان من طريقه بالإسقاط، وأخرجه النسائي وابن ماجه وابن
خزيمة بإثباته، وكذلك اختلف على أحمد بن يونس، فرواه أبو داود في(سننه) عنه عن ابن أبي
ذئب عن سعيد عن أبيه كرواية الأصل ورواه البخاري في كتاب الأدب، عن أحمد بن يونس
عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، هكذا هو في أكثر روايات البخاري،
وفي رواية أبي ذر زيادة ذكر أبيه، وقد اختلف فيه على ابن أبي ذئب، اختلاف آخر، فرواه
يونس بن يحيى بن سابه عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير عن
أبي هريرة، رواه النسائي في (سننه الكبرى) كذلك، وقال فيما حكاه عنه المزي في
(الأطراف): هذا حديث منكر لا أعلم من رواه عن الزهري، غير ابن أبي ذئب إن كان يونس
ابن يحيى حفظه عنه، ولم أر كلام النسائي في نسختي، ولأبي هريرة حديث آخر رواه ابن
حبان في (صحيحه) والبيهقي في (سننه) من رواية الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن
عمه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، إنما
الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك، فقل: إني صائم)).
ذكر معناه: قوله: ((من لم يدع قول الزور))، أي: من لم يترك، وقد ذكرنا تفسير الزور
عن قريب، وقال شيخنا، قوله: هذا يحتمل أن يراد: من لم يدع ذلك مطلقاً غير مقيد بصوم،
ويكون معناه: أن من لم يدع قول الزور والعمل به الذي هو من أكبر الكبائر وهو متلبس به،
فماذا يصنع بصومه؟ وذلك كما يقال: أفعال البر يفعلها البر والفاجر ولا يجتنب النواهي إلاّ
:

٣٩٤
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٨)
صدِّيق، ويحتمل أن يكون المراد: من لم يدع ذلك في حال تلبسه بالصوم، وهو الظاهر، وقد
صرح به في بعض طرق النسائي: ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل في الصوم)). وقد
بوب الترمذي على هذا الحديث بقوله: باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم. وقال
شيخنا: فيه إشكال من حيث أن الحديث فيه قول الزور والعمل به، والغيبة ليست قول الزور
ولا العمل به، إذ حد الغيبة على ما هو المشهور ذكرك أخاك بما فيه مما يكرهه، وقول الزور
هو الكذب والبهتان، وقد فسر النبي، عَّهِ، قول الزور في قوله في سورة الحج، بشهادة
الزور، فقال: ((عدلت شهادة الزور الإشراك بالله))، وهكذا بوب أبو داود على الحديث: الغيبة
للصائم، وبوب عليه النسائي في (الكبرى): ما ينهى عنه الصائم من قول الزور والغيبة، وبوب
عليه ابن ماجه: باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم، وكأنهم - والله أعلم - فهموا من
الحديث حفظ المنطق عن المحرمات، ومن جملتها الغيبة، ولهذا بوب عليه ابن حبان في
(صحيحه): ذكر الخبر الدال على أن الصيام إنما يتم باجتناب المحظورات لا بمجانبة الطعام
والشراب، والجمع فقط، وفي بعض ألفاظ الحديث: ((من لم يدع قول الزور والعمل به
والجهل))، فيحتمل أن يراد بالجهل جميع المعاصي، وهذه اللفظة عند البخاري في كتاب
الأدب، وعند النسائي أيضاً وابن حبان في (صحيحه). ورواه ابن ماجه ولفظه: ((من لم يدع
قول الزور والجهل والعمل به))، قال شيخنا: الضمير في: به، يحتمل أن يعود إلى الزور فقط،
وإن كان أبعد في الذكر لاتفاق الروايات عليه، ويحتمل أن يعود على الجهل فقط لكونه
أقرب مذكور، وعلى هذا فالغيبة عمل بالجهل، ويحتمل عود الضمير عليهما: أعني الزور
والجهل، وإنما أفرد الضمير لاشتراكهما في تنقيص الصوم. انتهى. قلت: يجوز أن يعود إليهما
باعتبار کل واحد.
واختلف العلماء في أن الغيبة والنميمة والكذب: هل يفطر الصائم؟ فذهب الجمهور
من الأئمة إلى أنه لا يفسد الصوم بذلك، وإنما التنزه عن ذلك من تمام الصوم. وعن الثوري:
إن الغيبة تفسد الصوم، ذكره الغزالي في (الإحياء)، وقال: رواه بشر بن الحارث عنه، قال:
وروى ليث عن مجاهد: ((خصلتان تفسدان الصوم: الغيبة والكذب))، هكذا ذكره الغزالي بهذا
اللفظ، والمعروف عن مجاهد: ((خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب))، هكذا
رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد، وروى ابن أبي الدنيا عن
أحمد بن إبراهيم عن يعلى بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون: إن الكذب
يفطر الصائم. وروى أيضاً عن يحيى بن يوسف عن يحيى بن سليم عن هشام عن ابن سيرين
عن عبيدة السلماني، قالوا: اتقوا المفطِرَين: الكذب والغيبة.
قوله: ((فليس لله حاجة)) هذا مجاز عن عدم الالتفات والقبول، فنفى السبب وأراد
المسبب، قال ابن بطال: وضع الحاجة موضع الإرادة، إذ الله لا يحتاج إلى شيء، يعني: ليس
لله إرادة في صيامه، وقال أبو عمر: ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير
من قول الزور، وما ذكر معه، وهو مثل قوله: ((من باع الخمر فليشقص الخنازير))، أي:

٣٩٥
٣٠ - كتاب الصوم / باب (٩)
يذبحها، ولم يأمره بذبحها، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر، قال: فكذلك من
اغتاب أو شهد زوراً أو منكراً لم يؤمر بأن يدع صيامه، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك ليتم له أجر
صومه. ثم قوله: ((فليس لله حاجة)) هكذا لفظ (الصحيح) وكتب السنن وغيرها من الكتب
المشهورة، وفي بعض طرقه: ((فليس به حاجة))، يعني بالذي يصوم بهذا الوصف، رواه بهذا
اللفظ البيهقي في (شعب الإيمان) من رواية يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن سعيد
المقبري من غير ذكر أبيه، وإسناده صحيح، ويزيد بن هارون من أئمة المسلمين.
٩ - بابٌّ هَلْ يَقُولُ إِنِّي صائِمٌ إِذَا شُتِمَ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يقول الشخص: إني صائم إذا شتمه أحد؟ ولم يذكر
جواب الاستفهام اكتفاء بما في حديث الباب.
١٤ /١٩٠٤ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ عنِ ابنِ جُرَيْجِ
قال أخبرنِي عَطاءٌ عنْ أبِي صالِحِ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ قَالّ
رسولُ اللهِ عَِّ قال الله كُلُّ عَمَلِّ ابْنٍ آدَمَ لَهُ إلَّ الصِّيامَ فإِنَّهُ لِي وَأنَا أُجْزِي بِهِ والصِّيامُ جُنَّةٌ
وإِذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثَ وَلاَ يَصْخَبْ فإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَّهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ
صائِمٌ والَّذِي نَفْسُ محَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ
لِلصَّائِم فَرْحَتَانِ يَفْرَحَهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ. [انظر الحديث ١٨٩٤
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم))، وقد
مضى هذا الحديث قبل هذا بخمسة أبواب، وهو: باب فضل الصوم، فإنه أخرجه هناك: عن
عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وهنا أخرجه: عن
إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الفراء أبو إسحاق الرازي - يعرف بالصغير - عن هشام بن
يوسف أبي عبد الرحمن الصنعاني اليماني - قاضيها - عن عبد الملك بن جريج عن عطاء بن
أبي رباح عن أبي صالح ذكوان الزيات السمان عن أبي هريرة، وههنا زيادة هي قوله: ((فلا
يصخب))، وهناك: ((ولا يجهل))، وقوله: ((للصائم فرحتان ... )) إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه
مستوفئ.
قوله: ((ولا يصخب))، بالصاد المهملة والخاء المعجمة في رواية الأكثرين، وروى
بعضهم: ((ولا يسخب))، بالسين بدل الصاد، ومعناهما واحد وهو الخصام والصياح. قوله:
((لخلوف))، بضم الخاء وبالواو بعد اللام في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني:
(الخلف))، بحذف الواو، وقال بعضهم: كأنها صيغة جمع، وسكت ولم يبين مفرده ما هو،
والظاهر أنه جمع: خلفة، بالكسر. وقال ابن الأثير: الخلفة بالكسر تغير ريح الفم، وأصلها في
النبات أن ينبت الشيء بعد الشيء أنها رائحة حدثت بعد الرائحة الأولى. وروي في غير
البخاري بهذه اللفظة أعني: خلفة. قوله: ((للصائم فرحتان))، جملة إسمية من المبتدأ المؤخر

٣٩٦
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٠)
والخبر المقدم. قوله: ((يفرحهما))، أي: يفرح بهما، فحذف الجار وأوصل الضمير كما في
قوله تعالى: ﴿فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. أي: فليصم فيه، وهو مفعول مطلق فأصله: يفرح
الفرحتين، فجعل الضمير بدله نحو: عبد الله أظنه منطلق. قوله: ((إذا أفطر فرح))، وفي رواية
مسلم: ((بفطره)). وقال القرطبي: معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا
الفرح طبيعي، وهو السابق للفهم. وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه
وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه. قوله: ((فرح بصومه))، أي: بجزائه
وثوابه، وقيل: هو السرور بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه، وقال ابن العربي: فرحه عند
إفطاره بلذة الغذاء عند الفقهاء، وبخلوص الصوم من الرفث واللغو عند الفقراء.
١٠ - بابُ الصَّوْمِ لِمَنْ خافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزوبَةَ
أي: هذا باب في كسر النفس بالصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، بضم العين
والزاي. قال الجوهري: العزوبة والعزبة الاسم. قلت: من عزب يعزب ويعزب، قال الكسائي:
العزب الذي لا أهل له، والعزبة التي لا زوج لها، وقال ابن الأثير: العزب البعيد من النكاح،
ومعنى: خاف على نفسه العزوبة، يعني: خاف من بعد النكاح أن يقع في العنت وهو الزنا،
ومادة هذه اللفظة في الأصل تدل على البعد، ومنه يقال: عزب عني فلان أي: بعد، ويقال:
تعزب فلان زماناً، ثم تأهل، ثم لفظ العزوبة في الترجمة رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر:
العزبة، وكلاهما واحد كما ذكرنا.
١٩٠٥/١٥ - حدثنا عَبْدَانُ عنْ أَبِي خَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَةَ قال
بيْنا أنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ فقال كُنَّا مَعَ النبيِّ عَّهِ فقال مَنِ اسْتَطاعَ
الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وأخصَنُ لِلْفَرْجِ ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ فإنَّهُ لَهُ
وجاء. [الحديث ١٩٠٥ - طرفاه في: ٥٠٦٥، ٥٠٦٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فعليه بالصوم)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبدان هو عبد الله بن عثمان. الثاني: أبو حمزة،
بالحاء المهملة وبالزاي: اسمه محمد بن ميمون السكري، وقد مر في: باب نفض اليدين في
الغسل. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: إبراهيم النخعي. الخامس: علقمة بن قيس
النخعي. السادس: عبد الله بن مسعود.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه مروزيان، والبقية الثلاثة كوفيون. وفيه: القول في
موضعين. وفيه: رواية الراوي عن خاله، لأن علقمة خال إبراهيم.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في النكاح عن عمر بن

٣٩٧
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١٠)
حفص بن غياث عن أبيه عن رجل. وأخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى وأبي بكر
وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية، وعن عثمان عن جرير. وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان
عن جرير، وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن حرب عن أبي معاوية وفي الصوم عن بشر بن
خالد وعن هلال بن العلاء عن أبيه وأخرجه ابن ماجه في النكاح عن عبد الله بن عامر.
ذكر معناه: قوله: ((بينا أنا أمشي))، قد ذكرنا غير مرة أن أصل: بينا، بين، فأشبعت
الفتحة فصارت ألفاً، يقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة،
والأفصح في جوابهما أن لا يكون بإذ وإذا، وقد جاء بهما كثيراً. وقال الكرماني: فإن قلت:
جواب بين كيف صح بالفاء وهو إما بإذا أو بالفعل المجرد؟ قلت: إما أن تجعل الفاء مقام إذ
للأخوة بينهما، وإما أن يقال: لفظ قال مقدر، والمذكور مفسر له. انتهى. قلت: هذا كله
تعسف لأنا لا نسلم أن جواب: بين، إذ، لأنا قلنا الآن إن الأفصح أن يكون بالفاء، ولا نسلم
قوله بالفعل المجرد، وأيضاً لا نسلم الأخوة بين إذا والفاء، والصواب أن يقال: جواب بين هو
قوله: فقال، والفاء لا تضر ولا يفسد به المعنى ولا يحتاج إلى تقدير شيء. وقوله: ((قال: كنا
مع النبي عَّله))، جملة معترضة بين قوله: ((بينا))، وبين جوابه. فافهم. قوله: ((من استطاع))
قال القرطبي: الاستطاعة هنا عبارة عن وجود ما به يتزوج ولم يرد القدرة على الوطء، وقال
الكرماني، رحمه الله، وتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النكاح فليتزوج،
ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم. قوله: ((الباءة))، فيها أربع لغات:
الفصيحة المشهورة بالمد والهاء. الثانية بلا مد. الثالثة: بالمد بلا هاء. الرابعة: الباهة بهاءين
بلا مد. وفي (الموعب): الباء الحظ من النكاح، وعن ابن الأعرابي: الباء والباه والباهة:
النكاح. وفي (الصحاح): الباهة مثل الباعة لغة في الباءة، ومنه سمي النكاح، باء أو باهة، لأن
الرجل يتبوء من أهله أي يستمكن منها كما يتبوء من داره، وبوأه منزلاً أنزله فيه، والاسم البيئة
بالفتح والكسر، وقال الأصمعي: الباه الغشيان. قوله: ((فإنه)) أي: فإن التزوج، يدل عليه قوله:
«فليتزوج)).
قوله: ((أغض))، بالغين والضاد المعجمتين أي: أدعى إلى غض البصر. قوله:
((وأحصن))، أي أدعى إلى إحصان الفرج. وقال صاحب (التوضيح): يحتمل أن يكون أغض
وأحصن للمبالغة، ويحتمل أن يكونا على بابهما، قلت: هذا تصرف من ليس له يد في
العربية، لأن كلاً منهما أفعل التفضيل، فكيف يكونان على بابهما. قوله: ((فإنه)) أي: فإن
الصوم له أي للصائم. قوله: ((وجاء)) بكسر الواو وبالمد، وهو رض الخصيتين، وقيل: هو رض
العروق، والخصيتان بحالهما، وقال القرطبي: وقد قاله بعضهم بفتح الواو والقصر. وليس
بشيء. وقال ابن سيده: وجأ التيس وجأ ووجاء فهو موجوء، ووجيء، وقيل: الوجيء مصدرٍ
والوجاء إسم، وقال ابن الأثير: وروي: وجا بوزن عصا يريد التعب والحفي، وذلك بعيد إلاّ
أن يراد فيه معنى الفتور، لأن من وجىء فتر عن المشي، فشبه الصوم في باب النكاح بالتعب
في باب المشي.

٣٩٨
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١١)
ذكر ما يستفاد منه: قال الخطابي: وفيه: دليل على جواز المعاناة لقطع الباءة بالأدوية
لقوله: ((فليصم))، وقال القرطبي. وفيه: وجوب الخيار في العنة. وفيه: أن الصوم قاطع لشهوة
النكاح. واعترض بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة وذلك مما يثير الشهوة. وأجيب: بأن
ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، وشهوة النكاح تابعة لشهوة
الأكل، فإنه يقوى بقوتها ويضعف بضعفها. وفيه: الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت نفسه،
وهو إجماع، لكنه عند الجمهور أمر ندب لا إيجاب، وإن خاف العنت كذا قالوا.
قلت: النكاح على ثلاثة أنواع: الأول: سنة وهو في حال الاعتدال لقوله عَ اللّهِ:
(تناكحوا توالدوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)). الثاني: واجب وهو عند التوقان
وهو غلبة الشهوة. الثالث: مكروه وهو إذا خاف الجور، لأنه إنما شرع لمصالح كثيرة فإذا
خاف الجور لم تظهر تلك المصالح ثم في هذه الحالة تشتغل بالصوم، وذلك أن الله تعالى
أحل النكاح وندب نبيه عَّ إليه ليكونوا على كمال من دينهم وصيانة لأنفسهم من غض
أبصارهم وحفظ فروجهم لما يخشى على من جبله الله على حب أعظم الشهوات، ثم اعلم
أن الناس كلهم لا يجدون طولاً إلى النساء، وربما خافوا العنت بعقد النكاح، فعوضهم منه ما
يدافعون به سورة شهواتهم وهو الصيام، فإنه وجاء، وهو مقطع للانتشار وحركة العروق التي
تتحرك عند شهوة الجماع.
١١ - بابُ قَوْلِ النبيِّ عَّ ◌َلِ إِذَا رَأيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا وإِذَا رَأيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا
أي: هذا باب في بيان قول النبي، عَّهِ .. إلى آخره. وهذه الترجمة هي بعينها لفظ
حديث مسلم حيث قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَلَّهِ: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا،
وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً))، وليس في أحاديث الباب مثل
عين الترجمة، وإنما المذكور ما يقارب الترجمة من حيث اللفظ، وما هو عينها من حيث
المعنى على ما نبينه عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وقال صِلَةُ عنْ عَمَّارٍ مِنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكُّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ عَلَّه
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن مقتضى معناها أن لا يصام يوم الشك، لأنه
عَّ الله علق الصوم برؤية الهلال وهو هلال رمضان، فلا يصام اليوم الذي هو آخر شعبان إذا
شك فيه، هل هو من شعبان أو رمضان؟ وصلة، بكسر الصاد المهملة وفتح اللام المخففة
على وزن: عدة، وقال بعضهم: على وزن عمر وليس بصحيح، وهو ابن زفر، بضم الزاي
وفتح الفاء المخففة وفي آخره راء: العبسي الكوفي، يكنى أبا بكر، ويقال: أبا العلاء، قال
الواقدي: توفي في زمن مصعب بن الزبير وهو من كبار التابعين وفضلائهم، وزعم ابن حزم
أنه: صلة ابن أشيم، وهو وهم منه، وقد صرح بأنه صلة بن زفر جميع من روى هذا. وعمار
هو ابن ياسر العبسي أبو اليقظان، قتل بصفين.

٣٩٩
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١١)
وقد وصل هذا التعليق أصحاب السنن الأربعة، فقال الترمذي: حدثنا عبد الله بن سعيد
الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس الملائي ((عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر،
قال: كنا عند عمار بن ياسر فأتي بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم، فقال: إني
صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم عٍَّ)). ورواه النسائي
عن الأشج، ورواه أبو داود وابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبي خالد الأحمر،
وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
ويوم الشك هو اليوم الذي يتحدث الناس فيه برؤية الهلال ولم تثبت رؤيته، أو شهد
واحد فردت شهادته، أو شاهدان فاسقان فردت شهادتهما، وقال ابن المنذر في (الأشراف):
قال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بصوم يوم الشك تطوعاً، وهذا قول أهل العلم، وبه قال
الأوزاعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق، ومثله عن مالك على المشهور، وكانت أسماء
بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما، تصومه. وذكر القاضي أبو يعلى: أن صوم يوم الشك
مذهب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك وأبي هريرة وابن عباس.
وقال أصحابنا: صوم يوم الشك على وجوه: الأول: أن ينوي فيه صوم رمضان وهو
مكروه، وفيه خلاف أبي هريرة وعمر ومعاوية وعائشة وأسماء، ثم إنه من رمضان يجزيه وهو
قول الأوزاعي والثوري ووجه للشافعية، وعند الشافعي وأحمد: لا يجزيه إلاّ إذا أخبره به من
يثق به من عبد أو امرأة. والثاني: أنه إن نوى عن واجب آخر كقضاء رمضان والنذر أو
الكفارة وهو مكروه أيضاً إلاّ أنه دون الأول في الكراهة وإن ظهر أنه من شعبان قيل: يكون
نفلاً. وقيل: يجزيه عن الذي نواه من الواجب وهو الأصح، وفي (المحيط): وهو الصحيح.
والثالث: أن ينوي التطوع وهو غير مكروه عندنا، وبه قال مالك. وفي (الأشراف): حكي عن
مالك جواز النفل فيه عن أهل العلم، وهو قول الأوزاعي والليث وابن مسلمة وأحمد
وإسحاق، وفي (جوامع الفقه): لا يكره صوم يوم الشك بنية التطوع، والأفضل في حق
الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته، وهو مروي عن أبي يوسف، وفي حق العوام اللوم
إلى أن يقرب الزوال، وفي (المحيط): إلى وقت الزوال، فإن ظهر أنه من رمضان نوى الصوم
وإلاّ أفطر. والرابع: أن يضجع في أصل النية بأن ينوي أن يصوم غداً إن كان من رمضان،
ولا يصومه إن كان من شعبان، وفي هذا الوجه لا يصير صائماً. والخامس: أن يضجع في
وصف النية بأن ينوي إن كان غداً من رمضان يصوم عنه، وإن كان من شعبان فعن واجب
آخر فهو مكروه. والسادس: أن ينوي عن رمضان إن كان غداً منه، وعن التطوع إن كان من
شعبان يكره.
قوله: ((من صام يوم الشك))، وفي رواية ابن خزيمة وغيره: ((من صام اليوم الذي يشك
فيه))، قال الطيبي: إنما أتى بالموصول ولم يقل: يوم الشك، مبالغة في أن صوم يوم فيه أدنى
شك سبب العصيان، فكيف من صام يوماً الشكُ فيه قائم؟ قوله: ((فقد عصى أبا القاسم))،
استدل به على تحريم صوم يوم الشك، لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون من

٤٠٠
٣٠ - كتاب الصوم / باب (١١)
قبيل المرفوع، وقال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك، وخالفه الجوهري
المالكي، فقال: هو موقوف، ورد عليه بأنه موقوف لفظاً مرفوع حكماً، وإنما قال: أبا القاسم،
بتخصيص هذه الكنية للإشارة إلى أنه عَّله هو الذي يقسم بين عباد الله حكم الله بحسب
قدرهم واقتدارهم.
١٩٠٦/١٦ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ نافِع عنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ
رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لِّ ذكَرَ رَمَضَانَ فقال لاَ تَصُوَمُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلاَلَ
ولاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ. [انظر الحديث ١٩٠٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن معنى لفظ الترجمة يؤول إلى معني هذا الحديث،
وحاصلهما سواء، وقد مضى في: باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ ما رواه من حديث
سالم عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله عَّهِ يقول: ((إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه
فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له)). وقد استوفينا الكلام فيه هناك، وفي الحديثين
كليهما. ((فاقدروا له))، وجاء من وجه آخر عن نافع: ((فاقدروا ثلاثين))، وهكذا أخرجه مسلم
من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع،
قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به، فقال: ((فعدوا ثلاثين)).
١٧/ ١٩٠٨ - حدّثنا أبُو الوَليدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ جَبَلَةَ بنِ سُحَيْم قال سَمِعْتُ ابنَ
عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ قال النبي صَ لِّ الشَّهْرُ هكذَا وَهَكَذَا وَخَتَسَ الإِبْهَامَ فِي
الثَّالِثَةِ. [الحديث ١٩٠٨ - طرفاه في: ١٩١٣، ٥٣٠٢].
مطابقته للترجمة من حيث إن معنى الترجمة يدل على أن الصوم إنما يجب برؤية
الهلال، والهلال تارة يكون تسعاً وعشرين يوماً، فهذا الحديث يبين ذلك، وأبو الوليد هو
هشام بن عبد الملك الطيالسي. وجبلة، بالجيم والباء الموحدة واللام المفتوحات: ابن سحيم
- تصغير السحم بالمهملتين - الكوفي، يكنى بأبي سويرة - مصغر سارة - مات زمن الوليد بن
یزید.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن آدم، وأخرجه مسلم في الصوم عن
عبيد الله بن معاذ عن أبيه. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن
الحارث، الكل عن شعبه به.
قوله: ((الشهر))، أي: الذي نحن فيه أو جنس الشهر. قوله: ((هكذا وهكذا))، أشار
بيديه الكريمتين ناشراً أصابعه مرتين، فهذه عشرون. قوله: ((وخنس الإبهام في الثالثة)) أي:
أشار في المرة الثالثة بيديه ناشراً أصابعه، وخنس الإبهام فيها فهذه تسعة، فالجملة تسعة
وعشرون يوماً، ولفظ: خنس، بفتح الخاء المعجمة والنون، وفي آخره سين مهملة، معناه:
قبض، والمشهور أنه لازم، يقال: خنس خنوساً، ويروى حبس بالحاء المهملة والباء الموحدة
بمعنى: خنس، وهي رواية الكشميهني، وحاصله أن الاعتبار بالهلال فقد يكون تاماً ثلاثين،