Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٢) نفسه حرام عليه، فلحمه أيضاً حرام عليه، فإذا كان الحديث على ما ذكره صاحب (التلويح): لا يكون حجة لهم، بل إنما يكون حجة لمن قال بجواز أكل المحرم صيد المحل، والذين منعوا من ذلك للمحرم هو الشعبي وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والثوري والليث بن سعد ومالك في رواية، وإسحاق في رواية. قوله: ((وشيقة ظبي)). الوشيقة: أن يؤخذ اللحم فيغلى قليلاً ولا ينضج ويحمل في الأسفار، وقيل: هي القديد، وقد وشقت اللحم أشقة وشقاً، ويجمع على وشق ووشائق. وذكر الطحاوي أيضاً أحاديث أخر لهؤلاء المانعين. منها: ما قاله: حدثنا ربيع المؤذن قال: حدثنا أسد (ح) وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج، قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: أن عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، نزل قديداً، فأتي بالحجل في الجفان شائلة بأرجلها، فأرسل إلي علي، رضي الله تعالى عنه، وهو يضفز بعيراً له، فجاءه والخيط يتحات من يديه، فأمسك علي وأمسك الناس، فقال علي، رضي الله تعالى عنه: من ههنا من أشجع؟ هل علمتم أن رسول الله عَ ليه جاءه أعرابي ببيضات نعام وتتمير وحش، فقال: أطعمهن أهلك فإنا حرم؟ قالوا: نعم)). وأخرج أبو داود حدثنا محمد بن كثير. قال: أخبرنا سليمان بن كثير عن حميد الطويل ((عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه، وكان الحارث خليفة عثمان، رضي الله تعالى عنه، على الطائف، فصنع لعثمان طعاماً وصنع فيه من الحجل واليعاقيب ولحوم الوحش، قال: فبعث إلى علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، فجاءه الرسول وهو يخيط الأباعر له وهو ينفض الخيط من يده، فقالوا له: كل. قال: أطعموا قوماً حلالاً فإنا حرم، قال علي: أنشد الله من كان ههنا من أشجع أتشهدون أن رسول الله عَ لِ أهدي إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم)). قوله: يضفز بالضاد والزاي المعجمتين بينهما فاء، يقال: ضفزت البعير إذا أعلفته الضفائز، وهي اللقم الكبار، واحدتها ضفيرة والضفيز شعير يجرش وتعلفه الإبل. ومنها: ما رواه أيضاً الطحاوي: حدثنا فهد قال: حدثنا محمد بن عمران، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن ابن عباس ((عن علي، رضي الله تعالى عنه: أن النبي عَِّ أتي بلحم صيد وهو محرم، فلم يأكله)). قال الطحاوي: وليس في هذا الحديث ذكر علة رده لحم الصيد ما هي، فقد يحتمل ذلك لعلة الإحرام، ويحتمل أن يكون لغير ذلك، فلا دلالة في هذا الحديث لأحد. وقال أبُو عَبْدِ الله شأواً مَرَّةً أبو عبد الله هو البخاري نفسه، وأشار بهذا إلى تفسير شأواً في قوله: ((أرفع فرسي شأواً وأسير شأوا))، وهو بمعنى مرة. كما ذكرناه، وانتصابه في الموضعين على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: رفعاً شأواً أو سيراً شأواً، وليس هذا التفسير بموجود في كثير من النسخ. عمدة القارىء / ج ١٠ / م١٦ ٢٤٢ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٣) ٣ - بابّ إِذَا رأى المُخْرِمُونَ صَيْداً فَضَحِكُوا فَفَطِنَ الحَلاَلُ أي: هذا باب يذكر فيه إذا رأى القوم المحرمون صيداً وفيهم رجل حلال، فضحك المحرمون تعجباً من عروض الصيد مع عدم التعرض له مع قدرتهم على صيده، وفطن الحلال الذي فيهم بذلك، أي فهم، من: فطنت للشيء، بفتح الطاء وكسرها: فطنة وفطانة وفطانية، قال الجوهري: كالفهم، وجواب إذا محذوف تقديره: لا يكون ضحكهم إشارة منهم إلى الحلال بالصيد حتى إذا اصطاد ذاك الحلال الصيد الذي رآه المحرمون الذين ضحكوا لا يلزمهم شيء. ٣٩٧/ ١٨٢٢ - حدّثنا سعِيدُ بنُ الرَّبِيعِ قال حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الْمُبَارَكِ عنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي قَتَادَةَ أنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قال انْطَلَقْنَا مَعَ النبيِّ عَ لَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ فَأَخْرَمَ أَصْحَابُهُ ولَمْ أُخْرِمُ فَأَنْبِثْنَا بَعَدُوّ بِغَيْقَةَ فَتَوَجّهْنَا نَحْوَهُمْ فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارَ وحْشٍ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إلَى بَعْضٍ فَنَظَرْتُ فَرَأيْتُهُ فحَمَلْتُ عَلَيْهِ الفَرَسَ فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأبَوْا أنْ يُعِينُونِي فأكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِعَ لَّهِ وَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ أَرْفَعُ فَرَسِي شأواً وأسِيرُ عَلَيْهِ شَأواً فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقُلْتُ أَيْنَ تَرَكْتَ رسولَ الله عَلَّه فقال تركْتُهُ بِتَعْهُنَ وهُوَ قائِلٌ السُّفْيَا فَلَحُقْتُ بِرَسُولِ اللهِ عَُّلِّ حَتَّى أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يا رَسولَ الله إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَؤُونَ عَلَيْكَ السَّلامَ ورَحْمَةَ اللهِ وبَرَكاتِهِ وإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمْ الْعَدُوُّ دُونَكَ فانْظُرْهُمْ فَفَعَلَ فَقُلْتُ يا رسولَ اللهِ إِنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ وإِنَّ عِنْدَنا مِنْهُ فاضِلةٌ فقال رسولُ اللهِ عَّه لأصْحَابِهِ كُلُوا وهُمْ مُخْرِمُونَ. [انظر الحديث ١٨٢١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فبصر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك، فنظرت)). ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: سعيد بن الربيع - ضد الخريف - أبو زيد الهروي، كان يبيع الثياب الهروية فنسب إليها، مات سنة إحدى عشرة ومائتين. الثاني: علي بن المبارك الهنائي، وقد مر في: باب الجمعة. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: عبد الله بن أبي قتادة. الخامس: أبوه أبو قتادة الحارث بن ربعي، وقد مر عن قريب. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه بصريان، وروى مسلم عن شيخه بواسطة ويحيى طائي ويمامي. وقد ذكرنا في الباب السابق تعدد موضعه، ومن أخرجه غيره، وقد ذكر البخاري أحاديث أبي قتادة ههنا في أربعة أبواب متناسقة. الأول: باب إذا صاد الحلال. الثاني: باب إذا رأى المحرمون صيداً. الثالث: باب لا يعين المحرم الحلال. الرابع: لا يشير المحرم إلى الصيد، وقد رويت أحاديث أبي قتادة بأسانيد مختلفة وألفاظ متباينة. قوله: ((ولم أحرم)) أي: لم أحرم أنا. قوله: ((فأنبتنا)) بضم الهمزة على صيغة المجهول ٢٤٣ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٤) أي: أخبرنا. قوله: ((بغيقة))، بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وفتح القاف: موضع من بلاد بني غفار بين الحرمين، قال أبو عبيد: هو موضع في رسم رضوى لبني غفار ابن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو بين مكة والمدينة. قوله: ((فبصر))، بفتح الباء الموحدة، وضم الصاد. وفي رواية الكشميهني: ((فنظر))، بنون وظاء مشالة. فإن قلت: فعلى هذه الرواية دخول الباء في: بحمار، مشكل؟ قلت: يمكن أن يكون نظر حينئذ بمعنى: بصر، أو تكون الباء بمعنى إلى لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض. قوله: ((فأثبته)) من الإثبات، أي: أحكمت الطعن فيه. قوله: (فاستعنتهم))، من الاستعانة، وهو طلب العون. قوله: ((فانظرهم))، بمعنى انتظرهم، يقال: نظرت أي: انتظرت. قوله: ((قد خشوا)) أصله خشيوا. كرضوا، أصله: رضيوا، استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها بعد سلب حرمة ما قبلها، فالتقى ساكنان فحذفت الياء لأن الواو ضمير الجمع. قوله: ((إنا اصَّدنا)) بوصل الألف وتشديد الصاد، وأصله: اصتدنا، من باب الافتعال، فقلبت التاء صاداً وأدغمت الصاد فى الصاد، وأخطأ من قال: أصله اصطدنا فأبدلت الطاء مثناة ثم أدغمت. ويروى: ((أصدنا)). بفتح الهمزة وتخفيف الصاد، يقال: أصدت الصيد مخففاً أي: آثرته، والإصادة إثارة الصيد، وأخطأ أيضاً من قال: من الإصاد، ويروى: ((اصطدنا)) من الاصطياد، ويروى: ((صدنا))، من صاد يصيد، وتفسير بقية الألفاظ قد مر فيما قبله. وفيه: استحباب إرسال السلام إلى الغائب، قالت جماعة: تجب على الرسول تبليغه، وعلى المرسل إليه الرد بالجواب. ٤ - بابٌ لاَ يُعِينُ الْمُخرِمُ الحَلاَلَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ أي: هذا باب يذكر فيه لا يعين المحرم الحلال بقول أو فعل في قتل الصيد، وقال بعضهم: قيل: أراد بهذه الترجمة الرد على من فرق من أهل الرأي بين الإعانة التي لا يتم الصيد إلاَّ بها فيحرم، وبين الإعانة التي يتم الصيد بدونها فلا يحرم. قلت: لا وجه لهذا الكلام، لأن الترجمة تشمل كلا الوجهين. ٣٩٨ /١٨٢٣ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ محَمَّدٍ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا صَالِحُ بنُ كَيْسَانَ عنْ أَبِي مُحَمَّدٍ نافِعِ مؤلَى أبي قَتَادَةَ سَمِعَ أَبًا قَنَادَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال كُنَّا مَعَ النبيِّ عَّهِ بِالْقَاحَةِ مِنَ المَدِّيْنَةِ عَلَى ثَلاثٍ ح وحدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيانُ قال حدَّثنا صَالِحُ بنُ كَيْسَانَ عنْ أبِي مُحَمَّدٍ عنْ أبِي قَتَادَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال كُنَّا مَعَ النبي عَّهِ بالْقاحَةِ ومِنَّا الْمُخْرِمُ ومِنَّا غَيْرُ الْمُخْرِمِ فَرَأيْتُ أصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئاً فَنَظَرْتُ فإذَا حِمَارُ وَخْشٍ يَعْنِي وقَعَ سَوطُهُ فقالُوا لا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشيءٍ إِنَّا مُخْرِمُونَ فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ ثُمَّ أَيْتُ الحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أُكَمَةٍ فَعَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ لأصْحَابِي فقال بَعْضُهُمْ كُلُوا وقال بَعْضُهُمْ لاَ تَأْكُلُوا فَأَتَيْتُ النبيَّ عَلَّهِ وَهُوَ أمامَنَا فِسَأَلْتُّهُ فقال كُلُوهُ حَلالٌ قال لَنَا عَمْرٌو اذْهَبُوا إِلَى صَالِحٍ فسَلُوهُ عنْ هَذَا وغَيْرِهِ وَقَدِمَ عَلَيْنَا هَهُنَا. [انظر الحديث ١٨٢١ وأطرافه]. ٢٤٤ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٤) مطابقته للترجمة في قوله: ((فقالوا: لا نعينك عليه بشيء)). فأخرج هذا بطريقين أحدهما: عن عبد الله بن محمد أبي جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي عن سفيان ابن عيينة عن صالح بن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز عن أبي محمد نافع مولى أبي قتادة المدني، ووقع في رواية مسلم عن صالح سمعت أبا محمد مولى أبي قتادة، وفي رواية أحمد من طريق سعد بن إبراهيم: سمعت رجلاً كان يقال له مولى أبي قتادة، ولم يكن مولىّ لأبي قتادة، ووقع في رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة أن نافعاً مولى بني غفار، فظهر من ذلك أنه لم يكن مولى أبي قتادة حقيقة، وقد صرح بذلك ابن حبان، فقال: هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، وكان يقال له: مولى أبي قتادة نسب إليه ولم يكن مولاه. قلت: إذا كان الأمر كذلك يكون وجه ذلك أنه قيل: مولى أبي قتادة لكثرة لزومه إياه وقيامه بقضاء ما يهمه من باب الخدمة، كأنه صار مولاه، فتكون نسبته بهذا الوجه على سبيل المجاز. وقد وقع مثل ذلك كثيراً، فمنه ما وقع لقاسم مولى ابن عباس. الطريق الثاني: عن علي بن عبد الله المعروف بابن المديني عن سفيان إلى آخره. وقال بعضهم: هكذا حول المصنف الإسناد إلى رواية علي للتصريح فيه عن سفيان بقوله: حدثنا صالح بن كيسان. قلت: في كثير من النسخ: حدثنا صالح، في الطريقين فلا يحتاج إلى ما قاله. قوله: ((بالقاحة))، بقاف وحاء مهملة خفيفة: على ثلاثة مراحل من المدينة قبل السقيا بنحو ميل: قال عياض: كذا قيده الناس كلهم، ورواه بعضهم عن البخاري بالفاء وهو وهم، والصواف بالقاف، وزعم ابن إسحاق في المغازي أنها بفاء وجيم، ورد ذلك عليه ابن هشام: قيل: وقع عند الجوزقي من طريق عبد الرحمن بن بشر عن سفيان: بالصفاح، بدل: القاحة، بكسر الصاد بعدها فاء، ونسب ذلك إلى التصحيف لأن الصفاح موضع بالروحاء وبين الروحاء وبين السقيا مسافة طويلة وقال البكري الروحاء قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة بينهما أحد وأربعون ميلاً والسقيا أيضاً قرية جامعة. قوله: ((على ثلاث)) أي: ثلاث مراحل. قوله: ((يتراؤون)) على وزن يتفاعون صيغة جمع مذكر من الرؤية. قوله: ((فإذا حمار وحش))، كلمة: إذا، للمفاجأة وحمار مضاف إلى وحش. قوله: ((يعني: وقع سوطه)) قال الكرماني: لفظ: يعني، كلام الراوي تفسير لما يدل عليه: ((لا نعينك عليه)) يعني: قالوا: لا نعينك على أخذ السوط حين وقع سوطك. قلت: هذا التركيب لا ينضح إلاَّ بأشياء مقدرة، تقديره: فإذا حمار وحش، فركبت فرسي وأخذت الرمح والسوط، فسقط مني السوط، فقلت ناولوني! فقالوا: لا نعينك عليه. وكذا وقع في رواية أبي عوانة عن أبي داود الحراني عن علي بن المديني. قوله: ((فتناولته فأخذته)). وفي رواية ابي عوانة ((فتناولته بشيء فأخذته)) وبهذا يندفع سؤال الكرماني التناول هو الأخذ فما فائدة فأخذته. قوله: ((من وراء أكمة)) بفتحات، وهي التل من حجر واحد. قوله: ((أمامنا)) أي: قدامنا. قوله: ((حلال))، مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو حلال، وقد ظهر المبتدأ في رواية أبي عوانة. ((فقال: كلوه فهو حلال))، وفي رواية مسلم: ((هو حلال فكلوه))، ٢٤٥ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٥) ويروى: ((حلالاً))، بالنصب. فإن صحت الرواية به فهو منصوب على أنه صفة مصدر محذوف، أي: أكلاً حلالاً. قوله: ((قال لنا عمرو)) أي: عمرو ابن دينار، وصرح به أبو عوانة في روايته، والقائل سفيان، والغرض بذلك تأكيد ضبطه له وسماعه له من صالح وهو ابن كيسان. قوله: ((فسلوه)) أصله: فاسألوه. قوله: ((وقدم علينا ههنا))، يعني: مكة، ومراده أن صالح بن كيسان مدني قدم مكة، فدل عمرو بن دينار أصحابه عليه ليسمعوا منه هذا وغيره. وفيه: دليل على جواز الاجتهاد في المسائل الفرعية، والاختلاف فيها. ٥ - بابّ لاَ يُشِيرُ الْمُخرِمُ إلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الحَلاَلُ أي: هذا باب يذكر فيه: لا يشير ... إلى آخره، واللام في قوله: ((لكي))، للتعليل، ولفظة: كي، بمنزلة: أن، المصدرية معنى وعملاً، والدليل عليه صحة حلول أن محلها، وأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل، فافهم. ٣٩٩/ ١٨٢٤ - حدّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبو عَوَانَةَ قال حدَّثنا عُثْمَانُ هُوَ ابنُّ مَوْهَبٍ قال أخبرَنِي عَبْدُ الله بنُ أبي قَتَادَةَ أنَّ أبَاهُ أخبرَهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَِّ خِرَجَ حاجاً فخَرَجُوا معَهُ فصَرَفَ طائِفةٌ مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقال خُذُوا ساحِلَ البَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ فأخذُوا ساحِلَ الْبَحْرِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَخْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُخْرِمْ فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وحْشِ فَحَمَلَ أبو قَتَادَةَ عَلَى الحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْها أتاناً فَزَلُوا فأكُلُوا مِنْ لَحْمِهَا وقالُوا أَنأْكُلُ لَحمَ صَيْدٍ ونَحْنُ مخرِمُونَ فحَمَلْنا ما بَقِي مِنْ لَحمِ الأتانِ فَلَمَّا أَتَوْا رسولَ الله عَ لَّهِ قَالُوا یا رسولَ الله إنَّا كُنَّا أَخْرَمْنَا وَقَدْ كانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُخَرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَخْشٍ فحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أتاناً فَزَلْنَا فأكلْنا منْ لَحْمِهَا ثُمَّ أَنأْكُلُ لَخْمَ صَيْدٍ ونَحْنُ مُخْرِمُونَ فحَمَلْنَا ما يَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قال أُمِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْها أوْ أُشَارَ إِلَيْهَا قالوا لَاَ قال فَكُلُوا ما بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. [انظر الحديث ١٨٢١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أو أشار إليها))، والمفهوم منه أن إشارة المحرم للحلال إلى الصيد ليصطاده لا تجوز، فلو أشار له وقتل صيداً لا يجوز للمحرم أن يأكل منه، وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف. وموسى بن إسماعيل هو المنقري التبوذكي، وأبو عوانة بالفتح هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وعثمان هو ابن عبد الله بن وهب، بفتح الميم والهاء: الأعرج الطلحي، وقد مر في أول الزكاة. وقال الكرماني: وفي بعض الرواية بدل عثمان: غسان، وهو خطأ قطعاً. قلت: هو من الكاتب، فإنه طمس الميم فصار عثمان غساناً، وعثمان هذا تابعي ثقة، روی هنا عن تابعي. قوله: ((خرج حاجاً) قال الإسماعيلي: هذا غلط، فإن القصة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير، وكانوا كلهم على الجادة لا على ساحل البحر، ولعل الراوي أراد: خرج محرماً فعبر عن الإحرام بالحج غلطاً. وقال بعضهم: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضاً فالحج في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج ٢٤٦ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٥) قاصداً للبيت، ولهذا يقال للعمرة الحج الأصغر. قلت: لا نسلم أنه من المجاز، فإن المجاز لا بد له من علاقة، وما العلاقة ههنا؟ وكون معنى الحج في الأصل قصداً لا يكون علاقة لجواز ذكر الحج، وإرادة العمرة، فإن كل فعل مطلقاً لا بد فيه من معنى القصد، أيد هذا القائل كلامه بما رواه البيهقي من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ: ((خرج حاجاً أو معتمراً). انتهى. وأبو عوانة شك، وبالشك لا يثبت ما ادعاه من المجاز، على أن يحيى بن أبي كثير الذي هو أحد رواة حديث أبي قتادة قد جزم بأن ذلك كان في عمرة الحديبية. قوله: ((فيهم أبو قتادة))، من باب التجريد، وكذا قوله: ((إلاَّ أبو قتادة))، لأن مقتضى الكلام أن يقال: وأنا فيهم، وإلاَّ أنا، ولا ينبغي أن يجعل هذا من قول ابن أبي قتادة، لأنه يستلزم أن يكون الحديث مرسلاً. قوله: ((إلاَّ أبو قتادة))، هكذا هو بالرفع عند الأكثرين، وعند الكشميهني ((إلاَّ أبا قتادة)) بالنصب، وكذا وقع عند مسلم بالنصب، وقال ابن مالك: حق المستثنى بإلاّ من كلام تام مُوجب أن ينصب، مفرداً كان أو مكملاً معناه بما بعده، فالمفرد نحو قوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧]. والمكمل نحو: ﴿إنا لمنجوهم أجمعين إلاَّ امرأَتَه قدرنا أنها لمن الغابرين﴾ [الحجر: ٥٩، ٦٠]. ولا يعرف أكثر المتأخيرن من البصريين في هذا النوع إلاَّ النصب، وقد أغفلوا وروده مرفوعاً مع ثبوت الخبر ومع حذفه، فمن أمثلة الثابت الخبر قول ابن أبي قتادة: ((أحرموا كلهم إلاَّ أبو قتادة لم يحرم))، فإلاَّ بمعنى: لكن، وأبو قتادة مبتدأ، و: لم يحرم، خبره، ونظيره من كتاب الله تعالى: ﴿ولا يلتفت منكم أحد إلاَّ امرأتك أنه مصيبها ما أصابهم﴾ [هود: ٨١]. فإنه لا يصح أن يجعل: امرأتك، بدلاً من: أحد، لأنها لم تسر معهم فيتضمنها ضمير المخاطبين، وتكلف بعضهم بأنه، وإن لم يسر بها، لكنها شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت. قال: وهذا على تقدير صحته لا يوجب دخولها في المخاطبين، ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله عَّلَه: ((كل أمتي معافىّ إلاَّ المجاهرون)). أي: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، ومنه من كتاب الله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليل منهم﴾ [البقرة: ٢٤٩]. أي: لكن قليل منهم لم يشربوا، قال: وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر، وهو أن يجعلوا الأحرف عطف وما بعدها معطوفاً على ما قبلها. انتهى. وقال الكرماني: أو هو، أي: الرفع على مذهب من جوز أن يقال: علي بن أبو طالب. قوله: ((حمر وحش))، الحمر بضمتين جمع: حمار. قوله: ((أتاناً)) هذا بين أن المراد بالحمار في سائر الروايات الأنثى منه. قوله: ((فحملنا ما بقي من لحم الأتان))، وفي رواية أبي حازم في: باب الهبة، سيأتي: ((فرحنا وخبأت العضد معي))، وفيه: ((معكم منه شيء؟ فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها)). وللبخاري أيضاً في الجهاد سيأتي: ((معنا رجله، فأخذ فأكلها)). وفي رواية المطلب: ((قد رفعنا لك الذراع، فأكل منها)). قوله: ((منكم أحد أمره؟)) أي: أمنكم أحد أمره؟ أي: أمر أبا قتادة، ويروى: ((أمنكم؟)) بإظهار همزة الاستفهام، وفي رواية مسلم: ((هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟) ولمسلم في روايته من طريق شعبة عن عثمان: ((هل ٢٤٧ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٦) أشرتم أو أعنتم أو اضطررتم؟)) وفي رواية أبي عوانة من هذا الوجه: ((هل أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم؟)). قوله: ((فكلوا))، قد ذكرنا أن الأمر للإباحة لا للوجوب، ولم يذكر في هذه الرواية أنه، عَّهِ، أكل من لحمها، وذكره في روايتي أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما تراه، ولم يذكر ذلك من الرواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره، ووافقه صالح بن حسان عند أحمد وأبي داود الطيالسي وأبي عوانة، ولفظه: ((فقال: كلوا وأطعموا)). فإن قلت: روى إسحاق وابن خزيمة والدارقطني من رواية معمر عن يحيى بن أبي كثير هذا الحديث، وقال في آخره: ((فذكرت شأنه لرسول الله عَّه وقلت: إنما اصطدته لك! فأمر أصحابه، فأكلوه ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدت له)). فهذه الرواية تضاد روايتي أبي حازم. قلت: قال ابن خزيمة وأبو بكر النيسابوري والدارقطني والجوزقي، تفرد بهذه الزيادة معمر، فإن كانت هذه الزيادة محفوظة تحمل على أنه عَ لِّ أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده لأجله، فلما أعلمه بذلك امتنع. فإن قلت: الروايات متظاهرة بأن الذي تأخر من الحمار هو العضد، وأنه عَّله أكلها حتى تعرقها، أي: لم يبق منها إلاَّ العظم، ووقع للبخاري أيضاً في الهبة، ستأتي: ((حتى نفدها))، أي فرغها فأي شيء بقي منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بالأكل؟ قلت: في رواية أبي محمد في الصيد ستأتي: ((أبقي معكم شيء؟ قلت: نعم، فقال: كلوا فهو طعمة أطعمكموها الله))، وهذا يشعر بأنه بقي منها شيء غير العضد. وفيه من الفوائد: تفريق الإمام أصحابه للملحة، واستعمال الطليعة في الغزو. وفيه: جواز صيد الحمار الوحشي. وفيه: أن عقر الصيد ذكاته. وفيه: جواز الاجتهاد في زمن النبي عَّهِ، وقال ابن العربي: هو اجتهاد بالقرب من النبي عَّه لا في حضرته، وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد، ولو تضاد المجتهدان، ولا يعاب واحد منهما على ذلك. ٦ - بابٌّ إذَا أهدَى لِلْمُخرِمِ حِمَاراً وَخشِياً حَيّاً لَمْ يَقْبَلْ أي: هذا باب يذكر فيه إذا أهدى الحلال للمحرم حماراً وحشياً. قوله: ((حياً))، صفة لحمار بعد صفة، وليست هذه الصفة بموجودة في أكثر النسخ، وقال بعضهم: كذا قيده في الترجمة بكونه حياً، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحاً موهومة. انتهى. قلت: لم يذكر هذا القيد في حديث الباب صريحاً، ولكن قوله: ((أهدي لرسول الله عَ لّه حماراً وحشياً))، يحتمل أن يكون هذا الحمار حياً، ويحتمل أن يكون مذبوحاً، ولكن مسلماً صرح في إحدى رواياته عن الزهري: من لحم حمار وحش، وفي رواية منصور عن الحكم: ((أهدى رجل حمار وحش). وفي رواية شعبة عن الحكم: ((عجز حمار وحش يقطر دماً))، وفي رواية زيد بن أرقم: أهدي له عضو من لحم صيد، وهذه الروايات كلها تدل على أن الحمار غير حي، فكيف يقول هذا القائل: وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحاً موهومة. قوله: ((لم يقبلْ))، بمعنى: لا يقبل. ٤٠٠/ ١٨٢٥ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن ابْنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ ٢٤٨ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٦) الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ بن مَسْعُودٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ عن الصَّعْبِ بنِ جَتَّامَةَ اللَّيْتِي أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ عَ لَّه حِمَاراً وخشِياً وهوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى ما في وجْهِهِ قال إنَّا لَمْ نَردُّهُ عَلَيْكَ إلاَّ أنَّا حُرُمٌّ. [الحديث ١٨٢٥ - طرفاه في: ٢٥٧٣، ٢٥٩٦]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أهدى لرسول الله عَّلَّةٍ)) إلى قوله: ((فرده عليه)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي، ومالك بن أنس، ومحمد ابن مسلم بن شهاب الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابن وتكبير الأب، وعبد الله بن عباس، وكلهم قد ذكروا غير مرة. السادس: الصعب - ضد السهل - ابن جثامة، بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة: ابن قيس الليثي الحجازي، أخو محلم بن جثامة، مات في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وكان ينزل أرض ودان بأرض الحجاز، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعٍ. وفيه: الإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع، وهو من مسند الصعب إلاّ أنه وقع في (موطأ ابن وهب) عن ابن عباس: أن الصعب بن جثامة أهدى، فجعله من مسند ابن عباس، وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أهدى له الصعب، وكذا رواه مجاهد عن ابن أبي شيبة، وعند مسلم أيضاً من حديث طاوس، قال: قدم زيد بن أرقم، فقال له ابن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي إلى رسول الله، عَّهِ، وهو حرام؟ قال: أهدي له عضد من لحم صيد فرده، قال: إنا لا نأكله، إنَّا حرم)). فجعله من مسند طاوس عن زيد، والمحفوظ هو الأول، وسيأتي في كتاب الهبة للبخاري، من بخارى، من طريق شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله أن ابن عباس أخبره أنه سمع الصعب، وكان من أصحاب النبي ◌َّله، يخبر أنه أهدى له .. وممن رواه عنه ابن شهاب، كما رواه مالك ومعمر وابن جريج وعبد الرحمن بن الحارث وصالح بن كيسان وابن أخي ابن شهاب والليث ويونس ومحمد بن عمرو بن علقمة، كلهم قال فيه: ((أهدي لرسول الله، عَّه، حمار وحش))، كما قال مالك، وخالفهم ابن عيينة وابن إسحاق فقالا: ((أهدي لرسول الله عَ ◌ّ لحم حمار وحش))، قال ابن جريج في حديثه: قلت لابن شهاب: الحمار عقير. قال: لا أدري، فقد بين ابن جريج أن ابن شهاب شك، فلم يدر أكان عقيراً أم لا، إلاَّ أن في مساق حديثه «أهديت لرسول الله عَ لّم حمار وحش فرده علي)). وروى القاضي إسماعيل عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن صالح بن كيسان عن عبيد الله عن ابن عباس ((عن الصعب: أن رسول الله مَّ أقبل حتى إذا كان بقديد، أهدى إليه بعض حمار فرده، وقال: إنا حرم لا نأكل الصيد»، هكذا قال عن صالح عن عبيد الله ولم يذكر ابن شهاب، وقال: بعض حمار وحش، وعند حماد بن زيد في هذا أيضاً عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ((عن الصعب أنه أتى النبي عَ له. بحمار وحش)). ورواه إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب، كما قدمنا وهو أولى بالصواب عند ٢٤٩ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٦) أهل العلم، وقال الطحاوي: هذا الحديث مضطرب، وقد رواه قوم على ما ذكرنا، والذي ذكره هو قوله: حدثنا يونس، قال: سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عبيد الله بن عباس ((عن الصعب بن جثامة قال: مرَّ بي رسول الله عَّ له وأنا بالأبواء أو بودان فأهديت لحم حمار وحش، فرده علي، فلما رأى الكراهة في وجهي قال: ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم)). قال: ورواه آخرون فقالوا: ((إنما أهدى إليه حماراً وحشياً)) ثم رواه بسنده: ((إن الحمار كان مذبوحاً)). وروى أيضاً أنه ((كان عجز حمار وحش أو فخذ حمار))، وروى أيضاً: ((عجز حمار وحش وهو بقديد يقطر دماً فرده،)). ثم قال: فقد اتفقت الروايات عن ابن عباس في حديث الصعب عن رسول الله عَ ليه في رده الهدية عليه أنها كانت في لحم صيد غير حي، فذلك حجة لمن كره للمحرم أكل لحم الصيد، وإن كان الذي تولى صيده وذبحه حلالاً. وقال ابن بطال: اختلاف روايات حديث الصعب تدل على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا، فمرة أهدى إليه الحمار كله، ومرة عجزه، ومرة رجله، لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه حتى يقع فيه التضاد في النقل، والقصة واحدة، وقال القرطبي: بوب البخاري على هذا الحديث، وفهم منه الحياة، والروايات الأخر تدل على أنه كان ميتاً، وأنه أتاه بعضو منه. وطريق الجمع أنه: جاء بالحمار ميتاً فوضعه بقرب النبي عَّله، ثم قطع منه ذلك العضو فأتاه به، فصدق اللفظان. أو يكون أطلق اسم الحمار وهو يريد بعضه، وهذا من باب التوسع والمجاز، أو نقول: إن الحمار كان حياً فيكون قد أتاه به، فلما رده وأقره بيده ذكاه، ثم أتاه بالعضو المذكور، ولعل الصعب ظن أنه إنما رده لمعنىّ يخص الحمار بجملته، فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد لا يحل للمحرم قبوله ولا تملیکه. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الهبة عن إسماعيل بن عبد الله وعن أبي اليمان عن شعيب وعن علي بن المديني عن سفيان. وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى عن مالك وعن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة وعن يحيى بن يحيى وقتيبة بن رمح ثلاثتهم عن الليث، وعن عمر بن حميد عن عبد الرزاق وعن الحسن بن علي الحلواني. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن حماد بن زيد، رضي الله تعالى عنه، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح به وعن هشام بن عمار وابن أبي شيبة. ذكر معناه: قوله: (أهدى لرسول الله عَّلَلٍ)) الأصل في أهدى التعدي یإلى، وقد تعدى باللام، ويكون بمعناه. قيل: يحتمل أن تكون اللام بمعنى أجل وهو ضعيف. قوله: ((وهو بالأبواء) جملة وقعت حالاً، والأبواء، بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالمد: جبل من عمل الفرع، بضم الفاء، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، وفي (المطالع): سميت بذلك لما فيها من الوباء، ولو كان كما قيل لقيل: الأوباء، أو يكون مقلوباً منه، وبه توفيت أم رسول الله عَّهِ. والصحيح أنها سميت بذلك لتبوء السيول بها، قاله ثابت. قوله: ((أو بودان)) شك من الراوي، وبالشك جزم أكثر الرواة، وجزم ابن إسحاق : ٢٥٠ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٦) وصالح بن كيسان عن الزهري،: ((بودان)»، وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو بالأبواء، والظاهر أن الشك فيه من ابن عباس، لأن الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك أيضاً، وهو بفتح الواو وتشديد الدال المهملة، وفي آخره نون، موضع بقرب الجحفة، ويقال: هو قرية جامعة من ناحية الفرع بينه وبين الأبواء ثمانية أميال، ينسب إليه الصعب بن جثامة الليثي الوداني، وفي (المطالع): هو من عمل الفرع بينه وبين هرشي نحو ستة أميال. قوله: ((فلما رأى ما في وجهه))، وفي رواية شعيب: ((فلما عرف في وجهي رده هديتي))، وفي رواية الليث عن الزهري عند الترمذي: ((فلما رأى ما في وجهه من الكراهة))، وكذا في رواية ابن خزيمة من طريق ابن جريج. قوله: ((لم نردده عليك))، هذا يفك الإدغام رواية الكشميهني، وقال عياض: ضبطنا في الروايات لم نرده بفتح الدال، ورده محققو شيوخنا من أهل العربية، وقالوا: لم نرده بضم الدال، وكذا وجدته بخط بعض الأشياخ أيضاً، وهو الصواب عندهم على مذهب سيبويه في مثل هذا في المضاعف إذا دخله الهاء أن يضم ما قبلها في الأمر ونحوه من المجزوم، مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء، فكأن ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلاَّ مضموماً، هذا في المذكر، وأما في المؤنث مثل: لم تردها، فمفتوح الدال مراعاة للألف. قلت: في مثل هذه الصيغة قبل دخول الهاء عليها أربعة أوجه: الفتح، لأنه أخف الحركات، والضم: اتباعاً لضمة عين الفعل، والكسر، لأنه الأصل في تحريك الساكن، والفك. وأما بعد دخول الهاء فيجوز فيه غير الكسر. قوله: ((إلاَّ أنَّا حرم))، بفتح الهمزة في أنَّا، على أنه تعدى إليه الفعل بحرف التعليل، فكأنه قال: لأنَّا. وقال أبو الفتح القشيري: أنا، مكسور الهمزة لأنها ابتدائية. وقال الكرماني: لام التعليل محذوفة، والمستثنى منه مقدر: أي لا نرده لعلة من العلل إلاَّ لأننا حرم، والحرم، بضمتين: جمع حرام أي: محرمون، وفي رواية النسائي من رواية صالح بن كيسان: ((إلاَّ أنا حرم لا نأكل الصيد)). وفي رواية سعيد عن ابن عباس: ((لولا أنا محرمون لقبلناه منك)). ذكر ما يستفاد منه منه: أنه احتج به الشعبي وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والليث ابن سعد والثوري ومالك في رواية، وإسحاق في رواية، على أن المحرم لا يحل له أكل صيد ذبحه حلال، قيل: لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرماً، فدل على أنه سبب الامتناع خاصة، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، وقال عطاء في رواية. وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية: الصيد الذي اصطاده الحلال لا يحرم على المحرم، واحتجوا في ذلك بما رواه مسلم: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن المنكدر ((عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن أبيه، قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم، فأهدي له طير وطلحة راقد، فمنا من أكل، ومنا من تورع، فلما استيقظ طلحة وفق من أكله، قال: وأكلنا مع رسول الله، عَّه، وفق من أكله)). أي: دعا له بالتوفيق، أي قال له: وفقت، أي: أصبت الحق. وبما رواه النسائي: حدثنا محمد بن سلمة وابن مسكين عن ابن القاسم عن ٢٥١ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٦) مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عيسى بن طلحة ((عن عمير ابن سلمة عن البهزي: أن رسول الله، عٍَّ، خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحش عقير، فذكر ذلك لرسول الله، عَ له، فقال: دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه، فجاء البهزي وهو صاحبه، فقال: يا رسول الله! شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله، عَّه، أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، فقسمه بين الرفاق، ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج، إذا ظبي حاقف في ظل، وفيه سهم، فزعم أن رسول الله عَ لّه، أمر رجلاً يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه)). ثم قال: تابعه يزيد بن هارون عن يحيى به. وأخرجه ابن خزيمة أيضاً وغيره وصححوه، وأخرجه الطوسي أيضاً محسناً. وفيه: ((فلم يلبث أن جاء رجل من طيء فقال: يا رسول الله! هذه رميتي، فشأنك بها)). وأخرجه الطحاوي أيضاً، ولفظه: ((فإذا هو بحمار وحش عقير فيه سهم وهو حي قد مات)). ولفظه أيضاً: ((إذا هو بظبي مستظل في حقف جبل فيه سهم وهو حي، فقال رسول الله عَّ لرجل: قف ههنا لا يريبه أحد حتى يمضي الرفاق)). قلت: عمير بن سلمة له صحبة، والبهزي، بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء بعدها الزاي، نسبة إلى بهز، هو تيم بن امرىء القيس بن بهته بن سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان، وقال أبو عمر: اسمه زيد بن كعب السلمي ثم البهزي. قوله: ((بالروحاء) هو موضع بينه وبين المدينة ميل، وفي حديث جابر ((إذا أذن المؤذن هرب الشيطان بالروحاء)). وهي من المدينة يكون ميلاً، رواه أحمد، وقال أبو علي القالي في كتاب (الممدود والمقصور): الروحاء موضع على ليلتين من المدينة. وفي (المطالع): الروحاء من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلاً. وفي مسلم: على ستة وثلاثين، وفي كتاب ابن أبي شيبة: على ثلاثين ((قوله: ((بالأثاية))، بفتح الهمزة وبالثاء المثلثة وبعد الألف ياء آخر الحروف مفتوحة: موضع بطريق الجحفة، بينه وبين المدينة سبعة وسبعون ميلاً، ورواه بعضهم بكسر الهمزة. وبعضهم يقول: الأثاثة، بثاءين، وبعضهم: الأثانة، بالنون بعد الألف، والصواب بالفتح والكسر. والرويثة، بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة وفي آخره هاء: وهو منزل بين مكة والمدينة، والعرج، بفتح العين وسكون الراء وبالجيم: قرية جامعة من عمل الفرع على نحو من ثمانية وسبعين ميلاً من المدينة، وهو أول تهامة)) قوله: ((حاقف)) أي: نائم قد انحنى في نومه، والحقف، بكسر الحاء المهملة وسكون القاف: ما اعوجَ من الرمل واستطال، ويجمع على أحقاف. قوله: ((لا يريبه أحد)) أي: لا يتعرض له أحد ويزعجه، وأصله من رابني الشيء، وأرابني إذا شككني، وأجابوا عن حديث الباب بما ذكرناه عن الطحاوي عن قريب. وقال عطاء في رواية، ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: الصيد الذي لأجل المحرم حرام على المحرم لم يجزأ كله، وما لم يصد من أجله جاز له أكله، وروي هذا القول عن عثمان، رضي الله تعالى عنه، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود: حدثنا قتيبة بن ٢٥٢ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) سعيد، قال: حدثنا يعقوب يعني الاسكندراني القاري عن عمرو عن المطلب ((عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله عَّه يقول: صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم)). وأخرجه الترمذي: حدثنا قتيبة، قال حدثنا يعقوب ... إلى آخره، ولكن في روايته: ((حلال لكم وأنتم حرم)). وأخرجه النسائي وابن خزيمة، وقال الترمذي: المطَّلِب لا نعرف له سماعاً من جابر، وعنه أنه لم يسمع من جابر، وكذا قال أبو حاتم الرازي، والمطلب بن عبد الله بن حنطب القرشي المخزومي المدني، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث وليس يحتج . بحديثه. وقال النسائي: عمرو بن أبي عمرو ليس هو بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك، وقال مالك: ما ذبحه المحرم فهو ميتة لا يحل لمحرم ولا لحلال، وقد اختلف قوله فيما صيد لمحرم بعينه، كالأمير وشبهه، هل لغير ذلك الذي صيد لأجله أن يأكله؟ والمشهور من مذهبه عن، أصحابه: أن المحرم لا يأكل ما صيد لمحرم معين أو غير معين. ومما يستفاد من حديث الباب جواز كل ما صاده الحلال للمحرم، ومنه جواز الحكم بعلامة لقوله: ((فلما رأى ما في وجهي)). ومنه: جواز رد الهدية لعلة. ومنه: الاعتذار عن رد الهدية تطبيباً لقلب المهدي. ومنه: أن الهدية لا تدخل في الملك إلا بالقبول. ومنه: أن على المحرم أن يرسل ما في يده من الصيد الممتنع عليه اصطياده. ٧ - بابُ ما يَقْتُلُ الْمُخرِمُ مِنَ الدَّوَابٌ أي: هذا باب في بيان الشيء الذي يقتل المحرم، يعني: ما له قتله من الدواب، وهو جمع دابة، وهي ما يدب على وجه الأرض. وقال صاحب (المنتهى): كل ماشٍ على الأرض . دابة ودبيب، والهاء للمبالغة، والدابة في التي تركب أشهر. وفي (المحكم): الدابة تقع على المذكر والمؤنث، وحقيقته الصفة. قلت: الدابة في الأصل كا ما يدب على وجه الأرض، ثم نقله العرف العام إلى ذات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، ويسمى هذا منقولاً عرفياً. فإن قلت: في أحاديث الباب الغراب والحدأة وليسا من الدواب، ولو قال من الحيوان لكان أصوب قلت: أكثر ما ذكر في أحاديث الباب الدواب فنظر إلى هذا الجانب. ٤٠١/ ١٨٢٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لَّم قال خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِ لَيْسَ عَلَى المُخْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُناخ. [الحديث ١٨٢٦ - طرفه في: ٣٣١٥]. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ما للمحرم قتله من الدواب، ولكن أورده مختصراً، وأحال به على طريق سالم على ما يأتي عن قريب، وأخرجه الطحاوي: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله، عَ لّه، قال: ((خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور)). وأخرجه النسائي عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث عن نافع ((عن ابن عمر: أن رسول الله عَ ل أذن في قتل خمس من الدواب للمحرم: الغراب والحدأة والفأرة ٢٥٣ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) والكلب العقور والعقرب)). قوله: ((خمس))، مرفوع على الابتداء، وتخصص بالصفة. وهي قوله: ((من الدواب)). قوله: ((ليس على المحرم في قتلهن جناح)) خبره، والجناح: الإثم والحرج، وارتفاع: جناح، على أنه اسم: ليس، تأخر عن خبره. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ الله عَلَّهِ قال وعن عبد الله عطف على نافع، أي: قال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وأخرجه مسلم بتمامه: حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله، عَّه: ((خمس من قتلهن وهو حرام فلا جناح عليه فيهن: الفأرة والعقرب والكلب العقور والغراب والحديا)). واللفظ ليحيى. قوله: ((قال))، مقوله محذوف، تقديره: خمس من الدواب ... إلى آخره. ٤٠٢ / ١٨٢٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا أبُو عُوَانَةَ عنْ زَيْدِ بنِ جُبَيْرٍ قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ حدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النبيِّ عَ ◌ّهِ عنِ النبيِّ عَّهِ يَقْتُلُ الْمُخْرِمُ. [الحديث ١٨٢٧ - طرفه في: ١٨٢٨]. هذا طريق آخر ساق منه هذا القدر، وأحال به على الطريق الذي بعده. وأخرجه عن مسدد عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري عن زيد بن جبير، بضم الحيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء: ابن حرمل الجشمي الكوفي، وليس له في الصحيح رواية عن غير ابن عمر، ولا له فيه إلاَّ هذا الحديث، وحديث آخر تقدم في المواقيت، وقد خالف نافعاً وعبد الله بن دينار في إدخال الواسطة بين ابن عمر وبين النبي عَِّ في هذا الحديث، ووافق سالماً، إلا أن زيداً أبهم الواسطة، وسالماً سماها. وأخرجه مسلم: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: ((حدثنا زيد بن جبير إن رجلاً سأل ابن عمر: ما يقتل المحرم من الدواب؟ فقال: أخبرتني إحدى نسوة رسول الله عَ لّله أنه أمر أو أمر: أن تقتل الفأرة والعقرب والحدأة والكلب العقور والغراب)). هو من الرواية عن المجاهيل، لأنه بينه في الطريق الآخر بقوله: حفصة، رضي الله تعالى عنها، والأولى أن يقال: الجهل في الصحابة لا يضر، لأن كلهم عدول. ٤٠٣ / ١٨٢٨ - حدَّثنا أصْبَغُ قال أخبرنِي عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابْنٍ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ قال قال عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قالَتْ حَفْصَةُ قال رسولُ الله عَِّ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابٌ لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ الْغُرَابُ والحِدأةُ والفأرةُ والعَقْرِبُ والْكَلْبُ الْعَقُورُ. [انظر الحديث ١٨٢٧]. هذا طريق آخر فيه تمام ما في الطرق المتقدمة، فلذلك عطفه عليها بالواو. وأخرجه عن ٢٥٤ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) أصبغ بن الفرج عن عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله عن أخته حفصة زوج النبي عَّة. ومن لطائف إسناد هذا الحديث رواية التابعي عن التابعي، ورواية الصحابي عن الصحابية، ورواية الأخ عن أخته. قوله: ((قالت حفصة))، وفي رواية الإسماعيلي: عن حفصة، وهذا والذي قبله قد يوهم أن عبد الله بن عمر ما سمع هذا الحديث من النبي، عَّهِ، لكن وقع في بعض طرق نافع عنه: سمعت النبي، عَّهِ. أخرجه مسلم من طريق ابن جريج وتابعه محمد بن إسحاق، ثم ساقه من طريق ابن إسحاق عن نافع کذلك حيث قال: وحدثنيه فضیل بن سهل، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن نافع وعبيد الله بن عبد الله عن ابن عمر، قال: سمعت النبي عَّ له يقول: ((خمس لا جناح في قتل ما قتل منهن في الحرم ... )) الحديث. وظهر من هذا أن ابن عمر سمع هذا الحديث من أخته حفصة عن النبي عَّهِ وسمعه من النبي عَ ◌ّه أيضاً يحدث به حين سئل. وأخرجه مسلم أيضاً: حدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرنا يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر، قال: قالت حفصة زوج النبي عَّهِ: قال رسول الله عَلّه: ((خمس من الدواب كلها فاسق لا حرج على من قتلهن: العقرّب والغراب والحدأة والفأرة والكلب العقور)). وأخرجه النسائي أيضاً عن عيسى بن إبراهيم عن ابن وهب. ذكر معناه: قوله: ((الغراب)) أي: إحدى الخمس من الدواب الغراب، قال أبو المعانى: هو واحد الغربان وجمع القلة: أغربة، وقيل: سمي غراباً لأنه نأى واغترب لما تفقده نوح، عليه السلام، يستخبر أمر الطوفان، ويجمع على: غرب، أيضاً وعلى أغرب. وفي (الحيوان) للجاحظ: الغراب الأبقع غريب، وهو غراب البين، وكل غراب فقد يقال له: غراب البين إذا أرادوا به الشؤم إلاَّ غراب البين نفسه غراب صغير، وإنما قيل لكل غراب: غراب البين، لسقوطه في مواضع منازلهم إذا باتوا. وناس يزعمون أن تساندها على غير تسافد الطير، وإنها تزلق بالمناقير وتلقح من هنالك. وقيل: إنهم يتسافدون كبني آدم، أخبر بذلك جماعة شاهدوه. وفي (الموعب): الغراب الأبقع هو الذي في صدره بياض. وفي (المحكم): غراب أبقع يخالط سواده بياض، وهو أخبثها، وبه يضرب المثل لكل خبيث، وقال أبو عمر: هو الذي في بطنه وظهره بياض. قوله: ((والحدأة)) بكسر الحاء وبعد الدال ألف ممدودة بعدها همزة مفتوحة، وجمعها: حدء، مثل عنب، وحدآن، كذا في (الدستور). وقال الجوهري: ولا يقال: حداة، وفي (المطالع): الحدأة لا يقال فيها إلاَّ بكسر الحاء، وقد جاء الحداء يعني بالفتح، وهو جمع حدأة، وجاء الحديا على وزن الثريا. قوله: ((والفأرة)) واحدة الفيران وفيرة، ذكره ابن سيده. وفي (الجامع): أكثر العرب على همزها. قوله: ((والعقرب)) قال ابن سيده: العقرب يكون للذكر والأنثى، وقد يقال للأنثى عقربة، والعقربان الذكر منها. وفي (المنتهى): الأنثى ٢٥٥ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) عقرباء، ممدود غير مصروف، وقيل: العقربان دويبة كثيرة القوائم غير العقرب، وعقربة شاذة، ومكان معقرب بكسر الراء ذو عقارب، وأرض معقربة، وبعضهم يقول: معقرة، كأنه رد العقرب إلى ثلاثة أحرف ثم بنى عليه، وفي (الجامع): ذكر العقارب عقربان، والدابة الكثيرة القوائم عقربان، بتشديد الباء. قوله: ((والكلب العقور))، قال أبو المعاني: جمع الكلب أكلب وكلاب وكليب، وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد إلاَّ القليل، نحو: عبد وعبيد، وجمع الأكلب أكالب، وفي (المحكم): وقد قالوا في جمع الكلاب كلابات، والكالب كالجامل جماعة الكلاب، والكلبة أنثى الكلاب، وجمعها كلبات ولا يكسر، وسنذكر معنى العقور وما المراد منه. ذکر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: أنه يستفاد من الحديث جواز قتل هذه الخمسة من الدواب للمحرم، فإذا أبيح للمحرم فللحلال بالطريق الأولى، ثم التقييد بالخمس، وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك، ولكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثرين، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله، عَّ ◌ُلّهِ، أولاً ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم فقد ورد في حديث أخرجه مسلم عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، تقول: سمعت رسول الله، عَّلِ، يقول: ((أربع كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم: الحدأة، والغراب والفأرة والكلب العقور)). انتهى. وأسقط العقرب، وورد عنها أيضاً: ست، أخرجه أبو عوانة في (المستخرج) من طريق المحارمي عن هشام عن أبيه عنها، فذكر الخمسة وزاد: الحية. وقال عياض: جاء في غير كتاب مسلم ذكر الأفعى فصارت سبعاً، وفيه نظر، لأن الأفعى تدخل في مسمى الحية، وروى ابن خزيمة وابن المنذر زيادة على الخمس، وهي: الذئب والنمر، فتصير بهذا الإعتبار تسعراً، ولكن قال ابن خزيمة عن الذهلي: أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور، وقد جاء حديث أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَّ له أنه قال: يقتل المحرم الحية والعقرب والسبع العادي والكلب العقور والفأرة الفويسقة. فقيل له: لم قال لها: الفويسقة؟ قال: لأن رسول الله عَ لَّه استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت، وهذا لم يذكر فيها الغراب والحدأة، وذكر عوضهما الحية والسبع العادي، وأخرجه أبو داود عنه أن النبي عٍَّ سئل عما يقتل المحرم؟ قال: الحية والعقرب والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور والحدأة، والسبع العادي. وقال الطحاوي: فهذا ما أباح النبي عَّلّ للمحرم قتله في إحرامه، وأباح للحلال قتله في الحرم، وعد ذلك خمساً، فذلك ينفي أن يكون إشكال شيء من ذلك كحكم هذه الخمس إلاَّ ما اتفق عليه من ذلك أن النبي عَ للِ عناه. قلت: الحاصل مما قاله أن التنصيص على الأشياء المذكورة بالعدد ينافي أن يكون أمثاله وأنظاره كهذه الخمس في الحكم، ألاَّ ترى أنه ذكر الحدأة، والغراب وهما من ذوي المخلب من الطيور وعينهما؟ فلا يلحق بها ٢٥٦ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) سائر ذوي المخالب من الطيور كالصقر والبازي والشاهين والعقاب ونحوهما، وهذا بلا خلاف، إلاَّ أن من علل بالأذى يقول: أنواع الأذى كثيرة مختلفة، فكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى من السبع ونحوه من ذوات السموم: كالحية والزنبور، وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرش: كابن عرس، وبالغراب والحداة، على ما يشاركهما في الأذى بالاختطاف كالصقر، وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى بالعدوان والعقر: كالأسد والفهد، ومن علل بتحريم الأكل قال: إنما اقتصر على الخمس لكثرة ملابستها للناس بحيث يعم أذاها. فإن قلت: فعلى ما ذكرت عن الطحاوي ينبغي أن لا يجوز قتل الحية للمحرم؟ قلت: قوله: إلاَّ ما اتفق عليه من ذلك أن النبي عَ لَّه عناه، أشار إلى جواز قتل الحية لأنها من جملة ما عناه من ذلك، وكيف وقد جاء عن ابن مسعود أن النبي عَ لِ أمرهم بقتل الحية في منىٌ، وجاء أن إحدى الخمس هو الحية، فيما رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري وقد ذ کرناه؟ الوجه الثاني في حكم الغراب: فقال صاحب (الهداية): المراد بالغراب آكل الجيف، وهو الأبقع، روي ذلك عن أبي يوسف، واحتج في ذلك بما رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي ◌َّ لل أنه قال: ((خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع))، وقد مر عن قريب تفسير الأبقع. وقال القرطبي: هذا تقييد لمطلق الروايات التي ليس فيها الأبقع، وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلاَّ قتل الأبقع خاصة، وطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان، ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلب. قلت: الروايات المطلقة محمولة على هذه الرواية المقيدة التي رواها مسلم، وذلك لأن الغراب إنما أبيح قتله لكونه يبتدىء بالأذى، ولا يبتدىء بالأذى إلاَّ الغراب الأبقع، وأما الغراب غير الأبقع فلا يبتدىء بالأذى، فلا يباح قتله: كالعقعقق وغراب الزرع. ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقاً بالأبقع. ومنها: الغداف، على الصحيح في مذهب الشافعي، ذكره في (الروضة) بخلاف ما ذكره الرافعي، وسمى ابن قدامة الغداف: غراب البين، المعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع قلت: قال أصحابنا: المراد بالغراب في الحديث الغداف والأبقع لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا، وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد الذي رواه أبو داود، وقد ذكرناه، وفيه: ((ويرمي الغراب ولا يقتله))، وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن علي ومجاهد، وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلاَّ ما جاء عن عطاء، قال في محرم كسر قرن غراب، قال: إن أدماه فعليه الجزاء! وقال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء على هذا. انتهى. وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب والحدأة: هل يتقيد جوازهما بأن يبتدئا بالأذى؟ وهل يختص ذلك بكبارهما؟ والمشهور عنهم ما قاله ابن شاش: لا فرق وفاقاً للجمهور. ومن أنواع الغربان: العقيق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، وقيل: سمي بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضاً، ٢٥٧ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) وذكر في (فتاوى قاضيخان): من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر، وقيل: حكمه حكم الأبقع. وقيل: حكم غراب الزرع، وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلاَّ فلا بأس به. فإن قلت: قال ابن بطال: هذا الحديث - أعني حديث عائشة الذي رواه مسلم الذي ذكرناه عن قريب - لا يعرف إلاَّ من حديث سعيد، ولم يروه عنه غير قتادة، وهو مدلس، وثقات أصحاب سعيد من أهل المدينة لا يوجد عندهم هذا القيد مع معارضة حديث ابن عمر وحفصة، فلا حجة فيه حينئذ. وقال أبو عمر: لا تثبت هذه الزيادة - أعني: قوله: ((والغراب الأبقع)) -، وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح. قلت: دعوى التدليس مردودة لأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلاّ ما هو مسموع لهم، وفي الحديث عن شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، بل صرح النسائي في روايته من طريق النضر بن شميل عن شعبة بسماع قتادة، ونفي ثبوت الزيادة مردود أيضاً بإخراج مسلم، والزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا. الوجه الثالث: في الحدأة: فإنه يجوز قتلها سواء كان للمحرم أو للحلال، لأنها تبتدىء بالأذى وتختطف اللحم من أيدي الناس، وروي عن مالك في الحدأة والغراب أنه لا يقتلهما إلاَّ أن يبتدئا بالأذى، والمشهور من مذهبه خلافه، وعن أبي مصعب فيما ذكره ابن · العربي قتل الغراب والحدأة، وإن لم يبتدئا بالأذى، ويؤكل لحمهما عند مالك. وروي عنه المنع في الحرم سداً لذريعة الاصطياد. قال أبو بكر: وأصل المذهب أن لا يقتل من الطير إلاّ ما آذى بخلاف غيره، فإنه يقتل ابتداءً. الوجه الرابع: في الفأرة: فإنه يجوز قتلها مطلقاً، وقال ابن المنذر، لا خلاف بين العلماء في جواز قتل المحرم الفأرة إلاّ النخعي، فإنه منع المحرم من قتلها، وهو قول شاذ، وقال القاضي، وحكى الساجي عن النخعي أنه لا يقتل المحرم الفأرة، فإن قتلها فداها، وهذا خلاف النص وخلاف جميع أهل العلم، وروى البيهقي بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال: لما ذكروا له هذا القول، قال: ما كان بالكوفة أفحش رداً للآثار من إبراهيم النخعي لقلة ما سمع منها، ولا أحسن اتباعاً لها من الشعبي لكثرة ما سمع، ونقل ابن شاش عن المالكية خلافاً في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى، والفأرة أنواع منها: الجرذ، بضم الجيم على وزن: عمر، والخلد، بضم الخاء المعجمة. وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط، وحكمها في تحريم الأكل وجواز قتلها سواء. الوجه الخامس: في العقرب: فإنه يجوز قتله مطلقاً حتى في الصلاة، لأنه يقصد اللدغ ويتبع الحس، وذكر أبو عمر عن حماد بن أبي سليمان والحكم أن المحرم لا يقتل الحية والعقرب، رواه عنهما شعبة، قال: وحجتهما أنهما من هوام الأرض، وقال القاضي: لم يختلف في قتل الحية والعقرب ولا في قتل الحلال الوزغ في الحرم، وقال أبو عمر: لا خلاف عن مالك وجمهور العلماء في قتل الحية والعقرب في الحل والحرم، وكذلك الأفعى. عمدة القارىء / ج ١٠ / م١٧ ٢٥٨ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) الوجه السادس: في الكلب العقور: ذكر أبو عمر أن سفيان بن عيينة قال: الكلب العقور: كل سبع يعقر، ولم يخص به الكلب، قال سفيان، وفسره لنا زيد بن أسلم، وكذا قال أبو عبيد، وعن أبي هريرة: الكلب العقور الأسد، وعن مالك: هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم مثل: الأسد والنمر والفهد، فأما ما كان من السباع لا يعدو مثل: الضبع والثعلب وشبههما، فلا يقتله المحرم، وإن قتله فداه. وزعم النووي أن العلماء اتفقوا على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم، واختلفوا في المراد به، فقيل: هو الكلب المعروف، حكاه القاضي عياض عن أبي حنيفة والأوزاعي والحسن بن حي، وألحقوا به الذئب، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وذهب الشافعي والثوري وأحمد وجمهور العلماء إلى أن المراد كل مفترس غالباً. وقال مالك في (الموطأ): كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وقال بعضهم: هو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب، واحتج أبو عبيد بقوله عَّله: ((أللهم سلط عليه كلباً من كلابه، فقتله الأسد)). وهو حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه، واحتج بقول الله تعالى: ﴿وما علَّمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]. فاشتقاقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح: عقور. قلت: في (مراسيل) ذكر الكلب من غير وصفه بالعقور، فعلم أن المراد به الحيوان الخاص لا كل عاقر، وقال السرسقطي في (غريبه): الكلب العقور اسم لكل عاقر حتى اللص القاتل، وعلى هذا فيستقيم قياس الشافعية على الخمس ما كان في معناها، ولكن يعكر على هذا عدم إفراده بالذكر، فإن قالوا: إنه من باب عطف الخاص على العام، وهو تأكيد للخاص كقوله تعالى: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨]. قلنا: قد جاء في بعض الروايات مؤخر الذكر ومتوسطاً، هكذا في الصحيح وغيره، واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه، فصرح بتحريمه القاضيان حسين والماوردي وغيرهما، ووقع للشافعي في (الأم) الجواز، واختلف كلام النووي، فقال في البيع من (شرح المهذب): لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله، وقال في التيمم والغصب: إنه غير محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف شديد، وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعي، وتبعه في (الروضة) وزاد: إنها كراهة تنزيه، وذهب الجمهور إلى إلحاق غير الخمس بها في هذا الحكم إلاّ أنهم اختلفوا في المعنى، فقيل: لكونها مؤذية فيجوز قتل كل مؤذ، وقيل: كونها مما لا يؤكل، فعلى هذا كل ما يجوز قتله لا فدية على الحرم في قتله، وهذا قضية مذهب الشافعي. وقد قسم هو وأصحابه الحيوان بالنسبة إلى المحرم ثلاثة أقسام: قسم يستحب: كالخمس وما في معناها مما يؤذي. وقسم: يجوز: كسائر ما لا يؤكل لحمه. وهو قسمان: ما يحصل منه نفع وضر فيباح لما فيه من منفعة الاصطياد، ولا يكره لما فيه من العدوان. وقسم ليس فيه نفع ولا ضر، فيكره قتله ولا يحرم. والقسم الثالث: ما أبيح أكله أو نهى عن ٢٥٩ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) قتله، فلا يجوز وفيه الجزاء إذا قتله المحرم. قلت: أصحابنا اقتصروا على الخمس إلاَّ أنهم ألحقوا بها: الحية لثبوت الخبر، والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية، وألحقوا بذلك ما ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها، وقال بعضهم، وتعقب بظهور المعنى في الخمس وهو: الأذى الطبيعي والعدوان المركب، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه تعدى الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى. انتهى. قلت: نص النبي عَّهم على قتل خمس من الدواب في الحرم والإحرام، وبين الخمس ما هن، فدل هذا أن حكم غير هذا الخمس غير حكم الخمس، وإلا لم يكن للتنصيص على الخمس فائدة. وقال عياض: ظاهر قول الجمهور أن المراد أعيان ما سمى في هذا الحديث، وهو ظاهر قول مالك وأبي حنيفة، ولهذا قال مالك: لا يقتل المحرم الوزغ، وإن قتله فداه، ولا يقتل خنزيراً ولا قرداً مما لا ينطلق عليه اسم الكلب في اللغة إذ فيه جعل الكلب صفة لا اسماً، وهو قول كافة العلماء، وإنما قال رسول الله عَّةٍ: ((خمس)) فليس لأحد أن يجعلهن ستاً ولا سبعاً، وأما قتل الذئب فلا يحتاج فيه أن نقول: إنه يقتل لمشاركته للكلب في الكلبية، بل نقول: يجوز قتله بالنص، وهو ما رواه الدارقطني عن نافع، قال: سمعت ابن عمر يقول: أمر رسول الله عَ لَّه بقتل الذئب والفأرة. قال يزيد بن هارون، يعني: المحرم. وقال البيهقي: وقد روينا ذكر الذئب من حديث ابن المسيب مرسلاً جيداً، كأنه يريد قول ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عمر عن حرملة عن سعيد حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن حرملة عن سعيد به، قال: وحدثنا وكيع عن سفيان عن سالم عن سعيد عن وبرة عن ابن عمر: يقتل المحرم الذئب، وعن قبيصة: يقتل الذئب في الحرم، وقال الحسن وعطاء: يقتل المحرم الذئب والحية، وأما إذا عدا على المحرم حيوان، أي حيوان كان، وصال عليه فإنه يقتله، لأن حكمه حينئذ يصير كحكم الكلب العقور. ١٨٢٩/٤٠٤ - حدّثنا يَحْيِّى بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثني ابن وهْبٍ قال أخبرني يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُزْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله عَّ له قال خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابٌ كُلُّهُنَّ فاسِقٌ يَقْتُلُهُنَّ فِي الحَرَمِ. الْغُرَابُ والحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ والْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. [الحديث ١٨٢٩ - طرفه في: ٣٣١٤]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى بن سليمان بن يحيى بن سعيد الجعفي المقري، قدم مصر وحدث بها، وتوفي بها سنة ثمان أو سبع وثلاثين ومائتين. الثاني: عبد الله بن وهب. الثالث: يونس بن يزيد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عروة ابن الزبير بن العوام. السادس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن ٢٦٠ ٢٨ - كتاب جزاء الصيد / باب (٧) شيخه من أفراده، وأنه كوفي وأن ابن وهب مصري وأن يونس أيلي وأن ابن شهاب وعروة مدنيان. وفيه: أن البخاري يروي عن يحيى بن سليمان بقوله: حدثنا، ويروي، وحدثني، يحيى، بالعطف وصيغة الإفراد. وفيه: يروي ابن وهب عن ابن شهاب عن عروة، وفي الحديث السابق: يروي ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر عن حفصة، فظهر من ذلك أن لابن وهب عن يونس عن الزهري إسنادين: سالم عن أبيه عن حفصة، وعروة عن عائشة. وقد كان ابن عيينة ينكر طريق الزهري عن عروة. قال الحميدي عن سفيان: حدثنا والله الزهري عن سالم عن أبيه، فقيل له: فإن معمراً يرويه: عن الزهري عن عروة عن عائشة، فقال: حدثنا والله الزهري، ولم يذكر عروة. انتهى. وطريق معمر الذي ذكره رواه البخاري في بدء الخلق من طريق يزيد بن زريع عنه، ورواه النسائي من طريق عبد الرزاق عنه، ورواه أيضاً سعيد بن أبي حمزة عند أحمد وأبان بن صالح عند النسائي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تابع الزهري عن عروة عن هشام بن عروة. وأخرجه مسلم عن الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله عَ لِ: خمس فواسق يقتلن في الحرم: العقرب والفأرة والحديا والغراب والكلب العقور)). ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة ابن يحيى. وأخرجه النسائي فيه عن يونس بن عبد الأعلى، كلهم عن ابن وهب عن يونس به، وروى أحمد في (مسنده) بسند صالح عن ابن عباس يرفعه: ((خمس كلهن فاسقة يقتلهن المحرم ويقتلن في الحرم: الحية والفأرة .. )) الحديث. وروى الترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي، عَّ له، قال: ((يقتل المحرم السبع العادي والكلب العقور والفأرة والعقرب والحدأة والغراب)). وروى البيهقي من رواية إبراهيم عن الأسود ((عن ابن مسعود: أن رسول الله، عَُّێے، أمر محرماً بقتل حية بمنىّ)). ذكر معناه: قوله: ((فاسق))، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ، وهو قوله: ((كلهن))، وهذه الجملة في محل الرفع على أنها خبر لقوله: ((خمس))، وهو قد تخصص بالصفة. قوله: ((يقتلن))، الضمير الذي فيه يرجع إلى قوله: ((خمس))، وليس يرجع إلى معنى: كل، كما قاله بعضهم. وفي رواية مسلم من هذا الوجه: ((كلها فواسق))، وفي روايته التي تأتي في بدء الخلق: ((خمس فواسق)). قال النووي: هو بإضافة: خمس، لا بتنوينه، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين، وأشار إلى ترجيح الثاني، فإنه قال: رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها غيرها في الخكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك - وهو القتل - معلل بما جعل وصفاً - وهو الفسق - فيدخل فيه كل فاسق من الدواب. قلت: هذا مبني على معرفة معنى الفسق، فإن كان المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق خروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله يكون معنى الكلبية فيه ظاهراً. وإن كان المعنى خروجها عن حكم غيرها بالإيذاء