Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٤٧ )
بالناس على عقد عائشة، رضي الله تعالى عنها. قلت: روى البزار من حديث جابر، وأخرجه
الثقفي في فوائده من طريق أبي هريرة مرفوعاً: ((أميران وليسا بأميرين: من تبع جنازة فليس له
أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف
الركن، فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم)). قلت: إسناد كل منهما إسناد ضعيف
جداً، ولئن سلمنا صحتهما فلا دلالة لهما على الوجوب، وقد ذكر مالك في (الموطأ) أنه
يلزم الجمال أن يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، وكذا على النفساء، واعترض عليه
ابن المواز بأن فيه تعريضاً للفساد: كقطع الطريق، وأجابه القاضي عياض بأن محل ذلك أمن
الطريق، كما أن محله أن يكون مع المرأة محرم، والله أعلم.
١٤٧ - بابُ منْ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالأَبْطَحِ
أي: هذا باب يذكر فيه من صلى صلاة العصر يوم النفر، وهو يوم الرجوع من منىّ.
قوله: ((بالأبطح)) وهو البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي
التي يقال لها: المحصب والمعرس، وحدها ما بين الجبلين إلى المقبرة.
٣٤١ / ١٧٦٣ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا إِسْحَاقُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعِ قال سألْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ قال أخبرني بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ
عنِ النبيِّ عَّهِ أَيْنَ صَلَّىٍ الظُّهْرَ يَوْمَ الْتَّرْوِيَّةِ قال بِمِنِى قُلْتُ فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ قَال
بالأَبْطَحِ افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أَمَرَاؤُكَ. [انظر الحديث ١٦٥٣ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بالأبطح))، أي: صلى العصر بالأبطح، والحديث قد مر
في: باب أين صلى الظهر يوم التروية؟ فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد عن إسحاق .
الأزرق عن سفيان عن عبد العزيز بن رفيع إلى آخره، وأخرجه ههنا عن محمد بن المثنى عن
إسحاق بن يوسف بن يعقوب الأزرق الواسطي عن عبد العزيز بنُ رُفيع، بضم الراء وفتح الفاء
وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة، ولما أخرج هذا الحديث من طريقين ذكرهما
ووضع لكل طريق ترجمة، وقد مر الكلام فيه هناك. قوله: ((يوم التروية))، وهو اليوم الثامن من
ذي الحجة.
٣٤٢/ ١٧٦٤ - حدَّثنا عَبْدُ المُتَعَالِ بنُ طالِبٍ قال حدثنا ابنُ وهْبٍ قال أخبرني
عَمْرُو بنُ الحَارِثِ أنَّ قَتَادَةَ حدَّثَهُ عَنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه حدَّثُهُ عنِ النبيِّ
عَّهِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ والْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ ورَقَدَ رَقْدَةً بالمحصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إلَى البَيْتِ
فَطافَ بِهِ. [انظر الحديث ١٧٥٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((والعصر)) أي: وصلى العصر أيضاً بالمحصب وهو الأبطح،
وقد مضى هذا الحديث أيضاً في: باب طواف الوداع، فإنه أخرجه هناك: عن أصبغ بن الفرج
عن عمرو بن الحارث إلى آخره، وأخرجه ههنا: عن عبد المتعال بالياء، وحذفها ابن طالب
الأنصاري البغدادي، مات سنة ست وعشرين ومائتين عن عبد الله بن وهب إلى آخره، وقد مر

١٤٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٤٨)
الكلام فيه. قوله: ((فطاف به)) أي: بالبيت طواف الوداع.
١٤٨ - بابُ المُخَصَّبِ
أي: هذا باب في بيان حكم النزول بالمحصب، وهو الأبطح، وهو بضم الميم وفتح
الحاء وتشديد الصاد المهملتين وفي آخره باء موحدة، وقال النووي: الأبطح والبطجاء وخيف
بني كنانة اسم لشيء واحد.
١٧٦٥/٣٤٣ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ هِشام عن أبيهِ عنْ عَائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها قالَتْ إنّما كانَ مَّنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النبيُّ عَ لَّهِ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ تَغْنِي
بالأنطحِ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو
الثوري، وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام، وفي رواية الإسماعيلي من طريق يزيد بن
هارون عن سفيان حدثنا هشام.
قوله: ((إنما كان منزل))، ويروى: ((منزلاً)) على أنه خبر: كان، أي: إنما كان المحصب
منزلاً ينزله النبي عَّلَّه وليس من السنة، والدليل عليه ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن نمير
عن هشام عن أبيه ((عن عائشة، قالت: نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله عَ لَّه لأنه
كان أسمح لخروجه إذا خرج)). قوله: ((أسمح)) أي: أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوي في
ذلك البطيء والمعتدل، ويكون مبيتهم وقيامهم من السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة.
فإن قلت: ما وجه الرفع في: منزل؟ قلت: فيه وجوه: الأول: أن يجعل: ما، في: إنما، بمعنى:
الذي، واسم كان الضمير الذي فيه يعود على المحصب، وخبره محذوف تقديره: إن المنزل
الذي كان المحصب إياه منزل، فيكون ارتفاع منزل بكونه خبر: إن. الثاني: أن تكون: ما،
كافة، ومنزل اسم كان، وخبرها ضمير عائد إلى المحصب، فحذف الضمير لكن يلزم أن
يكون الاسم نكرة والخبر معرفة، وذلك جائز. الثالث: أن يكون منزلاً منصوباً في اللفظ إلاَّ
أنه كتب بالألف على اللغة الربيعية.
قوله: ((بالأبطح))، وفي رواية الكشميهني: ((الأبطح))، بلا باء، والباء في الرواية التي هي
فيها تتعلق بقوله: ((ينزل))، وقال الخطابي: التحصيب هو أنه إذا نفر من منىّ إلى مكة للتوديع
يقيم بالمحصب حتى يهجع به ساعة، ثم يدخل مكة، وليس بشيء، أي: ليس بنسك من
مناسك الحج، إنما نزل رسول الله عَّةٍ للاستراحة. وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم
المنذري: التحصيب مستحب عند جميع العلماء، وقال شيخنا زين الدين: وفيه نظر لأن
الترمذي حكى استحبابه عن بعض أهل العلم، وحكى النووي استحبابه عن مذهب الشافعي
ومالك والجمهور، وهذا هو الصواب، وقد كان من أهل العلم من لا يستحبه فكانت أسماء
وعروة ابن الزبير، رضي الله تعالى عنها، لا يحصبان، حكاه ابن عبد البر في (الاستذكار)
عنهما، وكذلك سعيد بن جبير، فقيل لإبراهيم: إن سعيد بن جبير لا يفعله، فقال: قد كان

١٤٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٤٩)
يفعله، ثم بدا له، وقال ابن بطال: وكانت عائشة لا تحصب ولا أسماء، وهو مذهب عروة.
١٧٦٦/٣٤٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدثنا سُفْيَانُ قال عَمْرٌو عنْ عَطاءِ عنِ
ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال لَيْسَ النَّخصِيبُ بِشِيْءٍ إِنما هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رسولُ الله
مّاللّه
مطابقته للترجمة من حيث إنه بيان حكم المحصب، وعلي بن عبد الله المعروف بابن
المديني، وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، وعطاء هو ابن أبي رباح.
وأخرجه مسلم أيضاً من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس
نحوه، وأخرجه النسائي عن علي بن حجر عن سفيان، وأخرجه الترمذي عن ابن أبي عمر عن
سفيان عن عمرو إلى آخره، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وذكر الدارقطني أن هذا
حديث علي بن حجر، قال ابن عساكر: يعني تفرد به، وابن عيينة سمعه من حسن بن صالح
عن عمرو، ولكن كذا قال ابن حجر، وهو وهم منه، فقد رواه ابن أبي عمر وعبد الجبار بن
العلاء وجماعة غيرهما، ورواه الإسماعيلي من حديث أبي خيثمة حدثنا ابن عيينة حدثنا
عمرو، وكذا رواه أبو نعيم الحافظ من طريق عبد الله ابن الزبير: حدثنا سفيان حدثنا عمرو،
فقد صرح أبو خيثمة والحميدي عن سفيان بالتحديث من عمرو فانتفى ما قاله الدارقطني،
ولما روى الترمذي حديث ابن عمر قال: ((كان النبي، عَِّ، وأبو بكر وعمر وعثمان، رضي
الله تعالى عنهم، ينزلون بالأبطح)). قال: وفي الباب عن عائشة وأبي رافع وابن عباس. قلت:
حديث عائشة أخرجه الأئمة الستة، وحديث أبي رافع أخرجه مسلم وأبو داود من رواية
سفيان بن عيينة عن صالح بن كيسان عن سليمان بن يسار ((عن أبي رافع، قال: لم يأمرني
رسول الله عَ ل أن أنزل بالأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربت قبته فجاء فنزل))
قلت: وفي الباب عن أبي هريرة وأبي أسامة وأنس، رضي الله تعالى عنهم، وأخرج البخاري
حديثهم، وقال بعض العلماء: كان نزوله عَّله بالمحصب شكراً لله تعالى على الظهور بعد
الاختفاء، وعلى إظهار دين الله تعالى بعدما أراد المشركون من إخفائه، وإذا تقرر أن نزول
المحصب لا تعلق له بالمناسك فهل يستحب لكل أحد أن ينزل فيه إذ أمر به؟ يحتمل أن
يقال باستحبابه مطلقاً، ويحتمل أن يقال باستحبابه للجمع الكثير، وإظهار العبادة فيه إظهاراً
لشكر الله تعالى على رد كيد الكفار، وإبطال ما أرادوه. والله أعلم.
١٤٩ _ بابُ التَّزُولِ بِذِي طُوىٍ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ مَكّةَ والنُّزُولِ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذي
الحُلَيْفَةِ إِذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ
أي: هذا باب في بيان نزول الحاج بذي طوى قبل دخوله مكة اتباعاً للنبي عَ ◌ّهُ في
نزوله بمنازله جميعاً، ولا يختص ذلك بالمحصب. قوله: ((بذي طوی)) بدون الألف واللام في
رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والسرخسي: بذي الطوى، بالألف واللام، ويجوز في
الطاء الحركات الثلاث، والأفصح فتحها، ويجوز صرف طوىّ ومنعه، وهو موضع بأسفل مكة

١٤٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٤٩ )
في صوب طريق العمرة المعتادة، وقيل: هو بين مكة والتنعيم، وكلمة: أن، في قوله: قبل أن
يدخل، مصدرية أي: قبل دخوله مكة. قوله: ((والنزول))، بالجر عطف على النزول الأول.
قوله: ((التي بذي الحليفة)) صفة البطحاء، واحترز به عن البطحاء التي بين مكة ومنىّ،
وقيل: البطحاء بالمد: هو التراب الذي في مسيل الماء. وقيل: إنه مجرى السيل إذا جف
واستحجر، والبطحاء التي بذي الحليفة معروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالعرس. قوله: ((إذا
رجع))، أي: الحاج من مكة وتوجه إلى المدينة.
٣٤٥ / ١٧٦٧ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدَّثنا أَبُو ضَمْرَةَ قال حدَّثنا مُوسى بنُ
عُقْبَةَ عنْ نَافِعِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضِي الله تعالى عنهما كانَ يَبِيتُ بِذِي طُوىّ بَيْنَ النَّنْيَتَيْنِ ثُمَّ
يَدْخُلُ مِنَ الثَّتََّةِ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ وكانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ حاجّاً أوْ مُعْتَمراً لَمْ يُنِخْ ناقَتَهُ إِلاَّ عِنْدَ
بابِ المَسْجِدِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأْتِي الرُّكْنَ الأسْوَدَ فَيَبْدَأْ بِهِ ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعاً ثلاثاً سعياً وأربَعاً مَشْياً
ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ قَبْلَ أنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ
وكانَ إِذَا صَدَرَ عنِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ النبيُّ عَّه.
يُنِيخُ بِها. [انظر الحديث ٤٩١ وطرقه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((كان يبيت بذي طوى))، وفي قوله: ((وكان إذا صدر عن
الحج ... )) إلى آخره.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو ضمرة، بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم، واسمه
أنس بن عياض الليثي مشهور باسمه وكنيته.
قوله: ((بين الثنيتين)، وهي تثنية ثنية وهي طريق العقبة. قوله: ((لم ينخ))، بضم الياء
آخر الحروف وكسر النون: من أناخ ينيخ إذا برك جمله، والراحلة الناقة التي تصلح لأن
ترحل، وقيل: هي المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى. قوله: ((باب المسجد)) أي:
المسجد الحرام. قوله: ((فيأتي الركن الأسود))، الركن الذي فيه الحجر الأسود. قوله:
((سبعاً))، أي: سبع مرات. قوله: ((ثلاثاً)) أي: يطوف من السبع ثلاث مرات، قوله: ((سعياً)) أي:
ساعياً، نصب على الحال، ويجوز أن يكون انتصابه على أنه صفة لثلاثاً. قوله: ((وأربعاً)) أي:
يطوف أربع مرات من السبع مشياً. ويجوز فيه الوجهان المذكوران في: سعياً. قوله:
((سجدتين)) أي: ركعتين، من باب إطلاق اسم الجزء الكل، وفي رواية الكشميهني:
((ركعتين))، على الأصل. قوله: ((وكان إذا صدر) أي: رجع متوجهاً نحو المدينة. قوله: ((بها))
أي: بذي الحليفة، ثم اعلم أن النزول بذي طوّ قبل أن يدخل مكة والنزول بالبطحاء التي
بذي الحليفة عند رجوعه ليس بشيء من مناسك الحج، فإن شاء فعله وإن شاء تركه.
٣٤٦ /١٧٦٨ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قال حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ قال
سُئِلَ عُبَيْدُ اللهِ عنِ المُحَصَّبِ قال فَحدثنا عُبَيْدُ الله عنْ نَافِعِ قال نَزَلَ بِها رسولُ اللهِ عَ لَّه
وعُمَرُ وابنُ عُمَرَ. وعنْ نافِعٍ أَنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما كانَ يُصَلِّي بِها يَعْنِي

١٤٥
٢٥ - كتاب الحَجُ / باب (١٥٠ )
الْمُخَصَّبَ الظُّهْرَ والعَصْرَ أحْسِبُهُ قال والْمَغْرِبَ قال خالِدٌ لاَ أَشُكُ فِي العِشَاءِ ويَهْجَعُ هَجْعَةٌ
وَيَذْكُرُ ذُلِكَ لِلسَّبِيِّ عَلِ.
لا مطابقة بين هذا الحديث والترجمة إلاَّ من وجه يؤخذ تقريباً، وهو أن بين حديثي
الباب مناسبة من حيث إن كلاً منهما يتضمن أمراً غير لازم، وذلك أن الحديث الأول فيه
النزول بذي طوىّ قبل الدخول في مكة، وبالبطحاء التي بذي الحليفة إذا رجع من مكة وكل
منهما غير لازم، ولا هما من مناسك الحج، وكذلك الحديث الثاني فيه النزول بالمحصب،
وهو أيضاً غير لازم، ولا هو من مناسك الحج، وكذلك في كل منهما، يرويه نافع عن فعل
ابن عمر، فبهذين الاعتبارين تحققت المناسبة بين الحديثين، والحديث الأول مطابق للترجمة،
والثاني مطابق للأول، ومطابق المطابق لشيء مطابق لذلك الشيء. فافهم فإنه دقيق.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبدالله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي، مات
سنة ثمان وعشرين ومائتين. الثاني: خالد بن الحارث أبو عثمان الهجيمي. الثالث: عبيد الله
ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس:
عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه وخالد بصريان وعبيد الله ونافع مدنيان.
قوله: ((نزل بها))، أي: بالمحصب، وهذا من مرسلات نافع، وعن عمر منقطع وعن ابن
عمر موصول، ويحتمل أن يكون نافع سمع ذلك من ابن عمر، فيكون الجميع موصولاً. قوله:
((أحسبه))، أي: أظن يعني الشك إنما هو في المغرب لا في العشاء. قوله: ((وعن نافع)) غير
معلق لأنه معطوف على الإسناد الذي قبله. قوله: ((يهجع))، أي: ينام من الهجوع، وهو النوم.
قوله: ((ويذكر ذلك))، أي: يذكر ابن عمر التحصيب عن النبي عَّه والدليل عليه ما رواه
مسلم عن محمد بن حاتم عن روح عن صخر بن جويرية عن نافع أن ابن عمر كان يرى
التحصيب سنة، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة، قال: قد حصب رسول الله عَ ليه
والخلفاء بعده. والله أعلم.
١٥٠ - بابُ مَنْ نَزَلَ بِذِي طُوىّ إذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ
أي: هذا باب في بيان مشروعية نزول من نزل بذي طوىّ إذا رجع من مكة متوجهاً
إلى مقصده، وأما النزول بذي طوىّ للداخل مكة فقد مر بيانه في: باب الاغتسال عند
الدخول في مكة، وفي: باب دخول مكة ليلاً أو نهاراً، وقد وقع سهو عن الداودي حيث
جعل ذا طوىّ هو المحصب، وظن أن المبيت متحد فيهما.
١٧٦٩/٣٤٧ - وقالَ محَمَّدُ بنُ عِيسَى قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ
◌ُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ كانَ إِذَا أَقْبَلَ باتَ بِذِي طُوىّ حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ دَخَلٌ وإذَا نَفَرَ
مَرَّ بِذِي طُوَىّ وباتَ بِها حَتَّى يُصبِحَ وكانَ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيِّ عَُّلِّ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [انظر
عمدة القارىء / ج١٠ / م١٠

١٤٦
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٥١)
الحديث ٤٩١ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وإذا نفر مر بذي طوىً)) إلى آخره.
ورجاله خمسة: الأول: محمد بن عيسى بن الطباع أبو جعفر أخو إسحاق البصري،
سكن الشام ومات في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وهو من أفراد البخاري، وروى عنه في
الردة. الثاني: حماد، واختلف فيه فجزم الإسماعيلي أنه حماد بن سلمة، وجزم المزي أنه
حماد بن يزيد الثالث أيوب السختياني. الرابع: نافع. الخامس: عبد الله بن عمر، وقد مضى
طرف من هذا الحديث في: باب الاغتسال لدخول مكة.
قوله: ((وإذا نفر مر بذي طوىّ)) وفي رواية الكشميهني، ((وإذا نفر مر من ذي طوىّ))
إلى آخره، قال ابن بطال: وليس هذا أيضاً من مناسك الحج.
١٥١ _ بابُ التِّجَارَةِ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ والْبَنِعِ فِي أُسْوَاقِ الجَاهِلِيَّةِ
أي: هذا باب في بيان جواز التجارة في أيام الموسم، بفتح الميم وسكون الواو وكسر
السين، وقال الأزهري: سمي موسم الحج موسماً لأنه معلم يجتمع إليه الناس، وهو مشتق من
السّمة، وهي العلامة. قوله: (والبيع))، بالجر عطف على التجارة أي: وفي بيان مشروعية
البيع أيضاً في أسواق الجاهلية، وأسواق الجاهلية أربعة، وهي: عكاظ، وذو المجاز، ومجنة
وحباشة.
وأما عكاظ فهو، بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وبعد الألف ظاء معجمة، قال
الرشاطي: هي صحراء مستوية لا علم فيها ولا جبل، إلاَّ ما كان من الأنصاب التي كانت بها
في الجاهلية، وبها من دماء البدن كالأرحام العظام، وقال محمد بن حبيب: عكاظ بأعلى
نجد، قريب من عرفات، وقال غيره: عكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق صنعاء، وهي
من عمل الطائف، وعلى بريد منها وأرضها لبني نصر، واتخذت سوقاً بعد الفيل بخمس
عشرة سنة، وتركت عام خرجت الحرورية بمكة مع المختار بن عوف سنة تسع وعشرين
ومائة إلى هلم جرا. وقال أبو عبيدة: عكاظ فيما بين نخلة والطائف إلى موضع يقال له:
الفتق، بضم الفاء والتاء المثناة وبالقاف، وبه أموال ونخل لثقيف، بينه وبين الطائف عشرة
أميال، فكان سوق عكاظ يقوم صبح هلال ذي القعدة عشرين يوماً. وعكاظ مشتق من قولك:
عكظت الرجل عكظاً إذا قهرته بحجتك، لأنهم كانوا يتفاخرون هناك بالفخر وكانت بعكاظ
وقائع مرة بعد مرة، وبعكاظ رأى رسول الله عَّ ل قس بن ساعدة، وحفظ كلامه وكان يتصل
بعكاظ بلد تسمى: ركبة، بها عين تسمى: عين خليص، وكان ينزلها من الصحابة: قدامة بن
عمار الكلابي، ولقيط بن ضمرة العقيلي، ومالك بن نضلة الحبشي.
وأما ذو المجاز: فقد ذكر ابن إسحاق: أنها كانت بناحية عرفة إلى جانبها، وعن ابن
الكلبي أنه كان لهذيل على فرسخ من عرفة، وقال الرشاطي: كان ذو المجاز سوقاً من أسواق
العرب، وهو عن يمين الموقف بعرفة قريباً من كبكب، وهو سوق متروك. وقال الكرماني: ذو

١٤٧
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٥١)
المجاز بلفظ - ضد الحقيقة - موضع بمنى كان به سوق في الجاهلية، وهذا غير صحيح،
لأن الطبري روى عن مجاهد أنهم كانوا لا يبيعون ولا يبتاعون في الجاهلية بعرفة ولا منىّ.
وأما مجنة، فهي: بفتح الميم والجيم وتشديد النون، وهي على أميال: مسيرة من مكة
بناحية مر الظهران، ويقال: هي على بريد من مكة، وهي لكنانة وبأرضها، وشامة وطفيل
جبلان مشرفان عليها، سميت بها لبساتين تتصل بها، وهي الجنان، ويحتمل أن يكون من
مجن يمجن، سميت بذلك لأن ضرباً من المجون كان بها.
وأما حباشة: فهي بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف شين
معجمة، وكانت بأرض بارق نحو قنونا، بفتح القاف وضم النون المخففة وبعد الواو الساكنة
نون أخرى، مقصورة من مكة إلى جهة اليمن على ست مراحل، ولم يذكر هذا في الحديث
لأنه لم يكن من مواسم الحج، وإنما كان يقام في شهر رجب. وقال الرشاطي: هي أكبر
أسواق تهامة. كان يقوم ثمانية أيام في السنة. قال حكيم بن حزام، وقد رأيت رسول الله عَ ليه
يحضرها واشتريت منه فيها بزاً من بز تهامة، وقال الفاكهي: ولم تزل هذه الأسواق قائمة في
الإسلام إلى أن كان أول من ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين
ومائة، وآخر ما ترك منها سوق حباشة في زمن داود بن عيسى بن موسى العباسي في سنة
سبع وتسعين ومائة، وروى الزبير بن بكار في (كتاب النسب) من طريق حكيم بن حزام أنها،
أي: سوق عكاظ، كانت تقام صبح هلال ذي القعدة إلى أن يمضي عشرون يوماً، قال: ثم
يقوم سوق مجنة عشرة أيام إلى هلال ذي الحجة، ثم يقوم سوق ذو المجاز ثمانية أيام ثم
يتوجهون إلى منى للحج، وفي حديث أبي الزبير ((عن جابر أن النبي عَ لِ لبث عشر سنين
يتبع الناس في منازلهم في الموسم بمجنة وعكاظ يبلغ رسالات ربه ... )) الحديث. أخرجه
أحمد وغيره.
١٧٧٠/٣٤٨ - حدّثنا عُثْمَانُ بنُ الهَيْثَمِ أخبرنا ابنُ مجرَيْجِ قال عَمْرُو بنُ دِينَارٍ قال ابنُ
عَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما كانَ ذُو المَجَازِ وعُكاظّ مَتْجَرَ الناسِ في الجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا جاءَ الإسْلامُ
كأنَّهُمْ كَرِهُوا ذُلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:
١٩٨]. [الحديث ١٧٧٠ - أطرافه في: ٢٠٥٠، ٢٠٩٨، ٤٥١٩] فِي مَوَاسِمِ الحَجّ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعثمان بن الهيثم، بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف
وفتح الثاء المثلثة: أبو عمرو المؤذن البصري، مات سنة عشرين ومائتين. وهو من أفراد
البخاري، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في البيوع عن عبد الله بن محمد وعلي بن عبد الله،
وفي التفسیر عن محمد، ثلاثتهم عن سفيان عنه به.
قوله: (متجر الناس))، بفتح الميم أي: مكان تجارتهم، وفي رواية ابن عيينة: أسواقاً
في الجاهلية. قوله: ((كأنهم)) أي: كأن المسلمين. قوله: ((كرهوا ذلك))، وفي رواية ابن

١٤٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٥٢)
عيينة: ((فكأنهم تأثموا)). أي: خشيوا الوقوع في الإثم للاشتغال في أيام النسك بغير العبادة.
قوله: ((حتى نزلت ﴿ليس عليكم جناح﴾)) [البقرة: ١٩٨]. وروى أبو داود وغيره من
حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عباس، قالوا: كان يتقون البيوع والتجارة في
الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من
ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هيثم أخبرنا
حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾
[البقرة: ١٩٨]. في مواسم الحج، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: لا
حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس. قوله:
((في مواسم الحج)) هذه قراءة ابن عباس، قال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي عن
عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة:
١٩٨]. في مواسم الحج ورواه عبد بن حميد عن محمد بن الفضل عن حماد بن زيد عن
عبد الله بن أبي زيد: سمعت ابن الزبير يقرأ، فذكر مثله سواء، وهكذا فسرها مجاهد وسعيد
ابن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم. وقال
الكرماني: قوله: ((في مواسم الحج)) كلام الراوي ذكره تفسيراً للآية الكريمة، وقال بعضهم:
فاته ما زاده المصنف في آخر حديث ابن عيينة في البيوع. قرأها ابن عباس ورواه ابن أبي
عمر في (مسنده) عن ابن عيينة. وقال في آخره: وكذلك كان ابن عباس يقرؤها. انتهى.
قلت: نعم، ذهل الكرماني عن هذا، ولكن قوله ذكره تفسيراً للآية الكريمة له وجه، لأن
مجاهداً ومن ذكرناهم معه فسروها هكذا فجعلوها تفسيراً ولم يجعلوها قراءة، ومع هذا على
تقدير كونها قراءة فهي من القراءة الشاذة وحكمها عند الأئمة حكم التفسير. وقال أحمد:
حدثنا أسباط أخبرنا الحسن بن عمرو الفقيمي ((عن أبي أمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر:
إنا نكري، فهل لنا من حج؟ قال أليس تطوفون بالبيت فتأتون المعرف وترمون الجمار
وتحلقون رؤوسكم؟. قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي عَّ فسأله عن
الذي سألتني عنه فلم يجبه حتى نزل جبريل، عليه الصلاة والسلام، بهذه الآية: ﴿ليس
عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: الآية: ١٩٨]. فدعاه النبي عَّ له فقال: أنتم
حجاج)).
١٥٢ - بابُ الإذلاجِ مِنَ الْمُحَصَّبِ
أي: هذا باب في بيان جواز الإدلاج من المحصب، وأصل الإدلاج الإدتلاج، فقلبت
التاء دالاً وأدغمت الدال في الدال، فصار: الإدلاج، بتشديد الدال، وهو السير في آخر الليل.
وأما الإدلاج بسكون الدال فهو السير في أول الليل، وهكذا وقع في رواية أبي ذر، والصواب
التشديد لأن المراد هنا هو السير في آخر الليل، لأن المقصود هو الرحيل من مكان المبيت
بالمحصب سحراً، وقد ذكرنا أن المحصب هو الأبطح، ويسمى البطحاء أيضاً.

١٤٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٥٢)
١٧٧١/٣٤٩ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدَّثنا أبي قال حدثنا الأعْمَشُ قال
حدَّثني إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ
فقالَتْ ما أَرَانِي إِلاَّ حابِسَتُكُمْ قال النبيُّ عَ لَّهِ عَقْرَى حَلْقَى أَطَافَتْ يَوْمَ النَّخْرِ قِيلَ نَعَمْ قال
فانْفِرِي. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
لما كانت القصة في حديث حفص بن غياث وحديث محاضر متحدة، وكان حديث
محاضر مطابقاً للترجمة من هذه الحيثية وإن لم يكن فيه مطابقة صريحاً.
ورجاله ستة: الأول: عمر بن حفص أبو حفص النخعي. الثاني: أبوه حفص بن غياث
ابن طلق بن معاوية. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: إبراهيم النخعي. الخامس: الأسود بن
يزيد. السادس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
وهؤلاء كلهم إلا عائشة كوفيون. وفيه: ثلاثة من التابعين. وفيه: رواية الابن عن الأب
ورواية الراوي عن خاله، وهو إبراهيم.
والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة
وأبي كريب ثلاثتهم عن أبي معاوية. وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن عبيد الله الغيلاني،
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد.
قوله: ((حاضت صفية)) هي بنت حيي زوج النبي عَّ لّ معناه أن صفية حاضت قبل
طواف الوداع، فلما أراد النبي عَِّ الانصراف إلى المدينة، ((قالت: ما أراني)) أي: ما أظن
نفسي إلاّ حابستكم لانتظار طهري وطوافي للوداع، فإني لم أطف للوداع، وقد حضت فلا
يمكنني الطواف الآن، وظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض، فقال النبي عَ له: أما
كنت طفتِ طواف الإفاضة يوم النحر؟ قالت، بلى. قال: يكفيك ذلك، لأنه هو الطواف
الذي هو ركن لا بد لكل أحد منه. وأما طواف الوداع فلا يجب على الحائض، وتفسير:
عقرى حلقى، قد مر غير مرة. قوله: ((أطافت؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار.
قوله: ((فانفري)) أي: إرحلي.
... / ١٧٧٢ - قال أبُو عَبْدِ الله وزَادَنِي مُحَمَّدٌ قال حدَّثنا محاضِرٌ قال حدثنا
الأَعْمَشُ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عن عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله
عَّ اللّه لا نَذْكُرُ إِلاَّ الحَجَّ فَلَمَّا قَدِمْنا أمرَنَا أن نَحِلَّ فَلَمَّا كَانَتُ لَيْلَةُ النَّفْرِ حاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ
حُيّيّ فَقَالَ النبيُّ عَلَّهِ حَلْقَى عَقْرَى ما أُرَاهَا إلَّ حابِسَتِكُمْ ثُمَّ قال كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّخْرِ
قالَتْ نَعَمْ قال فانْفِرِي قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ قال فاعْتَمِرِي مِنَ الَتْعِيمِ فَخَرَجَ
معَهَا أُخُوهَا فَلَقِيناهُ مُدِّلجاً فقال مَوْعِدُكِ مَكانَ كذَا وكذَا. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
وقد ذكرنا وجه المطابقة للترجمة. قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاري نفسه. قوله:
((وزادني محمد)) أي: في الحديث المذكور، وقد اختلف في محمد هذا، فزعم الجياني
أن محمداً هذا هو الذهلي، واقتصر عليه المزي في (تهذيبه) فقال: يقال: الذهلي ووقع في

١٥٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٥٢)
رواية أبي علي بن السكن: محمد بن سلام. ومحاضر، بضم الميم على وزن اسم الفاعل من
المحاضرة من الحضور ضد الغيبة: ابن المورع، بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء المشددة
وفي آخره عين مهملة: الهمداني اليامي، مات سنة ست ومائتين، استشهد به البخاري، وأخرج
له مسلم فرد حديث ((من يدعوني فأستجيب له؟)) الحديث، وهو صدوق مغفل، قال أحمد:
كان مغفلاً جداً. وقيل: لم يخرج البخاري عنه إلاَّ تعليقاً، لكن ظاهر هذا الموضع الوصل.
قوله: ((ما أراها)) أي: ما أرى صفية إلاَّ حابستكم عن النفر. قوله: ((كنت طفت؟))
أصله: أكنت طفت بالاستفهام عن طوافها يوم النحر. قوله: ((فاعتمري)) أي: قال لها النبي
عَّلّ: فاعتمري، وإنما أمرها بالاعتمار لتطييب قلبها حين أرادت أن تكون لها عمرة منفردة
مستقلة كما لسائر أمهات المؤمنين، وإنما خص التنعيم بالذكر مع أن جميع جهات الحل سواء
فيه والإحرام من التنعيم غير واجب إما لأنه كان أسهل عليها، وإما لغرض آخر. وقال القاضي
عياض بوجوب الإحرام منه، قال: وهو ميقات المعتمر من مكة. قوله: ((فخرج معها أخوها))،
أي: فخرج مع عائشة أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى عنهم، قوله: ((فلقيناه))
أي: لقينا النبي عَ ◌ّه، قائل هذا هو عائشة أرادت أنها وأخاها لقيا النبي عَ لِّ مدلجاً أي: حال
كونه مدلجاً، أي سائراً من آخر الليل فإنهما لما رجعا إلى المنزل بعد أن قضت عائشة العمرة
صادفا النبي عَ لَّه متوجهاً إلى طواف الوداع، وقد ذكرنا أن مدلجاً بتشديد الدال وهو السير
من آخر الليل، وأما الإدلاج بسكون الدال فهو السير من أول الليل، وقد ذكرناه عن قريب.
قوله: ((فقال موعدك)) أي: قال النبي لعائشة: موعدك، وأراد به موضع المنزلة. وقال الكرماني:
فإن قلت: الموعد هو موضع تكلم بهذا رسول الله عَّةٍ ووعدها الاجتماع لمكان كذا
وكذا، فإنه مكان وفاء العهد. قلت: الموعد مصدر ميمي بمعنى الموعود والمكان مقدراً،
والوعد الذي في ضمن اسم المكان هو بمعنى الموعود. انتهى. قلت: فيه تعسف لا يخفى،
والحاصل أنه عَّ لما لقيهما قال لعائشة: موضع المنزلة كذا وكذا، يعني تكون الملاقاة
هناك حتى إذا عاد النبي عَّه من طوافه للوداع يجتمع بها هناك للرحيل، والله تعالى أعلم.

١٥١
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٦ _ أبوابُ العُمْرَةِ
١ - وجوبُ العُمْرَةِ وفَضْلُهَا
أي: هذا باب في بيان أحكام العمرة، وليست البسملة مذكورة في رواية أبي ذر، وإنما .
الترجمة هكذا في روايته عن المستملي: أبواب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها، وعند
المستملي في روايته غير أبي ذر سقط. قوله: ((أبواب العمرة)) وفي كتاب أبي نعيم في
(المستخرج): كتاب العمرة، وفي رواية الأصيلي وكريمة، باب العمرة وفضلها، فقط أي هذا
باب في بيان العمرة وفي بيان فضلها.
والعمرة في اللغة: الزيارة، يقال اعتمر فهو معتمر أي زار وقصد، وقيل: إنها مشتقة من
عمارة المسجد الحرام، وفي الشرع العمرة: زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة، ذكرت
في كتب الفقه.
وقال ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما لَيْسَ أحَدٌ إلاَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ
لما كانت الترجمة مشتملة على بيان وجوب العمرة وبيان فضلها قدم بيان وجوبها
أولاً، واستدل عليه بهذا التعليق الذي ذكره عن عبد الله بن عمر، ووصله ابن أبي شيبة عن
أبي خالد الأحمر عن ابن جريج عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: «ليس من خلق الله تعالى
أحد إلاَّ وعليه حجة وعمرة واجبتان))، ورواه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم من طريق ابن
جريج عن نافع عنه مثله بزيادة: ((من استطاع إلى ذلك سبيلاً، فمن زاد على هذا فهو تطوع
وخير)). وقال سعيد بن أبي عروبة في (المناسك) عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: الحج
والعمرة فريضتان. وقال بعضهم: وجزم المصنف بوجوب العمرة، وهو متابع في ذلك
للمشهور عن الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر. قلت: قال الترمذي: قال الشافعي:
العمرة سنَّة لا نعلم أحداً رخص في تركها، ليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع. وقال شيخنا
زين الدين: ما حكاه الترمذي عن الشافعي لا يريد به أنها ليست بواجبة، بدليل قوله: لا نعلم
أحداً رخص في تركها، لأن السنَّة التي يريد بها خلاف الواجب يرخص في تركها قطعاً،
والسنَّة تطلق ويراد بها الطريقة، وغير سنة الرسول عَّ له انتهى.
قلت: كأن شيخنا حمل قول الشافعي: العمرة سنة، على معنى أنها سنّة لا يجوز تركها
بدليل قوله: ((ليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع))، وذلك لأنه إذا لم يثبت أنها تطوع يكون
معنى قوله: إنَّها سنَّة أي: سنة واجبة لا يرخض في تركها، والذي أشار إليه الشافعي أنه ليس
بثابت هو مرسل أبي صالح الحنفي، فقد روى الربيع عن الشافعي أن سعيد بن سالم القداح
قد احتج بأن سفيان الثوري أخبره عن يعقوب بن إسحاق عن أبي صالح الحنفي أن رسول
الله عَّ الله قال: ((الحج جهاد والعمرة تطوع))، قلت: هذا منقطع، فصح قوله أنه ليس بثابت.

١٥٢
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١)
وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما إنَّها لَقَرِينَتُها فِي كِتَابِ اللهِ ﴿وَأَثُوا الحَجَّ
والْعُمْرَةَ اللهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
أي: قال عبد الله بن عباس: ((إن العمرة لقرينة الحجة في كتاب الله تعالى)) يعني:
مذكورتان معاً في قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقد أمر الله تعالى
بإتمامهما، والأمر للوجوب، ووصل هذا التعليق الشافعي في (مسنده) عن ابن عيينة عن عمرو
ابن دينار: سمعت طاوساً يقول: سمعت ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، يقول: والله إنها
لقرينتها في كتاب الله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال المانعون للوجوب:
ظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، ولهذا قال بعده: ﴿فإن أحصرتم﴾ [البقرة:
١٩٦]. أي: صددتم عن الوصول إلى البيت، ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء على أن
الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، وقال شعبة عن
عمرو بن مرة عن عبد الله بن أبي سلمة عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال في هذه
الآية: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال: أن تحرم من دويرة أهلك، وكذا قال
ابن عباسٍ وسعيد بن جبير وطاوس عن سفيان الثوري، أنه قال: تمامهما أن تحرم من أهلك لا
تريد إلاّ الحج والعمرة، وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة حتى إذا كنت
قريباً من مكة. قلت: لو احتججت أو اعتمرت، وذلك يجزىء، ولكن التمام أن تخرج له ولا
تخرج لغيره. وقرأ الشعبي: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦]. برفع العمرة، قال:
وليست بواجبة.
وممن قال بفرضية العمرة من الصحابة: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر وعبد
الله بن مسعود وجابر، رضي الله تعالى عنه، ومن التابعين وغيرهم: عطاء وطاوس ومجاهد
وعلي بن الحسين وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وعبد الله بن شداد وابن الحبيب
وابن الجهم، واحتج هؤلاء أيضاً بأحاديث أخرى. منها: ما رواه الدارقطني من رواية إسماعيل
ابن مسلم عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله،
عَّلّهِ: ((إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت)). قلت: الصحيح أنه موقوف،
رواه هشام بن حسان عن ابن سيرين عن زيد. ومنها: ما رواه ابن ماجه من رواية حبيب بن
أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قلت: يا رسول
الله! على النساء جهاد؟ قال: نعم! عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)). قلت: أخرجه
البخاري ولم يذكر فيه العمرة. ومنها: ما رواه ابن عدي في (الكامل) من رواية قتيبة عن ابن
لهيعة عن عطاء ((عن جابر: أن رسول الله عَّ له قال: الحج والعمرة فريضتان واجبتان)). قلت:
قال ابن عدي: هو عن ابن لهيعة عن عطاء غير محفوظ، وأخرجه البيهقي، وقال ابن لهيعة:
غير محتج به. ومنها: ما رواه الترمذي من حديث عمرو بن أوس ((عن أبي رزين العقيلي: أنه
أتى النبي عَّلِ فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن،
قال: حج عن أبيك واعتمر)). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو رزين اسمه: لقيط بن

١٥٣
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١)
عامر قلت: أمره بأن يعتمر عن غيره. ومنها: ما رواه الدارقطني من رواية يونس بن محمد عن
معتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر ((عن عمر بن الخطاب، رضي الله
تعالى عنه، قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله عَّ في أناس، إذ جاء رجل ليس عليه
سحناء سفر ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((فقال: يا محمد ما الإسلام؟ فقال: الإسلام أن تشهد
أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر)). وقال
الدارقطني: هذا إسناد ثابت أخرجه مسلم بهذا الإسناد، وقال ابن القطان: زيادة صحيحة،
وأخرجه أبو عوانة في (صحيحه) والجوزقي والحاكم أيضاً، قلت: المراد بإخراج مسلم له أنه
أخرج الإسناد هكذا، ولم يسق لفظ هذه الرواية، وإنما أحال به على الطرق المتقدمة إلى
يحيى بن يعمر بقوله كنحو حديثهم، وذكر أبو عمرو عن الشافعي وأحمد في رواية: أن
العمرة ليست بواجبة وروى ذلك عن ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وعنه
أنها سنة. قلت: قال أصحابنا: العمرة سنة وينبغي أن يأتي بها عقيب الفراغ من أفعال الحج،
واحتجوا بما رواه الترمذي من حديث جابر ((أن النبي عَّ لِ سئل عن العمرة أواجبة هي قال:
لا، وإن تعتمروا هو أفضل)). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فإن قلت: قال المنذري: وفي تصحيحه له نظر، فإن في سنده الحجاج بن أرطاة ولم
يحتج به الشيخان في (صحيحيهما). وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك ويحيى القطان وابن
معين وأحمد، وقال الدارقطني: لا يحتج به، وإنما روى هذا الحديث موقوفاً على جابر، وقال
البيهقي: ورفعه ضعيف. قلت: قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في كتاب (الإمام): وهذا
الحكم بالتصحيح في رواية الكرخي لكتاب الترمذي، وفي رواية غيره: حسن لا غير، وقال
شيخنا زين الدين، رحمه الله: لعل الترمذي إنما حكم عليه بالصحة لمجيئه من وجه آخر، فقد
رواه يحيى بن أيوب عن عبد الله بن عمر عن أبي الزبير، ((عن جابر، قلت: يا رسول الله!
العمرة فريضة كالحج؟ قال: لا، وإن تعتمر خير لك)). ذكره صاحب (الإمام)، وقال: اعترض
عليه بضعف عبد الله بن عمر العمري. قلت: رواه الدارقطني من رواية يحيى بن أيوب عن
عبيد الله بن المغيرة عن أبي الزبير ((عن جابر، قال: قلت: يا رسول الله! العمرة واجبة
فريضتها كفريضة الحج؟ قال: لا، وإن تعتمر خير لك)). ورواه البيهقي من رواية يحيى بن
أيوب عن عبيد الله غير منسوب عن أبي الزبير، ثم قال: وهو عبيد الله بن المغيرة، تفرد به
عن أبي الزبير، ووهم الباغندي في قوله: عبيد الله بن عمر، وروى ابن ماجه من حديث
طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله عَّة يقول: ((الحج جهاد والعمرة تطوع»، وروى
عبد الباقي بن قانع من حديث أبي هريرة عن النبي عَّهِ نحوه، وكذا روى عن ابن عباس
عن النبي ◌َّله نحوه. ثم اعلم أن الشافعي ذهب إلى استحباب تكرار العمرة في السنة
الواحدة مراراً، وقال مالك وأصحابه: يكره أن يعتمر في السنة الواحدة أكثر من عمرة واحدة،
وقال ابن قدامة: قال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة واحدة، وعند أبي حنيفة: تكره
العمرة في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر، وأيام التشريق. وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام

١٥٤
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (١)
عرفة، والتشريق.
٣٥٠/ ١٧٧٣ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عنُ سُمَيّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بنِ
عَبْدِ الرَّحْمن عنْ أبي صالِحِ السَّمَّانِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَّهِ
قال الْعُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجَنَّةُ.
قد ذكرنا أن الترجمة مشتملة على وجوب العمرة وفضلها، وذكر ما يدل على وجوبها،
وهما الأثران المذكوران عن ابن عمر وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، ثم ذكر هنا عن
أبي هريرة ما يدل على فضلها، وقد بوب الترمذي باباً في فضل العمرة، فقال: باب ما جاء
في فضل العمرة، ثم روى حديث أبي هريرة المذكور عن أبي كريب عن وكيع عن سفيان
عن سمي إلى آخره، نحو رواية البخاري، وأخرجه مسلم أيضاً كرواية الترمذي، وأخرجه أيضاً
النسائي من رواية سفيان بن عيينة عن سمي، ومن رواية سهيل بن أبي صالح عن سمي،
وأخرجه مسلم أيضاً من رواية عبيد الله بن عمر عن سمي، وهو مشهور من حديث سمي،
وهو بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء، وقد مر في الصلاة.
وأبو صالح السمان هو ذكوان الزيات، وقد تكرر ذكره. قوله: ((العمرة إلى العمرة
كفارة لما بينهما))، أي: من الذنوب دون الكبائر كما في قوله: ((الجمعة إلى الجمعة كفارة
لما بينهما)). وقال ابن التين: يحتمل أن تكون إلى بمعنى: مع، كما في قوله تعالى: ﴿إلى
أموالكم﴾ [النساء: ٢]. و﴿من أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: ٥٢، الصف: ١٤]. فإن قلت:
الذي يكفر ما بين العمرتين: العمرة الأولى أو العمرة الثانية؟ قلت: ظاهر الحديث أن العمرة
الأولى هي المكفرة، لأنها هي التي وقع الخبر عنها أنها تكفر، ولكن الظاهر من حيث
المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفر ما قبلها إلى العمرة التي قبلها، فإن التكفير قبل وقوع
الذنب خلاف الظاهر. قوله: ((والحج المبرور))، المبرور من: بره إذا أحسن إليه ثم قيل: بر
الله عمله، إذا قبله كأنه أحسن إلى عمله بأن قبله ولم يرده. واختلفوا في المراد بالحج
المبرور، فقيل: هو الذي لا يخالطه شيء من مأثم، وقيل: هو المتقبل، وقيل: هو الذي لا
رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق، وقيل: الذي لم يتعقبه معصية، وقد ورد تفسير الحج
المبرور بغير هذه الأقوال، وهو ما روى محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي عَ ◌ّه ((قال:
الحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنة، فقيل: يا رسول الله! ما بر الحج؟ قال: إفشاء السلام
وإطعام الطعام)). وفي رواية فيه بدل (إفشاء السلام: وطيب الكلام))، وفى رواية: ((ولين الكلام))
وهو في (مسند) أحمد. قوله: ((ليس له جزاء إلا الجنة)) أي: لا يقصر لصاحبه من الجزاء
على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد أن يدخل الجنة.
وقد ورد في ثواب الحج والعمرة أحاديث: منها: ما رواه الترمذي من حديث شقيق
عن عبد الله، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((تابعوا بين الحج والعمرة
فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس

١٥٥
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٢)
للحجة المبرورة ثواب إلاَّ الجنة)). ورواه النسائي أيضاً، ولما رواه الترمذي قال: حديث ابن
مسعود حديث حسن صحيح غريب من حديث عبد الله بن مسعود، وقال: وفي الباب عن
عمر وعامر بن ربيعة وأبي هريرة وعبد الله بن حبيش وأم سلمة وجابر، رضي الله تعالى عنهم.
قلت: حديث عمر رواه ابن ماجه عنه عن النبي عَّ ه: ((تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة
بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد». وحديث عامر بن ربيعة رواه
أحمد في (مسنده) من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: قال رسول الله عَ ليه:
((تابعوا))، فذكره. وحديث أبي هريرة أخرجه الجماعة خلا أبا داود من طرق عن منصور.
وحديث عبد الله بن حبيش الخثعمي رواه أحمد والنسائي من رواية علي الأزدي عن عبيد بن
عمير ((عن عبد الله بن حبيش الخثعمي أن النبي عَّهُ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لا
شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة)). وذكر الحديث، وأصله عند أبي داود رحمه
الله. وحديث أم سلمة رواه الحارث بن أبي أسامة في (مسنده): حدثنا يزيد بن هارون حدثنا
قاسم بن الفضل عن أبي جعفر عن أم سلمة قالت: قال رسول الله عَّهِ: ((الحج جهاد كل
ضعيف))، وأبو جعفر هو الباقر، اسمه محمد بن علي بن الحسين، ولم يسمع من أم سلمة.
وحديث جابر، رضي الله تعالى عنه، رواه ابن عدي في (الكامل) من حديث محمد بن
المنكدر عن جابر مرفوعاً: ((تابعوا بين الحج والعمرة)).
٢ - بابُ مَنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ الحَجّ
أي: هذا باب في بيان حكم من اعتمر قبل أن يحج، هل يجزيه أم لا؟
١٧٧٤/٣٥١ - حدَّثنا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا ابنُ مجرَّيْج أنَّ
عِكْرَمَةَ بنَ خالِدٍ سألَ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ فقال لاَ بأسَ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله خمسة: الأول: أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد أبو
الحسن الخزاعي المروزي المعروف بابن شبويه، قال الدارقطني: روى عنه البخاري، مات
سنة تسع وعشرين ومائتين بطرسوس، قاله الحافظ الدمياطي، وقال الحاكم: هذا أحمد بن
محمد هو ابن مردويه. قلت: هو أحمد بن موسى أبو العباس، يقال له مردويه السمسار
المروزي، وذكره ابن أبي خيثمة فيمن قدم بغداد، ومات في سنة خمس وثلاثين ومائتين،
وروى عنه أبو داود والترمذي والنسائي أيضاً. الثاني: عبد الله بن المبارك المروزي. الثالث:
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي. الرابع: عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن
المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، مات سنة أربع عشرة ومائة. الخامس: عبد الله بن
عمر، رضي الله تعالى عنهما.
وأخرجه البخاري أيضاً عن عمرو بن علي عن أبي عاصم عن ابن جريج. وأخرجه أبو
داود في الحج أيضاً عن عثمان بن أبي شيبة عن مخلد بن يزيد ويحيى بن زكريا بن أبي

١٥٦
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٢)
زائدة، كلاهما عن ابن جريج.
قوله: ((أن عكرمة بن خالد سأل ابن عمر))، قيل: هذا السياق يقتضي أن هذا الإسناد
مرسل، لأن ابن جريج لم يدرك زمان سؤال عكرمة لابن عمر. انتهى. قلت: عدم إدراك ابن
جريج سؤال عكرمة عن ابن عمر لا يستلزم نفي سماع ابن جريج عن عكرمة هذا. قوله: ((لا
بأس))، يعني: ليس عليه شيء إذا اعتمر قبل أن يحج، وفي رواية أحمد وابن خزيمة: لا بأس
على أحد أن يعتمر قبل أن يحج.
قال عِكْرِمَةُ قال ابنُ عُمَرَ اعْتَمَرَ النبيُّ عَّلّ قَبْلَ أَنْ يَحُجّ
عكرمة هو ابن خالد المذكور، وهو متصل بالإسناد المذكور.
وقال إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ إسْحَاقَ قال حدَّثني عِكْرِمَةُ بنُ خالِدٍ
قال سألتُ ابنَ عُمَرَ مُثْلَهُ
إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري القرشي
المدني، كان على قضاء بغداد، مات سنة ثلاث وثمانين ببغداد، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة،
وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب (المغازي) ذكر هذا التعليق عن ابن
إسحاق المصرح بالاتصال تقوية لما قبلها، ووصل هذا التعليق أحمد عن يعقوب بن إبراهيم
ابن سعد بالإسناد المذكور، ولفظه: ((حدثني عكرمة بن خالد بن العاص المخزومي، قال:
قدمت المدينة في نفر من أهل مكة فلقيت عبد الله بن عمر، فقلت: إنا لم نحج قط، أفنعتمر
من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك، فقد اعتمر رسول الله عَ ليه عمرة كلها قبل
حجه؟ قال: فاعتمرنا)).
٣٥٢ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قال حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ قال أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ قال
عِكْرِمَةُ بنُ خالِدٍ سألْتُ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما مِثْلَهُ.
عمرو بن علي بن بحر بن كبير أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي، وأبو عاصم
الضحاك بن مخلد، بفتح الميم: الشيباني أبو عاصم النبيل البصري، وفي (التوضيح): وهذا
من ابن عمر قد يدل أن فرض الحج نزل قبل اعتماره، إذ لو اعتمر قبله ما صح استدلاله على
ما ذكره، ويتفرع على ذلك فرض الحج: هل هو على الفور أو التراخي؟ والذي جنح إليه ابن
عمر يدل على أنه على التراخي، وهو الذي تعضده الأصول أن في فرض الحج سعة وفسحة،
ولو كان وقته مضيقاً لوجب إذا أخره إلى سنة أخرى أن يكون قضاءً لا أداءً، فلما ثبت أن
يكون أداءً في أي وقت أتى به، علم أنه ليس على الفور. انتهى. قلت: هذا أخذه من كلام
ابن بطال، وفي دعواه أنه على التراخي، بما ذكره نظر لأنه يلزم من صحة تقديم أحد النسكين
على الآخر نفي الفورية، وفيه خلاف قد ذكرناه في أول الحج، والله أعلم.

١٥٧
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٣)
٣ - بابّ كم اعْتَمَرَ النبيُّ عَل
أي: هذا باب يذكر فيه: كم اعتمر النبي، عَّله، يعني: كم له عمرة؟
١٧٧٥/٣٥٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدثنا جَرِيرٌ عن منْصُورٍ عنْ مجَاهِدٍ قال دَخَلْتُ أنَا
وعُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ فإذا عَبْدُ اللهِ بنُ عُمرَ رضي الله تعالى عنهما جالِسٌ إلَى حُجْرَةِ
عَائِشَةَ وإِذَا أُناسٌ يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلاَةَ الضُّحَى قال فَسَألْنَاهُ عَنْ صَلاَتِهِمْ فَقال بِدْعَةٌ ثُمَّ
قالَ لَهُ كَمِ اعْتَمَرَ رسولُ اللهِ عَِّ قال أَرْبَعٌ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ فَكَرِهْنَا أنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ.
[الحديث ١٧٧٥ - طرفه في: ٤٢٥٣].
... / ١٧٧٦ _ قال وسَمِعْنَا اسْتِنانَ عائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الحُجْرَةِ فقالَ عُزْوَةُ يَا أُمَاهُ
يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ ألاَ تَسْمَعِينَ ما يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحمنِ قالَتْ ما يَقُولُ قال يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ الله
عَّ ◌ُلِ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمُرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ قَالَتْ يَرْحَمُ اللهُ أبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ ما اعْتَمَرَ عُمْرَةٌ
إِلاَّ وهُوَ شَاهِدُهُ وما اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَط.
مطابقته في قوله: ((كم اعتمر؟))، وفي قوله: ((اعتمر أربع عمرات)) وفي كونها ثلاثاً
على قول عائشة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وجرير، بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن
المعتمر.
والحديث أخرجه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير ... إلى آخره نحوه، فيه دفع
لما ذكره يحيى بن سعيد وابن معين وأبو حاتم في آخرين أن مجاهداً لم يسمع من عائشة.
قوله: ((المسجد))، يعني: مسجد المدينة النبوية. قوله: ((فإذا))، كلمة: إذا، للمفاجأة، و: عبد
الله، مبتدأ، و: جالس، خبره وكذلك: وإذا، الثانية للمفاجأة والواو فيه للحال. قوله: ((ناس))
بغير ألف في رواية الكشميهني وفي رواية غيره: ((وإذا أناس)) بالألف وهما بمعنى واحد. قوله:
((قال: فسألناه عن صلاتهم)) أي: فسألنا ابن عمر عن صلاة هؤلاء الذين يصلون في المسجد.
قوله: ((بدعة)) أي: صلاتهم بدعة، وإنما قال: بدعة، وإنما البدعة إحداث ما لم يكن في عهد
رسول الله عَ له، وقد ثبت أنه عَ لّه صلى صلاة الضحى في بيت أم هانىء، وقد مر في: باب
صلاة الضحى، لأن الظاهر أنها لم تثبت عنده فلذلك أطلق عليها البدعة، وقيل: أراد أنها من
البدع المستحسنة، كما قال عمر، رضي الله تعالى عنه، في صلاة التراويح، نعمت البدعة
هذه، وقيل: أراد أن إظهارها في المسجد والاجتماع لها هو البدعة، لا أن نفس تلك الصلاة
بدعة، وهذا هو الأوجه. قوله: ((قال أربع))، كذا هو مرفوعاً في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي
ذر: ((أربعاً))، ولقد نقل الكرماني وغيره عن ابن مالك في وجه هذا الرفع والنصب ما فيه
تعسف جداً، والأحسن أن يقال: إن وجه الرفع هو أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره:
الذي اعتمره النبي عَّم أربع أي: أربع عمر، ووجه النصب على أن يكون خبر كان محذوفاً،
تقديره: الذي اعتمره كان أربعاً. قوله: ((وسمعنا استنان عائشة))، قيل: استنانها سواكها.

١٥٨
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٣)
وقيل: استعمالها الماء. قال ابن فارس: سننت الماء على وجهي إذا أرسلته إرسالاً إلاَّ أن
يكون استن، لم تستعمله العرب إلاّ في السواك، وقيل: معناه سمعنا حس مرور السواك على
أسنانها. قلت: فيه ما فيه، وفي رواية عطاء عن عروة عند مسلم، قال: ((وإنا لنسمع ضربها
بالسواك تستن)). قوله: ((يا أماه))، كذا هو بالألف والهاء الساكنة في رواية الأكثرين، وفي
رواية أبي ذر: ((يا أمه))، بحذف الألف. فإن قلت: ما فائدة قوله: ((يا أم المؤمنين)) المعنى
الأعم لكونها أم المؤمنين. قوله: ((أبو عبد الرحمن))، هو كنية عبد الله بن عمر. قوله:
(«عمرات))، يجوز ضم الميم فيها وسكونها، وبضمها كما في عرفات وحجرات. قوله:
((إحداهن في رجب))، أي: إحدى العمرات كانت في شهر رجب. قوله: ((يرحم الله أبا عبد
الرحمن))، ذكرته بكنيته تعظيماً له. قوله: (ما اعتمر)) أي: النبي ◌َّ له: ((عمرة قط إلاَّ وهو))
أي: ابن عمر شاهده، أي حاضر معه، وقالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان، ولم تنكر
عائشة على ابن عمر إلاَّ قوله: ((إحداهن في رجب)).
واعلم أن إحدى العمرات في رواية منصور عن مجاهد «كانت في رجب»، وخالفه
أبو إسحاق فرواه عن مجاهد عن ابن عمر قال: ((اعتمر النبي عَّله مرتين، فبلغ ذلك عائشة،
فقالت: اعتمر أربع مرات)). أخرجه أحمد وأبو داود، فجعل منصور الاختلاف في شهر العمرة
وأبو إسحاق جعل الاختلاف في عدد الاعتمار، وفي أفراد مسلم من حديث البراء بن عازب:
اعتمر النبي عَّه في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين، وفي (سنن أبي داود) بإسناد على شرط
الشيخين، من حديث عائشة: أنه عَِّ اعتمر في شوال: أخرجه مالك في (موطئه) أيضاً، وفي
(سنن الدارقطني) من حديثها: ((أنه عَّلِ اعتمر في رمضان))، وهو غريب. قال ابن بطال:
والصحيح أنه اعتمر ثلاثاً، والرابعة إنما تجوز نسبتها إليه لأنه أمر الناس بها، وعملت بحضرته
لا أنه اعتمرها بنفسه، فيدل على صحة ذلك أن عائشة ردت على ابن عمر قوله، ((وقالت: ما
اعتمر في رجب قط)). وقال أبو عبد الملك: إنه وهم من ابن عمر لإجماع المسلمين أنه
اعتمر ثلاثاً، وروى البيهقي من رواية عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة ((عن أبيه عن
عائشة: أن النبي عَّلِ اعتمر ثلاث عمر: عمرة في شوال، وعمرتين في ذي القعدة»،
والحديث عند أبي داود من رواية داود بن عبد الرحمن عن هشام، إلاّ أنه قال: ((اعتمر عمرة
في ذي القعدة وعمرة في شوال)) وروى البيهقي أيضاً من رواية عمر بن ذر عن مجاهد عن
أبي هريرة، قال: ((اعتمر النبي عَّ ثلاث عمر كلها في ذي القعدة)). وقال شيخنا: كأن
عائشة تريد - والله أعلم - بعمرة شوال عمرة الحديبية، والصحيح إنما كانت في ذي القعدة،
كما في حديث أنس في الصحيح، وإليه ذهب الزهري ونافع مولى ابن عمر وقتادة وموسى
ابن عقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهم، واختلف فيه على عروة بن الزبير، فروى هشام ابنه
عنه: أنها كانت في شوال، وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه: أنها كانت في ذي القعدة.
قال البيهقي: هو الصحيح، وقد عد الناس هذه في عمره عَّ له وإن كان صد عن البيت فنحر
الهدي وحلق.

١٥٩
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٣)
وأما العمرة الثانية، فهي أيضاً في ذي القعدة سنة سبع وهو متفق عليه فيما علمت،
قاله نافع مولى ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وسليمان التيمي وعروة بن الزبير وموسى بن
عقبة وابن شهاب ومحمد بن إسحاق وغيرهم، لكن ذكر ابن حبان في (صحيحه): أنها
كانت في رمضان، وقال المحب الطبري في (كتاب العرى) ولم ينقل ذلك أحد غيره،
والمشهور أنها في ذي القعدة. وعند الدارقطني: ((خرج معتمراً في رمضان)). وقال المحب:
فلعلها التي فعلها في شوال وكان ابتداؤها في رمضان. وروى أبو بكر بن أبي داود في
(فوائده) من حديث ابن عمر: ((أن النبي، عَ لِّ، اعتمر قبل حجته عمرتين أو ثلاثاً، إحدى
عُمَرِهِ في رمضان))، ولعله أراد ابتداء إحرامه بها، وتسمى عمرة القضاء، وعمرة القضية، وعمرة
القصاص. وسميت عمرة القضاء، لأنه، عَِّ، قاضى أهل مكة عام الحديبية على أن يعتمر
العام المقبل، لأن المسلمين قضوها عن عمرة الحديبية. وعن ابن عمر: لم تكن هذه العمرة
قضاء، ولكن شرطاً على المسلمين أن يعتمروا القابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه.
وسميت: عمرة القصاص، لأن الله، عز وجل، أنزل في تلك العمرة ﴿الشهر الحرام بالشهر
الحرام والحرمات قصاص﴾ [البقرة: ١٩٤]. فاعتمر رسول الله، عَّه، في الشهر الحرام الذي
صد فيه، وقيل: يحتمل أن يكون من القصاص الذي هو أخذ الحق، فكأنهم اقتصوا، أي:
اخذوا في السنة الثانية ما منعهم المشركون من الحق في كمال عمرهم.
وأما العمرة الثالثة فهي في ذي القعدة أيضاً سنة ثمان، وهي: عمرة الجعرانة، قال ذلك
عروة بن الزبير وموسى بن عقبة وغيرهما، وهو كذلك. وفي (الصحيح) من حديث أنس: أنها
كانت في ذي القعدة، وقال ابن حبان في (صحيحه): إن عمرة الجعرانة كانت في شوال.
قال المحب الطبري: ولم ينقل ذلك أحد غيره فيما علمت، والمشهور أنها في ذي القعدة.
وقال المحب الطبري: إن الثلاث كانت في ذي القعدة.
وأما العمرة الرابعة فهي التي مع حجته، عَّلغيره، وكانت أفعالها في الحجة بلا خلاف،
لأن النبي، عَ لّه، قدم مكة في الرابع من ذي الحجة. وأما إحرامها فالصحيح أنه كان في ذي
القعدة، لأنهم خرجوا لخمس بقين من ذي القعدة، كما في (الصحيح). وكان إحرامه فيها
في وادي العقيق كما في (الصحيح)، وذلك قبل أن يدخل ذو الحجة. وقيل: كان إحرامه
لها في ذي الحجة، لأن في بعض طرق الحديث: ((خرجنا موافين لهلال ذي الحجة))،
والصحيح الأول، وأسقط بعضهم عمرته هذه فجعلها ثلاث عمر، وهو الذي صححه القاضي
عیاض.
ولا شك أنه عَّمِ لم يعتمر عام حجة الوداع عمرة مفردة لا قبل الحج ولا بعده، أما
قبله فلأنه لم يحل حتى فرغ من الحج، وأما بعده فلم ينقل أنه اعتمر، فلم يبق إلاَّ أنه قرن
الحج بعمرة، وهذا هو الصواب جمعاً بين الأحاديث، إلاَّ أنه أحرم أولاً بالحج، ثم أدخل عليه
العمرة بالعقيق لما جاءه جبريل، عليه السلام. وقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقل:
عمرة في حجة، ولهذا اختلفت الصحابة في عدد عمره، فمن قال: أربعاً فهذا وجهه، ومن

١٦٠
٢٦ - أبوابُ العُمْرَةِ / باب (٣)
قال: ثلاثاً أسقط الأخيرة لدخول أفعالها في الحج، ومن قال: اعتمر عمرتين أسقط العمرة
الأولى، وهي: عمرة الحديبية، لكونهم صدوا عنها، وأسقط الأخيرة لدخولها في أعمال
الحج، وأثبت عمرة القضية وعمرة الجعرانة.
٣٥٤/ ١٧٧٧ - حدّثنا أبُو عَاصِمٍ قال أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ قال أخبرني عَطاءٌ عَنْ عُرْوَةَ
. ابنِ الزُّبَيْرِ قال سألتُ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ ما اعْتَمَّرَ رسولُ اللهِ عَّهِ فِي رَجَبٍ.
[انظر الحديث ١٧٧٦ وطرفه].
هذا من تعليق الحديث السابق لإنكار عائشة على ابن عمر في كون عمرته في
رجب، وهنا أيضاً أنكرت اعتماره عَّ له في رجب بقولها: وما اعتمر في رجب قط، وأورده
مختصراً عن أبي عاصم النبيل الضحاك، بن مخلد عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج
عن عطاء بن أبي رباح. وأخرجه مسلم مطولاً، فقال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: أخبرنا
محمد بن بكر البرساني، قال: ((أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء يخبر، قال: أخبرني
عروة بن الزبير، قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وأنا أسمع ضربها
بالسواك تستن، قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن! اعتمر النبي، عَ لّه، في رجب؟ قال: نعم،
فقلت لعائشة: أي أماه! ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول:
اعتمر النبي، عَّهِ، في رجب. فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في
رجب، وما اعتمر في عمرة إلاَّ وأنه لمعه. قال: وابن عمر يسمع، فما قال: لا ولا نعمٍ،
سكت)).
فإن قلت: نفت عائشة وأثبت ابن عمر، والقاعدة تقديم الإثبات على النفي، فهلا حكم
لابن عمر على عائشة؟ قلت: إن إثبات ابن عمر كونها في رجب يعارضه إثبات آخر، وهو
كونها في ذي القعدة، فكلاهما نافٍ لوقت ومثبت لوقت آخر، فعائشة، وإن نفت رجب، فقد
أثبتت كونها في ذي القعدة، وقد اتفقت عائشة وابن عمر وابن عباس على نفي الزيادة في
عدد عمره عَّ لِ على أربع، وأثبتت عائشة كون الثلاثة في ذي القعدة خلا التي في حجته،
فترجح إثبات عائشة لذلك، فإن إثبات ابن عباس أيضاً كذلك، وانفرد ابن عمر بإثبات رجب،
فكان إثبات عائشة مع ابن عباس أقوى من إثبات ابن عمر وحده، وانضم لذلك كون عائشة
أنكرت عليه ما أثبته من الاعتمار في رجب، وسكت، فوجب المصير إلى قول عائشة رضي
الله تعالى عنها. فإن قلت: قال الإسماعيلي: هذا الحديث لا يدخل في: باب كم اعتمر،
وإنما يدخل في: باب متى اعتمر، عَّل؟ قلت: أجاب بعضهم بأن غرض البخاري الطريق
الأولى، وإنما أورد هذا لينبه على الخلاف في السياق، وقال صاحب (التوضيح): بل داخل
فيه، والزمان وقع استطراداً. قلت: الأوجه في ذلك ما ذكرته في أول شرح الحديث أنه من
تعليق الحديث السابق، وداخل في عداده، فالترجمة تشمل الكل. فافهم.
١٧٧٨/٣٥٥ - حدّثنا حَسَّانُ بنُ حَسَّانَ قال حدَّثنَا هَمَّامُ عنْ قَتَادَةَ قال سَأَلْتُ أنَساً