Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٢٥ - كتاب الحجّ / باب (١٠٤ )
عٍَّ: ويلك إركبها، فقال: بدنة يا رسول الله، قال: ويلك إركبها، ويلك إركبها)). وفي رواية
لأحمد من حديث عبد الرحمن بن إسحاق والثوري، كلاهما عن أبي الزناد، ومن طريق
عجلان ((عن أبي هريرة قال: اركبها ويحك، قال: إنها بدنة. قال: اركبها ويحك)). وزاد أبو
يعلى من رواية الحسن: ((فركبها)) وللبخاري من طريق عكرمة عن أبي هريرة: ((فلقد رأيته
راكباً يساير النبي عَِّ والنعل في عنقها)). قوله: ((ويلك)) قال القرطبي: قالها له تأديباً لأجل
مراجعته. له مع عدم خفاء الحال عليه، ولهذا قال ابن عبد البر وابن العربي: وبالغ حتى قال:
الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا. قال: ولولا أنه عَ لِّ اشترط على ربه ما اشترط لهلك
ذلك الرجل لا محالة، قال القرطبي: ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة
الجاهلية في السائبة وغيرها، فزجره عن ذلك، فعلى الحالتين هي إنشاء. ورجحه عياض
وغيره، وقالوا: والأمر ههنا وإن قلنا إنه للإرشاد لكنه استحق الذم بتوقفه عن امتثال الأمر،
والذي يظهر أنه ما ترك عناداً، ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غرم بركوبها أو إثم، وأن الإذن
الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه، فتوقف، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال. وقيل: لأنه
كان أشرف على هلكة من الجهد، وويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة، فالمعنى: أشرفت
على الهلكة فاركب، فعلى هذا هي إخبار، وقيل: هي كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا
تقصد معناها كقولهم: لا أم لك، ويقويه ما تقدم في رواية أحمد: ويحك بدل ويلك. وقال
الهروي: ويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، وويح لمن وقع في هلكة لا
يستحقها. وفي (التوضيح): ويلك مخرجة مخرج الدعاء عليه من غير قصد إذ أبى من ركوبها
أول مرة. وقال له: إنها بدنة، وكان عَّ يعلم ذلك فخاف أن لا يكون علمه، فكأنه قال له:
الويل لك في مراجعتك إياي فيما لا تعرف وأعرف، وكان الأصمعي يقول: ويل، كلمة
عذاب، و: ويح، كلمة رحمة. وقال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف على هلكة. وفي الحديث
((ويلٌ واد في جهنم)). قوله: ((في الثالثة)) أي: في المرة الثالثة. قوله: ((أو في الثانية)) أي: أو
قال ذلك في المرة الثانية، وهذا شك من الراوي.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز ركوب البدنة المهداة سواء كانت واجبة أو متطوعاً
بها، لأنه عَّةٍ لم يفصل في قوله ولا استفصل صاحبها عن ذلك، فدل على أن الحكم لا
يختلف بذلك، ويوضح هذا ما رواه أحمد من حديث علي، رضي الله تعالى عنه، أنه سئل:
هل يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبي، عَّه، يمر بالرجال يمشون فيأمرهم
بر کوب هدیھم.
وقد اختلفوا في هذا على أقوال:
الأول: الجواز مطلقاً، وبه قال عروة بن الزبير ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق،
وبه قالت الظاهرية، وهو الذي جزم به النووي في (الروضة) تبعاً لأصله في الضحايا ونقله في
(شرح المهذب) عن القفال والماوردي.
الثاني: ما قاله النووي، ونقل عنه عن أبي حامد والبندنيجي وغيرهما مقيدة بالحاجة،
۔۔

٤٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٤ )
وقال الروياني: تجويزه بغير الحاجة مخالفة النص، وهو الذي نقله الترمذي عن الشافعي،
حيث قال: وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي عَِّ وغيرهم ركوب البدنة إذا
احتاج إلى ظهرها، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وهذا هو المنقول عن جماعة من
التابعين: أنها لا تركب إلاَّ عند الاضطرار إلى ذلك، وهو المنقول عن الشعبي والحسن
البصري وعطاء بن أبي رباح، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، فلذلك قيده صاحب (الهداية)
من أصحابنا بالاضطرار إلى ذلك.
الثالث: ما ذكره ابن عبد البر من كراهة الركوب من غير حاجة، ونقله عن الشافعي
ومالك.
الرابع: ما قاله ابن العربي: يركب للضرورة فإذا استراح نزل، يدل عليه ما رواه مسلم
من حديث جابر، رضي الله تعالى عنه، أنه سئل عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول الله
عَّ يقول: إركبها بالمعروف إذا لجئت إليها حتى تجد ظهراً، فإن مفهومه أنه إذا وجد
غيرها تركها. وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي، قال: يركبها إذا أعيي قدر ما
يستريح على ظهرها.
الخامس: المنع مطلقاً، نقله ابن العربي عن أبي حنيفة، وشنع عليه بغير وجه. قال
بعضهم: لأن مذهبه هو الذي ذكره الطحاوي وغيره: الجواز بغير الحاجة إلاّ أنه قال: إن وقع
ذلك يضمن ما نقص منها بركوبه، وقيل: ضمان النقص وافق عليه الشافعية في الهدي
الواجب كالنذر. قلت: الذي نقله الطحاوي وغيره: أن مذهب أبي حنيفة ما ذكره صاحب
(الهداية) وقد ذكرناه.
السادس: وجوب الركوب، نقله ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر تمسكاً بظاهر الأمر.
ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة، وفي (الاستذكار): كره مالك وأبو
حنيفة والشافعي وأكثر الفقهاء شرب لبن الناقة بعد ري فصيلها. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن
نقصها الركوب والشرب فعليه قيمة ذلك. وقال مالك: لا يشرب من لبنها فإن شرب لم
يغرم، وكذا إن ركب للحاجة لا يغرم شيئاً.
واختلف المجيزون: هل يحمل عليها متاعه فمنعه مالك رضي الله تعالى عنه
وأجازه الجمهور، وكذا إن حمل عليها غيره أجازه الجمهور على التفصيل المذكور.
ويجوز في الهدي الأنثى والذكر، وإليه ذهب مالك، وقال ابن التين: إنه لا يهدي إلاَّ
الإناث، نقله عن الشافعي. وفي (التوضيح): يجوز إهداء الذكر والأنثى من الإبل، وهو مذهبنا.
وقول جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم: لأن الهدي جهة من جهات القرب فلم
يختص بالذكور ولا الإناث كالضحايا.
وفيه: من العلم تكرير العالم الفتوى وتوبيخ من لا يأثم بها وزجره.
١٦٩٠/٢٧٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا هِشامٌ وشُغْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ قالا

٤٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٥ )
حدَّثنا قَتادَةُ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه أن النبيَّ عَّهِ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنةٍ فقال ارْكَبْها
قال إنَّهَا بَدَنةٌ قال ارْكَبْها قال إنَّهَا بَدَنةٌ قال اركَبْها ثلاثاً. [الحديث ١٦٩٠ - طرفاه في:
٢٧٥٤، ٦١٥٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد مضوا، وهشام هو الدستوائي، وقد روي هذا
الحديث عن قتادة عن أنس وشعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام والحكم بن عبد
الملك وأبو عوانة: أما حديث شعبة وهشام فانفرد به البخاري. وأما سعيد بن أبي عروبة فانفرد
بإخراجه النسائي. وأما حديث همام فأخرجه البخاري منفرداً به في الأدب. وأما حديث
الحكم بن عبد الملك فرواه أبو الشيخ ابن حبان في الضحايا. وأما حديث أبي عوانة فأخرجه
الترمذي، فقال: حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة ((عن أنس: أن النبي عََّلَّه رأى رجلاً
يسوق بدنة، فقال: إركبها. فقال: يا رسول الله إنها بدنة! فقال له في الثالثة أو الرابعة: إركبها
ويحك أو ويلك)). ورواه أيضاً عن أنس جماعة منهم: ثابت البناني، وبكير بن الأخنس
وعكرمة والمختار بن فلفل. أما حديث ثابت فرواه مسلم والنسائي من رواية حميد عن ثابت
((عن أنس، قال: مر رسول الله عَ لَه برجل يسوق بدنة فقال: إركبها! فقال: إنها بدنة. قال:
إركبها، مرتين أو ثلاثاً). وأما حديث بكير بن الأخنس فانفرد بإخراجه مسلم من رواية مسعر
عنه عن أنس، قال: سمعته يقول: ((مر رجل على النبي عَّم ببدنة أو هدية، فقال: إركبها.
قال: إنها بدنة أو هدية. قال: وإن)). وأما حديث عكرمة والمختار بن فلفل فأخرجهما أبو
الشيخ ابن حبان في الضحايا.
قوله: ((قتادة عن أنس))، وعند الإسماعيلي: سمعت أنس بن مالك، رضي الله تعالى
عنه. قوله: ((قال: إركبها ... )) إلى آخره، وفي رواية أبي ذر، رضي الله تعالى عنه: ((إركبها
ثلاثاً مختصراً). قوله: ((ثلاثاً) أي: قالها ثلاث مرات، وبقية الكلام مرت في الحديث السابق.
١٠٥ - بابُ منْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ
أي: هذا باب في بيان من ساق البدن معه من الحل إلى الحرم. وقال المهلب: أراد
البخاري أن يعرف أن السنة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم، فإن اشتراه من الحرم
خرج به إذا حج إلى عرفة وهو قول مالك، فإن لم يفعل فعليه البدل، وهو قول الليث، وهو
مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير. وروي عن ابن القاسم أنه أجازه وإن لم يقف به بعرفة، وبه
قال أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور. وقال الشافعي: وقف الهدي بعرفة سنة لمن شاء إذا
لم يسقه من الحل. وقال أبو حنيفة: ليس بسنة لأنه معَّه إنما ساق الهدي من الحل لأن
مسكنه كان خارج الحرم، وهذا كله في الإبل، فأما البقرة فقد يضعف عن ذلك والغنم
أضعف، ومن ثمة قال مالك، رحمه الله: إلاّ من عرفة أو ما قارب منها لأنها تضعف عن
القطع طول المسافة.
١٦٩١/٢٧٤ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَثِرِ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ

٤٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٥)
سَالِمِ ابنِ عبْدِ اللهِ أَنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال تَمَتَّعَ رسولُ الله عَلَّهِ فِي حَجَّةٍ
الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ وأهْدَى فسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ وَبدَأ رسُولُ اللهِ عَلَّم
فأهَلَّ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ أهَلَّ بِالحَجِّ فَتَمَنَّعَ النَّاسُ مَعَ النبيِّ عَ ◌ّهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَكَانَ مِنَ النَّاسِ
مَنْ أَهْدَى فسَاقَ الْهَدْيَ ومِنْهُمْ مِنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ النبيُّ عَلَّهِ مَكّْةَ قَالٍ لِلنَّاسِ منْ كانَ
مِنْكُمْ أَهْدَى فإنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرْمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيٍ حَجَّهُ ومِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى
فَلْيَطُف بِالْبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ ولْيُقَصِّرْ ولْيَخْلِلْ ثُمَّ ليُهِلَّ بالحَجِّ فَمَنُ لَمْ يَجِدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعةٌ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ واسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ
ثُمَّ خَبَّ ثلاثَةَ أَطْوَافٍ ومَشَى أربعاً فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ
سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا فَطافَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةً أُطْوَافٍ ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ
مِنْهُ حَتَّى قَضَى ونَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وأفاضَ فَطَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَفَعَلَ مِثْلَ
ما فَعَلَ رسولُ اللهِ عَلَِّ مَنْ أَهْدَى وسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فساق معه الهدي)).
ذكر رجاله: وهم ستة: كلهم قد ذكروا غير مرة، والليث هو ابن سعد، وعقيل، بضم
العين: ابن خالد، وابن شهاب هو: محمد بن مسلم الزهري.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. قوله: ((عن عقيل))، وفي رواية مسلم من طريق
شعيب بن الليث عن أبيه: حدثني عقيل. وفيه: أن شيخه يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد
الله بن بكير أبو زكرياء المخزومي المصري. وفيه: أن الليث أيضاً مصري وعقيل أيلي، وابن
شهاب وسالم مدنيان.
:
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم وأبو داود جميعاً في الحج أيضاً عن عبد الملك
ابن شعيب بن الليث عن أبيه عن جده به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الله بن
المبارك المخزومي عن حجين بن المثنى عن الليث به.
ذكر معناه: قوله: ((تمتع رسول الله عَّلَّه في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج))، قال
المهلب: معناه أمر بذلك كما تقول: رجم ولم يرجم لأنه كان ينكر على أنس. قوله: ((إنه
قرن))، ويقول بل كان مفرداً. وأما قوله: وبدأ بالعمرة فمعناه: أمرهم بالتمتع، وهو أن يهلوا
بالعمرة أولاً، ويقدموها قبل الحج. قال: ولا بد من هذا التأويل لدفع التناقض عن ابن عمر،
رضي الله تعالى عنهما، قيل: هذا التأويل من أبعد التأويلات، والاستشهاد عليه بقوله: رجم،
وإنما أمر بالرجم من أوهن الاستشهادات، لأن الرجم وظيفة الإمام، فالذي يتولاه إنما يتولاه نيابة
عنه، وأما أعمال الحج من إفراد وقران وتمتع فإنه وظيفة كل أحد عن نفسه. وقال بعضهم:
يحتمل أن يكون معنى قوله: تمتع، محمولاً على مدلوله اللغوي وهو: الانتفاع بإسقاط عمل
العمرة والخروج إلى ميقاتها. انتهى. قلت: كل هذا الذي ذكر لا يشفي العليل ولا يروي

٤٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٥ )
الغليل، بل الأوجه هنا ما قاله النووي وهو أن معنى: تمتع أنه عَ لّهِ أحرم بالحج مفرداً ثم أحرم
بالعمرة، فصار قارناً في آخر عمرة، والقارن هو متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى لأنه
ترفه باتحاد الميقات والإحرام والفعل جمعاً بين الأحاديث. وأما لفظ: «فأهلَّ بالعمرة ثم أهلَّ
بالحج)) فهو محمول على التلبية في أثناء الإحرام وليس المراد أنه أحرم أول مرة بالعمرة ثم
أحرم بالحج، لأنه يؤدي إلى مخالفة الأحاديث الأخر، ويؤيد هذا التأويل لفظ: وتمتع الناس
مع النبي عَّه، ومعلوم أنهم أحرموا أولاً بالحج مفرداً، وإنما فسخوا إلى العمرة آخراً وصاروا
متمتعين. وقوله: ((فتمتع الناس)) يعني: في آخر أمرهم قلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي في
(سننه الكبرى) من حديث الليث عن عقيل إلى آخره نحوه، ثم قال: وقد روينا عن عائشة
وابن عمر ما يعارض هذا، وهو الإفراد، وحيث لم يتحلل من إحرامه إلى آخر شيء ففيه دلالة
على أنه لم يكن متمتعاً. قلت: هذا لا يرد على فقهاء الكوفة لأن عندهم المتمتع إذا أهدى لا
يتحلل حتى يفرغ من حجه، وهذا الحديث أيضاً ينفي كونه مفرداً لأن الهدي لا يمنع المفرد
من الإحلال فهو حجة على البيهقي.
وفي (الاستذكار): لا يصح عندنا أن يكون متمتعاً إلاَّ تمتع قران، لأنه لا خلاف بين
العلماء أنه عٍَّ لم يتحلل من عمرته، وأقام محرماً من أجل هديه، وهذا حكم القارن لا
المتمتع، وفي (شرح الموطأ) لأبي الحسن الإشبيلي: ولا يصح عندي أن يكون، عَ لّهِ،
متمتعاً إلاَّ تمتع قران، لأنه لا خلاف أنه لم يحل من عمرته حتى أمر أصحابه أن يحلوا
ويفسخوا حجهم في عمرة، وفسخ الحج في العمرة خص به أصحاب رسول الله عَ لَّه، فلا
يجوز اليوم أن يفعل ذلك عند أكثر الصحابة وغيرهم لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج﴾ [البقرة:
١٩٦]. يعني لمن دخل فيه، وما أعلم من الصحابة من يجيز ذلك إلاّ ابن عبّاس، وتابعه
أحمد وداود دون سائر الفقهاء، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ، في: باب التمتع والقران. قوله:
((فساق معه الهدي من ذي الحليفة)) وهو الميقات. قوله: ((وبدأ رسول الله عَ لَّه فأهل
بالحج))، قال ابن بطال: إنما يريد أنه بدأ حين أمرهم بالتمتع أن يهلوا بالعمرة أول، ويقدموها
قبل الحج، وأن ينشئوا الحج بعدها إذا حلوا منها. قوله: ((وبالصفا والمروة))، ظاهر في
وجوب السعي. قوله: ((فتمتع الناس مع النبي عٍَّ)) أي: بحضرته. قوله: ((وليقصر)) على
صورة أمر الغائب، وكذا في رواية مسلم وفي رواية أبي ذر: ((ويقصر))، على صورة المضارع،
وقال الكرماني، بالرفع والجزم.
قلت: وجه الرفع أن يكون المضارع على أصله لتجرده عن النواسخ، والتقدير: وبعد
الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة يقصر، من التقصير، وهو أخذ بعض شعر رأسه.
ووجه الجزم أن يكون عطفاً على المجزوم قبله، ويكون في التقدير: وليقصر. وقال الكرماني:
لِمَ خصص التقصيرَ والحلقُ جائز بل أفضل؟ وأجاب: بأنه أمره بذلك ليبقى له شعر يحلقه في
الحج، فإن الحلق في تحلل الحج أفضل منه في تحلل العمرة. قوله: ((وليحلل))، صورته
أمر، ومعناه الخبر يعني صار: حلالاً، فله فعل كل ما كان محظوراً عليه في الإحرام. قوله:
٠٠٠

٤٦
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٥)
(ثم ليهل بالحج)) أي: بعد تقصيره وتحلله يحرم بالحج، وإنما أتى بلفظ: ثم، الدال على
التراخي ليدل على أنه لا يلزم أن يهل بالحج عقيب إحلاله من العمرة. قوله: ((فمن لم يجد
هدياً)) أي: لم يجده هناك، إما لعدم الهدي، وإما لعدم ثمنه، وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن
المثل. قوله: ((فليصم ثلاثة أيام في الحج))، وهو اليوم السابع من ذي الحجة، والثامن
والتاسع. قوله: ((وسبعة)) أي: وليصم سبعة ((أيام إذا رجع إلى أهله)) بظاهره أخذ الشافعي، لأن
المراد حقيقة الرجوع، وقال أصحابنا في قوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ [البقرة: ١٩٦].
معناه: إذا فرغتم من أفعال الحج، والفراغ سبب الرجوع، فأطلق المسبب على السبب، فلو
صام هذه السبعة بمكة فإنه يجوز عندنا. وقال الشافعي: لا يجوز إلاّ أن ينوي الإقامة بها، فإن
لم يصم الثلاثة في الحج إلى يوم النحر تعين الدم، فلا يجوز أن يصوم الثلاثة ولا السبعة
بعدها. وقال الشافعي: يصوم الثلاثة بعد هذه الأيام: يعني أيام التشريق. وقال مالك: يصومها
في هذه الأيام.
قلنا: النهي المعروف عن صوم هذه الأيام، ولا يؤدى بعدها أيضاً لأن الهدي أصل وقد
نقل حكمه إلى بدل موصوف بصفة، وقد فاتت، فعاد الحكم إلى الأصل وهو الهدي. وفي
(شرح الموطأ) للإشبيلي: ووقت هذا الصوم من حين يحرم بالحج إلى آخر أيام التشريق،
والاختيار تقديمه في أول الإحرام، رواه ابن الجلاب، وإنما اختار تقديمه لتعجيل إبراء الذمة،
ولأنه وقت متفق على جواز الصوم فيه، فإن فاته ذلك قبل يوم النحر صامه أيام منىّ، فإن لم
يصم أيام منىّ صام بعدها. قاله علي وابن عمر وعائشة وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم،
وبه قال الشافعي، وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه أجاز للمتمتع أن يصوم في العشر وهو
حلال. وقال مجاهد وطاوس: إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه، وهذان القولان شاذان. وقال
أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن): اختلف السلف فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيام
الثلاثة قبل يوم النحر، فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوس،
رضي الله تعالى عنهم: لا يجزيه إلاّ الهدي، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال
ابن عمر وعائشة، رضي الله تعالى عنهما، يصوم أيام منىّ، وهو قول مالك. وقال علي بن أبي
طالب، رضي الله تعالى عنه: يصوم بعد أيام التشريق، وهو قول الشافعي. انتهى.
فإن قلت: روى البخاري في (كتاب الصوم) من حديث الزهري عن عروة عن عائشة
وعن سالم عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهم. قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يضمن
إلاَّ لمن لم يجد الهدي، وروى الطحاوي من حديث الزهري عن سالم عن أبيه: أن رسول
الله عَّةٍ قال في المتمتع: إذا لم يجد الهدي ولم يصم في العشر أنه يصوم أيام التشريق،
ورواه البيهقي أيضاً في سننه؟ قلت: روي عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم:
أنه عَ لَّه قال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب، وأراد بهذه الأيام أيام التشريق، منهم علي بن
أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أخرج حديثه الطحاوي بإسناد حسن عنه، أنه قال: ((خرج
منادي رسول الله عَّم في أيام التشريق فقال: إن هذه الأيام أيام وأكل وشرب)). وقد أخرج

٤٧
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٥)
الطحاوي أحاديث نهي الصوم في أيام التشريق عن ستة عشر نفساً من الصحابة ذكرناهم في
(شرحنا لمعاني الآثار) للطحاوي، وقال الطحاوي: لما ثبت بهذه الآثار عن رسول الله عَ ليه
النهي عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنىّ والحاج مقيمون بها وفيهم المتمتعون
والقارنون، ولم يستثن منهم متمتعاً، ولا قارناً، دخل فيه المتمتعون والقارنون في ذلك
النھي.
وأما الحديث الذي رواه سالم عن أبيه مرفوعاً فهو ضعيف، وفي سنده يحيى بن سلام
نزيل مصر، قال الدارقطني: ضعيف، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فيه مقال،
وذكر الطحاوي عن شعبة أن حديث يحيى بن سلام حديث منكر لا يثبته أهل العلم بالرواية
لضعف يحيى بن سلام وابن أبي ليلى وسوء حفظهما. قوله: ((فطاف حين قدم مكة)) أي:
فطاف رسول الله عَّهِ، وصرح به هكذا في (صحيح مسلم) قوله: ((واستلم الركن أول
شيء)) أي: استلم الحجر الأسود أول ما قدم قبل أن يبتديء بشيء. قوله: ((ثم خب))، بفتح
الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة أي أسرع في الثلاثة الأول من الأطواف، ورمل. قوله:
((مشى أربعاً) أي: أربع مرات أراد أنه لم يرمل في بقية الأطراف، وهي الأربعة. قوله:
(فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين)) أي: لما فرغ من أطوافه السبعة صلى
عند مقام إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، ركعتين وقضى بمعنى: أدى، وركعتين منصوب بقوله:
فركع. قوله: ((ثم سلم)) أي: عقيب الركعتين فانصرف وأتى الصفا، فظاهر الكلام أنه حين
فرغ من الركعتين توجه إلى الصفا ولم يشتغل بشيء آخر. وحديث جابر الطويل عند مسلم:
((ثم رجع إلى الحجر فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا)).
قوله : ((حين قضى حجه)) أي: بالوقوف بعرفة لأنه من أركان الحج وبرمي الجمرات
ونحره هديه يوم النحر. قوله: ((وأفاض) أي: بعد الإتيان بهذه الأفعال أفاض إلى البيت فطاف
به طواف الإفاضة. قوله: ((وفعل مثل ما فعل رسول الله عَّله)) كلمة: ما، مصدرية أي: مثل
فعل رسول الله عٍَّ وفاعل: فعل، هو قوله: (من أهدى)) يعني: ممن كان مع رسول الله عَ ليه
وساق الهدي، وكلمة: من، في من الناس للتبعيض لأن كل من كانوا لم يسوقوا الهدي،
وقائل هذا الكلام أعني قوله: وفعل ... إلى آخره، هو عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى
عنهما، وقال بعضهم: وأغرب الكرماني فشرحه على أن فاعل فعل هو ابن عمر راوي الخبر.
قلت: لم يشرح الكرماني بهذا الشرح إلاَّ بناء على النسخة التي فيها: باب من أهدى وساق
الهدي على ما نذكره الآن، ولهذا قال: والصحيح هو الأول، يعني: أن فاعل: فعل، هو قوله:
((من أهدى)).
... /١٦٩٢ _ وعَنْ عُزوَةَ أَنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أخْبَرَتْهُ عنِ النبيِّ عَّله فِي
تَتَّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أُخبرَني سَالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله
تعالى عنهما عنْ رسول الله

٤٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٦ )
هذا عطف على قوله: عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وهو
مقول ابن شهاب، وهذه هي النسخة الصحيحة، والنسخة التي وقع فيها لفظ: باب بين قوله:
((وفعل مثل ما فعل رسول الله عَّله))، وبين قوله: ((من أهل وساق الهدي من الناس))، وصورتها:
باب من أهل وساق الهدي وعن عروة أن عائشة أخبرته إلى آخره، وهذا خطأ فاحش، ونسبت
هذه رواية إلى أبي الوقت والظاهر أنه من تخبيط الناسخ.
وقد أخرجه مسلم مثل النسخة الصحيحة حيث قال: حدثني عبد الملك بن شعيب بن
الليث حدثني أبي عن جدي، قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد
الله أن عبد الله بن عمر، قال: تمتع رسول الله عَ له في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وساقه
إلى أن قال: وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم فيه، وفعل مثل ما فعل رسول
الله عَّالله من أهدى فساق الهدي من الناس. ثم قال: وحدثنيه عبد الملك بن شعيب يعني
ابن الليث، قال: حدثني أبي عن جدي، قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن
الزبير أن عائشة زوج النبي عَّل أخبرته عن رسول الله عَّ له في تمتعه بالحج إلى العمرة، وتمتع
الناس معه مثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله عن رسول الله عَّ الله. انتهى. وهذا
كما رأيت بإسناد واحد عن سالم وعن عروة، وكذلك أبو نعيم ساق الحديث بتمامه في
(المستخرج) ثم أعاده بمثله عن عائشة بترجمة مستقلة بمثل الإسناد الأول، ثم قال في كل
منهما: أخرجه البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث. قلت: وكذلك أخرج مسلم كلاً منهما
عن عبد الملك بن شعيب بن الليث كما رأيته.
١٠٦ - بابُ منِ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ
أي: هذا باب في بيان من اشترى الهدي في طريقه عند توجهه إلى الكعبة، سواء كان
في الحل أو الحرم.
٢٧٥ / ١٦٩٣ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عنْ نافِع قال قال عَبْدُ
الله بنُ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهم لأِبِيهِ أَقِمْ فإِنِّي لاَ آمَنُهَا أنْ سَتُصَدُ عنِ الْبَيتِ
قال إذاً أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ وَقَدْ قَالَ الله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رسولِ اللهِ أُسْوَةٌ
حسَنَةٌ﴾ فأنَا أَشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسي الْعُمْرَةَ فأهَلَّ بِالْعُمْرَةِ قال ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا
كَانَ بالبَيْدَاءِ أهَلَّ بِالحَجُ والْعُمْرَةِ وقال ما شأنُ الْحَجِّ والعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ
قُدَيْدٍ ثُمَّ قَدِمَ فَطافَ لَهُمَا طَوَاناً وَاحِداً فَلَمْ يَحِلَّ حتى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعاً. [انظر الحديث
١٦٣٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم اشترى الهدي من قديد))، فإن القديد في الطريق في
الحل. قال ابن بطال: أراد أن يبين أن مذهب ابن عمر في الهدي ما أدخل من الحل إلى
الحرم، لأن قديداً من الحل، ورد عليه بأن الترجمة أعم من فعل ابن عمر فكيف يكون بياناً
له، وقد مضى هذا الحديث في: باب طواف القارن، فإنه رواه هناك عن يعقوب بن إبراهيم

٤٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٠٧ )
عن ابن علية عن أيوب عن نافع ... إلى آخره، فاعتبر التفاوت في السند والمتن والمعنى
واحد، وهنا أخرجه عن أبي النعمان محمد بن الفضل السدوسي عن حماد بن يزيد عن أيوب
السختياني، وقد مر البحث فيه هناك. قوله: ((لأبيه)) هو: عبد الله بن عمر. رضي الله تعالى
عنهما. قوله: ((أقم))، أمر من الإقامة، أراد أنه قال لأبيه لما أراد التوجه إلى الكعبة: أقم عندنا لا
ترح هذه السنة، فإن فيها فتنة الحجاج، فيكون فيها قتال يصدك عن البيت. قوله: ((فإني لا
آمنها)) أي: لا آمن الفتنة، وهو بفتح الهمزة الممدودة وفتح الميم المخففة، وقد مر في
حديث الباب المذكور بلفظ: لا آمن، وفي رواية المستملي والسرخسي: لا أيمنها، بكسر
الهمزة وسكون الياء. وقال سيبويه: من العرب من يكسر زوائد كل فعل مضارع فعل ومستقبله
يفعل، فتقول: أنا أعلم وأنت تعلم ونحن نعلم، وهو يعلم. قوله: ((أن ستصد)) أي: أن ستمنع،
هذه رواية السرخسي، وفي رواية غيره: (أن تصد))، بنصب الدال، ويروى ((أن ستصد)) بالرفع.
قوله: ((إذاً أفعل)) بالنصب. قوله: ((كما فعل رسول الله عَّل))، يعني: من الإهلال حين صد
بالحديبية.
قوله: ((فأهل بالعمرة))، وفي رواية أبي ذر: ((فأهل بالعمرة من الدار))، وكذا رواه أبو
نعيم من رواية علي بن عبد العزيز عن أبي النعمان: شيخ البخاري، وفيه حجة على من لم ير
بجواز الإحرام من خارج المواقيت، ونقل ابن المنذر الإجماع على الجواز، ثم قيل: هو
أفضل من الميقات، وقيل: من كان له ميقات معين فهو في حقه أفضل وإلاّ فمن داره أفضل،
وللشافعية في أرجحية الميقات من الدار اختلاف. وقال الرافعي: يؤخذ من تعليلهم أي: من
أمن على نفسه كان أرجح في حقه، وإلاَّ فمن الميقات أفضل. قوله: ((ما شأنهما إلاَّ واحد))
يعني: في العمل، لأن القارن لا يطوف عنده إلاَّ طوافاً واحداً وسعياً واحداً. وقام الإجماع
على أن من أهلَّ بعمرة في أشهر الحج أن له أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف
بالبيت، لأن الصحابة أهلوا بعمرة في حجة الوداع، ثم قال لهم رسول الله عَله: من كان معه
هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً، وبهذا احتج مالك في
(موطئه). واختلفوا في إدخاله عليها إذا افتتح الطواف، فقال مالك: يلزمه ذلك. ويكون قارناً،
وذكر أنه قول عطاء، وبه قال أبو ثور، وأما إدخال العمرة مع الحج فمنع منه مالك، وهو قول
إسحاق وأبي ثور والشافعي في الجديد، وأجازه الكوفيون، وقالوا: يصير قارناً، وذكر أنه قول
عطاء، ولكنه أساء فيما فعل. قلت: القياس عند أبي حنيفة أن لا يمنع من إدخال عمرة على
حج، لأن من أصله أن على القارن تعدد الطواف والسعي. قوله: ((فلم يحل حتى حل)) وفي
رواية السرخسي: حتى أحل، بزيادة ألف في أوله وفتح الحاء، وهي لغة مشهورة، يقال: حل
وأحل. قوله: ((منهما)) أي: من العمرة والحجة.
١٠٧ - بابُ منْ أَشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ أُخْرَمَ
أي: هذا باب في بيان من أشعر هديه. وفي بيان من قلده والكلام في هذين الفصلين
على أنواع.
عمدة القارىء / ج١٠ / م٤

٥٠
٢٥ - كتاب الحَجُ / باب ( ١٠٧ )
الأول: في تفسير الإشعار لغة، وهو: من الشعور في الأصل وهو العلم بالشيء: من
شعر يشعر، من باب نصر ينصر، إذا علم وأشعر من الإشعار بكسر الهمزة وهو الإعلام.
النوع الثاني: في تفسيره شرعاً، وهو أن يضرب صفحة سنامها اليمنى بحديدة حتى
تتلطخ بالدم ظاهراً، ولا نظر إلى ما فيه من الإيلام لأنه لا منع إلاَّ ما منعه الشرع، وذكر
القزاز: أشعرها إشعاراً وإشعارها أن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بما حل فيها، وذلك لأن
الذي فعل بها علامة تعرف بها. وفي (المحكم): هو أن يشق جلدها أو يطعنها حتى يظهر
الدم، وزعم ابن قرقول أن إشعارها هو تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضاً من الجانب
الأيمن، هذا عند الحجازيين وأما العراقيون فالإشعار عندهم تقليدها بقلادة، وقيل الإشعار أن
يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته، فيكون ذلك علامة على كونها هدياً.
النوع الثالث: في كيفية الإشعار، والاختلاف الذي فيها قال أبو يوسف ومحمد:
كيفية الإشعار أن يطعنها في أسفل سنامها من الجانب الأيسر حتى يسيل الدم، وعند الشافعي
وأحمد في قول: الأيمن، وقال السفاقسي: إذا كانت البدنة ذللاً أشعرها من الأيسر، وإن كانت
صعبة قرن بدنتين، ثم قام بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن والأخرى من الأيسر. وقال ابن
قدامة: وعن أحمد من الجانب الأيسر، لأن ابن عمر فعله، وبه قال مالك، وحكاه ابن حزم
عن مجاهد، يقول: كانوا يستحبون الإشعار في الجانب الأيسر. وفي (شرح الموطأ)
للإشبيلي: وجائز الإشعار في الجانب الأيمن، وفي الجانب الأيسر، وكان ابن عمر، رضي الله
تعالى عنهما، ربما فعل هذا وربما فعل هذا، وأكثر أهل العلم يستحبون في الجانب الأيمن،
منهم الشافعي وإسحاق لحديث ابن عباس: أن رسول الله عَ لَه صلى الظهر بذي الحليفة ثم
دعا ببدنة فأشعرها من صفحة سنامها اليمنى، ثم سلت الدم عنها وقلدها بنعلين، أخرجه
مسلم، وعند أبي داود: ثم سلت الدم بيده، وفي لفظ: ثم سلت الدم بإصبعه. وقال ابن
حبيب: يشعر طولاً، وقال السفاقسي عرضاً، والعرض عرض السنام من العنق إلى الذنب، وقال
مجاهد: أشعر من حيث شئت، ثم قال: والإشعار طولاً في شق البعير أخذاً من جهة مقدم
البعير إلى جهة عجزه، فيكون مجرى الدم عريضاً فيتبين الإشعار، ولو كان مع عرض البعير
كان مجرى الدم يسيراً خفيفاً لا يقع به مقصود الإعلان بالهدي.
النوع الرابع: في صفة الإشعار، ذهب جمهور العلماء إلى أن الإشعار سنة، وذكر
ابن أبي شيبة في (مصنفه) بأسانيد جيدة عن عائشة وابن عباس: إن شئت فأشعر وإن شئت
فلا، وقال ابن حزم في (المحلى): قال أبو حنيفة: أكره الإشعار وهو مثلة، وقال: هذه طامة
من طوام العالم أن يكون مثلة شيء فعله رسول الله عَ ليه، أف لكل عقل يتعقب حكم رسول
الله عَّه، ويلزمه أن تكون الحجامة وفتح العرق مثله، فيمنع من ذلك. وهذه قولة لا نعلم
لأبي حنيفة فيها متقدم من السلف، ولا موافق من فقهاء عصره إلاَّ من ابتلاه الله تعالى
بتقليده. قلت: هذا سفاهة وقلة حياء، لأن الطحاوي الذي هو أعلم الناس بمذاهب الفقهاء،
ولا سيما بمذهب أبي حنيفة، ذكر أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإشعار، ولا كونه سنة، وإنما

٥١
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٠٧ )
كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاكها لسراية الجرح، لا سيما في حر الحجاز مع الطعن
بالسنان، أو الشفرة، فأراد سد الباب على العامة، لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من
وقف على الحد فقطع الجلد دون اللحم فلا يكرهه، وذكر الكرماني صاحب المناسك عنه
استحسانه، قال: وهو الأصح، لا سيما إذا كان بمبضع ونحوه، فيصير كالفصد والحجامة،
وأما قوله: وهذه قولة لا نعلم لأبي حنيفة فيها متقدم من السلف، فقول فاسد، لأن ابن بطال
ذكر أن إبراهيم النخعي أيضاً لا يرى بالإشعار، ولما روى الترمذي من حديث ابن عباس: أن
النبي عَّ له قلد نعلين، وأشعر الهدي في الشق الأيمن بذي الحليفة وأماط عنه الدم، قال:
سمعت يوسف بن عيسى، يقول: سمعت وكيعاً يقول حين روى هذا الحديث: لا تنظروا إلى
قول أهل الرأي في هذا، فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة. قال: وسمعت أبا السائب يقول: كنا
عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله عَ لّه، ويقول أبو حنيفة: هو مثلة.
قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعاً غضب
غضباً شديداً، وقال: أقول لك: قال رسول الله عَّهِ، وتقول: قال إبراهيم؟ ما أحقك بأن
تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا؟ انتهى.
وقال الخطابي: لا أعلم أحداً يكره الإشعار إلاَّ أبا حنيفة، قال: وخالفه صاحباه، وقالا
بقول عامة أهل العلم. قلت: الجواب عما نقله الترمذي عن وكيع، وعما قاله الخطابي، وعن
قول كل من يتعقب على أبي حنيفة بمثل هذا يحصل مما قاله الطحاوي، وقد رأيت كل ما
ذكره، وفيه أريحية العصبية والحط على من لا يجوز الحط عليه، وحاشا من أهل الإنصاف
أن يصدر منهم ما لا يليق ذكره في حق الأئمة الأجلاء على أن أبا حنيفة قال: لا أتبع الرأي
والقياس إلاَّ إذا لم أظفر بشيء من الكتاب أو السنة أو الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وهذا
ابن عباس وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، قد خير صاحب الهدي في الإشعار، وتركه على
ما ذكرناه عن قريب، وهذا يشعر منهما أنهما كانا لا يريان الإشعار سنة ولا مستحباً.
النوع الخامس: في الحكمة في الإشعار: منها: أن البدنة التي أُشعرت إذا اختلطت
بغيرها تميزت، وإذا ضلت عرفت، ومنها: أن السارق ربما ارتدع فتركها. ومنها: أنها قد تعطب
فتنحر، فإذا رأى المساكين عليها العلامة أكلوها، وأنهم يتبعونها إلى المنحر لينالوا منها.
ومنها: أن فيها تعظيم شعار الشرع، وحث الغير عليه.
النوع السادس: أن الإشعار مختص بالإبل أم لا؟ فقال ابن بطال: اختلفوا في إشعار
البقرة فكان ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، يشعر في أسنمتها، وحكاه ابن حزم عن أبي بن
كعب، رضي الله تعالى عنه، أيضاً وقال الشعبي: تقلد وتشعر، وهو قول أبي ثور، وقال مالك:
تشعر التي لها سنام. وتقلد ولا تشعر التي لا سنام لها. وقال سعيد بن جبير تقلد ولا تشعر
وأما الغنم فلا يسن إشعارها لضعفها ولأن صوفها يستر موضع الإشعار، وقال ابن التين: وما
علمت أحداً ذكر الخلاف في البقرة المسمنة إلاَّ الشيخ أبا إسحاق وما أراه موجوداً.
النوع السابع: في التقليد. وهو سنة بالإجماع، وهو تعليق نعل أو جلد ليكون علامة
:

٥٢
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٠٧ )
الهدي. وقال أصحابنا: لو قلد بعروة مزادة أو لحي شجرة أو شبه ذلك جاز لحصول العلامة،
وذهب الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين، وهو قول ابن عمر، وقال الزهري ومالك:
يجزىء واحدة، وعن الثوري: يجزىء فم القربة، ونعلان أفضل لمن وجدهما. وقال ابن بطال:
غرض البخاري من هذه الترجمة أن يبين أن المستحب أن لا يشعر المحرم ولا يقلد إلاَّ في
ميقات بلده، وقيل: الذي يظهر أن غرضه الإشارة إلى رد قول مجاهد، فإنه قال: لا يشعر
حتى يحرم، وهو عكس ما في الترجمة.
وقال نافِعٌ كانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما إِذَا أَهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وأشْعَرَهُ
بِذِي الحَلَيْفَةِ وَيَطْعُن فِي شِتِّ سَنامِهِ الأَيَنَ بِالشَّفْرَةِ ووَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً
:
أ
مطابقته للترجمة من حيث إن ابن عمر كان يقلد ويشعر بذي الحليفة، فإن بداءته
بالتقليد والإشعار يدل على أنه كان يقدمهما على الإحرام، وفي الترجمة كذلك، فإنه قال: ثم
أحرم أي: بعد الإشعار والتقليد أحرم، وهذا التعليق وصله مالك في (الموطأ) قال: عن نافع
عن عبد الله بن عمر أنه إذا أهدى هدياً من المدينة قلده بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره،
وذلك في مكان واحد، وهو متوجه إلى القبلة يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق
معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به فإذا قدم غداة النحر نحره. فإن قلت: الذي
علقه البخاري يدل على الأيمن، والذي رواه مالك يدل على الأيسر. قلت: قال ابن بطال:
روي أن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، كان يشعرها مرة في الأيمن، ومرة في الأيسر،
فأخذ مالك وأحمد في رواية الأيسر، وأخذ الشافعي وأحمد في رواية أخرى برواية الأيمن،
وعن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: كان إذا طعن في سنام هديه، وهو يشعره،
قال: بسم الله والله أكبر. قوله: ((إذا أهدى من المدينة)) أي: هديه قلده، والضمير المنصوب
في قلده، وأشعره يرجع إلى الهدي المقدر الذي هو مفعول: أهدى، وقد صرح به في رواية
مالك كما وقفت عليه. قوله: ((ويطعن))، بضم العين من الطعن بالرمح، ونحوه، قوله: ((في
شق سنامه))، بكسر الشين المعجمة، وهو الناحية والنصف. قوله: ((بالشفرة)) بفتح الشين
المعجمة وهي السكين العظيم. قوله: ((ووجهها)) الضمير المنصوب فيه، يرجع إلى البدنة التي
هي الهدي، وليس بإضمار قبل الذكر لدلالة القرينة عليه. قوله: ((باركة))، نصب على الحال.
٢٧٦ / ١٦٩٤ _ ١٦٩٥ _ حدَّثنا أحمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنا عَبْدُ اللهِ أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ
الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ قالا خَرَجَ النبيُّ عَ لّهِ مِنَ المَدِينَةِ
فِي بِضْعِ عَشْرَةَ مائَةً مِنْ أُصحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ عَلَّهِ الْهَدْيَ وأَشْعَرَهُ
وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ. [الحديث ١٦٩٤ - أطرافه في: ١٨١١، ٢٧١٢، ٢٧٣١، ٤١٥٨، ٤١٧٨،
٤١٨١]. [الحديث ١٦٩٥ - أطرافه في: ٢٧١١، ٢٧٣٢، ٤١٥٧، ٤١٧٩، ٤١٨٠].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّلّهِ أحرم بعد تقليده هديه، وإشعاره، والترجمة في
الإشعار والتقليد ثم الإحرام.

٥٣
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٧ )
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس، يقال له:
مردويه السمسار المروزي. الثاني: عبد الله بن المبارك. الثالث: معمر، بفتح الميمين: ابن
راشد الرابع: محمد بن مسلم الزهري. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى
عنهم. السادس: المسور، بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو، وفي آخره راء: ابن
مخرمة، بفتح الميمين وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء ابن نوفل بن وهيب بن عبد مناف
ابن زهرة بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب، ابن أخت عبد الرحمن بن عوف القرشي
الزهري، يكنى أبا عبد الرحمن، سمع النبي عَّهِ وعمر بن الخطاب وعمر بن عوف عندهما،
والمغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلم. قال ابن بكير: مات بمكة يوم جاء نعي يزيد بن معاوية
إلى ابن الزبير سنة أربع وستين، وصلى عليه ابن الزبير، وأصابه حجر المنجنيق وهو يصلي
في الحجر، فمات في شهر ربيع الأول وولد بعد الهجرة بسنتين، وتوفي النبي عَّه وهو ابن
ثمان سنين، وكان أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر. السابع: مروان بن الحكم ابن أبي العاص
ابن أمية بن عبد شمس أبو عبد الملك القرشي الأموي، يقال: إنه رأى النبي عَِّ، قاله
الواقدي، ولم يحفظ عنه شيئاً، وتوفي النبي عَّهِ وهو ابن ثمان سنين، قال خليفة: مات
مروان بدمشق لثلاث خلت من شهر رمضان سنة خمس وستين، وهو ابن ثلاث وخمسين
سنة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإخبار
كذلك في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن
شيخه وشيخ شيخه مروزيان ومعمراً بصري سكن اليمن والبقية مدنيون، غير أن مسوراً أقام
بمكة إلى أن مات بها، كما ذكرنا. وفيه: أن هذا الحديث من مراسيل الصحابة، رضي الله
تعالى عنهم، قاله صاحب (التلويح) وقال: لأن سنه كان في الحديبية أربع سنين، وأما مروان
فلم تصح له صحبة. وفيه: أن مروان من أفراده. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي
وعن التابعي أيضاً.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: قال صاحب (التلويح) أخرجه البخاري في
عشرة مواضع مختصراً من حديث طويل. وقال الحافظ المزي: أخرجه في كتاب الشروط
عن عبد الله بن محمد، وفي الحج أيضاً عن محمود عن عبد الرزاق، وفي المغازي عن علي
ابن عبد الله مختصراً، وفيه عن عبد الله بن محمد أيضاً. وأخرجه أبو داود في الحج عن عبد
الأعلى عن سفيان عن الزهري به. وأخرجه النسائي في السير عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي
عن يحيى بن سعيد عن ابن المبارك ببعضه.
ذكر معناه: قوله: ((خرج النبي، عَِّ، من المدينة)) ويروى: ((خرج النبي عَّهُ زمن
الحديبية من المدينة)). وقال الكرماني: قوله: ((من المدينة)) وفي بعضها بدله: ((من
الحديبية)). قوله: ((في بضع عشرة))، البضع بكسر الباء الموحدة والفتح: ما بين الثلاث إلى
التسع. قوله: ((قلد النبي عَّ الهدي)) وفي رواية الدارقطني: ((أن النبي عَ لَّه ساق يوم
:

٥٤
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٠٧ )
الحديبية سبعين بدنة عن سبعمائة رجل)). وفي رواية: ((كانوا في الحديبية خمس عشرة مائة)).
وفي رواية: ((أربع عشرة مائة)).
ذكر ما يستفاد منه: فيه: تقليد الهدي وإشعاره قبل الإحرام. وفيه: مشروعية التقليد
ومشروعية الإشعار، وقال ابن بطال: من أراد أن يحرم بالحج والعمرة وساق معه هدياً لا يقلده
إلاّ من ميقات، وكذلك يستحب له أيضاً أن لا يحرم إلاَّ من ذلك الميقات، على ما عمل به
النبي عَّهِ، هذا في الحديبية، وفي حجته أيضاً، وكذلك من أراد أن يبعث بهدي إلى البيت
ولم يرد الحج والعمرة وأقام في بلده فإنه يجوز له أن يقلده وأن يشعر في بلده، ثم يبعث به
كما فعل النبي عَّهِ، إذ بعث بهديه مع أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، سنة تسع ولم يوجب
ذلك على النبي عَّهِ إحراماً ولا تجرداً من ثياب ولا غير ذلك، وعلى هذا جماعة أئمة
الفتوى: مالك وأبو حنيفة والأوزاعيُّ والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وردوا قول
ابن عباس، فإنه كان يرى أن من بعث بهدي إلى الكعبة لزمه، إذا قلده، الإحرام، ويجتنب كل
ما يجتنب الحاج حتى ينحر هديه. وتابع ابن عباس، على ذلك ابن عمر، رضي الله تعالى
عنه، على خلاف عنه، وسعيد بن جبير ومجاهد. قال أبو عمر: وقيس بن سعد بن عبادة،
وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه، وميمون بن شبيب، ويروى مثل ذلك في أثر مرفوع
عن جابر، رضي الله تعالى عنه، عن النبي، عَّ له، رواه أسد بن موسى عن حاتم بن إسماعيل
عن عبد الرحمن بن عطاء بنّ أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عنه، وابن أبي لبيبة شيخ
ليس ممن يحتج به فيما ينفرد به، فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه؟ ولكنه قد عمل
بحديثه بعض الصحابة.
وقال أبو عمر: ولا يختلف العلماء أن هدي كل من كان ميقاته ذا الحليفة أنه ليس له
أن يؤخر إحرامه إلى الجحفة، وإنما يؤخر إحرامه إلى الجحفة المغربي والشامي. وفي
(التلويح): وتابع ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أيضاً الشعبي والنخعي وأبو الشعثاء
ومجاهد والحسن بن أبي الحسن، ذكره في (المصنف) وحكاه أيضاً عن عمر وعلي وابن
سيرين، رضي الله تعالى عنهم، وبه قال عطاء، وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن
إبراهيم عن ربيعة بن الهدير: رأى رجلاً متجرداً بالعراق، فسأل عنه فقالوا: أمر بهديه أن يقلد،
فلذلك تجرد، فذكر ذلك لابن الزبير، فقال: بدعة ورب الكعبة. وقال الطحاوي: لا يجوز
عندنا أن يكون حلف ابن الزبير على ذلك إلاَّ أنه قد علم أن السنة على خلافه. والله أعلم.
١٦٩٦/٢٧٧ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قال حدَّثنا أفلَعُ عنِ القَاسِمِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله
تعالى عنها قالَتْ فَتَلْتُ قَلاَئِدَ بُدْنِ النبيِّ عَّلَّهِ بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَهْدَهَا فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ
كانَ أُحِلَّ لَهُ. [الحديث ١٦٩٦ - أطرافه في: ١٦٩٨، ١٦٩٩، ١٧٠٠، ١٧٠١، ١٧٠٢،
١٧٠٣، ١٧٠٤، ١٧٠٥، ٢٣١٧، ٥٥٦٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((قم قلدها وأشعرها))، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأفلح بن

٥٥
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب ( ١٠٨ )
حميد مولى الأنصار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، يروي
عن عمته عائشة رضي الله تعالى عنها.
وأخرجه البخاري أيضاً في الحج عن القعنبي. وأخرجه مسلم وأبو داود جميعاً فيه عن
القعنبي. وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن الحارث وعن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه
فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة.
قوله: (بدن النبي عَّله))، بضم الباء الموحدة وسكون الدال: جمع بدنة. قوله: ((فما
حرم عليه شيء)) ويروى: ((وما حرم))، بالواو، يعني الذي حرم عليه شيء كان أحل له قبل
ذلك، أراد به محظورات الإحرام.
وفيه: من الأحكام: تقليد الهدي وإشعارها. ومنه: مباشرة التقليد والإشعار بيده وهو
أفضل من الاستنابة كذبح الأضحية، واختلف مالك وابن شهاب في المرأة فقال ابن شهاب:
تلي ذلك بنفسها، وأنكره مالك، وقال: لا تفعل ذلك إلاَّ أن لا تجد من يلي ذلك، لأنه لا
يفعله إلاَّ من ينحره.
١٠٨ - بابُ فَتْلِ الْقَلاَئِدِ لِلْبُدْنِ وَالْبَقَرِ
أي: هذا باب في بيان فتل القلائد لأجل التعليق على البدن، وهو جمع قلادة. قوله:
((والبقر)) أي: وللبقر.
٢٧٨ / ١٦٩٧ - حدّثنا مُسَددٌ قال حدَّثنا يَخْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قال أخبرني نافِعٌ عنِ
ابنِ عُمَرَ عنْ حَفْصَةَ رضي الله تعالى عنهم قالَتْ قُلْتُ يا رسولَ الله ما شأنُ النَّاسَ حَلُّوا ولَمْ
تَحْلِلْ أنْتَ قال إنِّي لَبَدْتُ رَأْسِي وقَلَّذتُ هَذِي فَلاَ أُحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ. [انظر
الحديث ٢٥٦٦ وأطرافه].
مضى هذا الحديث في: باب التمتع والإقران فإنه أخرجه هناك عن إسماعيل عن مالك
عن نافع، وعن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة زوج النبي
عَّهِ ... إلى آخره، وقد مضى الكلام فيه هناك. قيل: وليس في هذا الحديث ذكر البقر، فلا
مطابقة بينه وبين الترجمة. قلت: لفظ الهدي يتناول الإبل والبقر جميعاً، لأنه صح أن النبي
◌َّمِ أهداهما جميعاً. وقال الكرماني: كيف دل الحديث على الترجمة؟ ثم أجاب بأن التقليد
لا بد له من الفتل، وتبعه بعضهم على ذلك، فقال: مناسبته للترجمة من جهة أن التقليد
يستلزم تقدم الفتل عليه. قلت: هذا غير مسلم، لأن القلادة أعم من أن تكون من شيء يفتل
ومن شيء لا يفتل.
٢٧٩ / ١٦٩٨ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا الليْثُ قال حدَّثنا ابنُ شِهابٍ
عنْ عُزِوَةَ وعنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهما قالَتْ كانَ رسولُ
الله عَّلِ يُهْدِي مِنَ المَدِينَةِ فأقْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِهِ ثُمَّ لاَ يَجْتَنِبُ شَيْئاً مِمَّا يَجْتَنِبُهُ المُخْرِمُ. [انظر

٥٦
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١٠٩ )
الحديث ١٦٩٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد تكرر ذكرهم.
وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى وقتيبة ومحمد بن رمح. وأخرجه
أبو داود فيه عن قتيبة ويزيد بن خالد، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجه فيه
عن محمد بن رمح كلهم عن ليث عن الزهري عن عروة وعمرة، كلاهما عن عائشة به.
قوله: ((وعن عمرة)) عطف على عروة، وابن شهاب روى هذا الحديث عن عروة بن
الزبير وعن عمرة بنت عبد الرحمن جميعاً، كلاهما عن عائشة. قوله: ((ثم لا يجتنب)) أي
النبي عَّله. قوله: ((مما يجتنبه المحرم))، ويروى: ((مما يجتنب المحرم)) معناه أنه عَّه كان
يبعث بالهدي ولا يحرم، فلهذا لا يجتنب عن محظورات الإحرام. وقد بوب مسلم على هذا
الحديث حيث قال: باب البعث بالهدي وتقليده من غير أن يحرم.
وقال النووي: وفيه: دليل على استحباب بعث الهدي إلى الحرم وأن من لم يذهب
إليه يستحب له بعثه مع غيره وفيه: أن من بعث هديه لا يصيرِ محرماً ولا يحرم عليه شيء
مما يحرم على المحرم، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلاّ رواية حكيت عن ابن عباس
وابن عمر وعطاء وسعيد بن جبير، رضي الله تعالى عنهم وحكاه الخطابي أيضاً عن أهل
الرأي أنه إذا فعل ذلك لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرماً من غير نية الإحرام،
والصحيح ما قاله الجمهور، ولهذه الأحاديث الصحيحة.
١٠٩ - بابُ إشعارِ الْبُدُنِ
أي: هذا باب في بيان إشعار البدن وحكم الإشعار قد علم مما تقدمه من الأبواب،
وإنما ذكر هذا الباب مع أن فيه حديثين أحدهما معلق وقد ذكرهما فيما قبل لأجل اختلاف
سنده، ولبعض التفاوت في المتون، يظهر لك عند الوقوف عليه.
وقال عُزوَةُ عنِ المِسْوَرِ رضي الله تعالى عنهُ
قَلَّدَ النبيُّ عَلِّ الْهَدْيَ وأَشْعَرَهُ وأُخْرَمَ بِالْعُمْرَةِ
مطابقته للترجمة في قوله: وأشعره، وعلقه عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة،
وأخرجه موصولاً عن قريب في: باب من أشعر وقلده بذي الحليفة.
٢٨٠/ ١٦٩٩ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قال حدَّثنا أفْلَحُ بنُ محُمَيْدٍ عِنِ الْقَاسِمِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَذْي النبيِّ عَُّلَّهِ ثُمَّ أَشْعَرَها وقلَّدَها أوْ قَلَّدْتُها
ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلى الْبَيْتِ وأقامَ بِالمَدِينَةِ فَمَا حَرُمَ عليْهِ شَيءٌ كانَ لَهُ حِلِّ. [انظر الحديث
١٦٩٦ وأطرافه].
قد ذكر هذا الحديث في: باب من أشعر وقلد بذي الحليفة، فإنه أخرجه هناك: عن

٥٧
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٠ )
أبي نعيم عن أفلح، وههنا: عن عبد الله بن مسلمة القعنبي عن أفلح إلى آخره. قوله: ((أو
قلدتها)) شك من الراوي. وفيه جواز الإستنابة في التقليد. قوله: ((وأقام بالمدينة)) يعني حلالاً
فما حرم عليه شيء من محظورات الإحرام. قوله: ((كان له حل)) أي: حلال، وهذه الجملة
في محل الرفع لأنها صفة لقوله شيء، وهو مرفوع بقول: ((فما حرم)) بضم الراء.
١١٠ - بابُ منْ قَلَّدَ الْقَلاَئِدَ بِيَدِهِ
أي: هذا باب في بيان من قلد القلائد على الهدي بيده بدون استنابة لغيره بذلك.
٢٨١/ ١٧٠٠ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عن عبْدِ الله بنِ أبي بَكْرِ بنِ
عَمْرِو بنِ حَزْمُ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أنَّها أَخْبَرَتْهُ أَنَّ زِيادَ بنَ أبي سُفْيانَ كتَبَ إلى
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال مَنْ أَهْدَى
هَدْياً حَرُمَ عَلَيْهِ ما يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُّهُ قَالَتْ عَمْرَةُ فقالَتْ عائِشةُ رضي الله
تعالى عنها لَيْسَ كَما قال ابنُ عَبَّاسٍ أنا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَذْىٍ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا
رسولُ اللهِ عَ لَّهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ بعَثَ بِهَا معَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رَسُولِ اللهِ عَ لَّه شَيءٌ أَحَلَّهُ الله
حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ. [انظر الحديث ١٦٩٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم قلدها رسول الله عَّلٍ بيديه))، ورجاله قد ذكروا، وعبد
الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قد مر في: باب الوضوء مرتين، وهذه رواية الأكثرين، وفي
رواية أبي ذر، سقط عمرو، وعمرة هي خالة عبد الله الراوي عنها، ورجال الإسناد كلهم
مدنيون إلاَّ شيخ البخاري، وزياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف وبعد الألف دال
مهملة: ابن أبي سفيان أبو المغيرة، وهو الذي ادعاه معاوية أخاً له لأبيه فألحقه بنسبه، وقيل
له: زياد بن أبيه.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الوكالة عن إسماعيل بن أبي أويس وأخرجه مسلم
أيضاً في الحج عن يحيى بن يحيى عن مالك. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن منصور
عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بالحديث دون القصة.
قوله: ((إن زياد بن أبي سفيان))، كذا وقع في (الموطأ) وكان شيخ مالك حدث به
كذلك في زمن بني أمية. وأما بعدهم فما كان يقال له إلاَّ زياد بن أبيه. وقيل: استلحاق
معاوية له لأنه كان يقال له: زياد بن عبيد، وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي
تحت عبيد المذكور، فولدت زياداً على فراشه، فكان ينسب إليه. فلما كان في خلافة
معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زياداً ولده، فاستلحقه معاوية لذلك وزوج ابنه
ابنته، وأمر زياداً على العراقين: البصرة والكوفة، جمعهما له، ومات في خلافة معاوية سنة
ثلاث وخمسين، ووقع عند مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك: أن ابن زياد، بدل قوله: إن
زياد بن أبي سفيان، قالوا: إنه وهم نبه عليه الغساني ومن تبعه ممن يتكلم على صحيح
مسلم والصواب ما وقع في البخاري لأنه هو الموجود عند جميع رواة الموطأ وكذا وقع في

٥٨
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١٠ )
سنن أبي داود وغيرها من الكتب المعتمدة، ولأن ابن زياد لم يدرك عائشة، رضي الله تعالى
عنها. قوله: ((من أهدى)) أي: من بعث الهدى إلى مكة. قوله: ((على الحاج)) ويروى: ((من
الحاج)). قوله: ((حتى ينحر هديه)) على صيغة المجهول. قوله: ((قالت عمرة)) أي: عمرة
بنت عبد الرحمن المذكورة في السند، وإنما قالت بالسند المذكور. قوله: ((ثم بعث بها)) أي:
ثم بعث رسول الله عَّ لهم بالهدي، وإنما أنث الضمير باعتبار البدنة لأن هديه عَّ الذي بعث به
كان بدنة. قوله: ((مع أبي))، بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة المخففة: وهو أبو بكر
الصديق، رضي الله تعالى عنه، وكان بعثه عَّ الله بهديه مع أبي بكر سنة تسع عام حج أبو بكر
:
بالناس.
قوله: ((حتى نحر الهدي)) أي حتى نحر أبو بكر الهدي، ويروى: ((حتى نحر)) على
صيغة المجهول، وقال الكرماني: فإن قلت: عدم الحرمة ليس مغياً إلى النحر إذ هو باق
بعده، فلا مخالفة بين حكم ما بعد الغاية وما قبلها؟ قلت: هو غاية النحر لا لما يحرم أي:
الحرمة المنتهية أي: النحر لم يكن، وذلك لأنه رد لكلام ابن عباس، وهو كان مثبتاً للحرمة
إلى النحر انتهى. ووقعت زيادة في رواية مسلم هنا عن يحيى بن يحيى بعد قوله: ((حتى ينحر
الهدي))، وهي: وقد بعث بهديي فاكتبي إلي بأمرك، ووقعت في رواية الطحاوي زيادة أخرى،
وهي بعد قوله: ((فاكتبي إليَّ بأمرك أو مري صاحب الهدي))، أي: الذي معه الهدي، يعني:
مري بما يصنع، وأخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمانية عشر طريقاً كلها في بيان حجة منٍ
قال: لا يجب على من بعث بهدي أن يتجرد عن ثيابه ولا يترك شيء مما يتركه المحرم إلاّ
بدخوله في الإحرام، إما بحج وإما بعمرة، وقد مضى الكلام فيه مستقصىّ في: باب من أشعر
وقلد بذي الحليفة، وقد ذكرنا أنهم ردوا قول ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، فيما ذهب
إليه من قوله: ((إن من بعث بهديه إلى مكة وأقام هو، فإنه يلزمه أن يجتنب ما يجتنبه المحرم
حتى ينحر هديه)). وقال ابن التين: خالف ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، في هذا جميع
الفقهاء، واحتجت عائشة بفعل رسول الله، عَ ◌ّهِ، وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه،
ولعل ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، رجع عنه. انتهى. قلت: ابن عباس لم ينفرد بذلك، بل
ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. منهم: ابن عمر رواه ابن أبي شيبة
عن ابن علية عن أيوب وابن المنذر من طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر، كان إذا بعث
بالهدي يمسك عما يمسك عنه المحرم إلاّ أنه لا يلبي. ومنهم: قيس بن سعد بن عبادة، أخرج
سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيب عنه نحو ذلك. وروى ابن أبي شيبة من طريق
محمد بن علي بن الحسين عن عمر، وعلي رضي الله تعالى عنهما، أنهما قالا في الرجل
يرسل ببدنته: إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم، وهذا منقطع. وقال الكرماني: فإن قلت: ما
وجه رد عائشة على ابن عباس؟ قلت: حاصله أن ابن عباس قال ذلك قياساً للتوكيل في أمر
الهدي على المباشرة له، فقالت له عائشة: لا اعتبار للقياس في مقابلة السنة الظاهرة.
انتھی.

٥٩
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١١)
قلت: لا نسلم أن ابن عباس قال ذلك، قياساً، بل الظاهر أنه إنما قاله لقيام دليل من
السنة عنده، ولم يقل ابن عباس هذا وحده، كما ذكرناه الآن، ألا يرى أن جماعة من التابعين
وهم: الشعبي والنخعي والحسن البصري ومحمد بن سيرين ومجاهد وعطاء بن أبي رباح
وسعيد بن جبير وافقوا ابن عباس فيما ذهب إليه من ذلك؟ واحتج لهم الطحاوي في ذلك
من حديث جابر بن عبد الله، قال: كنت عند النبي عَّهِ جالساً فقد قميصه حتى أخرجه من
رجليه، فنظر القوم إلى النبي عَّ له فقال: إني أمرت بيدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر
على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي، وكان
بعث ببدنة وأقام بالمدينة، وإسناده حسن، وأخرجه أبو عمر أيضاً.
وفي هذا الحديث من الفوائد: تناول الكبير الشيء بنفسه، وإن كان له من يكفيه إذا
كان مما يهتم به، ولا سيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة. وفيه: رد بعض العلماء
على بعض. وفيه: رد الاجتهاد بالنص. وفيه: أن الأصل في أفعال النبي عَّلِ التأسي حتى
تثبت الخصوصية.
١١١ - بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ
أي: هذا باب في بيان تقليد الغنم.
١٧٠١/٢٨٢ - حدّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأُسْوَدِ عنْ عَائِشَةً
رضي الله تعالى عنها قالَتْ أَهْدَى النبيُّ عَّ لِ مَرَّةً غنَماً. [انظر الحديث ١٦٩٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن من لوازم الهدي التقليد شرعاً، وأبو نعيم الفضل بن
دكين، والأعمش سليمان، وإبراهيم النخعي والأسود ابن يزيد.
وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي
كريب. وأخرجه أبو داود فيه عن هناد عن وكيع. وأخرجه النسائي فيه عن هناد وعن ابن
بشار وعن إسماعيل بن مسعود. وأخرجه ابن ماجه فيه عن ابن أبي شيبة وعن علي بن
محمد. واحتج الشافعي بهذا الحديث على أن الغنم تقلد، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور
وابن حبيب، وقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد لأنها تضعف عن التقليد. وقال أبو عمر: احتج
من لم يره بأن الشارع إنما حج حجة واحدة لم يهد فيها غنماً، وأنكروا حديث الأسود الذي
في البخاري في تقليد الغنم، قالوا هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة. وقال بعضهم: ما
أدري ما وجه الحجة منه، لأن حديث الباب دل على أنه أرسلها وأقام، فكان ذلك قبل حجته
قطعاً، فلا تعارض بين الفعل والترك، لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ثم من الذي
صرح به من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، بأنه لم يكن في هداياه في حجته غنم حتى
يسوغ الاحتجاج بذلك؟ انتهى.
قلت: الهدي الذي أرسل به رسول الله عَّلةٍ من الغنم ليس هدي الإحرام، ولهذا أقام
حلالاً بعد إرساله، ولم ينقل أنه أهدى غنماً في إحرامه. وقوله: فلا تعارض بين الفعل والترك

٦٠
٢٥ - كتاب الحَجّ / باب (١١١ )
كلام واهٍ، لأن من ادعى التعارض بينهما والتعارض تقابل الحجتين، وههنا الفعل لم يوجد،
فكيف يتصور التعارض حتى يحتاج إلى دفعه. وقوله: ثم من الذي صرح من الصحابة ... إلى
آخره، يرد بأن يقال من الذي صرح منهم بأنه كان في هداياه في حجته غنم. وقال هذا القائل
أيضاً: والحنفية في الأصل يقولون ليست الغنم من الهدي، فالحديث حجة عليهم. قلت:
هذا افتراء على الحنفية، ففي أي موضع قالت الحنفية: إن الغنم ليست من الهدي؟ بل
كتبهم مشحونة بأن الهدي اسم لما يهدى من الغنم إلى الحرم ليتقرب به. قالوا: وأدناه شاة،
لقول ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: ما استيسر من الهدي شاة، وعن هذا قالوا: الهدي
إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حتى قالوا هذا بالإجماع، وإنما مذهبهم أن التقليد في البدنة
والغنم ليست من البدنة فلا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، إذ لو كان تقليدها سنة لما تركوها،
وقالوا في الحديث المذكور: تفرد به الأسود ولم يذكره غيره على ما ذكرنا، وادعى صاحب
المبسوط أنه أثر شاذ.
فإن قلت: كيف يقال: تركوها؟ وقد ذكر ابن أبي شيبة في (مصنفه) أن ابن عباس،
رضي الله تعالى عنهما، قال: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة؟ وعن أبي جعفر: رأيت الكباش
مقلدة، وعن عبد الله بن عبيد بن عمير: أن الشاة كانت تقلد، وعن عطاء: رأيت أناساً من
الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، يسوقون الغنم مقلدة؟ قلت: ليس في ذلك كله أن التقليد
كان في الغنم التي سيقت في الإحرام، وأن أصحابها كانوا محرمين، على أنَّا نقول: إنهم ما
منعوا الجواز، وإنما قالوا بأن التقليد في الغنم ليس بسنة.
١٧٠٢/٢٨٣ - حدّثنا أبو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال
حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنِ الأَسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتْ كُنْتُ أَقْتِلُ الْقَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ
عَِّ فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلاَلاً. [انظر الحديث ١٦٩٦ وأطرافه].
هذا طريق آخر للحديث المذكور عن أبي النعمان، بضم النون، وهو محمد بن الفضل
السدوسي عن عبد الواحد بن زياد، وإنما أردف الطريق السابق بهذا الطريق لأن فيه تصريح
الأعمش بالتحديث عن إبراهيم. وفي هذا الطريق أيضاً زيادة، وهو التقليد، وذكر إقامته عنّ اله
في أهله حلالاً، وللحنفية أن يحتجوا بالزيادة الثانية فيما ذهبوا إليه من أن تقليد الغنم إنما
يكون إذا كان في الأحرام.
٢٨٤ / ١٧٠٣ - حدَّثنا أبو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادٌ قال حدَّثنا منْصُورُ بنُّ المُعْتَمِرِ
قال (ح) وحدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كِنْتُ أَقْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ لِلنَّبِيِّ عَّهِ فِيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ
خَلاَلاً. [انظر الحديث ١٦٩٦ وأطرافه].
هذان طريقان آخران: أحدهما: عن أبي النعمان المذكور عن حماد بن زيد عن منصور
ابن المعتمر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، والآخر: عن محمد بن كثير عن سفيان بن