Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٢٣) البيداء وذا الحليفة متصلتان بعضهما مع بعض، فصلى الظهر في آخر ذي الحليفة وهو أول البيداء. قوله: ((وذلك لخمس بقين من ذي القعدة»، ذلك إشارة إلى المذكور من ركوبه عَّلِ راحلته واستوائه على البيداء وإهلاله وتقليده بدنته لخمس بقين من ذي القعدة، وهو بكسر القاف وفتحها، وكذا في ذي الحجة بكسر الحاء وفتحها، والفتح هنا أشهر. وقال صاحب (التلويح) قوله: وذلك لخمس بقين من ذي القعدة يحتمل أنه أراد الخروج، ويحتمل الإهلال، فأردنا أن نعرف أيهما أراد، فوجدنا عائشة روت في صحيح مسلم: ((خرجنا مع رسول الله، عَّهِ، لخمس بقين من ذي القعدة)). وفي الإكليل من حديث الواقدي عن ابن أبي سبرة عن سعيد بن محمد بن جبير عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم أنه قال: خرج رسول الله عَِّ ((من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة عشر، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين)) وزعم ابن حزم أنه: ((خرح عَّ له يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهاراً بعد أن تغدى وصلى الظهر بالمدينة، وصلى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة، وطاف على نسائه ثم اغتسل ثم صلى بها الصبح، ثم طيبته عائشة ثم أحرم ولم يغسل الطيب، وأهلَّ حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقرآن: العمرة والحج معاً، وذلك قبل الظهر بيسير، ثم لبَى ثم نهض وصلى الظهر بالبيداء، ثم تمادى واستهل هلال ذي الحجة)). قال: فإن قلت: كيف قال: إنه خرج من المدينة لست بقين من ذي القعدة، وقد ذكر مسلم من حديث عمرة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلاّ الحج؟ قلت: قد ذكر مسلم أيضاً من طريق عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، خرجنا مع رسول الله، عَّةٍ، موافين لهلال ذي الحجة، فلما اضطربت الرواية عنها رجعنا إلى من لم تضطرب الرواية عنه في ذلك، وهما: عمر بن الخطاب وابن عباس، فوجدنا ابن عباس ذكر أن اندفاع النبي عَّلِّ من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة، وذكر عمر، رضي الله تعالى عنه، أن يوم عرفة كان يوم الجمعة في ذلك العام، فوجب أن استهلال ذي الحجة كان ليلة يوم الخميس، وأن آخر يوم من ذي القعدة كان يوم الأربعاء، فصح أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي الحجة، ويزيده وضوحاً حديث أنس، رضي الله تعالى عنه: صلينا مع النبي عَّ لِ الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فلو كان خروجه لخمس بقين لذي القعدة لكان بلا شك يوم الجمعة، والجمعة لا تصلى أربعاً، فصح أن ذلك كان يوم الخميس. وعلمنا أن معنى قول عائشة: لخمس بقين من ذي القعدة، إنما عنت اندفاعه عٍَّ من ذي الحليفة، فلم تعد المرحلة القريبة، وكان عٍَّ إذا أراد أن يخرج لسفر لم يخرج إلاَّ يوم الخميس، فبطل خروجه يوم الجمعة، وبطل أن يكون يوم السبت، لأنه كان يكون حينئذ خارجاً من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، وصح أن خروجه كان لست بقين، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس بقين من ذي القعدة، وتألفت الروايات. قوله: ((فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة)) قال الواقدي: حدثنا أفلح بن عمدة القارىء / ج٩ / م١٦ ٢٤٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٤) حميد عن أبيه عن ابن عمر أن هلال ذي الحجة كان ليلة الخميس، اليوم الثامن من يوم خروجه عَّلِ من المدينة، ونزل بذي طوى، فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى الصبح بها، ودخل مكة نهاراً من أعلاها صبيحة يوم الأحد. قوله: ((ولم يحل)) أي: لم يصر حلالاً، إذ لا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلل حتى يبلغ الهدي محله. قوله: ((الحجون))، بفتح الحاء المهملة وضم الجيم على وزن فعول: موضع بمكة عند المحصب، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف، وهو مقبرة أهل مكة، وهو من البيت على ميل ونصف. قوله: ((ولم يقرب الكعبة))، لعله منعه الشغل عن ذلك، وإلاّ فله أن يتطوع بالطواف ما شاء. قوله: ((وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت))، يعني الذين لم يسوقوا الهدي، لأنه قال ذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، قوله: ((ثم يقصروا))، بالتشديد، والتقصير هنا لأجل أن يلحقوا بمنى. قوله: ((ثم يحلوا))، وذلك لأنهم كانوا متمتعين، ولم يكن معهم الهدي، فلهذا حل لهم النساء والطيب وسائر المحرمات. قوله: ((وذلك)) إشارة إلى قوله: ثم يحل قوله: ((والطيب))، مرفوع على أنه مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: والطيب حلال له. قوله: ((والثياب))، عطف عليه أي: والثياب كذلك حلال لهم. ومما يستفاد منه: أنه عَّلَّلِ كان قارناً لأنه جمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة، وهو صفة القران، وأنه أفضل من الإفراد والتمتع، وسنحرر البحث في ذلك فيما يأتي، إن شاء الله تعالى. ٢٤ - بابُ مَنْ باتَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حَتَّى أُضْبَحَ أي: هذا باب في بيان أمر من بات بذي الحليفة حتى أصبح إذا كان حجه من المدينة، لأن ميقات أهل المدينة هو ذو الحليفة، ومراده من هذه الترجمة مشروعية المبيت بالميقات، وأنه إذا بات فيه لا يكون فيه تأخير الإحرام، ولا يشبه بمن يتجاوز بغير إحرام. قالَّهُ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عنِ النَّبِيِّ عَّهُ أي: قال عبد الله بن عمر: أمر البيتوتة في ذي الحليفة عن النبي عَّه وأشار به إلى ما تقدم في: باب خروج النبي عَّ ل على طريق الشجرة، وفيه صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتی یصبح. ١٥٤٦/١٣٩ - حدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أخبرنا ابنُ مُجُرَيْج قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال صَلَّى النبيُّ عَّهِ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً وبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ باتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحَلِيفَةِ فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ. [انظر الحديث ١٠٨٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم بات حتى أصبح)) أي: ثم بات بذي الحليفة، إلى أن ٢٤٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٥) أصبح. ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا، وعبد الله ابن محمد المعروف بالمسندي، وهشام ابن يوسف أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومحمد بن المنكدر، بلفظ الفاعل من الإنكدار، ابن عبد الله أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع في نسخة وفي أخرى بصيغة الجمع، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه بخاري، وهشام يماني صنعاني وابن جريج مكي، ومحمد بن المنكدر مدني. وفيه: حدثنا محمد بن المنكدر، أو حدثني محمد بن المنكدر، كما ذكرنا. هكذا رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه، وخالفهم عيسى بن يونس فقال: عن ابن جريج عن الزهري عن أنس، وقد توهم في ذكر الزهري، والصحيح أنه من رواية ابن جريج عن ابن المنكدر، قاله الدارقطني في (علله) وقال المزي: أخرجه أبو داود في الصلاة، والصواب أنه في الحج رواه عن أحمد بن حنبل عن محمد بن بكر عن ابن جريج. ذكر معناه: قوله: ((أربعاً) أي: أربع ركعات، وهي صلاة الظهر .. قوله: ((ركعتين)) أي: وصلى بذي الحليفة ركعتين وهما صلاة العصر على سبيل القصر، لأنه كان منشأ للسفر، وذلك كان في صلاة العصر. قوله: ((ثم بات)) أي: بذي الحليفة حتى أصبح أي حتى دخل في الصباح. قوله: ((أهلَ)) أي: رفع صوته بالإهلال، ثم اعلم أن ذا المبيت ليس من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق بأمته ليلحق به من تأخر عنه في السير، ويدركه من لم يمكنه الخروج معه، وأما قصر صلاة العصر فلأنه كان مسافراً، وإن لم يبلغ إلى موضع المشقة منه، فإذا خرج عن مصره قصر، وظاهر الحديث أنه عَّللِ أحرم إثر المكتوبة لأنه إذا صلى الصبح لم يركع بعدها للإحرام لأنه وقت كراهة. ١٤٠ / ١٥٤٧ _ حدَّثُنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قال حدَّثنا أيُّوبُ عنْ أَبِي قِلابَةَ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَمِ صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً وصَلَّى العَصْرَ بِذِي الُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ قال وأحْسِبُهُ باتَ حَتَّى أَصْبَحَ. [انظر الحديث ١٠٨٩ وأطرافه]. هذا طريق آخر عن قتيبة بن سعيد عن عبد الوهاب بن عبد المجيد عن أيوب السختياني عن أبي قلابة، بكسر القاف: عبد الله بن زيد الجرمي عن أنس. وأخرجه مسلم والنسائي على هذا. قوله: قال: وأحسبه أي: قال أبو قلابة: وأحسبه، الشك من أبي قلابة، ورواية محمد بن المنكدر الماضية عقيب هذا بغير شك، وسيأتي من طريق أبي أيوب بأتم من هذا. ٢٥ __ بابُ رفع الصَّتِ بِالإهلالِ أي: هذا باب في بيان رفع الصوت بالإهلال أي التلبية، وكل رافع صوته بشيء فهو ٢٤٤ ٢٥ - كِتّابُ الحَجّ / باب (٢٥) مهلً به. ١٤١/ ١٥٤٨ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُّ حَرْبٍ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ أبِي قِلابَةَ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ. قال صلَّى النبيُّ عَّهِ بِالمَدِينَةِ الظَّهْرَ أَرْبَعاً وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وسَمِعْتُهُمْ يَصْرَخُونَ بِهِمَا جَمِيعاً. [انظر الحديث ١٠٨٩ وأطرافه]. هذا طريق آخر مع زيادة فيه، وفي قوله: ((وسمعتهم يصرخون)) أي: يرفعون أصواتهم بهما، أي: بالحج والعمرة. وفيه: دليل على أن النبي، عَّلِّ، كان قارناً. وأنه أفضل من التمتع والإفراد. وقال المهلب: إنما سمع أنس من قرن خاصة، وليس في حديثه أنه سمع رسول الله عَ ◌ّةٍ يصرخ بها، وإنما أخبر بذلك عن قوم. وقد يمكن أن يسمع قوماً يصرخون بحج وقوماً يصرخون بعمرة. قلت: هذا تحكم وخروج عما يقتضيه الكلام، فإن الضمير في: يصرخون، يرجع إلى النبي عَّ له ومن معه من أصحابه، والباء في: بهما، يتعلق: بيصرخون، فكيف يفرق مرجع الضمير إلى بعضهم بشيء، وإلى الآخرين بشيء غير ذلك؟ ولو لم يكن الصراخ بهما عن الكل لكان أنس فرقه، وبيَّن من يصرخ بالحج ومن يصرخ بعمرة ومن يصرخ بهما، لأنه في صدد الإخبار بصورته التي وقعت. وقال الكرماني أيضاً: يحتمل أن يكون على سبيل التوزيع بأن يكون بعضهم صارخاً بالحج، وبعضهم بالعمرة، وكل هذا التعسف منهما أن لا يكون الحديث حجة عليهما، ومع هذا هو حجة عليهما وعلى كل من كان في مذهبهما، ولا يوجد في الرد عليهم أقوى من قوله عَّ له: لبيك بحجة وعمرة معاً، كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى. وفيه: حجة للجمهور في استحباب رفع الأصوات بالتلبية، وقد جاءت أحاديث في رفع الصوت بالتلبية. منها: حديث خلاد بن السائب، رواه الأربعة، فأبو داود من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر والنسائي وابن ماجه من طريق ابن عيينة، كما رواه الترمذي، وقال: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب عن أبيه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((أتاني جبريل، عليه السلام، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية)). ومنها: حديث زيد بن خالد، أخرجه ابن ماجه ولفظه: ((جاءني جبريل، فقال: يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج)). ومنها: حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد في (مسنده) ولفظه: ((أن النبي عَّه. قال: أمرني جبريل، عليه السلام، برفع الصوت بالإهلال، وقال: إنه من شعائر الحج))، ورواه البيهقي أيضاً. ومنها: حديث ابن عباس أخرجه أحمد أيضا عنه أن رسول الله عَّةٍ ((قال: إن جبريل، عليه السلام، أتاني فأمرني أن أعلن بالتلبية)). ومنها: حديث جابر، أخرجه سعيد بن منصور في (سننه) من رواية أبي الزبير عنه عن النبي عَّه قال: ((ثلاثة أصوات يباهي الله، عز ٢٤٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٥) وجل، بهن الملائكة: الأذان، والتكبير في سبيل الله، ورفع الصوت بالتلبية)). وقال المحب الطبري، غريب من حديث أبي الزبير عن جابر. ومنها: حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخرجه البيهقي عنها، قالت: ((خرجنا مع رسول الله عَ لِ فلما بلغنا الروحاء حتى سمعنا عامة الناس وقد بحت أصواتهم)). ومنها: حديث أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الترمذي عنه أن رسول الله عَّ له: ((سئل: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج))، العج بالعين المهملة رفع الصوت بالتلبية، وقد عج يعج عجاً فهو عاج وعجاج، والثج، بفتح الثاء المثلثة: سيلان دم الأضاحي، يقال ثجه يتجه ثجاً. ومنها: حديث سهل بن سعد أخرجه الحاكم عن النبي، عَ ◌ّهِ، قال: ((ما من ملب يلبّي إلاَّ لبى ما عن يمينه وشماله من شجر وحجر حتى منقطع الأرض من هنا وهنا، يعني: عن يمينه وشماله)). وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وروى ابن أبي شيبة من حديث المطلب بن عبد الله. قال: ((كان أصحاب رسول الله عَ اله يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تثج أصواتهم)) وقال عبد الله بن عمر: ((إرفعوا أصواتكم بالتلبية)) وعن ابن الزبير مثله. وقال ابن بطال: رفع الصوت بالتلبية مستحب، وبه قال أبو حنيفة والثوري والشافعي، واختلفت الرواية عن مالك، ففي رواية ابن القاسم: لا ترفع الأصوات بالتلبية إلاّ في المسجد الحرام ومسجد منىّ ومسجد عرفة. وقوله الجديد: استحبابه مطلقاً وفي (التوضيح): وعندنا أن التلبية المقترنة بالإحرام لا يجهر بها، صرح به الجويني من أصحابنا. وأجمعوا أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية، وإنما عليها أن تسمع نفسها كأنهم لمحوا ما رواه ابن أبي شيبة عن معن عن إبراهيم بن أبي حبيبة عن داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية، ومن حديث أبي الجويرية عن حماد عن إبراهيم مثله، وعن عطاء كذلك، ومن حديث عدي ابن أبي عيسى عن نافع عن ابن عمر: ليس على النساء أن يرفعن أصواتهن بالتلبية، لكن يعارضه ما رواه بسند كالشمس: عن ابن مهدي عن سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، قال: خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قالوا: عائشة اعتمرت من التنعيم، فذكرت ذلك لعائشة، فقالت: لو سألني لأخبرته. وعند وكيع: حدثنا إبراهيم بن نافع، قال: قدمت امرأة أعجمية فخرجت مع الناس ولم تهل، إلاّ أنها كانت تذكر الله تعالى، فقال عطاء: لا يجزيها. وفي (الأشراف) لابن المنذر: وقد روينا عن ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنها كانت تجهر بالتلبية، واستدل بعضهم على جواز رفع المرأة صوتها بالإهلال بحديث رواه ابن حزم من طريق أبي سعيد بن الأعرابي عن زينب الأحمسية، أن رسول الله عَ لّه قال لها، في امرأة حجت معها مصمتة: قولي لها تتكلم، فإنه لا حج لمن لا يتكلم، وليس فيه دليل لأمرين: الأول: لا تعرض فيه للتلبية. الثاني: قال ابن القطان: ليس هو خبراً، إنما هو أثر عن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، ومع ذلك فيه مجهولان، وأوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالإهلال، ولا بد وهو فرض ولو مرة، واستدل بحديث خلاد بن السائب المذكور. قال: وفيه أمر، ٢٤٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٦) والأمر للوجوب. وفي (التوضيح): قام الإجماع على مشروعية التلبية، وفيه مذاهب أحدها: أنها سنة، قاله الشافعي والحسن بن حي. الثاني: أنها واجبة يجب بتركها دم. قاله أصحاب مالك لأنها نسك، ومن ترك نسكاً أراق دماً. الثالث: أنها من شروط الإحرام، لا يصح إلاّ بها، قاله الثوري وأبو حنيفة، قال أبو حنيفة: لا يكون محرماً حتى يلبي ویذکر ویسوق هديه، قالا: كالتكبير للصلاة، لأن ابن عباس قال: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال: الإهلال، وعن عطاء وعكرمة وطاوس: هو التلبية. قال: وعندنا قول: إنه لا ينعقد إلا بها، لكن يقوم مقامها سوق الهدي والتقيد والتوجه معه، وفيه رد لقول أهل الظاهر في إجازتهم تقصير الصلاة في مقدار ما بين المدينة وذي الحليفة، وفي أقل من ذلك لأنه إنما قصرها لأنه كان خارجاً إلى مكة، فلذلك قصرها بها. ٢٦ - بابُ التَّلْبِيَّةِ أي: هذا باب في بيان كيفية التلبية، وهي مصدر من لبَّى يلبي، وأصله: لبب على وزن: فعلل، لا: فعل، فقلبت الباء الثالثة ياء استثقالاً لثلاث باءات، ثم قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. وقال صاحب (التلويح): وقولهم لبى يلبي، مشتق من لفظ: لبيك، كما قالوا: حمدل وحوقل. قلت: هذا ليس بصحيح، وإنما الصحيح الذي تقتضيه القواعد التصريفية أن لفظ: لبى، مشتق من لفظ: التلبية، وقياس ذلك على: حمدل وحوقل، في غاية البعد من القاعدة، لأن حمدل، لفظة مبنية من: الحمد لله، وحوقل من: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقيل فيه: حولق، بتقديم اللام على القاف، ومعنى التلبية الإجابة، فإذا قال الرجل لمن دعاه: لبيك، فمعناه أجبت لك فيما قلت: واختلف في لفظ: لبيك، ومعناه. أما لفظه فتثنية عند سيبويه يراد بها التكثير في العدد والعود مرة بعد مرة، لا أنها لحقيقة التثنية بحيث لا يتناول إلاَّ فردين! وقال يونس: هو مفرد، والياء فيه كالياء في: لديك وعليك وإليك، يعني في انقلابها ياء، لاتصالها بالضمير. وأما معناه فقيل: معناه إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة. قال ابن الأنباري: ومثله: حنانيك، أي تحنناً بعد تحنن، وقيل: معناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة من ألبَّ بالمكان كذا، ولبَّ به إذا أقام به ولزمه. وقيل: معناه إتجاهي إليك من قولهم داري تلب بدارك، أي: تواجهها. وقيل: محبتي لك من قولهم: امرأة لبة إذا كانت محبة لزوجها أو عاطفة على ولدها. وقيل: معناه إخلاصي لك، من قولهم: حسب لباب، أي: خالص. وقيل: قرباً منك من الإلباب وهو القرب. وقيل: خاضعاً لك، والأول منها أظهر وأشهر، لأن المحرم مجيب لدعاء الله إياه في حج بيته، وعن الفراء: لبيك، منصوب على المصدر، وأصله لبا لك، فثني للتأكيد أي إلباباً بعد إلباب، وقال عياض: وهذه إجابة لإبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لقوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧]. والداعي هو إبراهيم عٍَّ لما دعا الناس إلى الحج على جبل أبي قبيس، وعلى حجر المقام. وقيل: عند ثنية كداء، وزعم ابن حزم أن التلبية شريعة أمر الله بها لا علة لها إلاَّ قوله تعالى: ﴿وليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ [هود: ٧، الملك: ٢]. ٢٤٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢٦) ١٥٤٩/١٤٢ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُف قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ تَلْبِيَّةَ رسول الله عَ لِّ لَيْكَ اللَّهُمَّ لَيْكَ لَيَّكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَيْكَ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَة لَكَ وَالمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ. [انظر الحديث ١٥٤٠ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها في كيفية التلبية، وهذه التي رواها ابن عمر عن النبي، عَّدٍ، هي كيفية التلبية، ولم يتعرض البخاري لحكم التلبية، وفيها أقوال على ما نذكره عن قریب، إن شاء الله تعالى. والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضاً عن يحيى بن يحيى عن مالك. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن مالك، والكلام فيه على وجوه. الأول: في معناه قوله: ((لبيك اللهم)، يعني: يا الله أجبناك فيما دعوتنا. وقيل: إنها إجابة للخليل، عليه الصلاة والسلام، كما ذكرناه، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق قابوس ابن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، قال: ((لما فرغ إبراهيم، عليه السلام من بناء البيت، قيل له: ﴿وأذن في الناس بالحج﴾ [الحج: ٢٧]. قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. قال: فنادى إبراهيم عَّ له: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون))؟ ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: وفيه: ((وأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلاَّ من كان أجاب إبراهيم عَّ يومئذ)). قوله: ((إن الحمد)) روي بكسر الهمزة وفتحها، أما وجه الكسر فعلى الاستئناف، وهو ابتداء كلام، كأنه لما قال: لبيك، استأنف كلاماً آخر فقال: إن الحمد والنعمة لك، وهو الذي اختاره محمد بن الحسن والكسائي، رحمهما الله تعالى. وأما وجه الفتح فعلى التعليل كأنه يقول: أجبتك، لأن الحمد والنعمة لك، والكسر أجود عند الجمهور، قال ثعلب: لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال: معناه، لبيك لهذا السبب. وقال الخطابي: لهج العامة بالفتح، وحكاه الزمخشري عن الشافعي، وقال ابن عبد البر: المعنى عندي واحد، لأن من فتح أراد لبيك لأن الحمد لك على كل حال، واعترض عليه لأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية. وقال ابن دقيق العيد: الكسر أجود لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال، والفتح يدل على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعم وأكثر فائدة. قوله: ((والنعمة لك)) المشهور فيه النصب، قال عياض: ويجوز فيه الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفاً، والتقدير أن الحمد لك والنعمة مستقرة لك، نقله عن ابن الأنباري. قوله: ((والملك)»، أيضاً بالنصب على المشهور، ويجوز الرفع وتقديره: والملك كذلك، والملك بضم الميم، والفرق بينه وبين الملك بكسر الميم. الوجه الثاني: أن الحكمة في مشروعية التلبية هي التنبيه على إكرام الله تعالى لعباده، ٢٤٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٦) بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه، عز وجل، فإن قلت: لِمَ قرن الحمد بالنعمة وأفرد الملك؟ قلت: لأن الحمد متعلق بالنعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه، فجمع بينهما كأنه قال: لا حمد، إلاَّ لك، لأنه لا نعمة إلاَّ لك وأما الملك، فهو معنى مستقل بنفسه، ذكر لتحقيق: أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك. الوجه الثالث: في حكم التلبية، ففيه أربعة أقوال، قد ذكرناها في أواخر الباب السابق. الوجه الرابع: في الزيادة على ألفاظ التلبية المروية عن النبي، عَّةٍ، في الحديث المذكور. قال أبو عمر: أجمع العلماء على القول بهذه التلبية، واختلفوا في الزيادة فيها، فقال مالك: كره الزيادة فيها على تلبية رسول الله، عَّله، وقد روي عنه أنه: لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده، قلت: روى هذه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن تلبية رسول الله، عَّلِ: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. وقال الثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن، له أن يزيد فيها ما شاء وأحب. وقال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: لا بأس بالزيادة. وقال الترمذي: قال الشافعي: إذا زاد في التلبية شيئاً من تعظيم الله تعالى فلا بأس إن شاء الله، وأحب إلي إن يقتصر. وقال أبو يوسف والشافعي، في قول: لا ينبغي أن يزاد فيها على تلبية النبي عَّلِ المذكورة، وإليه ذهب الطحاوي واختاره، وقد زاد جماعة في التلبية، منهم: ابن عمر، ومنهم أبوه عمر بن الخطاب، زاد هذه الزيادة التي جاءت عن ابنه عبد الله بن عمر، ولعل عبد الله أخذها من أبيه، فإنه رواها عنه كما هو متفق عليه، ومنهم ابن مسعود، فروي عنه أنه لبى، فقال: لبيك عدد الحصى والتراب. وروى أبو داود وابن ماجه من حديث جابر، قال: أهلَّ رسول الله عَّةِ، فذكر التلبية، قال: والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام والنبي عَّةٍ يسمع فلا يقول لهم شيئاً. وروى سعيد بن المنصور في (سننه) بإسناده إلى الأسود بن يزيد أنه كان يقول: لبيك غفار الذنوب لبيك. وفي (تاريخ مكة) للأزرقي، صفة تلبية جماعة من الأنبياء، عليهم السلام، رواه من رواية عثمان بن ساج، قال: أخبرني صادق أنه بلغه أن رسول الله عَ لَّه قال: لقد مر بفج الروحاء سبعون نبياً تلبيتهم شتى، منهم يونس بن متى، وكان يونس يقول: لبيك فراج الكرب لبيك، وكان موسى عَّ﴾ يقول: لبيك أنا عبدك لديك لبيك. قال: وتلبية عيسى، عليه السلام: أنا عبدك وابن أمتك بنت عبديك لبيك، وروى الحاكم في (المستدرك) من رواية داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله عَ ل﴾ وقف بعرفات، فلما قال: لبيك اللهم لبيك، قال إنما الخير خير الآخرة، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وروى الدارقطني في العلل من رواية محمد بن سيرين عن يحيى بن سيرين عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله عَ ليه قال: لبيك حجاً حقاً، تعبداً ورقاً. وفي هذا الحديث نكتة غريبة، وهو أنه اجتمع فيه ثلاثة أخوة يروي بعضهم عن بعض، ولا يعرف هذا في غير هذا ٢٤٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٧) الحديث. قوله في حديث مسلم وسعديك، معناه: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. قوله: والرغباء، قال أبو المعاني في (المنتهى) الرغب والرغبة والرغب، بالتحريك: تساع الإرادة، ورغبت فيه أوسعته إرادة، وأرغبت لغة، والرغبى والرغباء مثل: النعمى والنعماء، إسمان منه إذا فتحت مددت، وإذا ضممت قصرت. وفي (المحكم): الرغب والرغب والرغب والرغبة والرغبوت والرغبي والرغبا والرغباء: الضراعة والمسألة، وقد رغب إليه ورغب إليه هو عن ابن الأعرابي، ودعا الله رغبة ورغبة. وقيل: هي الرغبى مثل سكرى. والعمل فيه حذف، تقديره: والعمل إليك، أي إليك القصد به، والانتهاء به إليك لنجازى عليه. ١٤٣ / ١٥٥٠ - حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عن عُمَارَةً عنْ أبي عَطِيئَّةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كانَ النبيُّ عَ لِ يُلَبِّي لَقَيْكَ اللَّهُمَّ لَتَيْكَ لَيْكَ لاَ شَرِيكَ لَك لَبَيْكَ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق. وهذا الحديث من أفراده. ومحمد بن يوسف الفريابي وسفيان هو الثوري والأعمش هو سليمان، وعمارة بن عمير، بضم العين فيهما وتخفيف الميم، مر في: باب رفع البصر إلى الإمام، وأبو عطية، بفتح العين المهملة: اسمه مالك بن عامر الهمداني الوادغي، والرجال كلهم كوفيون إلاَّ شيخه. تابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عنِ الأَغْمَشِ أي: تابع سفيان الثوري أبو معاوية الضرير، واسمه محمد بن حازم بالمعجمتين، ووصل هذه المتابعة مسدد في مسنده عنه، وكذلك أخرجها الجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم عنه. وقال شُعْبَةُ أخبرنا سُلَيْمَانُ قال سَمِعْتُ خَيْئَمَةَ عنْ أبي عَطِيَّةَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها سليمان هو الأعمش، وخيثمة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة: ابن عبد الرحمن الجعفي الكوفي، ورث مائة ألف وأنفقها على أهل العلمِ، وهذا التعليق وصله أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن شعبة، ولفظه مثل لفظ سفيان إلاّ أنه زاد فيه: ثم سمعتها تلبي، وليس فيه قوله: لا شريك لك، وكذا أخرجه أحمد عن غندر عن شعبة، وللأعمش فيه شيخان، ورجح أبو حاتم في (العلل) رواية الثوري، ومن تبعه على رواية ١٠ شعبة، فقال: إنها وهم. ٢٧ - بابُ التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِحِ وَالتَّكْبِيرِ قَبلَ الإِهْلَاَلِ عَنْدَ الرُّكُوبِ عَلى الدَّابَةِ أي: هذا باب في بيان ذكر التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال، أي: التلبية. ٢٥٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢٧) قوله: ((عند الركوب)) أي: بعد الاستواء على الدابة لا حال وضع الرجل في الركاب، وقال صاحب (التوضيح): غرض البخاري بهذه الترجمة الرد على أبي حنيفة، في قوله: من سبح أو كبّر أو هلل أجزأه من إهلاله. قلت: هذا كلامٌ واهٍ صادر عن غير معرفة بمذاهب العلماء، فإن مذهب أبي حنيفة الذي استقر عليه في هذا الباب أنه لا ينقص شيئاً من ألفاظ تلبية النبي عَّلِ، وإن زاد عليها فهو مستحب، وهذا هو الذي ذكر في الكتب المعتمدة فيها، ولئن سلمنا أن يكون ما ذكره منقولاً عن أبي حنيفة فلا نسلم أن الترجمة تدل على الرد عليه أطلقها ولم يقيدها بحكم من الجواز وعدمه، فبأي دلالة من أنواع الدلالات دل على ما ذ کره؟ ١٥٥١/١٤٤ - حدَّثْنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبُ قال حدَّثنا أيُّوبُ عنْ أَبِي قِلابَةَ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ. قال صَلَّى رسولُ الله عَ لَّهِ ونَحنُ معَهُ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعاً وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ بِهَا حتَّى أصبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عَلَى البَيْدَاءِ حَمِدَ اللهِ وسَبَّحَ وكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٌ وَعُمْرَةٍ وأهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا فَلَمَّا قَدِمْنَا أُمَرَ النَّاسَ فَحَلّوا حَتَّى كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أهَلّوا بالحَجِّ قال ونَحَرَ النبيُّ عََّلَّهِ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَاماً وذَبَعَ رسولُ اللهِ عَّه بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ. [انظر الحديث ١٠٨٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((حمد الله وسبح)) وكبر. وموسى بن إسماعيل هو أبو سلمة التبوذكي، ووهيب - مصغر - ابن خالد، وأيوب السختياني، وأبو قلابة، عبد الله بن زيد الجرمي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضاً عن سهل بن بكار، فرقهما، كلاهما عن وهيب وعن مسدد عن إسماعيل بن علية، وأخرجه أيضا في الحج، وفي الجهاد عن سليمان بن حرب وعن قتيبة بن سعيد مقطعاً، وأخرجه مسلم في الصلاة عن خلف بن هشام وعن قتيبة بن سعيد وأبي الربيع الزهراني ثلاثتهم عن حماد بن زيد به، وعن زهير بن حرب ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كلاهما عن إسماعيل بن أمية به. وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به مقطعاً بعضه في الحج وبعضه في الأضاحي. وأخرجه النسائي في الصلاة عن قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد به. ذكر معناه: قوله: ((ونحن))، الواو فيه للحال. قوله: ((ثم بات بها))، أي: بذي الحليفة. قوله: ((حتى استوت به راحلته))، أي: قامت به ناقته، يعني: رفعته مستوياً على ظهرها، ولفظ: به، حال أي: استوت ملتبسة برسول الله عَّ﴾. قوله: ((على البيداء))، وقد ذكرنا أنه الشرف الذي قدام ذي الحليفة. قوله: ((ثم أهل بحج وعمرة))، يعني: جمع بينهما، وهذا هو القران. قوله:(وأهلُّ الناس))، أي: الذين كانوا معه بهما أي بالحج والعمرة. قوله: ((فلما قدمنا)) أي: مكة. قوله: (أمرالناس فحلوا)) أي: أمر الناس الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي بالتحلل، فحلوا أي: صاروا حلالاً. وسأل الكرماني سؤالاً فقال: كيف جاز للقارن أن يحل قبل إتمام ٢٥١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٢٧) الحج؟ وما ذاك إلاَّ للمتمتع؟ ثم أجاب بأن العمرة كانت عندهم منكرة في أشهر الحج، كما هو رسم الجاهلية، فأمرهم بالتحلل من حجهم والانفساخ إلى العمرة تحقيقاً لمخالفة رسمهم، وتصريحاً بجواز الاعتمار في تلك الأشهر. انتهى. قلت: هذا ليس بجواب، والجواب الصواب أنه إنما أمرهم بالتحلل لأنهم لم يسوقوا الهدي، ولم يقل أحد إنهم كانوا قارنين في هذه الحالة حتى يرد هذا السؤال، وإنما كان النبي عَّمِ هو القارن، وقوله: العمرة كانت عندهم منكرة، إنما كان إنكارهم قبل هذا بمدة في الجاهلية، وفي هذه الحالة لم يكونوا منكرين، فمن ادعى بخلاف ذلك فعليه البيان. قوله: ((حتى كان يوم التروية)) برفع: يوم، لأن: كان، تامة فلا تحتاج إلى خبر، و: يوم التروية، هو اليوم الثامن من ذي الحجة وسميت بالتروية لأنهم كانوا يروون دوابهم بالماء ويحملونه معهم أيضاً في الذهاب من مكة إلى عرفات. قوله: ((قياماً)) أي: قائمات، وانتصابه على الحال. قوله:(أملحين)) تثنية أملح، وهو الأبيض الذي يخالطه سواد، وكان النحر للبدنات في مكة والذبح للكبش الذي للأضحية في المدينة يوم العيد. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن الذي يريد السفر له أن يقصر الرباعية من بعد خروجه. وفيه: أن للمحرم أن يحمد الله ويسبحه ويكبره قبل الإهلال. وفيه: التصريح بأنه عٍَّ كان قارناً بقوله: ثم أهل بحج وعمرة، وهذا هو عين القران، والمنكر هنا معاند، وقد ثبت بأحاديث أُخر صحيحة أنه مَّلَّ كان قارناً على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. فإن قلت: قد رد ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، هذا القول على أنس، وقال: كان أنس حينئذ يدخل على النساء، فنسب إليه الصغر وقلة الضبط حتى نسب إلى رسول الله عَ لوه بالقران، وقال المهلب: رد ابن عمر على أنس، رضي الله تعالى عنه، قوله هذا فقال مثل ما ذكرنا؟قلت: هذا فيه نظر لأن حجة الوداع كانت وسن أنس، رضي الله تعالى عنه، نحو العشرين، فكيف يدخل على النساء. وقد جاء في الصحيح أنه منع من الدخول عليهن حين بلغ خمس عشرة سنة، وذلك قبل الحجة بنحو خمس سنين؟ وأيضاً فسنه نحو سن ابن عمر، ولعله لا يكون بينهما إلاَّ نحو من سنة أو دونها. فإن قلت: قال ابن بطال: ومما يدل على قلة ضبط أنس قوله في الحديث: فلما قدمنا أمر النبي، عَِّ، فحلوا، إذا كان يوم التروية أهلُّوا بالحج، وهذا لا معنى له، ولا يفهم أنه كان النبي عَ لَّه قارناً، كما قال. والأمة متفقة على أن القارن لا يجوز له الإحلال حتى يفرغ من عمل الحج كله، فلذلك أنكر عليه ابن عمر، وإنما حل من كان أفرد الحج وفسخه في عمرة ثم تمتع. قلت: ولو قال ابن بطال: ومن يقول مثل قوله لا ينهضون أن ينفوا صفة القرآن عن النبي عَّهِ في حجة، وذلك لأن الذين رووا الإفراد اختلف عنهم، ومن روى القران لم يختلف عليه، فالأخذ بقول من لم يختلف عليه أولى، ولأن معه زيادة وهي مقبولة من الثقة، وقال ابن حزم: وروي القران عن جميع من روى الإفراد، وهم: عائشة وجابر وابن عمر وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، قال: ووجدنا أيضاً عن علي بن أبي طالب وعمران بن حصين، ٢٥٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢٧) رضي الله تعالى عنهما، وروي عنهما التمتع، وروي عنهما القران. قال: ووجدنا أم المؤمنين حفصة والبراء بن عازب وأنس بن مالك ولم تضطرب الرواية عنهم، ولا اختلاف عنهم في ذلك، فيترك رواية كل من قد اضطربت الرواية عنه ويرجع إلى رواية من لا تضطرب عنه، وهذا وجه العمل على قول من لا يرى إسقاط ما تعارض من الروايات والأخذ بما لم يتعارض منها. وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد فهو وجه يجب استعماله إذا كانت الألفاظ والأفعال كلها منسوبة إلى سيدنا رسول الله عَّه ولم تكن موقوفة على من دونه، ولا تنازعاً ممن سواه، فوجهه أنا وجدنا من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة وحدها دون حج معها، ووجدنا من روى القران قد جمع الأمرين معاً، فزاد على من ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة وحدها حجاً، فكانت هذه زيادتا علم يذكرهما الآخرون، وزيادة حفظ ونقل على كلتي الطائفتين المتقدمتين، وزيادة العدل مقبولة وواجب الأخذ بها، لا سيما إذا روجع فيها فثبت عليها، ولم يرجع كما ثبت في (الصحيح) من حديث بكر عن أنس، رضي الله تعالى عنه، سمعت النبي ◌َّله، يلبي بالحج والعمرة. قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: أنس: ما يعدوننا إلاَّ صبياناً، سمعت رسول الله، عَّه، يقول: ((لبيك عمرة وحجاً). وفي لفظ جمع بينهما بين الحج والعمرة، وفي حديث يحيى بن أبي إسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد سمعوا أنساً قال: سمعت النبي عَّم أهل بهما: ((لبيك عمرة وحجاً». وسيأتي عند البخاري اختلاف علي وعثمان، رضي الله تعالى عنهما، وقول علي: ما كنت لأدع سنة النبي عَّهِ لقول أحد، ثم أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة، وعند مسلم من حديث عمران بن حصين أن رسول الله عَّله جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه. وعند أبي داود بسند صحيح عن البراء بن عازب عن علي، رضي الله تعالى عنهما: ((أن النبي عَِّ لما قدم من اليمن، قال: إنه قد سقت الهدي وقرنت))، وعن الصبي بن معبد بسند صحيح في حديث قال: «أهللت بالحج والعمرة، فقال لي عمر: هديت لسنة النبي عَّه؟ قالها مرتين))، رواه الطبراني في (الأوسط). قال الدارقطني في (العلل): هو حديث صحيح، وقال ابن عمر: جيد الإسناد رواه الثقات الأثبات عن أبي وائل عن الصبي عن عمر، ومنهم من يجعله عن أبي وائل عن عمر، رضي الله تعالى عنه، والأول مجود ورواته أحفظ. وعن أبي قتادة: ((إنما قرن رسول الله، عَّ له، بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها)). قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وفي (الاستذكار): روى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول بالكوفة: إنما جمع عَّه بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعدها، وعن سراقة بسند صالح عند أحمد، قال: ((قرن رسول الله، عَّله، في حجة الوداع. وعن أبي طلحة ((أن رسول الله، عَّه، جمع بين الحج والعمرة، رواه ابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطأة، وعند الترمذي محسناً عن جابر: أن رسول الله عَِّ قرن الحج والعمرة. وقال ابن حزم: صح عن عائشة وحفصة أمي المؤمنين أنه عَ لِّ كان قارناً؟ قلت: يريد بذلك ما رواه أبو ٢٥٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢٧) داود عن الربيع بن سليمان: أنبأنا محمد بن إدريس عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة أن النبي عَّ له قال لها: طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك. قال ابن حزم: فصح أنها كانت قارنة، وعند أحمد بسند جيد عن أم سلمة: سمعت رسول الله عَّ له يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج، وعند أبي داود من حديث خيوان أن معاوية قال للصحابة: هل تعلمون أن النبي عَّهُ نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: لا، وفي سنن الكجي: حدثنا سليمان بن داود حدثنا يحيى بن ضريس عن عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد قال: سمعت النبي عَّم على ناقته قال: لبيك حجة وعمرة، معاً. واعلم أن الطحاوي، رحمه الله، قد أخرج في تفضيل القرن، وأنه عَّامٍ كان قارناً من عشرة أنفس من الصحابة، وهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعمران بن حصين وأبو طلحة وسراقة بن مالك وعائشة وأم سلمة زوجي النبي عَّهِ. وأخرج عن أنس بعدة طرق. وفي الباب أيضاً عن أبي قتادة وجابر ومعاوية والهرماس بن زياد وأبي هريرة، والكل قد ذكرناه إلاَّ حديث عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن عباس، وحديث أبي هريرة. أما حديث عبد الله بن عمر، فأخرجه الطحاوي عن نافع عنه: إن ابن عمر خرج من المدينة إلى مكة مهلاً بالعمرة مخافة الحصر، ثم قال: ما شأنهما إلاَّ واحداً؟ أشهد كم أني أوجب إلى عمرتي هذه حجة. ثم قدم فطاف لهما طوافاً، وقال: هكذا فعل رسول الله عَ لّه، وأخرجه الشيخان مطولاً، ففيه دليل على تفضيل القران، وعلى أنه معَِّ كان قارناً، وذلك لأنه أضاف إلى عمرته حجة قبل أن يطوف لها، فهذا هو القران. ثم قال: هكذا فعل رسول الله عَّلَّهِ، أراد أنه، عَُّلِّ، كان قد قرن إلى عمرته حجاً. وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه الطحاوي أيضاً عن عكرمة عنه قال: اعتمر رسول الله عَِّ أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرته من العام القابل، وعمرته من الجعرانة، وعمرته مع حجته، وحج حجة واحدة. ورواه أبو داود أيضاً، وفي لفظه: والرابعة التي قرن مع حجته. وأخرجه الترمذي أيضاً، وفي لفظه نحوه. فإن قلت: كيف يقبل هذا عن عبد الله بن عمرو عن عبد الله ابن عباس وقد روي عن ابن عباس: أنه، عَّهِ، تمتع؟ وروي عن عبد الله بن عمر: أنه، عَ لَّه تمتع؟ قلت: قال الطحاوي: يجوز أن يكون رسول الله عَلَّهِ أحرم في بدء أمره بعمرة فمضى فيها متمتعاً بها، ثم أحرم بحجة قبل طوافه، فكان في بدء أمره متمتعاً، وفي آخره قارناً. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم عنه عن النبي، عَُّلِّ، أنه قال: ((والذي نفسي بيده، ليهلن ابن مريم عليهما السلام بفج الروحاء حاجاً أو معتمراً أو ليثنيهما)). وقال ابن حزم: ستة عشر من الثقات اتفقوا على أنس، رضي الله تعالى عنه، على أن لفظ النبي عَّ: كان إهلالاً بحجة وعمرة معاً، وصرحوا عن أنس أنه سمع ذلك منه عَ ◌ّهِ، وهم: بكر بن عبد الله المزني، وأبو قلابة، وحميد الطويل، وأبو قزعة، وثابت البناني، وحميد ٢٥٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٧) ابن هلال، ويحيى بن أبي إسحاق، وقتادة، وأبو أسماء، والحسن البصري، ومصعب بن الزبير ابن الزبرقان، وسالم بن أبي الجعد، وأبو قدامة، وزيد بن أسلم وعلي بن زيد. قلت: قد أخرجه الطحاوي عن تسعة منهم: أولهم: بكر بن عبد الله، وقد مر في أثناء كلام ابن حزم، وأخرجه مسلم: حدثنا شريح بن مسلم، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا حميد عن بكر عن أنس، قال: سمعت النبي عَّلم يلبي بالحج والعمرة جميعاً، الحديث. والثاني: أبو قلابة عن أنس، وهو حديث الباب. والثالث: حميد الطويل عن أنس، أخرجه الطحاوي وابن حبان في (صحيحه) عن أنس بن مالك، قال: سمعت النبي عَّم يقول: لبيك بعمرة وحجة. والرابع: أبو قزعة عن أنس أخرجه الطحاوي عنه عن أنس، قال: سمعت النبي عٍَّ يقول: لبيك بعمرة وحجة، وأخرجه ابن حزم نحوه. والخامس: ثابت البناني عن أنس، أخرجه الطحاوي والعدني في (مسنده) نحو حديث قزعة، والسادس: حميد بن هلال أخرجه الطحاوي والبزار عنه عن أنس، قال: كنت ردف أبي طلحة، وإن ركبته لتمس رسول الله عَّهِ وهو يلبي بالحج والعمرة. والسابع: يحيى بن أبي إسحاق أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه عن أنس، يقول: سمعت رسول الله عَّ له يقول: لبيك بعمرة وحجة معاً، وأخرجه ابن أبي شيبة نحوه، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه نحوه. والثامن: قتادة عنه عن أنس، أخرجه الطحاوي نحو حديث يحيى، وأخرجه البخاري. والتاسع: أبو أسماء عنه عن أنس، أخرجه الطحاوي أيضاً عن أنس، قال: خرجنا نصرح بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله عَ لله أن نجعلها عمرة، وقال: لو استقبلت من امرىء ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي وقرنت الحج والعمرة، وأخرجه أحمد نحوه، وأخرجه النسائي ولفظه: سمعت رسول الله عَّهِ يلبي بهما. والعاشر: الحسن البصري عنه عن أنس أخرجه البزار عنه عن أنس: أن النبي عَّهِ أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة ... الحديث. والحادي عشر: مصعب بن سليم عنه عن أنس أخرجه العدني في (مسنده): حدثنا وكيع عن مصعب بن سليم أنه سمع أنس بن مالك يقول: أهلَّ رسول الله عَّ له بحجة وعمرة. والثاني عشر: مصعب بن عبد الله عنه عن أنس أخرجه العدني أيضاً عنه عن أنس، قال: سمعت النبي عَّلّهِ يقول: لبيك بحجة وعمرة، أو: بعمرة وحجة معاً. والثالث عشر: سالم بن أبي الجعد عنه عن أنس أخرجه أحمد في (مسنده) عن أنس أنه يرفعه إلى النبي عَّهِ، أنه جمع بين العمرة والحج، فقال: لبيك بحجة وعمرة. والرابع عشر: الواقدي أبو قدامة، أخرجه أيضاً أحمد عنه عن أنس قال قلت لأنس: بأي شيء كان رسول الله عَّلَّهِ يهلّ؟ فقال: سمعته سبع مرار: بعمرة وحجة. والخامس عشر: زيد بن أسلم عنه عن أنس، أخرجه البزار في (مسنده) عنه: أن النبي عَّهِ أهلٌ بحج وعمرة. والسادس عشر: علي بن زيد، أخرجه البزار أيضاً عنه عن أنس أن النبي عَلِّ لبى بهما جميعاً. فقال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث من علمائنا وغيرهم، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقتصد مختصر، وأوسعهم نفساً في ذلك أبو جعفر الطحاوي الحنفي المصري، فإنه تكلم في ذلك على ألف ورقة، ٢٥٥ ٢٥ - کِتابُ الحَجّ / باب (٢٨) وتكلم في ذلك أيضاً معه أبو جعفر الطبري، وبعدهم أبو عبد الله بن أبي صفرة، وأخوه المهلب والقاضي أبو عبد الله ابن المرابط، والقاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي، والحافظ أبو عمر ابن عبد البر، وغيرهم. وأولى ما يقال في ذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم ما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث: إن النبي، عَّ له،: أباح للناس فعل هذه الثلاثة الأشياء لتدل على جواز جميعها، إذ لو أمر بواحد لكان غيره لا يجزىء، وإذا كان لم يحج سوى هذه الحجة فأضيف الكل إليه، وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبي عَّله إما لأمره بذلك، أو لتأويله عليه. انتهى. قلت: لا نزاع في جواز هذه الثلاثة، ولهذا قال الخطابي: جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأئمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهي عنه، ولكن النزاع أن: أي هذه الأشياء أفضل؟ وأن النبي عَّه على أي واحد من هذه حج؟ فقد دلت الأحاديث الصحيحة أن القران أفضل، وأنه عٍَّ كان قارناً، ولأن القارن يجمع بين النسكين في سفرة واحدة، ولا شك أن العبادتين أفضل من عبادة واحدة، وقد عمل به الأصحاب بعده عَ لَّه. وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) من حديث علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت أصحاب محمد، عَّهِ، يهلُّون بحجة وعمرة معاً. ومن فوائد حديث الباب: أن السنة في الإبل النحر، فلو ذبح كره، وأن السنة نحرها وهي قائمة، لأنه أمكن لنحرها، لأنه يطعن في لبتها وتكون معقولة اليد اليسرى. وقال ابن حبيب: وهو تفسير قوله تعالى: ﴿صواف﴾ [الحج: ٣٦]. وروى محمد عن مالك: لا يعقلها إلاَّ من خاف أن يضعف عنها، والأفضل أن يتولى نحرها بنفسه، كما فعل، عَّلّهِ، وقال هنا: بدنات، وقال ابن التين: وفي غير هذا الموضع إنها كانت سبعين بدنة. وفي (الموطأ) عن علي، رضي الله تعالى عنه: أنه، عَِّ، نحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره، وروي أن علياً نحر باقيها، ويقال: أهدى مائة بدنة فنحر ثلاثاً وستين بيده كل واحد عن سنة من عمره، وفيه: إشارة إلى قدر عمره، وأعطى علياً فنحر الباقي. قوله: ((وذبح بالمدينة كبشين أحدهما ذبحه عن أهل بيته والآخر عمن لم يضحّ من أمته)). قال أبُو عَبْدِ الله قال بَعْضُهُم لهذا عنْ أَيُّوبَ عنْ رَجُلٍ عنْ أَنَسٍ أبو عبد الله هو البخاري نفسه، قال بعضهم ... إلى آخره، هكذا وقع عند الكشميهني: قيل: المراد من البعض المبهم هو إسماعيل بن علية، وقيل: يحتمل أن يكون حماد بن سلمة. فقد أخرجه الإسماعيلي من طريقه عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس، فعرف أنه المبهم، وقد تابعه عبد الوهاب الثقفي على حديث ذبح الكبشين الأملحين عن أيوب عن أبي قلابة، كما سيأتي في الأضاحي إن شاء الله تعالى. ٢٨ - بابُ مَنْ أهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ راحِلَتْهُ أي: هذا باب في بيان من أهلَّ بالتلبية حين رفعته راحلته مستوياً على ظهرها. ١٤٥/ ١٥٥٢ _ حدَّثنا أبُو عاصِمٍ قال أخبرنا ابنُ مُجرَيْجِ قال أخبرني صالِحُ بنُ كَيْسَانَ ٢٥٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٩) عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما. قال أهلَّ النبيُّ عَلِّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً. [انظر الحديث ١٦٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة هي عين الحديث، وقد مر الكلام فيه قريباً، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز، وصالح بن كيسان أبو محمد أو أبو الحارث القاري مولاهم، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه. ٢٩ - بابُ الإِهلَاَلِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ أي: هذا باب في بيان الإهلال، وزاد المستملي: الغداة بذي الحليفة. ١٤٦ / ١٥٥٣ - وقال أَبُو مَغمرَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا أَيُّوبُ عنْ نَافِعِ قال كانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما إِذَا صَلَّى بِالغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةُ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ثُمّ رَكِبَ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةِ قائِماً ثُمَّ يُلَّي حَتَّى يَبْلُغَ الحِرَمَ ثُمَّ يُحْسِكُ حَتَّى إِذَا جاءَ ذَا طُوّى باتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ فإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ وزَعَمَ أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ فَعَلَ ذُلِكَ. [الحديث ١٥٥٣ - أطرافه في: ١٥٥٤، ١٥٧٣، ١٥٧٤]. مطابقته للترجمة قوله: ((فإذا استوت به استقبل القبلة)). وأبو معمر عبد الله بن عمرو ابن أبي الحجاج المنقري المقعد البصري، وعبد الوارث بن سعيد وأيوب السختياني، والكل قد ذكروا غير مرة. وهذا تعليق وصله أبو نعيم في (المستخرج) من طريق عباس الدوري عن أبي معمر، وقال: ذكره البخاري بلا رواية، ورواه مسلم في (صحيحه) عن أبي الربيع عن حماد عن أيوب. قوله: ((إذا صلى بالغداة))، أي: إذا صلى الصبح بوقت الغداة، وفي رواية الكشميهني: إذا صلى الغداة، أي: صلاة الغداة وهي الصبح. قوله: ((فرحلت))، بناء على المجهول بالتخفيف. قوله: ((قائماً)) نصب على الحال، أي: منتصباً غير مائل على ناقته، وقيل: وصفه بالقيام لقيام راحلته، وقيل: روي بلفظ: فإذا استوت به راحلته قائمة، وقال الداودي: أي استقبل القبلة قائماً في الصلاة. وفي السياق تقديم وتأخير، والتقدير: أمر راحلته فرحلت، ثم استقبل القبلة قائماً، أي: فصلى ثم ركب، ورد بأنه تعسف فلا حاجة إلى هذا التقدير لعدم ذكر صلاة الإحرام فيه، والاستقبال إنما وقع بعد الركوب، وقد رواه ابن ماجه وأبو عوانة في (صحيحه) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ: كان إذا أدخل رجله في الغرز فاستوت به ناقته قائمة أهلَّ. قوله:((ثم يمسك)) أي: عن التلبية، وليس المراد بالإمساك عن التلبية تركها أصلاً، وإنما المراد التشاغل بغيرها من الطواف وغيره، وقد روي أن ابن عمر كان لا يلبي في طوافه، كما رواه ابن خزيمة في (صحيحه) من طريق عطاء، قال: كان ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، يدع التلبية إذا دخل الحرم، ويراجعها بعدما يقضى طوافه بين الصفا والمروة. قوله: ((ثم يلبي حتى يبلغ الحرم))، أي: بعدما ركب راحلته يلبي ولا يقطعها حتى يبلغ الحرم. وقال الكرماني: فإن قلت: وقت الإمساك هو صبيحة يوم العيد في منى لا بلوغ ٢٥٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢٩) الحرم؟ قلت: ليس الغرض منه ههنا بيان وقت على الخصوص، فلهذا أجمل، أو أراد بالحرم منىّ أو كان ذلك عند التمتع، واعترض عليه بأنه يشكل عليه، قوله في رواية إسماعيل بن علية: ((إذا دخل أدنى الحرم)). قلت: إذا أريد بالحرم ظاهره لا يبقى الإشكال، وقال بعضهم: المراد بالإمساك ترك تكرار التلبية لا تركها أصلاً. قلت: مذهب ابن عمر أنه كان يتركها إذا دخل الحرم، ولا يفهم من ظاهر الكلام إلاَّ تركها، لا ترك تكرارها، لأن بين تركها وبين ترك تكرارها فرقاً، وتارك تكرارها لا يسمى تاركاً للتلبية. قوله: ((ثم يمسك حتى إذا جاء)) هي غاية لقوله: استقبل. وقال الكرماني: أو يكون المراد بالحرم هو المتبادر إلى الذهن، وهو أول جزء منه، يعني: يمسك فيما بين أوله وذي طوىّ، فحتى على هذا الوجه غاية لقوله: يمسك. قوله: ((ذا طوى))، منصوب لأنه مفعول جاء، وذي طوى، بضم الطاء وفتحها وكسرها، وقيدها الأصيلي بكسرها وبتخفيف الواو: وادٍ معروف بقرب مكة. وقال النووي: هو موضع عند باب مكة بأسفلها في صوب طريق العمرة المعتادة ومسجد عائشة، ويعرف اليوم بآبار الزاهدة، يصرف ولا يصرف، وقال أيضاً: إنه مقصور منون. وفي (التوضيح): و ربض من أرباض مكة، وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه والمد أيضاً، وقال السهيلي: وادٍ بمكة في أسفلها وذو طواء ممدوداً، وموضع بطريق الطائف. وقيل: ذو طوىّ لا: طوى. وفي كتاب (الأذواء): ذو طوى موضع بظاهر مكة به بثار يستحب لمن يدخل مكة أن يغتسل منها. قوله: ((بات به))، أي: بذي طوى أي: فيه. قوله: ((حتى يصبح)) أي: إلى أن يدخل في الصباح. قوله: ((فإذا صلى الغداة))، أي: صلاة الغداة وهي الصبح. قوله: ((اغتسل)) جواب: إذا، قوله: ((وزعم)) أي: قال، ويطلق الزعم على القول الصحيح، وسيأتي في: باب الاغتسال عند دخول مكة، فقال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن أيوب عن نافع: كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل ويحدث أن نبي الله عَر كان يفعل ذلك، وروى الحاكم من حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: اغتسل رسول الله، عَّه، ثم لبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم قعد على بعيره. فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج، وقال: صحيح الإسناد. ومما يستفاد من الحديث: استقبال القبلة عند الإهلال لاستقبال دعوة إبراهيم، عام، بمكة، فلذلك يلبي الداعي أبداً بعد أن يستقبل بالوجه، لأنه لا يصلح أن يولي المجيب ظهره من يدعوه ثم يلبيه، بل يستقبله في موضعه الذي دعي منه. وفيه: استحباب الإحرام عقيب الصلاة، وفي (التلويح): لا خلاف أن المبيت بذي طوى ودخول مكة نهاراً ليس من المناسك، لكن إن فعله اقتداء بالنبي، عَّه، وتبعاً لآثاره كان ثوابه في ذلك جزيلاً. وفي (شرح المهذب): لمن هي طريقه مستحب، ودخول مكة نهاراً أفضل من الليل، وهو الصحيح عند الأكثرين من الشافعية. وقال بعض الشافعية: هما سواء، فإن النبي عَ لِّ دخلها في عمرة الجعرانة ليلاً. قلت: هو المذكور في (الهداية) عن أبي حنيفة. وفيه: الاغتسال، عمدة القارىء / ج٩ / ١٧٢ ٢٥٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٢٩) وقال النووي: الاغتسال المذكور سنة، قال: فإن عجز عنه تيمم وتكون نيته في ذلك غسل دخول مكة. وقال في (مناسك الكرماني): هذا الغسل مستحب لكل أحد حتى الحائض والنفساء والصبي، وقال ابن حزم: لا يلزم الغسل فرضاً في الحج إلاَّ المرأة تهل بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت، فهذه تغتسل ولا بد، والمرأة تلد قبل أن تهلّ بالعمرة أو بالقران ففرض عليها أن تغتسل وتهلّ. وفي (الاستذكار): ما أعلم أحداً من المتقدمين أوجب الاغتسال عند الإحرام بالعمرة أو الحج إلاّ الحسن بن أبي الحسن، وقد روي عن عكرمة إيجابه كقول أهل الظاهر، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه. وقال أبو عمر: هو سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه لا يرخصون في تركه إلاَّ من عذر، وعن عبد الملك: هو لازم، إلاَّ أنه ليس في تركه ناسياً ولا عامداً دم ولا فدية. وقال ابن خوازمند: هو عند مالك أوكد من غسل الجمعة. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري: يجزيه الوضوء، وهو قول إبراهيم، وفي (سنن سعيد بن منصور): حدثنا جرير عن مغيرة قال: ذكر عن إبراهيم إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية ما دام يطوف بالبيت. فقال إبراهيم: لا، بل يلبي قبل الطواف وفي الطواف وبعد الطواف، ولا يقطعها حتى يرمي الجمرة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وداود، إلاَّ أن أبا حنيفة والشافعي قالا: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجمرة، وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى. وقال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم، وقال آخرون: لا يقطعها حتى يرى بيوت مكة. وقالت طائفة: حتى يدخل بيوت مكة، وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حتى يستلم الحجر، لما رواه أحمد عن هشيم: حدثنا حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: اعتمر رسول الله عَّلِ ثلاث عمر، كل ذلك في ذي القعدة، يلبي حتى يستلم الحجر. وقال الليث: إذا بلغ الكعبة قطع التلبية. وقال الشافعي: لا يقطعها حتى يفتتح الطواف، وقال مالك: من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم، فإن أحرم من الجعرانة أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة. أو إذا دخل المسجد. وروي عن ابن عباس: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الركن، وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مکة. تابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ عِنْ أَيُّوبَ فِي الغَسْلِ أي: تابع عبد الوارث إسماعيل بن علية عن أيوب السختياني في أمر الغسل، ووصل البخاري هذه المتابعة في: باب الاغتسال عند دخول مكة، على ما يأتي، إن شاء الله تعالى. ١٤٧ / ١٥٥٤ _ حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ قال حدَّثنا فُلَيْحٌ عنْ نَافِعِ قال كانَ ابنُّ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما إِذَا أُرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكّةً اذَهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَّائِحَةٌ طَيِّبَةٌ ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ راحِلتُهُ قائِمةٌ أَحْرَمَ ثُمَّ قالَ هُكَذَا رَأيْتُ النبيَّ عَلَّهِ يَفْعَلُ. [انظر الحديث ١٥٥٣ وطرفيه]. مطابقته للترجمة من حيث أنه داخل في ضمن الحديث السابق، وسليمان قد مر في: ٢٥٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٣٠) باب علامات المنافق، وفليح بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة: ابن سليمان، واسمه: حنين، وفليح لقبه غلب عليه، مر في أول كتاب العلم. فإن قلت: أليس هذا بتكرار؟ قلت: لا، وإنما أورده لزيادة فيه على الحديث السابق، وهو الإدهان، وإنما كان يدهن بغير الطيب ليمنع بذلك القمل والدواب، وكان يجتنب ما له رائحة طيبة صيانة للإحرام. ٣٠ - بابُ التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الَادِي أي: هذا باب في بيان التلبية إذا انحدر المحرم في الوادي، وقد ورد في الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود. ١٤٨ / ١٥٥٥ _ حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثني ابنُ أبي عَدِيّ عنِ ابنِ عَوْنٍ عنْ مُجَاهِدٍ قال كُنَّا عِنْدَ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما فذَكَرُوا الدَّجَالَ أَنَّهُ قَالَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ فقال ابنُ عَبَّاس لمْ أسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قال أمَّا مُوسى كانِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ في الوَادِي يُلَبِّى. [الحديث ١٥٥٥ - طرفاه في: ٣٣٥٥، ٥٩١٣]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إذا انحدر في الوادي يلبي)). ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: محمد بن المثنى بن عبيد، أبو موسى يعرف بالزمن العنبري. الثاني: محمد بن أبي عدي، بفتح العين المهملة وكسر الدال وتشديد الياء آخر الحروف: واسم أبي عدي: إبراهيم، مات سنة أربع وتسعين ومائة. الثالث: عبد الله بن عون، بفتح العين المهملة والنون، مر في: باب قول النبي عَّلّهِ: رب مبلّغ. الرابع: مجاهد. الخامس: عبد الله بن عباس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن الرواة الثلاثة بصریون وأن مجاهداً مکي. وفیه: إثنان مذ کوران بالإبن وواحد مجرد .. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن محمد بن المثنى، وفي أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن بيان ابن عمرو. وأخرجه مسلم في الإيمان عن محمد بن المثنى به. ذكر معناه: قوله: ((أنه)) بفتح الهمزة أي: أن الدجال. قوله: ((مكتوب بين عينيه: كافر)) في محل الرفع على أنه خبر: أن. وقوله: ((كافر)) مرفوع بقوله: مكتوب، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل. قوله: ((ولكنه قال)) أي: النبي عَّهِ. قوله: ((كأني أنظر إليه)) جواب: أما، والفاء فيه محذوفة، والأصل: فكأني، وهو حجة على النحاة حيث لم يجوزوا حذفها، كذا قالوا. قلت: يحتمل أن يكون حذف الفاء من الراوي. قوله: ((إذا انحدر))، كذا وقع في الأصول بكلمة إذا، وحكى عياض أن بعض العلماء أنكر إثبات الألف وغلط رواته، ٢٦٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٣١) وقال: وهو غلط منه إذ لا فرق بين إذا وإذ، هنا لأنه وصفه حالة انحداره فيما مضى. وقال المهلب: ذِكْرُ موسى، عليه السلام، هنا وهم من بعض رواته، لأنه لم يأتِ أثر ولا خبر أن موسى، عليه الصلاة والسلام، حي، وأنه سيحج وإنما أتي ذلك عن عيسى، عليه الصلاة والسلام، فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: ((ليهلن ابن مريم بفج الروحاء)) وأجيب عنه: بأنه سيأتي في اللباس بالإسناد المذكور وبزيادة: ذكر إبراهيم فيه: أفيقال إن الراوي غلط فيه فزاده؟ وقد روى مسلم هذا الحديث من طريق أبي العالية عن ابن عباس بلفظ: كأني أنظر إلى موسى هابطاً من التثنية واضعاً إصبعيه في أذنيه ماراً بهذا الوادي وله جؤار إلى الله بالتلبية. وكذلك جاء ذكر يونس في هذا الحديث، أفيقال إن الراوي الآخر غلط فيه؟ وقال الكرماني في الرد: أما من روى إذ انحدر، بلفظ: إذ للماضي فيصح موسى بأن يراه النبي عَ لّم في المنام أو يوحى إليه بذلك، وسلم الغلط في رواية إذا، لأنه إخبار عما يكون في المستقبل. قلت: لو اطلع الكرماني على حقيقة الحديث لما قسم هذا التقسيم، فلا يحتاج إلى هذا التكليف، لأن الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، أحياء عند ربهم يرزقون. فلا مانع أن يحجوا في هذه الحال كما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث أنس أنه عَّلَّهِ: رأى موسى قائماً في قبره يصلي. فإن قلت: ما الداعي إلى عبادتهم بعد الموت وموضع العبادة دار الدنيا؟ قلت: حببت إليهم العبادة فهم متعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم لا بما يلزمون به، وذلك كما يلهم أهل الجاهلية الذكر، ويؤيده أن أعمال الآخرة ذكر ودعاء. كقوله تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم ... ﴾ [يونس: ١٠]. الآية، ويجوز أن يكون مثلت لهم أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا كيف تعبدوا وكيف حجوا وكيف لبوا، ولهذا قال: كأني، ويحتمل أن يكون إخباره ذلك بالوحي عنه، ويحتمل أن يكون ذلك في المنام، ومنام الأنبياء وحي، وحديث مسلم المذكور حجة على المهلب، ورد لما قاله وقال الكرماني: المناسب لذكر الدجال ذكر عيسى، عليه الصلاة والسلام، قلت: قال ذلك بالنظر إلى أن عيسى، عليه الصلاة والسلام، هو الذي يقتل الدجال، ولو كان له اطلاع على الحديث المذكور لما ادعى هذه المناسبة. ٣١ - بابٌ كَيْفَ تُهِلُ الحَائِضُ والنُّفَسَاءُ أي: هذا باب في بيان كيفية إهلال الحائض والنفساء، والمراد بالإهلال الإحرام. أهَلَّ تَكَلَّمَ بِهِ وَاسْتَهْلَلْنَا وَأهْلَلْنَا الهِلاَلَ كُلّهُ مِنَ الظَّهُورِ وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ وما أُهِلَّ لِغِيرِ الله وَهْوَ مِنِ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ جرى البخاري على دأبه أنه إذا رأى مادة من الكلام تستعمل في معانٍ كثيرة مما جاء في الكتاب أو في السنة يذكر ذلك ويبينه، وذكر أشياء منها، قوله: ((أهلَّ: تكلم به)) يعني: إذا تكلم أظهر ما في قلبه. ومنها قوله: ((استهللنا وأهللنا الهلال))، يعني: طلبنا ظهوره، ويقال: أهل الهلال واستهل، على ما لم يسم فاعله، ويقال أيضاً: استهل على صيغة المعلوم، ومعناه: