Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (٧) عبد الله بن طاوس، يروي عن أبيه طاوس اليماني. أخرجه البخاري أيضاً عن معلى بن أسد، ومسلم بن إبراهيم فرقهم، وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه النسائي فيه عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وعن يعقوب بن إبراهيم. ذكر معناه: قوله: ((وقَّت)) أي: عين وقت، من التوقيت، وهو التعيين وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، وقال عياض: وقت أي حدد، وقد يكون بمعنى: أوجب، ويؤيده الرواية الماضية بلفظ: فرض. قوله: ((قرن المنازل))، قد ذكرنا تفسير القرن في: باب فرض مواقيت الحج، وكذلك ذكرنا تفسير ذي الحليفة والجحفة، وهناك ذكر لفظ: القرن، فقط وههنا ذكر بلفظ: قرن المنازل، وهو جمع منزل. قال الكرماني: والمركب الإضافي هو اسم المكان، وقد يقتصر على لفظ المضاف، كما في الحديث المتقدم. قلت: النكتة في ذكره هنا بهذه اللفظة هي أن المكان الذي يسمى القرن موضعان أحدهما في هبوط، وهو الذي يقال له: قرن المنازل، والآخر في صعود وهو الذي يقال له: قرن الثعالب، والمعروف الأول. وذكر في (أخبار مكة) للفاكهي: أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منىٌ، بينه وبين مسجد منىّ ألف وخمسمائة ذراع. وقيل له: قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت، وقد وقع ذكره في حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، في إتيان النبي عَّهِ الطائف يدعوهم إلى الإسلام وردهم عليه. قال: فلم أستفق إلاَّ وأنا بقرن الثعالب ... الحديث، ذكره ابن إسحاق في (السيرة النبوية). قوله: ((ويلملم) بفتح الياء آخر الحروف وباللاَّمين وسكون الميم الأولى، غير منصرف. وقال عياض: ويقال: ألملم، وهو الأصل والياء بدل منه، وهي على ميلين من مكة، وهو جبل من جبال تهامة. وقال ابن حزم: هو جنوب مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلاً. وفي (المحكم): يلملم وألملم جبل. وقال البكري: أهله كنانة وتنحدر أوديته إلى البحر وهو في طريق اليمن إلى مكة. وهو من كبار جبال تهامة. وقال الزمخشري: هو وادٍ به مسجد رسول الله وبه عسكرت هوازن يوم حنين. فإن قلت: ما وزنه؟ قلت: فعمعل: كصمحمح، وليس هو من: لملمت، لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة في أولها إلاَّ في الأسماء الجارية على أفعالها. نحو: مدحرج. قلت: فعلى هذا الميم الأولى واللام الثانية زائدتان؟ ولهذا قال الجوهري في: باب الميم وفصل الياء: يلم، ثم قال: يلملم لغة في ألملم، وهو ميقات أهل اليمن. وحكى ابن سيده فيه: يرمرم، براءين بدل اللأَّمين، وقد جمع واحد مواقيت الإحرام بنظم، وهو قوله: قل: ذاتُ عرقٍ كلُّها ميقات قرن يلملمُ ذو الحليفة جحفةٌ نجدّ تهامةُ والمدينةُ مغربٌ شرقٌ وهن إلى الهدى مرقاة قوله: ((هن لهن)) أي: هذه المواقيت لهذه البلاد، والمراد أهلها. وكان الأصل أن ٢٠٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧) يقال: هن لهم، لأن المراد الأهل، وقد ورد ذلك في بعض الروايات في (الصحيح). وقال القرطبي: هن، ضمير جماعة مؤنث العاقل في الأصل، وقد يعاد على ما لا يعقل، وأكثر ذلك في العشرة فما دونها، فإذا جاوزها قالوه بهاء المؤنث، كما قال الله تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً﴾ [التوبة: ٣٦]. ثم قال: ﴿منها أربعة حرم﴾ [التوبة: ٣٦]. أي: من الإثني عشر، ثم قال: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ [التوبة: ٣٦]. أي: في هذه الأربعة، وقد قيل: في الجميع، وهو ضعيف شاذ. قوله: ((ولمن أتى عليهن))، أي: على هذه المواقيت ((من غيرهن)) أي: من غير أهلهن، مثلاً إذا أتى الشامي إلى ذي الحليفة، يكون مهلّه ذا الحليفة، وكذا الباقي نحوه. قوله: ((ومن كان دون ذلك)) يعني من كان بين الميقات ومكة. قوله: ((فمن حيث أنشأ))، الغاء جواب الشرط أي: فمهله من حيث قصد الذهاب إلى مكة، يعني يهل من ذلك الموضع. قوله: ((حتى أهل مكة من مكة)) يعني: إذا قصد المكي الحج فمهلَّه من مكة، وأما إذا قصد العمرة فمهلُّه من الحل لقضية عائشة، رضي الله تعالى عنها، حين أرسلها النبي عَّله مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتحرم منه. فإن قلت: قوله: ((حتى أهل مكة من مكة)) أعم من أن يكون المكي قاصداً للحج والعمرة، ولهذا ترجم البخاري بقوله: باب مهلَّ أهل مكة للحج والعمرة. قلت: قضية عائشة، رضي الله تعالى عنها، تخصص هذا! ولكن الظاهر أن البخاري نظر إلى عموم اللفظ حتى ترجم بهذه الترجمة. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن هذه المواقيت المذكورة لأهل هذه البلاد، واختلفوا هل الأفضل التزام الحج منهن. أو من منزله، فقال مالك وأحمد وإسحاق: إحرامه من المواقيت أفضل، واحتجوا بحديث الباب وشبهه. وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وآخرون: الإحرام من المواقيت رخصة، واعتمدوا في ذلك على فعل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فإنهم أحرموا من قبل المواقيت، وهم ابن عباس وابن مسعود وابنٍ عمر وغيرهم، قالوا: وهم أعرف بالسنة، وأصول أهل الظاهر تقتضي أنه لا يجوز الإحرام إلاَّ من الميقات إلاَّ أن يصح إجماع على خلافه. قال أبو عمر: كره مالك أن يحرم أحد قبل الميقات، وروي عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات. وفي تعليق للبخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان، وكره الحسن وعطاء بن أبي رباح الإحرام من الموضع البعيد، وقال ابن بزيزة: في هذا ثلاثة أقوال: منهم من جوزه مطلقاً، ومنهم من كرهه مطلقاً، ومنهم من أجازه في البعيد دون القريب. وقال الشافعي وأبو حنيفة الإحرام من قبل هذه المواقيت أفضل لمن قوي على ذلك، وقد صح أن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمران بن حصين وابن عباس وابن عمر أحرموا من المواضع البعيدة، وعند ابن أبي شيبة أن عثمان بن العاص أحرم من المنجشانية، وهي قرية من البصرة، وعن ابن سيرين أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن ومسلم بن يسار من الدارات، وأحرم أبو مسعود من السيلحين. وعن أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، سمعت رسول الله عَّالله يقول: من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له، وفي ٢٠٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٨) رواية أبي داود: من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة. شك عبد الله أيتهما قال. قلت: عبد الله هو ابن عبد الرحمن أحد رواة الحديث، وقال أبو داود: يرحم الله وكيعاً، أحرم من بيت المقدس، يعني: إلى مكة، وأحرم ابن سيرين مع أنس من العقيق ومعاذ من الشام ومعه كعب الحبر، وقال ابن حزم: ولا يحل لأحد أن يحرم بالحج أو بالعمرة قبل المواقيت، فإن أحرم أحد قبلها وهو يمر عليها فلا إحرام له ولا حج، ولا عمرة له إلاَّ أن ينوي إذا صار في الميقات تحديد إحرام، فذلك جائز، وإحرامه حينئذ تام. وفيه: من أتى على ميقات من المواقيت لا يتجاوز غير محرم عند أبي حنيفة سواء قصد دخول مكة أو لم يقصد. وقال القرطبي: أما من مر على الميقات قاصداً دخول مكة من غير نسك، وكان ممن لا يتكرر دخوله إليها، فهل يلزمه دم أو لا؟ اختلف فيه أصحابنا، وظاهر الحديث أنه إنما يلزم الإحرام من أراد مكة لأحد النسكين، خاصة وهو مذهب الزهري وأبي مصعب في آخرين، وقال ابن قدامة: أما المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك فعلى قمسين: أحدهما: لا يريد دخول مكة بل يريد حاجة فيما سواها، فهذا لا يلزمه الإحرام بلا خلاف، ولا شيء عليه في تركه الإحرام لأنه عَّللهِ أتى بدراً مرتين ولم يحرم، ولا أحد من أصحابه، ثم بدأ لهذا الإحرام وتجدد له العزم عليه أن يحرم من موضعه، ولا شيء عليه، هذا ظاهر كلام الحرقي، وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة، وحكى ابن المنذر عن أحمد في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج، فجاوز ذا الحليفة ثم أراد الحج يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم؟ وبه قال إسحاق. القسم الثاني: من يريد دخول الحرم إما إلى مكة أو غيرها، فهم على ثلاثة أضرب: أحدها من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو الحاجة متكررة كالحشاش والحطاب وناقل الميرة، ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها، فهؤلاء لا إحرام عليهم لأن النبي عَِّ دخل يوم فتح مكة حلالاً وعلى رأسه المغفر، وكذا أصحابه، ولا نعلم أن أحداً منهم أحرم يومئذ، ولو وجب الإحرام على من يتكرر دخولها أفضى إلى أن يكون جميع زمنه محرماً، وبهذا قال الشافعي. ٨ - بابُ ميقَاتِ أهْلِ المَدِينَةِ وَلا يُهِلُّونَ قَبْلَ ذِي الحَلَيْفَةِ أي: هذا باب في بيان ميقات أهل المدينة. قوله: ((ولا يهلوا)) يجوز أن يقدر فيه: أن، الناصبة فيكون التقدير: وأن لا يهلوا، وتكون الجملة معطوفة على ما قبلها، والتقدير: وفي بيان أن لا يهلوا قبل ذي الحليفة، والضمير الذي فيه يرجع إلى أهل المدينة، فإذا كان أهل المدينة ليس لهم أن يهلوا قبل ذي الحليفة، فكذلك من يأتي إليها من غير أهلها، ليس لهم أن يهلُّوا قبلها، فهذه العبارة تشير إلى أن البخاري ممن لا يرى تقديم الإهلال قبل المواقيت. ١٢٢/ ١٥٢٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن نافِعِ عنْ عَبْدِ الله بنٍ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسول الله عَ لِ قال يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ وَأَهْلُ ٢٠٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٩) الشَّأْمِ مِن الجُخْفَةِ وِأهْلُ نَجْدٍ منْ قَوْنٍ. قال عَبْدُ اللهِ وبِلَغَنِي أَنَّ رسولَ الله عَ لَله قال ويُهِلُ أهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ. [انظر الحديث ١٣٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((يهل أهل المدينة من ذي الحليفة))، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وتفسير ألفاظه قد مر عن قريب. قوله: ((قال عبد الله)) هو ابن عمر. قوله: ((وبلغني))، ورواية سالم عنه بلفظ: ((زعموا أن النبي عَِّ قال ولم أسمعه))، وتقدم في العلم من وجه آخر بلفظ: ((لم ألقه هذه من النبي عَّل))، ومع هذا هو ثبت من حديث ابن عباس، كما ذكر في الباب الذي قبله، ومن حديث جابر وعائشة والحارث بن عمرو السهمي. وأما حديث جابر فرواه مسلم من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهل؟ فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبي ێِ، فقال: مهلُّ المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر: الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهلّ أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن يلملم. وأما حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، فرواه النسائي من رواية القاسم عنها، قالت: ((وقت النبي عَّم لأهل المدينة من ذي الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل اليمن يلملم. وأما حديث الحارث بن عمرو فرواه أبو داود عنه، قال: أتيت النبي عَّةٍ وهو بمنىّ أو عرفات ... الحديث. وفيه: وقّت ذات عرق لأهل العراق. وفيه: البلاغ، هل هو حجة أو هو من قبيل المجهول؟ لأن راويه غير معلوم، فالذي قاله أهل الفن: إنه لا يقدح به لأن الظاهر أنه لا يرويه إلاَّ عن صحابي آخر، والصحابة كلهم عدول. فإن قلت: قالوا: عمر بن الخطاب هو الذي وقت لأهل العراق ذات عرق، لأن العراق في زمانه افتتحت، ولم تكن العراق في عهده مَِّ. قلت: هذا تغفل، بل الذي وقّت لأهل العراق ذات عرق، هو رسول الله عَّ كما صرح به في رواية أبي داود المذكورة آنفاً، وكذلك وقت لأهل الشام ومصر الجحفة، ولم تكونا افتتحتا في زمنه عَّ له، وذلك لأنه عَّم علم أن سيفتح الله تعالى على أمته الشام ومصر والعراق وغيرها من الأقاليم، ويؤيد ذلك قوله، عَّله، منعت العراق دينارها ودرهمها، ومنعت الشام إردبَّها بمعنى: ستمنع، وذات عرق ثنية أو هضبة؟ بينها وبين مكة يومان وبعض يوم، والله تعالى أعلم. ٩ - بابُ مُهَلْ أهْلِ الشَّامِ أي: هذا باب في بيان مهلَّ أهل الشام. ١٥٢٦/١٢٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عنْ طَاؤُسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال وَقَّتَ رسولُ اللهِعَ لَّهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الحَلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ ولِأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ فَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كانَ يُرِيدُ الحجَّ وَالعُمْرَةِ فَمَنْ كانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلَّهُ مِنْ أَهْلِهِ وكذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. [انظر ٢٠٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (١٠) الحديث ١٥٢٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: لأهل الشام: الجحفة، والحديث مر عن قريب، وحماد هو: ابن زيد. قوله: ((دونهن)) أي: أقرب إلى مكة. قوله: ((فمهله))، بضم الميم أي: مكان إحرامه من دويرات أهله. قوله: ((وكذلك))، ويروى: وكذاك أي: وكذا من كان أقرب من هذا الأقرب، حتى إن أهل مكة يكون مهلهم من مكة. ١٠ - بابُ مُهَلِ أهْلِ نَجْدٍ أي: هذا باب في بيان موضع إهلال أهل نجد. ١٣٤ / ١٥٢٧ - حدَّثنا عَلِيٍّ قال حدَّثنا سُفْيَانُ حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ عنْ أَبِيهِ وَقَّتَ النبيُّ عَّهِ. [انظر الحديث ١٣٣]. تكرار تراجم هذا الباب والذي قبله والذي بعده مع تكرير حديث ابن عمر وحديث ابن عباس لاختلاف مشايخه واختلاف الطرق في حديثهما وفي بعض المتون كما تراه وأورد حديث ابن عمر هنا من طريقين أحدهما هذا عن علي بن عبد الله المعروف بابن المديني عن سفيان بن عيينة عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر، والآخر: عن أحمد حيث يقول: ... / ١٥٢٨ - حدَّثنا أحمَدُ قال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ بنِ عَبْدِ الله عن أبيهِ رضي الله تعالى عنهُ. قال سَمِعتُ رسولَ الله عَُّلِ يَقُولُ مُهَلُ أهْلِ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ وَمُهَلُ أهْلِ الشَّأْمِ مَهْيَعَةُ وَهْيَ الجُحْفَةُ وأَهْلُ نَجْدٍ قَوْنٌ. قال ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما زَعَمُوا أنَّ النبيَّ عَ لِ قال ولَمْ أَسْمَعْهُ وَمُهَلُ أَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ. [انظر الحديث ١٣٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: وأهل نجد قرن، وأحمد هو أحمد بن عيسى التستري. قال الجياني: كذا نسبه أبو ذر، وفي هذا الموضوع - يعني: صرح به بأنه ابن عيسى، وقال الكلاباذي: قال لي أبو أحمد محمد بن محمد بن إسحاق الحافظ أحمد عن ابن وهب في (جامع البخاري): هو ابن أخي ابن وهب. وقال أبو عبد الله الحاكم: هذا وهم وغلط. وقال الكلاباذي: قال لي أبو عبد الله ابن منده كلما قال البخاري في (الجامع): حدثنا أحمد عن ابن وهب فهو ابن صالح، ولم يخرج، هو ابن أخي ابن وهب في (الصحيح) شيئاً، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه. قوله: ((ابن وهب)) هو عبد الله بن وهب المصري، و((يونس)) هو ابن يزيد الأيلي، و((ابن شهاب))، هو محمد بن مسلم الزهري. قوله: ((مهل))، بضم الميم وسكون الهاء وفتح الياء آخر الحروف وبالعين المهملة. وقيل: بكسر الهاء، والصحيح المشهور هو الأول، وقد فسرها بقوله: وهو الجحفة، ومهيعة تسمية النبي عَ ◌ّه. إياها. قوله: ((وأهل نجد قرن))، أي: ومهلّ أهل نجد قرن المنازل. قوله: ((زعموا)) أي: قالوا، ٢٠٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١١) والزعم يستعمل بمعنى القول المحقق. قوله: ((ولم أسمعه))، جملة معترضة بين قوله: قال ومقوله، على النسخة التي فيها لفظ قال بعد قوله: ولم أسمعه، وأما على النسخة التي عندنا فهي جملة حالية فافهم. والفرق بين الجملة المعترضة والجملة الحالية أن الجملة المعترضة لا محل لها من الإعراب، والجملة الحالية محلها النصب على الحال. ١١ - بابُ مُهَلِّ مَنْ كانَ دُونَ المَوَاقِيتِ أي: هذا باب في بيان مهل، أي: موضع إهلال من كان دون المواقيت، أراد من كان وطنه بين المواقيت ومكة. ١٥٢٩/١٢٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ عَمْرٍو عنْ طاؤُسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَّهِ وقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ولِأَهْلِ الشَّامِ الجُخْفَةَ ولِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ ولِأَهْلِ نَجْد قَزْناً فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ مَمَّنْ كانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَمَنْ كانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ حَتَّى إِنَّ أهْلَ مَكّةَ يُهِلُونَ مِنْهَا. [انظر الحديث ١٥٢٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((فمن كان دونهن))، وحماد، هو ابن زيد وعمرو هو ابن دينار، وقد مر الكلام فيه مستوفى. ١٢ - بابُ مُهَلْ أهْلِ الیَمَنِ أي: هذا باب في بیان موضع إهلال أهل اليمن. ١٢٦ / ١٥٣٠ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قال حدَّثنَا ؤُهَيْبٌ عنْ عَبْدِ الله بن طاؤُسٍٍ عنْ أَبِيهِ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشأمِ الجُحْفَةَ وَلِأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلَ وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ لَهُنَّ وِلِكُلِّ آتٍ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَمَنْ كانَ دُوَنَ ذُلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكّةَ. [انظر الحديث ١٥٢٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولأهل اليمن يلملم)) قوله: ((من غيرهم)) ويروى: من غيرهن، وكذا وقع في رواية أبي داود. قوله: ((حتى أهل مكة))، يجوز في لفظ: أهل، الجر لأن: حتى، تكون حرفاً جاراً بمنزلة: إلى، ويجوز فيه الرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره: حتى أهل مكة يهلون من مكة، كما في قولك: جاء القوم حتى المشاة، أي: حتى المشاة جاؤوا. ١٣ - بابٌ ذَاتَ عِزْقٍ لأَهلِ العِرَاقِ يجوز في: باب، الإضافة والقطع. أما الأول: فتقديره: هذا باب في بيان أن ذات عرق مهل أهل العراق، وأما تقدير الثاني: هذا باب يذكر فيه ذات عرق لأهل العراق، وذات عرق ٢٠٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (١٣) بكسر العين، وقد فسرناها في: باب ميقات أهل المدينة، سمي بذلك لأن فيه عرقاً، وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء. وقال الكرماني في مناسكه: ذات عرق أول بلاد تهامة ودونها بميلين ونصف مسجد رسول الله عَّ له، وهي لبني هلال بن عامر بن صعصعة، وبها بركة تعرف بقصر الوصيف، وبها من الآبار الكبار ثلاثة آبار وآبار صغار كثيرون وبقربه قبر أبي رغال، وبالقرب منها بستان منه إلى مكة ثمانية عشر ميلاً. وفي (الموعب) لابن التياني: العراق الذي يجعل على ملتقى طرفي الجلد إذا خرز في أسفل القربة، وبه سمي العراق لأنه بين البر والريف، وقال الجوهري: العراق بلاد تذكر وتؤنث، ويقال: هو فارسي معرب، وزعم ابن حوقل في (كتاب البلدان) تأليفه: أن حد العراق من تكريت إلى عبادان، وعرضه من القادسية إلى الكوفة وبغداد إلى حلوان، وعرضه بنواحي واسط من سواد واسط إلى قريب الطيب، وبنواحي البصرة من البصرة إلى حدود جيء، والذي يطيف بحدوده من تكريت فيما يلي المشرق حتى يجوز بحدوده شهر زور، ثم يمر على حدود حلوان وحدود السيروان والضميرة والطيب والسوس حتى ينتهي إلى حدود جيء، ثم إلى البحر فيكون في هذا الحد من تكريت إلى البحر تقويس، ويرجع على حد الغرب من وراء البصرة في البادية على سواد البصرة وبطائحها إلى واسط، ثم على سواد الكوفة وبطائحها إلى الكوفة، ثم على ظهر الفرات إلى الأنبار ثم من الأنبار إلى حد تكريت بين دجلة والفرات من هذا الحد من البحر على الأنبار إلى تكريت تقويس أيضاً، فهذا المحيط بحدود العراق، وهو من تكريت إلى البحر مما يلي المشرق على تقويسه نحو شهر، ومن البحر راجعاً في حد المغرب على تقويسه إلى تكريت إلى البحر بنحو شهر أيضاً، وعرضه على ما سمعت بغداد من حلوان إلى القادسية إحدى عشرة مرحلة، وعلى قسمه سر من رأى من دجلة إلى شهر زور والجبل نحو خمس مراحل، والعرض بواسط إلى نواحي خورستان نحو أربع مراحل. ١٥٣١/١٢٧ _ حدَّثني عَلِيُّ بنُ مُسلِمٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ ثُمَيْرٍ قال حدثنا عُبَيْدُ الله عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما. قال لَمَّا فُتِحَ لهذانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَّرَ فقالُوا يا أمِيْرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رسولَ الله عَلَّهِ حَدَّ لِأهْلِ نَجْدٍ قَزْناً وَهْوَ جَوْرٌ عنْ طَرِيقِنَا وإنَّا أُرَدْنَا قَرْناً شَقَّ عليْنَا قال فانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. مطابقته للترجمة في قوله: فحد لهم ذات عرق. ذكر رجاله: وهم: ستة: الأول: علي بن مسلم، بلفظ إسم الفاعل من الإسلام: ابن سعيد أبو الحسن، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين. الثاني: عبد الله بن نمير، بضم النون وفتح الميم، مصغر نمر، مر في أول: باب التيمم. الثالث: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أبو عثمان القرشي العدوي. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر بن الخطاب. السادس: عمر بن الخطاب أمير ٢٠٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٣) المؤمنين. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد وبصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه طوسي سكن بغداد وعبد الله بن نمير كوفي وعبيد الله ونافع مدنيان . .. ذكر معناه: قوله: ((لما فتح هذان المصران)) فتح في رواية الأكثرين بضم الفاء على بناءٍ ما لم يسم فاعله، وفي رواية الكشميهني بفتح الفاء على البناء للفاعل، وهذين المصرين، مفعوله، وطوى ذكر الفاعل للعلم به، والتقدير: لما فتح الله هذين المصرين، وكذا ثبت في رواية أبي نعيم في (المستخرج)، وبه جزم القاضي عياض. وقال ابن مالك: تنازع فيه الفعلان، وهما: فتح وأتوا، وأعمل الثاني. والمصران تثنية مصر، وأراد بهما: البصرة والكوفة. فإن قلت: هما من تمصير المسلمين، وبنيتا في أيام عمر بن الخطاب في سنة سبع عشرة، وكيف يقال لما فتح هذان المصران؟ قلت: المراد بفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما، وبين البصرة والكوفة ثمانون فرسخاً، وليس فيها مزدرع على المطر أصلا لكثرة أنهارها، والكوفة على ذراع من الفرات خارج جانبي الفرات وغربيها. قوله: ((وهو جور»، بفتح الجيم وسكون الواو وفي آخره راء أي: ميل، والجور: الميل عن القصد. قوله: ((فانظروا حذوها)) بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح الواو، بمعنى: الحذاء، والمعنى اعتبروا ما يقابل من الأرض التي تسلكونها من غير ميل فاجعلوها ميقاتاً. قوله: ((فحد لهم)) أي: حد ذات عرق لهم أي لهؤلاء الذين سألوا. ذكر ما يستفاد منه: احتج به طاوس وابن سيرين وجابر بن زيد على أن أهل العراق لا وقت لهم كوقت سائر البلدان، وإنما يهلون من الميقات الذي يأتون عليه من المواقيت المذكورة. وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر حديث ابن عمر، واختلفوا فيما يفعل من مر بذات عرق، فثبت أن عمر، رضي الله تعالى عنه، وقته لأهل العراق ولا يثبت فيه شيء عن النبي عَّ له. قلت: والصحيح الذي عليه الإثبات أن النبي عَ لَّه هو الذي وقته على حسب ما علمه بالوحي من فتح البلدان والأقطار لأمته، وقد قال عَ لَّه: (زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها)). وقال جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهمٍ وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إن ميقات أهل العراق ذات عرق، إلاّ أن الشافعي استحب أن يحرم العراقي من العقيق الذي بحذاء ذات عرق، وقال في (الأم): لم يثبت عن النبي عَّمِ أنه حد ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس، وهذا يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصاً عليه. وبه قطع الغزالي والرافعي في (شرح المسند) والنووي في (الشرح الصغير) والنووي في (شرح المهذب): أنه منصوص عليه، واحتجوا على ذلك بما رواه الطحاوي: حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: حدثنا خالد بن يزيد وهشام بن بهرام المدائني، قالا: حدثنا المعافي بن عمران عن أفلح بن حميد عن القاسم عن عائشة: أن النبي عَّه وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ٢٠٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (١٤) ولأهل اليمن يلملم. وأخرجه النسائي: أخبرنا عمرو بن منصور، قال: حدثنا هشام بن بهرام إلى آخره، وبحديث جابر أخرجه مسلم، وفيه: مهلَّ أهل العراق ذات عرق، وأخرجه الطحاوي أيضاً ولفظه: ولأهل العراق ذات عرق. وأخرج الطحاوي أيضاً من حديث أنس بن . مالك أنه سمع رسول الله عَّةٍ وَقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل البصرة ذات عرق، ولأهل المدائن العقيق. وأخرجه الطبراني أيضاً، ثم قال الطحاوي: فقد ثبت عن رسول الله عَّلَه بهذه الآثار من وقت أهل العراق، كما ثبت من وقت من سواهم. وقال ابن المنذر: اختلفوا في المكان الذي يحرم من أتى من العراق على ذات عرق، فكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذلك الشافعي، وكان مالك وإسحاق وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق. وقال أبو بكر: الإحرام من ذات عرق يجزىء، وهو من العقيق أحوط. وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، وروي ذلك عن حصيف والقاسم بن عبد الرحمن، والعقيق، بفتح العين المهملة وكسر القاف. وقال البكري: على وزن فعيل: عقيقان، عقيق بني عقيل على مقربة من عقيق المدينة الذي بقرب البقيع على ليلتين من المدينة. وقال ياقوت: العقيق عشرة مواضع، وعقيقا المدينة أشهرها وأكثر ما يذكر في الأشعار فإياهما، وقال الحسن بن محمد المهلبي: بين العقيق والمدينة أربعة أميال، وعن الأصمعي: الأعقة الأودية. وفي (التلويح): حدثنا عبد الله بن عروة حدثنا زهير بن محمد العابد حدثني أبو عاصم عن سفيان عن يزيد عن محمد بن علي عن ابن عباس: أن رسول الله عَّله وقَّتَ لأهل العراق بطن العقيق. قال أبو منصور: أراد العقيق الذي بحذاء ذات عرق. ١٤ - بابٌ أي: هذا باب، وأراد به الفصل كما جرت به عادة المصنفين، يذكرون باباً ثم يذكرون فيه: فصل، أي: هذا فصل، وإنما يفعلون هكذا لتعلق المسألة المذكورة بما قبله، وههنا كذلك لأنه ذكر فيه: أنه عَِّ صلى بالبطحاء بذي الحليفة، وهذا له تعلق بالإحرام من حيث إن الصلاة بركعتين عند إرادة الإحرام مستحبة. وقال بعضهم: وقد ترجم عليه بعض الشارحين: باب نزول البطحاء والصلاة بذي الحليفة. قلت: أراد ببعض الشارحين صاحب (التوضيح) وحكى قطب الدين الحلبي أنه في بعض النسخ، قال: وسقط في نسخة سماعنا لفظ: باب، وفي (شرح ابن بطال): الصلاة بذي الحليفة. ١٥٣٢/١٢٨ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن نافِع عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَّلِ أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا وكانَ عَبْدُ الله بنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَفْعَلُ ذُلِكَ. [انظر الحديث ٤٨٤ وطرفيه]. رجاله قد ذكروا غير مرة، وأخرجه مسلم أيضاً في الحج عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين: عمدة القاريء / ج٩ / م١٤ ٢١٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٥) كلاهما عن أبي القاسم وعن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب الكل عن مالك. قوله: ((أناخ))، بالنون والخاء المعجمة، أي: أبرك بعيره، والمعنى: أنه نزل بالبطحاء الذي بذي الحليفة، وإنما قيد بهذا لأن في مكة أيضاً بطحاء، وبذي قار أيضاً بطحاء، وبطحاء أزهر، فهذه أربعة، وبطحاء أزهر نزل به، عَّه، في بعض غزواته وبه مسجد، وهذه البطحاء المذكورة هنا يعرفها أهل المدينة بالمعرس، وأناخ بها، عَّلَه، في رجوعه من مكة إلى المدينة. وقال بعضهم: نزوله، عَّ، فيهما يحتمل أن يكون في الذهاب، وهو الظاهر من تصرف المصنف، ويحتمل أن يكون في الرجوع، ويؤيده حديث ابن عمر الذي بعده بلفظ: وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى أصبح، ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهاباً وإياباً. انتهى. قلت: قوله: وهو الظاهر، غير ظاهر، بل الظاهر أنه كان يصلي في رجوعه لأنه عَّليّ أري في النوم وهو معرس في هذه البطحاء أنه قيل له: إنك ببطحاء مباركة، فلذلك كان النبي عَ لِّ يصلي فيها تبركاً بها. ويجعلها عند رجوعه من مكة موضع مبيته ليبكر منها إلى المدينة ويدخلها في صدر النهار، وتتقدم أخبار القادمين على أهليهم فتتهيأ المرأة، وهو في معنى كراهية الطروق ليلاً من السفر، ثم هذه الصلاة ليست الصلاة التي تصلى وقت الإحرام، لأن الذي يصلي وقت الإحرام سنة، وهذه الصلاة مستحبة. وقال ابن عبد البر: وهذا عن مالك وغيره من أهل العلم مستحب مستحسن مرغب فيه، وليس بسنة من سنن الحج ولا المناسك التي تجب بها على تاركها فدية أو دم، ولكنه حسن عند جميعهم إلا ابن عمر، فإنه جعله سنة. وقال النووي: قال أصحابنا: لو ترك هذه الصلاة فاتته الفضيلة ولا إثم عليه. ١٥ - بابُ خُرُوجِ النبيِّ عَّهِ عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ أي: هذا باب في بيان خروج النبي، عَّهِ، على طريق الشجرة، قال المنذري: هي على ستة أميال من المدينة، وعند البكري هي من البقيع، وقال عياض: هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة كان عَّةٍ يخرج منها إلى ذي الحليفة فيبيت بها، وإذا رجع بات بها أيضاً. ١٣٩/ ١٥٣٣ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِر قال حدَّثنا أنَسُ بنُ عِيَاض عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَ لَّه كانَ يَخْرُجُ مِنْ طَريقِ الشَّجَرَةِ ويَدْخُلُ مِنْ طَريقِ المُعَرَّسِ وأنَّ رسولَ الله عَلَّهِ كانَ إِذَا خَرَجَ إلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي وبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. [انظر الحديث ٤٨٤ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: كان يخرج من طريق الشجرة. ورجاله قد ذكروا، وعبيد الله هو ابن عمر العمري. وأخرجه البخاري أيضاً عن أحمد بن الحجاج فرقهما. قوله: ((كان يخرج))، أي: من المدينة ((من طريق الشجرة)) التي عند مسجد ذي ٢١١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٦) الحليفة ويدخل المدينة من طريق المعرس وهو أسفل من مسجد ذي الحليفة. قوله: ((المعرس)) بلفظ اسم المفعول من التعريس وهو موضع النزول عند آخر الليل، وقيل: موضع النزول مطلقاً. وقال التيمي: يخرج من مكة من طريق الشجرة ويدخل مكة من طريق المعرس، عكس ما شرحناه، وتمام الحديث لا يساعده. قوله: ((وبات)) أي: بذي الحليفة ((حتى يصبح)) ثم يتوجه إلى المدينة وذلك لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلاً، وقال ابن بطال: كان النبي عَّلم يفعل ذلك كما يفعل في العيد، يذهب من طريق ويرجع من أخرى، وقيل: كان نزوله هناك لم يكن قصداً. وإنما كان اتفاقاً، والصحيح أنه كان قصداً. ١٦ - بابُ قَوْلِ النبيِّ عَلِ العَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ أي: هذا باب في بيان قول النبي عَّهُ: العقيق واد مبارك. قوله: ((العقيق)) مبتدأ. وقوله: وادٍ، خبره و: مبارك، صفته، و: مبارك نكرة. ويروى: المبارك، بالألف واللام، ويإضافة وادٍ إليه أي: واد الموضع المبارك، وقد مر تفسير العقيق عن قريب. قال الجوهري: هو واد بظاهر المدينة. وقيل: يدفق ماؤه في غور تهامة. ١٥٣٤/١٣٠ - حدَّثنا الحُمَيْدِي قالِ حدَّثنا الوليدُ وبِشْرُ بنُ بَكْرِ التِّنِيسي قالا حدَّثنا الأَوْزَاعِيُّ قال حدَّثني يخْيَى قال حَدَّثَنِي عِكْرَمَّةُ أَنَّهُ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النبيَّ عَُّلّهِ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ أَتانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فقالَ صَلِّ في هذا الوَادِي المُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ. [الحديث ١٥٣٤ - طرفاه في: ٢٣٣٧، ٧٣٤٣]. مطابقته للترجمة في قوله: الوادي المبارك. ذكر رجاله: وهم: ثمانية: الأول: الحميدي، بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة: وهو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن العوام مر في أول الصحيح. الثاني: الوليد بن مسلم، مر في وقت المغرب في كتاب الصلاة. الثالث: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: التنيسي، بكسر التاء المثناة وتشديد النون وسكون الياء آخر الحروف، وبالسين المهملة نسبة إلى: تنيس، بلدة كانت في جزيرة في وسط بحيرة تعرف ببحيرة تنيس هذه شرقي أرض مصر، مر في: باب من أخف الصلاة. الرابع: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، تكرر ذكره. الخامس: يحيى بن أبي كثير. السادس: عكرمة مولى ابن عباس. السابع: عبد الله بن عباس. الثامن: عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: السماع في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأن نسبته إلى أحد أجداده وأن الوليد والأوزاعي دمشقيان. وأن يحبى بمامي طائي وأن عكرمة مدني. وفيه: ثلاثة مذكورون بالنسبة. ٢١٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٦) ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في المزارعة عن إسحاق ابن إبراهيم، وفي الاعتصام عن سعيد بن الربيع. وأخرجه أبو داود في الحج عن النفيلي. وأخرجه ابن ماجه فيه عن دحيم عن الوليد وعن أبي بكر بن أبي شيبة. ذكر معناه: قوله ((بوادي العقيق))، حال، والباء بمعنى: في. قوله: ((آت))، هو جبريل، عليه الصلاة والسلام، قالوا، هكذا، قلت: يحتمل أن يكون ملكاً من الملائكة غير جبريل لأن إسرافيل أيضاً نزل إليه مدة، ولكن صرح في رواية البيهقي أنه جبريل عليه الصلاة والسلام. قوله: ((من ربي)) جملة في محل الرفع لأنها صفة لقوله: آتٍ، وآتٍ فاعل أتى، وأصله: آتى، فأعل إعلال: قاضٍ، قوله: ((صلِّ)) أمر بالصلاة. قال الكرماني: ظاهره أن هذه الصلاة صلاة الإحرام. وقيل: كانت صلاة الصبح، والأول أظهر. قوله: ((وقل: عمرة في حجة)) عمرة، منصوب في رواية أبي ذر، ومرفوع في رواية الأكثرين، وأما وجه النصب فبفعل مقدر تقديره: قل جعلت عمرة في حجة، وأما وجه الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قل هذه عمرة في حجة، وقال الخطابي: إما أن تكون: في، بمعنى: مع، كأنه قال: عمرة معها حجة، وإما أن يراد: عمرة مدرجة في حجة، على مذهب من رأى أن عمل العمرة مضمن في عمل الحج يجزيه لهما طواف واحد. قلت: هذا بعيد، وأبعد منه من قال: إنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجة لأنه عَ ◌ّ لم يفعل ذلك، وقال الطبري: يحتمل أن يكون أمراً بأن يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القرآن، وهو كقوله: دخلت العمرة في الحج، ورد عليه بأنه ليس نظيره، لأن قوله: دخلت ... إلى آخره، تأسيس قاعدة، وقوله: عمرة في حجة، بالتنكير يستدعي على الوحدة، وهو إشارة إلى الفعل الواقع في القرآن إذ ذاك، والآن نحرر هذا المبحث إن شاء الله تعالى. ذكر ما يستفاد منه: فيه: فضل العقيق لفضل المدينة، وفيه: فضل الصلاة فيه ومطلوبيتها عند الإحرام لا سيما في هذا الوادي المبارك، وهو مذهب العلماء كافة إلاَّ ما روي عن الحسن البصري فإنه استحب كونها بعد فرض. وقال الطبري: ومعنى الحديث الإعلام بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه لقيام الإجماع على أن الصلاة في هذا الوادي ليست بفرض. قال: فبان بذلك أن أمره بالصلاة فيه نظير حثه لأمته على الصلاة في مسجده ومسجد قباء قلت: الصلاة بركعتين من سنة الإحرام لأنه عَّله أمر بذلك أمر إرشاد، وأنه صلى ركعتين ولا يصليهما فى الوقت المكروه. وقال النووي: فإن كان إحرامه في وقت من الأوقات المنهي فيها عن الصلاة لم يصلهما، هذا هو المشهور. وفيه: وجه لبعض أصحابنا أنه: يصليهما فيه لأن سببهما إرادة الإحرام، وقد وجد ذلك. وفيه: استحباب نزول الحاج في منزلة قريبة من البلد ومبيتهم بها ليجتمع إليهم من تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم، وليستدرك حاجته من نسيها فيرجع إليها من قريب. وفيه: أفضلية القران والدلالة على وجوده، وعلى أن النبي، عَّ له، كان قارناً في حجة الوداع، وذلك لأنه عَّهِ، أمر أن يقول: عمرة في حجة، فيكون مأموراً بأنه يجمع بينهما من الميقات، وهذا هو عين القران، فإذا كان مأموراً به ٢١٣ م*٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٦) استحال أن يكون حجة خلاف ما أمر به. فإن قلت: لا نسلم ذلك ولا يدل ذلك على أفضلية القران، ولا على كون النبي عَ ◌ّ. قارناً لأنه جاء في رواية أخرى: قل عمرة وحجة، ففصل بينهما بالواو، فحينئذ يحتمل أن يريد أن يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله، فكأنه قال: إذا حججت فقل: لبيك بعمرة وتكون في حجتك التي حججت، أو يكون محمولاً على معنى تحصيلهما معاً، قلت: رواية البخاري وغيره: قل عمرة في حجة، وهذه هي الصحيحة، وهي تدل على أنه عَّلِ أمر أن يجعل العمرة في الحجة، وهي صفة القران، والرواية التي بواو العطف تدل على ما قلنا أيضاً لأن الواو لمطلق الجمع، والجمع بين الحج والعمرة هو القران، فيدل أيضاً على أنه عَ لِّ كان قارناً، وما ذكروه من الاحتمال بعيدد وصرف اللفظ إلى غير مدلوله، فلا يقبل. والله أعلم. ١٥٣٥/١٣١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ قال حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثنا مُوسى بنُ عُقْبَةَ قال حدَّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ له أَنَّهُ رُؤِيَ وهْوَ فِي مُعَرَّسٍ بذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطنِ الوادِي قِيلَ لهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَاركَةٍ وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سالِمٌ يَتَوَخَّىِ بِالمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ الله يُنِيخُ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رسولِ اللهِ عَلِ وَهْوَ أَسْفَلُ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي بِبَطَّنِ الوَادِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وسَطٌ مِنْ ذُلِكَ. [انظر الحديث ٤٨٣ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إنك ببطحاء مباركة)). ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: محمد بن أبي بكر علي بن عطاء بن مقدم أبو عبد الله المعروف بالمقدمي. الثاني: فضيل بن سليمان النميري. الثالث: موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي. الرابع: سالم بن عبد الله. الخامس :: أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم، وهذا الإسناد بعينه ذكر في: باب المساجد التي على طرق المدينة. وقد ذكرنا لطائفة هناك. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الاعتصام عن عبد الرحمن بن المبارك، وفي المزارعة عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الحج أيضاً عن محمد بن بكار، وشريح بن يونس وعن محمد بن عباد وأخرجه النسائي فيه عن عبدة بن عبد الله عن سوید بن عمرو. ذكر معناه: قوله: ((إنه زُئي))، بضم الراء وكسر الهمزة أي: رآه غيره، هذه رواية كريمة، وفي رواية غيرها: أري بضم الهمزة وكسر الراء. وقال الكرماني: رأى بلفظ الماضي المعروف من الرؤيا، وفي بعضها: ورؤي، بلفظ المجهول من الإراءة مقلوباً وغير مقلوب. قلت: في رواية مسلم: أبى: ((في معرس)) قوله: ((وهو معرس))، جملة حالية، ومعرس، بكسر الراء على لفظ إسم الفاعل من التعريس، وهذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: وهو في معرسه، ٢١٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُّ / باب (١٧) وكذا في رواية مسلم: وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي، وهنا الراء مفتوحة لأنه اسم مكان من التعريس. قوله: ((وقد أناخ بنا سالم)) من أناخ إناخة أي: يبرك بعيره. قوله: ((يتحرَّى)) جملة حالية أي: يقصد. قوله: ((معرس رسول الله عَّلة)) بفتح الراء لأنه اسم مكان من التعريس. قوله: ((وهو أسفل)) لفظة: هو، مبتدأ، و: أسفل، خبره. وقوله: ((بينه وبين الطريق)) خبر ثان، قوله: ((وسط)) خبر ثالث، ويجوز أن يكون بدلاً. وقوله: ((بينه)) أي: بين المعرس بكسر الراء وهو بإفراد الضمير رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي: ((بينهم))، أي: بين المعرسين، بكسر الراء جمع المعرس. قوله: ((وسط)) بفتح السين أي: متوسط بين بطن الوادي وبين الطريق. وفي رواية أبي ذر: وسطاً من ذلك، بالنصب، ووجهه أن يكون حالاً بمعنى: متوسطاً. وقال الكرماني: فإن قلت: ما فائدة الثالث : - يعني قوله: وسط، وهو معلوم من الثاني - يعني: من قوله بينه وبين الطريق؟ قلت: بيان أنه في حلق الواسط لا قرب له إلى أحد الجانبين، كما هو المشهور من الفرق بين الوسط، بتحريك السين، والوسط بسكونها. ١٧ - بابُ غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنَ النِّيَابِ أي: هذا باب في بيانٍ غسل الخلوق، وهو بفتح الخاء المعجمة وضم اللام المخففة، وبالقاف ضرب من الطيب يعمل فيه الزعفران. ١٥٣٦ - قال أبُو عَاصِمٍ أخبرنا ابنُ جُرَيْجِ أخبرني عَطَاءٌ عَنْ صَفْوَانَ بنَ يَعْلَى أُخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى قال لِعُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ أرِنِي النَبِيَّ عَ لَّهِ حِينَ يُوحى إليهِ قال فَبَيْنَما النبيُّ عَّهِ بِالجِعْرَانَةِ ومعَهُ نَفَرٌ مَنْ أَصْحَابِهِ جاءَهُ رَجلٌ فقالَ يا رسولَ الله كيفَ تَرى في رجلٍ أُخْرَمَ بِعُمُرَةٍ وَهْوَ مُتَضَمِّخْ بِطيبٍ فَسَكتَ النبيُّ عَ لّهِ سَاعَةٌ فَجَاءَهُ الوَحْيُّ فأشارَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ إِلَى يَعْلَى فجاءَ يَعْلَى وَعَلى رسولِ اللهِ عََّلَّهِ ثَوْبٌ قَدْ أَظِلَّ بِهِ فأدْخَلَ رَأْسَهُ فِإِذَا رسولُ اللهِ عَّالِ مُخْمَوُ الوَجْهِ وَهْوَ يَغِطُّ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فقال أينَ الَّذي سألَ عنِ العُمْرَةِ فَأَتِيَ بِرِجُلٍ فقال اغْسِلْ الطِّبَ الَّذِي بِكَ ثلاثَ مَرَّاتٍ وَانْزَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قال نَعَمْ. [الحديث ١٥٣٦ - أطرافه في: ١٧٨٩، ١٨٤٧، ٤٣٢٩، ٤٩٨٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات)) قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب، كما في الترجمة، وإنما فيه أن الرجل كان متضمخاً. وقوله له: ((اغسل الطيب الذي بك)) يوضح أن الطيب لم يكن في ثوبه، وإنما كان على بدنه، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام. انتهى. قلت: قوله: ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب، كما في الترجمة، غير مسلم، لأن في الحديث: وهو متضمخ بطيب، أعم من أن يكون على بدنه أو على ثوبه، وكذلك قوله عَّ: ((اغسل الطيب الذي بك)) أعم من أن يكون على بدنه أو على ثوبه، على أن الخلوق في العادة يكون في الثوب، والدليل على ما قلنا ما سيأتي في محرمات الإحرام من وجه ٢١٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٧) آخر: بلفظ: عليه قميص فيه أثر صفرة، وروى أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن شعبة عن قتادة عن عطاء بلفظ: رأى رجلاً عليه جبة عليها أثر خلوق، وروى مسلم: حدثني إسحاق بن منصور قال: أخبرنا أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا رباح بن أبي معروف، قال: سمعت عطاء، قال: أخبرني صفوان بن يعلى عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله عَ له فأتاه رجل عليه جبة بها أثر من خلوق، فقال: يا رسول الله إني أحرمت بعمرة، فكيف أفعل؟ فسكت عنه فلم يرجع إليه، وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، يستره إذا نزل عليه الوحي، يظله، فقلت لعمر: إني أحب إذا نزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، فجئته فأدخلت رأسي معه في الثوب فنظرت إليه عَّةٍ فلما سري عنه قال: أين السائل آنفاً عن العمرة؟ فقام إليه الرجل، فقال: إنزع عنك جبتك واغسل أثر الخلوق الذي بك وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجك، وهذا ينادي بأعلى صوته أن أثر الخلوق كان على ثوب الرجل، ولم يكن على بدنه، وفي رواية أبي علي الطوسي: عليه جبة فيها درع من زعفران ... الحديث، وروى البيهقي من حديث أبي داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن قتادة عن عطاء عن يعلى مرفوعاً: رأى رجلاً عليه جبة عليها أثر خلوق أو صفرة فقال: إخلعها عنك واجعل في عمرتك ما تجعل في حجك. قال قتادة: فقلت لعطاء: كنا نسمع أنه قال: شقها، قال: هذا فساد، والله لا يحب الفساد. وعند أبي داود: فأمره أن ينزعها نزعاً ويغسلها مرتين أو ثلاثاً. وعنده: فخلعها من رأسه، وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك ومنصور وغيرهما عن عطاء عن يعلى بن أمية أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أحرمت وعلي جبتي هذه، وعلى جبته درع من خلوق ... الحديث، وفيه: فقال: إخلع هذه الجبة واغسل هذا الزعفران، فهذه الأحاديث كلها ترد على الإسماعيلي أن الطيب لم يكن على ثوبه، وإنما كان على بدنه، فإن قلت: سلمنا هذا كله، وكيف توجد المطابقة بين الحديث والترجمة وفيها لفظ الخلوق وليس في حديث الباب إلا لفظ الطيب؟ قلت: جرت عادة البخاري أن يبوب بما يقع في بعض طرق الحديث الذي يورده، وإن لم يخرجه وهو أبواب العمرة بلفظ: وعليه أثر الخلوق، على أن الخلوق ضرب من الطيب كما ذكرنا. ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: أبو عاصم النبيل، واسمه الضحاك بن مخلد وهو من شيوخ البخاري من أفراده، وهذا بصورة التعليق، وبذلك جزم الإسماعيلي فقال: ذكره عن أبي عاصم بلا خبر. وقال أبو نعيم: ذكره بلا روية، وقال الكرماني: وفي بعض النسخ العراقية: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو عاصم. فهو إما محمد بن المثنى المعروف بالزمن، وإما محمد بن معمر البحراني، وإما محمد بن بشار، بإعجام الشين. الثاني: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد تكرر ذكره. الثالث: عطاء بن أبي رباح كذلك. الرابع: صفوان بن يعلى بن أمية، ذكره ابن حبان في الثقات، وروى له الجماعة سوى ابن ماجه. الخامس: أبوه يعلى بن أمية بن أبي عبيدة التميمي أبو خلف، وأبو خالد أو أبو صفوان، وهو المعروف بيعلى بن منية، بضم الميم وسكون النون وفتح الياء آخر الحروف، ويقال: منية جدته وهي: ٢١٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٧) منية بنت غزوان أخت عتبة بنت غزوان، ويقال: منية بنت جابر، أسلم يوم الفتح وشهد الطائف وحنيناً وتبوك مع رسول الله عَادٍ، وروى عنه وعن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، تسعة عشر حديثاً، قتل بصفين. ذكر لطائف إسناده: فيه: قال أبو عاصم، وهو تعليق. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن أبا عاصم بصري والبقية مكيون، وهذا الإسناد منقطع لأنه قال: إن يعلى قال لعمر، ولم يقل إن يعلى أخبره أنه قال لعمر، أللهم إلاّ إذا كان صفوان حضر مراجعتهما، فيكون متصلاً. وقال ابن عساكر: رواه عباس بن الوليد النرسي عن داود العطار عن ابن جريج عن عطاء عن يعلى بن أمية، أو صفوان بن يعلى بن أمية: أن رجلاً أتى النبي عَّهِ، ولم يقل عن أبيه، ورواه قيس عن عطاء عن صفوان عن أبيه: أن رجلاً أتى النبي عَّهِ وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة هو مصفر لجبته ورأسه وعليه جبة، وفي رواية همام عن عطاء عن صفوان عن أبيه ... الحديث، وفيه: جبة عليها خلوق أو أثر صفرة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن مسدد، وأخرجه مسلم في الحج عن شيبان بن فروخ، وعن زهير بن حرب وعن عبد بن حميد وعن علي بن خشرم وعن محمد بن يحيى وعن إسحاق بن منصور وعن عقبة بن مكرم ومحمد بن رافع. وأخرجه أبو داود فيه عن عقبة بن مكرم وعن محمد بن كثير وعن محمد بن عیسی وعن یزید بن خالد. وأخرجه الترمذي فيه عن أبي عمر به. وأخرجه النسائي فيه وفي فضائل القرآن عن روح بن حبيب وعن حبيب وعن محمد بن منصور وعبد الجبار وعن محمد بن إسماعيل وعن عیسی بن حماد. ذكر معناه: ((قوله: أرني)) من الإراءة، يقتضي مفعولين أحدهما هو نون المتكلم، والآخر هو قوله: النبي. قوله: ((بينما النبي)) قد مر غير مرة أن أصل: بينما، بين زيدت فيه الميم والألف، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة، وكذلك: بينا، بدون الميم ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وهنا الجملة مبتدأ وخبر، وهما قوله: ((النبي بالجعرانة))، وقوله: ((جاء رجل)) جوابه، و: الجعرانة، بكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء، قال البكري: كذا يقول العراقيون، ومنهم من يخفف الراء ويسكن العين، وكذا الخلاف في الحديبية، وهما بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أدنى. وقال ابن الأثير: وهي قريب من مكة، وهي في الحل وميقات الإحرام. وقال ياقوت: هي غير الجعرانة التي بأرض العراق. قال سيف بن عمر: نزلها المسلمون لقتال الفرس، وقال يوسف بن ماهك. اعتمر بها ثلاثمائة نبي، عليهم الصلاة والسلام، يعني: بالجعرانة التي بقرب مكة. قوله: ((ومعه نفر من أصحابه)) الواو فيه للحال، أي: مع النبي عَّهِ جماعة من أصحابه وكان هذا بالجعرانة كما ثبت هنا، وفي غيره: في منصرفه عَّه في غزوة حنين، وفي ذلك الموضع قسم رسول الله عَّ غنائمها، وذلك في سنة ثمان كما ذكره ابن حزم وغيره، وهما ٢١٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٧) موضعان متقاربان. قوله: ((جاءه رجل)) وفي لفظ للبخاري سيأتي: جاءه أعرابي، ولم يعرف اسمه. ونقل بعضهم في (الذيل) عن (تفسير الطرطوشي): أن اسمه عطاء بن منبه. فقال: إن ثبت هذا فهو أخو يعلى راوي الخبر، قيل: يجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي، فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى بن منبه عن أبيه، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحداً. وقال صاحب (التوضيح): هذا الرجل يجوز أن يكون: عمرو بن سواد، إذ في (كتاب الشفاء) للقاضي عياض، عنه قال: أتيت النبي عٍَّ وأنا متخلق))، فقال: ورس ورس حط حط، وغشيني بقضيب بيده في بطني فأوجعني ... الحديث. لكن عمرو هذا لا يدرك ذا، فإنه صاحب ابن وهب، انتهى. واعترض بعض تلامذته عليه من وجهين: أما أولاً: فليست هذه القضية شبيهة بهذه القضية حتى يفسر صاحبها بها، وأما ثانياً: ففي الاستدراك غفلة عظيمة، لأن من يقول: أتيت النبي عَّه لا يتخيل فيه أنه صاحب ابن وهب وصاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر وافق اسمه اسمه، واسم أبيه، والغرض أنه لم يثبت. قال: لأنه انقلب على شيخنا، وإنما الذي في (الشفاء): سواد بن عمرو. انتهى. قلت: رأيت بخط بعض من أخذ عنه هذا المعترض، على هامش الورقة التي في هذا الموضع من (كتاب التوضيح)، قال: فائدة الذي في الشفاء سواد بن عمرو، وذكره في الباب الثاني من القسم الثالث، ولفظه: وأما حديث سواد بن عمرو: أتيت النبي عَّةٍ وأنا متخلق، فقال: ورس ورس حط حط وغشيني بقضيب في يده فأوجعني، فقلت: القصاص يا رسول الله، فكشف لي عن بطنه، إنما ضربه النبي عَّه لمنكر رآه، ولعله لم يرد بضربه بالقضيب إلاّ تنبيهه، فلما كان منه إيجاع لم يقصده طلب التحلل منه، ولما ذكر هذا أنكر عليه ونسبه إلى التخبط وإلى كلام لا معنى له. قوله: ((وهو متضمخ بطيب))، الواو فيه للحال، ومتضمخ، بالضاد والحاء المعجمتين، يقال: تضمخ بالطيب إذا تلطخ به وتلوث به. قوله: ((وعلى رسول الله عَّله))، الواو فيه للحال. قوله: ((قد أظل به))، بضم الهمزة وكسر الظاء المعجمة، أي: جعل عليه كالظلة، وهذه الجملة حالية، ويجوز أن تكون محلها الرفع على أنه صفة لثوب. قوله: ((فإذا رسول الله)) كلمة: إذا، للمفاجأة. قوله: ((وهو يغظ)). الواو فيه للحال، ويغط بفتح الياء وكسر الغين المعجمة بعدها طاء مهملة، أي ينفخ، وهو من الغطيط، وهو صوت النفس المتردد من النائم. ويقال: الغطيط صوت به بحوحة وهو كغطيط النائم، أي شخيره وصوته الذي يردده في حلقه ومع نفسه، وسبب ذلك شدة الوحي وثقله، وهو كقوله تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥]. قوله: ((ثم سري عنه)) بضم السين المهملة وكسر الراء المشددة، أي: كشف عنه شيئاً بعد شيء بالتدريج. وقال الكرماني: روي بتخفيف الراء المكسورة وتشديدها، والرواية بالتشديد أكثر. قوله: ((اغسل الطيب الذي بك)) قد قلنا: إنه أعم من أن يكون بثوبه أو بدنه. قوله: ((ثلاث مرات))، مبالغة في الإزالة، ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كان كثيراً. ويؤيده قوله: (متضمخ)) قلت: لأن باب التفعل وضع للمبالغة. قال القاضي: يحمل قوله : : ٢١٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٧) ثلاث مرات على قوله: فاغسله، فكأنه قال: إغسله إغسله إغسله ثلاث مرات، يدل على صحته ما روي عن النبي عٍَّ في كلامه أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً. انتهى. وفي رواية أبي داود: أمره أن ينزعها نزعاً ويغتسل مرتين أو ثلاثاً. قوله: ((واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك))، وفي رواية الكشميهني: ((كما تصنع))، وفي لفظ للبخاري في أبواب العمرة: ((كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟)) وفي مسلم، من طريق قيس بن سعد عن عطاء: ((وما كنت صانعاً في حجتك فاصنع في عمرتك))، ويدل هذا على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك. وقال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي عَّلم أن مجراهما واحد. وقال ابن بطال: أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة. وقال النووي، كما قاله: وزاد: ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج، وقال الباجي: المأجور غير نزع الثوب وغسل الخلوق، لأنه صرح له بهما فلم يبق إلاَّ الفدية. وفيه نظر، لأن فيه حصراً وقد تبين فيما رواه مسلم من أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك في روايته من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال: أتى النبي عَِّ يعني: رجلاً، وهو بالجعرانة وأنا عند النبي عٍَّ وعليه مقطفات، يعني: جبة وهو متضمخ بالخلوق، فقال: إني أحرمت بالعمرة، وعلى هذا: وأنا متضمخ بالخلوق، فقال له النبي عَ له: ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك. قوله: ((فقلت لعطاء)) القائل هو ابن جريج. ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز نظر الرجل إلى غيره وهو مغطى بشيء وإدخال رأسه في غطائه إذا علم أنه لا يكره ذلك منه، فإن يعلى أدخل رأسه فيما أظل به، عَّلِّ، لأنه علم أنه لا يكره ذلك في ذلك الوقت، لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم، وكذلك عمر، رضي الله تعالى عنه، علم ذلك من رسول الله، عَّه، حتى قال للرجل: تعال فانظر. وفيه: أن المفتي إذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه. وفيه: أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى. وفيه: أنه عَّةٍ لم يأمر الرجل بالفدية، فأخذ به الشافعي والثوري وعطاء وإسحاق وداود وأحمد في رواية، وقالوا: إن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه جاهلاً، فلا فدية عليه، والناسي في معناه. وقال أبو حنيفة والمزني في رواية عنه: يلزمه إذا غطى رأسه ووجهه متعمداً أو ناسياً يوماً إلى الليل، فإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة يتصدق بها. وعن مالك: يلزمه إذا انتفع بذلك أو طال لبسه عليه. وفيه: المبالغة في الإنقاء من الطيب. وفيه: أن المحرم إذا كان عليه مخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه، خلافاً للنخعي والشعبي حيث قالا: لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطياً رأسه، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وعن علي، رضي الله تعالى عنه، نحوه، وكذا عن الحسن وأبي قلابة، وقد وقع عند أبي داود، رضي الله تعالى عنه، بلفظ: ((إخلع عنك الجبة، فخلعها من قِبَل رأسه)). وعن أبي صالح وسالم: يخلعه من قبل رجليه، وعن جعفر بن محمد عن علي، رضي الله تعالى عنه: إذا أحرم وعليه قميص لا ينزعه من رأسه، بل يشقه ثم يخرج منه، ٢١٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٨) وفيه: اختلف العلماء في استعمال الطيب عند الإحرام، واستدامته بعده، فكرهه قوم ومنعوه، منهم مالك ومحمد بن الحسن، ومنعهما عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وعطاء والزهري، وخالفهم في ذلك آخرون، فأجابوه منهم أبو حنيفة والشافعي تمسكا بحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((طيبت رسول الله عَّلْمٍ بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت))، ولمسلم: بذريرة في حجة الوداع، وفي رواية للبخاري كما سيأتي: (وطيبته بمنىّ قبل أن يفيض)). وعنها: ((كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله عَّله وهو محرم)). والوبيص، بالصاد المهملة: البريق واللمعان. قالا: وحديث يعلى إنما أمره بغسل ما عليه لأن ذلك الطيب كان زعفراناً، وقد نهى الرجال عن الزعفران، وجواب آخر بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث، وهي في سنة ثمانٍ بلا خلاف، وحديث عائشة المذكور في حجة الوداع سنة عشرٍ بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر. فإن قلت: إن ذلك الوبيص الذي أبصرته عائشة إنما كان بقايا ذلك الطيب وقد تعذر قلعها فبقي بعد أن غسل، وأيضاً: كان ذلك من خواصه لأن المحرم، إنما منع من الطيب لئلا يدعوه إلى الجماع، والشارع معصوم. وأيضاً كان مما لا تبقى رائحته بعد الإحرام. قلت: قد ذكرنا أن ذلك الطيب كان زعفراناً وقد نهى النبي عَّلِّ عن الزعفران مطلقاً، سواء كان في الحل أو الحرمة، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، وقد روى ابن حزم من طريق حماد بن يزيد عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ((طيبته عَُّلِّ بيدي))، وروي: أنهن كن يضمخن جباههن بالمسك ثم يحرمن ثم يعرقن فيسيل على وجوههن، فيرى ذلك عَ لِّ فلا ينكره. ١٨ - بابُ الطَّيبِ عِنْدَ الإِحْرَام وَمَا يَلْبَسُ إذَا أُرَادَ أُنْ يخْرِمَ ويَتَرَجَّلُ وَيَدَّهِنُ أي: هذا باب في بيان جواز الطيب عند إرادة الإحرام، وجواز ما يلبس الشخص إذا أراد الإحرام. قوله: ((ويترجل)) بالرفع، عطف على قوله: وما يلبس، ويروى بالنصب ووجهه أن يكون منصوباً بأن، المقدرة كما في قول الشاعر: أحب إلي من لبس الشفوفِ للبشُ عباءة وتقرعيني وقوله: ((ويترجل))، من الترجل على وزن: التفعل، وهو أن يسرح شعره، من: رجلت رأسي: إذا مشطته بالمشط. قوله: ((ويدهن))، بفتح الهاء من الثلاثي، يعني: من دهن یدهن، وبكسرها من ادَّهن على وزن: افتعل، إذا تطلى بالدهن، وأصله يتدهن، فأبدلت التاء دالاً وأدغمت الدال في الدال، وهو عطف أيضاً على: يلبس، وقد تكلم الشراح هنا بما لا طائل تحته، فتر کناه. وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما يَشَمُّ المُخْرِمِ الرَّيْحَانَ ويَنْظُرُ فِي المِرْآةِ ويَتَداوَى بِمَا ٢٢٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١٨) يأكُلُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ هذا التعليق في شم المحرم الريحان وصله البيهقي بسند جيد إلى سفيان،: حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأساً للمحرم أن يشم الريحان، وروى الدارقطني بسند صحيح عنه: المحرم يشم الريحان ويدخل الحمام وينزع سنه ويفقأ القرحة، وإن انكسر ظفره أماط عنه الأذى. واختلف الفقهاء في الريحان. فقال إسحاق: يباح، وتوقف أحمد فيه، وقال الشافعي: يحرم، وكرهه مالك والحنفية. ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا، وروى ابن أبي شيبة عن جابر أنه قال: لا يشم المحرم الريحان، وروى البيهقي بسند صحيح عن ابن عمر: أنه كان يكره شم الريحان للمحرم. وعن أبي الزبير: سمع جابراً يسأل عن الريحان أيشمه المحرم والطيب والدهن؟ فقال: لا. وعن جابر: إذا شم المحرم ريحاناً أو مس طيباً إهراق لذلك دماً. وعن إبراهيم: في الطيب الفدية. وعن عطاء: إذا شم طيباً كفر، وعنه: إذا وضع المحرم على شيء دهناً فيه طيب فعليه الكفارة. والريحان: ما طاب ريحه من النبات كله سهلية وجبلية، والواحدة ريحانة. وفي (المحكم): الريحان أطراف كل بقلة طيبة الريح إذا خرج عليها أوائل الثَّور، والريحانة: طاقة من الريحان. وأما النظر في المرآة، فقال النووي في (جامعه): رواية عبد الله بن الوليد العدني عنه عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لا بأس أن ينظر في المرآة وهو محرم، وروى ابن أبي شيبة عن ليث عن طاوس: لا ينظر. وأما التداوي. قال ابن أبي شيبةٍ: حدثنا أبو خالد الأحمر وعباد بن العوام عن أشعث عن عطاء عن ابن عباس: أنه كان يقول: يتداوى المحرم بما يأكل. وقال أيضاً: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الضحاك عن ابن عباس، قال: إذا تشققت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت أو السمن. وروى أيضاً من حديث ابن عمر: يتداوى المحرم بأي دواء شاء إلاَّ دواء فيه طيب، وكان الأسود يضمد رجله وهو محرم. وعن أشعث بن أبي الشعثاء: حدثني من سمع أبا ذر يقول: لا بأس أن يتداوى المحرم بما يأكل، وفي رواية: حدثني مرة ابن خالد عن أبي ذر، وعن معتب البجلي قال: أصابني شقاق وأنا محرم فسألت أبا جعفر؟ فقال: ادهنه بما تأكل. وكذا قاله ابن جبير وإبراهيم وجابر بن زيد ونافع والحسن وعروة. وقال أبو بكر: حدثنا وكيع حدثنا حماد عن فرقد السنجي عن ابن جبير عن ابن عمر أن النبي، عَ ◌ّ، كان يدهن بالزيت عند الإحرام. قال الزهري: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث فرقد، ولفظه: بالزيت وهو محرم غير المقتت. قال أبو عيسى: المقتت المطيب. قلت: المقتت، بضم الميم وفتح القاف وتشديد التاء الأولى المثناة من فوق. قوله: ((يشم))، بفتح الشين المعجمة على الأشهر، وحكي ضمها، وذكر في (الفصيح) بفتح الشين في المضارع وكسرها في الماضي، والعامة تقول: شممت، بالفتح في الماضي،