Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١) وقال الخطابي: فيه: جواز الحج عن غيره إذا كان معضوباً، ولم يجزه مالك، وهو راوي الحديث، وهو حجة عليه. وقال صاحب (الهداية): الأصل أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صدقة أو صوماً أو غيرها، عند أهل السنة والجماعة، لما روي عنه عَّ لِ أنه ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته. والعبادات أنواع: مالية محضة، كالزكاة، وبدنية: كالصلاة، ومركب منهما: کالحج، والنيابة تجزىء في النوع الأول ولا تجزىء في الثاني بحال، وتجزىء في النوع الثالث عند العجز، ولا تجزىء عند القدرة، والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت، وظاهر المذهب أن الحج يقع عن المحجوج عنه لحديث الخثعمية، وعند محمد: أن الحج يقع عن الحاج، وللآخر ثواب النفقة. وقال ابن بطال: اختلفوا في المريض يأمر بمن يحج عنه، ثم يصح بعد ذلك فقال الكوفيون والشافعي وأبو ثور: لا يجزيه، وعليه أن يحج. وقال أحمد وإسحاق: يجزيه الحج عنه، وكذا من مات من مرضه وقد حج عنه، فقال الكوفيون وأبو ثور: يجزيه عن حجة الإسلام. وللشافعي قولان: أحدهما هذا، والآخر: لا يجزىء عنه وهو أصح القولين. وقال ابن عبد البر: اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، فإن جماعة منهم ذهبوا إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو الخثعمية لا يجوز أن يتعدى به إلى غيره بدليل قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وكان أبوها ممن لا يستطيع فلم يكن عليه الحج، فلما لم يكن عليه لعدم استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب، وممن قال ذلك مالك وأصحابه لأن الحج عندهم من عمل البدن فلا ينوب فيه أحد عن أحد قياساً على الصلاة، وذكر ابن حزم من حديث إبراهيم بن محمد العدوي أن امرأة قالت: إن أبي شيخ كبير، فقال النبي عَّله: حجي عنه، وليس لأحد بعده، وكذا رواه محمد بن حبان الأنصاري أن امرأة قالت ... الحديث، وفيه: ((ليس لأحد بعده))، وضعفهما بالإرسال وغيره. وقال ابن التين: الاستطاعة أن يقدر على الوصول إلى البيت من غير خروج عن عادة، فمن كان عادته السفر ماشياً لزمه أن يمشي، وإن لم يجد راحلة، ومن كان عادته تكفف الناس وأمكنه التوصل به لزمه، وإن لم يجد زاداً، ومن عادته الركوب والغناء عن الناس لم يلزمه حج إلاَّ بوجدان ذلك، وقال ابن بطال: وإلى هذا ذهب ابن الزبير وعكرمة والضحاك، وعند أبي حنيفة والشافعي: لا يلزم إلاَّ من وجد زاداً وراحلة، وهو قول الحسن ومجاهد وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وعبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون، وظاهر قول ابن حبيب. وقال القرطبي: مالك وأصحابه رأوا أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. أي: ما قدروا ولاقووا، فإذا قال القائل: فلان مستطيع أو غير مستطيع، فالظاهر منه السابق إلى الفهم هي القدرة وإتيانها، فلما عارض ظاهر الحديث ظاهر القرآن العزيز رجح مالك ظاهر القرآن، والجواب أن حديث الزاد والراحلة روي عن النبي عَّ من غير وجه، منها صحيح ومنها حسن. ١٨٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١) فإن قلت: قال ابن حزم: الأخبار في ذلك في أحدها إبراهيم الجوزي وهو ساقط مطروح، وفي الثاني: الحارث الأعور، وهو مذكور بالكذب. والثالث: مرسل ولا حجة فيه، والروايات في ذلك عن الصحابة واهية كلها، وتبعه على ذلك ابن العربي وغيره، وقال أبو عمر: روي ذلك من وجوه منها: مرسلة. ومنها: ضعيفة، والجواب عن هذا أن حديث أنس الذي مضى ذكره في أول باب وجوب الحج أخرجه الحاكم على شرط مسلم وهو حديث صحيح. فإن قلت: قال البيهقي، وذكر رواية حماد وسعيد: لا أرى إلاَّ وهماً لأن ابن أبي عروبة روى عن قتادة عن الحسن مرسلاً وهو المحفوظ، وكذا رواه يونس بن عبيد. قلت: هذا ظن منه وتوهم من غير جزم، والظن لا تضعف به الأحاديث ولا تقوى. وقوله: وكذا رواه يونس غير موجه لأن الدارقطني روى من حديث حصين بن مخارق عنه عن الحسن عن أنس، رضي الله تعالى عنه، الحديث مسنداً بلفظ: ((يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة)). فإن قلت: قال ابن المنذر: الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة ليس بمتصل؟ قلت: الحديث الذي ذكرناه متصل. فإن قلت: قال ابن المنذر أيضاً: والدليل على عدم اعتبار الراحلة حديث: ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي))، فجعل صحة الجسم مساوية للغنى، فسقط قول من اعتبر الراحلة؟ قلت: لا نسلم ذلك، فإن الحديث مفسر للاستطاعة في الآية، وهو مبين عن الله تعالى: فإن قلت: قال إسماعيل بن إسحاق: لو أن رجلاً كان في موضع يمكنه المشي إلى الحج وهو لا يملك راحلة لوجب عليه الحج لأنه مستطيع إليه سبيلاً. قلت: لا نسلم ذلك، لأن الاستطاعة فسرت بالزاد والراحلة. فإن قلت: ما روي عن السلف في ذلك أن السبيل الزاد والراحلة، وإنما أرادوا به التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحج، قلت: لا نسلم ذلك، بل أرادوا به التشريع؟ وفيه: ما يدل على أنه ما يجوز للرجل أن يحج عن غيره، وإن لم يكن حج عن نفسه لإطلاق الحديث ولم يسأله عَّلِّ أحججت عن نفسك أم لا؟ وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية، ويحكى كذلك عن الحسن وإبراهيم وأيوب وجعفر بن محمد، وقال الأوزاعي والشافعي وإسحاق: ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره، فإن فعل وقع إحرامه عن حجة الإسلام. وقال عبد العزيز: يقع الحج باطلاً ولا يصح عنه، ولا عن غيره، وروي ذلك عن ابن عباس، وفي (مسند الشافعي): حدثنا سعيد بن سالم عن سفيان بن سعيد عن طارق بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض للحج؟ قال: لا. واحتجوا بما رواه أبو داود ((عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عَّ لِ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي؟ فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، وحج عن شبرمة)). وروي أيضاً عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ ليهِ: ((لا صرورة في الإسلام))، والجواب عنه ما قاله الطحاوي: إن حديث شبرمة معلول، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس، والذي يصح في هذا المعنى عن النبي، عَّهِ، من رواية ابن عباس: سئل عن رجل لم يحج أيحج عن ١٨٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (١) غيره؟ فقال: دين الله، عز وجل، أحق أن يقضيه، وليس فيه أنه لو أحرم عن غيره كان ذلك الإحرام عن نفسه، وقال بعضهم: يحمل على الندب لقوله، عَّةِ: ((إبدأ بنفسك ثم بمن تعول)). وقال الأثرم: قال أبو عبد الله: رفعه عبدة بن سليمان وهو خطأ، وقد رواه عبدة موقوفاً على ابن عباس ليس فيه عن النبي عَّلَّةِ، ورواية همام عن قتادة عن سعيد بن جبير موقوف، وكذا قال أبو قلابة عن ابن عباس وقال: منهيء، قلت: لأبي عبد الله حديث عبدة بن سليمان عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن ابن جبير عن ابن عباس: سمع النبي، عَّه، رجلاً يلبي عن شبرمة، قال: ليس بصحيح، إنما هو عن ابن عباس، حدثني غير واحد عن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن ابن عباس مرسلاً، ورواه روح عن حماد بن مسلمة عن أيوب عن عكرمة، ورواه عن ابن عباس مرسلاً، ورواه إسماعيل عن ابن جريج عن عطاء عن النبي، عَّهِ، ولم يذكر ابن عباس. فإن قلت: قال أبو عمر: الذي رفعه حافظ حفظ ما قصر عنه غيره، فوجب قبول زيادته. وقال ابن قطان: الرافعون له ثقات فلا يضرهم وقف الواقفين له، إما لأنهم حفظوا ما لم يحفظه أولئك، وإما لأن الواقفين رووا عن ابن عباس رواية، وأولئك رواية. قلت: هذا الحديث مما يعلم بالضرورة توقيفه لأن الحج إنما كان في سنة عشر سنة حج سيدنا رسول الله عَّهِ، وقد سمع الرجل يلبي عن غيره في تلك الحجة، فكيف يسوغ؟ قوله: ((أحججت عن نفسك؟) أيحج أحد إلى غير البيت؟ وفي غير ذلك الوقت؟ فليتأمل هذا فإنه واضح. وروى الدارقطني من حديث الحسن بن عمارة عن عبد الملك عن طاوس: ((عن ابن عباس: سمع النبي، عَُّلّه، رجلاً يلبي عن نبيشة، فقال: أيها الملبي عن نبيشة، هذه عن نبيشة، واحجج عن نفسك)). قال الدارقطني: الحسن متروك الحديث، والمحفوظ الصحيح عن ابن عباس حديث شبرمة. وذكر أبو نعيم الأصبهاني: شبرمة هذا في كتاب الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وذكر له هذا الحديث، وأنه توفي في حياة رسول الله عَّ له، وأما قوله: ((لا صرورة في الإسلام)) فقد قال الخطابي: إن الصرورة هو الذي أقلع عن النكاح بالكلية وأعرض عنه كرهبان النصارى، وله معنى آخر، وهو أنه: الذي لم يحج فيكون معناه: أن سنة الدين أن لا يبقى من الناس من يستطيع الحج إلاّ ويحج، وهذا ليس فيه دليل على أن من لم يحج عن نفسه لا يحج عن غيره. وقال النووي: هذا مبني على أن الحج على الفور أو التراخي، فذهب الشافعي إلى أنه على التراخي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن، وهو المروي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس. وقال مالك وأبو يوسف: هو على الفور، وهو قول المزني وقول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذلك. وقال أبو يوسف: مذهبه يقتضي أنه على الفور، وهو الصحيح، ذكره الطرطوشي واحتج لهم بما رواه الحاكم من حديث مهران بن أبي صفوان عن ابن عباس يرفعه: ((من أراد الحج فليعجل)) وقال أبو زرعة: مهران لم يعرف، وقال الحاكم: كان مولى لقريش ولا يعرف بجرح، وذكره ابن حبان في (الثقات) وصحح حديثه أيضاً أبو محمد الإشبيلي، وفي لفظ لأبي داود، من حديث إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي فيه لين، ١٨٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢) عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عن عبد الله، أو عن الفضل أو أحدهما عن الآخر، قال: قال رسول الله عَ له: ((من أراد الحج فليعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة)). وفي (مسند أحمد): ((تعجلوا إلى الحج، يعني الفريضة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له)). واحتج الشافعي وأصحابه بأن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة، وكان الفتح في رمضان سنة ثمان، فأقام عتاب للناس الحج سنة ثمان بأمر رسول الله عَّلِ، وكان رسول الله عَّ الله مقيماً بالمدينة ومعه عامة أصحابه، ثم غزا تبوك سنة تسع ولم يحج، وكان انصرافه عنها قبل الحج، فبعث أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، فأقام للناس الحج تلك السنة، ورسول الله عَ ليه معتمر هو وأزواجه وأصحابه مع القدرة على الحج، ثم حج سنة عشر، فدل على جواز التأخير. وفيه: دليل على أن المرأة يجوز لها أن تحج عن الرجل، وهو حجة على الحسن بن حي، رحمه الله تعالى، في منعه عن ذلك. وفيه: بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء الديون وغيره. وفيه: جواز أن يقال: حجة الوداع بدون كراهة. ٢ - بابُ قَوْلِ الله تعالى ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَّهُمْ﴾ [الحج: ٢٧]. أي: هذا باب في ذكر قول الله تعالى: ﴿يأتوك ... ﴾ [الحج: ٢٧]. إلى آخره. وإنما ذكر هذه الآية مترجماً بها تنبيهاً على أن اشتراط الراحلة في وجوب الحج لا ينافي جواز الحج ماشياً مع القدرة على الراحلة وعدم القدرة، لأن الآية اشتملت على المشاة والركبان، وذلك أن سبب نزول الآية أنهم كانوا لا يركبون على ما روى الطبراني، رحمه الله تعالى، من طريق عمرو بن ذر، رحمه الله تعالى. قال: قال مجاهد، رضي الله تعالى عنه: كانوا لا يركبون، فأنزل الله تعالى: ﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧]. فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر، وأول الآية: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك ... ﴾ [الحج: ٢٧]. الآية. قال المفسرون: لما فرغ إبراهيم، عَّهِ، من بناء البيت أمره الله تعالى أن يؤذن. قال إبراهيم عَّله: يا رب وما يبلغ أذاني؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فقام بالمقام، وقيل: على جبل أبي قبيس، وأدخل إصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً، وقال: يا أيها الناس! إن الله يدعوكم إلى الحج ببيته الحرام، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله تعالى أن يحج، فأجابوا: لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب يومئذ بعدد حج على قدره، قيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجاً، وهذا قول الجمهور. وقال قوم: المأمور بالتأذين محمد عَّلل أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، والتوفيق بين القولين أن النبي صَّله إنما أمره الله بذلك إحياء لسنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قلت: ﴿يأتوك﴾ [الحج: ٢٧]. على القول الأول خطاب لإبراهيم، عَّه، وعلى القول الثاني ١٨٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٢) لنبينا محمد عَّله، وهو مجزوم لأنه جواب الأمر، وهو قوله: ﴿أَذِّنْ﴾ [الحج: ٢٧]. قوله: ﴿رجالاً﴾ [الحج: ٢٧]. نصب على الحال من الضمير الذي في ﴿يأتوك﴾ [الحج: ٢٧]. وهو جمع راجل، كذا قاله أبو عبيد في (كتاب المجاز) نحو: صحاب وصاحب، وعن ابن عباس رجالاً، رجالة، وقرأ عكرمة مشدداً، وقرأ مجاهد مخففاً. وقال الجوهري: جمع الراجل رجل، مثل صاحب وصحب، ورجالة ورجال، والأراجيل جمع الجمع. قوله: ﴿وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧]. من الضمور، وهو الهزال، وقال أبو الليث: ﴿وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧]. يعني: الإبل وغيرها، فلا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلاّ وقد ضمر من طول الطريق، وضامر بغير هاء يستعمل للمذكر والمؤنث. وقال النسفي في (تفسيره) ﴿وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧]. حال معطوفة على: رجال، كأنه قيل: رجالاً وركباناً، والضامر البعير المهزول. قوله: ﴿يأتين﴾ [الحج: ٢٧]. صفة لكل ضامر، لأن: كل ضامر، في معنى الجمع أراد النوق. قوله: ﴿من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧]. أي: من كل طريق بعيد، ومنه قيل: بئر عميقة. وقرأ ابن مسعود: معيق، فقال: بئر بعيدة القعر. قوله: ﴿ليشهدوا﴾ [الحج: ٢٧]. أي: ليحضروا منافع لهم هي التجارة، وقيل: منافع الآخرة، وقيل: منافع الدارين جميعاً، وتمام الآية ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٧]. قوله: ﴿ويذكروا﴾ [الحج: ٢٧]. أي: وليذكروا اسم الله في أيام معلومات يعني: يوم النحر ويومين بعده، وقال مجاهد وقتادة: المعلومات: الأيام العشر، والمعدودات: أيام التشريق. قوله: ﴿على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٧]. متعلق بذكروا، والمعنى: ويذكروا اسم الله على ذبح أنعامهم، والمراد بالذكر التسمية، وهي قوله: بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك عن فلان، كان الكفار يدعون ويذبحون على أسماء أصنامهم، فبين الله تعالى أن الواجب الذبح على اسمه: ﴿بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٧]. الإبل والبقر والغنم. قوله: ﴿فكلوا منها﴾ [الحج: ٢٧]. فهو أمر إباحة، وكان أهل الجاهلية لا يرون ولا يستحلون الأكل من ذبائحهم. قوله: ﴿وأطعموا البائس﴾ [الحج: ٢٧]. أي: الذي اشتد فقره، وقال أبو الليث: البائس الصرير الزمن، والفقير الذي ليس له شيء. وقال الزجاج: البائس الذي أصابه البؤس وهو الشدة، وما يتعلق بذلك من الفقه عرف في موضعه. فِجَاجاً: الطَّرُقُ الوَاسِعَةُ قد جرت عادة البخاري أنه إذا وقعت لفظة في الحديث أو في الآية يذكر نظيرها مما وقع في الحديث أو القرآن، وذكر هنا: فجاجاً، يريد به ما وقع في قوله تعالى: ﴿لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً﴾ [الحج: ٢٧]. ثم فسر الفجاج بقوله: الطرق الواسعة، وهكذا فسرها الفراء في (المعاني) في سورة نوح، عليه الصلاة والسلام، وهو: جمع فج. قال ابن سيده: الفج الطريق الواسع في جبل أو في قبل جبل، وهو أوسع من الشعب. وقال ثعلب: هو ما انخفض من الطرق، وجمع على فجاج، وأفجة، الأخيرة نادرة. وقال صاحب (المنتهي): فجاج الأرض نواحيها. وفي (التهذيب): ﴿من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧]. أي: واسع غامض. ١٨٦ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢) ١١٣/ ١٥١٤ _ حدَّثنا أحْمَدُ بنُ عيسى قال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابِ أنَّ سالمَ بنَ عَبْدِ الله قال أخبره أنَّ ابنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما. قال رَأيْتُ رَسولَ الله عَِّ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيّ بِهِ قائِمَةٌ. [انظر الحديث ١٦٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ذكر الركوب وذكر الفج العميق. أما الركوب فهو قوله: ((يركب راحلته))، وأما الفج العميق فهو، ذو الحليفة، لأنه لا شك أن بينها وبين مكة عشر مراحل، وهو فج وعميق، وسنبسط الكلام فيها عن قريب، إن شاء الله تعالى، وبما ذكرنا سقط اعتراض الإسماعيلي، حيث قال: ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به، ولو وقع في خاطره ما ذكرنا من المطابقة الواضحة لما أقدم إلى الاعتراض. ذكر رجاله: وهم: ستة: أحمد بن عيسى أبو عبد الله التستري مصري الأصل، ولكنه كان يتجر إلى تستر فنسب إليها، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، كذا وقع في رواية أبي ذر بنسبته إلى أبيه، ووافقه أبو علي الشبوي، وأهمله الباقون، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وقال صاحب (التلويح): والذي رأيت في (مسند عبد الله بن وهب) رواية يونس بن عبد الأعلى عنه: أنبأنا يونس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه، قال: سمعت رسول الله عَّلّهِ يهل ملبياً، وابن شهاب محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم. وأخرجه مسلم عن حرملة، والنسائي عن عيسى بن إبراهيم. ذكر معناه: قوله: ((يركب راحلته))، والراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة، وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت. قوله: ((بذي الحليفة))، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء، وفي آخره هاء وهي شجرة منها يحرم أهل المدينة. وهي من المدينة على أربعة أميال ومن مكة على مائتي ميل غير ميلين، وقيل: بينها وبين المدينة ميل أو ميلان والميل ثلث فرسخ وهو أربعة آلاف ذراع، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول الله عَ لّهِ: المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس، والمسجد الآخر: مسجد المعرس. وقال ابن التين: هي أبعد المواقيت من مكة تعظيماً لإحرام النبي عَّهِ. قوله: ((ثم يهل))، بضم الياء: من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية. قوله: ((حتى تستوي)) أي: الراحلة. قوله: ((قائمة))، نصب على الحال. ذكر ما يستفاد منه: فيه: الركوب في سفر الحج والركوب فيه والمشي سواء في الإباحة، والكلام في الأفضلية، فقال قوم: الركوب أفضل اتباعاً للنبي عَّه ولفضل النفقة فإن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، كما أخرجه أحمد من حديث بريدة، وصحح جماعة أن المشي أفضل وبه قال إسحاق لأنه أشد على النفس، وفي حديث صححه ١٨٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٢) الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((من حج إلى مكة ماشياً حتى رجع كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: كل حسنة بمائة ألف حسنة)). وروى محمد بن كعب عن ابن عباس، قال: ما فاتني شيء أشد علي إلاَّ أن أكون حججت ماشياً، لأن الله تعالى يقول: ﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧]. أي: ركباناً، فبدأ بالرجال قبل الركبان، وذكر إسماعيل بن إسحاق عن مجاهد قال: أهبط آدم عَِّ بالهند فحج على قدميه البيت أربعين حجة، وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، حجا ماشيين، وحج الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما، خمسة وعشرين حجة ماشياً وأن النجائب لتقاد بين يديه، وفعله ابن جريج والثوري. وفي (المستدرك) من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، قال: ((حج رسول الله، عَّ له، وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، ثم قال اربطوا على أوساطكم مآزركم وامشوا مشي خلط الهرولة)). ثم قال: صحيح الإسناد. وفيه: أن رسول الله، عَّ له، أهل حين استوت راحلته قائمة، واستواؤها كمال قيامها، وبه احتج مالك وأكثر الفقهاء على أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة، واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقيب الصلاة إذا سلم منها، وقال الشافعي: يهل إذا أخذت ناقته في المشي، ومن كان يركب راحلته قائمة كما يفعله كثير من الحاج اليوم فيهل على مذهب مالك إذا استوى عليها راكباً. وقال عياض: جاء في رواية: ((أهل رسول الله، عَّ له، إذا استوت الناقة)). وفي رواية أخرى: ((حتى إذا استوت به عَِّ راحلته))، وفي أخرى ((حتى تنبعث به عَّ ناقته))، إن كان راكباً وإن كان راجلاً فحين يأخذ في المشي، وقال الشافعي: إن كان راكباً فكذلك. ١١٤ / ١٥١٥ _ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ قال أخبرنا الوَلِيدُ قال حدَّثنا الأوْزَاعِي سَمِعَ عَطَاءٌ يُحَدِّثُ عنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما أنَّ إِهْلالَ رسولِ الله عَّهِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حينَ اسْتَوَتْ بِهِ راحِلَتُهُ. مطابقته للترجمة من حيث إن النبي عَ ل قصد الحج راكباً، وهو مطابق لقوله: ﴿وعلى كل ضامر﴾ [الحج: ٢٧]. ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زادان التميمي الفراء أبو إسحاق تقدم في: باب غسل الحائض رأسها. الثاني: الوليد بن مسلم القرشي الأموي. مر في: باب وقت المغرب. الثالث: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. الرابعٍ: عطاء بن أبي رباح، وإن كان عطاء بن يسار روى عن جابر، لكن الأوزاعي لم يرو إلاّ عن أبي رباح. الخامس: جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإخبار كذلك في موضع. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: التحديث بصيغة الإفراد في ١٨٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٣) موضع. وفيه: أن شيخه مذكور في رواية الأكثرين بلا نسبة إلى أبيه وفي رواية أبي ذر: حدثنا إبراهيم بن موسى. وفيه: أنه رازي والوليد والأوزاعي دمشقيان وعطاء مكي. رَوَاهُ أَنَسّ وَابنُ عَبَّاس رضي الله تعالى عنهما أي: روى الحديث المذكور أنس بن مالك وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم، أما حديث أنس فسيأتي في: باب من بات بذي الحليفة، وحديث ابن عباس سيأتي في: باب ما يلبس المحرم. ٣ - بابُ الحَجُّ عَلَى الرَّحْلِ أي: هذا باب في بيان فضل الحج على الرحل، وهو بفتح الراء وسكون الحاء المهملة وفي آخره لام، وهو للبعير كالسرج للفرس، وفي (المخصص): الرحل مركب للبعير لا غير، ويجمع على أرحل ورحال، يقال: رحلت الرحل أرحله رحلاً: وضعته على البعير، وكذلك: ارتحلته، أي: وضعت عليه الرحل، ورحلته رحلة: شددت عليه أداته، وقد أشار البخاري بهذه الترجمة إلى أن ترك التزين والتزوق أفضل كما يجيء الآن أن عبد الرحمن حمل أخته عائشة، رضي الله تعالى عنها على قتب. ... / ١٥١٦ _ وقال أبانُ حدثنا مالِكُ بنُ دِينَار عنِ القَاسِمِ بنِ محَمَّدٍ عنْ عائِشةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ النبيَّ عَلَّ بعَثَ معَها أخاهَا عَبْدَ الرَّخَمنِ فأعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ وحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((على قتب)) لأن القتب هو الرحل الصغير على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، وأبان بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة وبالنون منصرفاً وغير منصرف: ابن يزيد العطار البصري، ومالك بن دينار الزاهد البصري التابعي الناجي، بالنون والجيم وياء النسبة، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، ولم يخرج البخاري له غير هذا الحديث، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. وهذا تعليق وصله أبو نعيم في (المستخرج) وقال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي حدثنا سهل بن أحمد وعلي بن العباس البجلي ويحيى بن صاعد، قالوا: حدثنا عبدة ابن عبد الله حدثنا حرمي بن عمار حدثنا أبان - يعني: ابن يزيد العطار - حدثنا مالك فذكره. قوله: ((معها))، أي: مع عائشة، رضي الله تعالى عنها، قوله: عبد الرحمن هو ابن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وكان شقيق عائشة، وأمها أم رومان بنت عامر، وكان اسم عبد الرحمن في الجاهلية عبد العزى، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله عَ لِ: عبد الرحمن، روي له عن رسول الله عَّ ثمانية أحاديث اتفقا على ثلاثة، مات بالحبشي على اثني عشر ميلاً من مكة، فحمل ودفن في مكة في إمرة معاوية سنة ثلاث وخمسين. قوله: ((فأعمرها))، أي: حملها على العمرة. قوله: ((من التنعيم))، بفتح التاء المثناء من فوق ١٨٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٣) وسكون النون وكسر العين المهملة: موضع عند طرف حرم مكة من جهة المدينة على ثلاثة أميال من مكة. قوله: ((على قتب))، بفتح التاء المثناء من فوق وفي آخره باء موحدة: وهو رحل صغير على قدر السنام، والجمع: أقتاب، ويجوز تأنيثه عند الخليل. وفي (المحكم): القتب والقتب: إِكاف البعير. وفي (المخصص): وقيل: القتب لبعير الحمل، والقتب بالكسر البعير السانية. ذكر ما يستفاد منه: احتج به قوم منهم عمرو بن دينار على أن وقت العمرة لمن كان بمكة هو التنعيم، وقال جمهور العلماء من التابعين وغيرهم، منهم أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون: وقت العمرة لمن كان بمكة الحل، وهو خارج الحرم: فمن أي الحل أحرموا بها جاز، سواء ذلك التنعيم أو غيره من الحل. وقال الطحاوي: إنه قد يجوز أن يكون النبي عَّ لـ قصد إلى التنعيم لأنه كان أقرب المحل منها، لأن غيره من الحل ليس هو في ذلك كهو، ويحتمل أيضاً أن يكون أراد به التوقيت لأهل مكة في العمرة، فنظرنا في ذلك فإذا يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا أبو عامر صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: دخل علي رسول الله عٍَّ بسرف وأنا أبكي، فقال: ما ذاك؟ قلت: حضت. قال: فلا تبكي، إصنعي ما يصنع الحاج، فقدمنا مكة ثم أتينا منىّ ثم غدونا إلى عرفة ثم رمينا الجمرة، تلك الأيام، فلما كان يوم النفر فنزل الحصبة، قالت: والله ما نزلها إلاّ من أجلي، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه فقال: إحمل أختك فأخرجها من الحرم . - قالت: والله ما ذكر الجعرانة ولا التنعيم - فلتهل بعمرة، فكان أدناها من الحرم التنعيم، فأهللت بعمرة، فطفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة، ثم أتينا فارتحل، فأخبرت عائشة أن النبي عَ لّم لم يقصد لما أراد أن يعمرها إلاَّ إلى الحل لا إلى موضع منه بعينه خاصاً، وأنه إنما قصد بها عبد الرحمن التنعيم لأنه كان أقرب الحل إليهم لا لمعنى فيه يبين به من سائر الحل غيره، فثبت بذلك أن وقت نزول أهل مكة لعمرتهم الحل، وأن التنعيم في ذلك وغيره سواء. وقال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ: شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجّ فإنَّهُ أحَدُ الجِهَادَيْنِ مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن الرحال جمع رحل، وقد ذكرنا أن القتب هو الرحل الصغير. وهذا التعليق وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي ((عن عابس بن ربيعة أنه سمع عمر، رضي الله تعالى عنه، يقول وهو يخطب: إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال إلى الحج والعمرة فإنه أحد الجهادين)). سماه جهاداً لأنه يجاهد فيه نفسه بالصبر على مشقة السفر وترك الملاذ ودرء الشيطان عن الشهوات، وعابس بكسر الباء الموحدة وبالسين المهملة. ... / ١٥١٧ - وقال محَمَّدُ بنُ أبِي بَكْرٍ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدَّثنا عَزْرَةُ بنُ ثَابِتٍ عنْ ثُمَامَةً بِنَ عَبْدِ الله بنِ أنَس. قال حَجَّ أنَس عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحاً وحدَّثَ أنَّ ١٩٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٣) رسولَ الله عَلَّه حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وكَانَتْ زَامِلَتَهُ. مطابقته للترجمة واضحة. ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: محمد بن أبي بكر المقدمي، بفتح الدال المشددة، وهو شيخ البخاري وقد علق عنه هنا، ووقع كذلك في غير ما نسخه، وذكره عنه غير واحد، ووقع في بعض النسخ: حدثنا محمد بن أبي بكر. الثاني: يزيد - من الزيادة - ابن زريع - مصغر زرع - وقد تقدم. الثالث: عزرة، بفتح العين المهملة وسكون الزاي وبالراء: ابن ثاب، بالثاء المثلثة ثم بالباء الموحدة: الأنصاري. الرابع: ثمامة، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم، مر في: باب من أعاد الحديث ثلاثاً. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالی عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: رواية الرجل عن جده، وقد ذكرنا أنه معلق بما فيه من الخلاف، وقد ولى له الإسماعيلي فرواه عن يوسف القاضي وأبي يعلى والحسن، قالوا: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ورواه أبو نعيم عن علي بن هارون، وأبو الفرج النسائي، قالا: حدثنا يوسف القاضي حدثنا محمد، فذكره. وروى ابن أبي شيبة عن وكيع: حدثنا زريع عن زيد بن أبان ((عن أنس، قال: حج رسول الله، عَّهِ، على رحل وقطيفة تسوأن، وقال: لا تساوي إلا أربعة دراهم)). ورواه ابن ماجه، قال: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة)). وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن الحارث أن النبي عَّ له حج على رحل فاهتز، وقال مرة: فاحتج فقال: لا عيش إلا عيش الآخرة. قوله: ((ولم يكن شحيحاً)) أي: بخيلاً، أي: لم يكن تركه الهودج والاكتفاء بالقتب للبخل، بل لمتابعة رسول الله، عَّهِ. قوله: ((وكانت))، أي: وكانت الراحلة التي ركبها زاملته، ودل على هذا قوله: ((على رحل))، والزاملة، بالزاي: البعير الذي يستظهر به الرحل، يحمل متاعه وطعامه عليه، وهي من الزمل وهو الحمل، والحاصل أنه لم يكن معه غير راحلته لحمل متاعه وطعامه وهو راكب عليها، فكانت هي الراحلة والزاملة. وقال ابن سيده: الزاملة هي الدابة التي يحمل عليها من الإبل وغيرها، والزوملة: البعير التي عليها أحمالها، فأما العير فهي ما كان عليها أحمالها، وما لم يكن. وروى سعيد بن منصور من طريق هشام بن عروة، قال: كان الناس يحجون وتحتهم أزوادهم، وكان أول من حج وليس تحته شيء عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه. ١١٥/ ١٥١٨ _ حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قال حدَّثنا أبو عاصِم قال حدَّثنا أَيْمَنْ بن نابِل قال حدَّثنا القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ عن عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّهَا قالَتْ يا رسولَ اللهِ اعْتَمَرْتُمْ ولَمْ أَعْتَمِرْ فقال يا عَبْدَ الرَّحْمنِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فأعْمِرْها مِنَ التَّنْعِيمِ فَأحْقَبَهَا عَلى ناقَةٍ فاعْتَمَرَتْ. [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه]. ١٩١ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٤) مطابقته للترجمة في قوله: ((فأحقبها))، لأن معناه: حملها على حقيبة الرحل. ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: عمرو، بفتح العين: ابن علي الفلاس. الثاني: أبو عاصم النبيل واسمه الضحاك بن مخلد. الثالث: أيمن، بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الميم وفي آخره نون: ابن نابل، بالنون وبعد الألف باء موحدة وباللام: العابد الزاهد الفاضل، وكان لا يفصح لما فيه من اللكنة. الرابع: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. الخامس: عائشة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه بصري وشيخ شيخه أيضاً، ولكنه روى عنه بالواسطة وهو أيضاً بصري، وأيمن مكي تابعي والقاسم مدني. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. وفيه: رواية الرجل عن عمته. والحديث أخرجه النسائي أيضاً في الحج عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر ((عن أيمن نحوه، أنها قالت: يا رسول الله! تخرج نساؤك بعمرة وحجة وأنا أخرج بحجة؟ قال: يا عبد الرحمن .. )) فذكره. ذكر معناه: قوله: ((فأعمرها))، بقطع الهمزة أمر من الإعمار. قوله: ((فأحقبها)) أي: أردفها أي: أحقب عبد الرحمن عائشة، ومنه سمي المردف: الحقب، والمحقب حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير. ٤ - بابُ فَضْلِ الحَجّ المَبرُورِ أي: هذا باب في بيان فضل الحج المبرور أي: المقبول، قاله ابن خالويه، وقال غيره: الحج المبرور الذي لا يخالطه شيء من المأثم، وهو من البر وهو اسم جامع للخير، يقال: بر عمله وبر عمله، بفتح الباء وضمها، بريراً وبروراً، وأبره الله تعالى. قال الفراء: بُر حجه، فإذا قالوا: أبر الله حجك قالوه بالألف. وقال ثعلب: بر حجك لأن العامة تقول: بر حجك، بفتح الباء، يجعلون الفعل للحج، وإنما الحج مفعول به مبرور وليس ببار، وحكى أبو عبيد واللحياني وابن التياني وأبو المعاني وأبو نصر في آخرين: بر، بفتح الباء. ١١٦/ ١٥١٩ - حدَّثنا عَبْدُ العَزيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدٍ ابنِ المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال سُئِلَ النبيُّ عَ لَّهِ أَيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ قالَ إِيمَانٌ بالله ورسُولِهِ قِيلَ ثُمَّ ماذَا قال جِهَادٌ فِي سَبِيلِ الله قِيلَ ثُمَّ ماذا قال حَجِّ مَبْرُورٌ. [انظر الحديث ٢٦]. مطابقته للترجمة ظاهرة. والحديث تقدم في كتاب الإيمان في: باب من قال إن الإيمان هو العمل، فإنه أخرجه هناك: عن أحمد بن يونس وموسى بن إسماعيل كلاهما عن إبراهيم بن سعد إلى آخره، وههنا أخرجه: عن عبد العزيز بن عبد الله ابن يحيى بن عمرو أبو القاسم ١٩٢ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٤) القرشي العامري الأويسي المدني. وهو من أفراد البخاري وبقية الكلام مرت هناك. ١٥٢٠/١١٧ - حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ المُبَارَكِ قال حدَّثنا خالِدٌ قال أخبرنا حَبِيبُ بنُ أبي عَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ بِئْتِ طَلْحَةَ عنْ عَائِشَةً أُمَّ المُؤْمِنِينَ رضي الله تعالى عنها أنَّها قالَتْ يا رسولَ اللهِ نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العمَلِ أَفَلاَ نُجَاهِدُ قال لَاَ لُكِنْ أَفْضلَ الجِهادِ حَجّ مَبرُورٌ. [الحديث ١٥٢٠ - أطرافه في: ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله العيشي، بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة. الثاني: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان. الثالث: حبيب بن أبي عمرة، بفتح العين المهملة وسكون الميم وفتح الراء وفي آخرها هاء: القصاب. الرابع: عائشة بنت طلحة بنت عبيد الله التميمية القرشية، وكانت من أجمل نساء قريش، أصدقها مصعب بن الزبير ألف ألف درهم. الخامس: أم المؤمنين عائشة الصديقة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه ليس أخا لعبد الله بن المبارك الفقيه المشهور فإنه مروزي وشيخ البخاري بصري من بني عيش. وفيه: أن خالداً واسطي وأن حبيباً كوفي وأن عائشة بنت طلحة مدنية. وفيه: رواية التابعية عن الصحابية. وفيه: روايتها عن خالتها، فإن عائشة الصديقة حالة عائشة بنت طلحة لأن أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد: عن مسدد عن خالد بن عبد الله، وفي الحج أيضاً: عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد، وفي الجهاد أيضاً: عن قبيصة عن سفيان. وأخرجه النسائي في الحج عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير عن حبيب بن أبي عمرة نحوه. وأخرجه ابن ماجه، رضي الله تعالى عنه، فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة. ذكر معناه: قوله: ((أفلا نجاهد؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((قال: لا))، أي: لا تجاهدن، قوله: ((لكن))، في رواية الأكثرين بضم الكاف والنون لجماعة النساء خطاباً لهن، وقال القابسي: هذا هو الذي تميل إليه نفسي، وفي رواية الحموي: ((ولكن))، بكسر الكاف وزيادة الألف قبلها بلفظ الاستدراك. قلت: فعلى هذه الرواية اسم لكن هو قوله: ((أفضل الجهاد)) بالنصب وخبرها هو قوله: ((حج مبرور))، والمستدرك منه يستفاد من السياق تقديره: ليس لكن الجهاد ولكن أفضل الجهاد في حقكن حج مبرور، وعلى الرواية الأولى: أفضل الجهاد مرفوع على الابتداء وخبره هو قوله: لكن، تقديره: أفضل الجهاد لكن حج مبرور، وفي لفظ النسائي: ((ألا نخرج فنجاهد معك؟ .. فإني لا أرى عملاً في ١٩٣ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٤) القرآن العظيم أفضل من الجهاد؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور)). وفي رواية ابن ماجه: ((عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قلت: يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ قال النبي عَّهِ: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)). وعنده أيضاً عن أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، قال النبي، عَّةِ: ((الحج جهاد كل ضعيف)). وفي رواية النسائي رحمه الله تعالى، بسند لا بأس به عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: ((جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة)). وإنما قيل للحج جهاد لأنه يجاهد في نفسه بالكف عن شهواتها الشيطان ودفع المشركين عن البيت باجتماع المسلمين إليه من كل ناحية. ذكر ما يستفاد منه: قال المهلب: في هذا وفي إذن عمر، رضي الله تعالى عنه، لهن بالحج إبطال إفك المشغبين وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب من أن النبي عَ لَّه قال الأزواجه: هذه، ثم ظهور الحصر)) وهذا ظاهر الاختلاق لأنه حضهن على الحج وبشرهن أنه أفضل جهادهن، وإذن عمر لهن، وسير عثمان معهن حجة قاطعة على ما كذب به على النبي، عَّ لّ في أمر أم المؤمنين، وكذا قولهم عنه: إنه قال لها: تقاتلي علياً وأنت له ظالمة، فإنه لا يصح. انتهى. قوله: ((وأذن عمر لهن وسير عثمان معهن)) أراد به الحديث الذي رواه البخاري، رحمه الله تعالى في: باب حج النساء في أواخر كتاب الحج، قال: قال لي أحمد بن محمد: ((حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده: أذن عمر، رضي الله تعالى عنه، لأزواج النبي عَّه في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنهم)). قلت: إنكار المهلب قوله عَّلِ: هذه ثم ظهور الحصر لا وجه له، فإن أبا داود رواه في (سننه) وقال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبي واقد الليثي عن أبيه، قال: سمعت رسول الله عَّالله يقول لأزواجه في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر، قال ابن الأثير: وفي الحديث ((أفضل الجهاد وأجمله حج مبرور ثم لزوم الحصر)). وفي رواية أنه قال لأزواجه: ((هذه ثم لزوم الحصر)) أي: إنكن لا تعدن تخرجن من بيوتكن وتلزمن الحصر، هي: جمع الحصير الذي يبسط في البيت، وتضم الصاد وتسكن تخفيفاً. وأما حديث: تقاتلي علياً وأنت له ظالمة، فليس بمعروف، والمعروف أن هذا قاله للزبير بن العوام، والله أعلم، وسند حديثه ضعيف، وقال المهلب أيضاً، قوله: ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور)) تفسير قوله: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن﴾ [الأحزاب: ٣٣]. الآية ليس على الفرض لملازمة البيوت كما زعم من أراد تنقيص أم المؤمنين في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها، لأنه قال: ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور)) فدل أن لهن جهاداً غير الحج، والحج أفضل منه. فإن قيل: النساء لا يحل لهن الجهاد؟ قيل له: قالت حفصة، رضي الله تعالى عنهما: قدمت علينا امرأة عمدة القارىء / ج٩ / م١٣ ١٩٤ ٢٥ - كِتَابُ الحَجِّ / باب (٤) غزت مع رسول الله عَ لّم ست غزوات، وقالت: كنا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى. وفي (الصحيح): وكان عَّه إذا إراد الغزو أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها غزا بها. وقال ابن بطال: وإنما جعل الجهاد حديث أبي هريرة أفضل من الحج لأن ذلك كان في أول الإسلام وقلته، وكان الجهاد فرضاً متعيناً على كل أحد، فأما إذا ظهر الإسلام وفشا وصار الجهاد من فروض الكفاية على من قام به، فالحج حينئذ أفضل، ألاَّ ترى قوله عَ لّه لعائشة: ((أفضل جهاد كن الحج))، لما لم تكن من أهل الغناء والجهاد للمشركين، فإن حل العدو بيلدة واجتيح إلى دفعه وكان له ظهورة وقوة وخيف منه فرض الجهاد على الأعيان كان أفضل من الحج. ١٥٢١/١١٨ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا سَيَّارٌ أبو الحَكَم قال سَمِعْتُ أبا حازِمٍ قال سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال سَمِعْتُ النبيّ عََّلَّهِ يَقُولُ مَنْ حَجَّ الله فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ. [الحديث ١٥٢١ - طرفاه في: ١٨١٩، ١٨٢٠]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((رجع كما ولدته أمه)). ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: آدم بن أبي إياس. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: سيار، بفتح السين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبعد الألف راء على وزن فعال، فقال أبو الحكم: بفتحتين، مر في أول التيمم. الرابع: أبو حازم، بالحاء المهملة والزاي: اسمه سليمان الأشجعي مات في أيام عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، وأما أبو حازم سلمة بن دينار صاحب سهل بن سعد فلم يسمع من أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: راويان مذكوران بالكنية أحدهما باسمه. وفيه: راويان ذكرا بلا نسبة إلى الأب، وفيه: أن شيخه من خراسان وسكن عسقلان وشعبة وسيار واسطيان وأبو حازم كوفي. والحديث أخرجه مسلم عن هشيم بن منصور. ذكر معناه: قوله: ((من حج الله))، وفي رواية للبخاري: ((من حج هذا البيت))، وفي رواية مسلم من طريق جرير عن منصور: ((من أتى هذا البيت))، وفي رواية الدارقطني من طريق الأعمش عن أبي حازم بلفظ: ((من حج أو اعتمر))، وفي رواية الترمذي من حديث ابن مسعود: ((تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة)). وفي رواية أحمد من حديث جابر: ((الحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنة، قالوا: يا رسول الله! ما الحج المبرور؟ قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام، وفيه مقال))، وقال أبو حاتم: هذا حديث منكر يشبه الموضوع، وفي ١٩٥ ٢٥ - كِتَابُ الحَجُ / باب (٥) رواية الحاكم من حديث جابر: ((سئل النبي عَ له: ما بر الحج؟ قال إطعام الطعام وطيب الكلام)). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قوله: ((فلم يرفث))، بضم الفاء وكسرها، الفاء فيه عطف على الشرط، أعني قوله: ((من)، ويرفث بضم الفاء وكسرها وفتحها، والأفصح الفتح في الماضي، والضم في المستقبل. وقال ابن سيده: الرفث: الجماع، وقد رفث إليها ورفث في كلامه يرفث رفثاً وأرفث: أفحش، والرفث: التعريض بالنكاح. وفي (الجامع): الرفث اسم جامع لكل شيء مما يريد الرجل من المرأة. قوله: ((ولم يفسق))، الفسق العصيان والترك لأمر الله تعالى، والخروج عن طريق الحق. فسق يفسق ويفسق فسقاً وفسوقاً، وفسق، بالضم عن اللحياني، وقال: رواه الأحمر ولم يعرفه الكسائي. وقيل: الفسق الخروج عن الدين، ورجل فاسق وفسيق وفسق، ويقال في المرء: يا فسق، وللأنثى يا فساق، والفسق الخروج عن الأمر، ذكره ابن سيده. وقال القزاز: أصله من قولهم: انفسقت الرطبة إذا أخرجت من قشرها، فسمي بذلك الفاسق لخروجه من الخير وانسلاحه منه. وقيل: الفاسق الجائز. قالوا: والفسق والفسوق في الدين اسم إسلامي لم يسمع في الجاهلية ولا يوجد في أشعارهم، وإنما هو محدث سمي به الخارج عن الطاعة بعد نزول القرآن العظيم. وقال ابن الأعرابي: لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم: فاسق، وهذا عجيب، وهو كلام عربي. قوله: ((رجع كيوم ولدته أمه)) أي: رجع مشابهاً لنفسه في البراء من الذنوب في يوم ولدته أمه، ورجع بمعنى: صار، جواب الشرط. ولفظ: ((كيوم)) يجوز فيه البناء على الفتح. فإن قلت: ذكر هنا الرفث والفسوق ولم يذكر الجدال، كما في القرآن؟ قلت: اعتماداً على الآية، والله أعلم. ٥ - بابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ أي: هذا باب في بيان فرض مواقيت الحج والعمرة، والفرض هنا يجوز أن يكون بمعنى التقدير، وأن يكون بمعنى الوجوب. وقال بعضهم: الظاهر بمعنى الوجوب وهو نص البخاري، واستدل عليه بقوله في: باب ميقات أهل المدينة: ولا يهلوا قبل ذي الحليفة. قلت: قوله: ((ولا يهلوا، قبل ذي الحليفة)) لا يدل على عدم جواز الإهلال من قبل ذي الحليفة، لاحتمال أن يكون ذلك ترك الاستحباب في الإهلال قبل ذي الحليفة، وأن يكون معنى قوله: ((ولا يهلوا)): ولا يستحب لهم أن يهلوا قبل ذي الحليفة ألا ترى أن الجمهور جوزوا التقدم على المواقيت، على أن ابن المنذر نقل الإجماع على الجواز في التقدم عليها. ومذهب طائفة من الحنفية والشافعية: الأفضل في التقدم، والمنقول عن مالك كراهة ذلك لا يدل على أنه يرى عدم الجواز، وكذلك المنقول عن عثمان، رضي الله تعالى عنه، أنه كره أن يحرم من خراسان. فإن قلت: نقل عن إسحاق وداود عدم الجواز. قلت: مخالفتهما للجمهور لا تعتبر، ولئن سلمنا ذلك فمن أين علم أن البخاري معهما في ذلك؟ فإن قلت: تنصيصه في الترجمة على لفظ الفرض يدل على أنه يرى ذلك. قلت: لا نسلم لاحتمال أن يكون أراد بالفرض معنى التقدير، بل الراجح هذا لأنه وقع في بعض النسخ: باب فضل مواقيت الحج ١٩٦ مسـ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥) والعمرة، وقال هذا القائل أيضاً: ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه. قلت: لا نسلم صحة هذا القياس لوجود الفارق وهو أن الميقات الزماني منصوص عليه بالقرآن، بخلاف الميقات المكاني. ثم اعلم أن المواقيت جمع: ميقات، على وزن: مفعال، وأصله موقات قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، من: وقت الشيء يقته، إذا بين حده، وكذا وقته يوقته، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات، والميقات يطلق على الزماني والمكاني، وههنا المراد المكاني. ١١٩ / ١٥٢٢ - حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ قال حدَّثنا زُهَيْرٌ قال حدَّثني زَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ أتى عَبْدَ الله بنَ عُمَر رضي الله تعالى عنهماِ فِي مَنْزِلِهِ ولَهُ فُسْطَاطٌ وسُرادِقٌ فسَألْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِر قال فَرَضَهَا رسولُ الله عَلِ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً وَلأَهلِ المَدينَةِ ذَا الخُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشأمِ الجُخْفَةَ .. [انظر الحديث ١٣٣ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، فإن فيه بيان توقيت لأهل هذه الأماكن الثلاثة. ذكر رجاله: وهم: أربعة: الأول: مالك بن إسماعيل أبو غسان، مر في: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. الثاني: زهير، بضم الزاي وفتح الهاء - مصغر الزهر -: ابن معاوية الجعفي، مر في: باب لا يستنجي بروث. الثالث: زيد بن جبير، بضم الجيم وفتح الباء الموحدة: ابن حرمل الجشمي، من بني جشم بن معاوية. الرابع: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: السؤال. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته الثلاثة كوفيون. وفيه: أن زيد بن جبير ليس له في البخاري إلاّ هذا الحديث، وفي الرواة زيد بن جبيرة، بفتح الجيم وزيادة هاء في آخره، لم يخرج له البخاري شيئاً. وهذا الحديث بهذا الوجه من أفراد البخاري، رحمه الله. ذكر معناه: قوله: ((وله فسطاط))، هو بيت من شعر، وفيه ست لغات: فسطاط وفستاط وفساط، بالضم والكسر فيهن، وقد بسطنا الكلام فيه فيما مضى. قوله: ((وسرادق))، هي واحدة السرادقات التي تحد فوق صحن الدار، وكل بيت من كرسف فهو سرادق، وكل ما أحاط بشيء فهو سرادق، ومنه: ﴿وأحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٩]. وقيل: السرادق ما يجعل حول الخباء بينه وبينه فسحة كالحائط، ونحوه، وظاهره أن ابن عمر كان معه أهله وأراد سترهم بذلك لا للتفاخر. قوله: ((فسألته))، فيه التفات لأنه قال أولاً: إنه أتى ابن عمر، فكان السياق يقتضي أن يقول: فسأله، ووقع عند الإسماعيلي: فدخلت عليه فسألته. قوله: ((فرضها))، أي: قدرها وبيَّنها، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المواقيت بالقرينة الحالية، قال بعضهم: ويحتمل أن يكون المراد: أوجبها، وبه يتم مراد المصنف، ويؤيده قرينة قول السائل: من أين يجوز؟ قلت: من أين علم أن البخاري فرض الإهلال من ميقات من المواقيت حتى يكون تفسير قوله: فرضها، بمعنى: أوجبها حتى يتم مراده. ١٩٧ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٥) قوله: ((لأهل نجد))، النجد في اللغة: ما أشرف من الأرض واستوى، ويجمع على: أنجد وأنجاد ونجود ونجد، بضمتين. وقال القزاز: سمي نجداً لعلوه. وقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه وكثرة حجارته وصعوبته، من قولهم: رجل نجد إذا كان قوياً شديداً. وقيل: يسمى نجد الفزع من يدخله لاستيحاشه واتصال فزع السالكين له، من قولهم: رجل نجد، إذا كان فزعاً، ونجد مذكر. ولو أنثه أحد ورده على البلد لجاز له ذلك، والعرب تقول: نجد ونجد، بفتح النون وضمها. وقال الكلبي في (أسماء البلدان): ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب إلى الطائف، فالطائف من نجد وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان، وقال أبو عمر: نجد، ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحدَّه مما يلي المغرب: الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن، ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال ابن الأثير: نجد ما بين العذيب إلى ذات عرق وإلى اليمامة وإلى جبل طيء وإلى وجرة وإلى اليمن، والمدينة لا تهامية ولا نجدية، فإنها فوق الغور ودون نجد. وقال الحازمي: نجد: إسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن والعراق والشام. وقال السكري: حد نجد ذات عرق من ناحية الحجاز، كما يدور الجبال معها إلى جبال المدينة، وما وراء ذلك ذات عرق إلى تهامة. وقال الخطابي نجد ناحية المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها. وذكر في (المنتهى): نجد من بلاد العرب، وهو خلاف الغور أعني: تهامة وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. قوله: ((قرنا)) بفتح القاف وسكون الراء، وقال الجوهري: هو بفتحها، وغلطوه، وقال القابسي: من قال بالسكون أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال بالفتح أراد الطريق الذي يعرف منه، فإنه موضع فيه طرق متفرقة. وقال ابن الأثير في (شرح المسند): وكثيراً ما يجيء في ألفاظ الفقهاء وغيرهم بفتحها، وليس بصحيح. وقال ابن التين: رويناه بالسكون، وعن الشيخ أبي الحسن أن الصواب فتحها، وعن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن: إن قلت: قرن المنازل، أسكنته، وإن قلت: قرنا، فتحت. قلت: لما قاله الجوهري بالفتح، ومنه أويس القرني، وقال النسابون: أويس منسوب إلى قرن، بالفتح: اسم قبيلة، وهو على يوم وليلة من مكة. وقال ابن قرقول: هو قرن المنازل وقرن الثعالب وقرن غير مضاف، وقال الكرماني: وفي بعض الرواية كتبت بدون الألف، فهو إما باعتبار العلمية والتأنيث، وإما على اللغة الربيعية حيث يقفون على المنون بالسكون فيكتب بدون الألف، لكن يقرأ بالتنوين. انتهى. قلت: على الوجه الأول هو غير منصرف للعلمية والتأنيث، فلا يقرأ بالتنوين. قوله: ((ذا الحليفة)) أي: عين لأهل المدينة ذا الحليفة، وقد فسرناها عن قريب. قوله: ((ولأهل الشام الجحفة))، أي: قدر الجحفة، وهي بضم الجيم وسكون الحاء المهملة. وقال أبو عبيد: هي قريبة جامعة بها منبر، بينها وبين البحر ستة أميال، وغدير خم على ثلاثة أميال منها، وهي ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب، وهي على ثلاثة مراحل من مكة أو أكثر، وعلى ثمانية مراحل من المدينة، سميت بذلك لأن السيول أجحفت بما حولها. وقال الكلبي: أخرجت العماليق بني عبيل، وهم أخوة عاد، من يثرب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها: ١٩٨ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٦) مهيعة، فجاءهم السيل فأجحفتهم، فسميت الجحفة، وفي كتاب (أسماء البلدان): لأن سيل الجحاف نزل بها. فذهب بكثير من الحاج وبأمتعة الناس ورحالهم، فمن ذلك سميت: الجحفة. وقال أبو عبيد، وقد سماها رسول الله عَ له: مهيعة، بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء آخر الحروف والعين المهملة، وقال القرطبي: قال بعضهم بكسر الهاء. وقال ابن حزم، رحمه الله تعالى: الجحفة ما بين المغرب والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلاً والله تعالى أعلم. ذكر ما يستفاد منه: فيه: رد على عطاء والنخعي والحسن في زعمهم أن لا شيء على من ترك الميقات ولم يحرم، وهو يريد الحج والعمرة، وهو شاذ. ونقل ابن بطال عن مالك وأبي حنيفة والشافعي أنه يرجع من مكة إلى الميقات، واختلفوا إذا رجع: هل عليه دم أم لا؟ فقال مالك والثوري في رواية: لا يسقط عنه الدم برجوعه إليه محرماً، وهو قول ابن المبارك. وقال أبو حنيفة: إن رجع إليه فلبى فلا دم عليه برجوعه إليه محرماً، وإن لم يلب فعليه دم. وقال الثوري في رواية، وأبو يوسف ومحمد والشافعي: لا دم عليه إذا رجع إلى الميقات بعد إحرامه على كل وجه أي: قبل أن يطوف، فإن طاف فالدم باق، وإن رجع. قال الكرماني: فإن قلت: الإحرام بالعمرة لا يلزم أن يكون من المذكورات، بل يصح من الجعرانة، ونحوها. قلت: هي للمكي وأما الآفاقي فلا يصح له الإحرام بها إلاّ من المواضع المذكورة. ٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. أي: هذا باب في بيان التزود المأمور به في قول الله تعالى: ﴿وتزودوا﴾ [البقرة: ١٩٧]. وإنما أمر بالتزود ليكف الذي يحج وجهه عن الناس. قال العوفي: عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه: (( كان أناس يخرجون من أهليهم ليس معهم زاد، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس)» وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: ((كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زاداً آخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [البقرة: ١٩٧]. فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق، ثم لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، وذكر أنه خير من هذا وأنفع. قال عطاء الخراساني: في قوله: ﴿فإن خير الزاد التقوى﴾ [البقرة: ١٩٧]. يعني: زاد الآخرة، وروى الطبراني من حديث قيس عن جرير بن عبد الله عن النبي صَ لّهِ، قال: ((من تزود في الدنيا ينفعه في الآخرة). ثم قال: ﴿واتقونِ يا أولي الألباب﴾ [البقرة: ١٩٧]. يقول: اتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني، ولم يأتمر بأمري يا ذوي العقول والأفهام. ١٢٠/ ١٥٢٣ - حدَّثنا يَحيَى بنُ بِشْرٍ قال حذَّثنا شَبابَةُ عنْ وَرْقَاءَ عن عَمْرِو بنِ دِينَارٍ ١٩٩ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٦) عن ◌ِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ نَحنُ المُتَوَكِّلُونَ فإذا قَدِمُوا المَدينةَ سَأَلُوا النَّاسَ فَأَنْزِلَ الله تعالى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين سبب نزول الآية التي ترجم بها الباب. ذكر رجاله: وهم: ستة: الأول: يحيى بن بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: أبو زكريا أحد عباد الله الصالحين، مات سنة ثنتين وثلاثين ومائتين. الثاني: شبابة، بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى: ابن سوار الفزاري، مر في: باب الصلاة على النفساء، في كتاب الحيض. الثالث: ورقاء مؤنث الأورق، ابن عمرو ابن كليب أبو بشر اليشكري، مر في: باب وضع الماء في الخلاء، الرابع: عمرو، بفتح العين: ابن دينار، مر في: باب كتاب العلم. الخامس: عكرمة مولى ابن عباس. السادس: عبد الله ابن عباس، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه بلخي وأن شبابة مدائني وأن أصل ورقاء من خوارزم، وقيل؛ من الكوفة، سكن المدائن، وأن عمرو بن دينار مكي وأن عكرمة مدني وأصله من البربر. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في الحج عن أبي مسعود أحمد بن الفرات ومحمد بن عبد الله المخرمي، كلاهما عن شبابة. وأخرجه النسائي في السير وفي التفسير عن سعید ابن عبد الرحمن. ذكر معناه: قوله: ((فإذا قدموا المدينة))، هذه رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((فإذا قدموا مكة)) وهو الأصوب، كذا أخرجه أبو نعيم من طريق محمد بن عبد الله المخرمي عن شبابة، وهو الأصح. قوله: ((التقوى)) أي: الخشية من الله تعالى. وفيه: من الفقه: ترك سؤال الناس من التقوى، ألا يرى أن الله تعالى مدح قوماً، فقال: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وكذلك معنى آية الباب، أي: تزودوا فلا تؤذوا الناس بسؤالكم إياهم، واتقوا الإثم في أذاهم بذلك. وفيه: أن التوكل، لا يكون مع السؤال، وإنما التوكل على الله بدون استعانة بأحد في شيء، ويبين ذلك قوله، عَّلِ: ((يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، وهم الذي لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون))، فهذه أسباب التوكل وصفاته، وقال الطحاوي: لما كان التزود ترك المسألة المنهي عنها في غير الحج، وكانت حراماً على الأغنياء قبل الحج، كانت في الحج أوكد حرمة. وفيه: زجر عن التكفف وترغيب في التعفف والقناعة بالإقلال، وليس فيه مذمة للتوكل، نعم المذلة على سؤالهم إذ ما كان ذلك توكلاً بل تأكلاً، وما كانوا متوكلين بل متأكلين، إذ التوكل هو قطع النظر عن الأسباب مع تهيئة الأسباب، ولهذا قال عَّ له: ((قيدها وتوكل)). ٢٠٠ ٢٥ - كِتَابُ الحَجّ / باب (٧) رَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ عَمْرِو عنْ عِكْرِمَةَ مُزسلاً. أي: روى هذا الحديث المذكور سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة مرسلاً، يعني: لم يذكر ابن عباس، وهكذا أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة، وكذا أخرجه الطبري عن عمرو بن علي وابن أبي حاتم عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، كلاهما عن ابن عيينة مرسلاً. قال ابن أبي حاتم: وهو أصح من رواية ورقاء، واختلف فيه على ابن عيينة، فأخرجه النسائي، رحمه الله تعالى، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عنه موصولاً بذكر ابن عباس، رضي الله تعالى عنه. وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم كما ذكرناه مرسلاً. ٧ - بابُ مُهَلِّ أَهْلِ مَكّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ أي: هذا باب في بيان مهلّ أهل مكة، أي: موضع إهلالهم، لأن لفظ: مهل، بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام، والإهلال رفع الصوت بالتلبية هنا. وقال ابن الجوزي، رحمه الله تعالى. وإنما يقوله بفتح الميم من لا يعرف. قلت: هو بضم الميم اسم مكان من الإهلال واسم زمان أيضاً، ويكون مصدراً أيضاً كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج، وأصل هذه المادة لرفع الصوت، ومنه استهل الصبي إذا صاح عند الولادة، وأهلَّ بالتسمية عند الذبيحة، وأهل الهلال واستهل: إذا تبين، وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية. ١٥٢٤/١٢١ _ حدَّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا ابنُ طاؤُسٍ عنْ أبيهِ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال إنَّ النَّبِيَّ عَّهِ وَقَّتَ لِأهْلِ المَدِينةِ ذَا الحُلَيْفةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الجُحفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ وَلأَهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ أَتَّى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أرَادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ ومَنْ كانَ دُونَ ذُلِكَ فَمِنْ حيثُ أنشَأُ حتَّى أهَلَّ أهلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. [الحديث ١٥٢٤ - أطرافه في: ١٥٢٦، ١٥٢٩، ١٥٣٠، ١٨٤٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((حتى أهلَّ أهلُ مكة من مكة))، يعني: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام، بل مهَّلهم للحج أي: موضع إهلالهم لأجل الحج هو مكة، كما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. وقال الكرماني: غرض البخاري بيان أن الإحرام لا بد وأن يكون من هذه المواقيت، فما وجه دلالته عليه إذ ليس فيه إلاَّ أن التلبية من ثمة؟ قلت: التلبية إما واجبة في الإحرام أو سنة فيه، وعلى التقديرين فالإحرام لا يخلو منها، فالمهلّ هو الميقات. انتهى. قلت: ليس غرضه ما ذكره الكرماني، وإنما غرضه بيان مهل أهل مكة، ولهذا ترجم بقوله: باب مهلُ أهل مكة للحج والعمرة، ومحل الشاهد هو قوله: ((حتى أهل مكة من مكة)) كما ذكرنا، وهذا بظاهره يدل على أن مهلّهم هو مكة، سواء كان للحج أو العمرة، ولكن مهلّ أهل مكة للعمرة الحلّ، كما سيجيء بيانه. ذكر رجاله: وهم: خمسة، قد ذكروا، ووهيب هو ابن خالد البصري، وابن طاوس هو