Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٦١) ٦١ - بابٌ هَلْ يَشْتَرِي صَدَقَتَهُ أي: هذا باب يذكر فيه هل يشتري الرجل الذي تصدق بشيء صدقته؟ وجواب الاستفهام محذوف، وهو: لا يشتري، وإنما حذف الجواب لأن في الجواب وجهين: أحدهما: لا يشتري أصلاً. والثاني: أنه يكره، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ النبيَّ ◌َِّ إِنَّا نَهَى المُتَصَدِّقَ خاصَّةً عنِ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ توضيحه حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: ((هو لها صدقة ولنا هدية))، فإذا كان هذا جائزاً بغير عوض فبالعوض أجوز. ١٤٨٩/٨٩ - حدَّثنا يَخْبِى بنُ بكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عن عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما كانَ يُحَدِّثُ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ في سَبيلِ اللهِ فَوَجِدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَّهُ ثُمَّ أتى النبيَّ عَِّ فَاسْتَأْمَرَهُ فقال لاَ تَعُدْ في صَدَقَتِكَ فِذْلِكَ كانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما لاَ يَتْرُكُ أنْ يَبْتَاعَ شَيْئاً تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّ جَعَلَهُ صَدَقَةً. [الحديث ١٤٨٩ - أطرافه في: ٢٧٧٥، ٢٩٧١، ٣٠٠٢]. مطابقته للترجمة من حيث إن تقديرها لا يشتري في جواب الاستفهام كما ذكرناه. ورجاله ستة قد ذكروا كلهم، وعقيل، بضم العين: ابن خالد، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وأخرجه النسائي في الزكاة عن محمد بن عبد الله المخزومي ورواه معن بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر، وكذا رواه أبو قلابة عن بشر بن عمر عن مالك، رضي الله تعالى عنه. ورواه عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر، وقال الدارقطني: والأشبه بالصواب قول من قال: عن ابن عمر أن عمر، وفي رواية للبخاري ((عن ابن عمر أن عمر حمل على فرس في سبيل الله أعطاها رسول الله عَّه ليحمل عليها، فحمل عليها رجلا ... )) وفي رواية ابن عبد البر: ((لا تشتره ولا شيئاً من نتاجه)). وفي (العلل) لابن أبي حاتم: فقال النبي عَّهِ: ((إذا تصدقت بصدقة فأمضها، لقد تصدقت بتمر على مساكين فوجدت تمرة، فأدخلت يدي في فيَّ ثم لفظتها خشية أن تكون من الصدقة)). وفي (المصنف): فرآه عمر، رضي الله تعالى عنه، أو شيئاً من نسله يباع في السوق، فسألت النبي عَّلَّهِ، فقال: أتركه حتى يوافيك يوم القيامة. وعن الزبير بن العوام أن رجلاً حمل على فرس في سبيل الله تعالى، فرأى فرسه أو مهره يباع بنسب فرسه فنهى عنها)). وعن أسامة بسند جيد: ((أنه حمل على مهر له في سبيل الله تعالى، فرآه بعد ذلك يباع، فقلت للنبي عدّ له. عنه فنهاني عنه)). وروى الشعبي عن زياد بن حارثة عن النبي عَّهِ نحو حديث أسامة. ذكر معناه: قوله: ((تصدق بفرس))، أي: حمل عليه رجلاً، ومعناه أنه ملكه له، فلذلك ساغ له بيعه. وقال ابن عبد البر: أي حمله على فرس حمل تمليك وغزا به فله أن يفعل فيه ما ١٢٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦١) شاء في سائر أمواله، وقيل: كان عمر، رضي الله تعالى عنه، قد حبسه، وفي هذا الوجه إنما ساغ للرجل بيعه لأنه انهزل وعجز لأجله عن اللحاق بالخيل، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به. وقال ابن سعد: كان اسم هذا الفرس: الورد، وكان لتميم الداري فأهداه للنبي عَ له. فأعطاه لعمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((في سبيل الله))، المراد به جهة الغزاة. وقال الكرماني: المفهوم من السبيل الوقف فكيف يصح الابتياع؟ قلت: تمليكه للغازي، والمتبادر إلى الذهن من سبيل الله: الجهاد. قلت: لا نسلم أن المفهوم من السبيل الوقف، بل المراد من سبيل الله الغازي أو الحاج، وفيه خلاف. قوله: ((يباع))، على صيغة المجهول، جملة حالية لأن وجده بمعنى أصابه. قوله: ((فاستأمره)) أي: استشاره. قوله: ((فلا تعد)) أي: فلا ترجع في صدقتك، ولو كان حبساً لعلله به، وبهذا يرد على من قال: إنه كان محبساً، ولئن كان حبساً يحتمل أن عمر، رضي الله تعالى عنه، ظن أنه يجوز له هذا، ويباح له شراء الحبس، غير أن منعه عَّله من شرائه وتعليله بالرجوع دليل على أنه لم يكن حبساً. قوله: (فبذلك)) أي: فبسبب ((ذلك كان ابن عمر)) يعني: عبد الله. قوله: ((لا يترك))، كذا هو بحرف النفي في رواية أبي ذر، ويروى: يترك، ووجهه ظاهر. وأما وجه: لا يترك، فهو أن الترك بمعنى التخلية، وكلمة: من، مقدرة أي: لا يخلي الشخص من أن يبتاعه في حال إلاَّ حال جعله صدقة أو لغرض إلاَّ لغرض الصدقة. ذكر ما يستفاد منه فيه: كراهة شراء الرجل صدقته، وقال ابن بطال: كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر، رضي الله تعالى عنه، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي، وسواء كانت الصدقة فرضاً أو تطوعاً، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه، وأولى به التنزه عنها، وكذا قولهم فيما يخرجه المكفر في كفارة اليمين. وقال ابن المنذر: رخص في شراء الصدقة الحسن وعكرمة وربيعة والأوزاعي، قال ابن القصار: قال قوم: لا يجوز لأحد أن يشتري صدقته ويفسخ البيع، ولم يذكر قائل ذلك، وكأنه يريد به أهل الظاهر. وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال له، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله عَ لَّةٍ فقالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية وأنها ماتت، قال: وجب أجرك وردها على الميراث، وقال ابن التين: وشذت فرقة من أهل الظاهر فكرهت أخذها بالميراث ورأوه من باب الرجوع في الصدقة وهو سهو لأنها تدخل قهراً، وإنما كره شراؤها لئلا يحابيه المصدق بها عليه فيصير عائداً في بعض صدقته، لأن العادة أن الصدقة التي تصدق بها عليه يسامحه إذا باعها، ويقال: لا يكون الحبس إلاَّ أن ينفق عليه المحبس من ماله، وإذا خرج خارج إلى الغزو ودفعه إليه مع نفقته على أن يغزو به ويصرفه إليه فيكون موقوفاً على مثل ذلك، فهذا لا يجوز بيعه بإجماع وأما إذا جعله في سبيل الله وملكه الذي دفعه إليه فهذا يجوز بيعه، وقال جماعة من العلماء: كان عمر، رضى الله تعالى عنه: لا يكره أن يشتري الرجل صدقته إذا خرجت من يد صاحبها إلى غيره، رواه الحسن عنه، وقال به هو وابن سیرین. ١٤٩٠ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكُ بنُ أنسٍ عنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عنْ :. ١٢٣ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٢) أبِيهِ قال سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلٍ الله فأضاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فأرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَّهُ وظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَسَألْتُ النبيَّ عَّه فقال لاَ تَشْتَرِ وَلاَ تَعدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطاكَهُ بِدِرْهَمٍ فإنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كالْعَائِدِ فِي قَيِّئِهِ. [الحديث ١٤٩٠ أطرافه في: ٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وزيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب يروي عن أبيه أسلم يكنى أبا خالد، كان من سبي عين اليمن، ابتاعه عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، بمكة سنة إحدى عشرة، مات وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الهبة عن يحيى بن قزعة، وفي الجهاد عن إسماعيل، وفي الجهاد والهبة عن الحميدي: وأخرجه مسلم في الفرائض عن القعنبي وعن زهير بن حرب وعن ابن أبي عمرو عن أمية بن خالد. وأخرجه النسائي في الزكاة عن الحارث بن مسكين ومحمد بن سلمة. وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة. ذكر معناه: قوله: ((فأضاعه)) أي: لم يكن يعرف قدره فكان يبيعه بالوكس، كذا فسره الكرماني، وقيل: أي يترك القيام عليه بالخدمة والعلف ونحوهما، وهذا التفسير هو الأوجه. قوله: ((لا تشتره)) أي: الفرس المذكور، ويروى: ((لا تشتريه))، بإشباع كسرة الراء ياء. قوله: ((وإن أعطاكه بدرهم)) مبالغة في رخصه، وكان هو الحامل على شراه. قوله: ((فإن العائد» الفاء فيه للتعليل. قوله: ((كالعائد في قيئه)) الغرض من التشبيه تقبيح صورة ذلك الفعل أي: كما يقبح أن يقيء ثم يأكل كذلك يقبح أن يتصدق بشيء ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه. وفيه: كراهة الرجوع في الهبة، وفضل الحمل في سبيل الله، والإعانة على الغزو بكل شيء والخيل الضائعة الموقوفة إذا رجى صلاحها والانتفاع بها في الجهاد كالضعفيف المرجو رده، منع ابن الماجشون بيعه وأجازه ابن القاسم ويوضع ثمنه في ذلك الوجه. وقال القاضي أبو محمد: لا بأس أن يركب الفرس الذي جعله في سبيل الله تعالى. ٦٢ - بابُ ما يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَِّي عَ لِ أي: هذا باب في بيان الحكم الذي يذكر في الصدقة لأجل النبي عَّم يعني في حقه، وفي حق آله، وقد مر تفسير الآل، وفي بعض النسخ: من الصدقة، عوض: في الصدقة، وإنما أبهم الحكم لكونه مشهوراً. ١٤٩١/٩١ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ زِيَادٍ قال سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال أخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ رضي الله تعالى عنهما تَمْرَةً مِنْ تَمْرٍ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا في فِيهِ فقال النبيُّ عَّهِ كَخْ كَحْ لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. [انظر الحديث ١٤٨٥ وأطرافه]. ١٢٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٣) مطابقته للترجمة في قوله: ((إنا لا نأكل الصدقة))، والحديث مضى بأتم منه في: باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل، وقد ذكرنا هناك ما يتعلق به وهنا زيادة، وهي قوله: ((كخ كخ))، بفتح الكاف وكسرها وتسكين الخاء المعجمة ويجوز كسرها مع التنوين، فتصير ست لغات، وإنما كرر للتأكيد، وهي كلمة تزجر بها الصبيان عند مناولة ما لا ينبغي الإتيان به، قيل: هي عربية، وقيل: أعجمية. وقال الداودي: هي معربة، وقد أوردها البخاري في: باب من تكلم بالفارسية، والمعنى هنا: اتركه وارمٍ به. قوله: ((أما شعرت؟)) هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن لم يكن المخاطب عالماً به أي: كيف خفي عليك مع ظهور تحريمه، وهذا أبلغ في الزجر عنه بقوله: لا تفعله، فإن قلت: روى أحمد من رواية حماد ابن سلمة عن محمد بن زياد: ((فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة، فحرك خده، وقال: ألقها يا بني ألقها يا بني)). فما التوفيق بينه وبين قوله: ((كخ كخ؟) قلت: هو أنه كلمة أولاً بهذا، فلما تمادى قال: كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك، وقد ذكرنا الحكمة في تحريمها عليهم أنها مطهرة للملاك ولأموالهم، قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. فهي كغسالة الأوساخ، وأن آل محمد منزهون عن أوساخ الناس وغسالاتهم، وثبت عن النبي عَّةٍ: ((الصدقة أوساخ الناس))، كما رواه مسلم، وأما إن أخذها مذلة، واليد السفلى، ولا يليق بهم الذل والافتقار إلى غير الله تعالى، ولهم اليد العليا وأما أنها لو أخذوها لطال لسان الأعداء بأن محمداً يدعونا إلى ما يدعونا إليه ليأخذ أموالنا ويعطيها لأهل بيته. قال تعالى: ﴿قل، لا أسألكم عليه أجراً﴾ [الأنعام: ٩٠، الشورى: ٢٣]. ولهذا أمر أن تصرف إلى فقرائهم في بلدهم. قوله: ((إنَّا لا نأكل الصدقة))، وفي رواية مسلم: ((إنا لا تحل لنا الصدقة)) وفي رواية معمر: ((إن الصدقة لا تحل لآل محمد))، وفي رواية الطحاوي: ((إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)). ٦٣ _ بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاج النبيِّ عَّ}. أي: هذا باب في بيان حكم الصدقة على موالي أزواج النبي عَّهِ أي: على عتائقهن. قيل: لم يترجم لأزواج النبي عَ لَّهِ ولا موالي النبي عَّه لأنه لم يثبت عنده فيه شيء؟ قلت: روى الأئمة الأربعة وصححه الترمذي وابن حبان وغيره عن أبي رافع مرفوعاً: ((إنا لا تحل لنا الصدقة وأن موالي القوم من أنفسهم)). وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد وابن الماجشون المالكي، وهو الصحيح عند الشافعية، وقال غيرهم: يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة، فإذا كان الأمر كذلك ما كان ينبغي الاعتذار عن البخاري في تركه الترجمة لأزواج النبي عند خلّ. ولا لمواليه بقوله لأنه لم يثبت عنده فيه شيء لأن البخاري لم يلتزم أن يذكر كل صحيح عنده أو عند غيره، وقيل: إنما أورد البخاري هذه الترجمة ليحقق أن الأزواج لا يدخلن ولا تحرم عليهن الصدقة، وكذا قال ابن بطال: إن الأزواج لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء، فإذا لم يدخلن هن فمواليهن أحرى بعدم الدخول. قلت: روى الخلال من طريق ابن أبي مليكة ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة))، ذكره ١٢٥ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٦٣) ابن قدامة، وقال: هذا يدل على تحريمها، وكذا رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) حدثنا وكيع عن شريك عن ابن أبي مليكة أن خالد بن سعيد بن العاص أرسل إلى عائشة شيئاً من الصدقة، فردته فقالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة. ٩٢/ ١٤٩٢ _ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرِ قال حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال حدَّثني عُبَيْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال وَجَدَ النبيُّ عَّالِ شَاةً مَيَّةً أُعْطِيَتْها مَوْلاَةً لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَّةِ قال النبيُّ عَلَّهِ هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا قالوا إِنَّهَا مَيْنَةٌ قال إنَّا حَرُمَ أَكْلُهَا. [الحديث ١٤٩٢ - أطرافه في: ٣٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أُعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة))، فإن مولاة ميمونة أُعطيت صدقة فلم ينكر عليها، فدل على أن موالي أزواج النبي عَّ تحل لهم الصدقة، وبهذا علم أن مراد البخاري من هذه الترجمة التنبيه على ذلك، لا ما قاله الإسماعيلي: هذه الترجمة مستغنى عنها، فإن تسمية المولى لغير فائدة، وإنما هو لسوق الحديث على وجهه فقط. ذكر رجاله: وهم: ستة: الأول: سعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء، مر في باب من يرد الله به خيراً. الثاني: عبد الله بن وهب. الثالث: يونس بن يزيد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عبيد الله، بضم العين: ابن عبد الله، بفتح العين: ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة. السادس: عبد الله بن عباس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه منسوب إلى جده لأنه سعيد بن كثير بن عفير وأنه وابن وهب مصريان، وأن يونس أيلي وأن ابن شهاب وعبيد الله مدنیان، وقال أبو عمر: روى هذا الحديث غير واحد عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن النبي، عَِّ، مرسلاً، والصحيح اتصاله، كذا رواه معمر ويونس والزبيدي وعقيل، منّالله كلهم عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي عليهم. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في البيوع، وفي الذبائح عن زهير بن حرب. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي الطاهر وحرملة، وعن الحسن بن علي وعبد بن حميد وعن يحيى بن يحيى وعمرو الناقد. وأخرجه أبو داود في اللباس عن عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن أحمد، وعن مسدد. وأخرجه النسائي في الذبائح عن محمد ابن مسلمة والحارث بن مسكين وعن عبد الملك بن شعيب وروى مسلم من حديث عطاء: ((عن ابن عباس عن ميمونة أخبرته: أن داجناً كانت لبعض أزواج النبي عَّلَّ فماتت، فقال رسول الله عَ لٍ: ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به؟) وفي رواية أبي داود: ((مر النبي عَ ◌ّه برجال من قريش يجرون شاة، فقال: لو أخذتم إهابها؟ قالوا: إنها ميتة. قال: يطهره الماء والقرظ)). وفي رواية لأحمد ((عن ابن عباس: ماتت شاة لسودة بنت زمعة، فقالت: يا رسول الله ماتت ١٢٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٣) فلان، يعني الشاة، فقال: لولا أخذتم مسكها؟ فقالت: تأخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال: إنكم لا تطعمونه تنتفعون به. قال: فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته واتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها)). وعند البخاري ((عن سودة: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها ... )) الحديث موقوف، وعند مسلم عنه مرفوعاً ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر))، وفي لفظ: ((دباغه طهوره))، وعند ابن شاهين سئل عن جلود الميتة فقال: طهورها دباغها، وفي لفظ مرفوع: ((استمتعوا بجلود الميتة إذا دبغت تراباً كان أو رماداً أو ملحاً أو ما كان، بعد أن يزيد صلاحه)). قال الدارقطني: في إسناده معروف بن حسان منكر الحديث، وفي كتاب ابن سعد: قال محمد ابن الأشعث لعائشة: ألا نجعل لك فرواً تلبسيه فإنه أدفأ لك؟ قالت: إني لأكره جلود الميتة. فقال: إنا أقوم عليه ولا أجعله إلاَّ ذكياً، فجعله لها فكانت تلبسه، رواه معن ومطرف، قالا: حدثنا مالك عن نافع عن القاسم بن محمد به، وروى أبو داود بسند جيد من حديث قتادة عن الحسن عن الجون بن قتادة ((عن سلمة بن المحبق أن رسول الله، عَّله، مر ببيت بفنائه قربة معلقة، فاستسقى فقيل: إنها ميتة، فقال: زكاة الأديم دباغه)). وفي رواية: في غزوة تبوك. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعند أحمد بسند جيد ((عن جابر: كنا نصيب مع رسول الله، عَّله، في مغانمنا من المشركين الأسقية والأوعية فنقسمها وكلها ميتة). وروى الدارقطني من حديث أم سلمة: أنها ماتت لها شاة، فقال النبي، عَ لّهِ: أفلا انتفعتم بإهابها؟ فقالوا: إنها هيئة. فقال: إن دباغتها يحل كما يحل الخمر الملح. قال: تفرد به الفرج بن فضالة وهو ضعيف، ورواه أيضاً من حديث يوسف بن السفر، قال: وهو متروك، ومن حديث أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن أم سلمة أو زينب أو غيرهما من أزواج النبي، عَّةِ: ((إن ميمونة ماتت لها شاة ... )) الحديث. فإن قلت: جاءت أحاديث تخالف الأحاديث المذكورة. منها: حديث رواه أحمد في (مسنده) من حديث حبيب بن أبي ثابت عن رجل عن أم سلمان الأشجعية أن النبي عَ له. أتاها وهي في قبة، فقال: ما أحسن هذه إن لم يكن فيها ميتة؟ قالت: فجعلت أتتبعها. ومنها: حديث رواه ابن حبان في (صحيحه) عن عبد الله بن عكيم، قال: ((كتب إلينا رسول الله عَِّ قبل موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة ياهاب ولا عصب))، ثم قال: ذكر البيان بأن ابن عكيم شهد قراءة كتاب النبي عَّله بأرض جهينة، ثم ذكر عنه، قال: قرىء علينا كتاب النبي عَّهِ، ولما رواه أحمد في مسنده قال: ما أصلح إسناده. ومنها: حديث رواه أبو حفص بن شاهين من حديث ابن عمر: أن رسول الله عَّلَّمِ نهى أن ينتفع من الميتة بعصب أو إهاب. ومنها: حديث جابر رواه ابن شاهين أيضاً من حديث أبي الزبير عنه عن النبي عَ لّه أنه قال: ((لا ينتفع من الميتة بشيء)) ورواه ابن جرير الطبري أيضاً. ومنها: حديث رواه أبو داود والترمذي وصححه: أنه عَِّ نهى عن جلود السباع أن تفترش. قلت: حديث أم سلمان محمول على أنه لم يكن مدبوغاً. وحديث ابن عكيم معلول بأمور ثلاثة: الأول: أنه مضطرب سنداً ومتناً وقد بيناه في شرحنا للهداية. والثاني: الاختلاف ١٢٧ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٣) في صحبته، فقال البيهقي وغيره لا صحبة له. والثالث: أنه روى عنه أنه سمع من الناس الداخلين عليه وهم مجهولون، ولئن صح فلا يقاوم حديث ابن عباس. وحديث ابن عمر أن عامة من في إسناده مجهولون. وحديث جابر في إسناده زمعة وهو ممن لا يعتمد على نقله. وأما النهي عن جلود السباع فقد قيل: إنها كانت تستعمل قبل الدباغ. وقال ابن شاهين: هذه الأحاديث لا يمكن ادعاء نسخ شيء منها بالآخر. فإن قلت: حديث ابن عكيم قبل الوفاة بشهر؟ قلت: يمكن أن يقال: يجوز أن يكون الأمر قبل أن يموت النبي عَ لِ بجمعة، والأولى هنا هو الأخذ بالحديثين جميعاً وهو أن يحمل المنع على ما قبل الدباغ والأخبار بالطهارة بعده على أن الإهاب في قوله عَّةِ: ((إيما إهاب دبغ فقد طهر))، اسم للجلد الذي لم يدبغ، فبعد الدباغ لا يسمى إهاباً، وإنما يسمى أديماً أو جدداً أو جراباً. ذكر معناه: قوله: ((مولاة)، أي: عتيقة وارتفاعها على أنها مفعول ما لم يسم فاعله للإعطاء، وميمونة زوج النبي عَّةٍ ولميمونة صفة لمولاة. قوله: ((من الصدقة))، يتعلق بأعطيت أو صفة لشاة. قوله: ((إنما حرم أكلها)) اتفق معمر ومالك ويونس على قوله: ((إنما حرم أكلها))، إلا أن معمراً قال: لحمها ولم يذكر واحد منهم زيادة دباغ أهلها طهورها وكان ابن عيينة يقول: لم أسمع أحداً يقول: ((إنما حرم أكلها)) إلّ الزهري، واتفق الزبيدي وعقيل وسليمان بن كثير والأوزاعي على ذكر الدباغ في هذا الحديث عن الزهري، وكان ابن عيينة مرة يذكره ومرة لا يذكره، وقال محمد بن يحيى النيسابوري: لست أعتمد في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه، وأما ذكر الدباغ فلا يوجد إلاَّ عن يحيى بن أيوب عن عقيل، ومن رواية بقية عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا يونس الدباغ، وهو الصحيح في حديث الزهري، وبه كان يفتي، وأما من غير رواية الزهري فصحيح محفوظ عن ابن عباس، وقال الكرماني: فإن قلت: كيف طابق الجواب السؤال يعني في قوله: ((إنما هو حرام أكلها))، قلت: الأكل غالب في اللحم، فكأنه قال: اللحم حرام لا الجلد. قلت: لو اطلع الكرماني على ما ذكرنا الآن لما احتاج إلى هذا السؤال ولا إلى الجواب. ذكر ما يستفاد منه: احتجت بالحديث المذكور جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين على أن جلد الميتة يطهر بالدباغ، فممن قال ذلك ابن مسعود وابن المسيب وعطاء بن أبي رياح والحسن والشعبي والنخعي وسالم وابن جبير وقتادة والضحاك ويحيى الأنصاري والليث والأوزاعي والثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وإسحاق. وفيه: دليل على بطلان قول من قال: إن الجلد من الميتة لا ينتفع به بعد الدباغ، وبطل أيضاً قول من قال إن جلد الميتة وإن لم يدبغ يستمتع به وينتفع به، وهو قول مروي عن ابن شهاب والليث بن سعد، وهو مشهور عنهما على أنه قد روى عنهما خلافه، قال معمر: وكان الزهري ينكر الدباغ، ويقول: مستمتع به على كل حال، قال أبو عبد الله المروزي: ما علمت أحداً قال ذلك قبل الزهري، وكان الزهري يذهب إلى ظاهر الحديث في قوله: ((إنما حرام أكلها))، قال الطحاوي: قال الليث: لا بأس بيع جلود الميتة قبل الدباغ لأن النبي عَّ أذن ١٢٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٣) في الانتفاع بها، والبيع من الانتفاع، قال أبو جعفر: لم يُحكَ عن أحدٍ من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلاّ عن الليث. قال ابن عمر: يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين، لأن ابن شهاب ذاك عنه صحيح، وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك، قال: من اشترى جلد ميتة فدبغه فقطعه نعالاً فلا يبيعه حتى بيبس، فهذا يدل على أن مذهبه يجوز بيع جلد الميتة قبل الدباغ وبعده، وهو ظاهر مذهب مالك وغيره. وفي (التوضيح): ومجموع ما ذكر في دباغ جلد الميتة وطهارتها سبعة أقوال: أحدها: أنه يطهر به جميع جلود الميتة إلاَّ الكلب والخنزير، والفرع ظاهراً وباطناً، ويستعمل في اليابس والمائع، وسواء مأكول اللحم وغيره، وبه قال علي وابن مسعود وهو مذهب الشافعي. ثانيها: لا يطهر منها شيء به، روي عن جماعة من السلف، قيل: منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، وهي أشهر الروايتين عن أحمد، ورواية عن مالك. ثالثها: يطهر به جلد مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور، رابعها: يطهر جميعها إلاَّ الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة. خامسها: يطهر الجميع إلاّ أنه يطهر ظاهره دون باطنه ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه، وهو مشهور مذهب مالك، رحمه الله تعالى، فيما حكاه عنه أصحابه. سادسها: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهراً وباطناً، وهو مذهب داود وأهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف. سابعها: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو وجه شاذ لبعض الشافعية. ٩٣/ ١٤٩٣ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا الحَكَمُ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّها أرادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةً لِلْعِنْقِ وأَرَادَ مَوَالِيهَا إِنْ يَشْتَرِطُوا وَلاَءَهَا فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ فَقَال لَهَا النّبِيُّ عَّهِ اشْتَرِيهَا فَأَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قالَتْ وَأَتِيَ النبيُّ عَلَّهِ بِلَحمِ فَقُلْتُ لهذا ما تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فقالَ هُوَ صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ. [انظر الحديث ٤٥٦ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((هذا ما تصدق به على بريرة ... )) إلى آخره، والترجمة في الصدقة على موالي أزواج النبي عَّهُ وبريرة من جملة مواليات عائشة زوج النبي عَّةٍ، وتصدق عليها بصدقة فأخبر عَّ لِ أنها كانت لها صدقة ولهم هدية، لأنها تحولت عن معنى الصدقة بملك المتصدق عليه بها، وانتقلت إلى معنى الهدية الحلال لرسول الله، عَّهِ، وقد ذكر الحديث في أوائل كتاب الصلاة في: باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد رواه عن علي بن عبد الله عن سفيان عن يحيى عن عمرة عن يحيى عن عائشة، قالت: أتتها بريرة ... الحديث، غير أنه لم يذكر فيه قوله: قالت عائشة، وأتي النبي عَّهِ ... إلى آخره، وهنا رواه عن آدم بن أبي إياس عن شعبة عن ابن الحجاج عن الحكم - بفتحتين - ابن عتبة عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة. ١٢٩ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٦٣) وأخرجه البخاري أيضاً في كفارة الإيمان عن سليمان بن حرب، وفي الطلاق عن عبد الله بن رجاء وفيه أيضاً عن آدم وفي الفرائض عن حفص بن عمر. وأخرجه النسائي في الزكاة عن عمرو بن يزيد وفي الصلاة عن عمرو بن علي وفي الفرائض عن بندار عن غندر، الكل عن شعبة. ذكر معناه: قوله: ((بريرة))، بفتح الباء الموحدة وكسر الراء الأولى. قوله: ((مواليها)) أي: ساداتها، وكانت لعتبة بن أبي لهب، وقال أبو عمر: كانت مولاة لبعض بني هلال فكاتبوها ثم باعوها من عائشة زوج النبي عَّ له، وقال الكرماني: فإن قلت: المولى جاء بمعنى المعتق والعتيق والناصر وابن العم والجار والحليف لا بمعنى السيد؟ قلت: جاء أيضاً بمعنى المولى والمتصرف في الأمر. انتهى. قلت: لا وجه لهذا السؤال، لأن لفظ المولى مشترك بين المولى الأعلى والمولى الأسفل، وبريرة مولاة سفلى ومواليها موالي عليا. قوله: ((اشتريها)) أي: بما يريدون، أي: من الاشتراط بكون الولاء لهم. قوله: ((تصدق))، بلفظ المجهول، قال الكرماني: والفرق بين الصدقة والهبة أن الصدقة هبة لثواب الآخرة، والهدية هبة تنقل إلى المتهب إكراماً له قلت: الصدقة قد تكون هبة، والهبة قد تكون صدقة، وإن الصدقة على الغني هبة، والهبة للفقير صدقة. ذكر ما يستفاد منه: احتج به بعض المالكية على أن عائشة اشترتها شراء فاسداً فأنفذ الشارع عتقها، ومعلوم أن شرط الولاء لغير المعتق يوجب فساد العقد، ثم أنفذ الشارع العتق. قلت: الذي كان من أهل بريرة في هذا الحديث لم يكن شرطاً في بيع، لكن في أداء عائشة إليهم عن بريرة، وهم تولوا عقد تلك الكتابة، ولم يتقدم ذلك الأداء من عائشة ملك، فذكرت ذلك لرسول الله، عَّ له، فقال: لا يمنعك ذلك منها، أي: لا ترجعي بهذا المعنى عما كنت نويت عتاقها من الثواب، اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق، وكان ذلك الشراء هنا ابتداءً من رسول الله، عَّه، ليس ما كان قبل ذلك بين عائشة وبين أهل بريرة في شيء، وفي (التوضيح): واستدل به بعض أصحاب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، على أنها ملكت بالقبض ملكاً تاماً، وهو بعيد لأنه، عَّله، في هذا الحديث وغيره أمر عائشة بالشراء ولم يكن ليأمر بفاسد. قلت: جواب هذا يفهم مما قبله مما ذكرنا على أن بعض أصحابنا قالوا: إنها خصت بذلك كما خص غيرها بخصائص قيل: هذا بعيد، لأن ذلك لو وقع لنقل. قلت: قال النووي: هذا من خصائص عائشة ولا عموم لها. فإن قلت: فيه صورة المخادعة؟ قلت: لم يكن هذا إلاَّ للزجر والتوبيخ، لأنه كان بيّن لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط لا يحل، فلما ألحوا في اشتراطه ومخالفة الأمر، قال لعائشة هذا بمعنى: لا تبالي سواء شرطته أم لا، فإنه شرط باطل لأنه قد سبق بيان ذلك لهم وليس لفظ: اشترطي، هنا للإباحة، وقد تكلمنا في هذا الحديث في: باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، في أوائل كتاب الصلاة، واستقصينا الكلام فيه. عمدة القاريء / ج٩ / م٩ ١٣٠ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٤) ٦٤ _ بابٌ إذا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَّةُ أي: هذا باب يذكر فيه إذا تحولت الصدقة يعني: إذا خرجت من كونها صدقة بأن دخلت في ملك المتصدق به عليه، وفي رواية أبي ذر: إذا حولت الصدقة، على بناء المجهول، وجواب: إذا، محذوف تقديره: إذا حولت الصدقة يجوز للهاشمي تناولها. ٩٤/ ١٤٩٤ _ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ قال حدَّثنا خالدٌ عنْ حَفْصَةً بِنْتِ سِيرِينَ عنْ أم عَطِيئَّةَ الأنْصَارِيَّةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ دَخَلَ النبيُّ عَلَّه عَلَى عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها فقالَ هَل عنْدَكُمْ شَيْءٌ فَقَالَتْ لاَ إِلَّ شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنَ الصَّدَقةِ فقال إنَّها قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا. [انظر الحديث ١٤٤٦ وظرفه]. مطابقته للترجمة من حيث إن نسيبة أرسلت إلى عائشة من الشاة التي أرسلها إليها النبي عَّ الله من الصدقة، فلما قبلتها نسيبة دخلت في ملكها وخرجت من كونها صدقة، فهذا معنی التحول، كما ذكرنا. ذكر رجاله: وهم: خمسة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني: يزيد - من الزيادة - ابن زريع، مصغر زرع ضد الجدب، وقد مر في: باب الجنب يخرج. الثالث: خالد الحذاء. الرابع: حفصة بنت سيرين أخت محمد بن سيرين سيدة التابعيات. الخامس: أم عطية، بفتح العين المهملة واسمها: نسيبة، بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة، وقد مر ذكرها غير مرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: رواية التابعية عن الصحابية. وفيه: رواية الحديث لصحابية مذكورة بكنيتها. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الزكاة عن أحمد بن يونس عن أبي شهاب الحناط، وفي الهبة عن محمد بن مقاتل عن خالد بن عبد الله. وأخرجه مسلم في الزكاة عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء. ذكر معناه: قوله: ((هل عندكم شيء) أي: من الطعام. قوله: ((فقالت: لا)) أي: لا شيء. ((إلاَّ شيء))، والمستثنى منه محذوف وهو اسم: لا، التي لنفي الجنس، أي: لا شيء من الطعام إلاّ شيء كذا. قوله: ((بعثت به نسيبة))، جملة من الفعل والفاعل صفة لقوله: شيء، وكلمة: من، في: من الشاة، للبيان مع الدلالة على التبعيض. قوله: ((بعثت بها)) على صيغة المخاطب أي: التي بعثت بها أنت إليها قوله: ((إنها)) أي: إن الصدقة ((قد بلغت محلها))، بكسر الحاء من حل إذا وجب، قال الزمخشري في ﴿حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة: ١٩٦]. أي: مكانه الذي يجب فيه نحوه، وقال التيمي: بلغت محلها، أي: حيث يحل أكلها فهو مفعل من حل الشيء حلالاً، وقال: معناه أنه عَّل بعث إلى أم عطية شاة من الصدقة ١٣١ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٤) فبعثت هي من تلك الشاة إلى عائشة هدية، وهذا معنى قول البخاري: إذا تحولت الصدقة، إذ كانت عليها صدقة ثم صارت هدية. ذكر ما يستفاد منه فيه: دلالة - كما قال الطحاوي - على جواز استعمال الهاشمي، ويأخذ جعله على ذلك وقد كان أبو يوسف يكره ذلك إذا كانت جعالتهم منها، قال: لأن الصدقة تخرج من ملك المتصدق إلى غير الأصناف التي سماها الله تعالى فيملك المتصدق بعضها وهي لا تحل له، واحتج بحديث أبي رافع في ذلك، وخالفه فيه آخرون، فقالوا: لا بأس أن يجعل منها للهاشمي لأنه يجعل على عمله، وذلك قد يحل للأغنياء، فلما كان هذا لا يحرم على الأغنياء الذين يحرم عليهم غناؤهم الصدقة، كان ذلك أيضاً في النظر لا يحرم ذلك على بني هاشم الذين يحرم عليهم نسبهم الصدقة، فلما كان ما تصدق به على بريرة جاز للشارع أكله لأنه إنما أكله بالهدية فجاز أيضاً للهاشمي أن يجتعل من الصدقة لأنه إنما يملكها بعمله لا بالصدقة، هذا هو النظر عندنا، وهو أصح مما ذهب إليه أبو يوسف. قلت: أراد الطحاوي بقوله: آخرون، مالكاً والشافعي في قول، وأحمد في رواية ومحمد بن الحسن فإنهم قالوا: لا بأس أن يكون العامل هاشمياً ويأخذ عمالته منها، لأن ذلك على عمله، ولقائل أن يقول: هذا القياس ليس بصحيح: لأن الغني إذا كان عاملاً يكون متفرغاً لذلك صارفاً نفسه وحابسها لأجل ذلك فيستحق الجعالة في مقابلة هذا الفعل، وذلك في الحقيقة يكون لحاجته إلى ذلك، فيصير كابن السبيل تباح له الصدقة، وإن كان غنياً، بخلاف الهاشمي فإنه إنما تحرم عليه الصدقة لكونها أوساخ الناس ولأجل لحوق الذلة والهوان لشرف نسبه، فهذا المعنى موجود دائماً سواء كان الذي يأخذه من الصدقة على وجه الاعتمال والاجتعال أو غير ذلك. وفيه: دليل على تحويل الصدقة إلى هدية لأنه لما كان يجوز التصرف للمتصدق عليه فيها بالبيع والهبة لصحة ملكه لها، حكم لها بحكم الهبة، وخروجها عن معنى الصدقة فصارت حلالاً لرسول الله عَّهِ، وإنما كان يأكل الهدية دون الصدقة لما في الهدية من التألف والدعاء إلى المحبة، وقال: ((تهادوا تحابوا))، وجائز أن يثبت عليها وأفضل منها فيرفع الذلة والمنة بخلاف الصدقة. وفيه: بيان أن الأشياء المحرمة لعلل معلومة إذا ارتفعت عنها تلك العلل حلت وأن التحريم في الأشياء ليس لعينها. ٩٥/ ١٤٩٥ _ حدَّثنا يَخْتَى بنُ مُوسى قال حدَّثنا وَكِيعٌ قال حدثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ أن النبيَّ عَّهِ أَتِيَ بِلَخمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلى بَرِيرَة فقال هُوَ عَلَيْها صدقَةٌ وَهْوَ لَنَا هَدِيَّةٌ. [الحديث ١٤٩٥ طرفه في: ٢٥٧٧]. مطابقته للترجمة من حيث أن الصدقة التي تصدق بها على بريرة صارت هدية لملكها إياها. ورجاله قد ذكروا ويحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكريا السختياني البلخي يقال له: ١٣٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٥) خت، قد مر في آخر كتاب الصلاة، وهو من أفراد البخاري. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الزهد عن يحيى بن موسى عن وكيع، وفي الهبة عن بندار عن غندر. وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن وكيع وعن أبي موسى وبندار كلاّ من غندر وعن عبيد الله ابن معاذ عن أبيه، وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن مرزوق. وأخرجه النسائي في العمري عن إسحاق بن إبراهيم عن وكيع. قوله: ((هو عليها صدقة))، قدم لفظ: ((عليها)) ليفيد الحصر أي: عليها صدقة لا علينا، وحاصله أنها إذا قبضها المتصدق زال عنها وصف الصدقة وحكمها، فيجوز للغني شراها للفقير، وللهاشمي أکله منها. وقال أبُو داوُدَ أنْبَنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أنساً رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّ أبو داود هو سليمان الطيالسي الحافظ، كتب عنه بأصفهان أربعون ألف حديث، ولم يكن معه كتاب، مات سنة أربع ومائتين بالبصرة. وهذا التعليق أسنده أبو نعيم في (المستخرج) فقال: حدثنا عبد الله حدثنا يونس حدثنا أبو داود - يعني الطيالسي - قال: أنبأنا شعبة، فذكره وفائدته تصريح قتادة بسماعه إياه من أنس، ولما كان قتادة مدلساً قوي الإسناد الأول بهذا حيث قال: سمع أنساً، إذ فيه التصريح بسماعه. قوله: ((أنبأنا)) أي: أخبرنا. قال الخطيب البغدادي: درجة أنبأنا أحط من درجة أخبرنا، وهو قليل في الاستعمال، وثلاثيه من النبأ وهو الخبر. ٦٥ - بابُ أخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ وتُرَدُّ في الفُقرَاءِ حَيْثُ كَانُوا أي: هذا باب في بيان أخذ الصدقة، أي: الزكاة، من الأغنياء، فإذا أخذت ما يكون حكمها أشار إليه بقوله: ((وترد في الفقراء)) وترد، بنصب الدال بتقدير: أن، ليكون في حكم المصدر، ويكون التقدير: وأن ترد، أي: والرد في الفقراء حاصله: باب في أخذ الصدقة، وفي ردها في الفقراء حيث كان الفقراء. قوله: ((حيث كانوا))، يشعر بأنه اختار جواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وفيه خلاف، فعن الليث بن سعد وأبي حنيفة وأصحابه جوازه، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية ترك النقل، فلو نقل أجزا عند المالكية على الأصح، ولم يجزىء عند الشافعية على الأصح إلاّ إذا فقد المستحقون لها. وقال الكرماني: الظاهر أن غرض البخاري بيان الامتناع، أي: ترد على فقراء أولئك الأغنياء، أي: في موضع وجد لهم الفقراء، وإلاَّ جاز النقل، ويحتمل أن يكون غرضه عكسه. قلت: ليس الظاهر ما قاله، فإنه قال: ترد حيث كانوا، أي: الفقراء، وهو أعم من أن يكونوا في موضع كان فيه الأغنياء أو في غيره، فالعجب منه العكس حيث جعل الامتناع ظاهراً وهو محتمل، وجعل الظاهر عكساً. فافهم، وقد مر الكلام فيه مستوفى في حديث معاذ في أوائل الزكاة. ١٣٣ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٥) ١٤٩٦/٩٦ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا زَكَرِيَّاءُ بنُ إِسْحَاقَ عنْ يَحْيِّى بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ صَيْفِيٍ عنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال قال رسولُ اللهِ عَّلَه لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ حِينَ بَعِثَهُ إِلى اليَمَنَ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ فإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوَا أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأن مُحَمَّداً رِسُولُ اللهِ فإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذْلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيْلَةٍ فإنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذُلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلىَ فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذُلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوالِهِم وَاتَّقِ دَغْوَةَ المَظْلُومِ فإِنَّهُ ليْسَ بَيْتَهُ وبَيْنَ الله حِجَابٌ. [انظر الحديث ١٣٩٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم))، وهذا الحديث قد مضى في أول: باب وجوب الزكاة، فإنه أخرجه هناك عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن زكرياء بن إسحاق .. إلى آخره، وهنا أخرجه عن محمد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك ... إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصىّ، وههنا زيادة، وهي قوله: ((فإياك وكراثم أموالهم واتق دعوة المظلوم ... )) إلى آخره، ولنذكر هنا ما لم نذكره هناك. فقوله: ((عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَّ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن))، هكذا هو في جميع الطرق إلاَّ ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع، فقال فيه: عن ابن عباس ((عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله عَّه إلى اليمن ... )) فعلى هذا فهو من مسند معاذ، وسائر الروايات غير هذه من مرسل ابن عباس. وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن ابن عباس أن رسول الله، عَِّ، بعث معاذاً، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه عن وكيع نحوه، وكذا رواه أحمد في (مسنده) عن وكيع، وأخرجه عنه أبو داود، وأخرجه البخاري في المظالم عن يحيى بن موسى عن وكيع كذلك. وأخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) عن محمد بن عبد الله المخزومي، وجعفر بن محمد الثعلبي والإسماعيلي من طريق أبي خيثمة، وموسى بن المسندي والدارقطني من طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وإسحاق بن إبراهيم البغوي، كلهم عن وكيع كذلك، ولا يستبعد حضور ابن عباس لذلك لأنه كان في أواخر حياة النبي، عَّهِ، وهو إذ ذاك مع أبويه. قوله: ((ستأتي قوماً)) توطئة للوصية ليقوي همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلذلك خصهم بالذكر تفضيلاً لهم على غيرهم. قوله: ((أهل كتاب))، بدل لا صفة، وكان في اليمن أهل الذمة وغيرهم. وحكى ابن إسحاق في أول (السيرة): إن أصل دخول اليهود في اليمن في زمن أسعد أبي كرب، وهو تبع الأصفر. قوله: ((فإذا جئتهم)) إنما ذكر لفظة: إذا، دون: أن، تفاؤلاً بحصول الوصول إليهم. قوله: ((فادعهم إلى شهادة أن لا إلهَ إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله))، كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يختلف عليه فيها، وفي رواية روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية: ((فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى، فإذا عرفوا الله)). وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: ((إلى أن يوحدوا الله، وإذا عرفوا ذلك)). قوله: ((فإن هم ١٣٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٦) أطاعوا لك بذلك)) أي: شهدوا وانقادوا، وفي رواية ابن خزيمة: ((فإن هم أجابوا لذلك))، وفي رواية الفضل بن العلاء: ((فإذا عرفوا ذلك))، وإنما عدى: أطاعوا، باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى: انقادوا. قوله: ((فإياك))، كلمة تحذير. قوله: ((وكرائم)، منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره قال ابن قتيبة ولا يجوز حذف الواو، أما عدم جواز إظهار الفعل فللقرينة الدالة عليه ولطول الكلام، وقيل: لأن مثل هذا يقال عند تشديد الخوف، وأما عدم جواز حذف الواو لأنها حرف عطف، فيختل الكلام بحذفه، والكرائم جمع: كريمة وهي النفيسة. قوله: ((واتق دعوة المظلوم)) أي: تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وقيل: هو تذييل لاشتماله على الظلم الخاص وهو أخذ الكرائم وعلى غيره. قوله: ((فإنه)) أي: فإن الشان، وهو تعليل للاتقاء، وتمثيل للدعوة كمن يقصد إلى السلطان متظلماً فيم يحجب عنه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: عظة الإمام وتخويفه من الظلم قال تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨]. ولعنة الله إبعاده من رحمته، والظلم محرم في كل شريعة، وقد جاء: «إن دعوة المظلوم لا ترد وإن كانت من کافر». وروى أحمد في (مسنده)، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: ((دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً، ففجوره على نفسه)). ومعنى ذلك أن الرب سبحانه وتعالى لا يرضى ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن، وأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يظلم الناس شيئاً، فدخل في عموم هذا اللفظ جميع الناس من مؤمن وكافر، وحذر معاذاً، رضي الله تعالى عنه، من الظلم مع علمه وفضله وورعه، وأنه من أهل بدر وقد شهد له بالجنة، غير أنه لا يأمن أحداً، بل يشعر نفسه بالخوف، وفوائده كثيرة ذكرناها في حديث معاذ، رضي الله تعالى عنه، في أول الزكاة. ٦٦ - بابُ صَلاَةِ الإِمامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ وَقَوْلِهِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِم صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُم وَتُزَكَيْهِمْ بِهَا وَصَلٌ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنَّ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. أي: هذا باب في بيان صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة، والمراد من الصلاة الدعاء لأن معناها اللغوي ذلك، وإنما عطف لفظ الدعاء على الصلاة لئلا يفهم أن الدعاء بلفظ الصلاة متعين، بل إذا دعي بلفظ يؤدي معنى الثناء والخير فإنه يكفي، مثل أن يقول: آجرك فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت أو يقول: اللهم اغفر له وتقبل منه، ونحو ذلك، والدليل عليه ما رواه النسائي من حديث وائل بن حجر أنه عَّم قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة: اللهم بارك فيه وفي إبله. قيل: إنما ذكر لفظ الإمام في الترجمة رداً لشبهة أهل الردة في قولهم لأبي بكر الصديق: إنما قال الله عز وجل لرسوله: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. وادعوا خصوصية ذلك بالرسول، فأراد أن كل إمام داخل فيه، ولهذا ذكر هذه الآية الكريمة حيث قال فيه: وقوله، بالجر عطف على ما قبله من المجرور أعني: لفظ الصلاة والدعاء، أمر الله تعالى رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وأمره أن يصلي عليهم بقوله: ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. أي: ادع لهم واستغفر لهم، ١٣٥ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٦) كما يأتي في حديث الباب: ((عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله عَّله إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقة فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)). وفي حديث آخر: ((إن امرأة قالت: يا رسول الله، صل علي وعلى زوجي! فقال: صلى الله عليك وعلى زوجك)). قوله: ﴿إِن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. قال ابن عباس: أي سكن لهم، وقال قتادة: وقار، وقرىء: ﴿إِن صلواتك﴾ على الجمع. قوله: ﴿والله سميع عليم﴾ [التوبة: ١٠٣]. أي: سميع لدعائك عليم من يستحق ذلك منك، ومن هو أهل له. وقال ابن بطال: معناه صل عليهم إذا ماتوا صلاة الجنازة لأنها في الشريعة محمولة على الصلاة أي: العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، أو أنه من خصائص النبي عَ ◌ّه لأنه لم ينقل أحد أنه أمر السعاة بذلك، ولو كان واجباً لأمرهم به ولعلمهم كيفيته، وبالقياس على استيفاء سائر الحقوق إذ لا يجب الدعاء فيه. انتهى. قلت: لم ينحصر معنى قوله تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. على ما ذكره ابن بطال من الصلاة على الجنازة، بل جمهور المفسرين فسروا قوله: ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣]. مثل ما ذكرنا، وعن هذا قال الخطابي: أصل الصلاة في اللغة الدعاء إلاّ أن الدعاء يختلف بحسب المدعو له، فصلاته عليه السلام لأمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة الأمة له دعاء له بزيادة القربة والزلفة، وبظاهر الآية أخذ أهل الظاهر، وقالوا: الدعاء واجب، وخالفهم جميع العلماء، وقالوا: إنه مستحب لأنها تقع الموقع وإن لم يدع، ولو كان واجباً، الأمر السعاة به، كما ذكرنا. ٩٧/ ١٤٩٧ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍو عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي أَوْفَى قال كانَ النبيُّ عَِّ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قال اللَّهُمَّ صَلٌّ عَلَّى آلٍ فُلاَنٍ فأتاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فقال اللَّهُمَّ صَلٌّ عَلَى آلِ أبِي أوْقَى. [الحديث ١٤٩٧ - أطرافه في: ٤١٦٦، ٦٢٣٢، ٦٣٥٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه عَّةٍ كان يصلي على من يأتي بصدقته أي: زكاته، والترجمة في صلاة الإمام لصاحب الصدقة. ذكر رجاله وهم: أربعة: الأول: حفص بن عمر بن الحارث أبو حفص الحوضي. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: عمرو بن مرة، بضم الميم وتشديد الراء: ابن عبد الله بن طارق المرادي، وقد مر في تسوية الصفوف. الرابع: عبد الله بن أبي أوفى، بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء وبالقصر: واسمه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي المدني من أصحاب بيعة الرضوان، روي له خمسة وتسعون حديثاً للبخاري خمسة عشر، وهو آخر من بقي من أصحابه بالكوفة، مات سنة سبع وثمانين وهو أحد الصحابة السبعة الذين أدركهم أبو حنيفة سنة ثمانين، وكان عمره سبع سنين، سن التمييز والإدراك من الأشياء. وقيل: مولده سنة إحدى وستين، وقيل سنة سبعين، والأول أصح وأشهر. ١٣٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٧) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: عن عمرو عن عبد الله وفي المغازي عن عمرو: وسمعت ابن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو كوفي وشعبة واسطي وعمرو بن مرة كوفي تابعي صغير لم يسمع من الصحابة إلاَّ من ابن أبي أوفى، وقال: شعبة كان لا يدلس. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن آدم، وفي الدعوات عن مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب فرقهما. وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم، أربعتهم عن وكيع، وعن عبد الله بن معاذ عن أبيه وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن عبد الله بن إدريس. وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر وأبي الوليد. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن یزید عن بهز بن أسد. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد عن وكيع كلهم عن شعبة به. ذكر معناه: قوله: ((إذا أتي بصدقة)، أي: بزكاة. قوله: ((صِلِّ على آل فلان))، كذا في رواية الأسَنرين، وفي رواية أبي ذر: ((صل على فلان)). قوله: ((صلِّ على آل أبي أوفى))، يريد به: أبا أوفى، وأما لفظ آل، فمقحم، وأما إن المراد به ذات أبي أوفى لأن الآل يذكر ويراد به ذات الشيء، كما قال عَّه في قصة أبي موسى الأشعري: ((لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)). يريد به داود عليه السلام، وقيل: لا يقال ذلك، إلاَّ في حق الرجل الجليل القدير، كآل أبي بكر وآل عمر، رضي الله تعالى عنهما، وقيل: آل الرجل: أهله، والفرق بين الآل والأهل: أن الآل قد خص بالأشراف، فلا يقال آل الحائك ولا آل الحجام. فإن قلت: كيف قيل: آل فرعون؟ قلت: لتصوره بصورة الأشراف، وفي الصحاح: أصل آل: أول، وقيل: أهل، ولهذا يقال في تصغيره: أهيل. ذكر ما يستفاد منه: احتج بالحديث المذكور من جوز الصلاة على غير الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بالاستقلال وهو قول أحمد أيضاً. وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأكثرون: إنه لا يصلى على غير الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام استقلالاً، فلا يقال: اللهم صل على آل أبي بكر ولا على آل عمر أو غيرهما، ولكن يصلى عليهم تبعاً. والجواب عن هذا أن هذا حقه، عليه الصلاة والسلام، له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك. وفيه: جواز أن يقال: آل فلان، يريد به فلاناً، وفيه: استحباب الدعاء للمتصدق، كما ذكرناه مشروحاً. ٦٧ - بابُ ما يُسْتَخْرَجُ منَ البَحْرِ أي: هذا باب يذكر في بيان حكم ما يستخرج من البحر، وفيه حذف تقديره: هل تجب فيه الزكاة أم لا؟ والمحذوف في نفس الأمر خبر، لأن كلمة: ((ما))، موصولة. ((ويستخرج)) صلتها. وكلمة ((من)) بيانية، ولا بد للموصول من عائد، وهو صفة لشيء ١٣٧ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٦٧) محذوف تقديره: باب في بيان حكم الشيء الذي يستخرج من البحر: هل تجب فيه الزكاة؟ کما ذ کرناه. وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما لَيْسَ العَنْرُ بِرِ كَازٍ هُوَ شَيءٌ دَسَرَهُ البَخْرُ مطابقته للترجمة في كون العنبر مما يستخرج من البحر، والعنبر بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة: ضرب من الطيب، وهو غير العبير، بفتح العين وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، فإنه أخلاط تجمع بالزعفران. وقال الكرماني: الظاهر أن العنبر زبد البحر، وقيل: هو روث دابة بحرية. وقيل: إنه شيء ينبت في قعر البحر فيأكله بعض الدواب، فإذا امتلأت منه قذفته رجيعاً. وقال ابن سينا: هو نبع عين في البحر. وقيل: إنه من كور النخل يخرج في السنبل ببعض الجزاير، وقال الشافعي في كتاب السلم من الأم: أخبرني عدد ممن أثق بخبره: أنه نبات يخلقه الله تعالى في جنبات البحر. وحكى ابن رستم عن محمد بن الحسن أنه ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر. وقيل: إنه شجر ينبت في البحر فينكسر فيلقيه الموج إلى الساحل. وقال ابن سينا: وما يحكى من أنه روث دابة أو قيؤها أو من زبد البحر بعيد. قوله: ((بركاز)) الركاز، بكسر الراء وتخفيف الكاف وفي آخره زاي، وهو يقال للمعدن والكنز جميعاً، والمعدن خاص لما يكون في باطن الأرض خلقة، والكنز خاص لما يكون مدفوناً. والركاز يصلح لهما، كما قلنا. وفي (مجمع الغرائب): الركاز المعادن وقيل: هو كنوز الجاهلية. وفي (النهاية) لابن الأثير: كنوز الأرض الجاهلية المدفونة في الأرض، وهي المطالب في العرف عند أهل الحجاز، وهو المعادن عند أهل العراق، والقولان تحتملهما اللغة، وقال النووي: الركاز بمعنى الركوز، كالكتاب بمعنى المكتوب. قلت: من ركز في الأرض إذا اثبت أصله، والكنز يركز في الأرض كما يركز الرمح. قوله: ((دسره)) أي: دفعه ورمى به إلى الساحل. ثم هذا التعليق رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان: حدثنا الحميدي وابن قعنب وسعید قالوا: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن أذينة، قال: سمعت ابن عباس قال: ليس العنبر بركاز. وفي (المصنف): حدثنا وكيع عن سفيان بن سعيد عن عمرو بن دينار عن أذينة عن ابن عباس: ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء دسره البحر، وأذينة صغر أذن تابعي ثقة. فإن قلت: روى ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، سئل في العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس. قلت: قال البيهقي: علق القول فيه في هذه الرواية، وقطع بأن لا زكاة فيه في الرواية الأولى، والقطع أولى. وقال ابن التين: قول ابن عباس قول أكثر العلماء. فإن قلت: روي عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه أخذ الخمس من العنبر؟ قلت: هو محمول على الجيش، يدخلون أرض الحرب فيصيبون العنبر في ساحلها وفيه الخمس لأنه غنيمة. ١٣٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٧) وقال الحَسَنُ: في العَنْبَرِ وَاللّؤْلُؤِ الخُمُس الحسن هو البصري، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن معاذ بن معاذ عن أشعث عن الحسن أنه كان يقول: في العنبر الخمس، وكذلك كان يقول: في اللؤلؤ، واللؤلؤ مطر الربيع يقع في الصدف، فعلى هذا أصله ماء، ولا شيء في الماء. وقيل: إن الصدف حيوان يخلق فيه اللؤلؤ. وفي (كتاب الأحجار) لأبي العباس التيغاشي: إن حيوان الجوهر الذي يتكون فيه منه الكبير ويسمى الدر، ومنه الصغير ويسمى اللؤلؤ. وهذا الحيوان يسمى باليونانين: أرسطورس، يعلو لحم ذلك الحيوان صدفتان ملتصقتان بجسمه، والذي يلي الصدفتين من لحمه أسود، وله فم وأذنان وشحم من داخلها إلى غاية الصدفتين، والباقي رغوة وزبد وماء. وقيل: إن البحر المحيط يلحق آخره أول البحر المسلوك، وإن الرياح تصفق الذي فيه الدر في وقت ريح الشمال، فيصير لموجه رشاش فيلتقمه الصدف عند ذلك إلى قعر البحر، فيتغرس هناك ويضرب بعروق فيتشعب مثل الشجر ويصير نباتاً بعد أن كان حيواناً ذا نفس، فإذا تركت هذه الصدفة حتى يطول مكثها تغيرت وفسدت. واللؤلؤ: بهمزتين وبواوين، ويقال: الثاني بالواو، والأول بالهمز، وبالعكس قال النووي: أربع لغات. قلت: لا يقال لتخفيف الهمزة لغة، وقال ابن قدامة: ولا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه في ظاهر قول الخرقي، وروي نحو ذلك عن ابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والشافعي وأبو حنيفة ومحمد وأبو ثور وأبو عبيد، وعن أحمد رواية أخرى: أن فيه الزكاة، لأنه خارج من معدن التبر، وبه قال أبو يوسف وإسحاق. وقال الأوزاعي: أن وجد عنبرة في صفة البحر خمست، وإن غاص عليها في مثل بحر الهند فلا شيء فيها لا خمس ولا نفل ولا غيره، وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي الزبير عن جابر قال: ليس في العنبر زكاة، وإنما هو غنيمة لمن أخذه. إنْمَا جَعَلَ النبيُّ عَّهِ فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي المَاءِ هذا من كلام البخاري، يريد به الرد على الحسن، ووجهه أن النبي، عَّهِ، إنما جعل الخمس في الركاز لا في الشيء الذي يصاب في الماء، ويأتي الحديث موصولاً عن قريب، وقد لفظ في الركاز للحصر. قوله: ((يصاب)) أي: يوجد في الماء كالسمك. ... /١٤٩٨ _ وقال اللَّيْثُ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّهِ أنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فخَرَجَ في البَخْرِ فَلَمْ يَجِدْ مَركَباً فأخذَ خَشَبةً فنَقَرِهَا فأدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ فَرَمَى بِهَا في البَحْرِ فخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كانَ أَسْلَفَهُ فإذَا بِالخَشَبةِ فأخَذَهَا لِأَهْلِهِ حطَباً فذَكَر الحدِيثَ فلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ. [الحديث ١٤٩٨ - أطرافه في: ٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١]. الكلام في هذا الحديث على أنواع. : ١٣٩ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٦٧) الأول: في وجه إيراده هذا الحديث في هذا الباب، فقال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث شيء يناسب الترجمة، رجل اقترض قرضاً فارتجع قرضه، وكذا قال الداودي: حديث الخشبة ليس من هذا الباب في شيء، وأجاب عن ذلك من ساعده ووجه كلامه منهم عبد الملك فقال: إنما أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب لأنه يريد أن كل ما ألقاه البحر جاز التقاطه ولا خمس فيه إذا لم يعلم أنه من مال المسلمين، وأما إذا علم أنه منه فلا يجوز أخذه لأن الرجل إنما أخذ خشبة على الإباحة ليملكها، فوجد فيها المال، ولو وقع هذا اليوم كان كاللقطة لأنه معلوم أن الله تعالى لا يخلق الدنانير المضروبة في الخشبة. قلت: ينبغي أن يقيد عادة، لأن قدرة الله تعالى صالحة لكل شيء عقلاً، ومنهم ابن المنير، فقال: موضع الاستشهاد إنما هو أخذ الخشبة على أنها حطب، فدل على إباحة مثل ذلك مما يلفظه البحر، أما مما ينشأ فيه كالعنبر أو مما سبق فيه ملك وعطب وانقطع ملك صاحبه منه على اختلاف بين العلماء في تمليك هذا مطلقاً أو مفصلاً، وإذا جاز تمليك الخشبة، وقد تقدم عليها ملك متملك، فنحو العنبر الذي لم يتقدم عليه ملك أولى. قلت: الترجمة ما يستخرج من البحر، والحديث يدل على ما يستخرج من البحر، فالمطابقة في مجرد الاستخراج من البحر مع قطع النظر عن غيره، وأدنى الملابسة في التطابق كاف. النوع الثاني: أنه ذكر هذا الحديث هنا معلقاً مختصراً، ووقع في بعض نسخه عقيبه: حدثني بذلك عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، ذكره الحافظ المزي، قال: وهو ثابت في عدة أصول من كتاب البيوع من الجامع من رواية أبي الوقت عن الداودي عن أبي حمويه عن الفربري عنه، وقال الطرقي: أخرجه محمد في خمسة مواضع من الكتاب، فقال: قال الليث، قلت: أخرجه هنا أعني في الزكاة وفي الكفالة وفي الاستقراض وفي اللقطة وفي الشروط وفي الاستئذان، وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، وقال في: باب التجارة في البحر، في البيوع. وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن الأعرج ((عن أبي هريرة عن رسول الله عَّلِ أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل خرج في البحر فقضى حاجته))، وساق الحديث. حدثني عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بهذا، وأخرجه النسائي في اللقطة عن علي بن محمد بن علي عن داود بن منصور عن الليث نحوه. أما الذي أخرجه في الكفالة فهو في: باب الكفالة في القرض والديون، ولفظه: قال أبو عبد الله، وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز ((عن أبي هريرة عن رسول الله، عَّ له، أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: إيتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً. قال: فأتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها فأحل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها ثم أتى به إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، ١٤٠ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٦٧) وسألني شهيداً، فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإني استودعتكها. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: أخبرتك إني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشداً. وأما الذي في الاستقراض فأخرجه مختصراً في: باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى، فقال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه ((عن رسول الله، عَ له: أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه، فدفعها إليه إلى أجل مسمى ... )) فذكر الحديث. وأما الذي في اللقطة، فأخرجه في: باب إذا وجد خشبة في البحر أو سوطاً أو نحوه، وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز ((عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله عَّلة: أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل))، وساق الحديث ((فخرج ينظر لعل مركباً قد جاء بماله فإذا هو الخشبة، فأخذها لأهله حطباً فلما نشرها وجد المال والصحیفة)). وأما الذي في الشروط فأخرجه في: باب الشروط في الفرض مختصراً، وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز ((عن رسول الله عَّله: أنه ذكر رجلاً سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فدفعها إليه إلى أجل مسمى)). وأما الذي في الاستئذان فأخرجه في: باب بمن يبدأ في الكتاب، وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ((عن أبي هريرة، عن رسول الله عَ لّ: أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل أخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه))، وقال عمر ابن أبي سلمة ((عن أبيه عن أبي هريرة، قال رسول الله عَ له: نجر خشبة فجعل المال في جوفها وكتب إليه صحيفة من فلان إلى فلان)). النوع الثالث: في معاني الحديث، فقوله: ((أن يسلفه))، بضم الياء، من أسلف إسلافاً، يقال: سلفت تسليفاً وأسلفت إسلافاً، والاسم السلف، وهو في المعاملات على وجهين: أحدهما القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر، وعلى المقترض رده، والعرب تسمي القرض سلفاً. والثاني: هو أن يعطي مالاً في سلعة إلى أجل معلوم بزيادة في السعر الموجود عند السلف، وذلك منفعة للمسلف، ويقال له: سلم، والمراد ههنا هو المعنى الأول. قوله: ((فلم يجد مركباً)، أي: سفينة يركب عليها ويجيء إلى صاحبه أو يبعث فيها